← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يُحيل (١) المعاني؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الخائضين حسنُ الرَّأي في نفسه، فقد يعتقد بعضُ النَّاسِ أنَّه مِنَ العارفين بذلك، وليس منهم، فيجبُ سَدُّ هذا الباب، كما اختاره مالكٌ وغَيْره في تحريمِ رواية الحديث بالمعنى (٢)، وإن لم يتعلَّق بصفاتِ الله تعالى، فكيفَ إذا تعلَّق بذلك؟ وثانيهما: سُوءُ الأدبِ على تسليم عدمِ تغيير المعنى، فقد تَحْرُمُ بعضُ العبارات، كما لا يُقال في الدعاء: يا ربَّ الكلابِ والخنازير على الإفراد، بل يَجِبُ التعظيمُ أو التَّعميمُ، فالتعظيم مثل: يا ربَّ العرش الكريم، والتَّعميم مثل: يا ربَّ كُلِّ شيء، كما ورد السَّمعُ بذلك، ولذلك ورد وصفه تعالى بأنَّ بيده الخيرَ وهُو على كُلِّ شيءٍ قدير، فدخل الشَّرُّ في التَّعميم، ولم يُذكر بالتَّخصيص، فيقال: بيدِهِ الشَّرُّ وهو على كل شيء قديرٌ (٣)، ولذلك قال العلماء: لا يُفْرَدُ (٤) الضَّارُّ عَنِ النَّافع في أسمائه الحسنى، لأنَّه تعالى نافع، بِعَيْنِ (٥) ما هو به ضار، مثالُه: مضرَّتُه

стр. 1227

للظالم، فإنَّها عَيْنُ منفعته للمظلوم، ولهذه الأسرارِ وجب الاقتصارُ على ما ورد به السمع، وحرم التَّصرف فيه، والله أعلمُ. قال الشيخ: التصرفُ الرابع الذي يجبُ الإمساكُ عنه: القياسُ والتفريع، مثل: أن يَرِدَ لفظ اليدِ، فلا يجوز (١) إثباتُ الكفِّ (٢) والساعد استدلالاً بأن هذا مِنْ لوازمِ اليَدِ. فأهمُّ المواضع بالاحتياط ما هو تصرف في ذات الله تعالى وصفاته، وأحق المواضع بإلجام اللِّسان، وتقييده (٣) عَنِ الجريان ما عَظُمَ فيه الخَطَرُ، وأيُّ خطرٍ أعظم من الكفر؟ قلتُ: والأصلُ في هذا وأمثاله ما ثبت من طريق الحسنِ بنِ علي ﵉ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " دع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ " (٤) وما في معناه. قال الشَّيخ: الوظيفة السادسةُ في الكفِّ بعد الإمساك للِّسان، وأعني بالكفِّ: كفَّ الباطن عَنِ التفَكرِ في هذه الأمور، فذلك واجبٌ عليه، وهذه أثقلُ الوظائفِ، وهي واجبة كما وجب على العاقلِ أن لا يخوضَ غَمْرَةَ البحرِ اتِّكالاً على عادته في السِّباحة، فإنَّ معاطب البحر كثيرة، ومهالِكَه جمَّة، ويتفكَّرُ في أنَّه -وإن فاتته نفائسُ البحر وجواهرُه- فلم تفُته إلاَّ زياداتٌ وتوسعات (٥) في المعيشة، وهو مستغنٍ عنها، وإن

стр. 1228

غرِقَ أو التقمه التمساحُ، فاته (١) أصل الحياة. قلت: وللإمامِ المؤيَّدِ بالله ﵇ نَحْوُ هذا الكلامِ في آخر كتابه " الزِّيادات " (٢) ذكره في (٣) التحذير في (٤) الزِّيادة على قدرِ (٥) الحاجة في هذه الأمور. قال الشيخ: فإن قيل: فإن لم ينْصَرِفْ قَلْبُهُ عن التفكر؟ فالجواب: أنَّ طريقه أن يَشْغَلَ نفسه بعبادة اللهِ تعالى، وبالصَّلاة، والقرآن، والذكر، فإن لم يَقْدِرْ، فبعلمٍ آخر لا يُناتسِبُ هذا الجنس من فقهٍ أو غيره، فإن لم يُمْكنْه، فَبِحِرْفَةٍ أو صناعة، ولو الحِراثة أو الحياكة، فإن لم يقدر، فليحدِّثْ نفسه بهولِ القيامة، والحشرِ، والنَّشرِ، والحساب (٦)، فكلُّ ذلك خيرٌ له مِنَ الخوض في هذا البحر البعيد عُمْقُهُ، العظيم خَطَره وضَرَرُهُ، بل لو اشتغل الإنسانُ بالعادات (٧) البدنية، كان أسلم له مِنْ أنْ يخوضَ في البحث عن تأويلِ صفات الله تعالى، فإنَّ ذلك عاقِبَتُه الفسقُ، وهذا عاقبتُه الشِّرْكُ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]. فإنْ قيل: إنَّ (٨) الإِنسانَ لا تركَنُ نفسُه إلى الاعتقادات الدِّينيَّة إلاَّ

стр. 1229

بدليل، فهل يُجوز أنْ يُذْكَرَ له الدليلُ (١)؟ فإن جوَّزتَ ذلك، فقد رخّصت له في التَّفكُّرِ والنَّظر، وأيُّ فرق بينَ النَّظرِ وبَيْن غيره؟ وإن منعته (٢)، فكيف تمنعُهُ ولا يتِمُّ إيمانُه إلاَّ به؟ فالجواب: إنَّه يجوز له أن يسمع الدَّليلَ على معرفةِ الخالق سبحانه ووحدانيَّته، وعلى صِدقِ الرَّسول ﷺ ، وعلى اليوم الآخرِ، ولكن بشرطين: أحدُهما: أن لا يُزادَ على أدلَّة القرآن والسُّنَّةِ، ولا يُسْلَكَ به طريقةُ المتكلِّمين وتشطيحاتهم. والآخر: أن لا يُماريَ فيه إلاَّ مراءً ظاهراً، ولا يتفكَّرَ فيه إلاَّ تفكُّراً سهلاً جليَّاً، ولا يُمْعِنَ في التَّفكُّر، ولا يُوغِلَ فيه غايةَ الإِيغال، وأدلَّةُ هذه الأمور الأربعة ما ذُكِرَ في القُرآن. أمَّا الدليل على معرفة الخالق سبحانه، فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٦ - ١٠].

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا -إلى قوله- وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]. وأمثال هذه الآيات -وهِيَ قريبٌ (١) من خمس مئة آية- ينبغي للخلق أن يعرفوا جلالَ الله وعظمته بقوله الصادِقِ المعجز، لا بقولِ المتكلمين: إِنَّ الأعراضَ حادثةٌ، وإنَّ الجواهر لا تخلو مِنَ الأعراض الحادثة، فهي حادثة، ثم الحادثة (٢) تفتقِرُ إلى مُحْدِثٍ، فإِنَّ تلك التقسيمات والمقدمات الرسمية تُشَوِّشُ قُلوب المؤمنين، لا سيما وهي صادرةٌ مِنْ غَيْرِ مَلِيٍّ بالدين (٣)، ولا مضطلع بحملِ شريعة سيِّد المرسلين والأولين والآخرين صلَّى الله عليه وعلى آله أجمعين. والدِّلالات الشَّرعيّةُ الصَّادرةُ عَنِ الله اللَّطيفِ الخبير، وعن رسوله البشيرِ النَّذيرِ تُقْنِعُ وتُسَكِّنُ النُّفُوسَ، وتَغْرِسُ في القلوب الاعتقاداتِ الصَّحيحةَ الجازِمةَ، ولقد بَعُدَ عَنِ التوفيق مَنْ سلك طريقة (٤) المتكلِّمين، وأعرض عن كتاب ربِّ العالمين. وأما الدليل على وحدانيته سبحانه، فيُقنع فيه بما في القرآن مِنْ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 1231

وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (١) [الإسراء: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) [المؤمنون: ٩١]. وأمَّا صِدْقُ رسوله ﷺ ، فَيُسْتَدَلُّ عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ

стр. 1232

بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وبقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وبقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] وأمثاله. وأمَّا اليوم الآخر: فَيُسْتَدَلُّ عليه بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]. وبقوله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٥ - ٦] وأمثالُ ذلك في القرآن كثير. فهذه أدلَّة قاطعة جليَّة (١)، تسْبِقُ إلى الأفهام (٢) ببَادي الرَّأي، وأوَّلِ النَّظرِ، وَيشتَرِكُ كافَّةُ الخلق في دِرْكِهَا، ولأجل ذَلك كانت هَادِيةً نافعةً، فأدلَّة القرآن والسنَّة مثلُ الغذَاءِ، يَنْتَفِعُ به كُل إنسان، وأدلّة المتكلمين مثلُ الداءِ: يتضرر به كل إنسان، بل أدلَّة القرآنِ والسنَّة كالماء الَّذي ينتفِعُ به الصَّبيُّ الرضيعُ، والرجُلُ القويُّ، وأدلة المتكلِّمين كالسُّمِّ الذي يضرُّ كُلَّ

стр. 1233

أحدٍ، ولهذا قلنا: إِنَّ أدلَّة القرآن جليَّةٌ سابقة إلى الأفهام، ألا ترى أنَّ (١) منْ قدر على الابتداءِ، فهو على الإعادة أقدر ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وأن التَّدبيرَ لا ينتظمُ في دارٍ واحدة بمدبرَيْنِ، فكيف ينتظِم في جميع العالم؟ وأن من خلق عَلِمَ ثُمَّ خَلَقَ (٢)، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فهذه أدلَّةٌ تجري مجرى الماء الَّذِي جعل الله منه كلَّ شيْءٍ حيّ، وما أحدثه المتكلِّمُون وراء ذلك من تنقيرٍ، وسؤالٍ، وإلزامٍ، وتوجيه إشكال، ثمَّ اشتغال بحلِّه، فهو بدعةٌ، وضررُه في حقِّ عمومٍ الخلق بَيِّنٌ بالمشاهدة (٣) والتجرِبة، وما أثار مِن الفتن (٤) بَين الخلق منذ نَبَغَ المتكلمون، وفشا صناعةُ الكلام، مع سلامة العصر الأول مِنَ الصَّحابة ﵃ أجمعين (٥) عن ذلك، ويدلُّ عليه أيضاًً: أنَّ رسولَ الله ﷺ وأصحابَه بأجمعهم ما سلكوا في المُحَاجَّةِ مسلكَ المتكلِّمين في تقسيماتهم وتشطيحاتهم، لا لعجز منهم عن ذلك، ولو علموا (٦) أنَّه نافع، لأطنبُوا فيه، ولخاضوا في تحرِّي الأدلَّة خوضاً يَزِيدُ على خوضهم في مسائلِ الفرائضِ، ولقد صدق أبو يوسفُ رحمه الله تعالى في قوله: مَن (٧) طلب الدينَ بالكلام (٨) تزندق.

стр. 1234

فإن قيل: إنَّما أمسك الصحابةُ ﵃ عن ذلك لِعدم الحاجة، فإِن البدع إِنَّما نَبَغَتْ من بعدهم، فَعظُمَتْ حاجةُ المتأخِّرين إليه، ومعرفةُ الكلام راجعة إلى معرفةِ معالجة المرضى بالبدع، فلمَّا قلَّت في زمانهم (١) أمراضُ البدع، قلَّت عنايتُهم بجمع (٢) طرق المعالجة. فالجوابُ من وجهين: أحَدُهُما: أنَّهم في مسائل الفرائِض ما اقتصروا على شأن حكم الوقائع، بل وضعوا المسائلَ، وفرضُوا فيها ما تنقضي الدُّهُورُ ولا يَقَعُ مِثْلُهَا، لأنَّ ذلك ممَّا أمكن وقوعُه، فصنَّفوا حكمه ورتبوه (٣) قبلَ وقوعه، إذ ظنَّوا أنَّه لا ضررَ في الخوض فيه، وفي بيانِ حكم الواقعة قبل وقوعها، وكانت (٤) العنايةُ بإزالةِ البدعِ ونزعها من النفوس أهمَّ (٥)، إلاَّ أنَّهم ثم يتخِذُوا ذلك صناعةً، لعلمهم (٦) أنَّ الاستضرارَ بالخوض فيه أكثرُ مِن الانتفاع، ولولا (٧) أنَّهم كانوا قد حذَّروا مِنْ ذلك، لما فَهِمُوا تحريمَ الخوضِ فيه، وقصَةُ عمر مع صَبيغ بن عَسَلِ معروفة (٨)، وقصة الخوارج، وذكر الفرق عن النبيِّ ﷺ وتحذيره منها مشهورٌ غيرُ منكرٍ. الجوابُ الثاني: أنَّهم كانوا محتاجين إلى محاجَّةِ اليهودِ والنصارى في إثبات النبوَّة نُبُوَّة محمد ﷺ ، وإلى إثبات الإلهية مع عَبَدَةِ الأصنام،

стр. 1235

وإلى إثباتِ البعث مع منكريه، فما ركبوا ظهر الحِجَاجِ في وضع المقاييسِ العقلية، وترتيب المقدِّمات، وتحرير طُرُق (١) المجادلات، كلُّ ذلك لعلمهم بأنَّ ذلك مثارُ الشرِّ، ومنبعُ الفتنة، بَلِ اقتبسوا ﵃ أدلةَ (٢) القُرآن، فمن أقنعه ذلك خَلَّوْهُ، ومن لم يقْنَعْ به، قتلوه، وعدلوا إلى السيف والسِّنان، لأنَّه ليس بَعْدَ بيانِ الله تعالى بيان، على أنَّا نُنْصفُ الخَصْمَ، ولا نُنكِرُ أنَّ حاجة المعالجة تَزيدُ بزيادةِ المرض، فإنَّ لِطُولِ الزَّمان، وبُعْدِ العهد عن عصر النُّبُوَّة تأثيراً في إثارة الإشكالات (٣)، وإنَّ للعلاج طريقين: أحدهما: البيانُ والبرهانُ، وإلى أن يصلح واحد، قد (٤) فسد إثنان فصلاحه بالإضافة إلى الأكياسِ، وهو فسادٌ بالإضافة إلى البُلْهِ، وما أقَلَّ الأكياسَ، وما أكْثَرَ البُلْهَ، والعنايةُ بالأكثر أولى. الطريق الثاني: طريقُ الكفِّ، والسُّكوت، والعُدول إلى الدِّرَّة، والسوط، والسيف، وذلك ممَّا يَنْفعُ الأكثرين، وإنْ كان لا يُقْنِعُ الأقلِّين، وآيةُ إقناعه أن (٥) مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنَ الكافر من الإماء والعبيد تراهم يُسلمون تحتَ ظلالِ السيوف (٦)، ثمَّ يستمرون عليه حتَّى يصيرَ طوعاً ما كان كَرهاً في البداية، ويصير اعتقاداً جزماً ما كان في الابتدإء إِمْرَاً (٧) وَشَكَّاً، وذلك بمشاهدة أهلِ الدِّين، والمؤانسةِ بهم، وسماعِ كلامِ الله تعالى، ورؤيةِ

стр. 1236

الصَّالحين، وقرائنَ مِنْ هذا الجنس تُناسِبُ طباعَهم مناسبةً أشدَّ مِنْ مناسبة الجدل والدّليل. فإذا كان كلُّ واحدٍ من العِلاجَيْنِ يُناسِبُ قوماً دونَ قوم، وجبَ ترجيحُ الأنفعِ في الأكثر، والمعاصرون لِرسول الله ﷺ المؤيَّدِ بروح القدس، المكاشَفِ مِنَ الله سبحانه بالوحي بأسرارِ عباده وبواطنهم أعرفُ بالأصوبِ والأصلحِ قطعاً، فسلوكُ سبيلِهم -إذن لا محالة- أفضلُ وأصوبُ وأعدلُ. الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله ﷺ -، ولأصحابه، وتابعيهم النَّاقلين إلينا شريعتَه ﵇، وأن لا نَتَّهِمَ منهم أحداً، لثبوت عدالتهم في سائرِ لوازِم الشريعة، فإنَّهم نقلوها عن معْدِنِ النبوة، وعُنصرِ الرِّسالة، ولنعلمَ أنَّ البيانَ لا يجوزُ تأخيره عِنْدَ الحاجة، وقد بيَّن لهم ﷺ جميعَ ما أرسله الله تعالى به، حتى قال فلان: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُم كُلَّ شيْءٍ حتى الخراءة، فقال الصَّحابي: أجل، وذكر الحديث (١)، وحتى قال ﵇ في خُطبة الوداع: " إِنَّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السماوات والأرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: [ثلاثةٌ مُتَوالِياتٌ] ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّم، ورَجَبُ [مُضَرَ] الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ " (٢). هذا فيما لا يضُرُّ جهله،

стр. 1237

كيف في أمر التوحيد؟ فلو عَلِمَ ﷺ أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى تأويل صفات الله، وأنَّه يلزمُ الخلقَ كيفيَّةُ معرفتها، لَمَا وَسِعَهُ إِلاَّ البيانُ، وفي عَدَمِ ذلك دليلٌ على كَذِب مُدَّعيه، فلا يرفع أحدٌ طَرْفَه إلى كيفيّة معرفة صفات الله من قِبَلِ عقله إِلاَّ غضَّه الدَّهَشُ والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسيرٌ، فهذا ما يجبُ على المسلمين أن يُؤمنوا به جُملةً، وأنْ يُحيطوا به تفصيلاً، فهذه هي الوظائفُ السَّبْعُ الواجبةُ على الخلق في الآي والأخبارِ، وهي مذهبُ السَّلف، والآن فنقيمُ الدَّليل على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ دونَ المتكلِّمين. الباب الثاني: في إقامة البرهان على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ، وعليه برهانان: عقليٌّ وسمعيٌّ، أمَّا العقليُّ، فمعنيان: كليٌّ وتفصيليٌّ، أمَّا البُرهانُ الكليُّ، فينكشفُ بتسليمِ أربعةِ أصول هي مسلَّمَةٌ عندَ كُلِّ عاقل. الأول: أنَّ أعرفَ الخلقِ بصلاحِ أحوالِ العبادِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، فإنَّ جميع ما يَنْفَعُ في الآخرة أو يَضُرُّ لا سبيلَ إلى معرفته بالتَّجرِبَةِ كَمَا عُرِفَ الطِّبُّ بالتَّجرِبَةِ، إذ لا مجالَ للعلومِ التَّجرِيبية إلا بما يشاهد (١) على سبيل التَّكررِ، ومَنِ الَّذِي رجع مِنْ ذلك العالَم، فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرَّ، فأخبر عنه، ولا يُدْرَكُ بقياس العقل، فإنَّ العقولَ قاصرةٌ عَنْ ذلك، والعقلاءُ بأجمعهم معترفون بأنَّ العقل لا يَهْدِي إلى ما (٢) بعد الموت، ولا يُرْشِدُ إلى وجه ضررِ المعاصي، ونفعِ الطاعات، لا سيَّما على سبيل التَّفصيل والتَّحديد، كما وردت الشَّرائع، فأقرَّوا بجملتهم أنَّ ذلك لا يُدْرَكُ

стр. 1238

إلاَّ بنور النُّبُوَّة، وهي قوَّةٌ وراء قوَّةِ العقل، يُدرك بها مِنْ أمرِ الغَيْبِ في الماضي والمستقبل أمورٌ، لا على طريق التَّعريفِ بالأسرارِ العقلية، ونذكر ها هنا خبرَ المبعث، وشقَّ جبريل لقلبه ﵉، وغسلَه بماءِ زمزمَ، وحشوَه السَّكينَة والحكمَةَ، وقوله ﷺ : " فَكأنَّما أشَاهِدُ الأمْرَ مُشاهَدةً " (١).

стр. 1239

قلتُ: وقولُه ﷺ في حديث الرؤيا واختصام الملأ الأعلى: " فَعَلِمْتُ ما في السَّمَاواتِ والأرْضِ " (١). قال: وهذا مِمّا اتَّفق عليه الأوائلُ مِنَ الحُكماء، فضلاً عَنِ الأولياءِ من الحُكماء الرَّاسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباسِ من رسول الله ﷺ ، المعترفين بقصورِ كُلِّ قوَّةٍ سوى هذه القوة. الأصل الثاني: أنَّه ﷺ بلّغَ (٢) الخَلْقَ ما أُوحِيَ إليه من صلاحِ العبادِ

стр. 1240

فيِ مَعادهم ومَعاشهم، وأنَّه ما كتمَ شيئاً مِنَ الوحي، ولا طواه عَنِ الخلق، فإِنَّه لم يُبْعَثْ إِلاَّ لذلك، فلذلك كان رحمةً للعالمين، ولم يكن مُتَّهَماً فيه، كيف، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِظَنِين﴾ (١) [التكوير: ٢٤]، وعُلِمَ ذلك منه ﷺ علماً ضرورياًً في سائِرِ أحواله مِن حرصه على (٢) إصلاح الخلق، وشغفِه بإرشادهم إلى صلاح مَعادهم ومَعاشهم، ما ترك شيئاً مِمَّا يقرِّبُهُم إلى الجَنة، ويرضي الله، إِلاَّ دلَّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئاً مِمَّا يقربُهم إلى النَّار وإلى (٣) سَخَطِ الله، إِلاَّ حذَّرهم منه، ونَهاهم، وذلك في العلم والعمل (٤) جميعاًً. الأصلُ الثالث: أَنَّ أعرفَ النَّاس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كُنهه، ودرْكِ أسراره، هُمُ الَّذِين شاهدوا الوحي والتَّنزيل، وعاصروه وصَحِبُوه، بل لازموه آناءَ الليل والنهار، مستمرِّين لِفَهْمِ معاني كلامه، وَتَلَقِّيه بالعمل به أوَّلاً، والنَّقلِ إلى من بَعْدَهم ثانياً، والتَّقرُّب إلى الله تعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره. فليت شعري أيُّها المتكلمون، تتَّهمونَ رسول الله ﷺ بإخفائه، وكِتمانه عنهم (٥)، حاشا منصحت النُّبوَّةِ عن ذلك، أم (٦) تتهمون أولئك

стр. 1241

الأكابرَ في فِهم كلامه، وإدراك مقاصدِه، أو تَتَّهمونهم في إخفائه وسَتْره بعد الفَهْمِ، أو تتَّهمونهم في معاندته من حيث العمل، ومخالفته على سبيل المكابرة مع الاعتراف بتفهُّمه وتكليفه، فهذه الأمور لا يَتَّسِعُ لعاقل (١) ظنها. الأصلُ الرابع: أنَّهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دَعَوا الخَلْقَ إلى البحث ، والتفتيشِ (٢)، والتَّنقير، والتَّأويل، والتَّعرض (٣) لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر مَنْ خاض فيه، وسأل عنه على سبيل ما سنذكره عنهم. فلو كان ذلك مِنَ الدِّين، أو مِنْ مدارك علوم الدِّين، لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً، ودعَوْا إليه أولادَهم وأهليهم، ولَشَمَّروا عن ساقِ الجَدِّ في تأسيسِ أُصوله، وشرحِ فُروعه وقوانينه تشميراً أبلغَ مِنْ تشميرهم في تمهيد قواعدِ الفرائضِ والمواريثِ، وتمثيلهم لذلك، وسؤالِ بعضهم المباهلة فيها، وتقاسمهم فيها (٤)، ويَناظرهم عليها، ونذكر ها هنا تمثيلَ عليٍّ، وزيدٍ ﵄ للجَدِّ والأخوة، وقولَهم في الكلالة، وقولَهم في الجَدِّ، إلى سائر ذلك، فيعلم بالضرورة مِنْ هذه الأُصول أنَّ الحَقَّ ما قالوه، والصوابَ ما أرادوه، ولا سِيَّما وقد أثنى عليهم صلوات الله عليه، فقال: " خَيْرُ الناسِ قرْني، ثمَّ الذين يَلونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ " (٥). البرهان الثاني: وهو التَّفصيلي، وهو أنْ نقول: ادَّعينا أنَّ الحقَّ هو

стр. 1242

مذهبُ السلَفِ، وأنَّ مذهبهم (١) هو توظيفُ الوظائف السَّبع، وقد ذكرنا بُرهان كُلِّ وظيفة منها، فَمَنْ خالَفَ، فليت شعري، أَيُخَالِف في قولنا الأول: إِنه يجبُ تقديسُ الله وتنزيهه عَنِ المخلوقات ومشابهتها، أم في قولنا الثاني: إِنه يجبُ عليه التَصديق والإِيمان بما قاله الرَسولُ ﷺ على المعنى الذي أراده؟ أم في قولنا الثالث: إنَّه يجبُ عليه الاعترافُ بالعجز عن كُنْهِ ذات الله تعالى وصفاته؟ أم في قولنا الرَّابع: إِنه يجبُ عليه السُّكُوتُ عَنِ السُّؤال، والخوض فيما وراء طاقته؟. أم في قولنا الخامس: إنه يجبُ عليه إمساكُ اللِّسانِ عن تعبير الظَّواهر بالزِّيادة والنُّقصان؟ أم في قولنا السَّادس: إنَّه يجب عليه كفُّ القلبِ عَن التَفَكُّر فيه مع عجزه عنه، وقد قال لهم (٢) ﵇: " تَفَكَّرُوا في خَلْقِ الله وَلَا تَفَكَّروا في ذاتِ اللهِ " (٣)؟ أم في قولنا السابع: إِنه يجبُ عليه التسليم لله تعالى، ولرسوله

стр. 1243

- ﷺ ، ولأصحابه النَّاقلين عنه لوازم الشَّريعة. فهذه الأمور بيانُها برهانُها، ولا يَقْدِرُ أحد على جَحدها، وإن كان كارهاً، إن كان من أهل التَّمييز، فضلاً عَنِ العُقلاء العلماء، فهذه هي البراهين العقلية. النمط الثاني: البرهان السمعي على ذلك، وطريقه أن نقول: الدليلُ على أنَّ الحق هو مذهبُ السلف: أنَّ نقيضَه بدعةٌ، والبدعةُ مذمومةٌ، وضلالة، والخوضُ في التأويل بدعة، فكان نقيضُه -وهو (١) الكف عن ذلِك- سنَّة محمودة، فهذه ثلاثة أصول: أحدها: أنَّ البحث والتفتيش والسُّؤال عن هذه الأمور بدعة. الثاني: أنَّ كل بدعةٍ مذمومةٌ. الثالث: أنَّ البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضُها -وهو (٢) السُّنَّة القويمةُ- محمودةً، ولا يُمْكنُ النِّزاعُ في شيْء من هذه الأصولِ، وإذا (٣) سُلِّمَ، أنتج (٤) أنَّ الحقَّ مذهبُ السلَفِ. فإن قيل: لِمَ تُنكرون على من يمنعُ كونَ البدعة مذمومة، أو يمنع (٥) كونَ البحثِ والتفتيش بدعة، فَيُنَازع في الأصلين الأولين، ولا يُنازع في الثَّالث لظهوره؟ فالجواب (٦) أن نقول: الدليلُ على إثباتِ الأصلِ الأولِ: اتفاقُ

стр. 1244

الأمَّة قاطبةً على ذمِّ البدعة، وزجرِ المبتدع، وتعييرِ من يُعْرَفُ بالبدعة، وهذا مفهومٌ على الضرورة مِنَ الشَّرع، وذلك غير واقعٍ في محل الظن، وذَمُّ رسول الله ﷺ البدعة عُلِمَ بالتَّواتر بمجموع أخبارِ آحاد تُفِيدُ العلمَ القطعيَّ جملتُها، وإِن كان الاحتمالُ يتطرق إلى آحادها، وذلك كَعِلْمنَا بشجاعةِ عليٍّ ﵇، وسخاءِ حاتِم، وحُبِّ رسول الله ﷺ عائشة ﵂، وبِمَا جرى مجراه، فإنَّه عُلِمَ قطعاً بأخبارِ آحادٍ بلغت في الكثرة مبلغاً لا يحتمل كَذِبُ ناقِلِها، وإِن لم تكن آحادُ تلك الأحاديث متواترةً مثل ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال (١): " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدي، عَضُّوا عَلَيْها بالنوَاجذ، وإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنَّ كل مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وَكل بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " (٢).

стр. 1245

وقال ﷺ : " اتَّبعوا ولا تَبْتَدِعُوا، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قبلَكمْ لمَّا ابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ، وَتَرَكُوا سُنَنَ أَنْبيَائِهِمْ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " (١). وقال ﷺ : " إذا ماتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، فقَدْ فُتِحَ عَلى الإسلامِ فَتْحٌ " (٢). وقال ﷺ : " مَنْ مَشَى إلى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَه، فَقَدْ أَعَان عَلى هَدْمِ الإِسْلاَمِ " (٣).

стр. 1246

وقال ﵇: " مَنْ أعرض عن صَاحِبِ بدْعةً بُغضا له في اللهِ، ملأ اللهُ قلْبه أمناً وإيماناً، ومَنِ انتهر صَاحِبَ بدعةٍ، رفع الله له مئة درجة، ومَنْ سلَّم على صاحب بدعة أو لَقِيَهُ بالبشرى، فَقَد استخفَّ بمَا نُزِّلَ (١) على محمد ﷺ (٢). " إِنَّ الله لا يَقْبَلُ لِصاحِبِ بِدْعَةٍ صَرْفَاً ولا عَدْلاً، ويَخْرُجُ مِنَ الإِسلامِ كما يَخْرُجُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّة، أو كما يخْرُجُ الشَّعْرُ من العَجِينِ " (٣). قلتُ: هذه الأحاديث غرائبُ أو مناكير، إِلاَّ الأوَّلَ، وفي كُتب الأئمَّة السِّتّة وغيرِهم مِنْ حُفَّاظ الإِسلام ما يغني عنها، ويَزيدُ عليها. قال الشَّيخ: فهذا وأمثالُه ممَّا تجاوزَ حدَّ الحصر أفاد علماً ضرورياًً بِكَوْنِ البدعةِ مذمومة. فإن قيل: لا نسلم أنَّ كُلَّ بدعة مذمومة، ولكن ما دليلُ الأصلِ الثاني، وهو أنَّ هذا بدعة؟ والبدعة عبارة عن كلِّ مُحْدَثٍ، فلم قال الشَّافعي ﵀: إنَّ الجماعة في التَّراويح بِدْعَةٌ، وهي بدعة حسنة (٤)؟ وخوضُ الفقهاء في تفاريع المسائل، ومناظرتهم فيها مع ما

стр. 1247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1248

أبدعوه من نقضٍ وكسر، وفساد وضع، وتركيب، وفنون مجادلة، وإلزام، كلُّ ذلك مُبدعٌ لم يُرْوَ عن الصحابة شيءٌ من ذلك، فدلّ أنَّ البدعة المذمومة ما رفع سُنَّةً مأثورة، ولا نُسلِّمُ أن هذا رافعٌ لسنَّة مأثورةٍ، ولكنَّه مُحدثٌ ما خاض فيه الأوَّلون، إمَّا لاشتغالهم بما هو أهمُّ منه، وإما لسلامة القلوب في العصر الأول عن الشكوك والتَّردُّدات، فاستغنوا عن الخوض فيه، وخاض فيه من بعدهم، لحدوث الأهواء، والبدع، ومسيس الحاجة إلى إبطالها، وإفحام منتحليها (١). والجواب: أنَّ ما ذكره أنَّ البدعة المذمومة كل مُحدَثٍ رفع سُنَّة قديمة هو الحق، وهذه بدعة رفعت سنة قديمة، إذ كان سنة الصحابة ﵃ المنع من الخوض فيه، وزجرَ من سأل عنه، والمبالغة في منعه، ففتحُ باب السؤال عن هذه المسائل، والخوضُ في غمرة هذه المشكلات على خلاف ما تواتر عنهم، بدعةٌ، وقد صحَّ ذلك عن الصحابة ﵃ بتواتر النَّقل عن التابعين من نقلة الآثار، وسير السلف صحة لا يتطرق إليها ريب، ولا يتخالجها (٢) شكٌّ، كما تواتر خوضهم في مسائل الفرائض، ومشاوراتهم (٣) في أحكام الوقائع الفقهية العملية، وحصل العلم به أيضاً بأخبار آحاد لا يتطرق الشك إلى مجموعها، وإن تطرق الاحتمال إلى آحادها كما ذكرنا في ذم البدعة، وكما نقل عن عمر ﵁ إلى قول الشيخ: فإذن، قد عُرِفَ على القطع أنَّ هذه بدعة

стр. 1249

مخالفة لسنة السلف، لا كخوض الفقهاء في التفاريع، فإنَّ ذلك -وإن كان محدثاً- فليس فيما نقل عن السلف زجرٌ عن الخوض فيه، بل نقل عنهم الإمعان في الخوض في مسائل الفرائض، فعرف جواز الخوض فيه. وأما ما أُبدع من فنون المجادلات، فهو بدعةٌ مذمومةٌ عند أهل التحصيل، وذلك أن ما يشوِّشُهُ الجدل (١) أكثرُ مما يمهِّده، وما يفسدُهُ أكثر ممَّا يصلحه، والجدل يضاهي (٢) ضرب الشجرة بالمدَقَّة من الحديد رجاء تقويتها، وهو يكسر (٣) أجزاءها ويفسدها، والمشاهدة تكفيك في هذا بياناً، وناهيك بالعيان برهاناً، فَقِسْ (٤) عقيدة أهل الدين، والصلاح والتقى من عوام الناس، فضلاً عن خواصِّهم بعقيدة المتكلمين والمتجادلين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ، لا تحركه الصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس عقيدته بتقسيمات (٥) الجدل كخيطٍ مُرسل في الهواء تُفيئه الريحُ مرة هكذا، ومرة هكذا. قلت: إنما يعني (٦) هذا الجنس الخاصَّ من العامة، وهم أهل التقوى، والصلاح، والتمييز إذا شكك عليهم في جنسٍ مخصوصٍ من العقائد، وهو المعلوم من الدين بالضرورة من ثبوت الرب سبحانه، وصفات الكمال له، وثبوت (٧) النبوة، ونحو ذلك، ولم يُرد أنَّ جميع العوام لا يشكون في دقائق العقائد، فإنهم لم يثبتوها أوَّلاً، فكيف لا

стр. 1250

يشكون فيها ثانياً؟ قال الشيخ: وقد ذهب إلى تحريم الكلام، وذمه أئمة الدين، وهم عمدة الإسلام والمسلمين، منهم الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وجميع أهل الحديث. قال الشافعي ﵁: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير من أن يلقاه بشيءٍ من الكلام (١). وقال: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويطاف عليهم في العشائر والقبائل، ويقال (٢): هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً ممن نظر في الكلام إلا وفي (٣) قلبه دَغَلٌ.

стр. 1251

وقال مالك: أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه، أيدع دينه كل يوم لدين جديد، يعني: أن أقوال المتكلمين تتقاوم. وقال: لا يجوز شهادة أهل البدع والأهواء. فقال بعض أصحابه في تأويل كلامه: إنه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أيِّ مذهبٍ كانوا. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق (١). وقال الحسن: لا تُجالسُوا أهل الأهواء، ولا تُجادلوهم، ولا تسمعوا منهم. وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم فيه (٢) من التشديد. قلت: ونقل محمد بن منصور الكوفي (٣) نحو (٤) هذا عن الإمام القاسم (٥) بن إبراهيم وغيره من قدماء أهل البيت ﵈، ذكره في كتاب " الجملة والألفة "، ونقله عنه (٦) السيد الشريف العلامة أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع الكافي "، ونقلتُ منه كثيراً في مسألة القرآن من (٧) هذا الكتاب، وهو نقلٌ مفيد.

стр. 1252

قال الشيخ: فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني ؟ وقد شاع في البلاد هذه الاختلافات، فظهرت التعصبات، فكيف سبيل هذه المسائل؟. فإن (١) الجواب في كل مسألة يسأل عنها: ما قال مالك ﵀ في مسألة الاستواء، إذ (٢) قال: الاستواءُ معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٣)، لينحسم سبيل الفتنة، ولا يقتحم ورطة الخطر، لأنا لا ندري ما الذي أراده الله تعالى، ولم نكلف نحن ولا أنت أيها السائل معرفة ذلك، ومن لم يقنع بما ذكرناه، لم يزده الإكثار إلا تحيُّراً، فهذه صفة مذهب السلف، ولا عدول لأحدٍ عنه، ولا بدل (٤) منه إلى قول الشيخ (٥). فصل: ولعلك تقول: لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه (٦) الأسباب، ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء، وقد كُلِّفَ الناس المعرفة الحقيقية دون اعتقادٍ هو من جنس الجهل، لا يميز فيه الباطل عن الحق.

стр. 1253

فالجواب (١): أنَّ هذا غلط ممَّن ذهب إليه، بل سعادة الخلق أن (٢) يعتقدوا الشيء على ما هو عليه اعتقاداً جازماً لجبلَّة (٣) قلوبهم على موافقة الحق، لأنه ليس المطلوبُ الدليل المفيد، بل الفائدة هي حقيقة الحق على ما هي عليه، ولهذا قال رسول الله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجسانه " (٤)، فمن اعتقد حقيقة الحق في الله تعالى، وفي صفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فهو سعيدٌ، وإن لم يكن ذلك بدليل مجرد كلامي، ولم يكلف الله عبادة إلا ذلك، وذلك معلوم، على الضرورة بجملة أخبارٍ متواترة عن رسول الله ﷺ في توارد (٥) الأعراب عليه، وعرضِه الإيمان عليهم، وقبوله ذلك (٦)، وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم التفكر في المعجزه، ووجه دلالتها، في حدوث العالم، وإثباث محدثه، وسائر الصفات، بل الأكثر من أجلاف العرب لم يفهموا ذلك، ولم يدركوه بعد طول المدة، بل كان الواحد منهم يُحلِّفُه ﵇ فيقول: [أنشدك] بالله آلله أرسلك

стр. 1254

رسولاً؟، فيقول: " اللهُ الله أرسلني رسولاً " (١)، فكان (٢) يصدقه (٣) بيمينه وينصرف، ويقول الآخر إذا قدم عليه، ونظر إليه: والله ما هذا وجه كذاب (٤)، وأمثال ذلك مما لا يحصى، بل كان يُسلِمُ في غزوةٍ واحدةٍ في عصر الصحابة آلاف، لا يفهم الأكثرون منهم أدلة الكلام، ومن كان يفهم، فيحتاج أن يترك صناعته، ويختلف إلى مُعلِّمِهِ مُدَّةً، ولم ينقل قط شيءٌ من ذلك. فعلم (٥) علماً ضرورياً أن الله تعالى لم يكلف الخلق الإيمان والتصديق على طريقة المتكلمين.

стр. 1255

قلت: فهذا من السمع، ومن النظر: أنَّ (١) الدليل كالطريق، والوسيلة إلى الاعتقاد الصحيح، فمن حصل الاعتقاد الصحيح، لم يجب التشاغل بالطريق، مثل سائر الوسائل، خصوصاً إذا خيف من الاشتغال بالوسيلة فوات الأمر المتوسل إليه بالقرائن والتجارب (٢)، وربما انتهى الأمر إلى تحريم الخوض في ذلك، حيت يغلب على الظن أن فيه مضرة مظنونة للاتفاق على أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتحقيق إن شاء الله تعالى. ثم المتكلمون هنا (٣) مختلفون، فمنهم من يخلع رِبْقَةَ المراعاة لأحوال السلف، ويصرح بتكفير العامة، فيقعُ في الحديث المتفق على صحته: " إذا قال المُسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهُمَا " (٤). وهؤلاء قسمان: منهم من يعتقد هذا ولا يُظهرُهُ، ومنهم من يظهره، والطائفة الأخرى: منهم الذين يراعون ظاهر أحوال السلف، فيقعون في المناقضة، لأنهم يجيبون بأن الأدلة جليَّةٌ، تعرف بالفطرة مع أدنى تأمل، وجوابهم هذا يستلزم إمَّا الاستغناء عن علم الكلام -وهو المقصودُ- وإما دعوى أن أدلة علم الكلام كذلك، وهو باطل بالضرورة، والتجربة تدل على ذلك، فإنا نُحضر أذكى العامة، بل أذكى علماء الفنون غير الكلام، فلا يستطيعُ فهم أدلتهم بالفطرة في المدة اليسيرة، وقد ذكرت فيما مضى ما ذكره الرازي في " المحصول " في دفع هذا بقوله: إنه يستحيل أن يكون العلم بالبرهان جملياً، قال: لأن البرهان إذا تركب من عشر مقدمات،

стр. 1256

فيستحيل ممن علم تسعاً، وقلَّد في العاشرة أن يكون عالماً، ويستحيل ممَّن علم العشر المقدمات أن يزيد فيها، وهذا الذي ذكره ضروري، وهو يمحو تخيُّلهم في الجواب بالمرة (١). قال الشيخ: فإن قيل: بم يميز المقلد بين نفسه، وبين اليهودي المقلِّد ؟ فالجواب: أن المقلد لا يعرف التقليد، ولا يعرف أنه مقلد من (٢) يعتقد في نفسه أنه محق عارف، ولا شك في معتقده (٣)، ولا يحتاج في نفسه إلى التمييز، لقطعه (٤) بأن (٥) خصمه مُبطِلٌ وهو محق، ولعله - أيضاً- مستظهر بقرائن وأدلة ظاهرةٍ يرى نفسه مخصوصاً بها، ومميزاً بسببها عن خصمه، وإن كان اليهودي يرى نفسه مثل ذلك، فإنَّ ذلك لا يشوش على المحق اعتقاده، كما أن العارف الناظر يزعم أنه يميز نفسه عن (٦) اليهودي بالدليل، واليهودي (٧) المتكلم الناظر يزعم أنه مميز عنه بالدليل، فدعواه تلك لا تُشككُ الناظر العارف، فكذلك لا يُشكك المقلد القاطع، ويكفيه في الإيمان أن لا تشككه في اعتقاده معارضة المبطل كلامه بكلامه، فهل رأيت عامياً قط قد اغتمَّ وحزن من حيث تعسَّر عليه الفرقُ بين تقليده وتقليد اليهودي؟ بل لا يخطر ذلك ببال العوام، وإن خطر ببالهم وشوفهُوا به، ضحكوا من قائله، وقالوا: ما هذا إلا هذيان،

стр. 1257

وكأن بين الحق والباطل مساواةٌ حتى تحتاج إلى الفارق، الفرق أنه على الباطل وأنا على الحق، وأنا متيقن لذلك، غير شاك فيه، فكيف أطلب الفرق حيت يكون الفرق معلوماً قطعاً من غير طلب؟ فهذه حالة المقلِّدين الموقنين، وهذا إشكالٌ لا يقع لليهودي المبطل، لقطعه بمذهبه مع نفسه، فكيف يقع للمقلد المسلم الذي وافق اعتقاده ما هو عند الله تعالى؟ فظهر بهذا على القطع أنَّ اعتقاداتهم جازمة، وأن الشرع لم يكلفهم إلا ذلك. انتهى كلامه ﵀. وأقول: إن الله تعالى قد فطر الخلق على معرفته، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، وأوضح ذلك رسول الله ﷺ . وزاده بياناً بقوله: " كل مولود يولد على الفطرة " (١)، واتفق الكل على صحته، وهذه الفطرة تقتضي الإيمان بنفسها، وترجحه على ما ينافيه، سواءٌ كانت علماً ضرورياً، كما قاله أهل المعارف من المعتزلة، أو نظرياً (٢) جلياً كما يقوله الجمهور، أو يقيناً ظنياً يقتضي من سكون النفس ما يقتضيه النظر، فمن قبلها، ولم يعارضها بما هو دونها من شُبَهِ (٣) المبطلين، أثابه الله الزيادة في إيمانه، ومن عصى بعنادٍ، أو تقليدٍ لأبويه أو شيوخه، استحق العقوبة، كما قال تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [البقرة: ٢١١]، وقد أوجبت المعتزلة الخاطر على الله تعالى، وهو زيادة على الفطرة، فكيف لا يفترق

стр. 1258

الحال بين الفطرة وضدها مع وجوب الخاطر عند اعتقاد الباطل دون الحق. جواب آخر: وهو أن الخلاف قد ثبت في العلوم الضرورية، وللمخالفين (١) في ذلك سُنة معروفة، يصعب جوابها على العامة ضرورة، وأما (٢) الخاصة، فإنما يسلكون في ردها مسلك السنة وأهلها في الرد على المبطلين، وذلك لأن ردها بالاستدلال محال، فإنها تشكك (٣) في مقدماته الضرورية التي نشأ عليها، فثبت أن أهل الكلام رجعوا إلى سنة الرسول ﷺ حيث قال: " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله " (٤) الحديث. فإن قيل: قد شكيت الوسوسة على عهد رسول الله ﷺ وهي تنافي الجزم، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن النظر في الأدلة لا يقطع الوسوسة، وقد قال الخليل ﵇: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠﴾، وهذا مشترك الإلزام، فما أجابوا به فهو جوابنا.

стр. 1259

والثاني: أنها لا تناقض (١) الجزم؛ لأن متعلقها مختلفٌ غيرُ متَّحدٍ، والجزم من فعل الله تعالى إن كان ضرورياً، ومن فعل العبد أو آثار فعله إن لم يكن ضرورياً، والوسوسة ليست من فعل العبد قطعاً؛ لأنَّها ضرورية، غير واقفةٍ على اختياره، وهي من فعل الشيطان، لما (٢) ورد من النصوص الصحاح في الأمر بالتَّعوُّذ (٣) منه عند ذلك، ولما يشهد بذلك من القرآن الكريم من نسبة جميع ما يعارض الحق والنبوات إلى الشيطان، وهذا (٤) في حق من لا ذنب له، والسمعُ دلَّ (٥) على أن من هذا حالُه، فإنَّ الله يهديه، ويشرح صدره للإسلام، ويمنع (٦) رجحان ظن الباطل. والعقلُ عند المعتزلة يوجبُ ذلك مع السمع في حقِّ المطيع والعاصي، فلا يخاف من هذا على قواعدهم مطلقاً. وأما من يستحق العقوبة بسلب اللُّطف عند أهل السنة، فقد يُعَاقَبُ من جهة الله تعالى بذلك (٧)، وبأكثر منه (٨)، كما لم يُؤمنوا به أوَّل مرَّة كما قال تعالى، وكما خالفوا الفطرة التي فطرهم عليها وغيَّرُوها، وكما حكى سبحانه من التيسير للعسرى، وكما سيأتي (٩) مشروحاً واضحاً في مسألة الأفعال، ومسألتي الأقدار والمشيئة، وبيان ذلك وقوع الوسوسة في الضروريات مع الموسوسين.

стр. 1260

وأما الطمأنينة التي تنتفي معها الوسوسة، فإنها موهبة من الله تعالى بالاتفاق، لأنها ضرورية غير واقفة على اختيار العبد، وقد يكون سببها مشاهدة الخوارق كما في قصة الخليل عليه الكلام، وقد يكون سببها كثرة اليقين والتصديق بوقوع الخوارق حتى يكون (١) السامع للأخبار كالمعاين. وأساس هذا كثرة المعرفة لكتب معجزات الأنبياء ﵈ وأحوالهم، ومن أنفس ما صُنِّفَ في ذلك: كتاب " الشفاء " (٢) للقاضي عياض، وأنفس منه أوائل " البداية والنهاية " (٣) لابن كثير. وقد يكون سببها كثرة الصلاح. وأبعد أسبابها النظر على طريقة المتكلمين، بل هو منافر لها، لأنه عند أهله مبني على الشك، إذ لا يصح النظر عندهم في المقطوع بصحته. والجواب عليهم (٤): أن معرفة الله جلية في الفطرة، سابقةٌ للشك كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [إبراهيم: ١٠]، ولذلك قال ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة " الحديث، والشك لا يحل إلا أن يقع بغير اختيار، فيعفى عنه لقول الخليل: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، وللنصوص الصحاح.

стр. 1261

وهنا (١) جواب آخر على أصل السؤال وهو قولهم: بم يُميِّزُ المقلِّد المسلم نفسه عن اليهودي المقلِّد، وذلك أن نقول (٢): هذا السُّؤال مبنيٌّ على التسوية بين الظنون والقرائن، وذلك غير مسلم، والتفرقة بين ذلك جلية فطرية، لأن الله تعالى خلق الخلق على فطرة الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. واتفق الجميع على صحة الحديث عن رسول الله ﷺ " كل مولود يولد على الفطرة (٣)، وإنَّما أبواه يهودانه وينصِّرانه "، وهذه الفطرة عند أهل المعارف علمٌ ضروريٌّ، وعند غيرهم ما يقاربه ويُسمى باسمه، ولا يكاد يتميز عنه من اليقين (٤) المستند إلى مجموع قرائن لا يمكن التعبير عنها، فكيف لا يتميز الفرق بين ذلك وبين ما يُعارضه من وسواس الشياطين، وكيف لا نُدركُ الفرق بين ذلك بضرورة الفطرة المخلوقة بعدل الله تعالى، وفضله، وحكمته، وكمالِ حجته. والتحقيق على أصل الجميع أن ظن الباطل لا يكون راجحاً في الابتداء، ولا يترجح إلا بالعقوبة المستحقة، وما لا يكون راجحاً، لا يكون في مخالفته مضرَّة (٥) مظنونةٌ، ولا يجبٌ الاحتراز منه، وظن الحق

стр. 1262

راجحٌ بالفطرة الأولة (١)، وفي مخالفته مضرة مظنونة، ودفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً، وقد أخبر الله تعالى أنه كفَّر سيئات الذين آمنوا بما نُزِّل على محمّد ﷺ ، وهو الحق من ربهم تعالى، وأصلح بالهم (٢)، وعلل ذلك بأنهم اتبعوا الحق من ربهم، بخلاف الذين كفروا واتبعوا الباطل (٣)، والذين (٤) اهتدوا زادهم هُدى وآتاهم تقواهم (٥). والعاميُّ يدرك ذلك، فإن العامي إذا أخبره كثير ممَّن يثق به غاية الثقة بأمرٍ موافقٍ للفطرة والشُّهرة، ثم عارضه من يستند إلى معرفة العامي أنه كذابٌ، أو يكون عند العامي مجهول الحال، فإن العامي يدرك التفرقة بين ظنَّه المستند إلى خبر الثقة المخبور المأمون، الموافق للفطرة والشهرة، وبين ظنِّ مخالفة المستند إلى قول الكذَّاب، أو المجهول، بل لا يُسمِّيه ظناً حتى يحتاج إلى فارقٍ، بل يقطع أنَّه باطل، وهذا مثالٌ نقيس عليه سائر القرائن (٦)، فإنَّ التفرقة بين الظُّنون والقرائن ضروريةٌ غير مفتقرةٍ إلى الطلب، وقد دلَّ على ذلك السمع، حيث قال الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فلو لم يكن بين الظن الصحيح والظن الباطل فرق، لكان الظن كله حراماً أو حلالاً، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن الظن المحرم هو الذي لا (٧) يستند إلى قرينةٍ صحيحةٍ،

стр. 1263

والظنُّ الجائز مخالفة منهم (١)، فقد تطابق العقل، والسمع (٢)، والخاصة، والعامة على التفرقة بين الظنون والقرائن، وكيف لا يكون ذلك، وجميع أفعال العقلاء مبنيَّةٌ على الظنون والترجيح بين المتعارض (٣) منها، فعمَّال الآخرة يعملون على ظن الإصابة، والقبول، وحسن الخاتمة، وعمال الدنيا كذلك، فالزراع يزرع على ظن التمام، والتاجر يسافر على ظن الفائدة، والملوك يحاربون على ظن النصر، والفقهاء يفتون على ظنِّ الإصابة، والمراض (٤) يتداوون على ظنِّ النفع، والمؤرخون يؤرخون على ظن التصديق، وأهل العلم يحكون ما قالوهُ على ظن الصدق، والخلق يسأل بعضهم بعضاً، ويكتب بعضهم إلى بعضٍ، كل ذلك على أن الظنون معمول بها، ومتميز راجحها من مرجوحها، وقويُّها (٥) من ضعيفها، وغالبُها من مغلوبها (٦)، وربما احتفّ (٧) بالخبر من القرائن ما يرفعه إلى مرتبة الضرورة، ولا سيما في معرفة الله تعالى، وصدق رسله (٨) التي هي الفطرة بالنص الصحيح (٩)، ولا سيما وطائفة جلَّةٌ من حُذَّاق المتكلِّمين يقولون: إن معرفة الله تعالى ضرورية، والطائفة الأخرى يقولون: إنها قرينة جلية، فلا شكَّ في قوة القرائن الموافقة لذلك الَّتي مادُّتها من كلمات الله التي لا ينفدها البحر يمُدُّه من بعده سبعة أبحر، والتي (١٠) مثَّلها الله تعالى في كثرة موادِّها، لا في

стр. 1264

مقدارها ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، ومثَّلها سبحانه بكلمةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلها كُلَّ حين، فيا عجباً، كيف يدق الفرق بين الظن الموافق، وظن كلمة الباطل المشبهة بشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؟ وبظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ، يغشاه موجٌ، من فوقه موج، من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نُورٍ. بل المعلوم للعقلاء أنَّه لا يحصلُ ظنٌّ راجح بما خالف الفطرة والبراهين الجلية، اللهم إلا أن يعاندوا في أول الأمر، ويعارضوا الظن الراجح بالشك المساوي، بل الوهم المرجوح، فيخذلهم الله كما لم يؤمنوا به أول مرة، ويعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، ويكونوا من الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضاً. الآيات في أول البقرة، ومن الأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فهؤلاء لا يعدلون عن آيات الله تعالى بعد أن جاءتهم مبصرة، واستيقنتها أنفسهم إلى الشُّبه الخيالية، والمتشابهات الوهمية التي يتبعها الذين في قلوبهم زيغٌ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وقد أخبر الله تعالى في مُحكَم كتابه: إنما أنزل المتشابه ليهدي به كثيراً، ويضل به كثيرا، وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين. فكيف لا يعرف العاميُّ الفرق بين الفطرة والبدعة، والفرقُ بينهما ضروري من جملة الفطرة، فإنَّ الدين الحق إذا كان هو الفطرة، فمعرفته،

стр. 1265

والطمأنينةُ به، وشرح الصدر، ونكارة ضده من الفطره أيضاً. فإذا تقرَّر أنَّ معرفة العامي للفرق بين القرائن أمر جلي فطري، كان فرقه بين القرائن المولِّدة لظنِّه من قبيل العلوم الضرورية، فإنه -وإن لم يعلم أن ظنه مطابق لمظنونه- فإنه يجزم باعتقاد ذلك، ويعلم أن القرينة الدالة على حسن العمل بظنه قرينة صحيحة مقتضية لحسن العمل به بالفطرة الضرورية، كما أن الناظر يعتقد أن استدلاله -وإن كان يصحبه الوسوسة، وتجويز ورود الشُّبهة عليه- فإنه قد بناه على قواعد علمية، ومقدماتٍ يقينيةٍ، بل ضرورية عند المحققين. ومثال ما ذكرناه في حق المقلد: ما يذكره المتكلِّمون، وأهل الأصول في تجويز التقليد في الفروع للمسلم العامي متى قلَّد مسلماً عالماً بالفقه، وتحريم مثل ذلك على اليهودي العامِّي متى قلَّد يهودياً عالماً بشريعة موسى ﵇، وكما أن العامي المقلد للعالم المسلم يجوز له ذلك، ونجد فرقاً بين ذلك، وبين تقليد العامي اليهودي للعالم اليهودي، فكذلك العامي المسلم المقلد في الأصول للأنبياء والصالحين وعلماء المسلمين الذين يعرفهم، وتتحقَّق أمانتهم، ونجد خبرهم موافقاً (١) للفطرة الضرورية التي فطره وربُّه سبحانه عليها، نجد فرقاً بما (٢) عرفه من ذلك وبين اليهودي المقلد في أصول دينه للخرَّاصين والمجاهيل من كذبة اليهود وكفرتهم الذين عُلِمَ كذِبُهم أو جُهِلَ حالهم، وإن كان العامي اليهودي يعتقد في نفسه مثل ذلك، فالعامي المسلم يعلم فساد اعتقاده، كما يعلمه الناظر المسلم، وذلك بما قدَّمنا من أن علمه بصحة قرائنه وقوتها ورجحانها
следующие страницы →