← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وهنا (١) جواب آخر على أصل السؤال وهو قولهم: بم يُميِّزُ المقلِّد المسلم نفسه عن اليهودي المقلِّد، وذلك أن نقول (٢): هذا السُّؤال مبنيٌّ على التسوية بين الظنون والقرائن، وذلك غير مسلم، والتفرقة بين ذلك جلية فطرية، لأن الله تعالى خلق الخلق على فطرة الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. واتفق الجميع على صحة الحديث عن رسول الله ﷺ " كل مولود يولد على الفطرة (٣)، وإنَّما أبواه يهودانه وينصِّرانه "، وهذه الفطرة عند أهل المعارف علمٌ ضروريٌّ، وعند غيرهم ما يقاربه ويُسمى باسمه، ولا يكاد يتميز عنه من اليقين (٤) المستند إلى مجموع قرائن لا يمكن التعبير عنها، فكيف لا يتميز الفرق بين ذلك وبين ما يُعارضه من وسواس الشياطين، وكيف لا نُدركُ الفرق بين ذلك بضرورة الفطرة المخلوقة بعدل الله تعالى، وفضله، وحكمته، وكمالِ حجته. والتحقيق على أصل الجميع أن ظن الباطل لا يكون راجحاً في الابتداء، ولا يترجح إلا بالعقوبة المستحقة، وما لا يكون راجحاً، لا يكون في مخالفته مضرَّة (٥) مظنونةٌ، ولا يجبٌ الاحتراز منه، وظن الحق

стр. 1262

راجحٌ بالفطرة الأولة (١)، وفي مخالفته مضرة مظنونة، ودفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً، وقد أخبر الله تعالى أنه كفَّر سيئات الذين آمنوا بما نُزِّل على محمّد ﷺ ، وهو الحق من ربهم تعالى، وأصلح بالهم (٢)، وعلل ذلك بأنهم اتبعوا الحق من ربهم، بخلاف الذين كفروا واتبعوا الباطل (٣)، والذين (٤) اهتدوا زادهم هُدى وآتاهم تقواهم (٥). والعاميُّ يدرك ذلك، فإن العامي إذا أخبره كثير ممَّن يثق به غاية الثقة بأمرٍ موافقٍ للفطرة والشُّهرة، ثم عارضه من يستند إلى معرفة العامي أنه كذابٌ، أو يكون عند العامي مجهول الحال، فإن العامي يدرك التفرقة بين ظنَّه المستند إلى خبر الثقة المخبور المأمون، الموافق للفطرة والشهرة، وبين ظنِّ مخالفة المستند إلى قول الكذَّاب، أو المجهول، بل لا يُسمِّيه ظناً حتى يحتاج إلى فارقٍ، بل يقطع أنَّه باطل، وهذا مثالٌ نقيس عليه سائر القرائن (٦)، فإنَّ التفرقة بين الظُّنون والقرائن ضروريةٌ غير مفتقرةٍ إلى الطلب، وقد دلَّ على ذلك السمع، حيث قال الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فلو لم يكن بين الظن الصحيح والظن الباطل فرق، لكان الظن كله حراماً أو حلالاً، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن الظن المحرم هو الذي لا (٧) يستند إلى قرينةٍ صحيحةٍ،

стр. 1263

والظنُّ الجائز مخالفة منهم (١)، فقد تطابق العقل، والسمع (٢)، والخاصة، والعامة على التفرقة بين الظنون والقرائن، وكيف لا يكون ذلك، وجميع أفعال العقلاء مبنيَّةٌ على الظنون والترجيح بين المتعارض (٣) منها، فعمَّال الآخرة يعملون على ظن الإصابة، والقبول، وحسن الخاتمة، وعمال الدنيا كذلك، فالزراع يزرع على ظن التمام، والتاجر يسافر على ظن الفائدة، والملوك يحاربون على ظن النصر، والفقهاء يفتون على ظنِّ الإصابة، والمراض (٤) يتداوون على ظنِّ النفع، والمؤرخون يؤرخون على ظن التصديق، وأهل العلم يحكون ما قالوهُ على ظن الصدق، والخلق يسأل بعضهم بعضاً، ويكتب بعضهم إلى بعضٍ، كل ذلك على أن الظنون معمول بها، ومتميز راجحها من مرجوحها، وقويُّها (٥) من ضعيفها، وغالبُها من مغلوبها (٦)، وربما احتفّ (٧) بالخبر من القرائن ما يرفعه إلى مرتبة الضرورة، ولا سيما في معرفة الله تعالى، وصدق رسله (٨) التي هي الفطرة بالنص الصحيح (٩)، ولا سيما وطائفة جلَّةٌ من حُذَّاق المتكلِّمين يقولون: إن معرفة الله تعالى ضرورية، والطائفة الأخرى يقولون: إنها قرينة جلية، فلا شكَّ في قوة القرائن الموافقة لذلك الَّتي مادُّتها من كلمات الله التي لا ينفدها البحر يمُدُّه من بعده سبعة أبحر، والتي (١٠) مثَّلها الله تعالى في كثرة موادِّها، لا في

стр. 1264

مقدارها ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، ومثَّلها سبحانه بكلمةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلها كُلَّ حين، فيا عجباً، كيف يدق الفرق بين الظن الموافق، وظن كلمة الباطل المشبهة بشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؟ وبظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ، يغشاه موجٌ، من فوقه موج، من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نُورٍ. بل المعلوم للعقلاء أنَّه لا يحصلُ ظنٌّ راجح بما خالف الفطرة والبراهين الجلية، اللهم إلا أن يعاندوا في أول الأمر، ويعارضوا الظن الراجح بالشك المساوي، بل الوهم المرجوح، فيخذلهم الله كما لم يؤمنوا به أول مرة، ويعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، ويكونوا من الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضاً. الآيات في أول البقرة، ومن الأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فهؤلاء لا يعدلون عن آيات الله تعالى بعد أن جاءتهم مبصرة، واستيقنتها أنفسهم إلى الشُّبه الخيالية، والمتشابهات الوهمية التي يتبعها الذين في قلوبهم زيغٌ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وقد أخبر الله تعالى في مُحكَم كتابه: إنما أنزل المتشابه ليهدي به كثيراً، ويضل به كثيرا، وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين. فكيف لا يعرف العاميُّ الفرق بين الفطرة والبدعة، والفرقُ بينهما ضروري من جملة الفطرة، فإنَّ الدين الحق إذا كان هو الفطرة، فمعرفته،

стр. 1265

والطمأنينةُ به، وشرح الصدر، ونكارة ضده من الفطره أيضاً. فإذا تقرَّر أنَّ معرفة العامي للفرق بين القرائن أمر جلي فطري، كان فرقه بين القرائن المولِّدة لظنِّه من قبيل العلوم الضرورية، فإنه -وإن لم يعلم أن ظنه مطابق لمظنونه- فإنه يجزم باعتقاد ذلك، ويعلم أن القرينة الدالة على حسن العمل بظنه قرينة صحيحة مقتضية لحسن العمل به بالفطرة الضرورية، كما أن الناظر يعتقد أن استدلاله -وإن كان يصحبه الوسوسة، وتجويز ورود الشُّبهة عليه- فإنه قد بناه على قواعد علمية، ومقدماتٍ يقينيةٍ، بل ضرورية عند المحققين. ومثال ما ذكرناه في حق المقلد: ما يذكره المتكلِّمون، وأهل الأصول في تجويز التقليد في الفروع للمسلم العامي متى قلَّد مسلماً عالماً بالفقه، وتحريم مثل ذلك على اليهودي العامِّي متى قلَّد يهودياً عالماً بشريعة موسى ﵇، وكما أن العامي المقلد للعالم المسلم يجوز له ذلك، ونجد فرقاً بين ذلك، وبين تقليد العامي اليهودي للعالم اليهودي، فكذلك العامي المسلم المقلد في الأصول للأنبياء والصالحين وعلماء المسلمين الذين يعرفهم، وتتحقَّق أمانتهم، ونجد خبرهم موافقاً (١) للفطرة الضرورية التي فطره وربُّه سبحانه عليها، نجد فرقاً بما (٢) عرفه من ذلك وبين اليهودي المقلد في أصول دينه للخرَّاصين والمجاهيل من كذبة اليهود وكفرتهم الذين عُلِمَ كذِبُهم أو جُهِلَ حالهم، وإن كان العامي اليهودي يعتقد في نفسه مثل ذلك، فالعامي المسلم يعلم فساد اعتقاده، كما يعلمه الناظر المسلم، وذلك بما قدَّمنا من أن علمه بصحة قرائنه وقوتها ورجحانها

стр. 1266

فطريٌّ ضروريٌّ، وإن كان المتولِّد عنه ظناً، إذ لا رابطة عقلية بين القرائن المعلومة ضرورة، وبين مدلولاتها المظنونة، بل المسلم العامي المقلد في الأصول للأنبياء كالعامي المسلم المقلِّد في الفروع للعلماء في التمكن (١) من معرفة الظن الراجح والمرجوح، والتَّفرقة بينهما، وفي أنه لا بد من تسلسل هذه الظنون إلى علومٍ فطرية جلية، وهي (٢) إما العلم بحسن العمل بالظن الصحيح الذي لم يعارض المعلومات أو العلم بصحة القرينة، ولذلك سُمِّي الفقهاء علماء، فإنَّ طرق الفقه وإن كانت ظنيَّة - لكن وجوب العمل بها مستند إلى العلم القاطع، فالظن حصل في طريقها (٣)، لا في وجوب العمل بها. جواب آخر: بل القرائن المقتضية لظن الأمر تقتضي بالضرورة ظن بطلان معارضه، ويستحيل الجمع بين ظن صحة أمر، واعتقاد صحة ظن (٤) ما يضاده، فكيف يقال فيما يستحيل اجتماعهما: ما الفرق بينهما؟ بل نقلب السؤال على من سأل عن الفرق، فيقال: من أين جاء الاشتباه؟ فإن قال: من حيث إنَّ كلَّ واحد من المُحِقِّ والمبطل يعتقد ذلك في نفسه ومخالفه. قلنا: وكذلك (٥) أهل النظر من المحقِّين والمبطلين يشتبهون من هذه الحيثية، فكما أن النظر الصحيح يميز الفاسد في العلماء، فكذلك

стр. 1267

الظن (١) الصحيح يميز الفاسد في العامة. وجواب آخر: وذلك (٢) أنه لو لم تكن الظنون وقرائنها ومراتبها متميزة بعضها عن بعض، لم يمكن (٣) المجتهدون (٤) من علماء الفروع أن يرجِّحوا قولاً على قول، ولاتسعت المناظرة بينهم، بل قد صح تمييز المقلدين لهم لمراتبهم، حتى أوجب بعض أهل (٥) النظر على العامي تقليد الأعلم الأورع -في ظنَّه- على الإجمال، أو الأقوى (٦) دليلاً في المسألة على التفصيل، وممَّن (٧) اختار ذلك المؤيد بالله، نصَّ عليه (٨) في " الزيادات "، ولا يعارض هذا بالقول بتصويب كلٍّ من المجتهدين، فإنه إنَّما قيل به بالنَّظر إلى مطلوب الرَّبِّ سبحانه منهم، لأنه سبحانه إنما طلب منهم أن يجتهدوا في طلب الصواب، لا في إصابته، كما طلب من رماة المجاهدين أن يجتهدوا في إصابة الكفار، ولم يطلب منهم أن يُصيبوا في رميهم، وذلك من عدل الله سبحانه ورحمته، حيث علم أنه لا طريق لهم، ولا طاقة سوى الطلب، فقد أصابوا مُراد الله تعالى، وهو الاجتهاد في طلب الإصابة، ولم يصيبوا مطلوبهم الذي هو الإصابة، فالذي تحرَّى القِبْلَةَ كالذي يرمي الكُفَّار في الجهاد، يصيب ويخطىء، وهو في إصابته وخطئه مصيبٌ لمراد الله في طلب الصواب، فبان أنَّ ها هنا مطلوبين اثنين:

стр. 1268

أحدهما: لله تعالى، وهو طلب الإصابة للحق لا سوى. وثانيهما: مطلوب المجتهد، وهو إصابةُ عين ذلك الحق المشروع المطلوب، كالكعبة به في تحري القبلة، والخطأ الذي يطلق على المجتهد، بل على المعصوم هو الخطأ الذي نقيضه (١) الإصابة كخطأ الرامي للكافر مع أيه مصيب لمراد الله تعالى في رميه متعين الخطأ الذي نقيضه الصواب كفعل المحرمات. فأما القول بأنه لا مطلوب متعين، فمحال، لأن الطلب يفتقر إلى مطلوبٍ سابقٍ للطلب يتعلق به الظن، كالكعبة في تحرِّي القبلة، وهذا التلخيصُ مما ألهم الله سبحانه إليه، ولم أقف عليه لأحدٍ من العلماء، ولا عرضتُه على من عرف معارضاتهم (٢) في هذه المسألة إلاَّ استجاده لتقريره لأدلَّة الفريقين، ورفعه لِمَا أورد بعضهم على بعض من الإشكالات الصعبة، ولله الحمد والمنة. ثم إني وقفت عليه بعد مده طويلة اختياراً للعلاَّمة محمد بن جرير الطبري، رواه عنه ابن بطال (٣) في أواخر شرح " صحيح البخاري " أظنه في الكلام على مُحاجَّة آدم وموسى في أبواب القدر، فعرفت ما كنت

стр. 1269

أظنه من أنَّ مثل ذلك في وضوحه لا يخلو من قائل يقول به. وأما القول بأنَّ بعض الخطأ في الظنون يُعفي عنه، كالخطأ في فروع الإسلام، وبعضها لا يعفى عنه، كالخطأ في مخالفة الإسلام، فلذلك متعلق آخر، ودليل يرجع إلى السمع، وله من النظر وجهٌ واضحٌ، وهو أن العمل بالظن حَسَنٌ عقلاً، ما لم يعارض العلم بل لم يعارض ما رجحانه عليه كلمةُ إجماع، أو بيِّن (١) مكشوف القناع، وكلُّ ذلك مما ليس فيه نزاعٌ، ولا يجهلُه أحدٌ من الرعاع (٢)، فَمَنْ عَلم الله أنه عاند الحق المعلوم أو المظنون، فهو الذي يستحقُّ العقوبة، وإن ظن بعد عناده أنه مُحِقٌّ، ثم الذين عاندوا منهم من أعلمنا الله تعالى بأنه علم عناده كالكفرة، فيقطع بذلك، ومنهم من لم يُعلمنا سبحانه بذلك في حقِّهم (٣)، مثل المبتدعة من المسلمين، وكل أمرهم إلى الله تعالى، وستأتي الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى تعجيل يوم الفصل قبل يوم القيامة، وأنه لا يُخرجُ اللجاج من أدمغة أهل المِراء إلاَّ الحديد الذي أنزل الله تعالى مع القرآن، بل حكى سبحانه في محكم كتابه عن المعاندين إصرارهم على العناد يوم القيامة بما لا يُمْكِنُ تأويله، وذلك قولهم لجوارحهم حين أنطقها الله تعالى: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء﴾ [فصلت: ٢١]، فبان بما ذكرنا هنا مع ما تقدم عند ذكر الظنون وحسن العمل بها، والجواب عن من يردُّ على ذلك: أنَّ عامة المسلمين على سبيل هذا،

стр. 1270

والحمد لله رب العالمين. وقد اعترض صاحب هذه الرسالة المردودة بهذا الجواب على هذه (١) الطائفة من أهل السنة في تركهم للخوض في الكلام بأمورٍ ذكرها في رسالة أخرى، فمنها دعوى (٢) مخالفة إجماع (٣) أهل البيت ﵈. والجواب عليه: أنه (٤) إمَّا أنْ يدَّعي إجماع القُدماء من أهل البيت ﵈ أو المتأخرين، وكلاهما ممنوع أمَّا القدماءُ (٥) فقد وردت عنهم النصوص الكثيرة بمذهب (٦) أهل الحديث، وصنف في ذلك محمد ابن منصور الكوفي كتابه المعروف بكتاب " الجملة والألفة " كما تقدم، وسيأتي. ورواه نصاً (٧) من كلام عبد الله بن موسى، والقاسم ﵈، وغيرهما من أئمَّة العترة الطاهرة ﵈، وسائر علماء الإسلام، وسيأتي من ذلك طَرَفٌ صالح في مسألة القرآن، وذلك موجود في كتب أهل البيت ﵈ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في وصيته لولده الحسن ﵇، ومن لم يثبت عنه في ذلك (٨) قولٌ، فعمله (٩) بمقتضى مذهبِ أهل الحديثِ، وكيف يصحُّ له

стр. 1271

القطعُ بذلك، وهذه نصوصُ أمير المؤمنين علي ﵇ وأفعاله في تقرير العامة تدلُّ على ما ذكرناه كما جاء مسنداً من رواية السيد أبي طالب ﵇ في " أماليه "، ومرسلاً من رواية صاحب " نهج البلاغة "، وذلك قوله ﵇: فعليك أيُّها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته، وتقدَّمك فيه الرسل (١) بينك وبينَ معرفته إلى قوله في صفة الراسخين: اعلم أيَّها السائِلُ أنَّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السُّدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنَّا به كُلٌّ من عند ربنا، فمدح اللهُ اعترافهم بالعجز عن تناولِ ما لم يُحِيطُوا به علماً، وسمَّى تركهمُ التَّعمُّق فيما لم يُكلِّفهُم منهم رسوخاً، فاقتصر على ذلك (٢). انتهى كلامه ﵇. وأصرحُ منه قوله في وصيته لولده الحسن ﵉، وهي مستكملة في النُّسخ الصحيحة من " النهج " كما شرحها ابن أبي الحديد بكمالها، لم يُسقِطْ منها شيئاً (٣)، وفي بعض نُسخ الشرح سقوط أشياء منها يسيرة، وفي " أمالي " السيد أبي طالب عن السيد أبي العباس ﵉ قطعةٌ وافرةٌ منها، وإشارة إلى روايات لم يورداها بذلك الإسناد. وقد شرح ابن أبي الحديد هذا القدر الذي نقلتُه، ولم يطعن في ثُبوته مع مخالفته لمذهبه، وركُوبه العناد في تأويله، وهو قوله ﵇: ورأيت حين (٤) عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن

стр. 1272

يكون ذلك وأنت مُقْبلُ العمر مُقتَبَل (١) الدَّهر، ذو نيّةٍ سليمةٍ، ونفسٍ صافيةٍ، وأن أبتدئك بتعلم كتاب الله ، وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامِه، وحلاله وحرامه، لا أُجاوِزُ ذلك بك إلى غيره، ثم أشفقت أن (٢) يلتبس عليك ما اختلف النَّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام (٣) ذلك على ما كَرِهتُ من تنبيهك له أحبَّ إليَّ من إسلامك إلى أمرٍ لا آمنُ عليك فيه الهَلَكَةَ، ورجوت أن يوفقك الله فيه لرُشدك، وأن يهديك لقصدك، واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذٌ به [إلي] من وصيَّتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأوَّلون من آبائك والصالحون (٤) من أهل بيتك، فإنهم لم يُدعُوا أن ينظروا (٥) لأنفسهم كما أنت ناظرٌ، وفكروا كما أنت مُفكِّرٌ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمَّا لم يكلفوا، وإن أبت نفسك (٦) أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلُّمٍ، لا بتورط الشبهات، وغُلُوِّ الخصومات إلى آخر ما ذكره ﵇ في هذا المعنى وتأوَّله ابن أبي الحديد بما يستحيى من ذكره من أن ذلك لعلم عليٍّ ﵇ بقصور الحسن ﵇ عن درك هذا

стр. 1273

العلم. فكفى شاهداً ببطلان هذه البدعة ما أدَّت إليه من تفضيل شرِّ القرون على ريحانة سيِّد البشر، وعلى سيدي شباب أهل الجنة شَبِير وشَبَّر (١)، وكونها لا تصِحُّ إلا مع (٢) تعسُّف التَّأويلات الباردة (٣) لكتاب الله ، ثم لسنَّة رسول الله ﷺ ، ثم لِظواهر أحوال السلف، وأفعالهم، وتقريراتهم، ثم لنصوص الأئمة من أهل بيت رسول الله (٤). وكيف يظن بأمير المؤمنين أنه يجعل وصيته لولده الذي تخوَّف عليه الشبهات، ونصيحته التي يُخلِّفها له ولمن بعده بعد الممات من أغمض المتشابهات، وأدقِّ الشبهات، هيهات هيهات، لولا دفعُ الضرورات، وابتغاءُ الفتنة بالتَّأويلات كما هو شعارُ (٥) الذين في قلوبهم زيغٌ بنصِّ أمِّ الآيات المُحكَمات. وأمّا المتأخرون منهم، فقد ذكر (٦) المنصورُ بالله ﵇ في " المجموع المنصوري ": أنّه لا يمكن معرفة اجتماعهم كما سيأتي لفظه في ذلك، واحتجاجه، وهذا هو اختيار الإمام يحيى بن حمزة، والرازي والمحققين، وهو الذي تقومُ عليه الأدلة الوجدانية. وقد ذكر ابنُ حزم في " جمهرة النسب " في أنساب الطَّالبية،

стр. 1274

وغيرُ ابنِ حزم من النَّسابين ما يعلَمُ العارِفُ به صدق قولِ المنصور ﵇، ومن قال بقوله. ولنذكر هنا طرفاً يسيراً من ذلك على جهة التنبيه على ما عداه، فنقول: ذكر ابنُ حزم في " جمهرته " (١) من دُعاة أهل البيت، وساداتهم، ومحدِّثيهم خلقاً كثيراً، وأشار إلى ما لا يُحصى من ذُرِّياتهم، وجملة من سمَّى من دعاتهم الذين لا يُعرفُون في بلادنا، وعندَ علمائنا قَدْر خمسةٍ وعشرين داعياً أكثرهم في الغرب، وذكر أنه لهم في اليمامة دار مُلكٍ (٢)، وأنهم فيها داع (٣) بعد داع غير هؤلاء الخمسة والعشرين (٤)، وذكر (٥) من سادتهم الذين لم يدعوا جعفر بن عبيد (٦) الله بن الحسين بن علي بن الحسين (٧) كانت (٨) له شيعة يُسمُّونه (٩) حجة الله، وسيأتي ذلك مبسوطاً عند ذكر (١٠) ردِّ دعوى الإجماع على تكفير أهل الأثر الذين يؤمنون بالجُمل، ولا يتكلمون في تأويل القرآن، ودع عنك كلام ابن حزم، فإن السيد العلامة أبو عبد الله الحسني ذكر في كتابه " الجامع الكافي " (١١) على مذهب (١٢) الزيدية عن محمد بن منصور، والحسن بن يحيى بن الحسين

стр. 1275

ابن زيد بن علي ﵈، وأحمد بن عيسى، وكثير من قدماء العترة مثل مذاهبِ أهل السنة كما مضى بعضُه ويأتي بعضه، وذكر الحسن بن يحيى في الفُروع كلها ولا يعرفه أهل الديار اليمنية الآن (١) ولا يروون (٢) مذاهبه (٣). وقد أشار جماعة جلة من أهل البيت ﵈ إلى الاقتصار على الجُمَل في العقائد، ومنعوا من التعمق في علم الكلام، والخوض فيه، وصنف في ذلك محمد بن منصور كما تقدم، وصرَّحوا بتضليل المعتزلة والجبرية، والغُلاة، والروافض، والنواصب، وأمثالهم، وصنَّفوا في ذلك الكُتُب، وقالوا فيه الأشعار والنُّخَبَ (٤)، فمن ذلك قولُ السيد الإمام (٥) يحيى بن منصور بن العفيف (٦) بن مُفَضَّل ﵀ في ذكر المعتزلة: ويرون ذلك مذهباً مُستعظماً ... عن طول أنظارٍ وحُسنِ تفكُّر ونسُوا غنا الإسلام قبل حدوثهم ... عن كل قولٍ حادث مُتأخِّرِ ما ظنُّهم بالمصطفى في تركه ... ما استنبطوه ونهيه المُتكرِّر أعلى صوابٍ أمْ على خطأٍ مضى ... فَمَنِ المُصِيبُ سوى البشير المنذر؟ أيكُونُ في دين النَّبيِّ وصحبه ... نقصٌ، فكيف به ولمَّا يشعرِ؟

стр. 1276

أوليس كان المصطفى بتمامه ... وبيانه أولى، فَلِمْ لم يُخبرِ؟ ما بالُهُ حتى السواك أبانه ... وقواعد الإسلام لم تتقرَّرِ إن كان رب العرش أكمل دينه ... فاعجب لمبْطِنِ قوله والمظهر أو كان في إجمال أحمدَ غُنْيَةٌ ... فدع التكلف للزيادة واقصِرِ ما كان أحمدُ بَعدَ منعٍ كاتماً ... لهدايةٍ كلا وربِّ المِشْعرِ بل كان ينكر كلَّ قولٍ حادثٍ ... حتى الممات فلا تشك وتمتري وكذا القرابة والصحابة بعده ... ما بين راوٍ ضابطٍ ومُفسرِ أو بين هادٍ للأنام بعلمه ... أو مُوردٍ لغريبة أو مُصدِر كخليفة المختار وارث علمه ... رب العلوم أبي شبير وشبّر ما كان منهم من يرى بتعمقٍ ... كلا، ولا نقلوه عنه فَقَصِّر بل جاء عنه وعنهم مُتواتراً ... حظرُ التعمق والغُلُوِّ لمُبْصر عن خبرةٍ وبصيرةٍ وتيقنٍ ... لا عن قُنُوعٍ قاصرٍ وتَعَذُّر لكن تأسٍّ منهم بمحمد ... وتدبُّر للذكر أيّ تدبُّر فالزم بعُروة دينهم مُتمسِّكاً ... فلقد هُديتَ إلى سبيلٍ نيِّر لا يخدعنَّك زُخرفٌ وتصورٌ ... شتَّان بين تيقُّن وتصوُّر إنَّ الخلاف بكلِّ فنٍّ مُمكنٌ ... إلا الأصول فإنه لم يُؤثَر فدع الخلاف إلى الوفاقِ تورُّعاً ... فطريقة الإجماع غير مُنكَّرِ كم بين مُعتمدٍ لقولٍ ظاهرٍ ... ومقالِ حقٍّ واضح لم يُنكَر ومجاوزٍ حدَّ الوفاق مُخَاطِرٍ ... قد صار بين مُفسِّقٍ ومُكفِّر من خارجٍ أو مُرجىءٍ أو رافضٍ ... أو ذي اعتزالٍ مُبدِعٍ أو مُجبِر أو غير ذلك من مذاهبَ جَمَّةٍ ... حدثت ودينُ مُحمَّد منها بَرِي يكفيك من جهة العقيدة مُسلم ... ومن الإضافة أحمديٌّ حيدَري (١)

стр. 1277

وهذا السيد هو يحيى بنُ منصور بنِ العفيف بن مفضّل كان عالماً فاضلاً، مُبرِّزاً في الكلام، صنف فيه قدر أربعين مُصنَّفاً، والظاهر أنها كلها مختصرات، والمشهور (١) منها " جمل الإسلام " (٢)، وكان شديداً على غُلاة المتكلمين، وسائر المبتدعين، رحمه الله تعالى. ومن شعره أيضاً: يا طالب الحقِّ إنَّ الحق في الجُمَلِ ... وفي الوُقُوفِ عن الإفراط والزَّلَلِ هي النَّجاةُ فلا تطلُب بها بدلاً ... بذا أتاك حديثُ السادةِ الأُوَلِ (٣) وقال السيد الإمام حُميدان بن يحيى [بن] القاسم (٤) ﵀، مع أن في كلامه ما لا أذهبُ إليه من التُّهمة بقصد العناد: زال (٥) أهل التفعيل والانفعال ... وأُدِيلَ التطريفُ بالاعتزال حرَّفُوا مُحكَمَ النُّصُوصِ، فصارُوا ... قُدوةً في التلبيس والإضلال ولهُم في التَّوحيد أقوالُ زورٍ ... مُزرِيَات في الزُّور بالأقوال (٦) رانقاتٍ بالمَينِ كُلَّ محيل (٧) ... فائقات في النُّكرِ كُلَّ مُحَالِ

стр. 1278

شاهداتٍ لمفرغ (١) الوهم فيها ... باعتداء المحدود والإيغالِ (٢) أصَّلُوا للقياس أصل اصطلاحٍ ... جلَّ عن أصل صُلحهم ذُو (٣) الجلالِ لَقَّبُوا الجسم بالذَّواتِ ليقضُوا ... باشتراكٍ في حالةٍ وانفصالِ وادَّعوا أنَّ للمُهيمن ذاتاً ... شاركت، ثمَّ فارقت في خِلالِ ثم قاسوا ما فرَّعُوهُ وخاضُوا ... في شُرُوح لهُم عراضٍ طِوال باختراصٍ في قولهم وابتداعٍ ... وبظنٍّ في زعمهم وانتحالِ واحتيالٍ في فرقهم للمعاني ... بيِّنٍ ليسَ فيه فرقٌ بحالِ نحو ما قد جمعتُ منها مثالاً ... ها هنا فاستمع لضرب المثال أزلي ثبوته وقديم ... ووجود ما إن له من زوالِ وكذا الفرقُ بين أمرٍ وشيءٍ ... واشتراكِ الذوات والأمثالِ ومزيدٍ على الذوات وغير ... واقتضاء الأحكام والإعلالِ أي فرقٍ ما بين اثنين منها ... في صحيحِ الذَّكا وفرطِ المقالِ ليس إن قيل ثابتٌ أزليٌّ ... هُو إلا لربنا المُتعالي مثل من قال: لم يزل كلُّ (٤) شيءٍ ... ذا ذواتٍ ثوابتِ الأحوالِ ما أتى في التكليف قولٌ بهذا ... في مقالٍ يُروى ولا في فعال بل أتى الأمرُ بالتَّفكُّر في الصُّنـ ... ـعِ وتَركِ اتِّباع رأي الرِّجَالِ غير من كان مُصطفي ذا اعتصامٍ ... أو حكيماً في قولِهِ غيرَ غالي إلى آخر ما ذكره ﵀. وقال أيضاً في أُرجوزته المشهورة التي سمَّاها الإمامُ المتوكِّلُ المطهر

стр. 1279

ابن يحيى ﵇ " المُزَلزِلَة لأعضادِ المعتزلة "، قال في أوَّلها: إنَّ الشيوخ المفترين في الدُّول ... والمُوهمين أنَّهم فوضَى هَمَلْ ما دينُهُم أكثرُهُ إلا حِيَلْ (١) ... وشاهِدُ النِّيات (٢) في صِدْقِ العمل فعالمٌ ضلَّ وأغوى من أضل ... وراهبٌ للسُّحتِ بالصدِّ أكَلْ وكُلُّهُم برفضِهِم نالُوا الأمَلْ ... من لم يكُن مُحارباً منهُم خَذَل وشرُّهُمْ مكيدةً من اعتَزَل ... وحرَّف الحقَّ وسمَّاه جَدَل وخاض في العلم برأيٍ مُغرِقِ ... مُجاوِزٍ لحدِّهِ مُدَقِّقِ مُغَلغِلٍ (٣) في لُجَّةِ التَّعمُّق ... وتابعٍ لأهلِ علمِ المنطق في وصفه للعلم بالتعلُّق (٤) ... بثابتٍ من قَبْلِ أن لم يُخْلَقِ وفي اشتراكِ مُبدِعٍ مُلَفِّقِ ... في اللفظِ بالذَّات ووصفٍ مُطلقِ ليُثبتَ التَّجنيسَ للمُحقِّق ... والفَصْل بالتَّنويعِ للمُفَرِّقِ (٥) وكي يقِيسَ ربَّهُ بشاهِدِ ... من يقرن الذَّات إلى الزَّوائد ويُوهم التَّفريق بالفوائدِ ... معوِّلٌ على قياسٍ فاسدِ لبعض أوصاف القديمِ الواحد ... سُبحانهُ عن فِريَةِ المُنادِدِ (٦) وعن قياس كُلِّ غاوٍ عانِدِ ... ينظُرُ في الصَّانع كالمُشَاهَدِ وليس في قياسه بواحد ... إلا لمجبولٍ (٧) على التَّزايُدِ وما الذي ألجاهُمُ إلى الخَطَرْ ... والخوضِ في علمِ الغُيُوبِ بالنَّظَرْ

стр. 1280

وما يقال فيه للمخطي: كَفَرْ ... وفي النبيِّ أُسوةٌ ومُعتبرْ وقدوةٌ محمودةٌ لمن شَكَرْ ... ولم يُخالف بالوُهُومِ (١) والفِكَر فإنَّهُ للفكرِ (٢) في الله حَظَرْ ... وفي عجيب الصُّنْعِ بالفكر أمَر فمن يكونُ بعدهُ مِنَ البَشَرْ ... أدرى بمَا يأتي به وما يَذَرْ ليس الإلهُ الواحدُ القُدُّوسُ ... كما يظُنُّه الذي يقيس من وصفُه التشريكُ والتَّجنيسُ ... بل قولُهُم مشاركٌ تلبيسُ إذ كُلُّ فِكرٍ دُونَه محبُوسُ ... وكلُّ ما تَخَالُهُ النفوسُ فمُدركٌ مُكيَّفٌ محسوسُ ... فاحذر شُيُوخاً علمُها تلبيسُ وهمُّها (٣) التَّدقيق والتدلِيسُ ... قد حازَها دون الهُدى إبليسُ ما الفرقُ بينَ مُقتضٍ وعِلَّهْ ... وزائدٍ وكثرةٍ وقلَّه إلاَّ اصطلاحُ سادةٍ مُضلهْ ... قد سلكوا في طُرُقٍ مُزِلَّهْ فاقنَعْ بنِحْلَةِ النبيِّ نِحلَه ... قُنُوعَ ذي دينٍ مُسلِّمٍ له فالمُصطفي من أهلِ كلِ مِلَّه ... أعلمُ بالمَدلُول والأدِلَّه وبالفُرُوضِ الواجباتِ لله ... والشيخُ أدْنَى أن يَكُونَ مِثْلَهْ إلى آخر ما ذكره في الأرجوزة، وله ﵀ رسائل كثيرة في مجلد محتوٍ من الحثِّ على ترك التعمق في الكلام والبدع في الإسلام على ما لا مزيد عليه، وفي " مجموعه " هذا تقرير أئمة أهل البيت وساداتهم ﵈ لما ذكره، وتقريره على أن ما ذكره هو (٤) مذهبُ أهلهم، ومِمَّن

стр. 1281

روى ذلك عنه: الإمامُ المهدي الشهيد أحمد بن الحسين القاسمي، والإمام المتوكل المطهَّر بن يحيى ﵉، وقرر ذلك بعدهم السيد الإمام العلامة محمد بن يحيى القاسمي، وصنف كتاباً معروفاً، وكتب الإمام المهدي محمد بن المطهر بن يحيى على كتاب السيد محمد بن يحيى القاسمي أنه معتقدُهُ إلاَّ الجوهر، فإنَّ له فيه نظراً (١). ومما قاله في ذلك (٢) جدي المرتضى بن المفضل (٣) رحمه الله تعالى: دعْ عنك ذِكرَ بُثينةٍ وجميلِ ... وحديث كلِّ خليلةٍ وخليلِ واتلُ الكتابَ وكُنْ لهُ متدبِّراً ... يا حبَّذا من قائِلٍ ومقُولِ هُو شافعٌ ومُشفَّعٌ ومُصدَّقٌ ... ومُنزَّهٌ حقاً من التَّبديل وهو الشفاء لكلِّ داءٍ مُعضِل (٤) ... نَطَقَ النبيُّ بذاك عن جبريل فالزم بعُروتهِ ومُتَّ بحَبلِهِ ... فلقدْ نجوتَ وحُزتَ خيرَ سبيل وعليكَ من بعدِ الكتابِ بعترةٍ ... تنجُو من الآثام والتضليل لا يخدعنَّك كلُّ قولٍ حادثٍ ... قد نمَّقته الناسُ بالتعليل وتكلَّفُوا ما لم يكونوا كُلِّفُوا ... لا في الحديث ومُحكَمِ التنزيل وصفُوا الإلهَ بكلِّ وصفٍ زائدٍ ... يُنبي عن التَّكثيرِ والتَّقليلِ جعلُوه من جنسِ الذواتِ وَخَالفُوا (٥) ... مِنْ بعْدِ ما وَصَفُوهُ بالتَّمثيلِ زعمُوا بأن الوصفَ لا شيءٌ ولا ... لا شيء هذا قولُ كلِّ مُحيلِ

стр. 1282

ولهُم من الأقوالِ كَمْ مِنْ بدعَةٍ ... في الوعدِ والتوحيدِ والتعديلِ مالُوا عن الحقِّ القويمِ وما لهُم ... سَبَبٌ سِوَى الإبدَاعِ في التَّفصيلِ تَبِعُوا (١) الشيوخَ فلم يَرَوا أنَّ الذي ... قالُوه إلاَّ غاية التَّحصيلِ من لم يكُن آلَ النبيِّ هُداتُهُ ... لم يأتِ فيما قالهُ بدليلِ بل شُبهةٌ وتظنُّنٌ وتوهُّمٌ ... وتحيُّرٌ في الغّيِّ والتعطيل فاحذر تَحِيدُ عن الصراط، فإنه ... نهجُ الأئمةِ جاء في التأويل هم بابُ حطةَ للأنامِ وسُفْنُهَا ... ونجاتُها من مُؤلِم التنكيل وإذا أردتَ سلامةَ الأصلِ الذي ... هُو دينُهُمْ فَعَليْك بالتِّجمِيلِ فهُو الذى كان النَّبيُّ يَدِينُهُ ... مِنْ دُونِ بدعَتِهِم وكُلُّ رسُولِ (٢) وتابعهم على هذا السيد الإمام الواثق المطهر بن محمد بن المطهر، وقال في ذلك قصيدته البليغة التي أولها: لا يَستَزِلَّكَ أقوامٌ بأقوالِ ... مُلفَّقَاتٍ حريَّاتٍ بإبطالِ لا ترتضي (٣) غيرَ آل المُصطفي وزراً ... فالآلُ حقٌّ وغيرُ الآلِ كالآلِ (٤) فآيةُ الوُدِّ والتطهيرِ أُنْزِلَتَا (٥) ... فيهم كَمَا قد رُوي مِنْ غيرِ إشكالِ و" هل أتى " (٦) قد أتى فيهِم فما لهُمُ ... من الخلائق من ندٍّ وأشكالِ

стр. 1283

وهُم سفينةُ نُوحٍ كُل (١) من حَمَلَتْ ... نَجَّته من أزلِ أهواءٍ (٢) وأهوالِ والمصطفى قال: إنَّ العلمَ في عَقِبِي ... فاطلُبْهُ ثَمَّ وخلِّ الناصِبَ الغالي لم يُثبتُوا صفةً للذَّاتِ زائدةً ... ولا قَضَوا باقتضا (٣) حالٍ لأحوال ولا قَضَوْا بثباتِ الذَّات في أزلٍ ... وليس لله إلاَّ صنعةُ الحال دانُوا بأنّ إله العرش دونَهَا ... بلا احتذاءٍ على حدٍّ وتمثالِ ما كان يخطرُ هذا من ركَاكَتِهِ ... للمصطفي صفوةِ الباري على بالِ (٤) ولا عليٍّ ولا ابنيه وزوجتِهِ ... فقولُهُم عن أباطيلِ الهُذا خالي انظُر بإنسانِ عينِ الفكرِ في خُطبٍ ... لَهُمْ ومنثُورِ لفظٍ سلسلٍ حَالِ قَدْ لحَّبُوا (٥) طُرُقاً للسَّالكينَ بِهَا ... وبيَّنُوها (٦) بتفصِيلٍ وإجْمَالِ

стр. 1284

ثم سرد (١) أسماء الأئمة ﵈، راوياً عنهم الموافقة على إنكار هذه المذاهب المبتدعة، فذكر علي بن الحسين (٢)، وولديه الباقر (٣) و (٤) زيداً (٥) وجعفراً الصادق (٦)، والقاسم، وابنه (٧) محمداً، وحفيده الهادي يحيى بن الحسين، وولديه أحمد الناصر، ومحمداً المرتضى، والناصر الأُطروش، والقاسم بن علي، وأحمد بن سليمان، والمنصور بالله، وأحمد بن الحسين، والإمام الحسن بن محمد، والمطهر بن يحيى، ومحمد بن المطهر. نقلتُ ذلك من شرح هذه القصيدة المسمى " باللآلي الدُّرِّية في شرح الأبيات الفخرية " للسيد العلامة شيخ العترة ترجمان الموحدين محمد بن يحيى بن الحسن القاسمي (٨)، وقد طوَّل في شرحها، وبيَّن في

стр. 1285

ذلك طرق الرواية عنهم ﵈، وأفاد وأجاد رحمه الله تعالى، وما زال علماء أهل البيت ﵈ على هذا (١) قديماً وأخيراً، ومن الشواهد لذلك أنه ليس لهم في علم الكلام مُصنَّف مبسوط (٢)، كتواليف المتكلمين الحافلة، إلاَّ ما صنفه بعضُ العجم (٣) منهم في ذلك متابعة لقاضي القضاة، وهو السيد مانكديم، وهو الكتاب الموجود في ديار الزيدية في اليمن المسمى " بشرح الأصول الخمسة " (٤)، ويدل على انفراده بذلك من بين سلفه: أنه لم ينقل عنهم فيه حرفاً واحداً، وإنما نقل كلام (٥) شيوخ الاعتزال، ومذاهبهم، وأدلتهم، إلا أن يكون حكى مذهبهم وأدلتهم في فروع الكلام السمعية كالأسماء (٦)، والشفاعة، والإمامة. وإذا كان هذا كلام أهل البيت من الزيدية والشيعة، فما ظنك بأهل

стр. 1286

البيت من أهل الأثر، والفرق الأربع (١)، ويوضح ذلك تأليفهم المختصرات المشهورة في ذلك، واقتصارهم (٢) على الإجمال والإشارات، من أشهر ذلك ما أودعه محمد بن سليمان ﵀ في أول " المنتخب " على مذهب الهادي ﵇، فإنه سأله ﵇ عن ما يكفي في معرفة الله تعالى، ودليل ذلك، فأوجز له الكلام في مقدار عشرة أسطر. وكذلك كلامات علي ﵇ في ذلك. وللمؤيَّد بالله ﵇ في ذلك كتاب " التبصرة " مختصر جداً، وله في آخر " الزيادات " تزهيدٌ في هذا الفنِّ كثيرٌ، وقد نقلته بألفاظه في كتابي " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان "، وبسطتُ القول في هذا المعنى، فليراجع هنالك (٣) وبالله التوفيق. وما أحسن كلام المنصور بالله ﵇ في الرد على من ادعى إجماع أهل البيت ﵈، حيث قال في " المجموع المنصوري ": وإن شئت أن ترجع إلى أهل البيت، فتشتتهم كان في أيام عبد الله بن الحسن، ولحاقِ إدريس بن عبد الله بالغرب، وبعضُهم بالمشرق، وتشتَّتوا تحت كُلِّ كوكب، وفيهم العلم ووراثة النُّبوة، وليس لكل منهم تصنيف مع علمه إلى آخر ما ذكره، وسيأتي كلامه ﵇ مستوفى في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وقد مرَّ في أول هذا الكتاب ذكر جماعة من علمائهم ممن ليس من (٤)

стр. 1287

الشيعة، ذكرتُه في المسألة الأولى (١) عند دعوى المعترض لخُلُوِّ العالَم من العلماء من بعد الإمام الشافعي ﵀، وبينت هناك (٢) قبح هذه الزَّلَّة، وما تؤدي إليه من تجهيل أئمة الإسلام، وفي ذكرهم إشارة إلى عدم صحة الطريق إلى دعوى إجماعهم في كثيرٍ من المواضع التي (٣) يُدعى ذلك فيها فيجبُ على المؤمن أن يُراعي قول الله سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به عِلمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فيما يرويه عن الأُمَّة والعِتْرةِ، كما يُراعي ذلك فيما يرويه من كلام الله تعالى، وكلام رُسُله ﵈. وقد كان من الحسين بن القاسم مبالغة في تعظيم فن الكلام، وتصانيفه فيه، وتابَعَتْهُ على ذلك طائفة من ضُعفاء العقول (٤)، وأنكرت عليهم ذلك الزيديةُ، وجاهدوهم حتَّى أبادوهم، ولم يبق منهم -وللهِ الحمد- بقيةٌ. وذكر بعضُ أئمةِ العترة -أظُنُّه المطهر بن يحيى ﵇ أنَّه اختلَّ عقلُ الحسين بن القاسم، وتَوَسْوَسَ، وهو المرجوُّ إن شاء الله تعالى. فأمَّا أتباعُه من الغُلاة، فمرقُوا من (٥) الإسلام، وفضَّلُوا كلامه على كلام الله تعالى، وفضلوه على رسول الله ﷺ ، ولم تكن شبهتُهم إلاَّ أنَّ علم الكلام -كما زعمت المعتزلة- هو أساس الإسلام، وأنه ليس في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ما يكفي من ذلك العلم، ويُجزِىء

стр. 1288

عنه. ولا كلامَ أنَّ التوحيد وأدلَّتَه أساسُ الإسلام، هذه كلمةُ (١) إجماعٍ، ولكن البدعة في قول الحُسينيَّة ومن وافَقَهُم: إنَّه لم يَرِدْ في كتاب الله تعالى، وسنةِ رسول الله ﷺ من ذلك ما فيه غَناء وكفاية. وقد كنتُ قلتُ أبياتاً في الحثِّ على استنباط الأدلَّة العقليَّة في التَّوحيد من كتاب الله تعالى، وذكرتُ أن ذلك يُغني عن الكلام، فعارضني بعضُ من يدَّعي علمَ الكلام (٢) العصريِّين، وكاد جوابُه يُلبسُ على كثيرٍ من (٣) الضعفاء، فنقضتُ جوابه نقضاً شافياً، كشف الغِطاء عن بدعته، وأجمعتْ (٤) كلمةُ المعاصرين من المتكلمين (٥) على إنكار كلامه إلاَّ من لا ينظر (٦)، وقد رأيتُ أن أُورِدَ من ذلك ما أرجو أن ينفع اللهُ تعالى به، وأُنَبِّهَ على شيءٍ يسيرٍ ممَّا يحتاج إلى الشرح. قلت في الابتداء: أُصُولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ ... وليسَ لي في أُصولٍ غَيره (٧) غَرَضُ وأردتُ بهذا البيت معنيين: أحدهما: أنَّ القرآن مُعجِزٌ، وكُلُّ معجزٍ (٨) لا يَقْدِرُ عليه أحدٌ مِنَ

стр. 1289

البشر، فإنَّه يُعلم بدليلِ العقل أنَّه من عند الله تعالى، وذلك يقتضي صحَّة النبوة، وصدق رسول الله ﷺ ، وصدقَ ما جاء به عن الله تعالى عَلى كُلِّ مذهب. أما الأشعرية، فعندهم أن العلم بصدقه بعد المعجز ضرُوريٌّ، لا يحتاج إلى استدلال (١)، وأنَّ العلم بالإعجاز ضروريٌّ سواء كان من جنس مقدور العباد، أو مِن غير جنسه، والذي من جنسِ مقدورهم مِنْ قسمِ العاديات (٢) من الضروريات. وكذلك طائفة من المعتزلة، وهم أهل المعارف الضرورية، ومن مذهبهم أن العلم بالله تعالى ضروري، ولكن فيهم طائفة يوجبون النظر، ويقولون: إنه شرط اعتيادي (٣)، بمعنى أن الله يخلق العلم الضروري عنده، لا به كما يخلق الإنسان عند قرار النطفتين في الرحم لا بذلك، وهو (٤) أقربُ إلى مذاهب (٥) أهلِ السُّنَّة، فإنهم يوجبون النظر فيما أمر الله تعالى بالنظر فيه من المعجزات والمصنوعات من غير ترتيب المقدمات على الأساليب (٦) المنطقيات، ويقولون: إن الله تعالى يهبُ لمن يشاء من عباده عقيبَ ذلك النظر (٧) من اليقين والمعرفة ما لا يُقْدَرُ قَدْرُه، ولا يُحْصَرُ حَدُّه، فأعلاه ما لا يَعْرِضُ معه الوسواسُ، وأدناه ما يَعْرِضُ (٨) معه الوسواسُ إلى

стр. 1290

أن ينتهي إلى ما قدَّره رسول الله ﷺ بأدنى من مثقال (١) حبَّةِ خردلٍ، كما جاء في أحاديث الشفاعة (٢)، ويدينُون بأنَّ الإيمان يزيدُ وينقُصُ، وعلى المؤمن التَّعرُّضُ لما يزيدُ إيمانَه من التَّفكُّر في المصنوعات، ومُعجزات الأنبياء، وأحوالِهم، وسِيَرهم، والقرائن الدالَّة على صدقهم، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى، والتَّلقِّي لما وَهَبَ الله تعالى له من الإيمان، واليقين بعد ذلك بالشكر. وأمَّا النظرُ في الطُّرق المبتَدَعَةِ، فلا تجبُ عِنْدَ أحدٍ من (٣) أهل السُّنة، وظاهِرُ مذهبِ الإمام المؤيَّد باللهِ ﵇ موافقٌ لمذهبهم في ذلك، فإنه يُجيز حصول العلم الضروري بالله لمن شاء الله من أوليائه، والعلم الاستدلالي لمن دونهم من أهل النظر، ومُجرَّد الظَّنِّ لمن دون الأولياء، وأهل (٤) النظر من ضعفاء العامة، وقد نص على هذا الأخير في آخر " الزيادات "، واحتجَّ عليه، وأطال القول فيه، فلا يمكن تأويله، ونَسَبَهَ إلى أبي القاسم البلخي البغدادي شيخ الاعتزال، ولكن حكى عنه أنه يُسمِّيه علماً، ولا طائل تحت الاختلاف في مجرد العبارات. وفي " مقالات " أبي القاسم ما يؤيد (٥) هذه الرواية، فإنه ذكر العامة، وأنها فرقة مستقلة، وقال: هنيئاً لهم السلامة.

стр. 1291

وعن ابن تيمية أن الرازي (١) ذكر لبعض مشايخ الصوفية أنه أملى في التوحيد كذا بُرهاناً، فقال له الشيخ: ليس ذلك بالتوحيد. قال الرازي: فأفدني يا سيدي، فقال له: التوحيدُ وارداتٌ تَرِدُ على النُّفوس تَعْجِزُ النفوسُ عن ردِّها، قال: فجعل الرازي يتحفَّظ هذه الكلمات ويُردِّدُها حتَّى خرج من عند الشيخ. وقد (٢) ذكر هذا بعضهم في شرح قول أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ في كلامه لكُمَيْل بن زياد (٣)، حيث قال ﵇ في وصف

стр. 1292

العلماء: " هَجَمَ (١) بهمُ العِلْمُ على حقيقةِ الأمر، فاستلانُوا ما استوعرهُ المترفون، وأَنِسُوا (٢) بما استوحش منهُ الجاهلون " فإنَّ الهُجوم إنما يُستعمل فيما حصل (٣) دفعةً واحدة من غير كدِّ الخواطر في الدقائق، والتَّولُّج من الأنظار في مضايق المزالق، وقال في " ضياء الحلوم ": هجم [على] القوم: إذا أتاهم بغتةً، وهَجَمَ على العدو هجوماً، وهجم على ما في نفسِ فلان. وأما على مذاهب (٤) النُّظَّار مِنْ متكلّمي الشيعة والمعتزلة، فإن النظر في كتاب الله تعالى يدل على قدرة الله تعالى على كل شيءٍ، وكذلك كل معجزٍ لجميع الخلق عندهم، والذي في القرآن من الإحكام البليغ، والتحسين والتقبيح يدل عندهم على علمه سبحانه بكل شيءٍ عموماً، كما تدل أحكام المحكمات عندهم، ويدل على علمه سبحانه بقُبح الكذب، وعلى علمه بقُبح تصديق الكاذب خصوصاً، وبعد علمنا بذلك يجبُ القطع بأنه لا يصح صدور الكذب، وتصديق الكاذب منهُ سبحانه، لعلمه

стр. 1293

بقبحه (١)، واستغنائه عن فعله بقدرته على كلِّ شيء، وذلك لأنَّ الكذب ليس بمشتهي لذاته، وإنما يتوصَّل به العاجز إلى منافعه، أو يفعله الجاهل بقبحه، بدليل أنه لو قيل لبعض العقلاء: إن صدقت، فلك درهم، أو كذبت، فلك درهم، فإنَّه يختار الصدق لا محالة إجماعاً، فهذا في آحاد المخلوقين، فكيف برب العالمين القادر على كل شيءٍ، العليم الحكيم. وإلى هذا الدليل أشار قوله تعالى. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وأمثالها، وقد ألمَّ بهذا المعنى مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى " (٢) في آخر الطريق الرابع من

стр. 1294

الباب الثاني في إثبات الصَّانع، ولكن لم يُلخِّصهُ هذا التَّلخيص ذكره آخِرَ الاستدلال على نفي الوسائط. فإن قيل: ما المانعُ أن يكون القُرآن العظيم من كلام الملائكة أو الجنّ، لأنه من جنس مقدور الخلق، وذلك مثل نَتْقِ الجبال، وليس من المعجزات التي ليست من مقدور الخلق، كإحياء الموتى، وقلب العَصَا حيَّة؟ فالجواب: أمَّا على مذهب الأشعريّة، وأهلِ السُّنَّة، فإنا نعلمُ عجز الخلق أجمعين بالضرورة العادية، وذلك أنا نعلمُ أن العرب الفُصحاء المعاصرين لرسول الله ﷺ لم يَعْجِزُوا عن معارضته (١) لأجل وقتٍ مخصوص، ولا صورة مخصوصة، ولا بيِّنة مخصوصة (٢)، بل لكونِهِ معجزاً في نفسه، فإنا لو قدَّرنا زمانهم تقدَّم أو تأخّر، أو أجسامهم كبرت أو (٣) لطفت، أو صورهم اختلفت، أو انعكست، لبقي عِلمُنَا بعجزهم عن حاله، وكذلك البينةُ المخصوصةُ، فإنّا نعلمُ أنّه ليس علَّة عجزهم تركيبهم من اللحمية والدمية، ونُجوِّزُ أنّهم لو كانوا ممن لا نَفْسَ لهُ سائلة، قدروا على مِثْلِهِ، وكذلك أنا نجزمُ على عجز المتأخرين من البشر، ليس إلاَّ لأنّه علمٌ عاديٌّ كعلمنا أنّ الزُّجاج ينكسر بالحديد (٤)، سواءٌ كان الكاسر له من الجنِّ أو من الإنس، وفي قديم الزمان وحديثه، وفي شرقِ الأرض وغربها، وهذا العلم الضروري نشأ من العلم الضروري بأنّ فُصحاء العرب

стр. 1295

قد بلغوا في لغتهم الغاية القصوى (١)، التي لا يُعجِزُهم كُلَّهم فيها مخلوق، وإنه لو كان مخلوقٌ (٢) يقدِرُ عليه، لقضت العادةُ بقُدرة بعض بُلغاء العرب عليه، لأن العادة لم تجرِ بتفاوت المخلوقين فيما يشتركون في معرفته والقدرة عليه تفاوتاً يبلغ هذا الحدَّ، وهذا هو الموافق لكلام الله ، فإنه (٣) قال تعالى في خطاب العرب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وكذلك في (٤) غير هذه الآية مما عُلِمَ أنه تعالى رتَّب علمهم (٥) بأنّه معجزٌ من عند الله تعالى على عجزهم عن الإتيان بمثله، لا على عجزِ جميع الجنِّ، والملائكة، والرُّوح، وما لا يعلمونه غير هؤلاء من خلق الله تعالى، الذي لا سبيل إلى حصره في هذه الأجناس، ولو كان الأمرُ كما زعمت المعتزلة، لكانت هذه الآيات (٦) القرآنية معترضةً، ومن جاء بها مُفحَماً منقطع الحجة، وقد اتفق الجميع على امتناع (٧) ذلك بأدلة قاطعة، فثبت فساد ما أدَّى إليه. وإذا حقَّقت النَّظر في جميع ما يُقَدَّرُ اختلاف الجنِّ والإنس فيه مما يرجع إلى الفصاحة، وجدتَهُ مساعداً لهذا العلم الضروري العادي، كما أنا لو (٨) سلمنا أن (٩) العلم الضروري العادي لم يحصل في هذا المقام،

стр. 1296

لادعيناه في مقام آخر، وذلك أنا نقول: أما تقدير أن القرآن من كلام الملائكة، فغفلةٌ فاحشةٌ، لأن الملائكة اسمٌ موضوعٌ في التقدير لمن لا يصدُرُ عنه الكذب، وأما تقديرُ أنه من الجن، فهو بمعنى (١) تقدير أنه من كلام الشياطين، لأنهم هم مردة الجن وفسقتهم، ونحن نعلم بالضرورة العادية أن فسقة الشياطين ومردتهم لا يعتنون في ظهور مثل القرآن الكريم لما فيه من نقضِ مقاصدهم في الفساد، فإنَّ العمل بمقتضاة بإجماع العُقلاء من المسلمين وغيرهم من أعظم أسباب الصلاح، وحسم مواد الفساد، فإنَّه اشتمل (٢) على النَّهي عن الظُّلم، والعُدوان، والبغي، واللهو واللعب، والغفلة، وسائر أسباب الشر، والأمر بالبر، والإحسان، والعفو والرحمة، والرفق، والتعاون على الخير، وفعل جميع أسباب الخير، مع ما فيه من سبِّ الشياطين، ولعنهم، وتبكيتهم (٣)، فكيف يجوز أنه منهم، وقد ثبت بالبراهين الصحيحة العقلية أنه لا يقع الفعل من القادر بمجرد قدرته عليه؟ ولذلك أجمعت المعتزلة على امتناع صدور القبائح من الله مع قدرته عليها، وإذا تقرَّر ذلك، فمنتهى الأمر أنا نُجوِّزُ قدرة الشياطين على ذلك -وحاشا وكلاّ- فليس لهم داعٍ إليه البتَّة، بل الصَّوارِفُ لهم عنه معلومةٌ بالضرورة من دون مُعارض، وقد نطقت النصوص القرآنيةُ بالردِّ على من زعم ذلك، وأشارت إلى الوجه الأول، أو إلى الوجهين (٤) معاً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]،

стр. 1297

وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧]، وأيضاً، لو جاز ذلك عقلاً، لوجب بطلانُهُ عقلاً أيضاً، وذلك أنه يجب أن يكون الجن مختلفي المقاصد والطبائع، كما اطَّرد الاختلافُ بين جميع الأجناس في ذلك، فكان يجب أن يكون في الجن من يُعارض الذي أتى بالقرآن، ويُحِبُّ تكذيبه (١) في دعواه، لعجز الجن والإنس عن ذلك، ويجب أن يهدي من أضلَّه الكاذب لذلك، ولا يجوز اجتماع طبائعهم على ذلك في عقل عاقلٍ (٢)، وهذا من أنفس ما يُعارضُ به هذا الهذيان إن أصغى إليه مبطلٌ أو جاهل، كما نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩] بل عليه بعينه في قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، بل أعظمُ منه دلالة وهو (٣) أنّه تعالى أوجب من تعدُّد الآلهة وقوع الاختلاف في غير آية والله أعلم. وأمّا على قواعد المعتزلة، فقد أجابوا بوجوهٍ: منها: أن العلم بالملائكة والجنِّ إنَّما حصل بالقرآن. ومنها: أنَّ تقدير مثل هذا يفتح (٤) باب الجهالات. ومنها: أنَّ القرآن العظيم مشتملٌ من (٥) علم الغيوب على ما ليس بمقدورٍ لغير الله، وهو أحسنُ ما احتجُّوا به، وهو صحيح على قواعد

стр. 1298

أهل السنة أيضاً، وتجويزُ استناد ذلك إلى ما استرقته (١) مردةُ الشياطين باطلٌ بالضرورة العادية كما نعلم في المفتي (٢) بالصواب أنه فقيهٌ، ولا نُجوِّز أنه عامي، وإنما يتلقَّن (٣) من بعض الشياطين، ولا مستند إلى القطع (٤) بأنه فقيه (٥) إلا الضرورة العادية، وكذلك نعلم (٦) فصاحة الفصحاء، وقوة الأقوياء، وذكاء الأذكياء، مع تجويز إعانة الجن في ذلك في بعض الأحوال النادرة، بل معرفتنا لمن نعرفه من الناس مع تجويز أن (٧) يتصور بعض الجن على صورته بإذن الله، بل تجويز أن يخلق الله بشراً مثله، إنما مستند ذلك جميعه العلوم العادية الضرورية، ولو رفعناها، دخلنا في السفسطة، وكثير من الناس يغلَطُ فيها، لأنَّ التَّجويز يدخُلُ فيها بالنظر إلى قدرة الله، لا بالنظر إلى الواقع، وقد نعلم بالضرورة العادية كثيراً من البواطن من جوع الجائع، وغضب الغضبان، وإخلاص أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين، فإنا نجزمُ بنفي النفاق عنهم، ولا نجدُ إلى تجويز ذلك سبيلاً، ومستند ذلك العلم الضروري العادي بأن المنافق لا يستمر له إظهار ذلك، وأيضاً فاستراق السمع متفرِّعٌ على ثبوت الرب تعالى، وتفرُّده بعلم الغيب، وهذا متفرِّعٌ على أن القرآن كلام الله تعالى، لأن هذه الأمور لا تُعلمُ إلا منه، وبالجملة فمن ابتُلي بالوسوسة في الضروريات، شكَّ فيها، مثل الموسوسين في الطهارات، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1299

وأما الدليل الذي تُعوِّل عليه المعتزلة فيما كان من جنس مقدور (١) بعض المخلوقين من المعجزات، كتحريك الجبال عندهم، فإنه من مقدور الملائكة والجن، فهو أن حكمة الله تعالى توجبُ منعهم من فعل ذلك تصديقاً للكاذبين، وقد نازعهم الرازي في إيجاب ذلك على تقدير تسليم قاعدة التحسين العقلي، وقال: إن المنع مما يُوهِمُ غير الصَّواب لا يجب على الله، ولو كان يجب عليه، لقَبُحَ إنزال المتشابه، والتمكين من السحر، وزعم أنَّه لا جواب لهم، وأنه لا بُدَّ لهم من الرجوع إلى مذهب أهل السُّنَّة في أن مستند العلم في هذه الأشياء هو (٢) العلوم العادية، لا سوى، ومن ثَمَّ ألزم المعتزلة خاصة أن يكون القرآن من كلام الجن، والحق أنه لا يلزمهم، لما ذكرناه عنهم من الأجوبة، لا سيما الاحتجاج بما فيه من علم الغيب. وأما احتجاجُهم بوُجُوبِ المنع من ذلك على الله، ففيه مباحثُ، مع أنه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. ولكن (٣) يَرِدُ عليه أن الله لم يقُل: إن ذلك واجبٌ عليه (٤)، ويمكن أن يفعل من ذلك سبحانه ما لا (٥) يجب عليه، فليس جميع أفعاله سبحانه واجبة، مع أنه سبحانه لم يفعل ذلك مع كُلِّ كذَّابٍ من المُدَّعين للنبوَّة، إمَّا لأنه لا يجب، وإمّا لأنه لم تظهر عليهم معجزاتٌ

стр. 1300

تُوجب تكذيبهم عليه سبحانه. أما (١) المتشابه، والسحر، والدَّجَّال، فقد ذكرها الله تعالى ورسوله، وكذلك يمكن أن يقال: قد ثبت أنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ بالبرهان القاطع، فأغنى ذلك (٢) عن تكذيب الكاذبين بأكثر منه، ولله سبحانه الحجة البالغة، ولا أحد أحبُّ إليه العذرُ منه سبحانه، وبنحو هذه الأمور يُجابُ عن قول من قال: إنّ النُّبُوَّات (٣) من قبيل الخواص مثل النفوس التي من خواصها التأثير في الآلام المسمَّاة بالعين، وهو أن يقال: إنّ الأمارات الضرورية قد دلَّت على صدق الأنبياء، وعدم تعمُّدهم الكذب، ودلَّ اجتماعهم على تصديق بعضهم لبعض، ومخالفتهم النُّظَّار في ذلك على عصمتهم عن الخطأ، ورفيع منزلتهم، وتميُّزهم عن أجناس المختلفين وأنواعهم، والخواص من قبيل الطبائع التي لا يتأتَّى منها صُدورُ الأمور المُحْكَمَةِ على الدوام، إلاَّ لو كانوا (٤) متهمين بالتَّزوير، وترويج الباطل، وقد يضُرُّ (٥) المعاين ولده ونفسه، وتحرق النار (٦) أكثر من (٧) المقصود مرةً ودونه أخرى (٨). وأما الجاحظ، فقد مال إلى أنه لا جواب على هذا (٩)، إلاّ أنه يجبُ
следующие страницы →