← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

لادعيناه في مقام آخر، وذلك أنا نقول: أما تقدير أن القرآن من كلام الملائكة، فغفلةٌ فاحشةٌ، لأن الملائكة اسمٌ موضوعٌ في التقدير لمن لا يصدُرُ عنه الكذب، وأما تقديرُ أنه من الجن، فهو بمعنى (١) تقدير أنه من كلام الشياطين، لأنهم هم مردة الجن وفسقتهم، ونحن نعلم بالضرورة العادية أن فسقة الشياطين ومردتهم لا يعتنون في ظهور مثل القرآن الكريم لما فيه من نقضِ مقاصدهم في الفساد، فإنَّ العمل بمقتضاة بإجماع العُقلاء من المسلمين وغيرهم من أعظم أسباب الصلاح، وحسم مواد الفساد، فإنَّه اشتمل (٢) على النَّهي عن الظُّلم، والعُدوان، والبغي، واللهو واللعب، والغفلة، وسائر أسباب الشر، والأمر بالبر، والإحسان، والعفو والرحمة، والرفق، والتعاون على الخير، وفعل جميع أسباب الخير، مع ما فيه من سبِّ الشياطين، ولعنهم، وتبكيتهم (٣)، فكيف يجوز أنه منهم، وقد ثبت بالبراهين الصحيحة العقلية أنه لا يقع الفعل من القادر بمجرد قدرته عليه؟ ولذلك أجمعت المعتزلة على امتناع صدور القبائح من الله مع قدرته عليها، وإذا تقرَّر ذلك، فمنتهى الأمر أنا نُجوِّزُ قدرة الشياطين على ذلك -وحاشا وكلاّ- فليس لهم داعٍ إليه البتَّة، بل الصَّوارِفُ لهم عنه معلومةٌ بالضرورة من دون مُعارض، وقد نطقت النصوص القرآنيةُ بالردِّ على من زعم ذلك، وأشارت إلى الوجه الأول، أو إلى الوجهين (٤) معاً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]،

стр. 1297

وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧]، وأيضاً، لو جاز ذلك عقلاً، لوجب بطلانُهُ عقلاً أيضاً، وذلك أنه يجب أن يكون الجن مختلفي المقاصد والطبائع، كما اطَّرد الاختلافُ بين جميع الأجناس في ذلك، فكان يجب أن يكون في الجن من يُعارض الذي أتى بالقرآن، ويُحِبُّ تكذيبه (١) في دعواه، لعجز الجن والإنس عن ذلك، ويجب أن يهدي من أضلَّه الكاذب لذلك، ولا يجوز اجتماع طبائعهم على ذلك في عقل عاقلٍ (٢)، وهذا من أنفس ما يُعارضُ به هذا الهذيان إن أصغى إليه مبطلٌ أو جاهل، كما نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩] بل عليه بعينه في قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، بل أعظمُ منه دلالة وهو (٣) أنّه تعالى أوجب من تعدُّد الآلهة وقوع الاختلاف في غير آية والله أعلم. وأمّا على قواعد المعتزلة، فقد أجابوا بوجوهٍ: منها: أن العلم بالملائكة والجنِّ إنَّما حصل بالقرآن. ومنها: أنَّ تقدير مثل هذا يفتح (٤) باب الجهالات. ومنها: أنَّ القرآن العظيم مشتملٌ من (٥) علم الغيوب على ما ليس بمقدورٍ لغير الله، وهو أحسنُ ما احتجُّوا به، وهو صحيح على قواعد

стр. 1298

أهل السنة أيضاً، وتجويزُ استناد ذلك إلى ما استرقته (١) مردةُ الشياطين باطلٌ بالضرورة العادية كما نعلم في المفتي (٢) بالصواب أنه فقيهٌ، ولا نُجوِّز أنه عامي، وإنما يتلقَّن (٣) من بعض الشياطين، ولا مستند إلى القطع (٤) بأنه فقيه (٥) إلا الضرورة العادية، وكذلك نعلم (٦) فصاحة الفصحاء، وقوة الأقوياء، وذكاء الأذكياء، مع تجويز إعانة الجن في ذلك في بعض الأحوال النادرة، بل معرفتنا لمن نعرفه من الناس مع تجويز أن (٧) يتصور بعض الجن على صورته بإذن الله، بل تجويز أن يخلق الله بشراً مثله، إنما مستند ذلك جميعه العلوم العادية الضرورية، ولو رفعناها، دخلنا في السفسطة، وكثير من الناس يغلَطُ فيها، لأنَّ التَّجويز يدخُلُ فيها بالنظر إلى قدرة الله، لا بالنظر إلى الواقع، وقد نعلم بالضرورة العادية كثيراً من البواطن من جوع الجائع، وغضب الغضبان، وإخلاص أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين، فإنا نجزمُ بنفي النفاق عنهم، ولا نجدُ إلى تجويز ذلك سبيلاً، ومستند ذلك العلم الضروري العادي بأن المنافق لا يستمر له إظهار ذلك، وأيضاً فاستراق السمع متفرِّعٌ على ثبوت الرب تعالى، وتفرُّده بعلم الغيب، وهذا متفرِّعٌ على أن القرآن كلام الله تعالى، لأن هذه الأمور لا تُعلمُ إلا منه، وبالجملة فمن ابتُلي بالوسوسة في الضروريات، شكَّ فيها، مثل الموسوسين في الطهارات، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1299

وأما الدليل الذي تُعوِّل عليه المعتزلة فيما كان من جنس مقدور (١) بعض المخلوقين من المعجزات، كتحريك الجبال عندهم، فإنه من مقدور الملائكة والجن، فهو أن حكمة الله تعالى توجبُ منعهم من فعل ذلك تصديقاً للكاذبين، وقد نازعهم الرازي في إيجاب ذلك على تقدير تسليم قاعدة التحسين العقلي، وقال: إن المنع مما يُوهِمُ غير الصَّواب لا يجب على الله، ولو كان يجب عليه، لقَبُحَ إنزال المتشابه، والتمكين من السحر، وزعم أنَّه لا جواب لهم، وأنه لا بُدَّ لهم من الرجوع إلى مذهب أهل السُّنَّة في أن مستند العلم في هذه الأشياء هو (٢) العلوم العادية، لا سوى، ومن ثَمَّ ألزم المعتزلة خاصة أن يكون القرآن من كلام الجن، والحق أنه لا يلزمهم، لما ذكرناه عنهم من الأجوبة، لا سيما الاحتجاج بما فيه من علم الغيب. وأما احتجاجُهم بوُجُوبِ المنع من ذلك على الله، ففيه مباحثُ، مع أنه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. ولكن (٣) يَرِدُ عليه أن الله لم يقُل: إن ذلك واجبٌ عليه (٤)، ويمكن أن يفعل من ذلك سبحانه ما لا (٥) يجب عليه، فليس جميع أفعاله سبحانه واجبة، مع أنه سبحانه لم يفعل ذلك مع كُلِّ كذَّابٍ من المُدَّعين للنبوَّة، إمَّا لأنه لا يجب، وإمّا لأنه لم تظهر عليهم معجزاتٌ

стр. 1300

تُوجب تكذيبهم عليه سبحانه. أما (١) المتشابه، والسحر، والدَّجَّال، فقد ذكرها الله تعالى ورسوله، وكذلك يمكن أن يقال: قد ثبت أنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ بالبرهان القاطع، فأغنى ذلك (٢) عن تكذيب الكاذبين بأكثر منه، ولله سبحانه الحجة البالغة، ولا أحد أحبُّ إليه العذرُ منه سبحانه، وبنحو هذه الأمور يُجابُ عن قول من قال: إنّ النُّبُوَّات (٣) من قبيل الخواص مثل النفوس التي من خواصها التأثير في الآلام المسمَّاة بالعين، وهو أن يقال: إنّ الأمارات الضرورية قد دلَّت على صدق الأنبياء، وعدم تعمُّدهم الكذب، ودلَّ اجتماعهم على تصديق بعضهم لبعض، ومخالفتهم النُّظَّار في ذلك على عصمتهم عن الخطأ، ورفيع منزلتهم، وتميُّزهم عن أجناس المختلفين وأنواعهم، والخواص من قبيل الطبائع التي لا يتأتَّى منها صُدورُ الأمور المُحْكَمَةِ على الدوام، إلاَّ لو كانوا (٤) متهمين بالتَّزوير، وترويج الباطل، وقد يضُرُّ (٥) المعاين ولده ونفسه، وتحرق النار (٦) أكثر من (٧) المقصود مرةً ودونه أخرى (٨). وأما الجاحظ، فقد مال إلى أنه لا جواب على هذا (٩)، إلاّ أنه يجبُ

стр. 1301

على الله المنعُ منه، وليس بجيِّدٍ لوضوحِ هذا الجواب، وعدمِ الوفاقِ على وجوب ما ذكره (١). فإذا تقرَّر صحةُ الاحتجاج عقلاً بإعجاز القرآن على ثُبوت الرَّبِّ سبحانه، أو بغير القرآن من سائر المعجزات، وعلى عِلمِهِ بقُبح الكذب، وقبح تصديق الكاذب، واستغنائه عن ذلك، جاز الاستدلالُ بالسَّمع بعد ذلك على سائر العقائد حتى على (٢) كونه سبحانه غنيّاً عن كل شيءٍ على الإطلاق، فإنه لو (٣) لم يتقرر بإعجاز القرآن إلا غناهُ سبحانه عن الكذب، لا سوى، بدليل قدرته على كل شيءٍ من غير واسطة الكذب، مع علمه بقُبحه، فيجب الجزمُ بصدقه، وصدق من صدَّقهُ، ويشهدُ لذلك ما عُلِمَ من أديان الأنبياء من تقرير المسلمين على الإسلام بعد ظهور المعجِزِ، وفي الاستدلال بالمعجزات السَّلامة مِنَ النَّزاع في الحدوث، وفي الطبع، لأن شرط المعجز أن لا يكون وقوعُه سابقاً لدعوى النبوة، ولا موافقاً للعادة، وكثيراً ما يجعل الله المُعْجِزَ من جنس ما يعرفه المعاصرون لصاحب النبوة، ليعلموا أنه متميِّزٌ عن السحر، وعن مَقدورات العباد، مثل تَلَقُّفِ عصا موسى لما جاءت به السَّحرةُ، لمَّا كان السحرُ صنعة أهل ذلك العصر، وإحياء عيسى ﵇ للموتى، لمّا كان الطِّبُّ صنعة أهل عصره، وإتيان محمدٍ ﷺ بالقرآن العظيم، لمّا كانت الفصاحةُ صنعة (٤) أهل زمانه. ومتى عجز أهلُ العصر، وتواتَرَ عجزُهُم، عُلِمَ من بعدهم الإعجازُ بالتواتر، وإن لم يكن من أهل الصنعة، كالعَجَمي، يعلم إعجازَ

стр. 1302

القرآن، لما تواتر لهُ من عجز بُلَغَاء الخلق عن معارضته، وَمَن لا يعرف السحر، يعرف (١) باعتراف السحرة أنّ ما جاء به موسى ليس بسحرٍ، ومن لا يعرف الطبَّ، يعلم بعجز الأطباء عن إحياء الموتى أنَّ ما جاء به عيسى ﵇ ليس بطب، وكذلك ما يجري للأنبياء ﵈ من الكرامات زمن (٢) الطفولة، وأيام التربية، فإنه (٣) يُميِّزهم من السحرة (٤)، وكذلك ما يكونُ لهم من الصدق، والزهادة، والعِفَّة، والجلالة، ولذلك (٥) كان معرفة سيرهم وأحوالهم من موجبات الإيمان، وقد جمعتُ في ذلك كتاباً سميته " البرهان القاطع في إثبات الصانع، وجميعِ ما جاءت به الشرائع "، وأشرت إلى أنّ الفرق بينهم ﵈ وبين السحرة بذلك أولى من النظر في الفرق بين السحر والمُعجز، لتوقُّفِ ذلك على معرفة السحر (٦)، ثمَّ شَغَبَ بعضُ أهل العصر في ذلك بمباحث، فألَّفتُ كتاب (٧) " ترجيح أساليب القرآن " وتقصَّيتُ فيه الجواب على المباحث في ذلك (٨)، فليُطالعهُ من أراد تحقيق هذا المهم. والأمر الثاني مما أردته بقولي: أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ النظر في الأدلة التي أمرنا الله تعالى أن ننظُر فيها، أو حثَّنا على النَّظَرِ

стр. 1303

فيها، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، وقوله تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ -إلى قوله- ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج: ٥ - ٦]، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - إلى قوله- لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وما لا يأتي عليه العدُّ، وهذا أمرٌ لا يصلح أن يكون فيه خلاف بين المسلمين (١) البتة، ومن أدّاهُ الغُلُوُّ إلى تقبيح الاكتفاء بهذه الأدلة، وجب على جميع المسلمين النَّكيرُ عليه، والإغلاظُ له، وقد ظهر لي أنّه قولُ أئمَّة الكلام، فضلاً عن أئمة أهل البيت ﵈، وسائر علماء الإسلام. قال الحاكم في " شرح العيون ": وأمّا الفصلُ السابعُ فيما رُوِيَ عن النبي ﷺ من الخوض في الكلام، فلا شُبْهَةَ أنّه دعاهم إلى هذه الأُصول، والنَّظَرِ في الأدلَّة بمَا تلا عليهم من الآيات في أدلَّة التَّوحيد، والعدل، والنُّبُوَّات. وذكر مختار في " المجتبى " الاستدلال بطريقة الأحوال في الطريق الرابع من الباب الثاني، ثمَّ قال: وقد جمعها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله- لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال الرَّازي في كتابه " الأربعين " (٢) في الكلام على النُّبُوَّات في عرض الكلام في المعجزات العقليَّة: بل أقرَّ الكُلُّ بأنّه لا يُمكِنُ أن يُرادَ

стр. 1304

في تقرير الدلائل على ما ورد في القرآن، فهؤلاء الغلاة في الكلام يصرحون بذلك، فلا تلتفت إلى قول من ينكره منهم عند استظهار أهل السنة عليهم في الحجة بذلك، لأن إقرارهم بذلك يلزمهم ترك الخوض فيه، ولزوم منهاج أهل السنة، وذلك واضح، ولله الحمد. وقال الغزالي في " القدسية " (١) في الأصل الأول من الركن الأول في معرفة وجوده تعالى: وأوَّل ما يُستضاء به من الأنوار، ويسلك من طريق النظر والاعتبار بما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله بيان. ثم ساق الآيات القرآنية، وكذلك فعل يحيى بن منصور في كتابه " الجمل الإسلامية "، فإنه صدر الاحتجاج فيها بالآيات القرآنية، كما ذلك معروف. وقال الإمام يحيى بن حمزة ﵇ في أوائل كتاب " التمهيد " في القول في وجوب النظر ما لفظه: وكيف يقال: إنهم مُنكرون للخوض في هذه الأدلة، وأكثر القرآن مُشتملٌ على ذكرها وشرحها، ولنذكر منها واحدة يُقاسُ بها الباقي، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] إلى آخر السورة، فالله تعالى حكى في هذه الآية إنكار المنكرين للإعادة (٢)، وقرَّر وجه شبهتهم، وأجاب عن كل واحدة منها بوجه يخصُّه، وطوَّل في بيان ذلك إلى قوله: فأمَّا الآيات الدالة على إثبات الصانع وصفاته، والنبوة، والرد على منكريها، فأكثرُ من أن تُحصى.

стр. 1305

وقال قاضي القضاة في المجلد الرابع من " المحيط في النبوات " في ذكر إعجاز القرآن ما لفظه: واتَّفق فيه أيضاً استنباطُ الأدلة التي تُوافقُ العقول، وموافقة ما تضمنه لأحكام العقل على وجه يَبْهَرُ ذوي العقول، ويحيِّرهم، فإن الله سبحانه يُنبِّهُ (١) على المعاني التي يستخرجها المتكلمون بمعاناةٍ وجهدٍ بألفاظ سهلةٍ قليلةٍ، تحتوي على معانٍ كثيرةٍ، كما ذكره في نقض مذاهب الطبائعيين في قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية [الرعد: ٤]، وفي الآيات التي ذكرها في نفي الثاني، وفي غير ذلك من الأبواب التي لا تكادُ تحصى. انتهى بحروفه. وقال القاضي عياض في " الشفاء " (٢): ومنها جَمْعُهُ لعلوم (٣) ومعارف لم تَعهَدِ العربُ عامةً، ولا محمد ﷺ قبل نبوَّته خاصة (٤) بمعرفتها، ولا القيام بها، ولا يُحيطُ بها أحدٌ من علماء الأُمم، ولا يشتمل عليها كتابٌ من كُتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طُرق الحُجج العقليات، والرد على فِرَقِ الأمم ببراهين قوية، وأدلة بيِّنةٍ، سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعد أن ينصبوا (٥) أدلة مثلها، فلم يقدروا عليها، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، و ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، و ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم، والمواعظ، والحكم.

стр. 1306

وقال محمد بن منصور في كتاب " التوحيد والجملة ": وإنما جاءت الرسل بغاية الحجة على من سألها بما بين الله لها، وأنزل في كتبه إليها، لم تَعْدُ ذلك إلى غيره، ولن تُكون حجةٌ أبلغ في الدلالة على الله من حُجج أنبياء الله التي أبلغها عن الله خلقه، ولا أهدى لهم إن قبلوها، قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ثم ساق مُحاجَّة إبراهيم إلى قوله: وقالوا عند مسألة فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ الآية [طه: ٤٩ - ٥٠]، وقال فرعون أيضاً: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]، وفي آية ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] فلم يتعدَّ موسى في الجواب عند مسألة فرعون غير ما أنبأه (١) اللهُ به في الكتاب، وكذلك محمد ﷺ حين سأله قومه: مَنْ يُعيدُنا؟ فأمره الله بالجواب ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، فلم يُكلِّفْهُ من الحجة والجواب غير ما قال له في الكتاب، ولمَّا قالوا له: انسُب لنا ربَّك، نزل عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر ما ذكره في كتاب " الزيادات " (٢) من المجلد السادس من " الجامع الكافي ". ولما وقف هذا المشارُ إليه على أبياتي هذه، حسب أنِّي استدللتُ على السمع بالسمع (٣)، وظنَّ أنَّ مُرادي " أصول ديني ": السمعُ لا العقل، وظن أنَّ أهل السُّنة لا يرون العقل شيئاً، كأنَّه لا يعلم إجماع المسلمين أنه لا تكليف على صبيٍّ ولا مجنون، ولا بُدَّ من نظر العقل،

стр. 1307

ولذلك أمر الله بتدبر كتابه، فبأيِّ شيء يتدبَّرُهُ إلاَّ بالعقل؟ وإنما منعوا من وضع النظر في غير موضعه، ومن الطرائق (١) المبتدعة الضارة، نسأل الله الهداية (٢)، وهذا تمام الأبيات: أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ ... وليس لي في أُصولٍ غيره غَرَضُ لولاه بالنصِّ ما كان الرسولُ درى ... ما هو الكتابُ ولا الإيمانُ يَفتَرِضُ ما احتجَّ قطُّ نبيٌّ في الكتابِ بما ... قالوا كأن لم يكُن في وقتهم عَرَضُ جاء الهُدى والشِّفا فيه وموعِظةٌ ... ورحمة قولُ ربٍّ ليس ينتقِضُ إشارة إلى قوله تعالى في يونس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨]. وفي توهمهم إن الخليل به اسـ ... ـتدل أفحش وهم ليس يرتحض ما الفرق في ذاك بين النيرات وما ... بين الأفولين للنظار لو محضوا وما لهم عن دليل المعجزات أما ... في الشمس عن زحل للمهتدي عوض دليل موسى لأهل السحر عرفهم ... في ساعة فغنوا عن علمهم ورضوا وما تحقق ما أوجبتم سنة (٣) ... إلا ذكي حريص ليس يغتمض وذاك أوضح ما حج الكليم به ... فرعون في الشعرا والكفر ينخفض وعلل الله أعلام الأنام بأهـ ... ـل الكهف بالعلم (٤) تعليلاً هو الغرض كما تقرر في الكشاف وهو من الـ ... ـخصوم، لكن أمر الحق منتهض

стр. 1308

إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (١) [الكهف: ٢١]. تجري على ألسُنِ الأعداء مُتَّضِحَاً ... عساهُ يشفي الذي في قلبه مرضُ فما لهم إن جرى ذكرُ الكلام ... وإن ذكرنا كلام الله ينقبض وليتهُم إذ دَرَوْا علمَ الكلام دروا ... أنَّ الشفاءَ الذي ظنُّوا به مَرَضُ (٢) قالوا: السُّكُونُ (٣) وجودٌ ثابتٌ عَرَضٌ ... وقطعُهُم فيه بالتَّشكيك مُنْتَقَضُ لعلَّ وُجْدانه من ضدِّهِ عدمٌ ... كالجهلِ والموت للأحياء يعترضُ قالوا: فذاتُ كلا الكونين لبثهما ... ولا دليلَ لهُم في ذاك ينتهِضُ وكيف يتَّحِدِ الضدان من جدلٍ (٤) ... والأوَّليّ ببحثٍ ليس ينقرِضُ بل السكوتُ هو اللبثُ الذي زعموا ... والاحتراكُ بذاك اللبثِ يُرتَفَضُ إذِ السكوتُ بسيطٌ يستحيلُ لهُ ... فضلٌ ومعناهُ بالتقييد ينتقِضُ ألا ترى أنه في طُولِ مدَّته ... فرد على الفرضِ منَّا أنَّه غَرَضُ وقيدُهُم لبثُه وقتاً بنقلته ... في الاحتراك ركيك ليس ينتهضُ إن كان ذا القيد شيئاً كان ذاك هو الـ ... ـتحريكُ أو لم يكن شيئاً فما الغرضُ فإن تقولوا انتفى الماضي فذا عدمٌ ... ووصفُه بحدوث الذات معتَرَضُ وإن تقولوا: هو المجموع فهو بنا الـ ... ـموجود من عدمٍ والخلف ينتقض (٥) إنَّ البَسَائطِ لا تركيب يدخُلُها ... إذ كُلُّ ما رُكِّبَتْ أفرادُهُ فَضَضُ وكُلُّ ذاك إضافاتٌ وحاصِلُها ... تخيُّلٌ لذواتٍ ليس تُمْتَحَضُ

стр. 1309

كوصفهم لمقالٍ لا وجود لهُ ... معاً فما وصفُ حرفٍ بالذي فرضُوا وبعضُ مُحتركِ الأجسامِ أثقلُ مِنْ ... بعضٍ وفي ذاك بحثٌ ليسَ يغتمضُ سريعُها لابثٌ وقتاً بكُلّ جها ... ت الكونِ حتَّى لُمُوع البرقِ إذ يفِضُ وضدُّه لابثٌ ضعف (١) السريع بلا ... ريبٍ -على زعمِهِم- والحقُّ مُفترضُ فكان في جهة (٢) وقتين مُحترِكاً ... وجمعُ ذا باضطرار العقلِ يُنتقضُ ولو تَحَلَّل في ذاك السُّكُون لَمَا ... خفي إذا كان أضعاف الذي يَفِضُ (٣) وكان عن قصدِنَا فيما يكونُ لنا ... لا سيما في الذي ينهَى ويفترِضُ فانفد (٤) حدودهم الأكوان إنَّ بها ... مُزيَّفاً باطلاً بالنقدِ يُرتَفَضُ فإن قضينا ببُطلانِ الحدودِ، فَذَا ... وإن نقُل باعتباراتٍ، فذا الغَرَضُ ويشهدُ الظلُّ والنَّجم البطيء لقو ... ل الاعتبار إذا خرَّ الذي يفضُ (٥) صحَّ السُّكُونَ طويلاً فيهما لُغَةً ... والاحتراكُ لمحضِ العقل مُمتحضُ والحقُّ أنَّ السكونَ والبقاء ردِيـ ... ـفَاً للَّبثِ والكون في المعنى هو الغَرَضُ وقولُنا الكونُ ذاتٌ غيرُ مُتَّضحٍ ... لأنه باعتبار الوقت مُعتَرضُ وهو الوجودُ يُسمَّى باعتبارهما ... اسماً وما كُلُّ لفظٍ تحتهُ غَرَضُ ولا دليلَ عليه وهو مُحتَمَلٌ ... والاحتمالُ بميلِ الظِّلِّ ينتهض (٦) ونُقْلَةُ الجسم والتحريك قطع مسا ... فة ترادُفُها ما ليس يُعتَرَضُ فالكونُ في حالةِ التحريكِ يُطلقُ لا ... يُقالُ: لبثٌ له، فاللبثُ يُنتَقضُ إذ فيه معنى السُّكونِ وهو مُحتَرِكٌ ... كما تقدَّم في المبطي وما يَفِضُ

стр. 1310

والنَّجم والنَّبْتُ (١) والظلُ الجميعُ سكو ... نهُنَّ كالطفلِ بالبرهانِ مُعتَرَضُ هذا المُطابِقُ والموضُوعُ في لُغةٍ ... وأوهمُوا فيه بالملزُوم فاعترضوا فلا تظُنَّ اختلافَ اللفظِ يلتزمُ الـ ... أشيا ولا كُلَّ معنى تحتَهُ غَرَضُ فالجهلُ لفظٌ لهُ معنى وليس لهُ ... ذات، كذلك موتُ الحيِّ لا المَرَضُ يعني الجهل اللُّغوي، وكذلك النوم والسهو، والجنون، وكذلك الموت، لأنه زوالُ الحياة، ولو كان معنى، لزم أن يكون للجمادِ معنى بكونه جماداً، بل العدمُ المحضُ لفظٌ له معنى معقول (٢)، وليس بشيءٍ ضرورة. والعَدمُ المحضُ معقولٌ تجدُّدُه ... لفظاً ومعنى ولا وصفٌ ولا غَرَضُ فلا ترُدَّ نُصوصَ الذِّكر مُعتمداً ... على خيالٍ لأذكى منك يَنتَقِضُ ورُبما جاء أذكى مِنكُما فَغَدَا الـ ... إسلامُ في كُلِّ يومٍ وهو يُرتَفَضُ فَقِفْ على الجُمَلِ المعلُومِ صحَّتُها ... ولا تُجَاوِزْ، وقولُ النَّصْحِ مُفتَرَضُ ومعنى البحث الأول الوارد بعد قولي: قالوا السُّكونُ وجودٌ ثابتٌ عَرَضٌ ... وقطعُهُمْ فيه بالتَّشكيك ينتقض أنهم جعلوا مُجرَّد كون الجسم في الجهة لبثاً فيها، سواء كان قاطعاً لها بالحركة والنقل، أو قاراً فيها وقالوا: لا فرق بين الحركة والسكون بالنظر إلى ذاتهما البتَّة، فإنَّ ذاتهما واحدةٌ، وهي اللبث عندهم، ولكن ذلك اللبث إنِ استمرَّ وقتين فصاعداً، وإن قصر، فهو السُّكون، وإن لم يستمر (٣) وقتين وكان (٤) بعد نقله، فهو الحركة، وإن كانت بطيئة، وهذا

стр. 1311

فاسد من وجهين: أحدهما: ما ذكرتُه من فساد تركيب المعاني البسيطة. وثانيهما: ما نظمته (١) في هذه الأبيات، وتلخيصُه: أنا إذا فرضنا محتركين في جهاتٍ مستوية الأطراف، وكان أحدهما يقطعها في ساعة، والآخر في ساعتين أو أكثر، وكان مُجرَّد الكون في الجهة لُبثاً فيها، استلزم بالضرورة أنَّ البطيء (٢) قد لبث في كلِّ جهة وقتين قصيرين من أوقات سريع الحركة الذي قطع تلك الجهات كلها في ساعة، وهذا يستلزم أحد أمرين: إمَّا أنَّ البطيء يُسمَّى محتركاً ساكناً معاً باعتبار الجهتين، أعني: متحرِّكاً باعتبار قطع المسافة، ساكناً باعتبار ما هو أسرعُ منه، كما يصحُّ تسمية الظل والنجم ساكنين (٣) باعتبار الرؤية، ومحترِكَيْنِ باعتبار البرهان، وحينئذٍ يحصُلُ الغرضُ، وهو أن الأكوان ليست أشياء حقيقةً، لأنَّ الأضداد الحقيقية لا تجتمعُ، كالسَّواد والبياض، بخلاف الإضافيَّة، كالقبلية والبعدية في اليوم، بالنظر إلى أمسِ وغدٍ. وهم يعتذرون عن هذا بأنَّ في الحركة الثقيلة سكوناتٍ (٤) متخلِّلة، وقد أبطله الرازي في " الملخص " بوجوه: منها، ما أشرتُ إليه في الأبيات، وهذا لفظُ الزازي، قال: لو كان

стр. 1312

كذلك، كان نسبةُ السكنات المتخلِّلة من حركات الفرس التي (١) تعدو من أول اليوم إلى الظهر خمسين فرسخاً إلى حركاته، كنسبة فضل حركة الفلك الأعظم إلى حركاته، لكن الفلك الأعظم قطع قريباً من ربع مقداره، ومعلومٌ أنه أزيدُ من المسافة المذكورة ألف ألف مرة، فيجبُّ أنْ تكون سكنَاتُ هذه الفرس أزيد من حركاته ألف ألف مرة، ولو كان كذلك، لما ظهرت الحركات الفرسية (٢) ما بين خَلَلِ تلك السكنات، لكن الأمر بالعكس، فإنَّا (٣) لا نُشاهدُ في (٤) حركاته (٥) سكناتٍ أصلاً، فيجب أن لا يكون البطءُ المتخلل (٦) السكنات، انتهى من التقسيم الثاني في تقسيمات الحركة. وإمَّا أن ينتقض قولهم: إنَّ مجرَّد السكون (٧) لُبث، ويكون الُّلبث مُرادفاً للسكون، بل هو في عُرْفِ اللغة أطول منه، قال في " الضياء ": هو الإقامة، قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]. والذي يقوم عليه الدليل أنَّ اللبث والسكون يُضادَّان النُّقلة وقطع المسافة، وأنَّ (٨) الكون في المكان كالجنس، وهو المسمى في عُرفهم بالكون المطلق، فإن طال حتَّى اتَّصف بما يُناقضُ النقلة ويضادها، فهو اللبث والسكون بالنظر إلى المكان، والبقاء والدوام بالنظر إلى الزمان، وإن لم

стр. 1313

يطُل طولاً يناقض مُطلق النقلة السريعة والبطيئة، فهو كونٌ مطلقٌ في كلِّ جهةٍ، ولا يُوصفُ بلُبْث، كما لا يُوصف بسكون، ولا فرق بين كونه في المكان وبين وجوده فيه إلاَّ في العبارة. وحاجته إلى المكان لا توجب حاجته إلى ذاتٍ تحُلُّهُ، كما أن حاجته إلى الزمان لا تُوجب ذلك عند الخصم، ولو سلَّمنا جواز ذلك، فلا يثبتُ بمُجرَّد التجويز. والاستدلال بمثل قولهم: إنَّ المتحرك إذا سكن، فقد حدث، أمرٌ باطل، لوجهين: الوجه (١) الأول: ما ذكره الرازي في كتابه " الملخص في الجواهر والأعراض "، فإنه ذكر أنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الحادث بشرط كونه مسبوقاً بالعدم يمنَعُ أن يكون صِحّةُ حصوله على هذا الشرط أزلية، وإلاَّ اجتمع النفي والإثباتُ، فهو قد كان ممتنعاً، ثمَّ صار مُمكناً، وقد ثبت بالدلالة أن الامتناع والإمكان يستحيلُ كونُ واحدٍ منهما أمراً ثُبوتياً، ولأن الشيء أن حدوثه (٢) حادث، وغيرُ باقٍ، ثمَّ يصيرُ بعد ذلك باقياً، ويزولُ عنه كونه حادثاً، مع أن الحدوث قد كان يستحيل أن تكون صفتُه ثُبوتيّةً، وإلاَّ لزم التسلسل، والبقاء أيضاً ليست صفة ثبوتية، وإلاَّ لَزِمَ الدَّوْرُ، وكذا القول في جميع الأحوال الاعتبارية التي لا ثبوت لها في الخارج. انتهى بحروفه منسوباً إلى زيتون، ذكره في الفنِّ الخامس في الحركة والزمان من الباب الثاني في بقيَّة المقُولات. الوجه الثاني: سلَّمنا أنَّ أحدهُما ثبوتيٌّ، فلا يلزمُ أنَّ المتحرِّكَ إذا سكن فيه حدوثُ (٣) أمرٍ لجواز أنَّهُ عدمُ أمرٍ، كالجهل، والموت، والظلِّ

стр. 1314

بعد الشمس، وما لا يُحصى. ومجرَّدُ اختلاف الأسماء لا يدلُّ على الذوات كما قدَّمنا، وكالسُّرعة (١) والبطء في الحركة، وكذلك الأحكام الشرعية كلُّها، وهي الوجوب، والنَّدْبُ، والإباحةُ والحظر، والكراهة. فإذا عرفت معنى اللُّبث والسُّكون، والبقاء والدوام، فاعرف أنَّ الحركة هي قطعُ المسافة، وهي النُّقلة، وليست اسماً للكون في الجهة من حيث هو كون، ولا يدلُّ على ذلك دليلٌ، ولذلك اشترطوا في حدها النقلة، لعلمهم أنهم لو لم يشترطوه، لبطل قولهم ضرورةً، ومع اشتراطه وثُبوتِ الحركة به، وانتفائها بانتفائه، يتعيَّنُ القول بأنه الحركة، والحمد لله. وبيان ذلك بعرضه على دلالتي المطابقة والالتزام، فإنَّ الحركة في دلالة المطابقة الوضعية في الحقائق الثلاث تدلُّ على النُّقلة، وقطع المسافة من حيث هي كذلك، ولا تدلُّ على الكون في الجهة من هذه الجهة (٢) البتة، وإنَّما يدلُّ على ذلك بدلالة الالتزام العقليَّة، كدِلالة الجسم على ذلك محقَّقاً، وهم عكسوا ذلك عكساً مُحقّقاً. فرضٌ على مِثْلِ هذا النَّقل (٣) قولُهُمُ ... تَجِدْهُ مِثْلَ شَرابٍ شُربُهُ حَرَضُ هذا وإنِّي على ردِّي لِقَولِهِمُ ... أحنُوا عَلَيْهِمْ وإنْ عابُوا وإن بَغَضُوا إخوانُنَا وعلى الدِّين الحنيف وإنْ ... أخطَوْا، فَمَا الشمُّ يومَ الرِّيحِ تَنْتَقِضُ لهُم سوابِقُ مِنْ علمٍ ومِنْ عَمَلٍ ... فَكَمْ أَصَحُّوا وكَمْ صحُّوا وإن مَرِضُوا

стр. 1315

ولي ذُنُوب إذا قِيسَتْ بذَنبِهِم ... رُدَّتْ عليَّ ردوداً (١) ليس يَنْتَقِضُ فاللهُ يُوسِعُنِي فَضْلاً ويوسِعُهُمْ ... فَمَقْصِدُ الكُلِّ أنَّ الحَقَّ يَمْتَحِضُ وإنَّما نظمتُ هذه المباحث في الأكوانِ على كراهتي للخوض في هذا العلم، لأنَّها لا تَعَلَّقٌ بالكلام في ذات الله تعالى وصفاته، ورجوتُ انتفاع بعضهم بمعرفة ذلك، ومعنى بقية هذه (٢) المباحث أنَّ دليلَهم مبنيٌّ على أنَّ الأكوانَ ذواتٌ ثابتةٌ غيرُ عدميَّة، ومن المُمْكِنِ أن يكون السُّكون عدم الحركة، كما أن الجهل عدم العلم، إلا (٣) أنه أمرٌ ثبوتيٌّ، فلا يصحُّ قولهم: إنه إذا سكن المحترك، فقد حدث أمرٌ لجواز أن يكون الصواب أنه عدمُ أمرٍ، كما لو عدم العالم، وقد أضربوا عن هذا السُّؤال في كُتُبِهِمْ مثل: " الشرح وتعاليقه "، " والخلاصة وتعاليقها "، وذكره الرازي في " الأربعين "، وحاولوا (٤) الجواب عنه بالتزامِ (٥) أنَّ الحركة والسكون ذات (٦) واحدة، وهي من قبيل (٧) اللُّبث، لكن إن استمرَّ وقتين فصاعداً، فهو السُّكُونُ، وإلاَّ فإن كان بعد نقله، فهو الحركة، وإلاَّ فهو الكونُ المطلق، ولبثُ الحركة عندهم في الوقت الثاني ينقلِبُ سكوناً، وهذه (٨) منهم غفلةٌ عظيمةٌ، فإنَّ انقلاب الذوات محالٌ، والمعاني كُلُّها بسيطةٌ، لا تركيب فيها كالعلم، والسكون عندهم متركِّبٌ مِنْ لُبثين (٩) فصاعِدَاً، وعلى

стр. 1316

هذا يصحُّ أن يكونَ له نصف، ويلزمُ أنَّه لو طال، لكان سكونات كثيرة، وهم لا يقولون به، ثم الحركةُ عندكم متركِّبة من لُبْثِ المتحَيِّز وقتاً واحداً في المحلِّ الثاني، ومِنْ عدم لُبثها في المحلِّ الأوَّل، والذوات الثبوتية الحقيقية (١) لا تُرَكَّبُ من العدم، والعَدَمُ لا يُوصَفُ بالحدوث. فإن نازعوا في هذه المعاني، نازعوا في الضرورة، وإن سلَّموها، وزعموا أنهم اصطلحوا هذه الأسماء لهذه المُسمَّيات، فاختلاف الأسماء لا يُحيلُ الذوات ويقلب المعاني، ويتركَّب عليه الدليل، ثم يلزمهم في البقاء أن يكون معنى كالسكون (٢)، لأن استمرار الوجود يسمى بالنظر إلى الزمان بقاءً، وبالنظر إلى المكان سُكوناً، ثم إنهم يقولون في الكون المقارب لحدوث الجسم: إنه فعل الله. فإما أن يكون الجسم (٣) مقدوراً من غير كون، لَزِمَ صحةُ خُلوه عنه، وإما أن يكون غير مقدورٍ إلاّ به، لزم نفيُ اختيار الله تعالى في خلقه الجسم منفرداً، وفي هذا منع القادر على كل شيء من مقدور معلوم أنه يقدر عليه إلاَّ بأن يخلُقَ معه شيئاً (٤) آخر من غير برهان قاطع. وأما كونه لا بُدّ أن يكون في جهةٍ معيَّنةٍ فذلك بالفاعل، لا بمعنى كما أنه لا بد أن يكون وقت مُعين، وذلك بالفاعل لا بمعنى اتفاقاً، وقال لهم منازعوهم: ما المانعُ من أنّ المؤثر في هذه الأشياء هو الفاعل من غير واسطة معنى؟ قالوا: المانعُ من ذاك أنا رأينا كلامنا لمّا كان مقدوراً لنا، قدرنا على

стр. 1317

أن نُوجده على صفاته كلها من نحو كونه خبراً وأمراً ونهياً، وكلامُ الغير لما لم يكن مقدوراً لنا، قدَّرنا لم نقدر (١) على جعله صفةً، فثبت أن كل ما لم يكن مقدوراً، كان مثل كلام الغير، والموجود غير مقدور، فلو قدرنا على جعله على صفةٍ قدرنا على جميع صفاته، فنجعله أسود وأبيض، وحلواً ومُرّاً. وأجاب منازعوهم: بأن هذا القياس يتركب (٢) على غلطٍ واضحٍ، فإن وصف الكلام بأنه خبرٌ وإنشاء ونحو ذلك ليس بوصفٍ ثبوتيٍّ حقيقيٍّ، بدليل أنه لا يصحُّ أن يُوجد من الكلام إلاَّ حرفٌ بعد حرفٍ، والمعدوم من الحروف لا يُوصفُ، والموجود منها ليس إلا حرف واحد (٣)، والحرف الواحد ليس بكلامٍ وفاقاً (٤)، فكيف يُوصفُ ما ليس بكلامٍ بأنّه خبرٌ أو إنشاء، ويكون ذلك الوصف حقيقياً؟ وإذا كان هذا حال الميزان المقيس عليه، فكيف حال الموزون به؟ ثم ما المانع أن تكون بعض الصفات مقدوراً دون بعض؟ كالأعراض عندكم، وما الجامع بين الأكوان، والألوان، والطعوم؟ فدلَّ على أن هذه الصفات إضافيةٌ لا حقيقة لها، أو أن (٥) بعضها كذلك، وبعضُها ثبوتيٌّ، والصحيح أن الحركة قطعُ المسافة، والمرجع بالإجماع، والافتراق إليهما، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ على حسب اختصار الأبيات، وتمكن الصارف من البسط في هذا العلم، ومن أحبَّ معرفة المباحت في هذه المسألة،

стр. 1318

فعليه بكتاب " منهاج السنة النبوية " (١)، وكتب ابن تيمية الكلامية، وفي كتب الرازي، وأصحاب أبي الحسين شيء منها غير مستوفى، وكتب الرازي أكثر من غيرها، وأما كتبُ المتكلمين من الزيدية والبهاشمة (٢) في عصرنا، فما فيها من هذا ما يُغني البتة، وإنما ذكرتُ هذا لإرشاد (٣) من لا بُدَّ له من البحث، مع أنَّ الأولى تركُ هذه الوساوس والخيالات، والإقبال على أدلة الكتب السماوية، والسنن النبوية المحروسة من الزَّيغ، المصونة من الوهم (٤). نسألُ الله السلامة. ولأهل علم المعقولات أسلوبٌ آخر في الاستدلالِ بالحركة وتقسيمها إلى ستِّ حركات يجمعها الابتداء من كل تغير (٥)، وهي حركة الكون (٦)، والفساد، والنُّمو، والنُّقصان، والاستحالة، والنقلة، وهي طبيعية وقسرية (٧)، وكلاهما إما أن يتحرَّك المتحرك بكلِّه كانت حركته مستقيمة (٨) أو بجزئيه (٩) كانت مستديرة، وقد كنت أثبتُّ الجواب ونقضه هنا، ثم رأيتُ ترك ذلك وإفرادَه في (١٠) مؤلَّفٍ.

стр. 1319

وقد اعترض بعضُ غُلاة (١) المتكلمين من أهل العصر على أهل الأثر بأنه إنما قال بذلك من هو جامِدُ الفطنة مثل مالكٍ، وبُلْهِ المحدثين، لقلَّةِ ممارستهم للعلوم، واقتصارهم على فنِّ الحديث، وكلامه هذا من فضلات الكلام المؤذي الذي ليس تحته أثارةٌ من علم، وقد قصد به ذم المحدِّثين كلِّهم، ووصمهم (٢) بالبَلَهِ، لأن القول الذي نسبه إلى البُله منهم هو قول جلتهم وأئمتهم (٣)، ولأنه صرح بنسبة البله إلى إمامهم: إمام دار الهجرة النبوية المُجمع على إمامته وورعه واجتهاده، ذلك شيخ الإسلام الإمام مالك بن أنس ﵁، فكيف بمن دونه منهم، ولأنه علَّل ذلك بعلةٍ تعُمُّهم، وهي ترك (٤) ممارسة علوم أهل النظر والجدل، فينبغي تأديبُه على هذه الكلمات المؤذية الزائدة على القدر المحتاج إليه من عبارات المتناظرين في طلب المعرفة، وذلك بذكر بضعة عشر وجهاً على سبيل التَّقريع والتَّأديب: الأول: أن عادة أهل العلم والفضل، وأهل الإسلام والخلف والسلف، وأهل البدع والكلام، وأهل كتب المقالات في الملل والنِّحل، كلهم استمرت على نسبة الأقوال إلى أهلها من غير زيادة سخريةٍ، ولا غمصٍ، ولا أذى (٥)، ولا استهانة، مُنَزِّهين لألسنتهم عن خَبَثِ (٦) السَّفه، ولمصنفاتهم عمَّا يدلُّ على قلة التمييز والمناصفة، فترى

стр. 1320

المتكلمين يقولون: ذهبت الثَّنوية إلى كذا، وذهبت النصارى إلى كذا، وكذلك سائر أهل المقالات علماً من المحصِّلين أنه لا حاصل تحت السَّفه، وأنه مقدورٌ لأدنى السُّوقة، وإنما يُوجَدُ ذلك في كلام كثير (١) من العلماء عند الانتصاف من البادي (٢) بالعدوان، قال الله تعالى في مثل ذلك (٣): ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. الثاني: أنك علَّلتَ (٤) جُمود فِطَنِهِمْ وبَلَهَهُم بقلةِ ممارستهم للعلوم النظرية، والأساليب الجدلية، وهذه هفوةٌ عظيمة، لأن هذه العلة قد شاركهم فيها خِيرَةُ الله من خلقه من الملائكة المقربين، والأنبياء، والمرسلين، والصحابة، والتابعين، والأبدال والصَّالحين. فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلة مؤثِّرة صحيحة، ويستلزمُ ما أدت إليه من الزِّراية على كُلِّ من ترك الخوض في الكلام والجدل والممارسة لأساليب العلم المنطقي، فقد تعرَّض للهلاك، وارتبك في الغباوة أيَّ ارتباكٍ، وانتظم في سلكِ الحسينية المخذولين (٥) المفضِّلين لبعض المتكلمين على الأنبياء والمرسلين، وإن كان يأبى ذلك (٦) إباء المسلمين، ويأنَفُ منهُ أنَفَة المؤمنين، فقد تبيَّن له أن من كان له أُسوةٌ في ترك الممارسة لهذه الفنون بالملائكة المقرَّبين، والأنبياء والمرسلين (٧)،

стр. 1321

وسائر من ذكرنا من الصالحين، فهو حريٌّ بالتبجيل والتعظيم والتوقير والتكريم، فيا سيَّال الذهن، ووقَّاد القريحة، مَنِ الأبلهُ الآن؟ هل من علَّل بهذا التعليل العليل (١)، وقال: إن إيمانه كإيمان جبريل؟ أم من تأدَب بآداب التنزيل، ولم يتعرَّض لما لا يعلمه البشر من التعليل واقتدى برسول الله ﷺ في ترك التعمق في الدين، والإعراض عن الجاهلين؟ الثالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا يسلُبها جميع أفراد الطائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عددٌ، ولا يجمعهم نسبٌ، ولا بلدٌ، وذلك كالطول والقِصَرِ، والسواد والبياض، والجمال والدمامة، فالقول عليهم بذلك من قبيل التحري على البُهت الذي هو عادةُ البطَّالين، وكلُّ مُنْصف يعلمُ أن في كلِّ طائفةٍ فطناء أذكياء، وقد خاطب الله تعالى عُبَّادَ الحجارة بقوله: ﴿وأنتم تعقلون﴾، ﴿وأنتم تعلمون﴾. الرابع: من المعلوم أيضاً أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بُلداء، وإنّ في الزيدية ، وسائر الشيعة، والمتعاطين للعلوم الدقيقة من هو عريض القَفَا، جامدُ الطبع، فما بالُ المعترض يَصِمُ المحدثين بأمرٍ قد اشترك فيه الناس، وما أمن المعترض أنه من بُلداء (٢) الزيدية، وأهل الدعاوي الباطلة، وإن كان لشدة بَلَهِهِ لا يعلمُ بعيب نفسه، فإنّ من البُلْه من يبقى معه من الفهم ما يُدركُ به قصورَ باعه، وغِلَظَ طباعه، وإنما شديدُ الغباوة، بليغُ البَلَهِ من لم يبقَ لهُ شعورٌ بأحوالِ نفسه، ولا ٌ لمقدار كُنهه، فتراه يتيه على العُظماء وهو حقيرٌ، ويزدري الكُبَرَاء وهو صغيرٌ. الخامس: أنّ رسائلك أيُّها المعترضُ مناديةٌ عليك نداءً صريحاً

стр. 1322

بجمود الفطنة، وكثرة البله، وكل إناءٍ بالذي فيه يرشُحُ (١)، ولو كنتَ من أهل المغاصات الغامضة، والأذهان السَّيَّالة، والقرائحِ الوقادة، لظهر ذلك في رسائلك، فلا مخبأ بعد بوس، ولا عِطرَ بعد عَرُوس (٢)، فكيف تعيبُ الخصوم بعيبٍ أنت بمثله موصوم؟ وكيفَ يَعيبُ العُورَ من هُو أعوَرُ السادس: أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ ، ونعتقد في علماء المتكلمين من المسلمين كلهم من البله مثل ما أنت معتقد في المُحدثين، فإنهم يدَّعون أن المسلمين غيرُ ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي، وأنهم همُ السُّبَّاق إلى تأسيس علم المعقول، ووضع قوانين البراهين في فنِّ المنطق، وأنّهُمُ المستبدُّون بذلك، لصفاء أذهانهم، وشدَّة غوصهم على الغوامض، وكما أن ذلك -وإن كان حقّاً- لا يوجب صحة ما كنتم عليه من الكفر المعلوم، وكذلك تشبُّثُ كثيرٍ من المتكلمين ببعض أساليب الفلاسفة في النظر والجدل لا يُوجِبُ صحَّة ما هم عليه من البدع، هذا إن سلَّمتَ أنّ المدقِّق قد يَضِلُّ الطريق، ولا ينفعه التدقيق، وإن لم تُسلِّم ذلك، فاتخذهم أئمة، وانسلخ عن هذه الأُمة، وفي هذا أكبرُ دليلٍ على نقض ما توهَّم المعترِضُ من تعليل إبطال المبطلين بعدم مُمارسة دقائق العلوم.

стр. 1323

السابع: كان المسلمون أمةً واحدةً في عهد رسول الله ﷺ ، وأيَّام الخلفاء الراشدين، ليس (١) بينهم خلافٌ في أمر العقيدة، وعُلِمَ من النبي ﷺ ، ومن الخلفاء الراشدين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو سبيل الهدى، ومنهجُ الحق، وطريق (٢) السلامة، حتَّى مارستم هذه العلوم، وتركتم الجمود، وسالت أذهانكم بالحقائق، وغُصتم على خفيات الدقائق، وضلت من ثلاثٍ وسبعين فرقةً اثنتان وسبعون فرقة، ولم يبق من الأمة ببركة هذه الممارسة على الهدى عُشرُها ولا عُشرُ عُشرِها، وأنتم تدَّعُون أن المعتزلة منها، فالمعتزلةُ عشرُ فِرَقٍ كما ذكره إمامُ علومهم عليُّ بنُ عبد الله بن أبي الخير وغيره، وهم مختلفون في عقلياتٍ تجب (٣) عندكم وعندهم القطع بقبح الاختلاف فيها، وتحريم أحد القولين، واحتمال الفسق في ذلك الاختلاف عند جميعكم، ومن أجاز منكم ومنهم كفراً لا دليلَ عليه، جوَّز في جميع ذلك الخلاف أن يكون كُفراً. والشيعة أكثر فِرَقَاً، وأشدُّ اختلافاً من المعتزلة. والزيديةُ فرقةٌ واحدةٌ من الشيعة (٤) قد تفرَّقت إلى مخترعة، ومطرفيَّة، وجاروديَّة (٥)، وصالِحِيَّة (٦)، وحُسينيَّة، وفي الفُروع مؤيّدية،

стр. 1324

وهادَوِيَّة (١)، وناصِرِيَّة (٢)، وقاسِمِيَّة (٣)، وأهلُ الكوفة منهم على مذهب أحمد بن عيسى (٤)، والحسن بن يحيى، ومحمد بن منصور كما ذكره صاحب " الجامع الكافي "، ووقَعَ بينهم تفسيق وتأثيم على الاختلاف في

стр. 1325

الفروع -كما حكاه السيد أبو العباس في تلفيقه ﵀، دَعْ عنك الأصول- واشتد اختلافُهم (١) من بعد الإمام المنصور بالله ﵇ في الأئمَّة، فافترقوا على الإمام الدَّاعي، وعلى الإمام المهدي أحمد بن الحسين افتراقاً قبيحاً كفَّر (٢) بعضُهم بعضاً. وعامَّة هذه البدع والشِّيع (٣) إنما كانت بسبب ترك (٤) الجمود، وسيلان الأذهان، فلا عَدِمَكُمُ المسلمون، زيدُوا في هذا السيلان والممارسة لعلوم اليونان، فما يحصُلُ منها غداً إلاَّ مثلُ ما حصل منها أمس، فقد عرفتُ مضرتها بأعظم التجربة، وما عُرِفَ الداء الذي يجبُ اجتنابه في الطب احترازاً على الأبدان إلا بدون هذه التجربة، فكيف لا يحترز على الأديان من هذه المضرَّة العظمى بعد مثل هذه التَّجارِب الدائمة؟ فإن كان المحدِّثون ما استحفُّوا منك السُّخرية والاستهانة إلاَّ لعدم دخولهم معكُم في هذه الممارسة، فالأمرُ في ذلك مجبور (٥)، ولهم أُسوة يُعزُّون بها أنفُسهم بالصحابة، والتَّابعين، بل بالأنبياء والمرسلين، وأمَّا الأعذارُ الموجبة عندكم لهذه الممارسة، فسوف يأتي بيانُها والجوابُ عنها قريباً إن شاء الله تعالى.

стр. 1326

تم بعونه تعالى الجزء الثالث من العواصم والقواصم ويليه الجزء الرابع وأوله: أخبرنا ما سبب توهمك لاختصاصك بالذكاء دون المحدثين.

стр. 1327

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط الجزء الرابع مؤسسة الرسالة

стр. 1328

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٤

стр. 1329

جميع الحقوق محفوظَة لمؤسسَة الرسَالة ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد. سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً. الطبعة الثالثة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران

стр. 1330

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1331

الثامن: أخبِرنَا ما سببُ توهُّمك لاختصاصك بالذكاء دون المحدثين، هل فَهمُك " للخُلاصة " و" شرح الأصول " أو تبريزُك في علم المعقول على الفحول؟ وإن كان الثاني، فلم يظهر منك آثاره، ولا لاحت عليك أنواره، وإن كان الأوَّل، فهو أمرٌ (١) يسير، والساعي فيه بالتِّيه الكثير غير جدير، والظاهر من أحوال أئمة السنة أنَّهم غير عاجزين عن الانتظام في سلك هذا المعترض، فلتُطالع تراجمهم في " تهذيب الكمال "، و" النُّبلاء " (٢)، وسائرِ تواريخ الرجال، ويُنظر فيما كان لهم (٣) من الذكاء الكثير، والعلم الغزير، فإنَّ المكان (٤) لا يتسع من ذلك لذكر اليسير. التاسع: أخبرنا ما هذه العقائد التي لا تُدرَكُ إلاَّ بعلوم الكلام، فإنا رأينا أصحاب رسول الله ﷺ قد أجمعت الأمة على صحة عقائدهم قبل هذه الممارسة. فإن قلت: إن هذه العقائد هي اعتقاد الصانع جل وعز، وأنه عالمٌ،

стр. 1332

قادرٌ، موصوفٌ بجميع صفات الكمال، غيرُ مُمَثلٍ بشبيه ولا مثال، فقد أمكن الصدر الأوَّل إدراك هذا من غير ممارسة، ولم يَصِمهُم أحدٌ بالبَلَه وجُمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلباً، وأرجحُ لُبَّاً، وأصلبُ ديناً، وأتمُّ يقيناً. وإن قلت: إنَّ العقائد التي لا تُدركُ إلاَّ بالممارسة، هي قولُ شيوخكم من (١) المعتزلة: إن الله تعالى لا يعلمُ من نفسه إلاَّ ما يعلمونه، وإن الأجسام، والأعراض، والصِّفات غيرُ مقدورة لله تعالى على الحقيقة، وإنَّما مقدورُه شيءٌ يدقُّ تصوُّره، أو لا يُتَصَوَّرُ البتة، وقد سمَّوهُ بالأحوال (٢)، وذلك أن ذات الموجود عندكم غيرُ مقدورة، وصفةُ الوجود كذلك، وكلاهما غيرُ مقدورين عندهم، والمقدورُ عندهم أمر رابع، وهو يُسمَّى حالاً، وهو عندهم كونُ الذات على الصفة، وبإجماعهم أن (٣) هذا الحال لا يُسمَّى شيئاً، فحصل من مجموع هذا أن الله عندهم لا يقدر على شيءٍ، وهم يُصرِّحون أن العالم كله لم يزل ولا يزال، وأنه ثابت فيما لم يزل، ولكنه غير موجود فيه، ويفرِّقون بمجرَّد اصطلاحهم بين الثبوت والوجود، وكل هذا حتى يتعلق علم الله تعالى بالأشياء في الغيب قبل حدوثها بأمورٍ ثابتة مُحقَّقةٍ، فليتهم قَنِعُوا في متعلق علم الله تعالى بمثل ما قَنِعُوا به في متعلق قدرته من كونها لا تتعلق بشيءٍ ثابت مُحقَّقٍ فيما لم يزل، أو ساووا بينهما، فجعلوا متعلَّقهما كُلَّ ما يُسمَّى شيئاً حقيقةً أو مجازاً على عموم ما نطق به القرآن، وقام عليه البرهان.

стр. 1333

ثم صفة الوجود إن (١) كانت عندهم معلومةً لله تعالى قبل خلقِ المخلوقات، فليست بشيءٍ عندهم، لأن كل شيء عندهم ثابتٌ (٢) فيما لم يزلْ، فلو كانت شيئاً، لزم ثبوتُها فيه، وذلك تصريحٌ بقدم العالم، وكذلك الأحوالُ التي هي أَثَرٌ قدرة الله تعالى عندهم إن كانت معلومة لله سبحانه في القِدَمِ، فليست ثابتةً فيه، ولا هي أشياء. ولذلك قال الرازي في " المُلَخَّص " (٣): وعمدتُهم أنَّ المعدومَ معلومٌ، وكُلُّ معلومٍ ثابت، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات، ونفس الوجود إلى قوله: العدم كيف يعلم ويُخبر عنه؟ المشهور (٤) أن العَدَمَ المطلق لا يُعلم، ولا يُخبر عنه، بل العَدَم المضافُ إلى الموجودات هو الذي يُعلم، ويُخبر عنه، وفيه نظر لوجهين. الأول: قولنا: العَدَمُ المطلق لا يُخبر عنه، إخبارٌ عنه. الثاني: العَدَمُ (٥) المطلق جزءٌ من المضاف، ولو لم يعرف، لم يُضف، وفي قوله: معلوم (٦)، إشكال، لأنه لا تعيُّن له، ولا ثبوت، ولا امتياز، إلى قوله: فهذا مقامٌ مُشكِلٌ، نسأل الله أن يُوفِّقَنَا للوقوفِ عليه. انتهى. فإن تعلق بعضُهم بتأويلاتٍ لمعنى علمه سبحانه في القِدَمِِ بالصفات

стр. 1334

والأحوال، فلمنازعهم أن يتأوَّل علم الله تعالى بالذوات بمثل ذلك، وإن لم تكن هذه الصفات الحادثة والأحوال عندهم معلومة لله تعالى (١) -وهو مذهبُهم-؛ لَزِمهُم (٢) تخصيصُ علمه سبحانه بالذوات، وذلك مع مخالفة (٣) ضرورة الدين مُخالِفٌ لدلالة العقل، فإنَّ الإحكام في أفعاله الذي دلَّ على علمه سبحانه ليس بذاتٍ عندهم، ولا يصحُّ إلاَّ من عالمٍ به، ولا يصحُّ تعلُّقُ العلم بالأحكام بغيره. وقد جوَّد أبو الحسين البصري وأصحابه الردَّ عليهم، وسيأتي طرفٌ منه إن شاء الله تعالى في الوهم الذي بَعْدَ هذا. وقال الشيخُ مختار في كتابه " المجتبى " في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل في رد قولهم: إنَّ الصفة لا تُعلم، وإنَّما يُعلم الدَّالُّ (٤) عليها ما لفظه: البرهان الثالث: لو لم تكن الصفة معلومة لتعطلت دلائل صفات الباري وغيره من إفادة العلم، وأنه ممتنع، لا يقال: لو كانت الصفة معلومةً، لانقلبت ذاتاً، لأنا نقول: إنما تنقلِبُ ذاتاً لو انحصرت المعلوماتُ في الذوات، وهو عينُ النزاع على أن هذا يؤدِّي إلى مفاسِدَ تنبو الأسماع عنها، وتنفِرُ الطباع منها. منها (٥): أن العالِمَ (٦) بجميع المعلومات لا يفعل إلاَّ الوجودَ في الجوهر (٧)، والأعراض، والوجودُ صفةٌ غيرُ معلومةٍ، فيلزم أن لا يعلم الله

стр. 1335

تعالى جميع ما يفعلُه، وإنَّما يعلم بعض ما لا يفعله كالذوات، وقد أجبنا عن المدافعة بالملافظة، وأنه بفعل الذوات على الوجود، لأن المراد إن كان أنه (١) بفعلهما، أو بفعل الذات، فهو محال عندهم لاستغناء الذات عن الفاعل، أو بفعل الوجود، فيلزمُ الإلزام الشنيع. ومنها: أنه يريد وجود الجوهر لا الذات، فيلزمُ أن لا يعلم جميع ما يُريده، وإنَّما يعلم ما لا يُريده. ومنها: أن لا يكون في العالم معلوم أصلاً، لأن تعريف الذوات بالصفات، وهي غير معلومة. ومنها: أن لا يعلم الله تعالى قيام الساعة، لأنَّها نفيُ الوجود عندهم (٢) لا الذات. ومنها: أن لا يعلم الله صفاته وأحواله، مع أنها ثابتةٌ له، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، إلى آخر ما ذكره. وكذلك يقولون: إنَّه سبحانه لا يَقدِرَ على شيءٍ من أعيان مقدورات العباد، وإنما يقدرُ على أمثالها مع قولهم في مقدورات العباد: إنها ذواتٌ ثابتة في العدم، فيجوِّزون أن يكون في العدم ذوات ثابتة ممكنة غير مقدورة للقادر على كل شيءٍ، وكل هذا حتى لا يجوِّزوا مقدوراً (٣) بين قادرين. وقد شنَّع أبو الحسين في (٤) ذلك، وسيأتي تمام الكلام فيه في مسألة أفعال العباد.
следующие страницы →