← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الثامن: أخبِرنَا ما سببُ توهُّمك لاختصاصك بالذكاء دون المحدثين، هل فَهمُك " للخُلاصة " و" شرح الأصول " أو تبريزُك في علم المعقول على الفحول؟ وإن كان الثاني، فلم يظهر منك آثاره، ولا لاحت عليك أنواره، وإن كان الأوَّل، فهو أمرٌ (١) يسير، والساعي فيه بالتِّيه الكثير غير جدير، والظاهر من أحوال أئمة السنة أنَّهم غير عاجزين عن الانتظام في سلك هذا المعترض، فلتُطالع تراجمهم في " تهذيب الكمال "، و" النُّبلاء " (٢)، وسائرِ تواريخ الرجال، ويُنظر فيما كان لهم (٣) من الذكاء الكثير، والعلم الغزير، فإنَّ المكان (٤) لا يتسع من ذلك لذكر اليسير. التاسع: أخبرنا ما هذه العقائد التي لا تُدرَكُ إلاَّ بعلوم الكلام، فإنا رأينا أصحاب رسول الله ﷺ قد أجمعت الأمة على صحة عقائدهم قبل هذه الممارسة. فإن قلت: إن هذه العقائد هي اعتقاد الصانع جل وعز، وأنه عالمٌ،

стр. 1332

قادرٌ، موصوفٌ بجميع صفات الكمال، غيرُ مُمَثلٍ بشبيه ولا مثال، فقد أمكن الصدر الأوَّل إدراك هذا من غير ممارسة، ولم يَصِمهُم أحدٌ بالبَلَه وجُمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلباً، وأرجحُ لُبَّاً، وأصلبُ ديناً، وأتمُّ يقيناً. وإن قلت: إنَّ العقائد التي لا تُدركُ إلاَّ بالممارسة، هي قولُ شيوخكم من (١) المعتزلة: إن الله تعالى لا يعلمُ من نفسه إلاَّ ما يعلمونه، وإن الأجسام، والأعراض، والصِّفات غيرُ مقدورة لله تعالى على الحقيقة، وإنَّما مقدورُه شيءٌ يدقُّ تصوُّره، أو لا يُتَصَوَّرُ البتة، وقد سمَّوهُ بالأحوال (٢)، وذلك أن ذات الموجود عندكم غيرُ مقدورة، وصفةُ الوجود كذلك، وكلاهما غيرُ مقدورين عندهم، والمقدورُ عندهم أمر رابع، وهو يُسمَّى حالاً، وهو عندهم كونُ الذات على الصفة، وبإجماعهم أن (٣) هذا الحال لا يُسمَّى شيئاً، فحصل من مجموع هذا أن الله عندهم لا يقدر على شيءٍ، وهم يُصرِّحون أن العالم كله لم يزل ولا يزال، وأنه ثابت فيما لم يزل، ولكنه غير موجود فيه، ويفرِّقون بمجرَّد اصطلاحهم بين الثبوت والوجود، وكل هذا حتى يتعلق علم الله تعالى بالأشياء في الغيب قبل حدوثها بأمورٍ ثابتة مُحقَّقةٍ، فليتهم قَنِعُوا في متعلق علم الله تعالى بمثل ما قَنِعُوا به في متعلق قدرته من كونها لا تتعلق بشيءٍ ثابت مُحقَّقٍ فيما لم يزل، أو ساووا بينهما، فجعلوا متعلَّقهما كُلَّ ما يُسمَّى شيئاً حقيقةً أو مجازاً على عموم ما نطق به القرآن، وقام عليه البرهان.

стр. 1333

ثم صفة الوجود إن (١) كانت عندهم معلومةً لله تعالى قبل خلقِ المخلوقات، فليست بشيءٍ عندهم، لأن كل شيء عندهم ثابتٌ (٢) فيما لم يزلْ، فلو كانت شيئاً، لزم ثبوتُها فيه، وذلك تصريحٌ بقدم العالم، وكذلك الأحوالُ التي هي أَثَرٌ قدرة الله تعالى عندهم إن كانت معلومة لله سبحانه في القِدَمِ، فليست ثابتةً فيه، ولا هي أشياء. ولذلك قال الرازي في " المُلَخَّص " (٣): وعمدتُهم أنَّ المعدومَ معلومٌ، وكُلُّ معلومٍ ثابت، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات، ونفس الوجود إلى قوله: العدم كيف يعلم ويُخبر عنه؟ المشهور (٤) أن العَدَمَ المطلق لا يُعلم، ولا يُخبر عنه، بل العَدَم المضافُ إلى الموجودات هو الذي يُعلم، ويُخبر عنه، وفيه نظر لوجهين. الأول: قولنا: العَدَمُ المطلق لا يُخبر عنه، إخبارٌ عنه. الثاني: العَدَمُ (٥) المطلق جزءٌ من المضاف، ولو لم يعرف، لم يُضف، وفي قوله: معلوم (٦)، إشكال، لأنه لا تعيُّن له، ولا ثبوت، ولا امتياز، إلى قوله: فهذا مقامٌ مُشكِلٌ، نسأل الله أن يُوفِّقَنَا للوقوفِ عليه. انتهى. فإن تعلق بعضُهم بتأويلاتٍ لمعنى علمه سبحانه في القِدَمِِ بالصفات

стр. 1334

والأحوال، فلمنازعهم أن يتأوَّل علم الله تعالى بالذوات بمثل ذلك، وإن لم تكن هذه الصفات الحادثة والأحوال عندهم معلومة لله تعالى (١) -وهو مذهبُهم-؛ لَزِمهُم (٢) تخصيصُ علمه سبحانه بالذوات، وذلك مع مخالفة (٣) ضرورة الدين مُخالِفٌ لدلالة العقل، فإنَّ الإحكام في أفعاله الذي دلَّ على علمه سبحانه ليس بذاتٍ عندهم، ولا يصحُّ إلاَّ من عالمٍ به، ولا يصحُّ تعلُّقُ العلم بالأحكام بغيره. وقد جوَّد أبو الحسين البصري وأصحابه الردَّ عليهم، وسيأتي طرفٌ منه إن شاء الله تعالى في الوهم الذي بَعْدَ هذا. وقال الشيخُ مختار في كتابه " المجتبى " في المسألة السادسة من خاتمة أبواب العدل في رد قولهم: إنَّ الصفة لا تُعلم، وإنَّما يُعلم الدَّالُّ (٤) عليها ما لفظه: البرهان الثالث: لو لم تكن الصفة معلومة لتعطلت دلائل صفات الباري وغيره من إفادة العلم، وأنه ممتنع، لا يقال: لو كانت الصفة معلومةً، لانقلبت ذاتاً، لأنا نقول: إنما تنقلِبُ ذاتاً لو انحصرت المعلوماتُ في الذوات، وهو عينُ النزاع على أن هذا يؤدِّي إلى مفاسِدَ تنبو الأسماع عنها، وتنفِرُ الطباع منها. منها (٥): أن العالِمَ (٦) بجميع المعلومات لا يفعل إلاَّ الوجودَ في الجوهر (٧)، والأعراض، والوجودُ صفةٌ غيرُ معلومةٍ، فيلزم أن لا يعلم الله

стр. 1335

تعالى جميع ما يفعلُه، وإنَّما يعلم بعض ما لا يفعله كالذوات، وقد أجبنا عن المدافعة بالملافظة، وأنه بفعل الذوات على الوجود، لأن المراد إن كان أنه (١) بفعلهما، أو بفعل الذات، فهو محال عندهم لاستغناء الذات عن الفاعل، أو بفعل الوجود، فيلزمُ الإلزام الشنيع. ومنها: أنه يريد وجود الجوهر لا الذات، فيلزمُ أن لا يعلم جميع ما يُريده، وإنَّما يعلم ما لا يُريده. ومنها: أن لا يكون في العالم معلوم أصلاً، لأن تعريف الذوات بالصفات، وهي غير معلومة. ومنها: أن لا يعلم الله تعالى قيام الساعة، لأنَّها نفيُ الوجود عندهم (٢) لا الذات. ومنها: أن لا يعلم الله صفاته وأحواله، مع أنها ثابتةٌ له، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، إلى آخر ما ذكره. وكذلك يقولون: إنَّه سبحانه لا يَقدِرَ على شيءٍ من أعيان مقدورات العباد، وإنما يقدرُ على أمثالها مع قولهم في مقدورات العباد: إنها ذواتٌ ثابتة في العدم، فيجوِّزون أن يكون في العدم ذوات ثابتة ممكنة غير مقدورة للقادر على كل شيءٍ، وكل هذا حتى لا يجوِّزوا مقدوراً (٣) بين قادرين. وقد شنَّع أبو الحسين في (٤) ذلك، وسيأتي تمام الكلام فيه في مسألة أفعال العباد.

стр. 1336

وكذلك يقولون: إنَّه ليس في مقدوره سبحانه هداية أحدٍ من المذنبين، ويُخالِفون في ذلك المعقول والمنقول، كما يجيء تحقيقه في آخر الوهم الثامن والعشرين. وكذلك قولهم: إن الله تعالى غير قادر على إكساب (١) شيءٍ من الموجودات صفةً إلاَّ بواسطة معنى، ولا قادرٍ على إعدامٍ لون، ولا طعم إلا بواسطة طُرُوِّ ضدِّه (٢) على محلِّه، وقد مرَّ قريباً ذكرُ شيءٌ من ذلك وإبطالُه، وتعويلُهم فيه على القياس على الكلام حيث ذكرت أبياتي التي أولها: أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ وأيضاً هو (٣) على خلاف المعقول في نفي الضِّدِّ بطُرُوِّ ضِدِّه عليه كالسواد والبياض، فإن أحدهما لو كان منفياً بضده، لا بقُدرة الله تعالى من غير واسطةٍ، لكان حين انتفي لا يخلو، إمَّا أن يكون ضدُّه نفاه بعد أن حل في محله أو قبل، والأول يستلزم إجتماع الضدين في محل واحد، وهو محال، وإن كان ضده نفاه قبل أن يحُلَّ في محلِّه، فذلك باطل بالاتفاق، لأنهما لا يتنافيان إلاَّ على اتحاد المحل. وذكر مختار في " المجتبى " (٤) مثل هذا التمانع في إيجاب المعنى الزائد، لكون المتحرك ساكناً، فخذه من موضعه، وقد نقلته منه إلى كتابي " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان " (٥).

стр. 1337

وكذلك قولهم: إن الله تعالى يريد بإرادةٍ موجودةٍ لا في محلٍّ مثل وجود ذاته سبحانه، فأثبتوا عَرَضاً لا في محل. وكذلك قولهم: إن الله تعالى غيرُ مختارٍ في أحكام الشريعة الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحظر (١)، وليس له أن يُرخِّص في فعل حرام (٢)، ولا تركِ واجب، لأنَّ هذه الأحكام تثبت عندهم لأنفسها، والله ورسلُه، وأهلُ الفتيا على (٣) سواءٍ في الإعلام بها، والتعريف لها من غير اختيار في المحو والتثبيت. ومن ذلك قولهم: إن الله تعالى لا يحسُنُ منه أن يتفضَّل على أحدٍ من عباده بمغفرة ذنبٍ واحدٍ، وإنَّه يجب عليه عقابُهُم بكُلِّ ذنبٍ وجوباً يقبُحُ خلافُه. وأما قبول التوبة، فذلك واجبٌ عليه عندهم، وكذلك تكفير الصغائر بالطاعة، وإنما كلامنا في مغفرة التفضل التي قبَّحوها حتى لو زادت سيئات المسلم يوم القيامة على حسناته (٤) مثقالَ حبَّةٍ من خردل، لقبُحَ من الله تعالى مسامحتُه فيها (٥)، وتشفيعُ رسول الله ﷺ ، ووجب (٦) تخليده في النار كتخليد فرعون وهامان، ويردُّون ما تواتر (٧) في الرجاء لأهل التوحيد من الأحاديث الخاصَّة، ويتمسَّكُون ببعضِ الألفاظِ العامة، ويُحافِظُون

стр. 1338

على صدق عمومات الوعيد دونَ عموماتِ الوعد، فذلك يُفيدُ (١) القطع معهم، وهذه لا تفيدُ الظنَّ، ولا التجويزَ، ولا الوهم، هذا فِعْلُهم لا اعتقادُهم (٢). وإذا قيل لهم: إنَّ الخصوص مُقدَّمٌ على العموم، اعتلُّوا بعللٍ باردَةٍ (٣)، ثم إذا جاء العموم عليهم خصَّصُوه. مثال ذلك: أنهم يحتجون على نفي الشفاعة لعصاة المسلمين بعمومِ قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، ويُقدِّمونه على خصوص قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٦، ٨٧]، وخصوص ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ويتأوَّلون هذه الأدلَّة الخاصة مع ما في السُّنَّة من النصوص التي لا يمكن تأويلها، ويتركون البحث عن السنن حتى يحكموا على المتواتر بالآحاد، ويبالغون في أن العموم لا يتأوَّل في الوعيد، فيردُّ عليهم العموم الذي ورد فيه نفيُ الشفاعة مطلقاً عن المطيع والعاصي كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فيتأولونه بما هو أخصُّ منه (٤) فلا تستمِرُّ لهم قاعدةٌ، ولا يستمرون على أصل، ويقطعون في هذا الموضع الظَّنِّي مع كثرة المعارضات، وسَعَةِ (٥) المُبيِّنات المُحكَمَاتِ المُخَصِّصَاتِ قرآناً وسنة،

стр. 1339

واحتمال العمومات على ردِّ المأثور، وتكذيب الثقات معتقدين للتحقيق الذي فات مَن سواهم، والسبق الذي لا يُدرِكُهُ فيه مَن عداهم، وهذا كلام البصرية والبهاشمة (١). وأما البغداديةُ، فجَحَدُوا الضرورة، وقالوا: العفوُ عن الذنب قبيحٌ عقلاً، ولو لم يصدُر قبلَه وعيدٌ، ولا تهديدٌ، بل أفحشُ من هذا أنهم قالوا: إنَّ الأصلح للعباد واجبٌ على الله تعالى في الدنيا والآخرة حتى التزموا أنَّ خلود أهل (٢) النار فيها أصلحُ ما في مقدرات (٣) الله تعالى للعباد، وأنه واجبٌ على الله، لأنه أصلحُ، وأعجبُ من هذا وأغرب أنهم لم يوجبوا (٤) الثواب، لأنه أصلحُ، وذلك لأن العبادات عندهم شكرٌ على ماضي النعم، وكذلك قالت البغدادية من المعتزلة: إن الله ليس بسميعٍ ولا بصيرٍ ولا مريدٍ حقيقةً، وإنَّما ذلك مجازٌ، وحقيقته أنه عالمٌ لا سوى. وقالت البغدادية أيضاً: إن جميع أخبار الثقات مردودةٌ ما لم تَواتَرْ، ولا يدرون ما يُؤَدِّي ذلك إليه، ولا يدرون ما في ذلك من المفاسد، ويعتقدون أن ذلك متابعة (٥) لمحض العقل وهو مكابرةٌ لمحض العقل، كما ردَّ عليهم ذلك أبو الحسين، والمنصور، وأبو طالب (٦) وغيرُ واحدٍ. ومن عجائبهم أنه لا دليل لهم على ذلك إلاَّ أدلة (٧) ظنيَّة من (٨)

стр. 1340

عمومات وَرَدَ فيها ذمُّ الظن، أو قياسٌ عقليٌّ على العمل بالشك المساوي (١)، أو على العمل بالظنِّ المعارض للعلم، أو في موضع القطع، فإن كان الظنُّ حراماً، حرُمَ عليهم تحريم خبر الواحد بالظن أيضاً (٢)، والظن الذي ذمَّه الله تعالى هو الشكُّ، وهو يُسمَّى ظناً في اللغة كما نصَّ عليه أئمَّةُ اللغة، وأما (٣) الظنُّ الراجح، فلم يَرِدْ ذمُّه، بل سمَّاه الله علماً في غير موضع. ومن العجائب أن شيخهم أبا القاسم البلخيَّ (٤) يُجيزُ العمل بالظن في معرفة الله تعالى، لكنه يُسمِّيه علماً نقله عنه المؤيَّدُ بالله في " الزيادات "، فانظر إلى هؤلاء كيف يمنعون من العمل بالظن في فروع الشرع، ويَخرِقُون (٥) إجماع الصحابة المعلوم، ويرُدُّون ما عُلِمَ ضرورةً (٦) من إرسال النبيِّ ﷺ للآحاد إلى المسلمين، كمعاذٍ إلى اليمن، وقبول أهل اليمن (٧) لمعاذ (٨) معلوم، وتقرير النَّبي ﷺ له على تبليغهم، ولهم على قبوله، ثم يُجيزون العمل بالظَّنِّ في معرفة الله، ويَدَّعُون أنهم بَلَغُوا في التحقيق مبلغاً عظيماً، وشأواً بعيداً إلى أمثالٍ كثيرةٍ لا يَتَّسَعُ الموضعُ لِذِكرِها. فإن (٩) كان مُرادُ (١٠) المعترض على أهل السنة بالجمود، وعَدَمِ

стр. 1341

سيلان الأذهان أراد أنهم ما شاركُوا أهل الكلام في هذه العقائد الدقيقة، ولا أُشرِبَتْ قلوبُهم العُجْبَ بهذه المغاصات اللطيفة، فلقد أراد أن يَذُمَّ، فَمَدَحَ، وأن يَفضَحَ، فافتُضِحَ، فلقد صان الله عصابة الإسلام، وركن الإيمان من الصحابة والتابعين، وحملة سنة سيد المرسلين عن سماع هذه الأباطيل، وابتلانا بمعرفتها ومعرفة أهلها، والردِّ عليهم، فإنَّا لله، وإنا إليه راجعون، والسعيد -والله- من لم يَعْرِفُ عُلُومَكم التي سلبت أذهانكم إلى هذا الحدِّ. فإن قلت: إن أهل الحديث أيضاً قد وقعوا في أمثال هذه الشُّنعِ، وارتكبوا (١) نظائر هذه البدع من الجبر والتشبيه، ونسبةِ القبائح إلى الله تعالى، مثل تكليف ما لا يُطاقُ، والتعذيبِ بغير ذنب. فالجواب: من وجوهٍ. الوجهُ (٢) الأول: أنهم منزَّهون من جميع ما ذُكِرَ، وقد مرَّ تنزيهُهُمْ من التشبيه في أوَّل هذا الكلام، وهو الكلام (٣) على الوهم الخامس عشر وسيأتي براءة المتكلمين منهم (٤) عن ذلك في آخر هذا الكلام، وسيأتي أيضاً في الوهم الثامن والعشرين براءتُهم من الجَبْرِ، وفيما بعده براءتُهم من تكليف ما لا يُطاق، والتعذيب بغير ذنبٍ ونحو ذلك بنقل نصوصهم من كُتُبِهم المشهورة الموجودة في ديار الزيدية، ومن كلام علماء المعتزلة والزيدية في بعض هذه المسائل.

стр. 1342

الوجه الثاني: أنَّ ذلك إن وجد فيهم، فهو (١) في فِرَقٍ قد أنكروها وردُّوا عليها في وقتهم (٢) كالمطرفية (٣) والحسينية في الزيدية، بل كالباطنية الكفرة في شيعة علي ﵇. الوجه الثالث: أنَّ ذلك إنما وقع مع بعض من يُنسَبُ إليهم من فيض علومكم هذه التي افتخرتُم بممارستها بسبب الخوض فيها، والتعويل عليها، ومن بَقِيَ منهم على ما كان عليه (٤) السلف الصالح سَلِمَ من جميع ما حَدَثَ من التعمُّق في الأنظارِ والتكلُّف في المذاهب. الوجه (٥) الرابع: أن شرط المحدث السُّني أن لا يُحدِثَ في العقيدة مذهباً (٦) لم يكن معروفاً في وقت (٧) رسول الله ﷺ بمجرد النظر، فإنَّ الدين قد تمَّ وكَمُلَ بنصِّ كتاب الله تعالى حيثُ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فمن أوجب في العقائد التي هي أصول الإسلام أمراً لم يكن مذكوراًَ عند السلف، فقد خرج من (٨) أهل السنة ولحق بأهل الممارسة للكلام، والأذهان السَّيَّالَة. الوجه الخامس: أن المحدِّث إنما يستلزم المُشكل حيث ورد السمع

стр. 1343

به قطعاً، وإنما نشأ إشكالُه من جهة (١) الاستبعاد العقلي مثل إثبات القِدَمِ لله تعالى مع عدم تصور العقل لماهيته، ومثل إشكال (٢) إثباتِ الفاعلية لله تعالى في حال القدم، وإشكال إحالة الفاعلية له سبحانه أيضاً. وكذلك إثباتُ العذاب الأُخروي، ودوامُه على كل مذهب، فالمحدِّثُ لكمال معرفته بالأحوال النبوية يعلم ضروراتها التي جحدُها كُفرٌ، فيؤمن بها، ويَكِلُ المشتبهات (٣) إلى الله تعالى، ويلتزم من محارات العقول، ومستبعداتها ما التزمه رسولُ الله ﷺ ، وجاء به، فَيَسْلمُ من الكفر. والمتكلم لبعده عن الاشتغال بعلم النقل رُبَّما يمكن الاستبعاد العقلي معه، فاعتقده علماً ضرورياً من العقل، ثم اعتقد المعلوم ضرورةً من الدين (٤) آحاداً، لأجل تقصيره في البحث، وشُغله وقته بالنظر، فيقع بذلك من الكفر أو الإثم في أعظمِ خطرٍ، ومعرفةُ هذا وتأمُّلُه بعين الإنصاف هو من أعظم المرجِّحات للاشتغال بعلم الأثر، فإن مدة العمر قصيرة، وقلَّ من جمع الإمامتين في العِلْمَين، ومن ثمَّ قيل: إنَّ عِلْمَ السلف أسلم، والله سبحانه أعلم. ومن أمثلة ذلك: شكُّ الباطنية في المعاد مع تواتره، وشكُّ كثير من المبتدعة في كثيرٍ من الصفات مع تواترها، كنفي المعتزلة لنفوذ مشيئة الله وإرادته وقدرته على هداية الخلق، ونفي الأشعرية لحكمته سبحانه،

стр. 1344

ونفيهم (١) الجميع لحقائق كثيرٍ من أسمائه الحسنى، كالرحمن الرحيم العلى العظيم. وكل هذا يتعذر اعتقاده على أئمة الأثر، ولا يُتصوَّر صدوره منهم إلاَّ من بُلي منهم بشيءٍ من الكلام، فإن الوسوسة قد ثبتت في الضروريات ضرورةً، مثل وسوسة كثيرٍ في الطهارة، وعكس هذا اعتقاد (٢) أن ما لا أصل له ضرورى من الدين، كاعتقاد الروافض لتواتر النصِّ على اثنيّ عشر إماماً، وتواتر فسقِ كبار الصحابة أو (٣) كفرهم. الوجه السادس: أن كلامنا إنما هو في فوائد ممارسة علم الكلام، والمحدِّث إذا ابتدع، فلم يُؤتَ من الجمود، بل من سيلان الذهن واتباع وساوس النظار، فبان لك بمجموع ما نبهتُك عليه وبَالُ هذه الفَيْهَقَة (٤) التي توهمَتها لك، وهي عليك. العاشر: من الأصل أن المحدثين هم أهل العناية بحديث رسول الله ﷺ من أي فرقةٍ كانوا كالنُّحاة والمتكلمين، وهذه للمحدثين صفةٌ شريفة، ورُتبة مُنيفة، وتعليقُك للسخرية (٥) والانتقاص بأهلها دليلٌ على

стр. 1345

اتصافك (١) أنت بما رميتَهم به (٢) من البله، لأنَّ تعليق الذمِّ على الأوصاف الحميدة تغفيل، فلا يقول الفطناء متى أرادوا الذمَّ والانتقاص لأحد: أنه من بُلْهِ المتقين والمقربين، ونحو ذلك. ومن العجب أن كلامه ذلك (٣) يقتضي ذمَّ طائفةٍ (٤) كثيرٍ من أهل البيت ﵈، وشيعتهم، لأنَّ من المعلوم أنَّ منهم محدِّثين كما يجبُ أن يكون من كلِّ فرقةٍ (٥) من فرق الإسلام، وقد أوضحتُ أسماء جماعةٍ من أئمة الحديث من الشيعة والمعتزلة في هذا الكتاب، وذكر ابن حزم جماعة من محدثي أهل البيت في " جمهرة النسب "، وكذلك الحاكم في كتابه " علوم الحديث "، بل ذكر ذلك الأمير الحسين في كتابه " شفاء الأوام " فقال في حرب البغاة ابتداءً في غير وقت الإمام (٦) ما لفظه: وهو قول السيد الإمام الحسن بن إسماعيل الجُرجاني قال: وهو الذي ذهب إليه محصلو محدثي أصحابنا. انتهى. فانظر كيف أثبت لنا أصحابا مُحدِّثين، وجعل منهم مُحصِّلين مجتهدين، ولم يصمهُم بالبَلَه والجُمُود أجمعين بمجرَّد كونهم محدثين، والحمد لله رب العالمين. وقد خاطب الله تعالى المشركين بأنهم يعقلُون، وأنهم يعلمون، بل

стр. 1346

بأنهم ﴿قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]، فكيف يعجِزُ عن ذلك (١) المحدثون مع نور الإيمان، ومعارف السنة والقرآن. الحادي عشر: أنَّ لأهل كُلِّ فنٍّ من العلوم الإسلامية منَّةً على كل مسلم تُوجِبُ توقير أهل ذلك الفن وشكرهم والدعاء لهم، لما (٢) مهَّدوا من قواعد العلم، وذلَّلوا من صعوبته، وكثَّروا من فوائده، وقيَّدوا من شوارده، وقرَّبوا من أوابِدِه (٣) لا سيما من انتفع بعلومهم، ونظر في حوافِلِ تآليفهم (٤)، والمُعترِضُ ممن قرأ كتب الحديث، ونقل في تواليفه منها، واستند في الرواية إليها فبئس ما جَزَيْت من أحسن إليك بارتكاب ما لا يحِلُّ لد، وترك ما يجب عليك. ومن (٥) آداب العلماء والمتعلمين أن يبتدئوا القراءة في كل مجلس (٦) بالدعاء لمشايخهم ومعلميهم، وأهلُ كل فنٍّ هم مشايخ العالم فيه، وأدلة المتحير في جوابه (٧). الثاني عشر: العجب من المعترض كيف يذُمُّهم، وهو متحلٍّ بفرائد علومهم، ومُرتوٍ من موارد تواليفهم، ومتصدِّرٌ للتدريس فيها، وعاشٍ (٨) في تواليفه إلى ضوء أنوارها (٩)، ومُهتدٍ في معارفه بنجوم أئمتها

стр. 1347

لا سيما في تفسيره للقرآن وعلومه، فإنه نَقَلَ فيه منها، ومن " تفسير الفخر الرازي "، ونقل فيه من " الكشاف "، وصاحبُ " الكشاف " ينقُلُ منها مع أنه ليس من الزيدية، ولذلك لا يذكُر فيه خلافهم في الفقه، ولا يذكر أحداً من أئمتهم إلاَّ من لا يسلم لهم أنه منهم. وكان اللائق به أن يأنف من استعارة علوم المخالفين ومعارف أهل الجمود والبدع من الناس أجمعين، ويقتَصِرَ على ما في تفسير جده وجدنا الجميع الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم ﵉، وما في تفاسير سائر الأئمَّة، ولا سيما تفسيرُ الحسين بن القاسم، فإنَّه كثير الشواهد اللغوية، مثل ما حثَّ على ترك تواليف غيرهم في سائر العلوم. فهلاَّ تجنَّب في تفسيره ذِكْرَ القُراء السبعةِ، فإنَّهم ليسوا من أئمَّة الزيدية، وكذلك أئمة النحاة المتكلمون على وجوه القراءات، وأئمة المعاني والبيان الخائضون في لطائف البلاغة، وحفَّاظُ اللغة المعتمدون في نقل اللغات، وعلماء التفسير من التابعين المشحونة بذكرهم جميع التفاسير (١)، الناقلين لأقوال الصحابة، وكذلك علماء التاريخ، فما أعلم في بلاد الزيدية تاريخاً من تأليف أئمتهم، وإنما يعتمدون " تاريخ محمد بن جرير الطبري " (٢)، وفي الأزمنة الأخيرة دخلها " تاريخ عز الدين بن الأثير " (٣)، و" النبلاء " للذهبي.

стр. 1348

والخلف والسلف مجتمعون (١) على قبول العلوم من أهلها، والسيدان الإمامان المؤيَّد وأبو (٢) طالب أخذا علم الحديث عن أهله، فأخذا عن غير واحدٍ من أئمتهم ورواتهم كما تقدَّم بيانُ طرفٍ منه (٣) أول هذا الوهم، وأكثر المؤيد بالله عن الحافظ الشهير محمد بن إبراهيم المعروف بابن المقري، والسيد أبو طالب أكثر عن الحافظ الجرجاني (٤) أحمد بن عبد الله بن عديّ صاحب كتاب " الكامل في الجرح والتعديل ". فمن أين جاء لهذا المعترض الغناء التام عن المُحدثين؟ ومن قال بقولهم من النحاة، واللغويين، والمفسرين، والقراء، والمؤرّخين؟ لا والله ما استغنى عنهم، ولا بَرِحَ كلاًّ عليهم، وما أقبح بالإنسان أن يكون، من كفار النَّعم وأشباه النَّعم ولله من قال (٥): أقلُّوا عليهم (٦) لا أبا لأبيكُمُ ... مِنَ الَّلوْمِ أوسُدُّوا المكان الَّذي سدُّوا الثالث عشر: أنَّ جميع أئمة الفنون المُبرِّزين فيها قد شاركوا المحدثين في عدم ممارسة علم الكلام ، وإن لم يُشاركوهم في كراهة الخوض فيه، لكن علة جمودهم، ورميهم بالبَلَه هي عَدَمُ الممارسة، والممارسة لا تحصُلُ بمجرد الاعتراف بفضيلة العلوم، فأخبرنا: هل مارس علم الكلام جميع أئمة الفقه كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري ومن لا يأتي عليه العدُّ، وأئمة النحو كالخليل وسيبويه ونحوهما، وأئمَّةِ القُرَّاء

стр. 1349

واللغويين، وأهل التفسير، وسائر علوم الإسلام؟! فإن قلت: كلُّ أهل الفنون الإسلامية قد مارسوا الكلام ما خلا (١) المحدثين لم يُستفد إلاَّ إعلامُ الغير بأنك معانِدٌ، وإن اعترفت بعدم ممارسة الأكثرين منهم (٢)، وإن مارس بعضهم فكذلك المحدِّثون قد مارس بعضهم دون الأكثرين منهم، ولم ينفعهم هذا من داء البَلَهِ، وجمود الفطنة، وسوء الأذى، وفُحش السخرية، والكِبْرِ، ويلزمُكَ أن تُشْرِك سائر علماء الإسلام في ذلك الملام ما خلا أهل الكلام، وما أقبح ما يجُرُّ (٣) إليه هذا الجهلُ من الكبر الفاحش (٤)، فإنَّه قد ثبت في الحديث الصحيح " أنَّ الكِبْرَ غَمْصُ الناس " (٥) وهذا غمص (٦) أئمة الناس، فاستعذ بالله من الجمع (٧) بين النقص والكبير فإنَّ تكبُّر النَّاقص أفحشُ من تكبر الكامل، ولهذا كان الفقير المتكبِّرُ من أبغض الخلق إلى الله كما ورد في الصحيح (٨)، فكيف إذا كان كِبْرُهُ على من هو خيرٌ منه، وقد ورد

стр. 1350

في مطلقِ الكبر وأخَفِّه وأقلِّه أنه يمنع رحمة الله ودخول جنته، ففي الصحيح أنه " لا يشُمُّ رائحة الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " (١) الرابع عشر: تصريحك بوصم (٢) شيخ الإسلام، وإمام دار هجرة المصطفى ﵇ مالك بن أنسٍ ﵁ دليلٌ على أنك أنت الجامدُ الفطنة، الكثيرُ البطنة، وأنك لا تدري ما يخرج من رأسك، ولا ما يطيش من دماغك. ومَنْ جَهِلَتْ نفسُهُ قدْرَهُ ... رأي غيرُهُ مِنْهُ ما لا يرى (٣) كأنك لا تدري ما قدر الأمة، ولا مَحَلُّ إجماعها، أو لم (٤) تعرف أن الأمة المعصومة عن الخطإِ أجمعت على أنه أحد المجتهدين المعتبرين،

стр. 1351

وأنه شيخ سُنة سيد المرسلين، وأنها خضعت بين يديه كراسي علماء المسلمين (١)، وأنه لا يصح انعقاد الإجماع مع خلافه، دع عنك الكثير الطيب مما في كتب الرجال من جلائل مناقبه، وخصائص فضائله، وقد جاء في الأثر: " أن الرجل كان إذا حفظ الزَّهراوين (٢) جدَّ فينا " وجاء في تعظيم العلماء والمتعلمين ما لا يتَّسِعُ له هذا المكان من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولو لم يكن في ذلك إلاَّ ما وردَ من بَسْطِ الملائكة أجنحتها لطالب العلم (٣)، فهذا في طالب العلم (٤) فكيف بالعالم، فكيف يا سيَّال (٥) الذهن بشيخ الإسلام، وإمام دار الهجرة النبوية على صاحبها السلام بإجماع العلماء الأعلام، وقد صَحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " وَجَبَتْ "، فيمن أثنى عليه جماعةٌ يسيرة، أي: وجبت له الجنة، وقال: " أنتم الشهداء " (٦)، وفسَّر ذلك بمن (٧) شهد له ثلاثة أو اثنان (٨)، فكيف بمن تطابق على إمامته علماء الإسلام؟! وكيف لم يهتد

стр. 1352

ذهنُك هذا (١) السيال إلى أنه عارٌ عليك أن تذُمَّ من لا تستفيدُ بذمِّه إلاَّ كشف الغطاء عن حماقتك، وخلع جلباب الحياء عن وجه خلاعتك؟ وانظر (٢) إن بَقِيَ لك مُسْكَةٌ من عقلٍ، أو التفاتٌ إلى تمييز، هل لك مطمعٌ في إجماع الأمة على اجتهادك، والاعتداد بأقوالك، والتعظيم لك، والثناء عليك؟! ومن الذي حَصَلَتْ له هذه المرتبة الرفيعة العُظمى من أعيان الأئمة والعلماء؟ ومن أنت حتى ترفع رأسك إلى القدح في أهل هذه المرتبة العزيزة؟ بل قد بان بكلامك أنك قصرت عن العلم بأنهم فوقك، وكيف تطمع في أنك من أهل مرتبةٍ لم تعرفها، ولم تعرف مكانك في البُعد منها، وما أنصفت (٣) في جوابك عن (٤) الإمام مالكٍ. أتهجُو ولستَ لهُ بكُفءٍ ... فشرُّكُما لخيرِ كُمَا الفداءُ (٥)

стр. 1353

قال: يقال للمخالف ما تقول: إذا وَرَدَتْ عليك شُبُهَات الملحدين، ومشكلات المُشبِّهَة والمُجبرة المتمردين؟ وقد ساعَدَك الناس إلى إهمال النظر في علم الكلام، وهل هذا إلاَّ مكيدةٌ للدين إلى آخر ما ذكره. أقول: لا يخلو الكفرة إما أن يطلبوا منا تعريفهم بأدلتنا حتى يُسلِمُوا، أو يُوردوا علينا شُبَهَهُم حتى نترُك دين الإسلام، فهذان مقامان: المقام (١) الأول: أن يسألونا (٢) بيان الأدلة على صحة الإسلام حتى يدخلوا فيه، والجراب (٣) من وجوهٍ: الوجه (٤) الأول: معارضة مشتملةٌ على تحقيق، وهي أن نقول للمتكلمين: ما تقولون إذا قال الكفرة: إنَّ أدلَّتكم المُحَرَّرة في علم الكلام شُبَهٌ ضعيفة، وخيالاتٌ باردةٌ كما قد (٥) قالوا ذلك أو (٦) أمثاله؟ فما أجبتم به عليهم بعد الاستدلال والنزاع والخصومة، فهو جوابنا عليهم قبل ذلك كله، فإن قالوا: إنَّه يحسُنُ منا بعد إقامة البراهين (٧) أن نحكم عليهم بالعناد، ونرجع إلى الإعراض عنهم أو إلى الجهاد، وأما أهل الأثر وترك علوم الجدل والنظر، فإنه يقبُحُ منهم ذلك قبل إقامة البراهين (٧).

стр. 1354

فالجواب: أنَّ الحجة لله تعالى قد تمَّت قبل نَصْبِنَا ونصبكم للبراهين (١) بما خلق (٢) الله لهم من العقول، وأرسل إليهم من (٣) الرسل، فكما إنهم لو ماتوا على كفرهم قبل مناظرتكم (٤) لهم، حسن من الله تعالى أن يعذبهم، فكذلك يحسن (٥) منا قبل المناظرة قتالهم قاطعين بأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، مقتدين في ذلك برسله الكرام وسائر أئمة الإسلام، ويقال للمتكلمين: هل تحكمون على الكفار قبل مناظرتكم لهم وفي خلالها بأنهم معذورون لا إثم عليهم أو لا؟ إن قالوا بالأول، خالفوا الإجماع، بل ضرورة الدين. وإن قالوا بالثاني، فالحكم الذي حكمتم به عليهم بعد المناظرة قد كان حاصلاً لهم قبلها، وإن كان (٦) قصدكم بالمناظرة أن تعلموا عنادهم، فهو أيضاً معلومٌ قبلها إذ لو لم يكونوا معاندين، كانوا معذورين، كما قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِر﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وإن كان قصدُكم بمناظرتهم تمكينهم (٧) من معرفة الله تعالى فقد مكنهم الله تعالى من ذلك، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ في عدله وحكمته، وإقامة حجته (٨)، وفي الحديث الصحيح أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما أحدٌ أحبَّ إليه العُذرُ من الله، من أجلِ ذلك أرسل الرُّسُل

стр. 1355

وأنزل الكتب" أو كما قال، رواه البخاري (١) وغيره، وقال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، إلى أمثال ذلك من النصوص الدالة على أن حجة الله قد وضحت، وقامت على الخلق من قبل مناظرة الدَّرَسَة، وخيالات المبتدعة، ووساوس المتكلمة، وتحكُّمات المتكلّفة، ولكنهم كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِين﴾ [النمل: ١٣]، وقال تعالى حاكياً عن موسى ﵇ لما قال له (٢) فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١، ١٠٢]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وإن كان مرادُكم الفصل بين المختلفين، وجمع كلمة العالمين (٣) أجمعين فذلك غير مقدورٍ عند أهل السنة لأحد من المخلوقين (٤)، ولا يَقْدِرُ عليه عندهم، ولا يفصل بينهم إلاَّ ربُّ العالمين كما قال سبحانه في كتابه المبين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [الحج: ١٧]، ولهذا سمَّى الله يوم القيامة يوم الفصل، والعَجَبُ من المعتزلة أنَّ مذهبهم أن هداية الكفار والضلال غير مقدورةٍ (٥)

стр. 1356

لله سبحانه وتعالى عما يقولون (١) عُلُوّاً كبيراً، ثم يوجبون على المخلوق الضعيف التعرض لهدايتهم. فإن كانت غير مقدورة له، فهذا لا يجوز إيجابه بالرأي، والنصُّ عليه غير موجود، ومتى انتهى إلى حد المراء، فالنصوص على المنع منه متواترة، وإن كان هداية الكفار مقدورة للعبد، فكيف لا تكون مقدورة لله تعالى؟!. فإن قلت: هم يلتزمون (٢) أيضاً أن الله سبحانه عن مقالتهم غير قادر على مقدورات العباد، لأن ذلك يؤدي إلى تجويز مقدور بين قادرين. قلت: نعم، ولكنهم يجوزون قدرته سبحانه على أمثالها دون أعيانها، وسوف يأتي البرهان القاطع على بُطلان كلامهم عند الكلام على أفعل العباد، وأمَّا إلزامنا لهم هنا (٣)، فهو خروجُ قدرة الرب سبحانه عن التعلق بمقدور العباد، وبمثله (٤) أيضاً، فهو أفحش من مذهبهم حاشا أبا (٥) الحسين وأصحابه فإنهم يوافقون أهل السنة في هذه المسألة. الوجه الثاني: معارضة أيضاً، وهي (٦) لبعض المتكلمين ألزم، وذلك أن في المتكلمين من المعتزلة طوائف لا يوجبون النظر في علم الكلام.

стр. 1357

الطائفة الأولى: من قال بأن المعارف ضرورية ، لقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ولغير ذلك كما سيأتي، ويجعل النظر (١) شرطاً اعتيادياً (٢) غير مؤثرٍ، وهم أقوى هذه الطوائف حجة لأنهم لم يسقطوا وجوب النظر في الجملة، ولا طرحوا المعلوم من ثمرته بالفطرة، ولا جحدوا المعلوم منه عن سلف الأمة، ومع ذلك، فلم يبتدعُوا القول بوجوب النظر في الدقائق، والطرائق المبتدعة، وإنما يوجبون من النظر ما يوجبه أهل السنة، وهو النظر فيما أمر الله بالنظر فيه، وفيما عُلِمَ من الأنبياء وأصحابهم وخير أسلافهم أنهم اعتمدوه من النظر في المعجزات، والمخلوقات من غير شعورٍ بترتيب المقدمات على الشرائط المنطقيات، وما ذكره الغزالي في " القسطاس " (٣) من كون تلك المقدمات معلومة لجميع العقلاء، واردة (٤) في المعنى في كتاب الله تعالى لا يستلزم وجوب الخوض في المنطق والكلام، بل يوجب الاستغناء عن ذلك بالفطرة كما أن من يعرفُ وزن الشعر بالفطرة، ويقوله على أبلغ الوجوه لا يحتاج إلى قراءة علم العروض، ولا يمتنعُ أن يرد الشرع بالمنع عمَّا يستغنى عنه لحكمةٍ استأثر الله بعلمها، كما ورد بالنهي عن كثيرٍ مما لم يُدرك بالعقل قُبْحُهُ، بل ورد بالنهي عن كثيرٍ ممَّا ظاهِرُهُ قُرْبَةٌ، كصلاة الحائض (٥)،

стр. 1358

والوِصال في الصوم (١)، والصلاه في الأوقات المكروهة (٢)، وتلاوة الجُنُب للقرآن (٣). وقد ثبت أن رسول الله ﷺ نهى عن البدع (٤)، وأمر عند حدوثها بالتعوُّذ من الشيطان، والفَزَعِ إلى القرآن، ولو خُلينا وقضايا

стр. 1359

العقول، ما مُنِعْنَا الخوض في لطيف الكلام لأجل تقوية أدلة الإسلام، والنظر في المخلوقات الوارد في الكتاب والسنة لم (١) يُقَيَّدْ بوجهٍ مخصوصٍ، وهو طريقة المتكلمين، بل فُهِمَ منه تعلُّقه بما يُوقِفُ النفس على الحقِّ اليقين، ويُخرجها من ظلمات دعوى المبطين إلى أنوار معارف المُحقِّين، وربما اختلفت الأدوية على حسب اختلاف الأدواء، وكثيرٌ من الأذكياء الذين يقعون في الحيرة والوسوسة لا ينتفعون من النظر إلاَّ بأمرين. أحدُهُما: توقيف النفس على أنه قد وقع في الشهادة ما لم يكن ليقر به العقل، وكان في الغيب، وهو جود هذا العالم العجيب المحكم على ما أشار الله تعالى إليه، وقد قرره الجاحظ في " العبر والاعتبار " فإنه لو لم يكن مخلوقاً لله تعالى كما جاء به الإسلام، لم يكن بد من القول بالمحارَات، الوقوع في المحالات، فإنه يلزمُ حينئذٍ إمَّا القول بِقَدَمِ العالم، والقِدَمُ بنفسه هو أعظم المحارات، أو القول بحدوثه من غير مُحدِثٍ ولا مُرَجِّحٍ، وذلك من أعظم المحالات، فحينئذ تخضع النفس للاستسلام لبراهين الإسلام. وثانيهما: تخويف النفس -من الوقوع- في عظيم (٢) العذاب، فإنها كما لا تُؤمن (٣) به، فإنَّها لا تأمن منه، لأن طبيعتها عدم الإيمان بالغيب، وعدم الأمان منه، ولذلك أمر الله تعالى أن يحتج بهذا المعنى على المشركين في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ -إلى قوله- إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [الأحقاف: ١٠]، وسيأتي

стр. 1360

تقرير هذا في بيان (١) الحكم في تقدير الشرور، وهو من أنفع ما تُكسر به سورة النفس عند نُبُوِّها عما لا تألفه ولا تعرِفُه ممَّا جاءت به النبوات، وهو داخلٌ فيما أمر بأنه (٢) من النظر في ملكوت الأرضين والسماوات. الطائفة الثانية: من يقول: إنَّ المعارف ضروريةٌ مطلقاً ، وذلك بعد تمام العقل وخطورها في الخاطر، وزوال السهو عن تصورها، وهؤلاء لا (٣) يحمِلُون الأمر بالنظر والفكر على مُجرَّد ترك السهو والغفلة، فإنَّ الساهي عن العلم الضروري غير عالم به في حال سهوه عنه، ولذلك شبَّه الله الغافلين بالأنعام، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ [الفرقان: ٤٤]، قالوا: وليس الأمرُ بالنظر يُناقِضُ كونَ المنظور فيه معلوماً بالضرورة، ولذلك شرع الله للمكلفين الفكر في الموت والمرض ونحوه مع أنه معلومٌ بالضرورة، وأجمعت الأمة على استحباب التفكر فيه، وأخبرنا الله تعالى به، بل أدخل المؤكِّدات على الجبرية، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون﴾ [المؤمنون: ١٥]، وفيه بحث لطيف، وهو أن المؤكِّدات لا تدخُل على المعلومات (٤)، فلا يحسُنُ أن نقول: والله إن السماء لمرتفعة فوق الأرض، وإنما حَسُنَ ذلك في الآية (٥) لتنزيل المخاطبين لشدة غفلتهم منزلة الجاحدين المنكرين له، كما ذكره علماء المعاني والبيان في قول الشاعر:

стр. 1361

جاء شقيقٌ عارضَاً رُمحَه ... إنَّ بني عمِّك فيهم رِمَاحٌ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْن﴾ [التوبة: ١٢٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾ [الأنعام: ١١]. وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الأنعام: ٤٠]. وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وقال: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِه﴾ [الأنعام: ٩٩]، وكثيرٌ ما يَرِدُ في كتاب الله تعالى، وقد يعظُمُ الانتفاع بالنظر في الضروريات حتَّى قال المؤيد بالله ﵇ في كتابه " سياسة المرتدين ": إنَّ الفكر في الموت والقبر والبلى أنفع (٢) من الفكر في عذاب النار وأمثاله (٣)، وعلَّل ذلك بكون الموت وأحواله ضرورية. وعلى الجملة، فإن الانتفاع باستحضار تصور العلوم الضرورية النافعة، ودوام تصورها معلومٌ بالضرورة، والتضررُ بدوام الغفلة عنها معلومٌ بالضرورة، ولما يفترِقِ الحال بين أهل الصلاح وغيرهم، وتفاوت المراتب إلاَّ بذلك، وعامة ما اشتملت عليه كتبُ الرقائق المُبكية،

стр. 1362

والمواعظ المُشجية هو التذكير بالضروريات، بل جاء ذلك في أشعار العرب وعقله من لم يعرف النظر قال مُتمِّمٌ (١): وقالوا أتبكي كُلَّ قبرٍ رأيتَهُ ... لِقَبْرٍ (٢) ثَوَى بين اللِّوَى فالدَّكَادِكِ (٣) فقُلتُ لهم إنَّ الأسى يبعَثُ الأسى ... دعُونِي فهذا كُلُّهُ قبرُ مالِكِ ولو بسطتُ هذا المعنى، لجاء في مجلداتٍ، وقد أشار الله تعالى

стр. 1363

إلى فضيلة أهل الرِّقَّة والخشوع التي هي من آثار استحضار تصوُّر الضروريات فقال سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [المائدة: ٨٢]. ثم وصفهم بالمعرفة، ووصف معرفتهم بما يوجب ملازمة (١) الخشوع العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وهذه صفة معرفة الصالحين لا صفة معرفة الجدليين والمنطقيين وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]، فكيف يقال: إن من اعتقد أن المعارف ضروريةٌ يلزمه إهمال الفكر (٢) والنظير وردُّ القرآن والخبر والأثر. ولقد صنَّف الجاحظ -وهو من أهل هذه المقالة- كتات " العبر والاعتبار " (٣)، فأتى فيه بما يقضي له بعُلُوِّ القدر في علم النظر من التفكر في عجائب المخلوقات الضروريات. وكذلك النظر في علم التشريح، وعجيب خِلقة الإنسان والتأمل لما يُدْرَكُ من (٤) ذلك بالتواتر والعيان. وقد حثَّ الله تعالى على النظير في المشاهدات وهي من

стр. 1364

الضروريات، فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين﴾ [يس: ٧٧]. وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم﴾ [لقمان: ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. فالحث على النظر في المعلومات معلومٌ، لكن المخالف يقول: إنَّ المراد بالنظر فيها استنباطُ علومٍ غيرها بطريق استدلالية تنبني على مقدماتٍ متركبةٍ تركيباً مخصوصاً على وجهٍ يُنتج العلم على سبيل الاختيار، وأهل المعارف يقولون: إنَّ المراد بالنظر فيها؛ إمَّا ما يحصُلُ عنده من تعظيم المعبود، والخشوع له، والرِّقة، والإجلال، والخوف والرجاء كما يحصُلُ بذكر الموت ونحوه. وإمَّا ما يهجُمُ على القلوب بعد ذلك من صرف اليقين ورسوخ

стр. 1365

الإيمان من غير اختيار. وإما مجموعُهُما (١)، ويتفاوت الحاصل من (٢) ذلك تفاوتاً عظيماً لا يقف على حدٍّ، ولا يجري على قياسٍ على حسب حكمة الله واستحقاق العبد، وربما أبكى، وربَّما أقلق، وربَّما لم (٣) تحتمله القوى البشرية، فيُصعَقُ العبد كما صعق موسى ﵇، وربما زاد على ذلك فقتل، فسبحان من هو على كل شيءٍ قدير، وبكل شيء بصير. الطائفة الثالثة: من المعتزلة والشيعة من يجيز تقليد أهل الحق، وهو قول شيخ البغدادية أبي (٤) القاسم البلخي الكعبي حكاه عنه السيد الإمام المؤيد بالله ﵇ في " الزيادات "، وذكر أبو القاسم ما يدل عليه في " المقالات " وهو قوله فيها عند ذكر العامة، وقد عدَّهم فرقة مستقلة، وذكر ما يجتمعون عليه من إضافة صفات الكمال إلى الله، وتنزيهه عن صفات النقص أو كما قال، ثم قال بعد ذلك. فهنيئاً لهم السلامة. وهذا القول مرويٌّ عن الإمام القاسم بن إبراهيم ﵇، وصرح به السيد المؤيد بالله ﵇ في آخر كتاب " الزيادات " تصريحاً لا يحتمل التأويل البتة؛ لأنه احتج عليه، فطوَّل (٥) الكلام فيه، بما لا يمكن معه خفاءُ مقصوده، وقد حاول المعترض إنكار ذلك عن المؤيد بالله، وعارضه بقوله في الإفادة بوجوب المعرفة، فأمَّا المعارضة، فجهل، إذ ليس يمتنع أن يكون للعالم قولان صحيحان عنه، وأما إنكار

стр. 1366

ذلك، وتأويله، فعنادٌ لا يساوي شيئاً، ولا يستفيد مُنكرُه إلاَّ أذى نفسه. وقد اعتمد المؤيد (١) بالله في " الزيادات " على الدليل المعلوم من فِطَرِ العقول، وهو حُسْنُ العمل بالظن كما ذكره في خبر الواحد كثير من المحققين، منهم أخوه السيد أبو طالب في " المجزي "، والإمام المنصور بالله في " الصفوة "، والشيخ أبو الحسين في " المعتمد " (٢)، وهو دليل قوي، والعلم به فطري أوَّلي كما تقدم في آخر الوظائف. وقد تمسك من أوجب العلم بوجوه عقلية وسمعية أشفُّها كون العلم بالله تعالى لُطفاً مقرباً إلى طاعته تعالى، ومعنى المقرِّب: ما يكون المكلَّف (٣) معه أقرب إلى أداء ما يجب عليه وترك ما يحرُمُ عليه. وقد ذكر المؤيد بالله في " الزيادات " أنه يحصُلُ بالظن مثل ذلك (٤)، ومن السمع قوله تعالى: ﴿فاعلم أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، وما جاء من ذم الظن والإجماع على تحريم الجهل بالله، بل (٥) على أنه كفر، وللمخالفين فيها أنظار ومعارضات، أمَّا اللطف المقرب فمن وجوه: الوجه الأول: وجوبه إمَّا ضروريٌّ عند المعتزلة، كوجوب قضاء الدَّين، وردِّ الوديعة، وهذا ممنوع لوجدان التفرقة الضرورية، وعدم منازعة الخصم. وإمَّا استدلالي، ولا دليل يتصور على ذلك متركب من مقدمتين

стр. 1367

ضروريتين أو منتهيتين إلى ضروريتين، فلم يبق إلاَّ أنه مجرد دعوى أو ظن، فإن كان مجرد دعوى لم تُسمع، وإن كان ظناً، لم يكن مانعاً من ظنٍّ آخر هو أرجح منه بالنسبة إلى من لم يُسلم رجحانه، وكثيرٌ من أدلة الكلام ودعاوي أهله تنهار إذا اعتبرتها بهذا الاعتبار، وإنما هي (١) أقيسةٌ مبنية على اعتقاد صحة الحصر والسَّبْرِ (٢) والتلازم في الثبوت، والانتفاء، لا على القسمة الدائرة بين النفي والإثبات، وأمثالِها من الضروريات بل قد يعللُ بعضُ المعتزلة بمجرد إمكان التعليل، ويقولون: ما أمكن تعليله بأمرٍ، وجب، وهذا في غاية السقوط. وقد ذكر الإمام (٣) المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ هذه الأشياء أو أكثرها وزَيفَها، وأوضح بطلانها في مقدمة كتابه " التمهيد " (٤)، وهي مردودة عند جميع المنطقيين وأهل التحقيق. وقد تعرَّض الفقيه يحيى بن حسن القرشي لتصحيحها في أول مصنفه في الكلام، فما أنصف، وهذا عارضٌ، ومن أحبَّ التحقيق فيه، نظر كلام الفريقين في كتبهم الحافلة. الوجه الثاني: أن اللطف المقرب مجرد دعوى ، فلا يخلو إما أن يكون الملطوفُ فيه واقعاً عنده قطعاً (٥) كالداعي الرَّاجح على معارِضِه أو لا.

стр. 1368

الأول: مسلَّم وجوب تحصيله متى كان مقدوراً، ولكنَّ العلم بالله تعالى ليس كذلك إجماعاً وضرورة، لأنَّ كثيراً ممَّن يعرِفُ الله تعالى يعصيه. والثاني: ممنوعٌ وجوبه، لأنه غيرُ مؤثِّر في وجود الفعل كالقدرة ولا شرط في تأثيرها، والفعل يقع مع حصوله تارةً، ولا يقع مع حصوله أخرى، وهو حين وَقَعَ الفعلُ غير مؤثِّر فيه، وحين لم يقع غيرُ مانع منه، فوجودُه وعدمُه على سواءٍ بالنسبة إلى وجود الفعل وعدمه، ولا فائدة بعد تحقق (١) ذلك، لاعتقادنا أنَّ المكلَّف معه أقربُ، فإنَّ مجرد القرب وصفٌ مُلغى مطَّرح ولا فرق (٢) بين وجوده وعدمه مهما لم ينته إلى الرُّجحان المستمر وقوع الفعل عنده. فإن قلت: يجب تحصيله، لأنه يجوز أن ينضمَّ إليه غيره، فيكون الفعل مع المجموع راجحاً واقعاً مستمراً. قلتُ: التجويز لا ينتهضُ (٣) دليلاً على الوجوب. فإن قلت: يجب، لأنه يُلازمُ الطاعة غالباً، أو في الأكثر، وعدمه يُلازِمُ الجُرأة كذلك، والظن يتبع الغالب، والأكثر في جلب (٤) المصالح ودفع المضار، ولا يلتفت العقلاء إلى النادر، وإنكار نفع العلم في الغالب، والأكثر خلاف المعلوم عقلاً وسمعاً. قلت: هذا صحيح، ولكن فيه مباحث، منها ما (٥) يأتي قريباً في

стр. 1369

مسألة المشيئة في كلام الرازي من عدم ظنِّ القُدرة عليه والتحصيل له. ومنها أن نظائره لا تجب إجماعاً من ملازمة الزهد، والخلوة، وقوانين علم الرياضة التي عُلِمَ بالتجربة الضرورية أن المكلف معها أقرب إلى الخير غالباً، وأن نظره معها (١) في العلوم أكثر صواباً. ومنها ما يأتي الآن في الوجه الثالث من قيام الظن مقامه في العمل لا سيَّما الظنُّ المقارب للعلم المُسمَّى علماً في اللغة. الوجه الثالث: سلَّمنا كون المقرب واجباً، لكنَّ مثل هذا اللطف يمكن حصوله بالظن، فيقوم مقام العلم، فإنا نعلم بالضرورة أن المكلف مع الظن لثبوت الرَّبِّ (٢) سبحانه وثوابه وعقابه أقرب إلى الطاعة، ولا يجبُ العلم، لكونه معه أشدَّ قرباً، كما لا يجبُ العلم بالأدلة الكثيرة، لأنه معها أشدُّ قرباً من العالم بدليلٍ واحدٍ ونحو ذلك. وقد ذكر المؤيد بالله ﵇ هذا المعنى في " الزيادات " وذهب إليه، وقد ذكر الفقيه قاسمٌ في تعليق شرح الأصول إشكالاً غيره، وهو: أنه يَلزَمُ أن لا تَجِبَ المعرفةُ في حق من علم الله تعالى أنه لا يعصيه، وإن لم يعرفها بالدليل، وفيه مباحث أكثر من هذا، وقد نبهتُك على أصولها، وإذا كان هذا هو أساسَ علم الكلام، وأصل وجوب الخوض فيه، فما ظنُّك بفروعه!! وأما قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وسائر الأدلة السمعية فلا يصحُّ عند (٣) المعتزلة الاستدلالُ بها قبل إثبات

стр. 1370

الصانع وعلمه وحكمته. والجواب على من استدل بهذه الآية من وجوه: الأول: أن كون الأمر يُفيدُ الوجوب ظنِّيُّ. الثاني: أن الظن يُسمى علماً، وإن مَنَعَ من ذلك مانعٌ (١) فهو ظنّي. الثالث: أنّ نفي الثاني ممَّا يَصِحُّ الاستدلالُ عليه بالسمع عند المعتزلة، والأشعرية، فيجوز أن يكون العلم المأمور به فيه مستنداً في الدلالة إلى هذا (٢) السمع المنصوص فيه التوحيد كما لو أمره بالعِلم (٣)، بشيءٍ من السَّمعياتِ المحضةِ التي لا تُدركُ بالعقل كعددِ الركعات، حُمِلَ على ذلك. فإنُ قيل: الآيةُ تدلُّ على أنه لا يحصُلُ العلم بالاحتجاج بالسمع حتى يكون السمع معلوماً. قلنا: إن أردتُم دلالة المطابقة، فممنوعٌ قطعاً، إذ لم يقُل: اعلم عقلاً، وإن أردتُم دلالة الالتزام، فممنوعٌ احتمالاً، إذ هو مَحَلُّ النزاع، إذ لا مانع من كون الشيء معلوماً ضرورةً من الدين عند العامي مع كون أصل الدين مظنوناً معه، ولا شكَّ أنَّ العلم في موضعٍ مع الظن في غيره، أو في أصله خيرٌ من الظنِّ فيهما معاً. الرابع: أن الخطاب خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وتعديه إلى غيره بطريق ظني، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه
следующие страницы →