← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ذلك، وتأويله، فعنادٌ لا يساوي شيئاً، ولا يستفيد مُنكرُه إلاَّ أذى نفسه. وقد اعتمد المؤيد (١) بالله في " الزيادات " على الدليل المعلوم من فِطَرِ العقول، وهو حُسْنُ العمل بالظن كما ذكره في خبر الواحد كثير من المحققين، منهم أخوه السيد أبو طالب في " المجزي "، والإمام المنصور بالله في " الصفوة "، والشيخ أبو الحسين في " المعتمد " (٢)، وهو دليل قوي، والعلم به فطري أوَّلي كما تقدم في آخر الوظائف. وقد تمسك من أوجب العلم بوجوه عقلية وسمعية أشفُّها كون العلم بالله تعالى لُطفاً مقرباً إلى طاعته تعالى، ومعنى المقرِّب: ما يكون المكلَّف (٣) معه أقرب إلى أداء ما يجب عليه وترك ما يحرُمُ عليه. وقد ذكر المؤيد بالله في " الزيادات " أنه يحصُلُ بالظن مثل ذلك (٤)، ومن السمع قوله تعالى: ﴿فاعلم أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، وما جاء من ذم الظن والإجماع على تحريم الجهل بالله، بل (٥) على أنه كفر، وللمخالفين فيها أنظار ومعارضات، أمَّا اللطف المقرب فمن وجوه: الوجه الأول: وجوبه إمَّا ضروريٌّ عند المعتزلة، كوجوب قضاء الدَّين، وردِّ الوديعة، وهذا ممنوع لوجدان التفرقة الضرورية، وعدم منازعة الخصم. وإمَّا استدلالي، ولا دليل يتصور على ذلك متركب من مقدمتين

стр. 1367

ضروريتين أو منتهيتين إلى ضروريتين، فلم يبق إلاَّ أنه مجرد دعوى أو ظن، فإن كان مجرد دعوى لم تُسمع، وإن كان ظناً، لم يكن مانعاً من ظنٍّ آخر هو أرجح منه بالنسبة إلى من لم يُسلم رجحانه، وكثيرٌ من أدلة الكلام ودعاوي أهله تنهار إذا اعتبرتها بهذا الاعتبار، وإنما هي (١) أقيسةٌ مبنية على اعتقاد صحة الحصر والسَّبْرِ (٢) والتلازم في الثبوت، والانتفاء، لا على القسمة الدائرة بين النفي والإثبات، وأمثالِها من الضروريات بل قد يعللُ بعضُ المعتزلة بمجرد إمكان التعليل، ويقولون: ما أمكن تعليله بأمرٍ، وجب، وهذا في غاية السقوط. وقد ذكر الإمام (٣) المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ هذه الأشياء أو أكثرها وزَيفَها، وأوضح بطلانها في مقدمة كتابه " التمهيد " (٤)، وهي مردودة عند جميع المنطقيين وأهل التحقيق. وقد تعرَّض الفقيه يحيى بن حسن القرشي لتصحيحها في أول مصنفه في الكلام، فما أنصف، وهذا عارضٌ، ومن أحبَّ التحقيق فيه، نظر كلام الفريقين في كتبهم الحافلة. الوجه الثاني: أن اللطف المقرب مجرد دعوى ، فلا يخلو إما أن يكون الملطوفُ فيه واقعاً عنده قطعاً (٥) كالداعي الرَّاجح على معارِضِه أو لا.

стр. 1368

الأول: مسلَّم وجوب تحصيله متى كان مقدوراً، ولكنَّ العلم بالله تعالى ليس كذلك إجماعاً وضرورة، لأنَّ كثيراً ممَّن يعرِفُ الله تعالى يعصيه. والثاني: ممنوعٌ وجوبه، لأنه غيرُ مؤثِّر في وجود الفعل كالقدرة ولا شرط في تأثيرها، والفعل يقع مع حصوله تارةً، ولا يقع مع حصوله أخرى، وهو حين وَقَعَ الفعلُ غير مؤثِّر فيه، وحين لم يقع غيرُ مانع منه، فوجودُه وعدمُه على سواءٍ بالنسبة إلى وجود الفعل وعدمه، ولا فائدة بعد تحقق (١) ذلك، لاعتقادنا أنَّ المكلَّف معه أقربُ، فإنَّ مجرد القرب وصفٌ مُلغى مطَّرح ولا فرق (٢) بين وجوده وعدمه مهما لم ينته إلى الرُّجحان المستمر وقوع الفعل عنده. فإن قلت: يجب تحصيله، لأنه يجوز أن ينضمَّ إليه غيره، فيكون الفعل مع المجموع راجحاً واقعاً مستمراً. قلتُ: التجويز لا ينتهضُ (٣) دليلاً على الوجوب. فإن قلت: يجب، لأنه يُلازمُ الطاعة غالباً، أو في الأكثر، وعدمه يُلازِمُ الجُرأة كذلك، والظن يتبع الغالب، والأكثر في جلب (٤) المصالح ودفع المضار، ولا يلتفت العقلاء إلى النادر، وإنكار نفع العلم في الغالب، والأكثر خلاف المعلوم عقلاً وسمعاً. قلت: هذا صحيح، ولكن فيه مباحث، منها ما (٥) يأتي قريباً في

стр. 1369

مسألة المشيئة في كلام الرازي من عدم ظنِّ القُدرة عليه والتحصيل له. ومنها أن نظائره لا تجب إجماعاً من ملازمة الزهد، والخلوة، وقوانين علم الرياضة التي عُلِمَ بالتجربة الضرورية أن المكلف معها أقرب إلى الخير غالباً، وأن نظره معها (١) في العلوم أكثر صواباً. ومنها ما يأتي الآن في الوجه الثالث من قيام الظن مقامه في العمل لا سيَّما الظنُّ المقارب للعلم المُسمَّى علماً في اللغة. الوجه الثالث: سلَّمنا كون المقرب واجباً، لكنَّ مثل هذا اللطف يمكن حصوله بالظن، فيقوم مقام العلم، فإنا نعلم بالضرورة أن المكلف مع الظن لثبوت الرَّبِّ (٢) سبحانه وثوابه وعقابه أقرب إلى الطاعة، ولا يجبُ العلم، لكونه معه أشدَّ قرباً، كما لا يجبُ العلم بالأدلة الكثيرة، لأنه معها أشدُّ قرباً من العالم بدليلٍ واحدٍ ونحو ذلك. وقد ذكر المؤيد بالله ﵇ هذا المعنى في " الزيادات " وذهب إليه، وقد ذكر الفقيه قاسمٌ في تعليق شرح الأصول إشكالاً غيره، وهو: أنه يَلزَمُ أن لا تَجِبَ المعرفةُ في حق من علم الله تعالى أنه لا يعصيه، وإن لم يعرفها بالدليل، وفيه مباحث أكثر من هذا، وقد نبهتُك على أصولها، وإذا كان هذا هو أساسَ علم الكلام، وأصل وجوب الخوض فيه، فما ظنُّك بفروعه!! وأما قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وسائر الأدلة السمعية فلا يصحُّ عند (٣) المعتزلة الاستدلالُ بها قبل إثبات

стр. 1370

الصانع وعلمه وحكمته. والجواب على من استدل بهذه الآية من وجوه: الأول: أن كون الأمر يُفيدُ الوجوب ظنِّيُّ. الثاني: أن الظن يُسمى علماً، وإن مَنَعَ من ذلك مانعٌ (١) فهو ظنّي. الثالث: أنّ نفي الثاني ممَّا يَصِحُّ الاستدلالُ عليه بالسمع عند المعتزلة، والأشعرية، فيجوز أن يكون العلم المأمور به فيه مستنداً في الدلالة إلى هذا (٢) السمع المنصوص فيه التوحيد كما لو أمره بالعِلم (٣)، بشيءٍ من السَّمعياتِ المحضةِ التي لا تُدركُ بالعقل كعددِ الركعات، حُمِلَ على ذلك. فإنُ قيل: الآيةُ تدلُّ على أنه لا يحصُلُ العلم بالاحتجاج بالسمع حتى يكون السمع معلوماً. قلنا: إن أردتُم دلالة المطابقة، فممنوعٌ قطعاً، إذ لم يقُل: اعلم عقلاً، وإن أردتُم دلالة الالتزام، فممنوعٌ احتمالاً، إذ هو مَحَلُّ النزاع، إذ لا مانع من كون الشيء معلوماً ضرورةً من الدين عند العامي مع كون أصل الدين مظنوناً معه، ولا شكَّ أنَّ العلم في موضعٍ مع الظن في غيره، أو في أصله خيرٌ من الظنِّ فيهما معاً. الرابع: أن الخطاب خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وتعديه إلى غيره بطريق ظني، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه

стр. 1371

مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤]، فإنها في معنى التأكيد للخبر بكون عجزهم عن المعارضة دليلاً مُفيداً للعلم بأن القرآن أُنزل بعلم الله، وبصحة ما فيه من توحيد الله، ونفي كل آلهةٍ سواه، وقرينة ذلك وقفه للأمر بالعلم على شرط أن لا يستجيبوا، وذلك كقولك لمن يُناظرك: ائت بمثل كلام الله، فإن عجزت، فاعلم أنَّه حقٌّ، وإن لم تقطع بهذا المعنى يكون محتملاً، وبيان ذلك أن العجز عن المعارضة للقرآن دليلُ إعجازه، فمتى حَصَلَ العجز بعد التحدي، وتحقَّق، حصل العلم، فيكون الأمر حينئذ بتحصيل العلم مجازاً، لأنه لا يصح الأمر (١) بتحصيل الحاصل، وهذا على المختار أن حصول العلم بعد النظر في الدليل على الوجه الصحيح ضروري غير اختياري، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤٩ - ٥٠]، والله سبحانه أعلم. الخامس: أنه معارض بأدلة المخالفين المتقدمة (٢) فكيف يُستنتج العلم مما ترتَّب على هذه الظُّنون، وحَصَلَت فيه مع ذلك المعارضة؟ وكفي في معارضته بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [الحجرات: ١٤]، فقد وعدهم بقبول أعمالهم في الإسلام مع عدم الإيمان الصادق الذي

стр. 1372

يُنافي الشكَّ، وإن لم يكن عن أدلة تفصيلية كإيمان كثير من الصالحين والعامة، فكيف مع حصوله من غير خوضٍ في الكلام؟ وهذا إذا لم يُضمِرُوا (١) نقيض الإيمان، فإنَّ ذلك هو النفاق الذي هو شرُّ من الشرك. نعوذ بالله منه. وإمَّا قولُه في آخر الآيات: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، فإنه لم يُطلق ذلك، بل شرطه (٢) بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الحجرات: ١٧]، وهذا الشرط لم نعلم نحن حصوله، بل أول الآية نص على عدمه، فكأنه لما نفى ما ادَّعوا من الإيمان: قال وعلى تقدير صدقكم في دعواكم، فالمنَّة لله تعالى في ذلك، فيكون في المعنى كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [البقرة: ٩٣]، فلم يلزم أن لهم إيماناً مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ (٣)، كذلك لا يلزم أن لأولئك الأعراب إيماناً مع قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾. وعلى تسليم أنه إيمانٌ، فيحتمل أن يكون في غيرهم، وأن يكون فيهم، والمنفيُّ عنهم الإيمان الكامل، والمثبت لهم القليل منه، فقد صح اختلافه، وتقدير أقلِّه بمثقال حبةٍ من خردل من إيمان، يوضحه أن القليل منه لو انتفى، لكانوا في حكم المنافقين، وهو أحد القولين، والأول قول الجمهور ذكره ابن تيمية، ويوضِّحه قوله تعالى بعد ذكرهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا -إلى قوله- أُولَئِكَ هُمُ

стр. 1373

الصَّادِقُون﴾ [الحجرات: ١٥]، فدلَّ على أن هذا الإيمان الصادق هو (١) المنفي عن أولئك لا أقل ما يُسمى إيماناً مما ورد في أحاديث الشفاعة الصحاح أنَّ أهله يخرجون من النار بعد دخولها (٢) والله سبحانه أعلم. وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على زيادة الإيمان ونقصانِه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وكذلك الإسلام يزيد وينقص، وبذلك جمع العلماء بين الآيات المختلفة والأحاديث المتعارضة في تفسير الإيمان والإسلام. وأما ذمُّ اتباع الظن، فسيأتي الجواب عنه، ويدخُلُ في ضمنه الدليل على أن التمسك بالظن الراجح تقليداً أو (٣) استدلالاً، ليس يُسمى في اللغة جاهلاً بالله كما لا يُسمى الفقهاء المجتهدون جهالاً بالأحكام الظنية، ولعلَّ المخالفين (٤) أسعد بدعوى إجماع الصحابة والسلف على عدم وجوب الخوض في علوم النظر، ولعلَّ هذا يتكرَّر، وقد مرَّ منه شيء أو سيأتي. فإن قيل: هذا حسنٌ ولكنه يؤدي إلى حُسن تقليد الكفار لأسلافهم متى ظنوا صحة ما هم عليه، فسيأتي الجواب عن هذا في آخر هذا

стр. 1374

الكلام (١)، ونكتَتُه على سبيل الإجمال: أن الله يمنعُ الظن الراجح بذلك في ابتداء التكليف، بما نَصَبَ من القرائن القاضية بنقيضه، وبما بعث من الرُّسل، وأظهر عليهم من المعجزات، بل أوجبت المعتزلة الخاطر الداعي على (٢) الله تعالى، فمتى عاندوا، ورجَّحُوا (٣) المرجوح في الابتداء، جاز أن يُعاقبهم الله تعالى كما لم يُؤمنوا به أوَّل مرة، وهو سبحانه عدلٌ حكيم، وبعباده خبيرٌ بصير، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]، فيخلي سبحانه بينهم وبين الشياطين تؤُزُّهُم أزّاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقد أشار سبحانه إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، ونبَّه على ذلك رسولُ الله ﷺ في الحديث الصحيح حيث قال: " كل مولودٍ يولد علن الفطرة وإنَّما أبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه " (٤) وفي هذا أحاديث كثيرة، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات﴾ [فاطر: ٨]، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقد مضى في آخر الوظائف تحقيق الكلام في هذا مبسوطاً، فخُذهُ من هنالك.

стр. 1375

وممَّا يُحتج به لأهل هذا القول ما أجمع عليه المسلمون من جواز وقوع الوسوسة في أمر العقائد الدينية، وورد (١) القرآن بذلك في قوله تعالى لخليله ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال علماء الاعتزال: إن العلم الاستدلالي لا يرفع الوسوسة. وقال إمام العلوم العقلية والسمعية الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة " (٢): وفي الفرق بين ما يقع من ذلك (٣)، وما لا يقع إشكالٌ. انتهى. وقيل في جواب ذلك: إنَّ الوسوسة إن كانت في أركان الدليل، كانت شكّاً يُزيلُ العلم، ووجب تجديد النظر، وهو قول أبي هاشم وأصحابه الذين لا يوجبون الانتهاء في النظر إلى المقدمات الضرورية بل يُجيزون (٤) الاقتصار عند سكون النفس بأركان الدليل، ولا يُبالون بالوسوسة إلاَّ فيها. وهذا إن صح عندهم (٥) نازلٌ جداً، فإنه يستحيل أن تكون أركانٌ الدليل التي هي عبارة عن المقدمات يقينية معلومة لا شكَّ

стр. 1376

فيها، ثم يعرِضُ الشكُّ في النتيجة. وقد أجمع أهلُ التحقيق من المتكلمين والمنطقيين على بطلان هذا، يوضحه أن البهاشمة (١) يفرقون بين الضروري والاستدلالي بتجوبز ورود الشك والشبهة (٢) على الاستدلالي، وهذا التجويز لا يصحبُ العلم البتة، فإنَّ التجويز في هذا الوقت على المعلوم استدلالاً فيه أنه ينكشِفُ بطلانُه فيما بعد (٣)، شكٌّ تأخَّر في هذا الوقت، وكونُه شكاً ضروري، فكيف خَفِيَ مثل هذا على أئمة علم الكلام من البهاشمة (٤) وجلة المعتزلة؟! وقد زدتُ هذا البحث وضوحاً في " ترجيح أساليب القرآن " (٥). وإذا كان هذا ميزان معارف (٦) جِلَّة المتكلمين، فما ظنُّك بالموزون به؟ فلو نظرت بعين الإنصاف والوَرَع في كثير من دعاويهم، لانكشف لك العجبُ، ولكنَّك حسنُ الظنِّ بالقوم، ومتى (٧) قطع بصحة أمر لم ينظر فيه، وهذا عارض، فإذا تقرَّر إجماع المسلمين على أنه لا يكفر من عرضت له الوسوسة مع بذله لجهده في النظر، دلَّ على أن الوصول إلى اليقين الموجب لسكون النفس بالأدلَّة القاطعة (٨) ليس بمفروضٍ، أو ليس بمقدورٍ لتخلفه كثيراً مع توفّر الدواعي إليه، وإنَّما المقدور النظر، والمتولَّد عنه مختلِفٌ.

стр. 1377

وأمَّا وقوع النظر على الوجه الصحيح دون غيره، ففي كونه مقدوراً مطلقاً نظرٌ، وإنَّما يقطعُ بذلك حيث يقطع بوجوب معرفة الصواب، واستحقاق المتأوّل للعقوبة قطعاً. والصحيح أن ذلك لا يقطع به إلاَّ في مخالفة الضروريات من الدين لاسيما العامة، والبُلَدَاء على جميع قواعد أهل النظر المقدمة، وإنَّما العلم من الفضائل والمراتب الرفيعة يؤيِّدُهُ أن العلم من الأعراض التي تزُولُ بالنوم والسهو، ولا يجب تحديدُ النظر في الأدلة عقيب كُلِّ غَفوَةٍ، وكُلِّ غفلة، ومن ادَّعى ذلك، فقد خالف الضرورة الدينية، ويؤيد ذلك ما عُلِمَ بالضرورة من تقرير الأنبياء ﵈ لطَغَامِّ العوام والعبيد والنسوان والجُفاة والبُلداء على قبول الإسلام من غير بحث عن الاستدلال والاختبار لهم ولا بيِّنة. فإن قيل: هلاَّ جوزتُم في العامة أنهم يعرفون الأدلّة الجُملية وأنَّ الأنبياء علموا ذلك منهم، أو حملوهم عليه، فقرروهم على العلم، لا على الظن، ولا على الجهل؟ فالجواب: أن هذا (١) لا يصحُّ إلاَّ عند من يقولُ: إن المعارف ضرورية أو ظنية. وأما من يقول: إنها نظرية قطعية، فالجواب عليه ما ذكره الرازي في " المحصول " من أن الدليل إذا تركب من عشر مُقدِّماتٍ استحال من العالم الزيادة فيها، ولم يحصل للجاهل العلم متى قلد في واحدة منها، وهذا ضروري، فدلَّ

стр. 1378

على أن العلم الاستدلالي لا يتبغَّضُ وينقسم وكذلك سائر العلوم، بل سائر المعاني البسيطة، وهي التي لا تركيب فيها، وإنَّما الممكن أن يَهَبَ الله تعالى لهم علماً ضرورياً ابتداءً أو عقيب النظر، أو ظناً قوياً لا يكاد يتميَّزُ من العلم إلاَّ للخاصة، يحصُلُ لهم معه من الطمأنينعة ما لا يحصُلُ للمتكلم بالاستدلال الذي يجوز معه ورودُ الشكِّ والشبهة، بل العاميُّ والمُحدِّث وأمثالهم من أهل الطمأنينة أسعدُ حالاً من المتكلم، لسلامتهم من تكفيرِ عامَّة المسلمين ومِن التكبّر على عموم المؤمنين، وممَّا يلحقُهُ من العار في وقوعه في الوسوسة مع دعواه لأرفع مراتب المعرفة، وفي عَدَمِ تمييزه بين الظُّنُون الغالبة حتى حَسِبَها علوماً، وبين العلوم اليقينية المنتهية إلى المقدمات الضرورية حتى رفع إلى مرتبتها الظُّنون الغالبة (١)، والتخيلات الكاذبة، ودليل صحة ذلك أنهم من أشدِّ الناس وسوسةً، بل ما عُلِمَ (٢) أنه ارتدَّ عن الإسلام أحدٌ من أئمَّة القرآن والحديث، وقد ارتدَّ من أئمة الكلام غيرُ واحد. وممَّا يُقوي هذا المذهب ظواهِرُ السمع، كقوله ﷺ في غير حديث: (من كان في قلبه مثقالُ حبةٍ من خردل من إيمان) (٣)، وقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ [البقرة: ٤٦]، ونحو ذلك. وأمَّا حملُ العامة على أنهم يَعرِفُونَ الأدلة المَعْرِفَة (٤) التفصيلية فلا

стр. 1379

يصحُّ، لأنه عنادٌ لما يعلم عادةً من امتناع ذلك من غير تعلُّم، كما يُعلم امتناعُ معرفة سائر الصناعات الدقيقة، وإتقانُها من غير تعلُّمٍ (١)، بل يُعلمُ امتناعُ معرفة أسهل من ذلك مثل صنعة الطعام المتقنة من غير تَعَلُّمٍ، مع أن الأنبياء ﵈ أنصح الخلق (٢) لخلقه، فكما أنَّ العالم في الكلام المتدين الشفيق على ولده لا يُمكِّنُه على (٣) غِرته وجهله، وهو يرى قرائن أحواله تدُلُّ على الغباوة حتى يمحَضَهُ النُّصح في ذلك، فالرسل ﵈ أولى وأحقُّ بذلك، وكذلك أصحابهم وتابعوهم، ولا يمكن أن تمضي الأعوام، وهم مضربون عن هذا المُهِم الأعظم لو كان مُهماً حقاً، وهذا يُفيد العلم الضروريَّ العادي (٤) مع التأملِ والإنصاف، والله أعلم. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. فالجواب (٥) عند هؤلاء عن ذلك (٦) من وجوه: الأول: وهو المُعوَّلُ عليه أن اللغويين نقلوا أنَّ الظن في اللغة هو الشكُّ، فثبت (٧) بذلك أنه لفظة مشتركة، فحيث يُذمُّ، يرادُ به الشكُّ المعلوم في فِطَرِ العقول ذمُّ التعويل عليه، وحيث يُمدَحُ يُراد به الراجح المعلوم في فِطَرِ العقول حُسنُ العمل به، وقد أوضح الله تعالى انقسامَهُ،

стр. 1380

وعدم تعميم الحكم فيه بقوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم﴾ [الحجرات: ١٢]، والقرآن العظيم (١) يُفسِّرُ بعضه بعضاً، ويُردُّ متشابهه إلى مُحكمِه مع الإمكان، ويوضِّح أنه حيث يُذمُّ يراد به الشَّكُّ المساوي دون الغالب الراجح، قوله تعالى في ذم المشركين: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾ [الأنعام: ١١٦]، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. ودلالتُها من وجوه: أحدها: أن عبادة الحجارة ليست راجحةً في العقل، فتكون مظنونة. وثانيها: أنه حَصَرَ اتِّباعهُم في الظن، فلو أراد الراجح، لكان فيه تنزيهُهُم من اتِّباع الشكِّ المساوي، وهم إليه أقربُ. وثالثها: قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾، فإنه من صفات من يتجرأ على محض المباهتة دون من لا يعمل إلاَّ بالظن الراجح، فإنه من صفات أهل الحق لا سيما (٢) وقد قصرهم عليه مبالغةً. ورابعها: قوله في أول الآية: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فإنَّ أكثر من في الأرض لا يعملون بالظن الراجح، بل الذي يعمل به من العلماء هم أهلُ الورع والتحرّي، ألا ترى أنَّ من (٣) مذاهب العُلماء في مواضِعَ كثيرةٍ التمسك بالأصل، كالطهارة

стр. 1381

وعدم العمل بظن النجاسة، وهم يستحبون (١) العمل هنا بالظن. وخامسها: أن الله تعالى قد وصف الأكثرين بما يدُلُّ (٢) على هذا، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فكأنَّه عبَّر عن أهوائهم بالظن تارة، وعبر عن الظن بأهوائهم أخرى، وكذا وصفهم بالسَّفَه والافتراء في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. وسادسُها: أن أفعالهم تدلُّ على ذلك، فإنهم لو توقَّفُوا على الظن الراجح لما قالوا أشياء لا يهتدي إليها العقلُ، ولا وَرَدَ بها شرعٌ، كقولهم: إنَّ الملائكة بنات الله، ومثل إفكِهِم في التحليل والتحريم على ما حكى الله في (٣) البحيرة والسائبة والحام (٤) فهذه الوجوه مع نقل اللغويين لذلك تُوجب ترجيح حمل الآيات على الظن المساوي والمرجوح دون الاصطلاحي الذي يختصُّ بالراجح القوي الذي ثبت (٥) في الكتاب

стр. 1382

والسُّنَّة والعُرْفِ واللُّغة تسميتُه علماً ومعرفة، ولذلك قال الله في سورة الأنعام بعد أن حكى كثيراً من ذلك: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ويُوضِّحُهُ أن الله تعالى قَصَرَهُم على اتباع الظن، ثم قصرهم على الخرص (١)، فلو أراد الظن الراجح، لتناقض، لأن المقصور على الخرص، وهو محضُ الكَذِبِ لا يكونُ مقصورا على العمل بالراجح بالضرورة. الوجه الثاني: من الأصل أن الآية في الظن المعارض للعلم ، وهو ظن المشركين لصحة شركهم بدليل قوله: ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وهذا (٢) يدلُّ على أنه ظنُّ غير الحق، فكيف يُحتج بذلك على قبحِ العمل بظنِّ الحقِّ الصادر عن الأمارة الصحيحة الموجبة للرُّجحان المقبول في فِطَرِ العُقول الخالي عن المعارضة!. الوجه الثالث: أنها من العموم المخصوص بمن ورد فيه بدليل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [يس: ٢١] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]. فإن قلت: هذا تجويزٌ للجهل بالله تعالى. قلت: كلاَّ، فإنَّ الله تعالى قد سمَّى الظن علماً ، وذلك صحيحٌ وقد أقرَّ به الزمخشريُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ

стр. 1383

مُؤْمِنَات﴾ (١) [الممتحنة: ١٠]، وكذلك في قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (٢) [يوسف: ٨١]، وأجمع المسلمون على تسمية فقهاء الفروع علماء، وإن كانت ظنية. وقال المؤيد بالله في " الزيادات " عن أبي القاسم البلخي: إنَّه يُجيزُ العمل بالظنِّ في معرفة الله، ولكنَّه يُسميه علماً. وكذلك ذهب جماعةٌ من الجِلَّة إلى تسمية حديث الثقة الحافظ المتقن معلوماً، وكذلك يقول أهل الفطر العقلية السالمة من الشوائب: علمنا بكذا، إذا جاءهم به خبرٌ مظنونٌ، ويقولُ أحدُهم لصاحبه: أعلمني بما في نفسك، وقد أعلمتُك بما في نفسي، فكيف يُتركُ الكتاب، والفِطَرُ، واللغة لِعُرف بعض المتكلمين؟! فإذا تقرَّر أن هذه الطوائف الثلاث من جِلَّة علماء الكلام، بل من أهل الاعتزال والتشيع خاصةً مع إطباق المخالفين من المعتزلة لهذه الطوائف على (٣) إجلالهم وتوقيرهم، وأنهم من علماء الإسلام، فما بالُهم يعترِضُون على المحدثين، ويُشنِّعُون عليهم في القول بعَدَمَ وجوب النظر في الكلام؟! فيُقال لصاحب السؤال: ما كان جوابُ مشايخكم هؤلاء المسقطين (٤) للنظر في الكلام على الفلاسفة والمُجبرة والمشبِّهة، فهو بعينه جوابُ المحدثين، فلا تُسرف في التشنيع على أهل الأثَرِ، فقد شاركهم فيما

стр. 1384

شنعتُم به عليهم جماعةٌ من أئمة علم النظر، وهذه كُلُّها معارضات، ويُؤيِّدُ ذلك ما ظَهَرَ من كثير من أئمَّة المعقول، وأعيان المتكلمين، وحُذَّاق الفلاسفة مما يدلُّ على أنَّ العلوم الإلهيات لا تُدرَكُ بالمسالكِ النظريات، وإنما تكون مواهب ربانيات داخلةً في حيِّز الضروريات، أو معارِف ظنيات غير بالغة إلى مراتب الضروريات، ولا مرتبة عندهم بين الظنيات والضروريات، وقد نقل هذا الرازي في " المحصول " (١) عن كثيرٍ من الفلاسفة، فقال في آخر الفصل الثامن: فإن قلت: بل أعرِفُ بضرورة عقلي وجوب النظر عليَّ. قلت: هذا (٢) مكابرة، لأنَّ وجوب النظر يتوقَّفُ على العلم بأن النظر في هذه الأمور الإلهيَّة يُفيدُ العلم، وذلك ليس بضروري بل نظريٌّ خفيٌّ، فإنَّ كثيراً من الفلاسفة قالوا: فِكرَةُ العقل تُفيدُ اليقين في الهندسيات والحسابيات، فأمَّا في الأمور الإلهية، فلا تفيد إلاَّ الظن، ثم بتقدير أن يثبُت كونُه مفيداً للعلم، فلا يجبُ الإتيانُ به إلاَّ لو عَرَف (٣) أن غيره لا يقومُ مقامه في إفادة العلم، وذلك ممَّا لا سبيل إليه إلاَّ بالنظر الدَّقيق، فإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفاً على ذَيْنِكَ المقامين النظريين، فالموقوف على النظري أولى أن يكون نظرياً. قلتُ: وهذا (٤) مما (٥) يدلُّ على أن الرازي يرُدُّ على من يوجب البلوغ إلى العلم في الإلهيات على العامة دون أن (٦) يُجيز لهم العمل في

стр. 1385

ذلك على الظن، كالمؤيد بالله، وأبي القاسم، وأشار إليه الرازيُّ في وصيته (١)،

стр. 1386

ويأتي (١) في مسألة الأفعال شيء منها، ومما يدل على أنه مذهبه قوله: العلمُ للرحمن ﷻ ... وسواه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ ما للتُّراب وللعلوم وإنَّما ... يسعى ليعلم أنَّه لا يعلمُ وقد أشار إلى توقُّفه في مسألة الأفعال، وتردُّده في " مفاتح الغيب " وتأتي حكاية لفظه في ذلك، ومن ذلك قول ابن أبي الحديد المعتزلي: طلبتُك جاهداً خمسين عاماً ... فلم أحصُل على برد اليقين فهل بعد الممات يكُ اتصالٌ ... فأعلَمَ غامِضِ (٢) السرِّ المَصُون نوى قذفٌ وكم قد مات قبلي ... بحسرته عليك من القرون (٣)

стр. 1387

ومن ذلك قول الشهرستاني في أول " نهايته " (١) يصف المتكلمين: وقد طُفتُ في تلك المعاهد (٢) كلها ... وسيَّرتُ طرفِي بين تلك المعالم فلم أر إلاَّ واضعاً كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ أو قارعِاً سِنَّ نادِمِ (٣) ومنه قول الشيخ تقي الدين: تجاوزتُ حدَّ الأكثرين إلى العُلى ... وسافرت واستبقيتهم في المفاوز وخُضتُ بحاراً ليس يُدركُ قعرُها ... وسيَّرت نفسي في قسيم المفاوز ولجَّجت في الأفكار ثُمَّ تراجَعَ اخـ ... ـتياري إلى استحسان دين العجائز رواه الذهبي في ترجمته من " النبلاء " فقال: انشدني الفضل (٤) بن قنديل الغابر من سنوات، قال: أنشدنا إسماعيل بن ركاب، أنشدنا (٥) علم الدين سليمان بن يوسف الواعظ، أنشدني الإمام أبو الفتح ابنُ دقيق

стр. 1388

العيد لنفسه الأبيات. وقال الرازي أيضاً: نهايات إقدام العقول عِقَالُ ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ (١) وقال غيره: وكم في البرية من عالمٍ ... قويِّ الجدال سديد (٢) الكَلِم سعى في العلوم فلمَّا يُفِدْ ... سوى علمه أنه ما علم وقال ابن الجوزي في كتاب " تلبيس إبليس " (٣) بعد المبالغة في ذم الكلام، ونقل كلام السلف في ذلك: وقد نُقل إلينا إقلاع متقدمي المتكلمين (٤) عما كانوا عليه منه لما رأوا من قُبْح غوائله، ونقل عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنه لما حضرته الوفاة، قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم بالكلام منِّي؟ قالوا: لا، قال: فتتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحابُ الحديث، فإني رأيتُ الحق معهم. قال: وكان أبو المعالي الجُويني يقول: لقد جرَّبت (٥) أهل الإسلام

стр. 1389

وعلومهم، وركبتُ البحر الأعظم، وغُصتُ في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق، والهَرَبِ من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكُلِّ إلى كلمة الحق: " عليكم بدين العجائز " (١)، فإن لم يدركني الحقُّ بلُطف برِّه، فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام (٢) يبلغ بي (٣) ما بلغتُ، ما تشاغلتُ به. وقال أبو (٤) الوفاء بن عقيل (٥) لأصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر ولا العَرضَ، فإن (٦) رضيت أن تكون مثلهم فكُن، وإن (٧) رأيت طريق المتكلمين أولى [من طريقة أبي بكر وعمر]،

стр. 1390

فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام ببعض أهله (١) إلى الشكوك، وببعضهم إلى الإلحاد تُشمُّ روائحه من فلتات (٢) كلامهم، و (٣) [أصل] ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقول إدراك ما عند الله من الحكم التي (٤) انفرد بها، ولا أخرج الباري (٥) لخلقه جميع ما علمه من حقائق الأمور. قال: ولقد بالغتُ في الأصول عمري، ثم رجعت القهقرى إلى مذهب المكتب إلى آخر كلام ابن الجوزي في ذلك. وكان ابن عقيل من أذكياء العالم، وكبار علماء المعقول والمنقول، جمع بين الإمامة في مذهب الحنابلة والمعتزلة (٦)، وله كتاب " الفنون " (٧) ثلاث مئة مجلد (٨) وغير ذلك.

стр. 1391

وأشار إلى ذلك الغزالي حيث قال في " التهافت " (١) أو في " المنقذ مِن الضلال " ما معناه: إنَّ مَنْ وقف على كلام الفلاسفة في علم المنطق، وشرائط إنتاج المقدِّمات، والانتهاء إلى الضرورة فيها، اغترَّ بهم، وظنَّ أن أدلتهم في الإلهيات ونحوها مبنيةٌ على مثل ذلك التحقيق، وليس كذلك. وهذا (٢) عندي من أنفس الكلام لمن كان من العارفين قد غلط في ظن تحقيقهم، فتأمله. وبالغ الغزالي في كتبه في أن الطريق إلى اليقين من كتب الكلام مُسدَّد (٣)، وأشار إلى أنه حصل له اليقين بعد طلبه من الله تعالى بطريق الموهبة بعد الخلوة والتخلي من الدنيا وشواغلها، والإقبال بالكلية على الله تعالى (٤) وإنما قل (٥) ذكر مثل ذلك في كلام المعتزلة لقنوعهم بالاستدلال الذي يصحبه تجويز ورود الشكِّ والشبهة، واعتقادهم أنه

стр. 1392

علم، وذلك مردودٌ عليهم كما مرَّ تقريره، فكأنهم في الحقيقة قَنِعُوا بالظن، وحسبوه علماً، وقطعُوا باستحالة حصول أكثر منه بخلاف من طلب العلم المستند إلى المقدمات الضرورية، فإنه يحسنُ تفقدُ مطلوبه عند الوسوسة. وقد تقدَّم قول شيخ الاعتزال أبي القاسم البلخي في العامة: هنيئاً لهم السلامة، وهو من هذا القبيل، بل فيه إشارة إلى وصف أهل النظر بالخطر، وهو كقولهم: إن طريقة (١) السلف أسلم وطريقة (٢) الخلف أعلم، ولا يعدِلُ السلامة شيء، نسأل الله السلامة. وقال إمام المعقول والمنقول عز الدين عبد العزيز (٣) بن (٤) عبد السلام في أوائل " قواعده " (٥) ما لفظُهُ: وما أشدَّ طمع الناس في معرفة ما لم يضع الله على معرفته سبيلاً كلما (٦) نظروا فيه، وحرصوا عليه، ازدادوا حيرةً وغفلةً، فالحزم (٧) الإضراب عنه، كما فعل السلف الصالح، والبصائر كالأبصار، فمن حرصَ أن يرى ببصره ما وارته (٨) الجبال، لم ينفعه إطالة تحديقه إلى ذلك مع قيام الساتر (٩)، فكذلك تحديق البصائر إلى ما غيَّبه الله تعالى عنها، وستره بالأوهام، والظنون، والاعتقادات

стр. 1393

الفاسدة، وكم من (١) اعتقادٍ جزم المرء به، بالغ في الإنكار على مُخالفه، ثم تبين له خطؤه وقبحه بعد الجزم بصوابه وحسنه. انتهى بحروفه. وفيه بيانُ العلة في ترك السلف، ومن اقتدى بهم من الخلف لعلم الكلام، وأنها قلة جدواه، لا قصور أفهامهم عن أفهام أهل البدع والغُلاة. وقد أشار علي ﵇ في وصيته لولده الحسن ﵇ إلى طلب ذلك من الله تعالى بالدعاء والخضوع، وقد مرَّ طرفٌ منها. ومنها (٢) قوله: واعلم يا بني أن أحبَّ ما أنت آخذ به (٣) من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك (٤) والصَّالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدَّعوا أنهم نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكَّروا كما أنت مفكِّر، ثم ردَّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمَّا لم يكلَّفُوا، وإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبُك ذلك بتفهُّم وتعلُّم، لا بتوسُّط الشبهات وعُلوِّ الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبةٍ أولجتك في شبهة أو (٥) أسلمتك إلى ضلالةٍ (٦). فإذا كان هذا المنقول عن أمير المؤمنين الذي أسند (٧) إليه جماعة

стр. 1394

المتكلمين، ثم عن شيخ الاعتزال أبي القاسم الكعبي (١)، ثم عن أذكى الخائضين في هذا العلم باتفاق العارفين، فما سبب تخصيص المعترض (٢) للمحدثين إلاَّ شدة جهله، وقلَّة تمييزه (٣). الوجه الرابع: من الجواب وهو التحقيق ، وقد مرَّ في الوجه الأول طرفٌ منه، وهو أن نقول: قد أكمل الله الحجة على المكلفين بخلق العقول، وبعث (٤) الرُّسل مبشرين ومنذرين، فتمَّت حُجَّته سبحانه عقلاً وسمعاً، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ﴾ [الأنعام: ١٠٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [محمد: ٣٢]. فأخبر عن الكافرين بأنه قد تبين لهم الهدى، وما كفرُوا إلاَّ بعد ذلك.

стр. 1395

وفي آية أخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. فمن قال لنا: إنَّه ما عَرَفَ الدليل .. قلنا له: انظُر بعقلك في معجزات المرسلين، أو (١) في السماوات والأرضين، وعجائب مخلوقات ربِّ العالمين تعلم صحة ما جاؤوا به من الهُدى والدِّين. فإن قال: إنِّي قد نظرتُ، فلم أعرف قطعنا على كذبه كما يقطع المتكلمون على ذلك بعد مناظرتهم له وكفره (٢)، وإنما قطعنا بذلك لخبر الله تعالى حيث يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّة﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، أو (٣) قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وغير ذلك. فإن قلت: قد يكون في الناس من هو بليد، لا يستطيع النظر إلاَّ

стр. 1396

بتعليمٍ، قيجب تعليمه، ف الجواب من وجوه . الأول: لا سبيل إلى العلم القاطع بذلك، فإن أنواع الأدلة كثيرة، وبعضها أجلى من بعض، والذي لا يفهم الدليل الدقيق لا يفهم الشبهة الدقيقة، فتلك بتلك، ومن فهم الجميع (١)، وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أنه يُرِي عباده من آياته ما يقع معه لهم البيان، ولا أصدق وعداً من الرحمن سبحانه (٢) في مُحكم القرآن ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [فصلت: ٥٣]. وما أعظم هذا الوعيد الذي ختمت به هذه الآية على من عاند، وادعى أنه لم يتبين له ما أخبر الله أنه بيَّنه، فنعوذ بالله من الخذلان ومصادمة نصوص القرآن. سلَّمنا، فإنه يجب على الله تعالى عندكم تمكينه وإلهامُه. سلمنا أن ذلك لا يجب، فيجب خلق (٣) العلم الضروري له عند علم الله بعجزه، وبذله جُهده. سلمنا فمن أين أن الظن الراجح لا يكفيه، وقد تقدم ما فيه من الأدلة. الوجه الثاني: أن تقول قد يكون في الناس أيضاً من لا يفهم بالتفهم لشدَّة غباوته، فجوابُنا هنالك مثل جوابكم هنا. فإن قلتم: الأدلة تمنع وجود هذا (٤)، فإن وُجِدَ، فغيرُ مكلَّفٍ.

стр. 1397

فلنا أن نُجيب بمثل ذلك، وقد قال الشيخ مختار في الفصل الثامن من مقدمات (١) كتابه " المجتبى " ما لفظه: وقال شيخنا خاتمة أهل الأصول رُكنُ الدين الخوارزمي ﵀ في " الفائق " في الجواب عن شُبهة العجز (٢): إنهم كُلِّفُوا أن يسمعوا أوائل الدلائل التي يتسارع إلى فهمها كلُّ عاقل، فإن فهموا ذلك، كفاهم علماً (٣)، ولسنا نُكلِّفُهُمْ تلخيص العبارة (٤)، وذلك مُمكن لكل عاقل، فإن لم يُمكنهم الوقوفُ عليها، فإنهم غير مكلفين بها أصلاً ونصره مختار، وقد أوضحت الحق في ذلك في كتاب " ترجيح أساليب القرآن " (٥) ولله الحمد والمنة. الوجه الثالث: إنا نعلمه ما نعرِفُه بِفِطَرِ العقول ، وما أمر الله تعالى ورسولُه بالنظر فيه، وإن لم يُمارِس علم الكلام، فإن نفعه ذلك، وإلاَّ لم يجب علينا أكثر منه، كما أنَّ المتكلم يعرِضُ على الفلسفي ما حصَّله من النظر والجدل، فمتى سخر منه، واستحقر ما معه أعرض عنه. وقد حكى الله تعالى عن الهُدهد، وهو من العالم البهيمي أنه وحَّد الله، واحتج بأن (٦) الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض فاحتج بحدوث المطر والنبات، فكيف يقطعُ بعجز عاقلٍ ناطقٍ مكلفٍ عن مثل ذلك؟! وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع الحُجَّة على بُطلان تأويل ذلك،

стр. 1398

وهذا الوجه يصلُحُ أن يكون جواباً مستقلاً لكني (١) تركتُ إفراده، إذ كان المعلوم أن من لم يمخض (٢) في علوم الجدل والمنطق من المسلمين لا يكادُ يوثِّر في كلامهم مع الفلاسفة، وأهل الشُّبَهِ الدقيقة، وإن كان صحيحاً في نفسه نافعاً لمن نظر في معناه دون تراكيبه، فإنه لا يليق بذله إلا حيث يظن نفعه، ومن كان لا ينتفع به، فالصيانة له بالإعراض عن المعجبين بالخذلان والإصرار أولى ولا سيما إذا كان من كتاب الله، ومن سنة رسول الله ﷺ ، ولذلك " نهى رسول الله ﷺ عن السفر بكتاب الله إلى أرض العدُوِّ (٣)، وشرط السلف في عهود أهل الذمة أن لا يتعلَّموا القرآن. وفي " البخاري " (٤) عن علي ﵇: " لا تُحدثوا الناس بما لا تحتمِلُهُ عقولُهم، أتُحبون أن يُكذبَ الله ورسوله؟ فكَرِهَ ﵇ من العلم ما يعرف أنه يكون سبباً في التكذيب، وإن كان حقاً في نفسه (٥)، وقد قال الله (٦) تعالى في هذا المعنى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾ [الأنعام: ١٠٨].

стр. 1399

وقد روي: لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، فينبغي من صاحب القرآن والسنة صيانتهما عن ذكر أدلتهما لمن لا يُنصِفُ من كافرٍ ومبتاع ولا يعرضهما لمن هو أحذقْ منه بالجدل، وأبرعُ في المراء، فقد روى النواس بن سمعان عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تُجادلوا بالقرآن، ولا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فوالله إن المؤمن ليُجادل بالقرآن فَيُغْلَبُ، وإنَّ المنافق ليُجادلُ بالقرآن فَيَغْلِب " ذكره الذهبي في " تذكرته " (١) في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي (٢) أحد رجال الجماعة الستة، ثم قال: هذا أورده الحافظ أبو موسى المديني في ترجمة

стр. 1400

ابن أبي عاصم. وقال أبو نُعيم: حدثنا به أبو الشيخ، حدثنا ابن أبي عاصم، حدثنا محمد بن خلف، ثم قال: هذا غريب جداً مع قوة إسناده. قلت: وروى أحمد بن حنبل معناه عن ابن عباس موقوفاً، وعن ابن عمرو بن العاص مرفوعاً، وروى حديث (مِراءٌ في القرآن كفرٌ) عن أبي هُريرة، وعن أبي الجهيم يرفعانه، وعن ابن عباس، عن عُمر بن الخطاب بمعنى الحديث الأول موقوفاً، ذكرها الذهبي في ترجمة أحمد من " النبلاء " (١) وما أحسن كلام العلامة القرطبي في شرح " مسلم " في هذا المعنى، وسيأتي طرف منه في المقام الثاني إن (٢) شاء الله تعالى. الجواب الرابع: أن نقول: النظر في ذلك واجبٌ كالصلاة ، وقضاء الدين، والقدرة، والتمكين (٣) شرطٌ في الوجوب (٤). وإن لم يُمَكِّن (٥) الله المكلف، سقط الوجوب، وتبين أنه تعالى غير مؤاخذٍ للعبد بتركه، ولم يرد في (٦) الأدلة العقلية والسمعية دليل على وجوب السعي في تحصيل المكلف لشرط الواجب كالعادم للماء، فإنَّه إذا وجب عليه طلبه للوضوء، لم يجب على المتوضىء أن يُعينه بطلب الماء معه، ليؤدي فرضه. فكذلك من عرف الله، واطمأنَّ قلبه لا يجب عليه أن يطلب ما يرفع

стр. 1401

الوسواس عن (١) من ابتُلي به إمَّا عقوبة له على التعنُّت، وتركِ الإيمان بما يوجب الإيمان (٢) أوَّل مرة أو غير ذلك. فإن قيل: قد وَرَدَ في السمع وجوبُ البيان على العلماء ، ف الجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك محمولٌ على بيان ما لم يُبينه تعالى من السمعيات. ألا ترى أنَّ ما بيَّنه بعض العلماء لم يجب على الباقين القيام ببيانه؟ فكذلك (٣) ما بينه الله تعالى أولى وأحرى؛ ولأنه تحصيلُ الحاصل، فلا يجِبُ، وغايةُ ما في هذا أنه تخصيصٌ بدليل العقل، فهو جائزٌ، بل التخصيص بالقياس الظني جائز عند كثيرٍ من أهل العلم، منهم أئمَّة الإسلام الأربعة ﵃. الوجه الثاني: أنا نخصُّ هذا العام بفعل رسول الله ﷺ -، فإنه لم يشتغل ببيان كيفية النظر في الأدلة، وترتيب المقدمات وتحرير العبارات، بل دعا الناس إلى الإسلام، وقاتلهم عليه، وبلَّغ ما أوحى الله إليه، والعلماءُ ليس هُم بأبلغ من الأنبياء، وقد قال تعالى (٤) في حق الأنبياء: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧]. فكذلك العلماء، وإنما العلماء ورثة الأنبياء، وأهل الكتاب والسنة قد قاموا بالوراثة النبوية على التمام والكمال، ورأوا أن الزيادة عليها من قبيل (٥) البدَع، بل من قبيل المنافاة لها، ونسبة التقصير إلى الموروث، عليه أفضل الصلاة والسلام،

стр. 1402

وقد أجمع النَّقَلَة، وأجمع أهل الملة على أن النبي ﷺ لم يطلُب من المؤمنين إظهار الأدلَّة بعد الإقرار، وكذلك المَلَكان في فتنة القبر لم يطلُبَا ذلك؛ رواه البخاريُّ، ومسلمٌ وأبو داود، والنسائيُّ عن أنس (١)، والترمذي (٢) عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي (٣) عن البراء (٤)، وأبو داود وحدَهُ عن البراء (٥) وفيه: " فيقُولان: وما يُدرِيك؟ فيقُولُ: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدَّقتُ " (٦). وهذه مُعلَّةٌ، لأنها زيادةٌ في حديث البراء، وقد خرَّجه الحفاظ (٧) بغيرها، وخرَّج مسلم (٨) في حديث أنس أنه إذا قال: " كنت أعبُدُ الله وقال: محمد عبدُ الله ورسوله، لم يُسأل عن شيء بعدها ". وهذا يُعارِضُ هذه الزيادة، وعلى تقدير ثبوتها، فليست ممَّا يقول به أهل الكلام، بل هي عليهم، لا لهم، وكُلُّ المؤمنين يستنِدُون في إيمانهم إلى كتاب الله، ومعجزات أنبياء الله جُملة. وإنما قبلت لتمييز (٩) المنافق من

стр. 1403

المؤمن، بل حكى الله عن الرسل أنهم قالوا لمن قال: إنه شاكٌّ: أفي الله شكٌّ (١)، كما سيأتي. والمتكلم الجاهل يطلب أن يكون فوق الأنبياء والملائكة، فكذلك فليكن العلوُّ، أجمعوا (٢) على أنَّه ﷺ لم يُوجب مناظرة الكفار قبل قتالهم، وإنَّما أمَرَ بدعائهم قبل قتالهم، هذا في أول الإسلام حتى اشتهرت الدعوةُ النبوية، واستفاضت، وقاتل ﵊ قبل الدعاء. ومِنَ المعلوم أن النبي ﷺ لا يعذر الكفار، ولو اعتذروا بعد الدعوة النبوية بعدم وضوح الأدلة العقلية، وجاؤوا بفيلسوفٍ، فناظر عنهم، وطلبوا من النبي ﷺ ترك قتالهم حتى يتعلموا (٣) أدلَّة الكلام، ويفهموا الجواب، ولن يفهموا الجواب على ما ينبغي حتى يتعلموا (٤) السؤال، ولو جاز أن يُمهلهم ساعة أو (٥) يوماً جاز شهراً وعاماً والعمر كله لاختلاف أفهام الناس، ولعذر (٦) المرتد متى توقَّف، وادَّعى شُبهاً عويصة (٧) أوجبت عليه النظر، وأزال التهمة ببيان تلك الشبهة، وعجز الأكثرين عنها، وتعب أفراد (٨) الخواص في معرفة دقيق جوابها. الجواب الخامس: أنها وردت نصوصٌ تقتضي العلم أو الظن أن

стр. 1404

الخوض في الكلام على وجه التحكيم (١) في الشُّبَهِ (٢)، والإصغاء إليها، والبحث عمَّا لم يعلم (٣) منها، والتقصِّي عن مذاهب (٤) الفلاسفة، وأهل البدَع مضرةٌ عظيمة في الدنيا بما يُوقِعُ فيه من الكُفر أو (٥) الحيرة والبدعة (٦)، ولو في حقِّ الأكثرين، وعضدها ما تواتر من عمل (٧) السلف بمقتضاها، وفي الآخرة بما يقع على ذلك من العقوبة، ودفع المضرة ولو مظنونة واجبٌ عقلاً بإجماع الخصوم. ويعضد ذلك من النظر الصحيح (٨)، والتجربة أن أوائل الأدلة أقوى من المباحث الغامضة التي زَعَمَ أهلُ الكلام أنها متوقِّفة عليها، ولذلك صحَّح الشيخ محمود، والشيخ مختار وغيرهما من محققي المعتزلة أنه يتسارع إلى فهمها كُلُّ عاقل، ومن لم يفهمها، فليس بمكلفٍ البتة، كما تقدَّم قريباً في الوجه الثالث، فقد أجمع (٩) الفريقان على أنها قوية صحيحة ممكنة (١٠) في فِطَرِ العقول، فكيف ينبني على وجوب النظر في مداحض الأذكياء وخفيَّات المدارك العميقة التي ضلَّ الأكثرون بسبب البحث عنها.

стр. 1405

ألا ترى أن تعلُّقَّ أفعالنا بنا بديهي؟ ومتى استدللنا بتوقفها على دواعيها أدَّى إلى البحث عن الدواعي، وإنَّها إن كانت فعلاً لنا، احتاجت إلى دواعٍ (١) أُخر، وأدَّى إلى التسلسل، وإن كانت من فعل الله، خرجنا إلى أنَّ الداعي موجب (٢) و (٣) إلى تفسير الموجب، وتعارض الدواعي حتى نشك في الجليِّ. وأيضاً فقد انتهى الأذكياء إلى المحارات الغامضة، وقالوا في ذلك الأشعار السائرة كما ذكرته في هذا الكتاب حتى ضل ابن عربي بسبب ذلك، وقال فيه: صورة (٤) الكون محال، وهو حق في الحقيقة وذهب إلى تجويز المحال، وخالفت طوائف في العلوم الضرورية، وأوردوا في ذلك الشبه المعروفة، ولم يمكن الرد عليهم بالدليل، لاستحالة الاستدلال على الضروريات، لأنها قواعد النظر التي لا (٥) ينتهي إليها، فرجعوا إلى مثل ما رجع إليه أهل السنة، وورد به الحديث حيث (٦) قال ﷺ : " لا يزال (٧) الناس يتساءلون حتَّى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمنْ خَلَقَ الله " الحديث (٨).
следующие страницы →