← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الوسواس عن (١) من ابتُلي به إمَّا عقوبة له على التعنُّت، وتركِ الإيمان بما يوجب الإيمان (٢) أوَّل مرة أو غير ذلك. فإن قيل: قد وَرَدَ في السمع وجوبُ البيان على العلماء ، ف الجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك محمولٌ على بيان ما لم يُبينه تعالى من السمعيات. ألا ترى أنَّ ما بيَّنه بعض العلماء لم يجب على الباقين القيام ببيانه؟ فكذلك (٣) ما بينه الله تعالى أولى وأحرى؛ ولأنه تحصيلُ الحاصل، فلا يجِبُ، وغايةُ ما في هذا أنه تخصيصٌ بدليل العقل، فهو جائزٌ، بل التخصيص بالقياس الظني جائز عند كثيرٍ من أهل العلم، منهم أئمَّة الإسلام الأربعة ﵃. الوجه الثاني: أنا نخصُّ هذا العام بفعل رسول الله ﷺ -، فإنه لم يشتغل ببيان كيفية النظر في الأدلة، وترتيب المقدمات وتحرير العبارات، بل دعا الناس إلى الإسلام، وقاتلهم عليه، وبلَّغ ما أوحى الله إليه، والعلماءُ ليس هُم بأبلغ من الأنبياء، وقد قال تعالى (٤) في حق الأنبياء: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧]. فكذلك العلماء، وإنما العلماء ورثة الأنبياء، وأهل الكتاب والسنة قد قاموا بالوراثة النبوية على التمام والكمال، ورأوا أن الزيادة عليها من قبيل (٥) البدَع، بل من قبيل المنافاة لها، ونسبة التقصير إلى الموروث، عليه أفضل الصلاة والسلام،

стр. 1402

وقد أجمع النَّقَلَة، وأجمع أهل الملة على أن النبي ﷺ لم يطلُب من المؤمنين إظهار الأدلَّة بعد الإقرار، وكذلك المَلَكان في فتنة القبر لم يطلُبَا ذلك؛ رواه البخاريُّ، ومسلمٌ وأبو داود، والنسائيُّ عن أنس (١)، والترمذي (٢) عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي (٣) عن البراء (٤)، وأبو داود وحدَهُ عن البراء (٥) وفيه: " فيقُولان: وما يُدرِيك؟ فيقُولُ: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدَّقتُ " (٦). وهذه مُعلَّةٌ، لأنها زيادةٌ في حديث البراء، وقد خرَّجه الحفاظ (٧) بغيرها، وخرَّج مسلم (٨) في حديث أنس أنه إذا قال: " كنت أعبُدُ الله وقال: محمد عبدُ الله ورسوله، لم يُسأل عن شيء بعدها ". وهذا يُعارِضُ هذه الزيادة، وعلى تقدير ثبوتها، فليست ممَّا يقول به أهل الكلام، بل هي عليهم، لا لهم، وكُلُّ المؤمنين يستنِدُون في إيمانهم إلى كتاب الله، ومعجزات أنبياء الله جُملة. وإنما قبلت لتمييز (٩) المنافق من

стр. 1403

المؤمن، بل حكى الله عن الرسل أنهم قالوا لمن قال: إنه شاكٌّ: أفي الله شكٌّ (١)، كما سيأتي. والمتكلم الجاهل يطلب أن يكون فوق الأنبياء والملائكة، فكذلك فليكن العلوُّ، أجمعوا (٢) على أنَّه ﷺ لم يُوجب مناظرة الكفار قبل قتالهم، وإنَّما أمَرَ بدعائهم قبل قتالهم، هذا في أول الإسلام حتى اشتهرت الدعوةُ النبوية، واستفاضت، وقاتل ﵊ قبل الدعاء. ومِنَ المعلوم أن النبي ﷺ لا يعذر الكفار، ولو اعتذروا بعد الدعوة النبوية بعدم وضوح الأدلة العقلية، وجاؤوا بفيلسوفٍ، فناظر عنهم، وطلبوا من النبي ﷺ ترك قتالهم حتى يتعلموا (٣) أدلَّة الكلام، ويفهموا الجواب، ولن يفهموا الجواب على ما ينبغي حتى يتعلموا (٤) السؤال، ولو جاز أن يُمهلهم ساعة أو (٥) يوماً جاز شهراً وعاماً والعمر كله لاختلاف أفهام الناس، ولعذر (٦) المرتد متى توقَّف، وادَّعى شُبهاً عويصة (٧) أوجبت عليه النظر، وأزال التهمة ببيان تلك الشبهة، وعجز الأكثرين عنها، وتعب أفراد (٨) الخواص في معرفة دقيق جوابها. الجواب الخامس: أنها وردت نصوصٌ تقتضي العلم أو الظن أن

стр. 1404

الخوض في الكلام على وجه التحكيم (١) في الشُّبَهِ (٢)، والإصغاء إليها، والبحث عمَّا لم يعلم (٣) منها، والتقصِّي عن مذاهب (٤) الفلاسفة، وأهل البدَع مضرةٌ عظيمة في الدنيا بما يُوقِعُ فيه من الكُفر أو (٥) الحيرة والبدعة (٦)، ولو في حقِّ الأكثرين، وعضدها ما تواتر من عمل (٧) السلف بمقتضاها، وفي الآخرة بما يقع على ذلك من العقوبة، ودفع المضرة ولو مظنونة واجبٌ عقلاً بإجماع الخصوم. ويعضد ذلك من النظر الصحيح (٨)، والتجربة أن أوائل الأدلة أقوى من المباحث الغامضة التي زَعَمَ أهلُ الكلام أنها متوقِّفة عليها، ولذلك صحَّح الشيخ محمود، والشيخ مختار وغيرهما من محققي المعتزلة أنه يتسارع إلى فهمها كُلُّ عاقل، ومن لم يفهمها، فليس بمكلفٍ البتة، كما تقدَّم قريباً في الوجه الثالث، فقد أجمع (٩) الفريقان على أنها قوية صحيحة ممكنة (١٠) في فِطَرِ العقول، فكيف ينبني على وجوب النظر في مداحض الأذكياء وخفيَّات المدارك العميقة التي ضلَّ الأكثرون بسبب البحث عنها.

стр. 1405

ألا ترى أن تعلُّقَّ أفعالنا بنا بديهي؟ ومتى استدللنا بتوقفها على دواعيها أدَّى إلى البحث عن الدواعي، وإنَّها إن كانت فعلاً لنا، احتاجت إلى دواعٍ (١) أُخر، وأدَّى إلى التسلسل، وإن كانت من فعل الله، خرجنا إلى أنَّ الداعي موجب (٢) و (٣) إلى تفسير الموجب، وتعارض الدواعي حتى نشك في الجليِّ. وأيضاً فقد انتهى الأذكياء إلى المحارات الغامضة، وقالوا في ذلك الأشعار السائرة كما ذكرته في هذا الكتاب حتى ضل ابن عربي بسبب ذلك، وقال فيه: صورة (٤) الكون محال، وهو حق في الحقيقة وذهب إلى تجويز المحال، وخالفت طوائف في العلوم الضرورية، وأوردوا في ذلك الشبه المعروفة، ولم يمكن الرد عليهم بالدليل، لاستحالة الاستدلال على الضروريات، لأنها قواعد النظر التي لا (٥) ينتهي إليها، فرجعوا إلى مثل ما رجع إليه أهل السنة، وورد به الحديث حيث (٦) قال ﷺ : " لا يزال (٧) الناس يتساءلون حتَّى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمنْ خَلَقَ الله " الحديث (٨).

стр. 1406

وقد بدّله أهل الكلام بأنَّه واجبُ الوجودِ غيرُ معلل، والمعنى واحد فإنَّما كلامهم هذا جمودٌ محضٌ (١)، وهو الذي عابوا (٢). فإن قالوا: وفي ترك علم الكلام مضرة أيضاً . ف الجواب: أنَّ تسمية تجويز المضرة المرجوح خوفاً غيرُ مسلم ، وإلاَّ لسمينا خائفين لسقوط الأبنية القائمة القوية (٣). سلمنا تسميته خوفاً، لكن ليس الواجب دفع المضرة المخوفة، بل الواجب دفع المضرة المظنونة لا الموهومة المرجوحة، ولا المجاوزة المساوية. سلمنا أن دفع المضرة المخوفة واجبٌ، وإن لم تكن راجحة، لكن بشرط أن لا تُدفَعَ تلك المضرة المرجوحة بفعل ما يستلزِمُ مضرةً راجحة (٤) قوية مظنونة. فإن قُلتَ: وما هذه المضرة المظنونة في الخوض في علم الكلام؟ قلتُ: هي أمران: أحدُهُما: ما شهدت به التجارب مع النظر المقدَّم، وضلَّ بسببه اثنتان (٥) وسبعون فرقة من ثلاثٍ وسبعين. وثانيهما: ما أشار إليه يحيى بن منصور ﵀ في قوله (٦) في

стр. 1407

قصيدته المتقدمة: بل جاء عنه وعنهُمُ مُتواتراً ... حظْرُ التَّعمُّقِ والغُلُو لِمُبْصِرِ وهذه الإشارة إلى مجموع أشياء كثيرة: منها: النَّواهي عن المراء مطلقاً (١). ومنها: النواهي عن المراء في القرآن خاصة (٢). ومنها: النواهي عن المراء في القدر خاصة. ومنها: النواهي عن البدع (٣). ومنها: النهي عن التفكر في الله. ومنها: الأوامر عند الوسوسة بما يُنافي الكلام، وطرائق أهله، وفي ذلك خمسةَ عشر حديثاً في " الصحيحين "، و" السنن الأربع "، و" مجمع الزوائد " (٤). منها (٥): حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خَلَقَ كذا؟ من خَلَقَ كذا (٦)؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟، فإذا بلغه: فليستعذ بالله وليَنْتَهِ " (٧) رواه البخاري

стр. 1408

ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وألفاظهم مختلفة، والمعنى متقارب. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعاً رواه الطبراني في " الصغير " (١)

стр. 1409

برجال الصحيح، خلا شيخ الطبراني منتصر. وموقوفاً رواه أبو داود (١) من طريق أبي زميل سماك بن الوليد الحنفي. ومرفوعاً من طريق أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية (٢). وعن خُزيمة بن ثابت مرفوعاً من طريق ابن لهيعة (٣).

стр. 1410

وعن عائشة مرفوعاً بثقات (١). وعنها مرفوعاً من طريق شهر بن حوشب (٢). وعن أبي بكر مرفوعاً، وفيه أبو الحويرث أيضاً. وعن أنس مرفوعاً برجال الصحيح (٣). وعن ابن عمرو (٤) مرفوعاً برجاله خلا شيخ الطبراني أحمد بن محمد بن نافع الطحان (٥). وعن أُمِّ سلمة مرفوعاً، وفيه سيفُ بن عميرة (٦).

стр. 1411

وعن ابن مسعود مرفوعاً بثقات (١). وعن معاذ مرفوعاً، وفيه انقطاع (٢). وعن عمارة بن أبي الحسن عن عمه مرفوعاً (٣) بثقات أئمة (٤). وعن أبي هريرة أيضاً بثقات (٥).

стр. 1412

ومنها: أحاديث الإيمان والإسلام المتواترة التي تقتضي قواعدُ الكلام منافاتِهما إلاَّ مَعَ التأويلات المتعسِّفة المستكرهة، وأمثال ذلك. وعن جُنْدُبٍ أن رسول الله ﷺ قال: " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه، فقوموا عنه " (١) رواه البخاري ومسلم، والنسائي. ومن ذلك قصَّة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم في اختلافهما في القراءة، ورفعها (٢) إلى النبي ﷺ ، وأمره كل واحدٍ منهما أن يقرأ كما سمع منه ﷺ ، ونهيه لهما عن الاختلاف الذي هو المناكرة، والمعاداة، رواه الجماعة (٣)، وله طرق جمة عرفت (٤) منها ثماني عشرة (٥) طريقاً عن ثمانية عشر صحابياً (٦). وهذه الأحاديث كالشرح، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ وأمثالها ممَّا قدمته في ديباجة هذا (٧) الكتاب، فإن النهي عن التفرُّق نهي عن أسبابه

стр. 1413

المجربة، ويشهد لأحاديث الاستعاذة المتقدمة من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [غافر: ٥٦]. فإذا أمر بالاستعاذة بالله في حقِّ المجادلين، فأولى في وسواس (١) الشياطين، ومن أحب معرفة ذلك، طَالَعَ (٢) كُتُب الحديث الحافلة، مثل " جامع الأصول " لابن الأثير، و" مجمع الزوائد " للهيثمي، فإن أحبَّ التضلُّع (٣) من العلم، نظر الأسانيد، والطرق، والكلام في الرجال، فإنه (٤) يعلم بالضرورة من الدين أشياء كثيرة ليس مع كثير من المتكلمين منها خبر، وهذا مما يحتملُ تأليفاً مستقلاً، وليس القصد (٥) الاستيفاء، وإنما (٦) القصد الإشارة الواقعة من قلب المنفي (٧) موقع الخاطر الذي يُوجبه المعتزلة، والله الهادي. وأمَّا المقامُ الثاني: هو ورودُ الشُّبَهِ الدقيقة من الفلاسفة وغيرهم على علماء القرآن والحديث، وقولُ السائل: ما تصنعون عند ذلك. ف الجواب من وجهين . الوجه الأول: معارضة ، وهو (٨) أن نقول: ما يصنع الصحابة،

стр. 1414

والتابعون وأهل المعارف الضرورية، وأول من ابتكر (١) علم الكلام، فإنه يمكن المحدثين (٢) أن يصنعوا مثلهم، فإن قالوا: إنه كان في الصحابة، وفي كل من ذكرتم من يتمكن من ذلك من غير تعليمٍ ورياضةٍ في النظر والجدل، وذلك لفرط ذكائهم، وكمال عقولهم. قلنا: وما المانع أن يكون (٣) في كل عصر من هو كذلك، مثل أوائل مشايخ الكلام، بل أوائل الفلاسفة، والبراهمة (٤)، بل المعروف أنه لا يزال في (٥) الناس كذلك، بل من (٦) لم يكن منطقي الذهن، لم يكن منطقي الفنِّ، والذي يدلُّ على ذلك أن الجمَّ الغفير يشتركون في طلب العلم، وبذل الجهد، فلا ينتفعُ إلاَّ بالقليل، ولا يتميزُ عن الأقرانِ إلا الأفراد. وبالجملة فليس يفهم مقاصد أهل الكلام على الوجه المرضي بحيث يفهم ما بينها من التفاوت في القوة، والضعف، وعلى ما أثبتت عليه من القواعد، وما يَرِدُ عليها من المعارضات، والمناقضات إلاَّ من هو كذلك، وهذا هو الذي يصلح للرد على الفلاسفة والمبتدعة وغيره، وإن قرأ فما درى، وإن ناظر عن الإسلام، كان أعظم خاذلٍ له، وأكبر ناصرٍ

стр. 1415

لعدوِّه، وإن أُثيِبَ على نيته. وما مثل العلماء في علمهم، إلاَّ مثل المجاهدين في جهادهم، فمنهم القوي القلب والبدن، النافع للإسلام، الضارُّ لأعدائه بمجرد ما أعطاه الله تعالى، فإذا انضمَّ إلى ذلك كثرةُ خِبَرةٍ، وطُولُ ممارسةٍ، وتجويد للرياضة في صناعات الرمي، والفراسة، والبَصَر بكيفية الحروب، وما اشتمل عليه علمُ الشطرنج (١)، وإن لم يكن من أهله، وكذلك البصر بأخبار الشجعان ووقعاتهم (٢) وكمال ذلك أن يتمكن من الآلات العظيمة من الخيل الجياد، والسلاح الشاكي، والأتباع، عظمت مضرَّتُهُ للعدو، وذلك بنصر الله وتوفيقه، ومن كان على عكس هذه الصفات، فإنه متى بَرَزَ بين شُجعان الأعادي، لم يزد على أن يكون عاراً على أصحابه، وسبباً لقوة أعدائه، وكان كالباحث عن حتفه بِظِلْفِهِ، والجادع مَارِنَ (٣) أنفه بكفِّه، وكذلك العلماء فتأمَّل ذلك. واعلم أنَّ أصل الأمور راجعةٌ إلى العطايا الربانية، وأن الله تعالى لا يُخلي عباده وبلاده من قائمٍ لله بحجةٍ على ما أشارت إليه الأخبار (٤)،

стр. 1416

وذهب إليه العلماء الأحبار (١)، ولا شك في اختلاف الناس، وتباعد مراتبهم في أمرين: أحدهما: الفهم. ثانيهما: حسن التعبير عن المفهوم، ألا ترى ما أحسن فهم زيد بن عمرو بن نُفيل (٢)، وما أحسن تعبيره عما فهم حيث قال في قصيدته التي أوردها ابن إسحاق أول السيرة، وقال ابن هشام (٣): هي لأمية بن أبي الصلت (٤)، والمقصود منها قوله:

стр. 1417

وأنت الذي من فَضْلِ مَنٍّ ورحمةٍ (١) ... بعثت إلى مُوسى رسُولاً مُناديا فقلتَ لموسى اذهب وهارون فادعوا (٢) ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا وقُولا له آأنت سوَّيت هذه ... بلا وتدٍ حتى اطمأنَّت كما هيا وقولا له آأنت رفَّعت هذه ... بلا عَمَدٍ أرفق إذاً بك بانيا (٣) وقولا له آأنت سوَّيت وسطها ... مُنيراً إذا ما جنَّهُ اللَّيلُ هاديا وقولا له من يُرسِلُ الشمس غُدوةً ... فيُصبِحَ ما مسَّت من الأرض ضاحيا وقولا له من يُنبتُ الحبَّ في الثَّرَى ... فيُصبحَ منه البَقْلُ يهتزُّ رابيا ويخرُجَ منه حبُّهُ في رُؤُوسه ... وفي ذاك آياتٌ لمن كان واعيا وروى الذهبي لزيد ﵀ في ترجمة ولده سعيد (٤) قوله أيضاً: [و] أسلمتُ نفسي لمن أسلمتْ ... له المُزْنُ تحمل عذباً زُلالا

стр. 1418

إذ سُقِيَتْ بلدةٌ من بلا ... د سيقتْ (١) إليها فسَحَّتْ سِجَالا وأسلمتُ نفسي لمن أسلمتْ ... له الأرضُ تحمِلُ صخراً ثقالا دحاها فلمَّا استوت شدَّها ... سواءً وأرسى عليها الجبالا (٢) على (٣) أن المتكلمين قد يضطرون إلى أشياء ركيكةٍ لا يعجز عن مثلها أهلُ الأثر والجمود، مثل (٤) قولهم: لا نُجيب بلا، ولا نعم، ولا نفي، ولا إثباتٍ في قول خصومهم: إنَّ تقدير ووقوع الأفعال على خلاف علم الله محالٌ، ونحو ذلك. وقد شنَّع الشيخ مختار في كتابه " المجتبى " عليهم في ذلك، وهو مشهورٌ في كتبهم، قال الشيخُ مختار: ولولا وجوده في كتبهم، ما صُدِّقَ مثل ذلك عليهم (٥)، وأحسن الجواب عن ذلك، والمعارضة بأفعال الله تعالى، فإنها معلومةٌ، ومع كونِها معلومةً لم تخرُج عن كونها مقدورةً ممكنة (٦)، وجوَّد القول في ذلك، وكم لهم أمثال ذلك (٧) من المحارات، ومواقف العقول، وإنَّما بدأ أهل الأثر بما رجع إليه أهل الكلام.

стр. 1419

الوجه الثاني (١): إنَّ أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك، إذ كان عندكم أن النظر واجبٌ على العبد، والبيان واللطف واجبان على الله تعالى. فنقول: لا حاجة على هذا إلى تعلم الكلام، بل يترك الخوضُ فيه حتى ترد الشبهة القادحة، ثم نفعل ما يجب علينا، وهو النظر، والله سبحانه يفعل ما يجب عليه عندكم، وهو البيان لنا، واللطف بنا، ومع ذلك تجلى المشكلات، ونَسْلَمُ من مداحض الشبهات. فإن قيل: فهل تقولون بقُبح النظر فقد أبطلتم كل النظر ببعضِ النظر، لأن أدلتكم هذه نظرية، وهذا متناقض. فالجواب: أنه لا سبيل إلى إنكار النظر جميعه، ومعرفة وجوبه عند رجحان الخوف مطلقاً عقليةٌ جلية، وفي (٢) الإسلام، وصدق الأنبياء ﵈ خصوصاً سمعيةٌ ضروريةٌ. وقول الرازي في " المحصول ": " إن وجوب النظر مبنيٌّ على أنه يفيد العلم في الإلهيات " -وذلك في غاية الدقة- مردودٌ عليه بأن النظر يجب، وإن لم يحصل منه سوى الظن، بل العاقل ينظر مع تجويز أن لا (٣) يحصل له ظن ولا علم، ولكن ليبلغ طاقته في دفع الضرر عن نفسه، وأهل السنة لا ينكرون النظر، بل أهل المعارف الضرورية، وإنما يختلف الناس في النظر النافع دون الضار، فعند أهل السنة أن النظر النافع: هو

стр. 1420

فيما (١) أرشد الله تعالى إلى النظر فيه من معجزات الأنبياء وبدائع المصنوعات على منهاج الأنبياء وأصحابهم، وهذا القدرُ من النظر نافع بإجماع الأمة من المحدثين والمتكلمين، والذي يختص به أهل الكلام مختلف فيه، والمجمع عليه أولى من المختلف فيه. وقد تقدم الكلام في فائدة النظر عند أهل المعارف، ومن يكتفي بالظن، فخذه من موضعه (٢). فتلخيص الجواب أن هذا إبطالُ (٣) بعض النظر ببعضه في مواضع القطع ببطلان طرائق المتكلمين، واستغناءٌ (٤) ببعض النظر عن بعض في مواضع في (٥) الوقف في طرائقهم، واستغناءٌ بالوقف عن النظر في مواضع الوقف من محارات (٦) العقول، ومواقفها، وتعارض السمعيات من غير ظهور ترجيح، ولا بُدَّ من هذه الأشياء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأهل الكلام يبطلون بعض الأنظار ببعض، كالأنظار على الوجوه الفاسدة، فإنهم يبطلونها بالأنظار على الوجوه الصحيحة، والوقف في المحارات إجماعُ العُقلاء. وها هنا حكاية باردة (٧) يستروِحُ كثير من أهل الكلام إليها، ويعتمدون في احتقار علماء السمع عليها، وذلك أنه يروى أن الروم سألوا هارون الرشيد المناظرة، فأرسل إليهم بمُحدِّثٍ، فسألوه الدليل على الصانع،

стр. 1421

فروى لهم حديث رسول الله ﷺ في بناء الإسلام على الشهادتين (١) أو ما يشبهه، فكتبوا إلى هارون يذكرون ذلك، فأرسل إليهم بمتكلم فدسُّوا له من فهمه (٢) قبل وصوله إليهم، فوجدوه على ما يحذرون، فسمُّوه قبل وصوله إليهم، ولهم أمثال هذه الحكاية. والجواب: عليهم في مثل هذه الأشياء -وإن لم تصح- أن يقال لهم: ما أردتم بذلك؟ فإن أردتم الاستدلال على أنكم أجدل من المحدثين، وأحذق بصناعات الجدليين، فذلك مُسلَّمٌ لكم، بل مُسلَّمٌ لكم أنكم أجدل من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وإن أردتم أنكم أعلم بالله، وأفضل عند الله، فغيرُ مسلَّمٍ، فإنه لا ملازمة بين الحذق بالجدل، والعلم بالله ، فكم من فيلسوف (٣) كافرٍ قديرٍ في علم الجدل، وصار فيه إماماً للأذكياء، وكم من وليٍّ لله تعالى قد ارتوى قلبه من اليقين الصِّرف، وهو غير بصيرٍ بقوانين الجدليين، وذلك يظهر (٤) بوجهين. الوجه الأول: أن السائل جهل المقصود بالنبوة ، وظن أن الحكمة في بعثة الرسل هي بيان الأدلة على الله وأسمائه (٥)، وجدال المخالفين في ذلك، وإنما بعثوا مبشرين، ومنذرين، ومعلمين للشرائع، بل قد نصَّ

стр. 1422

القرآن على أن المراد بهم الإنذار، بل قد قَصَرَهُم على ذلك مبالغةً، والآيات في ذلك لا تحصى، منها قوله تعالى حاكياً عن محمدٍ ﷺ : ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، وقد أوضح الله الحجة بخلق العقول، ثم قطع الأعذار بالإنذار على ألسنة الرسل، والعلماء ورثة الأنبياء، وهذه نُكتة نفيسة فتأمَّلها. الوجه الثاني: أنا نعلمُ وكُلُّ مُنْصِفٍ (١)، أنه لو حضر النبي ﷺ وحضرت المَهَرَةُ من أئمَّة علوم الفلسفة، وأهل الدِّرية التامة بدقائق المنطق والكلام، وحضر أئمة علم الكلام من أهل الإسلام، وأرادوا المناظرة في الأدلة: أن أهل (٢) الكلام (٣) من المسلمين يكونون أحذق في المناظرة من رسول الله، وقد ذكر معنى هذا (٤) الإمام يحيى بن حمزة (٥) في بعض كتبه. فإن قيل: إنه (٦) يلزم من هذا أن يكونوا أعلم من رسول الله ﷺ ، ومن جميع الأنبياء، وهذا معلوم القُبح والبطلان. قلنا: معاذ الله أن يكون أحدٌ أعلم بالله، وبالأدلة عليه، وبالعلوم

стр. 1423

النافعة كلها من رسول الله ﷺ ، وإنما نقول: إنهم أعلم بالعلم المبتدَع الذي كَرِهَهُ السلف، ومنتهى حال العالم (١) به عند من يُوجبهُ أن يكون توسَّل به للضرورة إلى بعض معارف النبي ﷺ ، كما يتوسل طالب النحو والإعراب بقراءة كتب النحاة إلى معرفة بعض مقاصده ﷺ في كلامه البليغ، ومعلومٌ أن رسول الله وأصحابه لا يُوصفون بمعرفة ما ابتدع النحاةُ من الأسماء الاصطلاحية، ولكن السلف ردُّوا هذا بأنَّ اللغة تغيَّرت، وتحققت الضرورة إلى حفظ اللغة بابتداع عِلْمِ العربية مع ما رُوي (٢) في أصل وضعه عن علي ﵇ (٣) بخلاف علم الكلام، فإن العقول لم تختلَّ، ولو اختلَّت، بَطَلَ التكليف، ولم يمكن وضع قوانين الأدلة، ولا يُنكَرُ أن تكون المبتدعةُ أعرف بما لا فضيلة فيه من الأنبياء، كما أن أهل الصناعات أعرف (٤) بصناعاتهم، والنساء أعرف بما يخُصُّهنَّ من صنعةِ الطعام، وإنما ينكر أن يكونوا أعرفَ بالعلم النافع في تقرير الإسلام، والإيمانِ، والشرائع والأديان، وليس يجهلُ هذا الأمر إلاَّ من جهل أحوال الأنبياء ﵈، أو جهل علم الجدل. وقد تعرَّض ابن الزِّبَعْري لمناظرة رسول الله ﷺ ، فأعرض عنه حتى نزل الردُّ عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٥) [الأنبياء: ١٠١].

стр. 1424

وكذلك فعل مع أبي سفيان بن حرب يوم إسلامه، كما هو معروف (١). وكذلك فعل مع الوليد بن المغيرة حين أجاب عليه بتلاوة سورة السجدة (٢).

стр. 1425

وكذلك فعل مع نصارى نجران حين دعاهم إلى المباهلة (١). وكذلك فعل جعفر بن أبي طالب مع النجاشي وأصحابه (٢).

стр. 1426

وكذلك قد أرسل النبي ﷺ دِحيةَ بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم بكتاب ليس فيه براهين، ولا جدل، وإنما فيه: " أسلم تسلم، وإن لم تسلم، كان عليك إثمُ الأريسيّين "، وفيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية (١)، مع توجيه هذا الرسول بهذا الكتاب إلى أئمة المنطق والبرهان، ولم يُعَلِّم رسوله ما يُجادِلُهُمْ به، ولا لقَّنَهُ أي شيء يُجيبُ به عليهم، فهو مثل المحدث الذي زعموا أن هارون أرسله إن صح ذلك (٢). وكذلك سائر (٣) رسل النبي ﷺ ، فإنه بَعَثَ إلى النجاشيِّ (٤) وإلى

стр. 1427

المقوقِس صاحب الإسكندرية (١)، وبعث أبا عبيدة ﵁ إلى البحرين (٢)، ومعاذاً وأبا موسى إلى اليمن (٣)، وبعث إلى سائر الملوك. وكذلك كُتُبُه ﵇ التي نَفَّذَهَا إلى الآفاق لم يُضَمِّنْها أشياء (٤) من هذا القبيل الكلامي. فأهل الحديث أشبه المسلمين برسول الله ﷺ وبأصحابه. وقد قالَ القُرطبي في " شرح مسلم " (٥) في ذكر أكثرِ المتكلمين:

стр. 1428

إنَّهم أعرضوا عن الطرق التي أرشد الله تعالى إليها إلى طُرُقٍ مبتدعةٍ، ومناقشاتٍ لفظية (١) يرِدُ بسببها على الأخذ فيها شُبَهٌ يُعجَزُ عنها، وأحسنُهُم انفصالاً عنها أجدَلُهُم لا أعلمُهم، فكم من عالمٍ بفساد الشُّبهةِ لا يقوى على حَلِّها، وكم من منفصلٍ عنها لا يُدرِكُ حقيقةَ علمِها. وقد أنصف الحافظ (٢) المحدِّث ابن خزيمة حينَ ناظر جماعةً من المتكلمين، فقال لمنصور الصيدلاني: ما صنعتك؟ قال: عطَّارٌ، قال: تُحسِنُ صنعَةَ الأساكفة؟ قال: لا، قال: تُحْسِنُ صنعة النجارين؟، قال: لا، قال: فإذا كان العطار لا يُحسِنُ غير ما هو فيه، فما تُنكرونَ على فقيهٍ راوي حديثٍ أنه لا يُحسِنُ الكلام (٣). وكذا رُوِيَ عن الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه أُخبر بما جرى بنيسابور بين ابن خزيمة وأصحابه، فقال: ما له والكلام، إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلَّم فيما لم نتعلمه (٤)، رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " (٥). وذكر الذهبي: في تاريخ " النبلاء " (٦) في الكلام على المِحنَةِ من ترجمة أحمد بن حنبل أنه كان يناظرُ على الكتاب والسنة. قال صالحٌ عن أبيه: فإذا جاء شيءٌ من الكلام ممَّا ليس في الكتاب والسنة؟ قلتُ: ما أدري ما هذا، انتهى.

стр. 1429

وما أحسَنَ الاحتجاج على حُسنِ هذا الأدب بقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، فهذا أمر علماء الحديث غير مدعين له، ولا راغبين فيه (١)، والذي ذكره المحدث هو الذي ذكره رسول الله ﷺ في كتبه إلى الخصوم، ومحاوراته للكفار، أو قريبٌ منه، وإنما العلماء ورثة الأنبياء، وعلى الوارث أن يحفظ تراث الموروث، وأيُّ عار على قومٍ لو حضر رسول الله ﷺ لكانوا أشبه الخلق به وبأصحابه هدياً وعِلْماً، وفهماً وحُكماً. وكذلك هم أعلمُ الطوائف بأحواله ﷺ الضرورية، وأحوال أصحابه لشدة عنايتهم بمعرفة ذلك، وقطع أعمارهم فيه، وهذه (٢) النكتة النفيسة في التضلع من علم الآثار والإمامة فيه، وبها يسلَمُ المُحدِّثُ من أمرين خطيرين (٣) جليين. أحدهما: جحد المعلوم من الدين ضرورة، والشك فيه. وثانيهما: اعتقاد ما ليس بضروري من الدين ضرورياً، كما هو عادة كلِّ فرقةٍ من المبتدعة، فإن كل طائفة منهم قد تَلَقَّوا عن أشياخهم، وأهلِ بلدهم أموراً نسبها خلفُهم عن سلفهم إلى الدين، وهم عدد كثير، فاعتقدوا أنها ضرورية منه (٤)، ولو كان مثل هذا يوجب الضرورة، تعارضت الضرورات لثبوت مثله في كل بدعة، فتأمل ذلك، فإنه نفيسٌ جداً.

стр. 1430

وقد رأيتُ بعض الباطنية تمسك بهذا بعينه (١)، وهذا ما لا يعجز عنه أحد ولولا علوم الحديث، والسير، والتواريخ، لاختلط حقُّ ذلك بباطله. وليس يلزم أن لا يكون في المحدثين أذكى من هذا الذي كُذِبَتْ عليه هذه الحكاية، فالمحدثون يتفاضلون كما أن الصحابة يتفاضلون (٢)، بل قد فاضَلَ الله سبحانه بين الأنبياء ﵈ قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال (٣) موسى في أخيه ﵉: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وانظر إلى ما حَكَى الله سبحانه في سورة هود وغيرها من مجادلات الأنبياء للكفار ومراتبها في الوضوح، وانظر هل يَعْجِزُ محدثٌ عن مثلها، بل عن نقلها بلفظها، وهل يقنع الملحدون بذلك، هيهات إن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ أولئك هم الغافلون، بل لم ينفع فيهم (٤) مع ذلك علمُ الكلام، وتحريرُ البراهين. وما أحسن كلام الغزاليِّ حيثُ قال: إن الله لمَّا عَلِمَ أنَّ في الناسِ مَنْ لا ينفعُه الكتابُ الذي أنزله (٥) الله هُدى للناس، أنزلَ مَعَ الكتاب الحديد فيه بأسٌ شديد لعلمِه أنه لا يُخرِجُ المِراءَ (٦) من أدمغة أهل اللَّجاج إلاَّ الحديدُ، أو كما قال (٧).

стр. 1431

واعلم أن العلة (١) في إضراب الأنبياء ﵈ عن علم الجدل، وتعلُّم صناعات أهل النظر، ما هو إلاَّ قلة جدواه، بل قد وَرَدَ ما يدُلُّ على مَضَرَّتِه، فإنَّ النبي ﷺ ضَمِنَ لمن تَرَكَ المِرَاءَ -وهو محقٌّ- ببيتٍ في الجنة (٢)، وقد جربتُ مضرَّته وصرفَه عن الحقِّ، وقد قال الله سبحانه في كتابه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلنَا الآيَاتِ لِقَومٍ يَعلَمُوْنَ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٣) لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ - ٦٩] (٤)، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ (٥) اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِين

стр. 1432

يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٥ - ١٦]. وما أوضح قوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ في ذلك، فإن (١) كان المجادل معانداً ممارياً أعرض عنه، فقد مدح الله المعرضين عن الجاهلين، وأمر بذلك، وذكر في غير آية أعظم الزجر عن الطمع في هدايتهم. فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وأمثالها، وقال: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]. وقال تعالى في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (٢) وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقال: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ

стр. 1433

الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]. وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. وقال: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ - ٦٩]. وقال (١): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي

стр. 1434

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٨ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٥ - ١٤٦] وأمثالها. وإن كان ممن يظهر منه طلب (١) الهداية، خُوطِبَ بما ورد في كتاب الله تعالى عن الأنبياء، فإنهم ﵈ قد بلغوا الغاية في ذلك، ومن يُؤمِن بالله يهدِ قلبه، والله بكل شيء عليم، ومن عَلِمَ الله (٢) فيه خيراً أسمعه كما قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وقد بين الله تعالى الجدال الذي جادل به (٣) رسوله (٤) ﷺ خصومه، وكذلك سائر الأنبياء وهو تفسيرٌ للمجادلة بالتي هي أحسن، فإن الجدال قد ورد مطلقاً ومقيداً بالتي هي أحسن، والعمل بالمقيد في الأوامر (٥) واجب بالإجماع بخلاف النواهي، ففيه خلافٌ مبينٌ في أصول الفقه. فإذا أردنا أن نعرف الجدال بالتي هي أحسن (٦) باليقين تتبَّعنا كلامات (٧) الأنبياء صلوات الله عليهم، ولا أصح من كتاب الله تعالى،

стр. 1435

ولا أصدق من كلامه. وقد قال تعالى في بيان ذلك ومراده منه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٧ - ٦٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) [سبأ: ٤٦ - ٤٧]. وقال تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ (٢) تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤٨ - ٥٠].

стр. 1436

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] الآية (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]. وقال (٢) تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].

стр. 1437

وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. وقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣]. وسمى الله سبحانه ذلك حجة بالنسبة إلى كلامهم الذي هو جواب عليه، وذلك يقتضي أنهم خوَّفوه من أربابهم لأجل توحيده، فخوَّفهم من ربه الحق لأجل شركهم، ولذلك قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]. ونبه الله تعالى على الكثير الطيب من الأدلة العقلية بأوضح عبارة، وأفصح كلام، وأبلغ بيان. فمن ذلك قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]. إلى آخر الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ٩ - ١٠].

стр. 1438

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٧ - ١٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]. والقرآن العظيم مُفْتَنٌّ في أساليب الردِّ عليهم، وتعليم رسول الله ﷺ فتارةً يردُّ بالبراهين العقلية القطعية كقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ على ما مرَّ تقريره في اشتراط رُجحان الداعي في وقوع المقدورات، وتارةً يأتي بما يفحم الخصم، ويُلقِمُهُ الحَجَرَ، كقول إبراهيم ﵇ للقائل: أنا أُحيي وأُميت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا

стр. 1439

مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ إذ كان المتقرر عند الكافر والمسلم حينئذٍ (١) أن الربَّ هو القادر على التصرف في ذلك، فهذا بالنسبة إلى كلام هذا الكافر من أصحِّ الجدل وأجوده، وهو بالنسبة إلى المؤمن، والناظر لنفسه من أصحِّ البراهين على الله تعالى، لأن حال الكواكب يشهد لصانعها (٢)، وذلك أنها متحركة حركةً مستمرةً بالضرورة، فلو لم تكن مسخَّرةً مدبرة ما صحَّ ذلك أبداً، لأنها إما حيوانٌ أو لا، والحيوان المختار يحترك (٣) مرةً، ويسكن أخرى، ويحتركُ مرةً يميناً، ومرةً شمالاً، ومرةً حركةً (٤) سريعةً، ومرةً حركةً بطيئة، والجماد لا يحترك البتة إلاَّ بمحرِّكٍ، وقد تحيَّر الفلاسفة في هذا، وأنشد ابن أبي الحديد في كلامهم فيه أبياتاً في شرح (٥) " النهج " أولها: تحيَّر (٦) أربابُ النُّهي وتبلَّدُوا ... من الفَلَكِ الأقصى لِماذا تَحَرَّكا فسبحان من أودع كتابه الكريم أصحَّ البراهين، و (٧) أوضح الآيات. وتارة ورد بالوعيد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٩ - ٣٠]. وتارةً جاء بالمباهلة، وهي الملاعنة، ومنه مسألة المباهلة في

стр. 1440

الفرائض، وهي مسألة العول (١)، أراد ابن عباس أن يُباهل فيها من خالفه، وقد باهل غيرُ واحد، وطلب المباهلة غير واحد، قال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. وتارة أمره (٢) بمعارضة قولهم بمجرد النص على تكذيبه أو ما يقتضيه مع ما تقدم من حجة المعجزة من غير ذكرٍ للحجة، كقوله لما قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٨]. وتارةً أمره بالصبر من دون أمرٍ آخر، كقوله لما قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٦ - ١٧]. وتارةً أمره بالاستعاذة بالله كما ورد في الأحاديث المتقدمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] وأمثال ذلك. وتارةً وَرَدَ (٣) بالتسلية للنبي ﷺ ، والنهي له عن الاحتفال بهم،
следующие страницы →