← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] الآية (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]. وقال (٢) تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].

стр. 1437

وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. وقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣]. وسمى الله سبحانه ذلك حجة بالنسبة إلى كلامهم الذي هو جواب عليه، وذلك يقتضي أنهم خوَّفوه من أربابهم لأجل توحيده، فخوَّفهم من ربه الحق لأجل شركهم، ولذلك قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]. ونبه الله تعالى على الكثير الطيب من الأدلة العقلية بأوضح عبارة، وأفصح كلام، وأبلغ بيان. فمن ذلك قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]. إلى آخر الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ٩ - ١٠].

стр. 1438

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٧ - ١٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]. والقرآن العظيم مُفْتَنٌّ في أساليب الردِّ عليهم، وتعليم رسول الله ﷺ فتارةً يردُّ بالبراهين العقلية القطعية كقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ على ما مرَّ تقريره في اشتراط رُجحان الداعي في وقوع المقدورات، وتارةً يأتي بما يفحم الخصم، ويُلقِمُهُ الحَجَرَ، كقول إبراهيم ﵇ للقائل: أنا أُحيي وأُميت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا

стр. 1439

مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ إذ كان المتقرر عند الكافر والمسلم حينئذٍ (١) أن الربَّ هو القادر على التصرف في ذلك، فهذا بالنسبة إلى كلام هذا الكافر من أصحِّ الجدل وأجوده، وهو بالنسبة إلى المؤمن، والناظر لنفسه من أصحِّ البراهين على الله تعالى، لأن حال الكواكب يشهد لصانعها (٢)، وذلك أنها متحركة حركةً مستمرةً بالضرورة، فلو لم تكن مسخَّرةً مدبرة ما صحَّ ذلك أبداً، لأنها إما حيوانٌ أو لا، والحيوان المختار يحترك (٣) مرةً، ويسكن أخرى، ويحتركُ مرةً يميناً، ومرةً شمالاً، ومرةً حركةً (٤) سريعةً، ومرةً حركةً بطيئة، والجماد لا يحترك البتة إلاَّ بمحرِّكٍ، وقد تحيَّر الفلاسفة في هذا، وأنشد ابن أبي الحديد في كلامهم فيه أبياتاً في شرح (٥) " النهج " أولها: تحيَّر (٦) أربابُ النُّهي وتبلَّدُوا ... من الفَلَكِ الأقصى لِماذا تَحَرَّكا فسبحان من أودع كتابه الكريم أصحَّ البراهين، و (٧) أوضح الآيات. وتارة ورد بالوعيد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٩ - ٣٠]. وتارةً جاء بالمباهلة، وهي الملاعنة، ومنه مسألة المباهلة في

стр. 1440

الفرائض، وهي مسألة العول (١)، أراد ابن عباس أن يُباهل فيها من خالفه، وقد باهل غيرُ واحد، وطلب المباهلة غير واحد، قال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. وتارة أمره (٢) بمعارضة قولهم بمجرد النص على تكذيبه أو ما يقتضيه مع ما تقدم من حجة المعجزة من غير ذكرٍ للحجة، كقوله لما قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٨]. وتارةً أمره بالصبر من دون أمرٍ آخر، كقوله لما قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٦ - ١٧]. وتارةً أمره بالاستعاذة بالله كما ورد في الأحاديث المتقدمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦] وأمثال ذلك. وتارةً وَرَدَ (٣) بالتسلية للنبي ﷺ ، والنهي له عن الاحتفال بهم،

стр. 1441

كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٢ - ٣٥]. وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣]. وقال تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠]. فالعالم يتأسَّى برسول الله ﷺ ، ويتَّعِظُ بمواعظ الله ولا يكبُرُ عليه إعراضُ المعرضين (٢)، ولا يطمع في هداية المعاندين المتمردين إلاَّ من شاء اللهُ ربُّ العالمين. وانظر كيف حكى الله تعالى إصرارهم على المجاحدة يوم القيامة بما

стр. 1442

لا يمكن لمتأوله تأويله، وذلك قولهم (١) لجوارحهم حين أنطقها الله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. فَمَنْ بَلَغَ هذا الحدِّ في العناد واللَّجاج، كيف يطمعُ السُّنيُّ أو الجَدَليُّ أن يهديه ويُفحِمَه ويُقرِّره بالحق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠]. ولهذا وعد الله بالفصل بين المختلفين يوم القيامة، وسمَّاه يوم الفصل، والمتكلم المغفل يحاول أن يكون الفصل بين الخلق على يديه، وأن يجعل يوم الفصل على زعمه، وأن يُشغل نفسه والمسلمين في غير فائدة، بل ربما ورد السمع بأن فيه مضرة، والحكيم الخبير قد أنبأنا عن عناد كثيرٍ من الخلق بل أكثرهم بما لم نكُن نعرفه لولا تعريفه. فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١].

стр. 1443

بل قال تعالى في حق أهل النار بعد مشاهدتها يوم القيامة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقد تأوَّلها بعض المعتزلة بما أفاد من جهله بالعقل والسمع ما لم يكن يظنه لولا تأويله، وكم من جاهلٍ في كشف ما ستره الله من مساوئه، نسأل الله الستر والعافية. فالحكمة أن يُوكَلَ الخلقُ إلى خالقهم العالم بسرائرهم، القادر على تصريفهم الذي جعل نفوذ مشيئته فيهم أعظم من قيام القيامة، ومشاهدة كل آيةٍ، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقال (١): ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. وقال في الوجه في ترك هداية بعض من تركه، وبيان حكمته في ذلك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وقال رسول الله ﷺ في الوجه في ترك هداية بعضهم: " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون، فيستغفرون فيُغفرُ لهم " (٢).

стр. 1444

وقال الله تعالى في حكمته في كثيرٍ منهم أو في نحوها مُخاطباً للملائكة ﵈: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقال تعالى في إقامة الحجة عليهم بخلق العقول، وبعثة الرسل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فبهذه (١) الآيات وأمثالها يعرف السُّنيُّ ما يأتي وما يذرُ، ويستغني عن علم الكلام، ودقيق النظر، وقد ظهر الآن للمعترض رجوع فيهقتِه (٢) عليه، وخروج الحق من يديه، حيث قال في ترك علم (٣) الكلام: إنه مكيدة للدين، لا والله ما كاد الدين من احتجَّ بالقرآن، وعقل ما فيه من البُرهان، واقتدى برسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي أقسم أصدق القائلين إنه على صراطٍ مستقيم، ولو كان ذلك يا بطَّال (٤) مكيدة للدين، لكان سيد المرسلين أول من كاد الدين (٥)، وكذلك جميع الصحابة والتابعين، وهذا آخر ما أردت الإشارة إليه من جُمَلِ عقائد المحدثين، وهم الطائفة الأولى.

стр. 1445

الطائفة الثانية: أهل النظر في علم الكلام ، والمنطق، والمعقولات وهم فرقتان: أحدهما الأشعرية، وكُتُبُهُم مشهورةٌ في ديار الشيعة، وقد نقلتُ جُلَّ كلامهم في مسألة أفعال العباد، والأطفال، وتكليف ما لا يُطاق، والإرادة، ونفي الداعي (١) عن أفعال الله تعالى، وفي التحسين (٢) والتقبيح، وهذا جُلُّ ما يُخالفون فيه. الفرقة الثانية من المتكلمين منهم الأثرية كابن تيمية (٣) وأصحابه، فهؤلاء من أهل الحديث لا يُخالفونهم إلاَّ في استحسان الخوض في الكلام، وفي التجاسُر على بعض العبارات (٤)، وفيما تفرَّدُوا به من الخوض في الدقائق (٥) الخفيات، والمحدِّثون ينكرون ذلك عليهم؛ لأنه ربما أدى ذلك (٦) إلى بدعةٍ، أو قدحٍ في سُنَّةٍ. وأنا أُوردُ شيئاً يسيراً من كلامهم يشير (٧) إلى طريقتهم في النظر، فمن أخصر ما يليقُ بهذا الموضع ألفاظٌ مُختصرةٌ من جواب مسألةٍ لشيخ الحنابلة العلاَّمة المتكلم أحمد بن تيمية الحراني، ﵀، وقد يعرض فيها من الألفاظ الشنيعة ما تعافه نفوسُ المؤمنين، ولكنه لا بأس بذكرها عند أهل الجدل للحاجة مع حُسن القصد كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، وكما حكى الله تعالى عن اليهود من نسبة

стр. 1446

الولد، ونسبة الفقر إليه، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، وكما حكى (١) عن (٢) النصارى من التثليث، وعن سائر طوائف الكفر حتى قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ثُمَّ عاملهم يوم القيامة بالعدل في إحضار الشهود والكتب والميزان. قال الشيخ العلامة الحافظ شيخ الحديث والكلام (٣) أحمد بن تيمية الحرَّاني الحنبلي في أثناء جواب المسألة المعروفة بالتدمرية (٤) لورودها من تدمر ما لفظه -بعد حذف قطعة من أول كلامه للاختصار-: ويتبيَّنُ هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين (٥) -ولله المثل الأعلى (٦) - وخاتمة. أمَّا الأصلان: فأحدهما: أن يُقال (٧): القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإن كان المخاطبُ ممَّن (٨) يُقِرُّ بأنَّ الله حيٌّ بحياةٍ، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقُدرة، سميعٌ بسمعٍ، بصيرٌ ببصر، متكلمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة، ويجعل ذلك كلَّه حقيقةً، وينازع في محبته، ورضاه، وغضبه، وكراهته، فيجعل ذلك مجازاً، ويُفسِّرُه إمَّا بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.

стр. 1447

قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه. فإن قلت (١): إنَّ إرادته مثلُ إرادة المخلوقين، فكذلك (٢) محبتُه ورضاه وغضبُه، وهذا هو التمثيل. وإن قلت: إرادةٌ تليقُ به. قيل له: وكذلك له محبةٌ، ورضاً، وغضبٌ يليق به. فإن قال: الغضب غليانُ دم القلب لطلب الانتقام. قيل له: والإرادة ميل (٣) النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرَّةٍ. فإن قلت: هذه إرادةُ المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول (٤) في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقُدرته. فإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلاَّ ما يختصُّ بالمخلوقين، فيجب نفيُه عنه. قيل له: وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة. فإن قال (٥): تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل، [الحادث] دلَّ على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دلَّ على العلم، وهذه الصفات مُستلزمة للحياة، والحيُّ لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضدِّ ذلك.

стр. 1448

قال له سائر أهل (١) الإثبات لك جوابان: أحدهما: أن يُقال: عدم الدليل [المعين] لا يستلزِمُ عدم المدلول المعين، فهب (٢) أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يُثبته، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليلُ كالمثبت، والسمع قد دلَّ عليه، ولم يعارض ذلك معارِضٌ عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض. الثاني: أن يُقال: يُمكنُ إثبات هذه الصفات: بنظير ما أثبت به (٣) تلك من العقليات -إلى قوله-: وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات (٤)، ويُقِرُّ بالأسماء كالمعتزلي الذي يقولُ: إنه حيٌّ عليمٌ قديرٌ، وينكر أن يتَّصف بالحياة والعلم والقدرة (٥) قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنَّك إن قلت: إثبات الحياة، والعلم، والقدرة (٦) يقتضي تشبيهاً أو تجسيماً لأنَّا لا نجدُ في الشاهد مُتَّصفاً بالصفات إلاَّ ما هو جسمٌ. قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى: حيٌّ عليم قديرٌ إلاَّ ما هو جسمٌ، فإن نفيت ما نفيت لكونك (٧) لم تجده في الشاهد إلاَّ لجسمٍ فانفِ الأسماء، بل وكُلَّ شيءٍ، لأنك لا تجدُه في الشاهد إلاَّ لجسمٍ (٨)،

стр. 1449

فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتجُّ به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جواباً (١) لذلك، كان جواباً لهذا. أقول: للمعتزلة كلام في الفرق بين المعاني التي تحتاج إلى محل كالقدرة والعلم، وبين الصفات كالعالم والقادر، وقد نازعهم الرازي في صحة التفرقة بكلامٍ طويلٍ ليس هذا موضع ذكره، وذكر جوابه وتنقيح القوي، وأمَّا ابنُ تيمية فإنما أراد أن يردَّ على من ألزمه التشبيه بإثبات الصفات بالنظر إلى هذا الإلزام من هذا الوجه فقط، ولم يتعرض لسائر أدلة المعتزلة، والله أعلم. قال ابن تيمية: وإن كان المخاطب من الغُلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال: لا أقول: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي (٢) مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم. قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. فإن قال: أنا (٣) أنفي النفيَ والإثبات. قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنَّه يمتنع أن يكون الشيءُ موجوداً معدوماً (٤)، أو لا موجوداً، و (٥) لا معدوماً.

стр. 1450

فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَةِ لا تقابُلَ السلب والإيجاب، فإنَّ الجدار لا يُقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذْ ليس بقابلٍ لهما. قيل لك: أولاً: هذا لا يصح في العدم والوجود، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم (١) من رفع أحدهما ثبوت الآخر، وأمَّا ما ذكرته من الحياة، والموت، والعلم، والجهل، فهذا اصطلاحٌ اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحاتُ اللفظية ليست دليلاً على الحقائق العقلية، وقد قال الله (٢) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، فسمى الجماد ميتاً، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم. وقيل لك ثانياً: فما لا يقبل الاتصاف (٣) بالحياة والموت، والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبلُ الاتصاف (٤) بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررت (٥) من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات (٦) التي لا تقبل ذلك. وأيضاً فما لا يقبَلُ الوجود والعدمَ أعظمُ امتناعاً من القابل لهما، ومن

стр. 1451

اجتماعهما ونفيهما جميعاً، فما نفيت عنه قبولهما، كان أعظم امتناعاً مما نفيتهما، وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول، كان هذا أعظم امتناعاً، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل (١) العدم، هو أعظم الممتنعات (٢) وهذا غاية التناقض والفساد. وقيل له أيضاً: اتفاق المسمّين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات (٣)، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق فما (٤) يختصُّ بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يجوز أن يَشْرَكَهُ (٥) مخلوق في شيء من خصائصه . وأما ما نفيته، فهو ثابتٌ بالعقل والشرع، وتسميتك ذلك تشبيهاً وتجسيماً تمويه على الجهَّال الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه، ولو شاع هذا لكان كل مُبطلٍ يسمي (٦) الحق بأسماءٍ ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقلهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغيِّ والضلالة. وإن قال نُفاةُ الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيبٌ ممتنعٌ.

стр. 1452

قيل: وإذا قلتم: هو موجودٌ واجب، وعقل وعاقل ومعقول، فليس (١) المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا. فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تُثبتونه وتسمونه توحيداً. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيباً ممتنعاً. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيدٌ في الحقيقة، وليس هذا (٢) تركيباً ممتنعاً، وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئاً فراراً (٣) مما هو محذورٌ، إلاَّ وقد أثبت ما يلزمه فيه نظيرُ ما فرَّ منه، فلا بد في آخر الأمر من (٤) أن يثبت موجوداً واجباً قديماً (٥) مُتَّصفاً بصفاتٍ تُميِّزُهُ عن غيره، ولا يكون فيها (٦) مماثلاً لخلقه. فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلا بد أن يدل على قدرٍ تتواطأُ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فُهِمَ الخطاب، ولكن يُعلم أن ما اختص الله به، وامتاز به عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال، ويدور في الخيال. وهذا يتبين (٧). الأصل الثاني: وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في

стр. 1453

الذات، فإنَّ الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذاتٌ حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات (١) متصفة بصفاتٍ حقيقةً لا تُماثِلُ صفات سائر الذوات. فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعةُ ومالك وغيرهما (٢): الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عن الكيفية بدعة (٣)، لأنه سؤالٌ عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه. وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابعٌ له، فكيف تُطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تُقِرُّ بأن له ذاتاً (٤) حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات

стр. 1454

الكمال لا يُماثِلُها شيءٌ، فسمعُه وبصرُه وكلامُه ونزوله واستواؤه هو ثابت في نفس الأمر، وهو مُتصف بصفات الكمال التي لا يُشابهُهُ فيها سمع المخلوقين، وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئاً، ونفى شيئاً بالعقل، إذاً أُلزم (١)، فيما نفاه من الصفات (٢) التي جاء بها الكتابُ والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته ولو (٣) طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا، لم يجد بينهما فرقاً، ولهذا لا يوجد (٤) لنُفاة بعض الصفات دون بعض الذين يُوجبون فيما نَفَوه إمَّا التفويض وإمَّا التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانونٌ مستقيم. فإذا قيل لهم: لم تأوَّلتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جوابٌ صحيح، فهذا تناقضُهم في النفي، وكذلك تناقضُهم في الإثبات، فإن (٥) من تأوَّل النصوص على معنىً من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص من المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروفِ إليه ما كان يلزَمُهم في المعنى المصروف عنه. فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادتُه للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظيرُ ما يلزَمُه في الحُبِّ والمَقْتِ، والرِّضا والسخط.

стр. 1455

ولو فسر ذلك بمفعولاته، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزَمُه في ذلك نظيرُ ما فَرَّ منه. فإنَّ الفعل المعقول (١) لا بُدَّ أن تقوم أولاً بالفاعل، والثوابُ والعقاب المعقول (٢) إنما يكون على فعل ما يُحبُّه ويرضاه، ويَسْخَطُه ويَبْغَضُه المثيب المعاقِبُ فهُم إن أثبتوا الفعل (٣) على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد، مثَّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك فكذلك الصفات. وأمَّا المثلان المضروبان -إلى قوله في المثل الأول-: وهو دارُ الآخرة، وما اشتملت عليه مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر (٤)، والله سبحانه لا تُضربُ له الأمثال التي فيها مُماثلةٌ لخلقه، فإن الله لا مِثْلَ (٥) له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك (٦) هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في (٧) قياس شمولٍ يستوي أفراده، ولكن يُستعملُ في حقِّه المثل الأعلى وهو أن كل ما اتصف

стр. 1456

به المخلوق (١) من كمالٍ فالخالق أولى به، وكل ما يُنَزَّهُ عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه (٢) عنه. فإذا كان المخلوق (٣) مُنَزَّهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن يُنَزَّه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقةٌ في الاسم، وهكذا نقول في المثل الثاني، وهو الروحُ التي فينا، فإنها قد وُصِفَتْ بصفاتٍ ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوصُ أنها تعرُجُ من سماءٍ إلى سماءٍ، وأنها تُقْبَضُ من البدن، وتُسَلُّ منه (٤) كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام (٥) يجعلونها جُزءاً من البدن، أو (٦) صفةً من صفاته كقول بعضهم: إنَّها النفس أو الريح الذي يتردَّدُ (٧) في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المِزَاجُ، أو نفس البدن (٨). وفيهم (٩) طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، فيقولون: لا هي داخل (١٠) البدن، ولا مباينةٌ له، ولا

стр. 1457

مداخلةٌ، ولا متحركة، ولا ساكنة، ولا تصعد، ولا تهبِطُ، ولا هي جِسمٌ ولا عَرَضٌ. وقد يقولون: إنَّها لا تُدرِكُ الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنَّما تدرك الأمور الكلية المطلقة. وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له (١)، ولا مداخلة له (٢)، وربما قالوا: ليست داخلةً في أجسام العالم ولا خارجةً عنها مع تفسيرهم للجسم بما يقبلُ الإشارة الحسِّيَّة، فيصفونها بأنه (٣) لا يمكنُ الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنعٌ في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكنٌ بدليل أن الكليات موجودة، وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلاَّ في الأذهان لا في الأعيان فيعتمدون في ما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال (٤) الذي لا يخفى فسادُه على غالب الجهال (٥). واضطرابُ النفاة والمثبتة في الروح كثيرٌ، وسببُ ذلك أن الروح التي تُسمَّى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن، ولا

стр. 1458

من جنس العناصر والمُوَلَّدات (١) منها (٢)، بل هي (٣) من جنسٍ آخر مخالفٍ لهذه الأجناس (٤)، فصار هؤلاء لا يُعرِّفونها إلاَّ بالسَّلُوب التي (٥) لا يوجبُ مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ، وإطلاق القول عليها بأنها جِسْمٌ أو ليست بجسم يحتاجُ إلى تفصيلٍ، فإنَّ لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غيرُ معناه اللغوي، فأهل اللغة يقولون: الجسمُ: هو الجسدُ والبَدَنُ (٦)، وبهذا الاعتبار فالرُوح ليس جسماً، ولهذا يقُولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ و َالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وأما أهلُ الكلام فمنهم من يقولُ: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المُرَكَّبُ من المادة والصورة، وكل (٧) هؤلاء يقولون: إنَّه مشارٌ إليه إشارةً حسيةً. ومنهم من يقول: ليس بمركبٍ لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه، ويقال: إنه هنا أو هناك، فعلى هذا إذا كانت الروح مما يشار إليه (٨) ويتبعُهُ بصرُ الميت، كما قال ﷺ : "إنَّ الروح إذا خَرَجَ تَبِعَه

стр. 1459

البَصَرُ" (١) وأنها تُقْبَضُ ويُعرَجُ بها إلى السماء (٢)، كانت الروحُ جسما بهذا الاصطلاح. والمقصود أنَّ الروح إذا (٣) كانت موجودة (٤) حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد وتنزِلُ، وتذهب وتجيءُ ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً، والشيء إنما تُدْرَكُ حقيقتُه إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح مُتَّصفةً بهذه الصفات مع مُماثلتها لما يُشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقُّه من أسمائه وصفاته، وأهلُ العقول أعجزُ عن أن يحدوه أو يُكيفوه منهم عن أن يحُدُّوا الروح أو يكيفوه (٥)، فإذا كان من نفي صفات الروح جاحداً مُعَطِّلاً لها، ومن مثَّلها بما يُشاهدُهُ من المخلوقات جاحداً لها، ممثلاً لها بغير شكلها وهي مع ذلك ثابتةٌ بحقيقة الإثبات (٦) مستحقةٌ لما لها من الصفات، فالخالق أولى أن يكون من نفي صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به (٧) ممثلاً، وهو سبحانه ثابتٌ بحقيقة الإثبات مستحقٌّ لما له من الأسماء والصفات.

стр. 1460

فصلٌ: وأمَّا الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة. القاعدة الأولى: إن الله سبحانه موصوفٌ بالإثبات والنفي ، فالإثبات كإخباره سبحانه أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميعٌ بصير ونحو ذلك. والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلاَّ إذا تضمَّن إثباتاً؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ (١)، والعدم المحض ليس بشيءٍ، وما ليس بشيء هو (٢) كما قيل: ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مدحاً وكمالاً (٣)، ولأنَّ النفي المحض يُوصَفُ به المعدوم والممتنع، وهما لا يُوصفان بمدحٍ ولا كمالٍ، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمناً لإثبات مدحٍ كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإنه يتضمن كمال الحياة والقيام، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإنه مستلزم لكمال قُدرته وقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] مستلزم لعلمه بكل ذرة، وقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (٤) مستلزمٌ كمال القدرة ونهاية القوة، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قال أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدحٌ، وإلا لكان المعدوم ممدوحاً، وإنما المدح

стр. 1461

في كونه لا يُحاط به وإن رُئي (١)، كما أنه لا يُحاط به، وإن عُلمَ، فكما أنه إذا عُلِمَ لا يحاط به علماً، فكذلك إذا رُئيَ لا يُحاطُ به رؤيةً، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفه كمال. وإذا تأملت، وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتاً هو مما لم يَصِفِ (٢) الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلاَّ بالسُّلوب، لم يُثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً، بل ولا موجوداً، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنَّه لا يتكلمُ و (٣) لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباينٍ للعالم، ولا محايثٍ (٤) له إذ هذه الصفات يمكن أن يوصَفَ بها المعدوم، وليست هي مُستلزمةً صفة ثبوت. ولهذا قيل لمن ادَّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تُثبتُه، وبين المعدوم. وكذلك كونه لا يتكلم ليس فيه صفةُ مدحٍ ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيهٌ له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتَّصفُ به إلاَّ المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلاَّ الجماد أو الناقصُ، فمن قال: لا هو مباينٌ للعالم ولا مداخلٌ له، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائمٌ بنفسِهِ ولا بغيره، ولا قديمٌ ولا مُحْدَثٌ، ولا متقدمٌ على العالم ولا مقارنٌ له، ومن قال: إنَّهُ ليس بحيٍّ ولا سميع، ولا بصيرٍ، ولا

стр. 1462

متكلمٍ، لزمه أن يوصف بنقائضها من الموت والصَّمم والعمى والبكم. فإن قال: العمى عدم البصر عمَّا (١) شأنُه أن يقبل البصر، وما لم يَقبَلِ البصر كالحائط لا يُقالُ له: أعمى ولا بصير. قيل له: هذا اصطلاحٌ اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعُجمة، قال الله تعالى في صفة الأصنام: ﴿أمواتٌ غيرُ أحياءٍ﴾ [النحل: ٢١]. وأيضاً فكلُّ موجود يقبلُ الاتصاف بهذه الأمور ونقائِضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيّاً كما جعل عصا موسى حيَّةً ابتلعت الحبال والعِصِيَّ. وأيضاً فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصاً ممَّا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد (٢) الذي لا يوصفُ بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام، ولا الخرس أعظم نقصاً من الحيِّ الأعمى الأخرس. فإذا (٣) قيل: إنَّ الباري لا يمكن اتصافه بذلك لأجل هذه العلة، كان في (٤) ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وُصِفَ بالخرس والعمى

стр. 1463

والصمم، ونحو ذلك، مع أنه إذا جُعِلَ غير قابل لهما كان تشبيهاً له بالجماد الذي لا يقبلُ الاتصاف بواحدٍ منها، فكيف يُنكِرُ من قال بذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيهٌ بالحي، وليس بتشبيهٍ (١). وأيضاً فنفسُ نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أنَّ إثباتها كمالٌ، فالحياة من حيث هي هي مع قطع النظرعن تعيين الموصوف بها صفةَ كمالٍ. وكذلك العلمُ، والقدرةُ، والسمع، والبصر، والكلام، والفعل ونحو ذلك، وما كان صفة كمالٍ فهو أحقُّ أن يتَّصف به من المخلوقات، فلو لم يتَّصِف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. واعلم أن الجهميَّة المحضة كالقرامطة، ومن ضاهاهم ينفُون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولوا: ليس بموجود، ولا ليس بموجود، ومعلومٌ أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين. وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليسَ بحيِّ، ولا سميع، ولا بصير، وهؤلاء أعظمُ كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظمُ كفراً من هؤلاء من وجه. فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت، والصَّمَمِ، والبَكَمِ، قالوا: إنَّما يلزم ذلك لو كان قابلاً لذلك، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً.

стр. 1464

وكذلك من ضاهي هؤلاء، وهم الذين يقولون ليس بداخل العالم ولا بخارجه. إذا قيل لهم: هذا ممتنعٌ في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديمٍ، ولا محدثٍ، ولا واجب، ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره، قالوا: هذا إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنَّما يكونُ من المتحيز، فإذا انتفى التحيُّزُ (١) انتفى قبول هذين المتناقضين. فيقال لهم: علمُ الخلق بامتناع هذين النقيضين، هو علمٌ مطلقٌ لا يُستثنى منه (٢) موجود، والتحيز المذكور إن أريد به (٣) كونُ الأحياز الموجودة محيطةً به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها متميزٌ عنها، فهذا هو الخروج، فالمتحيز يراد به تارةً ما هو داخل العالم، وتارةً ما هو خارجه، فإذا قيل: ليس بمتحيزٍ، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه، فهم غيَّروا العبارة، فيتوهم من لا يفهم حقيقة قولهم أنَّ هذا معنىً آخر، وهو المعنى الذي عُلِمَ فسادُه بضرورة العقل، كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحيٍّ، ولا ميت، ولا موجود، ولا معدوم، ولا عالم، ولا جاهل. القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربِّه فإنَّه يجب الإيمان به ، سواء عَرَفنا معناه أو لم نعرف، فما جاء في الكتاب والسنة، وجب الإيمانُ به، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، وما تنازع فيه المتأخرون فليس على أحد، بل ولا له أن يُوافِقَ على إثبات لفظٍ أو (٤) نفيه حتى يعرِفَ مراده، فإن أرادَ حقّاً قُبِلَ، وإن أراد باطلاً رُدَّ، وإن اشتمل

стр. 1465

كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقاً، ولم يُرَدَّ جميع معناه، بل يوقف اللفظ، ويُفسَّرُ المعنى كما تنازع الناس في الجهة، والتحيز، ونحو ذلك إلى آخر كلامه في نفي حاجة الله سبحانه إلى الجهة المخلوقة، والمنع من ذلك ومن تحيزه في مخلوقاته . القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مرادٌ أو ليس بمراد . فإنه يقالُ له: لفظ الظاهر فيه إجمالٌ واشتراكٌ، فإن كان القائل يعتقدُ أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أنَّ هذا غيرُ (١) مراد، ولكنَّ السلف والأئمة لم يكونوا يُسَمُّون هذا ظاهرها (٢)، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله أحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلاَّ ما هو كفرٌ أو ضلال (٣)، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون (٤) من وجهين: تارةً يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويلٍ يُخالِفُ الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارةً يرُدُّون المعنى الحق الذي هو ظاهرُ اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل، فالأول كما قالوا: في قوله: " عبدي جعتُ فَلَمْ تُطعِمْني " (٥)، وفي الأثر الآخر "الحجرُ الأسودُ يمينُ الله في الأرض، فمَنْ صافَحَه

стр. 1466

وقبَّلَه، فكأنَّما صافَحَ الله وقبَّل يمينه" (١)، وقوله: " قلوبُ العبادِ بَيْنَ أُصبَعَينِ من أصابعِ الرحمنِ " (٢). فقالوا: قد عُلِمَ أنه ليس في قلوبنا أصابع الحق. فيقال لهم: لو أعطيتُم النصوص حقَّها من الدلالة لعلمتُم أنها لم تدُلَّ إلاَّ على حق، فقوله: " الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله، فكأنَّما صافحَ الله وقبَّل يمينه " صريحٌ في أن الحجر ليس هو صفةً (٣) لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: " يمينُ الله في الأرضِ "، وقال: " فمن قبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه " (٤)، ومعلوم أن المشبَّه ليس هو المشبَّه به، ففي نفس الحديث بيان أنَّ مُستَلِمَه ليس مصافحاً لله، وأنه لي هو (٥) هذا الحديث إنما يعرف عن ابن

стр. 1467

عباس، يعني موقوفاً عليه (١) لم يرفعه إلى النبي ﷺ . وأمَّا الحديث الآخرُ فهو في الصحيح مُفَسَّراً بقول الله: " عبدي جُعْتُ فلم تُطعمني، فيقول: ربِّ كيف أُطعمُك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمتَ أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي، عبدي مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، فيقول: ربِّ كيف أعودُك، وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فُلاناً مَرِضَ، فلو عُدْتَه لوجدتني عندَه "، وهذا صريحٌ في أنَّ الله تعالى لم يمرض، ولم يجُع، ولكن مَرِضَ عبدُه (٢) وجاع، فجعل جوعَه جوعَه، ومرضَه مرضَه مُفَسِّراً لذلك، بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْتَه لوجدتني عنده، فلم يبقَ في الحديث لفظٌ يحتاجُ إلى تأويل (٣). انتهى (٤). وأما قوله: " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصبع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدي، ما يقتضي مباشرتُه ليديه، وإذا قيل: السحاب المسخَّرُ بين السماء والأرض لم يقتضِ أن يكونَ مماسّاً للسماء والأرض، ونظائرُ هذا كثيرةٌ.

стр. 1468

وممَّا يُشبِهُ هذا أن نجعلَ اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهاً بقوله: ﴿فبما كَسَبَتْ أيْدِيْكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خلقتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيّ﴾. وأيضاً هنا ذكرَ نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة (١) الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بأَعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]، وهذا في الجمع نظيرُ قوله: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] و ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، في المفرد، فالله يذكر نفسه تارةً بصيغة المفرد مُظهَراً أو (٢) مُضمراً، وتارةً بصيغة الجمع كقوله: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً﴾ [الفتح: ١] وأمثال ذلك، ولا يذكُرُ نفسه بصيغةِ التثنيةِ قط، لأنَّ صيغةَ الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقُّه، ورُبَّما تدلُّ على معاني أسمائه. وأما صيغة التثنية، فتدل على العدد المحصور، وهو مقدسٌ عن ذلك، فلو (٣) قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (٤)، [لما] (٥) كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدينا﴾ [يس: ٧١]، وهو نظيرُ قوله: ﴿بيده

стр. 1469

الملك﴾ و ﴿بيدك الخير﴾، ولو قال: لما خلقت بيدي بصيغة -الإفراد- لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: ﴿خلقتُ بِيَديَّ﴾ بصيغة التثنية، هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع السلف على مثل ما دلَّ عليه القرآن، كما هو مبسوطُ في موضعه مثل قوله: " المُقْسِطُون عند الله على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ -وكلتا يديه يمينٌ- الذين يعدِلُون في حُكمِهم وأهليهم وما وَلُوا " (١)، وأمثال ذلك. وإن كان القائلُ يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنسِ ظاهر النصوص المتَّفق على معناها، فالظاهرُ هو المراد في الجميع، فإن الله لما أخبر أنه بكل شيءٍ عليمٌ، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، واتَّفق أهلُ السنَّة، وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهره مرادٌ، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه مثلَ علمنا، وقدرتُه كقدرتنا. وكذلك لما اتَّفقوا على أنه حي حقيقةً، عالمٌ حقيقة (٢)، قادرٌ حقيقة لم يكن مرادهم (٣) إنه مثل المخلوق الذي هو حي عالم قادر. فكذلك إذا قالوا: في قوله: ﴿يُحبُّهُم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللهُ عنهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ استَوَى على العرشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنه على ظاهره لم يقتضِ ذلك أن يكونَ ظاهرُه استواء كاستواء المخلوق (٤)، ولا حُبّاً كحبه،

стр. 1470

ولا رِضاً كرضاه. فإن كان المستمعُ يظنُّ أنَّ ظاهرَ الصفات يماثلُ صفاتِ المخلوقين، لَزِمَه أن لا يكون شيءٌ من ظاهر ذلك مراداً، وإنْ كان يعتقد أنَّ ظاهرها هو ما يليق بالخالق، ويختصُّ به، لم يكن له نفيُ هذا الظاهر، ونفي أن يكون مراداً إلاَّ بدليل يدُلُّ على النفي، وليس في العقل، ولا في السمع ما ينفي هذا إلاَّ من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكونُ الكلام في الجميع واحداً. وبيانُ هذا أن صفاتنا منها ما هو أعيانٌ وأجسامٌ، وهي أبعاضٌ لنا كالوجهِ، واليد (١)، ومنها ما هو معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة. ثمَّ من المعلوم أن الربَّ لما وَصَفَ نفسه بأنَّه حيٌّ، عليم، قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غيرُ مراد، لأنَّ مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، وكذلك (٢) لما وَصَفَ نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يُوجِبْ ذلك أن يكون ظاهرُه غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقِّنا (٣)، بل صفةُ الموصوفِ تُناسبُه. فإذا كانت ذاتُه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، وصفاته (٤) كذاتِه ليست كصفاتِ المخلوقين، ونسبةُ صفة المخلوق إليه كنسبة (٥) صفةِ

стр. 1471

الخالق إليه، وليسَ المنسوب كالممنسوب، ولا المنسوبُ إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ : " ترون ربَّكُم كما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ " (١) فَشَبَّهَ الرؤيَةِ بالرؤيةِ لا المرئيَّ بالمرئيِّ (٢). قلتُ (٣): قالوا: الصفات قد تَخَصَّصَتْ بأنواعٍ غيرِ مختلفة، وهي: العلمُ، والقُدرة، فإنَّ العلمَ غيرُ مختلف، وكذلك القدرةُ وسائر الصفات عند هؤلاء. قلنا: بل هي مختلفةٌ كما يأتي محقَّقاً في القاعدة السادسة، وللزمخشري شعرٌ أشعر فيه بالتجاهُل، والتحامل الكثير (٤) على أهل السنة شنَّع فيه العبارةَ، وأفحشَ في سوء الأدب مع أئمَّة السنة (٥)، بل أئمَّةِ الإسلام، وخَرَجَ فيه عن أساليب العلماء الأعلام، فقال فيه: لِجَمَاعَةٍ سَمَّوا هَواهُم سُنَّةً ... وجماعةٍ حُمْرٍ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ قَدْ شَبَّهُوهُ بخلقِه وتَخَوَّفُوا ... شُنَعَ الوَرَى فَتَسَتَّرُوا بالبَلْكَفَهْ (٦) وله أجوبةٌ كثيرة منها قولُ بعضهم: ومُبَلْكِفٍ للذاتِ طالَ تَعَجُّبي ... من شِدَّة استنكارِه للبَلْكَفَهْ

стр. 1472

إن كنت تُنِكرُها فكيِّف ذاتَه ... أيضاً وقُلْ هي كالذَّوات مُكَيَّفه بل أنت تِثْبِتُها ولا تدري كَمَا ... لم تدْرِ قطُّ مَنِ الحَمِيرُ المُوكَفَهْ ولَقَدْ هَجَوتَ وَمَا دَلَلْتَ وإنَّما ... أبداً تدُلُّ على الحِمَارِ العَجْرَفَهْ وقال آخر أيضاً في الجواب عليه: يا عائباً من جَهْلِه للبلكفه ... هي قولُكم في الذَّات دَعْ عنك الصِّفه واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا ... هُو ما اعتَرضْتَ به فَدَعْ عنك السَّفه من لم يقُل بمقالِنا فيها شَرَى ... بنُصُوصِ وَحْيِ الله رأيَ الفَلْسَفَهْ ولبعض المغاربة: لجماعة جعلوا الشرائعَ بدعةً ... وحماقةً حُمْرٍ لَعَمْري مُوكَفَهْ قد عطَّلُوا أسماءَه وتبدَّلُوا ... بنُصُوصِ وَحي الله رأي الفلسفه كفروا كأهل الشركِ بالرَّحمن إلـ ... لا في مجازٍ أبدَعُوه زَخْرَفَهْ وقَضَوا بأنَّ الحقَّ قطعاً نفيُهُ ... وبأنَّهُ لإلهنا بِئْسَ الصِّفَهْ في (١) عدِّه عشرين من أسمائه الـ ... ـحُسْنَى رواها خِزْيَة مُسْتَنْكَفَهْ أيُذَمُّ ربُّ الحمدِ في الصَّلَوات والـ ... ـسبْعِ المثاني إنَّ ذا لهُو السَّفَه واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا ... هو نفسُ ما قدْ لَقَّبُوْهُ (٢) البَلْكَفَه تَعِسَ الذي اعتزَلَ الكتابَ وكذَّبَ الـ ... أسْمَا وبدَّلَهَا بمحْضِ (٣) العَجْرَفَهْ وجوابُنا لكُم نظيِرُ جوابِكُم ... لِقَرَامطٍ لا يُثبِتُونَ له صِفَهْ كفرُوا بكُلِّ اسمٍ له وكفرتُمُ ... بالبَعْضِ قِسْمَة جُرأةٍ ومُجَازَفَهْ فإذا أفادَكُمُ المَجَازُ أفادَهُم ... إن كان بينكُمُ حقاقُ (٤) مُنَاصَفَهْ

стр. 1473

فالكلُّ يعلَمُ من ضرُورةِ دِيْنِنا ... مَدْحَ الإلهِ بهِ بغَيْرِ مُخَالَفَهْ قلت: وكذاكَ يلزَمُ نفعُ كل تجوُّزٍ ... في ذاتِ خالقِنا وأوجبَ معرِفَه فتكونُ مُثبَتَةً مجازاً مؤمناً ... إيمانَكم في نفي معلُومِ الصِّفَه وتكفيرُ أهل القبلة خطأٌ، فيصلح البيت الثالث: انِفُوا من الرَّحمن كالماضينَ إلـ ولعلَّه أراد كفراً دونَ كُفر. انتهى (١). قال: وهذا يتبيَّنُ من: القاعدة الرابعة: وهي أن كثيراً من الناس يتوهَّم في بعض الصفات، أو كثيرٍ منها، أو أكثرها، أو كُلِّها أنها تُماثلُ صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فَهِمَه فيَقَعُ في أربعة أنواع من المحاذير. أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ (٢) أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك مفهُومها (٣)، وعطَّله (٤)، بقيت النصوصُ معطلةً عمَّا دلَّت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنِّه السيىء الذي ظنَّه بالله ورسوله حيث ظن أن

стр. 1474

الذي يُفهَمُ من كلامهما هو التمثيل الباطل، وقد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنه (١) ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون مُعطِّلاً لما يستحقُّه الربُّ. الرابع: أنه يَصِفُ الربَّ بنقيض تلك الصفات من صفات الموات (٢)، والجمادات، أو (٣) صفات المعدومات، فيكون قد عَطَّلَ صفاتِ الكمال التي يستحقُّها الرب جلَّ وعزَّ، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عمَّا دلَّت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمعُ في الله، وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون مُلحِداً في أسماء الله (٤) وآياته. مثال ذلك: أن النصوصَ كلها دلَّت على وصف الإله (٥) بالعُلُوِّ والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش. فأمَّا علوُّه ومباينته للمخلوقات، فيُعلمُ بالعقل [الموافق للسمع]. وأمَّا الاستواء (٦) على العرش، فطريق العلم به هو (٧) السمع،

стр. 1475

وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباينه، ولا مداخله، فيظنُّ المتوهم أنه (١) إذا وصف (٢) بالاستواء على العرش، كان استواؤُهُ كاستواء الإنسان على ظهور الفُلكِ والأنعام ... إلى قوله: وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدَّر فَهَدَى، كما (٣) ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأنَّه بَنى السماء بأيدٍ إلى قوله: فلمَّا قال تعالى: ﴿والسماءَ بَنَيْنَاهَا بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧﴾، فهل يُتوهَّمُ أنَّ بناءه (٤) مثلُ بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيلٍ، ومجارِفَ، وأعوانٍ، وضرب لبنٍ، وجبلِ طين، ثم قد عُلِمَ أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عالية مفتقراً إلى سافله، فالهواء والسحاب فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله الأرض، فالعليُّ الأعلى ربُّ كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه؟! أو (٥) إلى عرشه!، أو كيف يستلزم علوُّه على خلقه هذا الافتقارَ!؟. وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] من توهَّم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو جاهلٌ ضالٌّ بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إنَّ الشمس والقمر في السماء (٦) يقتضي ذلك، فإنَّ حرف " في " متعلقٌ بما
следующие страницы →