← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الخالق إليه، وليسَ المنسوب كالممنسوب، ولا المنسوبُ إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ : " ترون ربَّكُم كما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ " (١) فَشَبَّهَ الرؤيَةِ بالرؤيةِ لا المرئيَّ بالمرئيِّ (٢). قلتُ (٣): قالوا: الصفات قد تَخَصَّصَتْ بأنواعٍ غيرِ مختلفة، وهي: العلمُ، والقُدرة، فإنَّ العلمَ غيرُ مختلف، وكذلك القدرةُ وسائر الصفات عند هؤلاء. قلنا: بل هي مختلفةٌ كما يأتي محقَّقاً في القاعدة السادسة، وللزمخشري شعرٌ أشعر فيه بالتجاهُل، والتحامل الكثير (٤) على أهل السنة شنَّع فيه العبارةَ، وأفحشَ في سوء الأدب مع أئمَّة السنة (٥)، بل أئمَّةِ الإسلام، وخَرَجَ فيه عن أساليب العلماء الأعلام، فقال فيه: لِجَمَاعَةٍ سَمَّوا هَواهُم سُنَّةً ... وجماعةٍ حُمْرٍ لَعَمْرِي مُوكَفَهْ قَدْ شَبَّهُوهُ بخلقِه وتَخَوَّفُوا ... شُنَعَ الوَرَى فَتَسَتَّرُوا بالبَلْكَفَهْ (٦) وله أجوبةٌ كثيرة منها قولُ بعضهم: ومُبَلْكِفٍ للذاتِ طالَ تَعَجُّبي ... من شِدَّة استنكارِه للبَلْكَفَهْ

стр. 1472

إن كنت تُنِكرُها فكيِّف ذاتَه ... أيضاً وقُلْ هي كالذَّوات مُكَيَّفه بل أنت تِثْبِتُها ولا تدري كَمَا ... لم تدْرِ قطُّ مَنِ الحَمِيرُ المُوكَفَهْ ولَقَدْ هَجَوتَ وَمَا دَلَلْتَ وإنَّما ... أبداً تدُلُّ على الحِمَارِ العَجْرَفَهْ وقال آخر أيضاً في الجواب عليه: يا عائباً من جَهْلِه للبلكفه ... هي قولُكم في الذَّات دَعْ عنك الصِّفه واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا ... هُو ما اعتَرضْتَ به فَدَعْ عنك السَّفه من لم يقُل بمقالِنا فيها شَرَى ... بنُصُوصِ وَحْيِ الله رأيَ الفَلْسَفَهْ ولبعض المغاربة: لجماعة جعلوا الشرائعَ بدعةً ... وحماقةً حُمْرٍ لَعَمْري مُوكَفَهْ قد عطَّلُوا أسماءَه وتبدَّلُوا ... بنُصُوصِ وَحي الله رأي الفلسفه كفروا كأهل الشركِ بالرَّحمن إلـ ... لا في مجازٍ أبدَعُوه زَخْرَفَهْ وقَضَوا بأنَّ الحقَّ قطعاً نفيُهُ ... وبأنَّهُ لإلهنا بِئْسَ الصِّفَهْ في (١) عدِّه عشرين من أسمائه الـ ... ـحُسْنَى رواها خِزْيَة مُسْتَنْكَفَهْ أيُذَمُّ ربُّ الحمدِ في الصَّلَوات والـ ... ـسبْعِ المثاني إنَّ ذا لهُو السَّفَه واللهُ ليس كمثله شيءٌ وذا ... هو نفسُ ما قدْ لَقَّبُوْهُ (٢) البَلْكَفَه تَعِسَ الذي اعتزَلَ الكتابَ وكذَّبَ الـ ... أسْمَا وبدَّلَهَا بمحْضِ (٣) العَجْرَفَهْ وجوابُنا لكُم نظيِرُ جوابِكُم ... لِقَرَامطٍ لا يُثبِتُونَ له صِفَهْ كفرُوا بكُلِّ اسمٍ له وكفرتُمُ ... بالبَعْضِ قِسْمَة جُرأةٍ ومُجَازَفَهْ فإذا أفادَكُمُ المَجَازُ أفادَهُم ... إن كان بينكُمُ حقاقُ (٤) مُنَاصَفَهْ

стр. 1473

فالكلُّ يعلَمُ من ضرُورةِ دِيْنِنا ... مَدْحَ الإلهِ بهِ بغَيْرِ مُخَالَفَهْ قلت: وكذاكَ يلزَمُ نفعُ كل تجوُّزٍ ... في ذاتِ خالقِنا وأوجبَ معرِفَه فتكونُ مُثبَتَةً مجازاً مؤمناً ... إيمانَكم في نفي معلُومِ الصِّفَه وتكفيرُ أهل القبلة خطأٌ، فيصلح البيت الثالث: انِفُوا من الرَّحمن كالماضينَ إلـ ولعلَّه أراد كفراً دونَ كُفر. انتهى (١). قال: وهذا يتبيَّنُ من: القاعدة الرابعة: وهي أن كثيراً من الناس يتوهَّم في بعض الصفات، أو كثيرٍ منها، أو أكثرها، أو كُلِّها أنها تُماثلُ صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فَهِمَه فيَقَعُ في أربعة أنواع من المحاذير. أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ (٢) أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك مفهُومها (٣)، وعطَّله (٤)، بقيت النصوصُ معطلةً عمَّا دلَّت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنِّه السيىء الذي ظنَّه بالله ورسوله حيث ظن أن

стр. 1474

الذي يُفهَمُ من كلامهما هو التمثيل الباطل، وقد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنه (١) ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون مُعطِّلاً لما يستحقُّه الربُّ. الرابع: أنه يَصِفُ الربَّ بنقيض تلك الصفات من صفات الموات (٢)، والجمادات، أو (٣) صفات المعدومات، فيكون قد عَطَّلَ صفاتِ الكمال التي يستحقُّها الرب جلَّ وعزَّ، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عمَّا دلَّت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمعُ في الله، وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون مُلحِداً في أسماء الله (٤) وآياته. مثال ذلك: أن النصوصَ كلها دلَّت على وصف الإله (٥) بالعُلُوِّ والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش. فأمَّا علوُّه ومباينته للمخلوقات، فيُعلمُ بالعقل [الموافق للسمع]. وأمَّا الاستواء (٦) على العرش، فطريق العلم به هو (٧) السمع،

стр. 1475

وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباينه، ولا مداخله، فيظنُّ المتوهم أنه (١) إذا وصف (٢) بالاستواء على العرش، كان استواؤُهُ كاستواء الإنسان على ظهور الفُلكِ والأنعام ... إلى قوله: وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدَّر فَهَدَى، كما (٣) ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأنَّه بَنى السماء بأيدٍ إلى قوله: فلمَّا قال تعالى: ﴿والسماءَ بَنَيْنَاهَا بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧﴾، فهل يُتوهَّمُ أنَّ بناءه (٤) مثلُ بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيلٍ، ومجارِفَ، وأعوانٍ، وضرب لبنٍ، وجبلِ طين، ثم قد عُلِمَ أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عالية مفتقراً إلى سافله، فالهواء والسحاب فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله الأرض، فالعليُّ الأعلى ربُّ كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه؟! أو (٥) إلى عرشه!، أو كيف يستلزم علوُّه على خلقه هذا الافتقارَ!؟. وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] من توهَّم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو جاهلٌ ضالٌّ بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إنَّ الشمس والقمر في السماء (٦) يقتضي ذلك، فإنَّ حرف " في " متعلقٌ بما

стр. 1476

قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف، والمضاف إليه، ولهذا نُفرقُ بين كون الشيء في المكان، وكونِ الجسم في الحيِّز، وكون العَرَضِ في الجسم (١)، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الوَرَقِ، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصةً يتميزُ بها عن غيره، وإن كان حرفُ " في " مستعملاً في ذلك. إلى قوله: ولما (٢) كان قد استقرَّ في نفوس المخاطبين أنَّ الله هو العليُّ الأعلى، وأنه فوق كُلِّ شيء، كان المفهوم من قوله: إنه في السماء، أنه في العُلُوِّ، وأنه (٣) فوق كل شيء. وكذلك الجارية لمَّا قال لها ﷺ : " أين الله؟ "، قالت: في السماء (٤)، إنَّما أرادت العُلُوَّ مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة. إلى قوله كما قال: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فسِيْرُوا في الأرْضِ﴾ [النحل: ٣٦]، وكما قال: ﴿فَسِيْحُوْا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، ويقال: فلانٌ في الجبل، وفي السطح، وإن كان على أعلى شيءٍ فيه (٥) إلى أن قال: القاعدة الخامسة: لقائلٍ أن يقول: لا بُدَّ في هذا (٦) الباب من ضابطٍ يُعرفُ به ما يجوزُ على الله مما لا يجوزُ في النفي والإثبات، إذ

стр. 1477

الاعتمادُ في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الإثبات من غير تشبيه ليس بسديدٍ (١)، وذلك أنه ما من شيئين إلاَّ بينهما قدرٌ مشترك، وقدرٌ مميز. فالنافي إن اعتمد في ما ينفيه على أنَّ هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثلٌ له من كل وجه، فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابهٌ له من وجه دون وجه، أو مشاركٌ له في الاسم، لزِمَكَ هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه، فإنَّه يجوزُ على أحدهما ما يجوزُ على الآخر، ويمتنعُ عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا المعنى ممَّا لا يقولُه عاقلٌ يتصورُ ما يقول، فإنَّه يُعلمُ بضرورة (٢) العقل امتناعُه، ولا يلزَمُ من نفي هذا نفيُ التشابه مفسراً بمعنىً من المعاني، ثم كل من أثبت ذلك المعنى، قالوا: إنَّه مشبه، ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه، وقد يُقرنُ بين لفظ التشبيه والتمثيل، وذلك أنَّ المعتزلة ونحوهم من نُفاةِ الصفات يقولون: كل من أثبت للهِ صفةً قديمة، فهو مشبِّهٌ ممثِّلٌ. فمن قال: إن لله علماً قديماً، أو (٣) قدرةً قديمة، كان عندهم مشبهاً ممثلاً، لأنَّ القِدَمَ عند جمهورهم هو أخصُّ وصف الإلة، فمن أثبت له صفةً قديمة، فقد أثبت له مثلاً قديماً، فيسمونه (٤) ممثلاً (٥) بهذا

стр. 1478

الاعتبار، ومثبتة (١) الصفات لا يوافقونهم (٢) على هذا، بل يقولون: أخصُّ وصفه ما لا يتَّصِفُ به غيره مثل كونه ربَّ العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، ونحو ذلك، والصفةُ لا توصف بشيء من ذلك. ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقولون: الربُّ بصفاته قديمٌ. ومنهم من يقول: هو قديم وصفاته قديمة، ولا تقولُ: هو وصفاته قديمان. ومنهم من يقول: هو وصفاتُه قديمان، ولكن يقولُ: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإنَّ القِدَمَ ليس من خصائص الذات المجردة، بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلاَّ فالذات المجردةُ لا وجود لها عندهم فضلاً عن أن يختصَّ بالقِدَمِ. وقد يقولون: الذاتُ متصفةٌ بالقدم، والصفاتُ متصفةٌ بالقدم (٣)، وليست الصفات إلهاً ولا رباً، كما أنَّ النبي مُحدَثٌ، وصفاتِه محدثةٌ، وليست صفاتُه نبياً فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي يُنَازِعُهم فيه أولئك. ثم يقول لهم أولئك: هَبْ أنَّ هذا المعنى قد يُسمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً، فهذا المعنى لم ينفِه عقلٌ ولا سَمْعٌ، وإنَّما الواجب

стр. 1479

نفيُ ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مُسَمَّى المثل والكفؤ والنِّدِّ ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف، ولا كفؤه ولا نِدَّه، فلا تدخل في النص. وأمَّا العقلُ فلم ينفِ (١) مسمَّى التشبيه في اصطلاح المعتزلة، وكذلك يقولون: إن الصفات لا تقوم إلاَّ بجسمٍ متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفاتُ للَزِمَ أن يكون مماثلاً لسائرِ الأجسام، وهذا هو التشبيه. وكذلك يقولُ هذا كثيرٌ من الصفاتية الذين يثبتون الصفات، وينفون عُلُوَّه على عرشه، وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقومُ بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم، فلا يصحُّ إلاَّ إذا كان جسماً، فلو أثبتنا علوَّه للزم أن يكون جسماً، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه، فلهذا تجد هؤلاء يُسمُّون من (٢) أثبت العلو مُشبهاً، ولا يسمون من أثبت السمع، والبصر، والكلام ونحوه مشبهاً، كما يقوله صاحب " الإرشاد " (٣) وأمثاله. وكذلك يوافقُهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو

стр. 1480

يعلى (١)، وأمثالُه من (٢) مثبتة الصفات والعلو، ولكن (٣) هؤلاء قد يجعلون العُلوَّ صفةً خبرية كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى، فيكونُ الكلام فيه كالكلام في الوجه. وقد يقولون: إنَّ ما تثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه (٤) في سائر الصفات، والعاقل إذا تأمَّل، وجد الأمر في ما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فَرْقَ. وأصلُ كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزمٌ التجسيم، والأجسامُ متماثلة، والمثبتون يُجيبون عن هذا تارة بمنعِ المقدمة الأولى، وتارةً بمنع المقدمة الثانية، وتارةً بمنع كلٍّ من المقدمتين (٥)، وتارةً بالاستفصال، ولا ريبَ أنَّ قولهم: بتماثل الأجسام باطلٌ سواء فسَّروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهُيُولى (٦) والصورة أو نحو ذلك. أما إذا فسَّروه بالمركب من الجواهر المنفردة، وعلى أنها متماثلة،

стр. 1481

فهذا ينبني (١) على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر المنفرد (٢)، وعلى أنه متماثل (٣)، وجمهورُ العقلاء يخالفونهم في ذلك. والمقصود أنهم يُطلقون التشبيه على ما يعتقدونه (٤) تجسيماً بناءً على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة النصب على من تَوَلَّى أبا (٥) بكر وعمر ﵄ بناءً على أن من أحبهما، فقد (٦) أبغض عليّاً ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي. وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى، ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين يشتبهان من وجه، ويختلفان من وجه. وفي (٧) " تاريخِ ابن خلكان " (٨) في حرف الهاء منه في ترجمة البديع الأسطرلابي (٩) أن أصل هيئة الفَلَكِ أن تكون في الكُرة التي هي

стр. 1482

جسم (١) لأنها تشتملُ على (٢) الطول والعرض والعُمق، وتوجدُ في السطح الذي هو مركبٌ من الطول والعرض بغير عمق، ويوجدُ في الخط الذي هو عبارةٌ عن الطول فقط بغيرِ عرض ولا عمق، ولم يبقَ سوى النقطة، ولا يتصوَّر أن يعمل فيها شيء، لأنها ليست جسماً، ولا سطحاً، ولا خطّاً، بل هي طرفُ الخط كما أنَّ الخطَّ طرفُ السطح، والسطح (٣) طرفُ الجسم، والنقطةُ لا تُجزَّأُ انتهى. قلت: الظاهرُ أنَّ النقطة في عُرفِ هؤلاء هي الجوهر في عرف المعتزلة، وأنَّ السطح (٣) عبارةٌ عن الطول والعمق من غير عرضٍ، لأنه سطح (٣) الجسم، والله أعلم، والمعتزلة أخذت من هذه الاصطلاحات أنَّ الجسم هو الطويل العريضُ العميق، وتوهَّم كثير من المتكلمين أن هذا تفسير الجسم في اللغة حتى استشهدوا عليه بقول الشاعر: وأجسَمُ مِنْ عَادٍ جُسُومُ رجالِهم ... وأكثرُ إن عُدُّوا عديداً من التُّرْبِ والعجبُ ممَّن يدَّعي أنه من أهل النظر، ثم يُجوِّزُ أنَّ أهل الوضع اللغوي يعنون بألفاظهم ما يعلم الجميع أنه لم يخطُر لهم على بال، بل لعلَّ كثيراً من منتحلي علم الكلام لم يُحرر فهمَه بعد طولِ البحثِ، فالله المستعانُ. تمَّت. قال الشيخُ (٤): "وأكثرُ العقلاء على خلافِ ذلك، وقد بَسَطْنَا الكلام

стр. 1483

على هذا في غيرِ هذا الموضع (١)، وبُيِّن (٢) فيه حُجَجُ من يقولُ بتماثل الأجسام، وحججُ من نفي ذلك، وبُيِّنَ (٢) فسادُ قول من يقول بتماثلها، وأيضاً فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتمادٌ باطل، وذلك إنه إذا ثبت تماثلُ الأجسام فهم لا ينفُون ذلك إلاَّ بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أنَّ هذا يستلزِمُ الجسم، وثَبَتَ امتناعُ الجسم، كان هذا وحده كافياً في نفي ذلك، لا يحتاجُ نفيُ ذلك إلى نفي مُسمَّى التشبيه، لكن نفي التحيّز يكون مبنياً على نفي هذا التشبيه بأن يُقال (٣): لو ثبت كذا وكذا، لكان جسماً، ثم يقال: والأجسام (٤) مثماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجبُ، ويجوز، ويمتنع، وهذا ممتنعٌ عليه، لكن حينئذٍ يكونُ من سلك هذا المسلك معتمداً في نفي التشبيه على نفي التجسيم فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلكٌ آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه لا يُفِيدُ، إذ ما من شيئين إلاَّ يشتبهان من وجه، ويفترقانِ من وجهٍ بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك ممَّا هو سبحانه مقدسٌ عنه، فإنَّ هذه الطريقة (٥) صحيحة. وكذلك إذا أُثبت (٦) له صفاتُ الكمال، ونُفِيَ مماثلةُ غيره له فيها، فإنَّ هذا نفي المماثلة في ما هو مستحقٌّ له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن

стр. 1484

لا يشرَكَهُ (١) شيءٌ من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكُلُّ صفةٍ من صفات الكمال فهو متَّصفٌ بها على وجهٍ لا يُماثِلُه فيها أحد. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمَّتها إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيءٍ من المخلوقات. فإن قيل: إنَّ الشيء إذا شابَهَ غيره من وجه، جاز عليه من ذلك الوجه ما جاز عليه، أو وَجَبَ له ما وَجَبَ له، أو امتنعَ عليه ما امتنعَ عليه. قيل: هَبْ أنَّ الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدرُ المشترك لا يستلزمُ إثبات ما يمتنِعُ على الربِّ سبحانه، ولا نفيَ ما يستحقُّه لم يكن ممتنعاً، كما إذا قيل: إنَّه موجودٌ، حي، عليم، سميع، بصير، و (٢) قد سمَّى بعض عباده حيّاً عليماً سميعاً بصيراً. فإن قيل: يلزَمُ أنه يجوزُ عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه حياً عليماً سميعاً بصيراً. قيل: لازمُ هذا القدر المشترك ليس ممتنعاً على (٣) الربِّ، فإنَّ ذلك لا يقتضي حدوثاً، ولا إمكاناً، ولا نقصاً، ولا شيئاً ممَّا يُنافي صفات الربوبية، وذلك أنَّ القدر المشترك هو مُسمَّى الوجود، أو الموجود، أو الحياة، أو الحيّ، أو العلم، أو العليم، والقَدَرُ المشتَرك مطلقُ كُلِّي لا يختصُّ بأحدهما دون الآخر، فلم يَقَعْ بينهما اشتراكٌ لا في ما يختصُّ بالممكن المحدث، ولا في ما يختص بالواجب القديم، فإنَّ ما يختصُّ به

стр. 1485

أحدُهما يمتنعُ اشتراكُهما فيه. فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمالٍ كالوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدُلُّ على شيء من خصائص المخلوقين كما لا يدلُّ على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذورٌ أصلاً، بل إثباتٌ هذا من لوازم الوجود، فكُلُّ موجودين لا بُدَّ بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمَهُ تعطيلُ وجودِ كُلِّ موجود. ولهذا لما اطلعَ الأئمَّةُ على أنَّ هذا حقيقةُ قولِ الجهمية سمَّوهم مُعطَّلةً، وكان جَهْمٌ ينكرُ أن يُسمَّى (١) اللهُ شيئاً (٢)، وربما قالتِ الجهميةُ: هو شيء لا كالأشياء. فإذا نُفِيَ القدرُ المشترك مطلقاً، لَزِمَ التعطيلُ التام، والمعاني التي يوصف بها الربُّ تعالى كالحياة، والعلم، والقدرة (٣)، بل والوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها، فإنَّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوتَ اللازم وخصائص المخلوق التي يجبُ تنزيهُ الربِّ عنها ليست من لوازم ذلك أصلاً، بل تلك من لوازمِ ما يختص بالمخلوق من وجودٍ، وحياةٍ، وعلمٍ، ونحو ذلك، والله سبحانه مُنَزَّهٌ عن خصائصِ المخلوق، وملزوماتِ خصائصه، وهذا الموضع من فَهِمَه، وتدَبَّرَهُ زالتْ عنه عامةُ الشبهات، وانكشف له غَلَطٌ كثيرٍ من الأذكياء في هذا المقام، وقد بُسِطَ هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك

стр. 1486

الكُلِّي لا يوجد في الخارج إلاَّ معيناً مُقيَّداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمرٍ من الأمور هو تشابُهها (١) من ذلك الوجه، وأنَّ ذلك المعنى العامَّ يطلق على هذا وهذا إلاَّ أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها (٢) الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله. ولما كان الأمر كذلك، كان كثير من الناس يتناقضُ في هذا المقام، فتارة يظنُّ أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حَذَراً من التشبيه، وتارة يتفطَّن أنه لا بد من إثبات هذا على كل تقدير، فيجيبُ به فيما يثبته من الصفات على من احتج به من النفاة (٣). ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائدٌ على ماهيته، وهل (٤) لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، أو (٥) بالتواطؤ، أو التشكيك كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائدٌ على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات (٦)، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين (٧)، ويُحكى عن الناس مقالات ما

стр. 1487

قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقالات ما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة (١) ما لا تتَّسع له هذه الجمل المختصرة، و (٢) بيَّنَّا أن الصواب هو (٣) أن وجود كل شيء في الخارج هو (٤) ماهيته الموجودة في الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مُغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات، والشيء، والماهية، والحقيقة ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة. فإذا قيل: إنَّها مشككة (٥) لتفاضل مقامها (٦) فالمشكك نوعٌ من المتواطىء العام الذي يراعى فيه دلالةُ اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده أو متماثلاً، وبيَّنَّا أن المعدوم شيء أيضاً في العلم والذهن لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به. وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجودٌ في الأذهان، وليس في الأعيان إلاَّ (٧) الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه (٨) بذلك وتختلف به.

стр. 1488

وأمَّا هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جُملٍ مختصره جامعة من فهمها، عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكانُ إغلاق باب الضلال، ثم بسطُها وشرحُها له مقام آخر، إذ لكل مقامٍ مقالٌ، والمقصود هنا: أن الاعتماد على هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب ويُنَزَّهُ عنه كما يفعله كثيرٌ من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة. فصل: وأفسدُ من ذلك ما يسلُكُه (١) كثير من نُفَاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجبُ تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحُزنِ والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه تعالى بكى على الطُّوفان حتى رَمِدَ، تعالى الله عما يقولون عُلُوّاً كبيراً، والذين يقولون بإلاهية بعض البشر، فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم (٢) أو التحيز أو (٣) نحو ذلك، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات ف إن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوهٍ: الوجه (٤) الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهرُ فساداً في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم (٥)، فإنَّ هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء (٦) ما ليس في ذلك، وكفرُ صاحبِ هذا (٧)

стр. 1489

معلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، والدليلُ مُعَرِّفٌ للمدلول (١)، ومبينٌ له، فلا يجوز أن يُستَدَلَّ على الأظهر الأبين بالأخفي كما [لا] (٢) يفعلُ مثل ذلك في الحدود. الوجه الثاني: أن هؤلاء ينفُون صفات الكمال بمثل هذه الطريق ، واتصافُه بصفات الكمال واجبٌ ثابتٌ بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة. الوجه الثالث: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون ، فكُلُّ من أثبت شيئاً منهم ألزم (٣) الآخر بما يُوافِقُه فيه من الإثبات، كما أن من نفى شيئاً منهم ألزم (٣) الآخر بما يُوافقُه فيه (٤) من النفي. فمثبتة الصفات كالعلم، والقدرة إذا قال لهم النفاة المعتزلة: هذا تجسيمٌ، لأن هذه الصفات أعراضٌ، والعرض لا يقوم إلاَّ بالجسم، أو لأنَّا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلاَّ جسماً، قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حيٌّ عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجوداً حياً عالماً قادراً إلاَّ جسماً، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتُّم حياً بلا حياة، عالماً بلا علم، قادراً بلا قدرة، وهذا تناقضٌ يعلم بضرورة العقل. إلى قوله: ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً لم يسلُكه أحدٌ من السلف والأئمة، فلم يَنْطِق

стр. 1490

أحدٌ منهم في حق الله بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً، ولا بالجوهر والتحيز (١) ونحو ذلك؛ لأنها عباراتٌ مجملة لا تُحِقُّ حقاً، ولا تُبْطِلُ باطلاً. ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكر على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع (٢). يعني حين ردَّ (٣) عليهم قولهم: ﴿عزيرُ ابنُ الله﴾ [التوبة: ٣٠]، وكذلك قول النصارى في المسيح، وكذا (٤) قولُ مشركي العرب بإلهية الأصنام، ولمَّا تحاجَّ رسول الله ﷺ والنصارى في المسيح، احتجَّ ﵇ عليهم بأن المسيح ﵇ كان يأكل ويشرب والله تعالى لا يأكل ولا يشرب، وكذلك قال الله تعالى في المسيح وأمِّه ﵉: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وأمثال هذا كثيرة (٥) جداً. قال: فصل: وأما في (٦) طرق (٧) الإثبات فمعلومٌ أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى ذلك، لجاز أن يُوصَفَ من الأعضاء والأفعال بما لا يُحصَى مما هو ممتنعٌ عليه مع نفي التشبيه عنه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجُوزُ عليه مع نفي التشبيه عنه، كما لو وَصَفَه مُفْتَرٍ بالأكل والشرب، وقال: إنَّه يأكُلُ لا كأكل العباد، ويشربُ لا كشربِهِم. إلى قوله: فإنه يُقالُ لنا في ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها

стр. 1491

من الصفات؛ ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا جعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات، فلا بُدَّ من إثبات فرقٍ في نفس الأمر. فإن قال: العمدة في الفرقِ هو السمع، فما جاء السمعُ به أثبتُّه دون ما لم يجىء به. قيل له: أولاً: السمع هو خبرُ (١) الصادق عمَّا الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به، فهو حقٌّ من نفيٍ أو إثباتٍ، والخبرُ دليلٌ على المخبَرِ عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه (٢)، فما لم يَرِدْ به السَّمْعُ يجوزُ أن يكون ثابتاً في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع. إلى قوله: فيقال: كل ما نفى (٣) صفات الكمال الثابتة لله تعالى فهو منزهٌ عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر. فإذا عُلِمَ أنه موجودٌ واجبُ الوجود بنفسه، وأنه قديمٌ واجبُ القِدَمِ، عُلِمَ امتناعُ العدم والحدوث عليه، وعُلِمَ أنه غنيٌّ عمَّا سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما تحتاج إليه نفسه (٤) ليس موجوداً بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاجُ إليه نفسه (٥)، فلا يوجَدُ إلاَّ به، وهو سبحانه غنيٌّ عن كل ما سواه، فكلُّ ما نافى غناه، فهو مُنَزَّهٌ عنه، وهو سبحانه قديرٌ قويٌّ، فكل (٦) ما نافى قدرته وقوته، فهو منزَّهٌ عنه، وهو

стр. 1492

سبحانه حي قيوم، فكل ما نافى حياته وقيوميته، فهو منزَّهٌ عنه. وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى، وصفات الكمال ما قد ورد، فكلُّ ما ضادَّ ذلك فالسمعُ ينفيه كما ينفى عنه المثل والكُفء، فإن إثبات الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزِمُ ضده، والعقل يَعْرِفُ نفيَ ذلك كما يعرفُ إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفيٌ للآخر، ولما يستلزِمُه، فطرق النفي (١) لما تنزَّهَ الرب سبحانه عنه (٢) متسعةٌ لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير الذين تناقضُوا في ذلك، وفرَّقُوا بين المتماثلين حتى إن كل (٣) من أثبت شيئاً احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه. وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، وقالوا: لا يُقالُ: موجود، ولا ليس بموجودٍ، لأن ذلك تشبيهٌ بالموجود أو المعدوم، فلزمهم نفيُ النقيضين، وهذا أظهر الأشياء امتناعاً، ثم إنه يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات أعظم ممَّا فرُّوا منه، وقد تقدَّم أن ما يُنفَى عنه سبحانه يُنفىلِتُضمُّنِ النفي الإثبات، إذ مجرد النفي المحض لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يُشبِهُ الموجود، وليس هذا مدحاً له، بل مشابهةُ الناقص في صفات النقص نقصٌ مُطلقاً، كما أنَّ مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيلٌ وتشبيهٌ يُنَزَّهُ عنه الربُّ ﵎، والنقصُ ضِدُّ

стр. 1493

الكمال، وذلك مثلُ أنه قد عُلِمَ أنه حي، والموتُ ضدُّ ذلك فهو منزهٌ عنه (١). وكذلك النومُ والسنَةُ ضدُّه كمال الحياة، فإنَّ النوم أخو (٢) الموت، وكذلك اللُّغوبُ نقصٌ في القدرة والقوة، والأكلُ والشربُ، ونحو ذلك من الأمور فيه افتقارٌ إلى موجودٍ غيره، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] والصمدُ: الذي لا يأكُلُ ولا يشرب ولا جوف له، وهذه السورةُ هي نسبُ الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب. ولهذا كانت الملائكة صمداً لا تأكلُ، ولا تشربُ، وقد تقدَّم أنَّ كُلَّ كمالٍ، فالخالقُ أولى به، وكلَّ نقص فالخالقِ أولى بالتنزيهِ عنه. وقد قال سبحانه في حقِّ المسيح وأمه (٣): ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، فجعل ذلك دليلاً على نفي الأُلوهيه، فدلَّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، فهو سبحانه مُنزَّهٌ (٤) عن ذلك، وعن آلاتِه وأسبابِه. وكذلك البكاءُ والحزنُ هو (٥) مستلزمٌ للضعف (٦) والعجز الذي ينزه الله عنه، إلى قوله: وأيضاً فقد ثبت بالعقل ما بيَّنه السمع من أنه سبحانه

стр. 1494

لا كُفُؤ له، ولا سَمِيَّ له، وليس كمثله شيءٌ، فلا يجوزُ أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات ولا حقيقة شيء من صفاتِه كحقيقة شيء من صفات المخلوقين، فيُعلَمُ قطعاً أنه ليس من جنس المخلوقات لا الملائكة، ولا السماوات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا (١) أبدانهم، ولا أنفُسِهم، ولا غير ذلك، بل نعلمُ أنَّ حقيقته عن مماثلة شيء من المخلوقات أبعد من سائر الحقائق، فإن الحقيقتين إذا تماثلتا، جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، فيلزَمُ أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المُحْدَثِ المخلوق من العدم والحاجة، فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه، غير واجبٍ بنفسه، وذلك جمعٌ بين النقيضين، وهذا مما يُعلَمُ به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بَصَرٌ كبصري ونحو ذلك. وليس المقصود هنا استيفاء ما ثبت (٢) له، وما تنزّه (٣) عنه، واستيفاء طرق (٤) ذلك، لأنَّ هذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك، وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يُثبتُه ولا ينفيه، سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت (٥) ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكُتُ عن ما لا (٦) نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم. انتهى كلام ابن تيمية.

стр. 1495

الفصل الثالث: في الإشارة إلى حُجة من كفَّر هؤلاء ، وما يَرِدُ عليها واعلم أنه لا يصلُح (١) إيراد الحُجَّة على التكفير إلاَّ بعد معرفة (٢) مذاهبهم، وإيراد الحجة على بُطلان قولهم، لأن التكفير فرع البطلان، وقد تقدم من كلام ابن تيمية ما إذا رآه من ليس له خوض في علم الكلام، ودِرْيَةٌ بفنِّ النظر تطلَّع إلى معرفة الأدلَّةِ من الجانبين، وقد اشتمل كلام ابن تيمية على الإشارة إلى زُبْدَةِ أدلة المعتزلة، والشيعة، والأشعرية، ولكنه على وجهٍ لا يُفِيْدُ إلاَّ الخاصة، ولا يعرِفُه إلاَّ أهل الدِّرية، لكونه أدخل ذلك في ضمن الردِّ عليهم، ولم يُميِّزه عن غيره، ولا شكَّ أن كلام هذه الطوائف العظيمة، أعني: الشيعة والمعتزلة والأشعرية في هذه المسألة هو المشهور في هذه الأعصار، وخاصة في هذه الديار حتى لا يكاد يخفى على أحدٍ، ولا يختص ببلد دون بلد، فلذلك (٣) تركت التطويل بذكره مستوفى خوف الإملال، ولم أُحِبَّ ذكر اليسير منه خشية الإخلال، وإنما ذكرت كلام متكلمي أهل الحديث لغرابته في ديارنا، وظهور جهل صاحب الابتداء به. وأما معرفة مذاهبهم، فقد تقصَّاها علاَّمة المعتزلة عبد الحميد بن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " لكنه طوَّله تطويلاً كثيراً، واقتصرت منه على المقصود هنا. وأقول (٤): قال الشيخ: واعلم أن التكفير المجمع على صحته

стр. 1496

هو تكذيبُ خبر الله : أو خَبَرِ رسوله (١) ﷺ المعلوم لفظه بالتواتر، ومعناه بالنصوصية الجلية، فَمَنْ كفَّرهم جعلهم مكذبين لما هو كذلك عنده من السمع، وهو قوله تعالى: ﴿ليس كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد تقدم في كلام ابن تيمية في الفصل الثاني جوابهم عن هذا، وإنما أوردته مستوفىً لأجل معرفة هذه النكتة، والمخالفون (٢) يعكسون السؤال على المعتزلة، ويوردون (٣) عليهم ممَّا يخالفونه من الآيات القرآنية ما هو (٤) أكثر من هذه الآية وأصرح، فما أجابت به (٥) المعتزلة أجابوا بمثله. وقد صنف قاضي القضاة عبد الجبار بن (٦) أحمد المعتزلي كتاباً كبيراً في تأويل متشابه القرآن، من وقف عليه عَلِمَ كم خالفت المعتزلة منه، وفي ما تقدَّم من كلام ابن تيمية كفايةٌ في هذا المعنى لمن أنصف وفهم معناه وتأمَّله. وذكر ابن عبد السلام كلاماً نفيساً في عَدَمِ التكفير، وإعذار الغالطين في كتابه " القواعد " (٧) موضعُه رأسُ الثُّلث الأول من القواعد تقريراً أو (٨) قبله بقليل ما لفظُه:

стр. 1497

الفصل الثامن فيما اختلف فيه من تقديم حقوق الله تعالى، ومضمونه: أن كل طائفة من المسلمين نفت عن الله تعالى ما يُعتقد أنه نقصٌ، وإنما يكفُرُ من عَكَسَ هذا، وأزيدُ التنبيه على معرفتين: المعرفة الأولى: أن شرط التكفير بمخالفة السمع أن يكون ذلك السمعُ المخالفُ معلوماً علماً ضرورياً من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى فأما اللفظ -وهو الشرط الأول-، فلا إشكال فيه، لأنه يمتنع ثبوته على جهة القطع بغير التواتر، والتواتر ضروري. فأما الأحاديث الظنية في أصلها المجمع على صحتها، فلا خلاف في (١) أنه لا يكفُرُ مخالفها على جهة التأويل، وإنما اختلف أهل العلم في تلقيها من الأمة بالقبول، هل يدل على القطع بصحتها أم لا؟ فذهب الأكثرون والمحققون إلى أنه لا يُفِيدُ العلم القاطع، ممَّن عزا ذلك إلى الأكثرين والمحققين (٢) النواويُّ في كتابه في " علوم الحديث " (٣)، وذهب بعضهم إلى أنه يدلُّ على القطع بصحتها، واختاره ابن الصلاح (٤)،

стр. 1498

وابن طاهر، وأبو نصر. وسِرُّ المسألة هل تجويز الخطأ في ظن المعصوم (١) لمطلوبه لا لمطلوب الله منه يُناقِضُ العصمة أم لا، والحق أنه لا يُنَاقِضها، كتحري الوقت في الصوم والصلاة، بل كرمي الكُفَّار في الجهاد، والدليل عليه وجوه: الأول: لو امتنع الخطأ في ظن المعصوم لبَطَلَ كونُه ظناً، والفرض أنه ظنٌّ، هذا خلفٌ، وفيه بحث، وهو أنَّ الخطأ امتنع في العلم لنفسه، وفي ظن المعصوم لغيره وهو العصمة. الثاني: قولُ يعقوب ﵇ في شأن (٢) أخي يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨ و٨٣]، كما قال

стр. 1499

ذلك في شأن يوسف. الثالث: قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. الرابع: حديث " فمن حكمتُ له بمال أخيه فإنما أقطع له قِطعَةً من نارٍ " (١). الخامس: ما تواتر وأجمعت عليه الأمة من ثبوت سهو النبي ﷺ في صلاته (٢)، فثبت أنه لا يمكن العلم القاطع بشيءٍ من السمع إلاَّ المتواترات، ولكن ها هنا لطيفة: وهي أن المتواترات نوعان:

стр. 1500

أحدهما: ما عَلِمَهُ العامة مع الخاصة ، كمثل (١) كلمة التوحيد، وأركان الإسلام، فيكفُرُ جاحده مطلقاً (٢)، لأنه قد بلغه التنزيل، وإنما رده بالتأويل، وإن لم يعلم هو ثبوت ما جحده من الدين بسبب ما دخل فيه من البدع والشُّبه التي ربما أدت إلى الشك في الضرورات، ودفع العلوم والحجة على التكفير بذلك مع الشكِّ قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالثُ ثلاثةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، والمعلوم أنهم ما قصدوا تكذيب عيسى، بل قصدوا تصديقه، ويدل على هذا التعليل بالبلوغ، وعلى أن الجهل قبله عذرٌ لا بعده قوله تعالى: ﴿ذلك أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مهلكَ القُرى بظُلْمٍ وأهلُها غافلون﴾ [الأنعام: ٩٢] وهي من أوضح الأدلة على ذلك ولله الحمد. و ثانيهما: ما لا يعرف تواتره إلاَّ الخاصة ، فلا يُكفرُ مستحلُّه من العامة، لأنه لم يبلُغه، وإنما يكفر من استحلَّه وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل: تحريم الصلاة على الحائض (٣) إلى أمثالٍ لذلك كثيرة، وقد شرب

стр. 1501

الخمر مُستحلاً متأولاً قُدامة بن مظعون الصحابي البدري (١) فجلده عمر، ولم يقتله ويجعل ذلك رِدّةً، وأقرت الصحابة عمر على ذلك (٢)، وكان شبهته في ذلك قوله تعالى بعد آية الخمر في المائدة: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناحٌ فيما طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فدلَّ على أنَّ الشُّبهة قد تدخلُ في بعض الضروريات. وأصحُّ من حديثِ قُدامة حديث الرجل الذي أوصى أن يُحْرَقَ ويُسْحَقَ ويُذْر حتى لا يَقْدِرَ الله عليه، فإنه إن قدر عليه عذَّبه عذاباً لا يعذبه أحداً، ثم غَفَرَ الله له لخوفه، متفق على صحته عن أربعة من الصحابة (٣)، وله طرق متواتره ذكرها في "مجمع

стр. 1502

الزوائد" (١) فينبغي التفطن لهذا النوع الذي يختلف العلم به، فلا يقع التكفير به في العقائد، والله أعلم. الشرط الثاني: أن يكون معنى المتواتر معلوماً بالضرورة على الصحيح كما يأتي في الوجه الثاني من المعرفه الثانية، وهذا الشرط إنما يعتبر في حق من أقر بالتنزيل، وإنما خالف في معناه، أما من كذب اللفظ المنزل، أو جحده (٢)، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا (٣) في التأويل، فهؤلاء لا يكفر منهم إلاَّ مَنْ تأويلُه تكذيبٌ، ولكنه سمَاه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً (٤) وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي (٥) علم الكافة بالضرورة أن النبي ﷺ جاء بها على ظاهرها. والدليل على أنه لا يكفُرُ أحدٌ من المخالفين في التأويل إلاَّ من بلغَ هذا الحدَّ في جحد المعاني المعلوم ثبوتُها بالضرورة أنَّ الكُفْرَ: هو تكذيبُ النبيِّ ﷺ ، إمَّا بالتصريح أو بما يستلزمُه استلزاماً ضرورياً لا

стр. 1503

استدلالياً، ومثال ذلك قول هؤلاء وأمثالهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم من تصديق النبي ﷺ ، ثم يقولون: إنه لا يوصف البتة، ويتأولون الصفات الربانية بأن المراد بها الإمام حتى تُوجَّهَ العبادة إلى الإمام، لأن توجيه الصلاة إلى الله يقتضي عندهم (١) التشبيه، إذ كان في التكبير وصفُه بالكبر، وفي الفاتحة وصفُه بالحمد، والرحمة، والربوبية، والمُلك، والعبادة، والإعانة، والهداية، والإنعام، والغضب، وهذا كلُّه عندهم تشبيهٌ، وتمثيلٌ، وكفرٌ، وضلال فأُروا (٢) أن توجيه هذه الصلاة إلى الله (٣) أعظمُ الكفر (٤)، وأوجبُوا توجيهها إلى أئمَّة كُفرِهم، أو (٥) إلى بعض أئمَّة الإسلام الذين هُم أبغضُ الخلقِ لهم تمويهاً على المسلمين، وخديعةً للدين، فأيُّ كفرٍ أعظمُ من كفرهم؟ وأيُّ كيدٍ أضرُّ من كيدهم؟ وأما أهل البدع الذين آمنوا بالله وبرسله وكتبه واليوم الآخر، وإنما غَلِطُوا في بعض العقائد لشُبهَةٍ قَصَرَت عنها أفهامُهم، ولم تبلُغ كشفَها معرفتُهم، فلا دليل على كفرهم، ومن كفَّرهم، فقد اغترَّ في تكفيره من الشبهة بمثل ما اغتروا به في بدعتهم من ذلك. ألا ترى أنهم يُلزِمُونَ من أقرَّ بالاستواء مع نفيه التشبيه الكفر من حيث إنه جاحدٌ، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وكيف يصح نسبةُ الجحودِ لهذه الآية إليه، وهو يُقِرُّ بها

стр. 1504

بعينها، ولا يتأوّلها ويقول: إنه تعالى يستوي كما أراد، لا كاستواء الأجسام، وأكثر ما يقول: إنَّه جسمٌ لا كالأجسام، فقوله: لا كالأجسام تصديقٌ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وشرطُ الكفر أن يكون تكذيبُه بالآية معلوماً علماً قاطعاً (١)، وقيل: ضرورياً، وهو الصحيح، وأيُّ قطعٍ على تكذيبه بها، وهو يقول: لا كالأجسام، ويقول: إنها صحيحة المعنى، محكمة غير مأولة (٢)، وهذا الذي اختاره الإمام يحيى بن حمزة في " التمهيد "، وحكى شارح " جمع الجوامع " لابن السبكي عن أحمد بن حنبل أن من قال: جسمٌ لا كالأجسام فهو كافرٌ. المعرفة الثانية: أن التكفير سمعي محضٌ لا مدخل للعقل فيه، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يكفر بمخالفة الأدلة العقلية وإن كانت ضروريةٌ ، فلو قال بعضُ المُجَّان وأهل الخلاعة: إن الكلَّ أقلُّ من البعض لكانت هذه كذبةٌ، ولم يحكم أحدٌ من المسلمين بردته مع أنه خالف ما هو معلومٌ بالضرورة من العقل، وما لا يُوجَدُ في العلوم العقلية أوضح منه. ولو قال: إنَّ صلاة الظهر أقلُّ من صلاة الفجر، لكفر بإجماع المسلمين، فإن خالف العقل والسمع معاً، مثل قول القرامطة: إنَّ المؤثر في وجود الموجودات يجب أن لا يكون موجوداً ولا معدوماً، كفر (٣) لأجل مخالفة السمع فقط، إذ لو قال بمثل هذه الضلالة فيما لم يَرِدْ به السمع لما كفر، مثل الكلام في الماهيات الكليات الذهنيات كماهية الإنسان التي في

стр. 1505

الذهن، فإنَّ من قال: إن لها وجوداً في الخارج، أو لا وجود لها فيه، بل هي معدومةٌ، أو قال: لا يُوصَفُ بواحدٍ منهما، لم يستحق الكفر سواء كان خطأ معلوماً بالضرورة أم لا، ما ذلك إلاَّ لأن السمع لم يرد في ذلك بأمر يكون رادُّه مكذباً له، فتأمل ذلك. فإذا تقرَّر ذلك، فاعلم أن أبعَدَ الناس من الكفر من عظَّم السمع وعظَّم الإيمان بما فيه مع (١) البُعد من التمثيل والتشبيه، وإن اطلع أهل الأنظار العقلية على غَلَطِه أو رِكَّةِ بعض أدلته، فقد يكون إيمان بعض المؤمنين صحيحاً مؤمناً له من عذاب الله، مُقَرِّباً له من الله، ويكون عليه في تَصَرُّفِه في النظر والاستدلال مؤاخذاتٌ لا سيما في العبارة، وذلك لعدم ارتياضه (٢) على تهذيب العبارات، وقلَّة دريته بتحرير المقدِّمات، لا لضعف إيمانه، ولا لضعف دليله، وقد يوردُ المتحذلِقُ في علم (٣) الجدل الشُّبَهَ، فيكسوها من حسن الترصيف، وجودة الترتيب ما يُموِّهُ به على كثير من المتعاطين لعلم النظر، والمنقطعين في فنِّ الكلام، فإيَّاك والاغترار بذلك، فإن أكثر المعاني المشوَّهة تُسْتَرُ بالعبارات المموّهة. الوجه الثاني: أنَّ الدليل على الكفر والفِسْقِ لا يكون إلاَّ سمعياً قطعياً ولا نزاع في ذلك، وإنَّما النزاع في بعض الأدِلَّةِ على التكفير، هل هو قاطعٌ أم لا؟، وأنت إذا عَرَفْتَ معنى القاطع، عرفتَ الحقَّ في تلك الأدلة المعينة. واعلم أن القطعَ لا بُدَّ أن يكون من جهة ثبوت النصِّ الشرعي في

стр. 1506

نفسه، ومن جهة وضوح معناه. فأمَّا ثبوتُه فلا طريق إليه إلاَّ التواتر الضروري كما تقدم. وأما وضوح معناه، فهل يمكن أن يكون قطعياً، ولا يكون ضرورياً؟ في كلام كثيرٍ من الأصوليين ما يقتضي تجويز ذلك، وفي (١) كلام بعضهم ما يمنع من ذلك، وهو القويُّ عندي أن (٢) القطع على معنى النصِّ من قبل (٣) النقل عن أهل اللغة أنهم يعنُونَ باللفظ المعين معناه المُعيَّن دون غيرِه، وهذا (٤) طريقُه (٥) النقل لا النظر، وما كان طريقه النقل لا النظر لم يدخله القطع الاستدلالي، وإنَّما يكون من قبيل المتواترات وهي ضروريةٌ، ويُؤيِّدُ هذا أن شرط القطع، بمعنى النص مع تواتُرِ معناه لغةً القطع ينفي الاشتراك، والتجوز، والإضمار، والمعارضة، والنسخ، والتخصيص، والاستدلال القاطع على عدم هذه متعذرٌ، لأنه لا مستند لذلك إلاَّ عدمُ الوجدان بعد الطلب، وذلك لا يُفِيدُ القطع البتة، ومنتهى ما يفيد الظن لا سوى، كما ذلك مقررٌ في العلوم النظرية بل مقررٌ في العلوم (٦) الفِطرية، فإن كل عاقل يُجَرِّبُ مثل ذلك، فلِمَ يطلب الإنسان الشيء فلا يجده ثم يجده؟. وقد أورد الرازي هذا السؤال في باب اللغات من " محصوله " (٧)

стр. 1507

مُهذَّباً مُطوَّلاً، وأجاب عنه بما معناه: أن العلم بالمقاصد يكون مع القرائن ضرورياً، فإنا نعلم مراد الله سبحانه بالسماوات والأرض بالضرورة (١)، لا بكون (٢) لفظ السماء موضوعاً لِمُسماه، لدخول الاشتراك والمجاز والإضمار في الأوضاع اللغوية. فإذا تقرَّر هذا، ثبت أن (٣) الدليل القطعى على التكفير ليس هو إلاَّ العلم الضروري بأن هذا القول المعين كفرٌ، وهذا غير موجود إلاَّ في مثل من قدمنا ذكره من القرامطة، ألا ترى أن من أوضح الألفاظ في هذا المعنى لفظ الكفر، وقد جاء بمعنى كفر النعمة، وحَمَلَه على ذلك كثيرٌ من العلماء في أحاديث كثيرةٍ، وجاء في كلام النبي ﷺ وصف النساء بالكفر، قالوا: يا رسول الله، يكفرن بالله، قال: " لا، يكفرن العشير " (٤) وهو الزوج، وجاء في الحديث إطلاق الكفر على النياحة والطعن في الأنساب (٥)، والانتساب إلى غير الأب (٦)، ومن ثم اختلف الناس في تكفير قاطع

стр. 1508

الصلاة لورود النص بكفره (١). والقصد التنبيه (٢) على أن لفظ الكفر الموضوع في الشرع لمضادة الإسلام إذا لم يكُن قاطعاً في معناه الشرعي، فكيف بكثيرٍ من الاستخراجات البعيدة والاستنباطات المتكلفة، والإلزامات المتعسفة، والمفهومات المُتخيلة (٣)، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " (٤)، ولا ملجأ للمسلم إلى التعرُّض لمثل هذا الذنب العظيم، والخطأ في العفو أولى من الخطأ في العقوبة، وتقوى الله نِعْمَ الوازِعُ، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين. وهذا الكلام الذي ذكرته في شرائط التكفير والتفسيق هو على قواعد المعتزلة والشيعة وجُلِّ سائر المتكلمين، وهو عندي صحيح في من يُرادُ القطع بكفره، وأما من لا يراد القطع بكفره ففيه لي (٥) نظر ليس هذا مَوْضِعَ

стр. 1509

ذكره، وقد ذكره الفقيه حميد في " العمدة " (١) وقوَّاه وعزاه إلى الإمام المنصور بالله (٢)، والله سبحانه أعلم. وهذا الكلام كله يتعلق بتكفير المعتزلة أو بعضهم لبعضِ مثبتي الصفات بسبب مخالفة المعلوم من السمع، وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والمعنى المعلوم بالضرورة من الدين في هذه الآية الشريفة المجمع عليه بين المسلمين: هو تكفير من أثبت لله تعالى مثلاً في الربوبية، أو في صفات الربوبية، أو في بعض صفاتها التي هي من خواصِّ الربوبية دون من أثبت سائر صفات الكمال التي يُمْدَحُ الربُّ ﷻ بالاتصاف بها وسماها المثل الأعلى، وتمدَّح بها في قوله : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] ومدحه بذلك رسول الله ﷺ ، وجميعُ سلفِ الأمةِ مُتقربين إليه بمدحه بها (٣) وتسميته ووصفِه في صلواتهم، وتلاواتهم، وخُطَبهم، ومواعظهم، ومناجاتهم مجمعين على إطلاقها من غير تأويلٍ، ولا تنبيه على ذلك، كيف وهذا أمير المؤمنين الذي يدَّعي عليه كثيرٌ (٤) من

стр. 1510

أهل البدع موافقتهم فيها (١). نقول: فيما رواه السيد الإمام الناطق بالحق أبو طالب الحسني ﵀ في كتابه " الأمالي ": أخبرنا أبي، أخبرنا (٢) عبد الله بن أحمد بن سلام، أخبرنا أبي، أخبرنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا عليُّ بن الخطاب الخَثْعَمي، حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري، عن بشير، عن زيد بن أسلم، أن رجلاً سأل علياً ﵇ في مسجد الكوفة، قال: هل تَصِفُ لنا ربَّنا؟ فَغَضِبَ وخطب خطبته التي أولها: الحمد لله الذي لا يضره المنع، ولا يُكديه الإعطاء، وفيها دلالة (٣) على معنى ما رُوِيَ عنه ﵇ من أن الله تعالى لا يوصَفُ إن كان صح ذلك عنه، وذلك قوله ﵇ في هذه الخطبة بعد أن وصف الله سبحانه بالصفات الحميدة، ثم قال ﵇: فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته، وتقدَّمَكَ فيه الرسلُ بينك وبين معرفته. وكذلك وصيتُه ﵇ لولده الحسنِ بن علي ﵉، وما اشتملت عليه من تعظيم القرآن، وما جاءت به الرسل، ووجوب الرجوع إليه، والاعتماد عليه، رواها السيد الإمام أبو طالب الحسني ﵀ في " أماليه "، فقال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني، أخبرنا محمد بن العباس بن الوليد الشامي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن عقبة الأسدي الكوفي، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن إسماعيل القطَّان، أخبرنا إسماعيلُ بن مِهْران، أخبرنا عبد الله بن الحارث
следующие страницы →