قال صالح: قال أبي: ثَقَبَتْ أُمي أُذُنيَّ، فكانت تُصيِّرُ فيهما لؤلؤتين، فلمَّا ترعرعتُ، نزعتهما، فكانتا (١) عندها، ثم دَفَعَتْهما إليَّ، فبِعْتُهما بنحوٍ من ثلاثين درهماً.
فصلٌ في شيوخه:
طلب العِلْمَ وهو ابنُ خمس عشرة سنة، في العام الذي مات فيه مالكٌ، وحمادُ بن زيد.
فسَمِعَ من إبراهيم بن سعدٍ قليلاً، ومن هُشيم بن بشير فأكثر، وجوَّد، ومن عبَّاد بن عباد المهلبي، ومعتمر (٢) بن سُليمان التيمي، وسفيان بن عيينة الهلالي، وأيوب بن النجار، ويحيى بن أبي زائدة، وعليِّ بن هاشم بن البريد، وقُرَّان بن تمَّام، وعمَّار بن محمد الثوري، والقاضي أبي (٣) يوسف، وجابر بن نوح الحِمَّاني، وعلي بن غُراب القاضي، وعمر بن عبيد الطنافسي، وأخويه يعلى، ومحمدٍ، والمطلب بن زياد، ويوسف بن الماجِشَون، وجريرِ بنِ عبد الحميد، وخالد بنِ الحارث، وبشر بن المفضل، وعبَّاد بن العوام، وأبي بكر بن عيَّاش، ومحمد بن عبد الرَّحمن الطُّفاوي، وعبدِ العزيز بن عبد الصمد العمِّي (٤)، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، والنضر بن إسماعيل البجلي، وأبي خالد الأحمر، وعلي بن ثابتٍ
стр. 1542
الجزري، وأبي عُبيدة الحداد، وعَبِيدَة بن حميد الحذاء، ومحمد بن سلمة الحرَّاني، وأبي معاوية الضرير، وعبد الله بن إدريس، ومروان بن معاوية، وغُنْدَر، وابن عُلَيَّة، ومَخْلد بن يزيد الحراني، وحفص بن غياث، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن فُضيل، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سُلَيْمٍ حديثاً واحداً، ومحمد بنِ يزيد الواسطي، ومحمد بن الحسن المُزَني الواسطي، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، وشعيب بن حرب، ووكيعٍ فأكثر، ويحيى القطان فبالغ، ومسكين بن بُكَير، وأنس بن عِياض الليثي، وإسحاق الأزرق، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ (١) بن هشام، وعبد الأعلى السامي (٢)، ومحمد بن أبي عدي، وعبدِ الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن بشر، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن بكر، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبي عاصم، وعبد الرزاق، وأبي نعيم، وعفَّان، وحسين بن علي الجُعفي (٣)، وأبي النضر، ويحيى بن آدم، وأبي عبد الرحمن المقرىء، وحجاج بن محمد، وأبي عامرٍ العَقَدي، وعبد الصَّمَد بن عبد الوارث، وروح بن عبادة، وأسود بن عامر، ووهب بن جرير، ويونس بن محمد، وسليمان بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وخلائق إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد (٤)، وعليِّ بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهارون بن معروف، وجماعة من أقرانه.
стр. 1543
فعدَّة شيوخه الذين روى عنهم في " المسند " مئتان وثمانون ونيِّف.
حدَّث عنه البخاري حديثاً، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثاً آخر في المغازي، وحدَّث عنه (١) مسلم، وأبو داود بجملةٍ وافرة، وروى أبو داود أيضاً، والنسائي والترمذي، وابن ماجة عن رجلٍ عنه، وحدث عنه (٢) أيضاً ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وشيوخه: عبد الرزاق، والحسن بن موسن الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي لم يُسمِّه، بل قال: حدثني الثقة. وحدَّث عنه علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودُحيم، وأحمد بن صالح، وأحمد بن أبي الحواري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن الفرات، والحسن بن الصَّبَّاح البزار، والحسن بن محمد بن (٣) الصباح الزعفراني، وحجَّاج بن الشاعر، ورجاء بن المرجَّى، وسلمة بن شبيب، وأبو قِلابة الرقاشي، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن منصور الطوسي، وزياد بن أيوب، وعباس الدوري، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسحاق الكَوْسج، وأبو بكر الأثرم، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر المرُّوذي، وأبو زرعة الدمشقيُّ، وبقيُّ بن مَخْلَدٍ، وأحمدُ بنُ أصرمَ المُغَفَّلي، وأحمد بن منصور الرمادي، وأحمد بن ملاعب، وأحمد بن أبي خيثمة، وموسى بن هارون، وأحمد بن علي الأبَّار، ومحمد بن عبد الله مُطَيَّن، وأبو طالب أحمدُ بن حميد، وإبراهيمُ بن هانىء النيسابوري، وولده إسحاق بن إبراهيم، وبَدْرٌ المغازلي، وزكريا بن
стр. 1544
يحيى الناقد، ويوسفُ بن موسى الحربي (١)، وأبو محمد فوران، وعُبدوس بن مالك العَطَّار، ويعقوبُ بن بُختان، ومهنى بن يحيى الشامي، وحمدان بن علي الوراق، وأحمد بن محمد القاضي البِرتي، والحسين بن إسحاق التُّسْتَري، وإبراهيم بن محمد بن الحارث الأصبهاني، وأحمد بن يحيى بن ثعلب، وأحمدُ بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، وعمر بن حفص السدوسي، وأبو عبد (٢) الله محمد بن (٣) إبراهيم البُوشَنْجي، ومحمد بن عبد الرحمن السامي، وعبدُ اللهِ بن محمد البَغَوي، وأممٌ سواهم.
وقد جَمَعَ أبو محمد الخلاَّل جزءاً في تسمية الرواة عن أحمد سمعناه من الحسن بن علي، عن جعفر، عن السِّلفي، عن جعفر السَّرَّاج عنه، فعدَّ فيهم وكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم.
قال الخطيب في كتاب " السابق " (٤): أخبرنا أبو سعيدٍ الصيرفي، حدثنا الأصمُّ، حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن يحيى بن سعيد، عن شُعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارقٍ، أن عمر قال: إنما الغنيمة لمن شَهِدَ الوقعة (٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرعة أن أحمد أصلُه بصريٌّ،
стр. 1545
وخِطَّتُه بمرو، وحدثنا صالح سمعت أبي يقولُ: مات هُشيمٌ فخرجت إلى الكوفة سنة ثلاثٍ وثمانين وأول رحلاتي إلى البصرة سنة ستٍ، وخرجت إلى سُفيان سنة سبع، فقدِمْنَا وقد مات الفضيل بن عياض، وحَجَجْتُ خمس حجج، منها ثلاثٌ راجلاً، أنفقت في إحداها ثلاثين درهماً، وقَدِمَ ابن المبارك في سنة تسعٍ وسبعين، وفيها أول سماعي من هُشيم، فذهبت إلى مجلس ابن المبارك، فقالوا: قد خَرَجَ إلى طَرَسُوس، وكتبت عن هُشيمٍ أكثر من ثلاثة آلافٍ ولو كان عندي خمسون درهماً، لخرجت إلى جريرٍ إلى الرَّي.
قلتُ: قد سمع منه أحاديث.
قال: وسمعتُ أبي يقول: كتبت عن إبراهيم بن سعد في ألواح، وصليت خلفه غير مرةٍ، وكان يُسلِّمُ واحدةً، وقد روى عنه من شيوخه ابن مهدي.
فقرأتُ على إسماعيل بن الفراء، أخبرنا ابن قُدامة، أخبرنا المبارك بن خضير، أخبرنا أبو طالب اليُوسُفي، أخبرنا إبراهيم بن عمر، أخبرنا عليُّ بن عبد العزيز، حدَّثنا ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سِنان، سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: كان أحمد بن حنبل عندي، فقال: نظرنا فيما كان يُخالِفُكم فيه وكيعٌ، أو فيما يخالف وكيعٌ الناس، فإذا هي نيِّفٌ وستون (١) حديثاً.
ومن صفته: كان شيخاً طُوالاً أسمر شديد السُّمرة (٢).
وقال المَرُّوذيُّ: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت خاشعاً،
стр. 1546
فإذا كان بَرّاً (١)، لم يتبين منه شِدَّةُ خُشُوعٍ، وكنتُ أدخل، والجزء في يده يقرأُ.
رحلته وحفظه:
قال صالحٌ: سمعت أبي يقول: خرجت إلى الكوفة، فكنت في بيتٍ تحت رأسي لبنةٌ، فحُمِمْتُ (٢)، فرجعت إلى أمي، ولم أَكُنِ استأذنتُها.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله، يقول: تزوَّجتُ وأنا ابن أربعين سنة، فَرَزَقَ الله خيراً كثيراً.
قال أبو بكر الخلال في كتاب " أخلاق أحمد "، وهو مجلد: أملى عليَّ زهير بن صالح بن أحمد، قال: تزوَّج جدي عباسة بنت الفضل من العرب، فلم يُولَدْ له منها غيرُ أبي. وتُوفيت فتزوَّج بعدها ريحانة، فولدت عبد الله عمي، ثم تُوفيت، فاشترى حُسْنَ، فولدت أُمَّ علي زينب، وولدت الحسن والحسين توأماً (٣)، وماتا بقرب ولادتهما، ثم ولدت الحسن ومحمداً (٤)، فعاشا حتى صارا من السنِّ نحو أربعين سنة، ثم ولدتْ سعيداً.
قيل (٥): كانت والدة عبد الله عوراء، وأقامت معه سنين.
стр. 1547
قال المَرُّوذي: قال لي أبو عبد الله: اختلفتُ إلى الكُتَّاب، ثم (١) اختلفتُ إلى الديوان، وأنا ابنُ أربع عشرة سنة.
وذكر الخلالُ حكاياتٍ في عقل أحمد وحياته في المكتب ووَرَعِه في الصِّغر.
حدثنا المرُّوذيُّ: سَمِعْتُ أبا عبد الله، يقولُ: مات هُشيم ولي عشرون سنةً، فخرجتُ أنا والأعرابيُّ -رفيقٌ كان لأبي عبد الله- قال (٢): فخرجنا مُشاةً، فوصلنا الكوفة، يعني: في سنة ثلاث (٣) وثمانين، فأتينا أبا معاوية، وعنده الخلق، فأعطى الأعرابي حَجَّة بستين درهماً، فخرج وتركني في بيتٍ وحدي، فاستوحشتُ، وليس معي إلاَّ جِرابٌ فيه كتبي، كنت أضعه فوق لبنة، وأضعُ رأسي عليه، وكنت أذاكِرُ وكيعاً بحديث الثوري، وذكر مرة شيئاً (٤)، فقال: هذا عند هُشيمٍ؟ فقلت: لا. وكان ربَّما ذكر العشر أحاديث، فأحفظُها، فإذا قامَ، قالوا لي، فأُمْليها عليهم.
وحدثنا عبد الله بن أحمد، قال لي أبي: خذ أيَّ كتابٍ شئت من كُتُبِ وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أُخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أُخبِرَكَ أنا بالكلام.
وحدثنا عبد الله بن أحمد: قال لي أبي (٥) سمعتُ سفيان بن وكيعٍ،
стр. 1548
يقول: أحفظُ عن أبيك مسألةً من نحو أربعين سنةً. سُئل عن الطلاق قبل النكاج، فقال: يروى عن النبي ﷺ ، وعن عليٍّ وابن عباس ونيِّفٍ وعشرين من التابعين، لم يَرَوْا به بأساً، فسألتُ أبي عن ذلك، فقال: صَدَقَ، كذا قلت.
قال: وحفظتُ أني سمعتُ أبا بكر بن حماد، يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، يقول: لا يُقَالُ لأحمد بن حنبل: من أين قُلْتَ؟
وسمعت أبا إسماعيل التِّرمِذِيَّ، يذكر عن ابنِ نُمَيْر، قال: كنت عند وَكيعٍ، فجاءه رجلٌ أو قال: جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: ها هنا رجل بغدادي يتكلَّم في بعض الكوفيين، فلم يَعْرِفْهُ وكيعٌ، فبينا نحن إذ طلع أحمد بن حنبل، فقالوا: هذا هو، فقال وكيعٌ: ها هنا يا أبا عبدِ الله، فأفرجوا له، فَجَلُوا يذكرون عن أبي عبد الله الذي يُنْكِرُوْنَ، وجَعَلَ أبو عبد الله يحتجُّ بالأحاديث عن النبي ﷺ . فقالوا لوكيع: هذا بحضرتِك تَرَى ما يقول؟ فقال: رجلٌ يقول: قال رسول الله ﷺ ، أيشٍ أقول له؟ ثم قال: ليس القول إلاَّ كما قُلْتَ يا أبا عبدِ الله، فقال القومُ لوكيع: خَدَعَكَ والله البغدادي.
قال عارم: وضعَ أحمدُ عندي نفقته، فقُلْتُ له يوماً، يا أبا عبدِ الله، بَلَغَني أنَّك من العرب. فقال (١): يا أبا النعمان، نحن قومٌ مساكينٌ فلم يَزَلْ يُدَافِعُني حتى خَرَجَ، ولم يقلْ لي شيئاً.
قال الخلالُ: أخبرنا المَرُّوذي: أنَّ أبا عبد الله، قال: ما تَزَوَّجْتُ إلاَّ بعدَ الأربعين.
стр. 1549
وعن أحمد الدَّوْرَقي، عن أبي عبد الله، قال: نحنُ كتبنا الحديث في ستَّة وجوهٍ و (١) سبعة لم نَضْبِطْهُ، فكيف يضبطه (٢) من كتَبَه من وجهٍ واحد؟!.
قال عبدُ الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: أبوكَ يحفظُ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه، فأخذتُ عليه الأبواب.
فهذه حكايةٌ صحيحة في سَعَةِ علم أبي عبد الله، وكانوا يعُدُّون في ذلك المُكَرَّر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك. وإلاَّ فالمتونُ المرفوعة القوية لا تبلُغُ عُشْرَ مِعشارِ ذلك ... إلى قول الذهبي (٣):
قال صالحُ بنُ أحمد (٤): قَدِمَ المتوكلُ، فَنَزَلَ الشمَّاشِيَّة (٥) يُريدُ المدائن، فقال لي أبي: أُحِبُّ أنْ لا تذهبَ إليهم تُنَبِّهُ عليِّ، فلمَّا كان بَعْدَ يومٍ أنا قاعد، وكان يوماً مطيراً، فإذا بيحيى بن خاقان قد جاءَ في مَوْكبٍ عظيم، والمطرُ عليه، فقال لي: سبحان الله لم تَصِرْ إلينا حتَّى تُبَلِّغَ أمير المؤمنين السلام عن شيخِك، ثم نَزَلَ خارج الزُّقاق، فجَهَدْتُ به أن يدخُلَ على الدابةِ فلم يفعَلْ، فجعل يخوضُ في المطير. فلمَّا وَصَلَ نزع جُرْمُوقَه (٦)، ودخل، وأبي في الزاوية عليه كِسَاءَ، فسلَّم عليه، وقبَّل
стр. 1550
جبهتَه، وسأَلَهُ عن حالِه، وقال: أميرُ المؤمنين يُقرِئُك السلام، ويقول: كيف أنت في نفسك؟ وكيف حالك؟ وقد أَنِسْبُ بقربك (١) ويسألُك أن تدعو له، فقال: ما يأتي عليّ يومٌ إلاَّ وأنا أدعو الله له. ثم قال: قد (٢) وجَّه معي ألف دينار تُفَرِّقُها على أهل الحاجة، فقال: يا أبا زكريا، أنا في بيتٍ منقطعٍ، وقد أعفاني من كل ما أكرهُ، وهذا مما أكره (٣) فقال: يا أبا عبد الله، الخلفاءُ لا يحتملون هذا. فقال: يا أبا زكريا، تلطَّف في ذلك، فدعا له، ثم قام، فلما صار إلى الدار، رجع، فقال: هكذا لو وجَّه إليك بعضُ إخوانك كنت تفعل؟ قال: نعم، فلما صِرنا إلى الدهليز، قال: قد أمرني أمير المؤمنين أدفعها إليك تُفَرِّقُها، فقلت: تكون عندك إلى أن تمضي هذه الأيام.
أحمد بن محمد بن الحسين بن معاوية الرازي، حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، سمعت المِسْعَرَ بن (٤) محمد بن (٥) وهب، قال: كنتُ مُؤدِّباً للمتوكل، فلمَّا استخلف، أدناني، وكان يسألُني وأُجيبُه على مذهب الحديث والعلم، وإنه جلسَ للخاصة يوماً، ثم قام، حتى دخل بيتاً لَهُ من قوارير، سقفُه وحيطانُه وأرضُه (٦)، وقد أُجري له الماء فيه، يتقلَّبُ فيه (٧). فمن دَخَلَه، فكأنَّه في جوفِ الماء جالسٌ. وجَلَسَ عن يمينِه الفتحُ بنُ خاقان، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان (٨)، وعن يسارِه بُغا
стр. 1551
الكبير، ووصيف، وأنا واقفٌ إذ ضحك، فأرمَّ (١) القوم، فقال: ألاَ تسألوني مِنْ ما ضَحِكتُ؟! إنِّي ذات يومٍ واقفٌ على رأسِ الواثق، وقد قَعَدَ للخاصة، ثم دَخَلَ هنا، ورمتُ الدخول فَمُنِعْتُه ووقفت حيث ذاك الخادمُ واقفٌ، وعنده ابن أبي دُوَاد، وابنُ الزيات، وإسحاقُ بن إبراهيم. فقال الواثق: لقد فكرت فيما دعوت إليه الناس من (٢) أن القرآن مخلوقٌ، وسرعةِ إجابة من أجابنا، وشدة خلاف من خالفنا مع الضرب والسيف، فوجدتُ من أجابنا رَغِبَ فيما في أيدينا، ووجدتُ (٣) من خالفنا معه دينٌ وَوَرَعٌ، فدخل قلبي من ذلك أمرٌ وشكٌّ حتى هممتُ بترك ذلك. فقال ابن أبي دُوَاد: الله الله يا أمير المؤمنين! إن تُميتَ سُنَّةً قد أحييتها، وأن تُبْطِلَ ديناً قد أقمته. ثم أطرقوا، وخاف ابن أبي دُوَاد، فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن هذا القول الذي تدعو الناس إليه لهو الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، وبعث به نبيَّه، ولكنَّ الناسَ عَمُوا عن قبوله. قال الواثق: فَبَاهِلُوني (٤) على ذلك. فقال أحمد: ضربَهُ الله بالفالج إن لم يكُن ما يقُولُ حقاً، وقال ابن الزيات: وهو فَسَمَّرَ الله يديه (٥) بمسامير في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقاً بأن القرآن مخلوق. وقال إسحاق بن إبراهيم: وهو فأنتن اللهُ ريحَه في الدنيا إنْ لم يكن ما يقولُ حقاً، وقال نجاح: وهو فقَتَلَه اللهُ في أضيق محبسٍ، وقال إيتاخ: وهو فَغَرَّقَهُ الله، وقال الواثق: وهو فأحرق الله بدنه بالنار إن لم يكن ما يقول حقاً من أن القرآن مخلوقٌ، فأضحكُ أنه لم
стр. 1552
يَدْعُ أحدٌ منهم يومئذٍ إلاَّ استُجِيْبَ.
أمَّا ابن أبي دواد، فقد ضربه الله بالفالج، وأمَّا ابن الزيات، فأنا أقعدته في تنُّورٍ من حديد، وسمَّرتُ يديه (١) بمسامير، وأما إسحاق، فأقبل يَعْرَقُ في مرضه عرقاً (٢) مُنْتِناً حتى هرب منه الحميمُ والقريب، وأما نجاح، فأنا بنيتُ عليه بيتاً ذراعاً في ذراعين حتى ماتَ، وأمَّا إيتاخ، فكتبتُ إلى إسحاق بن إبراهيم، وقد رَجَعَ من الحجِّ فقيَّده وغرَّقه، وأما الواثق، فكان يُحِبُّ الجماع، فقال: يا ميخائيل: أبغني دواء الباه (٣) فقال: يا أمير المؤمنين؛ بدنَك فلا تَهُدَّه، لا سيما إذا تكلَّفُ الرجل الجماع. فقال: لا بدَّ منه، قال: عليك بلحم السبع، يُؤخَذُ رِطْلٌ فيُغلى سبع غليات بِخَلِّ خَمرٍ عتيقٍ. فإذا جلستَ على شُربك، فخذ منه زِنَةَ ثلاثة دراهم، فإنك تَجِدُ بُغيتك. فلها أياماً، ثم قال: عليَّ بلحم سبعٍ الساعة، فأُخرج له سبعٌ، فذُبح واستعمله. قال: فسُقي (٤) بطنُه، فجُمِعَ له الأطباء، فأجمعوا على أن لا دواء له إلاَّ أن (٥) يُسْجَر له تنورٌ بحطبِ الزيتون، حتى يمتلىء جمراً، ثم يُكسَحَ ما فيه، ويُحشى بالرُّطبة، ويقعد فيه ثلاث ساعات، فإن طَلَبَ ماءً لم يُسْقَ، ثم يخرجُ، فإنه يَجِدُ وَجَعَاً شديداً، ولا يُعَادُ إلى التنور إلاَّ بعد ساعتين، فإنه يجري ذلك الماء، ويخرُجُ من مخارج البول، وإن هو سُقِيَ أو رُدَّ إلى التنور، تَلِفَ. فسُجِرَ له التنور، ثم أُخرج الجمرُ، وجُعِلَ على ظهر التنور، ثم
стр. 1553
حُشِيَ بالرُّطبة. فعُرِّيَ الواثق، وأُجْلِسَ فيه، فصاح، وقال: أحرقتموني، اسقُوني ماءً، فمُنِعَ (١)، فتنفَّط (٢) بدنُه كلُّه، وصارَ نُفاخاتٍ (٣) كالبِطِّيخ، ثم أُخرج وقد كاد أن يحترق، فأجلسه الأطباء فلمَّا شَمَّ الهواء اشتدَّ به الألم، فأقبل يصيحُ ويخورُ كالثور، ويقول: ردُّوني إلى التنور، واجتمع نساؤه وخواصُّه، وردوه إلى التنور، وَرَجَوْا له الفَرَجَ. فلما حَمِيَ، سكن صياحُه، وتفطَّرَت تلك النفاخات (٤) وأُخرج وقد احترق واسوَدَّ، وقضى بعد ساعة.
قلت: راويها لا أعرفه.
وعن جرير بن أحمد بن أبي دواد، قال: قال أبي: ما رأيتُ أحداً أشدَّ قلباً من هذا، يعني: أحمد بن حنبل، جعلنا نكلمه، وجعل (٥) الخليفة يكلمه، يسميه مرة ويكنيه أخرى (٦)، وهو يقول: يا أمير المؤمنين، أوجدني شيئاً من (٧) كتاب الله أو سنة رسوله حتى أُجيبَك إليه.
أبو يعقوب القرَّاب: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصَّرَّام، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثني الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي، قال: دخلتُ أنا والحارث بن مسكين على أحمد (٨) حِدْثَانَ ضَرْبِه، فقال لنا: ضُرِبْتُ فسقطتُ، وسمعتُ ذاك -
стр. 1554
يعني: ابن أبي دُوَاد- يقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالٌّ مُضِلٌّ.
فقال له الحارت: أخبرني يوسف بن عمر، عن مالك، أن الزهري سُعِيَ به حتى ضُرٍبَ بالسياط، وقيل: عُلِّقَتْ كتُبُه في عُنُقِه. ثم قال مالك: وقد ضُرِبَ سعيد بن المسيب، وحُلِقَ رأسُه ولحيتُه، وضُرب أبو الزناد (١)، وضُرِبَ محمد بن المنكدر، وأصحابٌ له في حمَّام بالسياط. وما ذكر مالكٌ نفسه، فأُعجب أحمد بقول الحارث. قال مكيُّ بن عبدان: ضَرَبَ جعفرُ بن سليمان مالكاً تسعين سوطاً سنة سبع وأربعين ومئة.
البيهقي: أخبرنا الحاكم، حدثنا حسان بن محمد الفقيه، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، يقول: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة غير مرة، وذاكرته (٢) رجاء أن آخذ عنه حديثاً، إلى أن قلت: يا أبا عبد الله، حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " امرُؤُ القيس قائدُ الشعراء إلى النار " (٣). فقال: قيل: عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، فقلتُ: مَنْ عن الزهري؟ قال: أبو الجهم، فقلت: من رواه عن أبي الجهم؟ فسكت، فلما عاودتُه فيه، قال: اللهُمَّ سلِّم.
стр. 1555
قال أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، أخبرنا الفضل بن زياد، سمعت أحمد بن حنبل، يقول: من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شَفَا هَلَكَةٍ.
أبو مسلم محمد بن إسماعيل: أخبرنا صالح بن أحمد، قال: مضيت مع أبي يوم جُمعةٍ إلى مسجد الجامع، فوافَقَنا الناسَ قد انصرفوا، فدخل إلى المسجد (١)، فتقدَّم أبي فصلَّى بنا الظهر أربعاً، وقال: قد فَعَلَه ابنُ مسعود بعَلقمة والأسود (٢)، وكان أبي (٣) إذا دَخَلَ مقبرةً، خَلَعَ نعليه، وأمسكَهما بيده.
إبراهيم بن محمد بن سفيان: سمعت عاصم بن عصام البيهقي، يقول: بِتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بماءٍ فوضَعَه، فلمَّا أصبح، نظر إلى الماء بحالِه، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له وِردٌ بالليل.
الطبراني: أنشدنا محمد بن موسى بن حماد لمحمدِ بن عبد الله بن طاهر:
أضحى ابنُ حنبل مِحْنَةً مَرضِيَّةً ... وَبِحُبِّ أحمدَ يُعْرَفُ المُتَنَسِّكُ
وإذا رأيتَ لأحمدٍ مُتَنَقِّصاً ... فاعلم بأنَّ سُتُورَه سَتُهَتَّكُ
أحمد بن مروان الدِّينَوَرِيُّ: حدثنا إدريس الحداد، قال: كان
стр. 1556
أحمدُ بن حنبل إذا ضاق به الأمرُ، أجَّرَ نفسه من الحاكة، فسوَّى لهم، فلمَّا كان أيام المحنة، وصُرِفَ إلى بيته، حُمِلَ إليه مالٌ، فردَّه وهو محتاجٌ إلى رغيف، فجَعَلَ عمُّه إسحاق يحسُبُ ما ردَّ، فإذا هو نحو من خمسِ مئةِ ألف. قال: فقال: يا عمّ، لو طلبناه لم يأتِنا، وإنَّما أتانا لما تركناه.
البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدِّثنا الزُّبيرُ بن عبد الواحد الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الواحد البَلَدي، سمعتُ جعفر بن محمد الطيالسي، يقول: صلَّى أحمدُ بن حنبل ويحيى بنُ معين في مسجد الرُّصافة، فقام قاصٌّ، فقال: حدثنا أحمدُ بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن أنس، قال رسول الله ﷺ : " من قال: لا إله إلاَّ الله، خلق الله من كل كلمة طيراً، منقارُه من ذهبٍ، وريشُه من مرجان ". وأخذ في قصةٍ نحواً من عشرين ورقة (١)، وجَعَلَ أحمدُ ينظرُ إلى يحيى، ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت به إلاَّ الساعة، فسكتا حتى فَرَغَ، وأخذَ قِطاعه، فقال له يحيى بيده: أن تعال. فجاء مُتَوَهِّماً لنوالٍ. فقال: من حدثك بهذا؟ فقال: أحمد وابن معين، فقال: أنا يحيى، وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قطُّ، فإن كان ولا بُدَّ
стр. 1557
والكذب، فعلى غيرنا، فقال: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمعُ أن يحيى بن معين أحمق، ما علمت إلاَّ الساعة، كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل غيركما!! كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين غيركما. فوضع أحمدُ كُمَّه على وجهه، وقال: دَعْه يقومُ، فقامَ كالمستهزىء بهما.
هذه الحكاية اشتهرت على ألسنةِ الجماعة، وهي باطلةٌ. أظن البَلَدِي وَضَعَها، ويعرف بالمعصوب. رواها عنه أبو حاتم بن حبان (١) فارتفعت عنه الجهالة (٢).
ذكر المَرُّوذيُّ عن أحمد، أنه بقى بسَامَرَّاء ثمانية أيام، لم يشرب إلاَّ أقل من ربع سَويقٍ.
أحمد بن بندار الشعار: حدثنا أبو يحيى بن الرازي، سمعت علي بن سعيد الرازي، قال: صِرنا مع أحمد إلى باب المتوكل، فلما أدخلوه من باب الخاصة، قال: انصرِفُوا، عافاكم الله. فما مَرِضَ منا أحدٌ بعد ذلك اليوم.
الكُدَيمي: حدثنا علي بن المديني، قال لي أحمد بن حنبل: إنِّي لأشتهي أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعُني إلاَّ خوفُ أن أمَلَّكَ وتَمَلَّني.
فلمَّا ودعته، قلت: أوصِني، قال: اجعلِ التقوى زادك، وانصِب الآخرة أمامك.
стр. 1558
قال أبو حاتم: أول ما لقيت أحمد بن حنبل سنة ثلاث عشرة ومئتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة " كتاب الأشربة " (١)، و" كتاب الإيمان " (٢) فصلى، ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته. وأتيتُه يوماً آخر، فإذا قد أخرج الكتابين، فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب الإيمان أصل الدين، وكتاب الأشربة صرفُ الناس عن الشِّرِّ، فإن كل شرٍّ من السُّكر.
الدارقطني: حدثنا جعفر الخُلْديُّ (٣)، حدِّثنا العباس بن يوسف، حدَّثني عمي محمد بن إسماعيل بن العلاء، حدثني أبي، قال: دعاني رزق الله بن الكَلْوَذَاني، فقدَّم إلينا طعاماً كثيراً، وفينا أحمد، وابن معين، وأبو خيثمة فَقُدِّمَتْ لوزينج أنفق عليها ثمانين درهماً. فقال أبو خيثمة: هذا إسرافٌ فقال أحمد بن حنبل: لو أن الدنيا في مقدار لُقمة، ثم أخذها مسلم، فوضعها في فم أخيه، لما كان مُسرفاً. فقال له يحيى: صدقت. وهذه حكاية منكرة.
الخلال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين، وبني هاشم وقريش والأنصار، يُقّبِّلون أبي، بعضُهم يدَه، وبعضُهم رأسه، ويُعظِّمونه تعظيماً لم أرَهُم يفعلون ذلك بأحدٍ من الفقهاء غيره، ولم أرَهُ يشتهي ذلك، ورأيتُ الهيثم بن
стр. 1559
خارجة، والقواريري، وأبا معمر، وعلي بن المديني، وبشاراً (١) الخفاف، وعبد الله بن عون الخرَّاز، وابن أبي الشوارب، وإبراهيم الهروي، ومحمد بن بكار، ويحين بن أيوب، وسريج (٢) بن يونس، وأبا خيثمة، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة، وعبد الأعلى النرسي، وخلف بن هشام، وجماعةٌ لا أُحصيهم، يُعظِّمونه ويُوقِّرونه.
الخلال: أخبرنا المَرُّوذيُّ، سمعت عبد الوهَّاب الورَّاق، يقول: أبو عبد الله إمامنا، وهو من الراسخين في العلم، إذا وقفتُ غداً بين يدي الله، فسألَني بمن اقتديت، أيَّ شيءٍ أقولُ؟ وأيُّ شيءٍ ذهبَ على أبي عبد الله من أمر الإسلام؟!
قال صالحُ بن علي الحلبي: سمعت أبا همَّام، يقول: ما رأي أحمدُ مثل نفسه.
قال الخلال: بُلينا بقومٍ جُهَّالٍ، يظنون أنهم علماء (٣)، فإذا ذكرنا فضائل أبي عبد الله، يُخرِجُهم الحسد، إلى أن قال بعضُهم فيما أخبرني ثقة عنه: أحمد بن حنبل نبيُّهم.
قال الخلال: أخبرنا المروذي، سمعت أبا عبد الله، يقول: الخوف منعني أكل الطعام والشراب، فما اشتهيته، وما أبالي أن لا يراني أحدٌ ولا أراه، وإني لأشتهي أن أرى عبد الوهَّاب. قل لعبد الوهاب: أخمِلْ ذكرَك، فإني قد بُليتُ بالشهرة.
стр. 1560
الخلال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يزيد الوراق، سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما شَبَّهْتُ الشباب إلاَّ بشيءٍ كان في كُمِّي فسقط.
قال إسحاق بن هانىء: مات أبو عبد الله، وما خلَّف إلاَّ ستَّ قطعٍ في خِرقةٍ قدر دانقين.
وقال عبد الله: سمعت أبي، يقول: ربما أردتُ البكورَ في الحديث، فتأخذُ أمى بثوبي، وتقول: حتى يؤذن المؤذن.
وقال عباس الدوري: سمعت أحمد يقول: أول ما طلبت اختلفت إلى أبي يوسف القاضي.
قال عبد الله: كتب أبي عن أبي يوسف ومحمدٍ الكتب، وكان يحفظُها، فقال لي مُهَنِّا: كنت أسأله فيقول: ليس ذا في كتبهم، فأرجع إليهم، فيقولون: صاحبك أعلمُ منا بالكتب.
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: رأيت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان رجلاً صالحاً (١).
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدثتنا أمُّ عمر ابنة حسان عن أبيها، قال: دخلت المسجد، فإذا علي بن أبي طالب على المنبر، وهو يقول: إنما مثلي ومثل عثمان كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا
стр. 1561
ما في صُدورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١) [الأعراف: ٤٣] و [الحجر: ٤٧].
الخلال: أخبرني أبو بكر بنُ صدقة، سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي، قال: أتيت أحمد بن حنبل أنا وعبد الله بن سعيد الجمال، وذاك في آخر سنة مئتين، فقال أبو عبد الله للجمال: يا أبا محمدٍ، إن أقواماً يسألوني (٢) أن أُحَدِّث، فهل ترى ذلك؟ فسكت. فقلت: أنا أُجيبكُ. قال: تكلَّمْ. قلت (٣): أرى لك إن كنت تشتهي أن تُحَدِّثَ، فلا تحدِّث، وإن كنت تشتهي أن لا تحدث فحدث، فكأنه استحسنه.
عبد الله بن أحمد: سمعتُ نوح بن حبيب القُومَسي، يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مسجد الخَيْفِ سنة ثمان وتسعين وابن عيينة حيٌّ، وهو يفتي فتوى واسعة، فسلَّمت عليه.
قال عبد الله: سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومئتين (٤)، يقول: قد استخرتُ الله أن لا أُحدِّث حديثاً على تمامه أبداً، ثم قال: إن الله يقول: ﴿يأيُّها الذين آمنوا أَوْفُوا بالعُقُود﴾ [المائدة: ١]، وإني أعاهد الله أن لا أحدث بحديث على تمامه أبداً، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي، فقلت له بعد ذلك بأشهرٍ: أليس يُروى (٥) عن شريك، عن
стр. 1562
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: " العهدُ يمينٌ " (١)؟ قال: نعم. ثم سكت فظننت أنه سيُكَفِّر. فلمَّا كان بعد أيام قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة ثم لم أسمعه يُحدِّث بحديث على تمامه.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله في العسكر، يقول لولده: قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بالعُقُود﴾ [المائدة: ١] أتدرون ما العقودُ؟ إنَّما هو العهود وإنِّي أعاهد الله جلَّ وعزَّ، ثم قال: والله، والله، والله، وعليَّ عهد الله (٢) وميثاقُه أن لا حدَّثتُ بحديثٍ لقريبٍ ولا لبعيد حديثاً تاماً، حتى ألقى الله، ثم التفت إلى ولده، وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بَلَغَه عن رجلٍ من الدولة وهو ابن أكثم، أنه قال: قد أردتُ أن يأمرَهُ الخليفة أن يُكَفِّرَ عن يمينه، ويحدث، فسمعت أبا عبد الله يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت.
الخلال: حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا أحمد بن الحسن
стр. 1563
الترمذي، قال: رأيت أبا عبد الله يشتري الخبز من السوق، ويحمله في الزِّنْبِيلِ، ورأيته يشتري الباقلاء غير مرة، ويجعله في خِرْقَةٍ، فيحمله آخذاً بيدِ (١) عبد الله ابنه.
الميموني: قال لي أبو عُبيد (٢): يا أبا الحسن، قد جالست أبا يوسف ومحمداً، وأحسِبُه ذكر يحيى بن سعيد، ما هِبْتُ أحداً ما هِبتُ أحمدَ بن حنبل.
قال عبد الله بن محمود بن الفرج: سمعتُ عبد الله بن أحمد، يقولُ: خرج أبي إلى طَرَسُوسَ، ورابط بها، وغزا، ثم قال أبي (٣): رأيت العِلْمَ بها يموتُ.
وعن أحمد، أنه قال لرجلٍ: عليك بالثَّغْر، عليك بقَزوين، وكانت (٤) ثَغْراً.
الخلال: حدثنا (٥) المَرُّوذيُّ: قلت لأبي عبد الله: قال لي رجلٌ: من هنا إلى بلاد الترك يدعون (٦) لك، فكيف تؤدِّي شكر ما أنعم الله عليك، وما بثَّ لك في الناس؟ قال: اسأل الله أن لا يجعلنا مُرائين.
أخبرنا المسلم بن علاَّن (٧) وغيره كتابةً أنَّ أبا اليُمن الكندي
стр. 1564
أخبرهم، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثنا محمد بن الفرج البزاز (١)، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، حدثنا (٢) جعفر بن شعيب الشاشي، حدثني محمد بن يوسف الشاشي، حدثهم إبراهيم بن أمية، سمعت طاهر بن خلف، سمعت المهتدي بالله محمد بن الواثق، يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحداً، أحضرنا، فأتي بشيخٍ مخضوبٍ مُقَيَّدٍ، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه، يعني (٣): ابن أبي دُوَاد، قال: فأُدخِل الشيخ، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلم الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين: بئس ما أدَّبك مُؤدِّبوك، فإن الله تعالى يقول: ﴿وإذا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بأحسَنَ منها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]. فقال ابن أبي دواد: الرجل متكلم.
قال له: كلمه، فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال: لم يُنصفني (٤)، ولي السؤال قال: سَلْ، قال: ما تقول في القرآن؟ [قال: مخلوق] (٥)، قال الشيخ: هذا شيءٌ عَلِمَه النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر،
стр. 1565
والخلفاء الراشدون، أم شيءٌ لم يعلموه (١)؟ قال: شيء لم يعلموه (٢). فقال: سبحان الله! شىء لم يعلمه النبي ﷺ ، علمتَه أنت؟ فخَجِلَ. فقال: أَقِلْني، قال: المسألة بحالها. قال: نعم عَلِمُوه، قال: علموه (٣)، ولم يدعوا الناس إليه؟ قال: نعم. قال: أفلا (٤) وسعك ما وَسِعَهم؟ قال: فقام أبي، فدخل مجلسنا (٥)، واستلقى، وهو يقول: شيءٌ لم يعلمه النبي ﷺ ، ولا أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت! سبحان الله! شيء علموه، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟! (٦) ثم أمر برفع قيوده، وأن يُعطى أربع مئة دينار، ويُؤذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دواد ولم يمتحن بعدها أحداً.
هذه قصة مليحة، وإن كان في طريقها من يُجهل ولها شاهد.
وبإسنادنا إلى الخطيب: أخبرنا ابنُ رزقويه، أخبرنا أحمد بن سندي الحداد، حدثنا أحمد بن الممتنع، أخبرنا صالح بن علي الهاشمي، قال: حضرت المهتدي بالله، وجلس لينظر في أمور المظلومين - إلى قوله: قال -يعني المهتدي-: ما زلتُ أقول: إن القرآن مخلوقٌ صدراً من أيام الواثق، وساق نحواً من القصة المتقدمة.
قال الذهبي: كان صغيراً زمن الواثق، والحكاية فمنكرة.
стр. 1566
عن الحسين بن إسماعيل، عن أبيه، قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاء (١) خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت.
ابن بطة: سمع النَّجاد، يقول: سمعت أبا بكر بن (٢) المطوعي، يقول: اختلفتُ إلى أبي عبد الله، ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ " المسند " على أولاده، فما كتبت عنه حديثاً واحداً، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه.
قال حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي: يقال: لم يكن أحدٌ من الصحابة أشبه هدياً وسمتاً ودلاً من ابن مسعود بالنبي ﷺ (٣)، وكان أشبه الناس به علقمة، وكان أشبه الناس بعلقمة إبراهيم، وكان أشبههم بإبراهيم منصور بن المعتمر، وأشبه الناس به سفيان الثوري، وأشبه الناس به وكيع، وأشبه الناس بوكيع فيما قاله محمد بن يونس الجمال: أحمد بن حنبل.
الخلال: أخبرني محمد بن الحسين، أخبرنا المروذي، قال: قال جارنا فلان: دخلت على الأمير فلان وفلان، ذكر سلاطين، ما رأيت
стр. 1567
أهيب من أحمد بن حنبل، صِرْتُ إليه أكلمه في شيء، فوقعت علي (١) الرِّعْدَة من هيبته. ثم قال المروذي (٢): ولقد طرقه الكلبي -صاحب خبر السر- ليلاً. فمن هيبته لم يقرعُوا بابه، ودقوا باب عمِّه.
عبد الله بن محمد الورَّاق: كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كُرَيْبٍ، فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن عليك. قال: فأي شيء حيلتي، شيخٌ صالح قد بُلِيَ بي.
ابن المنادي، عن جدِّه أبي جعفر، قال: كان أحمد من أحيى الناس، وأكرمهم، وأحسنهم عشرةً وأدباً، كثير الإطراق، لا يُسمع منه إلا المذاكرة للحديث، وذكر الصالحين في وقارٍ وسُكونٍ، ولفظ حسن. وإذا لقيه إنسان، بشَّ به، وأقبل عليه. وكان يتواضع للشيوخ شديداً، وكانوا يعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أره يعمل لغيره من التواضع والتكريم والتبجيل، كان يحيى أكبر منه بسبع سنين.
وقالب الميموني: كان أبو عبد الله حسن الخُلُق، دائم البِشْرِ، يحتمل الأذى من الجار.
علوان بن الحسين: سمعت عبد الله بن أحمد، قال: سُئِلَ أبي: لم لا تصحب الناس؟ قال: لِوحشة الفراق.
ابن بطة: حدثنا محمد بن أيوب (٣)، حدثنا إبراهيم الحربي،
стр. 1568
سمعت أحمد بن حنبل، يقول لأحمد الوكيعي: يا أبا عبد الرحمن: إئي لأحبك، حدثنا (١) يحيى، عن ثور، عن حبيب بن عبيد، عن المقدام، قال: قال النبي ﷺ : " إذا أحب أحدُكم أخاه، فليُعْلِمْهُ " (٢).
فصل:
قال ابن الجوزي: خلَّف له أبوه طرزاً وداراً يسكنُها (٣)، فكان يكري تلك الطرز، ويتعفَّفُ بها.
قال ابن المنادي: حدثنا جدي، قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرَعُ هذه الدار، وأُخرجُ الزكاة عنها في كُلِّ سنةٍ. أذهبُ إلى قول عمر في أرض السواد (٤).
قال المرُّوذي: سمعت أبا عبد الله، يقول: الغلَّة ما يكون قوتنا، وإنما أذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئاً، فقلت له: قال رجل: لو ترك أبو عبد الله الغلة، وكان يصنع له صديق له، كان أعجب إلي. فقال: هذه طعمة سوءٍ، ومن تعوَّد هذا، لم يصبر عنه. ثم قال: هذا أعجب إلي من غيره، يعني: الغلة. وأنت تعلم أنها لا تُقيمنا، وإنما أخذها على الاضطرار.
стр. 1569
قال ابن الجوزي: ربما احتاج أحمد، فخرج إلى اللِّقاط (١).
قال الخلال: حدثني محمد بن الحسين، حدثنا المروذي، حدثني أبو جعفر الطرسوسي (٢)، حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله، قال: لما نزل علي، خرج إلى اللِّقاط، فجاء وقد لَقَطَ شيئاً يسيراً. فقلت له: قد أكلت أكثر مما لقطت، فقال: رأيت أمراً استحييت منه، رأيتهم يلتقطون، فيقوم الرجل على أربعٍ، وكنت أزحف.
أحمد بن محمد بن عبد الخالق: حدثنا المروذي، قال أبو عبد الله: خرجت إلى الثَّغْرِ على قدمي، فالتقطت، لو قد رأيت قوماً يُفسِدُون مزارع الناس، قال: وكنا نخرج إلى اللقاط.
قلت: وربما نسخ بأجرةٍ، وربما عمل التِّكَكَ، وأجَّر نفسه لجمال. رحمة الله عليه.
فصل:
قال إبراهيم الحربي: سُئل أحمد عن المسلم يقول للنصراني: أكرمَكَ الله. قال: نعم، ينوي بها الإسلام.
وقيل: سئل أحمد عن رجلٍ نذر أن يطوف على أربع، فقال: يطوف طوافين، ولا يطُف على أربعٍ.
قال ابن عقيل: من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجُهَّال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه مُحدَّثٌ. قال: وهذا غاية
стр. 1570
الجهل، لأنه له اختياراتٌ بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم، وربما زاد على كبارهم.
قلت: ما أحسِبُهم يظنُّونه مُحدِّثاً وبس (١)، بل يتخيَّلُونه من بابة محدثي زماننا، ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رُتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رُتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني، ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره؟!!.
حكاية موضوعة:
لم يستح (٢) ابن الجوزي من إيرادها، فقال: أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا ابن الطيوري (٣)، أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسين، أخبرنا القاضي همام بن محمد الأُبُلِّي، أخبرنا أحمد بن علي بن حسين بن الخطيب، حدثنا الحسين بن بكر الوراق، أخبرنا أبو الطيب محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: لمَّا أُطلِقَ أبي من المحنة، خشي أن يجيء إليه إسحاق بن راهويه، فرحل إليه. فلما بلغ الرَّيَّ، دخل مسجداً، فجاء مطرٌ كأفواه القِرَبِ. فقالوا له: اخرُج من المسجد لنغلقه، فأبى، فقالوا: اخرُجْ أو تُجَرَّ برجلك، فقلت: سلاماً، فخرجت، والمطر والرعد، ولا أدري أين (٤) أضع رجلي، فإذا رجل قد خرج من داره، فقال: يا هذا: أين تمر؟ فقلت: لا أدري. قال: فأدخلني إلى
стр. 1571
بيتٍ فيه كانونُ فحم ولُبُود (١) ومائدة، فأكلتُ. فقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد، فقال: تعرف أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا هو، فقال: وأنا إسحاق بن راهويه.
إنما قال الذهبي: إنها موضوعة، لأن أحمد، وإسحاق صديقان يتعارفان من قبل المحنة، وهذا أمرٌ لا يخفى على مثل (٢) ابن الجوزي، فلعلَّه سها وما تأمل والله أعلم.
قال الذهبي: سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت أبا زُرعة، يقول: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التَّمار، ولا يحيى بن معين، ولا أحدٍ (٣) ممن امتُحِنَ فأجاب.
أبو عوانة: سمعتُ الميموني، يقول: صحَّ عندي أن أحمد لم يحضُر أبا نصرٍ التَّمار لمَّا مات. فحسبتُ أن ذلك لإجابته في المحنة.
وعن حجاج بن الشاعر، سمع أحمد يقول: لو حدثت عن أحدٍ ممن أجاب، لحدثت عن أبي معمرٍ وأبي كُريب (٤).
قلت: لأن أبا معمر الهذلي نَدِمَ، ومقت نفسه، والآخر أجْرَوْا له دينارين بعد الإجابة، فردهما مع فقره.
أحمد بن علي الأبَّار: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي، سمعت
стр. 1572
بشر بن الحارث، يقول: وددت أن رؤوسهم خُضِبَت بدمائهم، وأنهم لم يُجيبوا.
نقل أبو علي بن البناء، عن شيخٍ (١)، عن آخر، أن هذه الأبيات لأحمد في علي بن المديني:
يا ابن المديني الذي عُرِضت له ... دنيا فجاد بدينه ليَنَالَهَا
ماذا دَعَاكَ إلى انتحال مقالةٍ ... قد كنتَ تزعُمُ كافراً مَنْ قالَها
أمرٌ بَدَا لك رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ ... أم زهرةُ الدنيا أردتَ نَوالَهَا
ولقد عَهِدْتُكَ مرَّةً مُتشدداً ... صعب المقالةِ للتي تُدْعَى لها
إنَّ المُرَزَّى من يُصابُ بدينِه ... لا من يُرَزَّى ناقةً وفِصَالَها (٢)
قال الذهبي في ترجمة ابن المديني: قيل ليحيى بن معين. ارتدَّ ابنُ المديني؟ فقال: ما ارتدَّ ولكن خاف، فقال: انتهى (٣).
قال الذهبي: قال صالح: قال لى أبي: كانت أُمُّك تغزل غزلاً دقيقاً، فتبيع الأستار (٤) بدرهمين أو نحوها، وكان ذلك قوتنا.
قال صالح: كنَّا ربما اشترينا الشيء، فنستُرُه منه لئلاَّ يُوَبِّخَنا عليه.
الخلال: أخبرنا المروذي، قال: رأيت أحمد بن عيسى المصري ومعه قوم (٥) من المحدثين، دخلوا على أبي عبد الله بالعسكر، فقال له
стр. 1573
أحمد: يا أبا عبد الله، ما هذا الغم؟ الإسلام حنيفية سمحة، وبيتٌ واسع. فنظر إليهم، وكان مُضطجعاً، فلمَّا خرجوا، قال: ما أريدُ أن يدخل عليَّ هؤلاء.
الخلال: أخبرنا محمد بن علي السِّمسَار، حدَّثني إسحاق بن هانىء، قال لي أبو عبد الله: بكِّر حتى نُعارِضَ بشيءٍ من الزُّهد. فبكَّرتُ إليه، وقلت لأم ولده: أعطيني حصيراً ومِخَدة، وبسطتُ في الدِّهليز، فخرج ومعه الكتب والمِحْبَرة، فقال: ما هذا؟! فقلت: لتجلس عليه، فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلاَّ بالزهد. فرفعته، وجلس على التراب.
وقال الميموني: كان منزل أبي عبد الله ضيقاً صغيراً، وينام في الحرِّ في أسفله.
وقال لي عمُّه: ربما قلت له تنام فوق، فلا يفعل. وقد رأيت موضع مضجعه وفيه شاذكونة (١) وبرذعة (٢)، قد غلب عليها الوسخ، وقيل: كان على بابه مِسْحٌ من شعر.
الخلال: حدثنا المروذي، عن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، قال لي الأمير: إذا حلَّ إفطارُ أبي عبد الله، فأرنيه. قال: فجاؤوا برغيفين: خبز وخُبَّازة، فأريته الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يُعِفُّه.
قال المروذي: قال أبو عبد الله في أيام عيدٍ: اشتروا لنا أمس
стр. 1574
باقِلَّى، فأيُّ شيءٍ كان به من الجودة، وسمعته يقول: وجدتُ البرد في أطرافي، ما أراه إلاَّ من إدامي الملح والخَلِّ.
قال أحمد بن محمد بن مسروق. قال لي عبد الله بن أحمد: دخل عليَّ أبي يَعُودني في مرضي، فقلت: يا أبةِ، عندنا شيء مما كان يَبَرُّنا به المتوكل أفأحُجُّ منه؟ قال: نعم. قلت: فإذا كان هذا عندك هكذا، فلِمَ لا (١) تأخذُ منه؟ قال: ليس هو عندي حرام (٢)، ولكن تنزَّهتُ عنه. رواه الخُلدِي (٣) عنه.
فصل:
قال ابنُ الجوزي: كان الإمام لا يرى وضع الكتب، ويَنْهَى عن كتبة كلامه ومسائله. ولو رأي ذلك، لكانت له تصانيفُ كثيرةٌ، وصنَّف " المسند " وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا " المسند "، فإنه سيكون للناس إماماً (٤). " والتفسير " وهو مئةٌ
стр. 1575
وعشرون ألفاً، و" الناسخ والمنسوخ "، و" التاريخ "، و" حديث شعبة "، و" المقدَّم والمؤخر في القرآن "، و" جوابات القرآن "، و" المناسك " الكبير والصغير، وأشياء أُخَرَ.
قلت: وكتاب " الإيمان "، وكتاب " الأشربة "، ورأيتُ له ورقةً من كتاب " الفرائض ". فتفسيره المذكور شيءٌ لا وجود له. ولو وُجِدَ، لاجتهد الفضلاء في تحصيله، ولاشتهر، ثم لو ألَّف تفسيراً، لما كان يكون أزيدَ من عشرة آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات.
فهذا تفسير ابن جرير الذي جَمَعَ فيه فأوعى لا يبلُغُ عشرين ألفاً. وما ذكر تفسير أحمد أحدٌ (١) سوى أبي الحسين بن المنادي. فقال في " تاريخه ": لم يكن أحدٌ أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سَمِعَ منه " المسند " وهو ثلاثون ألفاً، و" التفسير " وهو مئةٌ وعشرون ألفاً، سَمِعَ ثلثيه والباقي وِجادة (٢).
стр. 1576
ابن السَّمَّاك: حدثنا حنبل، قال: جمعنا أحمد بن حنبل، أنا وصالح وعبد الله، وقرأنا عليه " المسند " ما سمعه غيرُنا. وقال: هذا الكتاب: جمعته وانتقيته من أكثر (١) من سبع مئة ألفٍ وخمسين ألفاً (٢)، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ، فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلاَّ فليس بحجة.
قلت: في " الصحيحين " أحاديث قليلة، ليست في " المسند "، لكن قد يقال: لا تَرِدُ على قوله، فإنَّ المسلمين ما اختلفوا فيها (٣)، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما يوجد فيه يكون حجةً، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسُوغُ نقلُها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديثُ معدودة شِبْهُ موضوعة ولكنها قطرةٌ في بحر (٤). وفي (٥) غضون " المسند " زيادات جمّة لعبد الله بن أحمد.
قال ابن الجوزي: وله -يعني: أبا عبد الله- من المصنفات كتاب " نفي التشبيه " مجلدة، وكتاب " الإمامة " مجلدة صغيرة، وكتاب
стр. 1577
" الرد على الزنادقة " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الزهد " (١) مجلد كبير (٢)، وكتاب " الرسالة في الصلاة " -قلت: هو موضوعٌ على الإمام- قال: وكتاب " فضائل الصحابة " (٣) مجلدة.
قلت: وفيه زياداتٌ لابنه عبد الله، ولأبي بكرٍ القطيعي صاحبه.
وقد دوَّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرةً في عدة مجلدات، كالمَرُّوذي، والأثرم، وحرْب، وابن هانىء (٤)، والكوسج، وأبي طالب، وفُوران، وبدرٍ المغازلي، وأبي يحيى الناقد، ويوسف بن محمد الحربي، وعبدوس العطار، ومحمد بن موسى بن مُشَيش (٥)، ويعقوب بن بُختان، ومُهَنَّا الشامي، وصالح بن أحمد، وأخيه (٦)، وابن عمهما حنبل، وأبي الحارب أحمد بن محمد الصائغ، والفضل بن زياد، وأبي الحسن الميموني، والحسن بن ثواب، وأبي داود السِّجستاني (٧)، وهارون الحمال، والقاضي أحمد بن محمد البِرْتي، وأيوب بن إسحاق بن (٨) سافري، وهارون المستملي، وبِشْرِ بن موسى، وأحمد بن
стр. 1578
القاسم صاحب أبي عُبيد، ويعقوبَ بنِ العباس الهاشمي، وحُبَيْش بن سِندي، وأبي الصقر يحيى بن يزداد الورَّاق، وأبي جعفر محمدِ بن يحيى الكَحَّال، ومحمد بن حبيب البَرَّاز، ومحمد بن موسى النَّهْرُتيري، ومحمد بن أحمد بن واصل المقرىء، وأحمد بن أصرم المُزَني، وعبدوس الحربي قديمٌ، عنده عن أحمد نحوٌ من عشرة آلاف مسألةٍ لم يُحَدِّث بها، وإبراهيم الحربي، وأبي جعفر محمد بن الحسين بن هارون بن بَدِينا، وجعفر بن محمد بن الهُذيل الكوفي، وكان يُشبهونه في الجلالة بمحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله مُطيَّن (١)، وجعفر بن أحمد (٢) الواسطي، والحسن بن علي الإسكافي، والحسن بن علي بن بحر بن برِّي القطَّان، والحُسين بن إسحاق التُّسْتَري، والحسن بن محمد بن الحارث السِّجِسْتَاني، قال الخلاَّلُ: يقرُبُ من أبي داود في المعرفة وبصر الحديث والتفقه - وإسماعيل بن عمر السِّجزي (٣) الحافظ، وأحمد بن الفُرات الرازي الحافظ. وخلقٍ سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله نَقَلُوا المسائل الكثيرة والقليلة.
وجمع الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد، وفتاويه، وكلامه في العلل، والرجال، والسنة، والفروع، حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرةً. ورحل إلى النواحي في تحصيله، وكتب عن نحوٍ من مئةِ نفس من أصحاب الإمام. ثم كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب
стр. 1579
أصحابه، وبعضه عن رجلٍ، عن آخر، عن آخر، عن الإمام أحمد، ثم أخذ في ترتيب ذلك، وتهذيبه، وتبويبه. وعَمِل كتاب " العلم "، وكتابَ " العلل " وكتاب " السنة "، كل واحدٍ من الثلاثة في ثلاث مجلدات.
ويروي في غضون ذلك من الأحاديث العالية عنده، عن أقران أحمد من أصحاب ابن عُيينة ووكيعٍ (١) وبقية مما يشهدُ له بالإمامة والتقدم.
وألَّف كتاب " الجامع " في بضعة عشر مجلدةً، أو أكثر. وقد قال: في كتاب " أخلاق أحمد بن حنبل " لم يكُن أحدٌ علمتُ عني بمسائل أبي عبد الله، ما عُنيتُ بها أنا إلاَّ رجلٌ بهَمْدَان، يقال له: متويه، واسمه محمد بن أبي عبد الله، جَمَعَ سبعين جُزءاً كباراً.
أولادُه: الحسنُ والحسين ماتا صغيرين، ثم الحسنُ ومحمدٌ عاشا نحو الأربعين، وصالحٌ وعبدُ الله وأمُّ علي زينب.
قال الخلاَّل: حدثنا (٢) محمد بن علي بن بحر، قال: سمعت حُسْنَ أُمَّ ولد أبي عبد الله، تقول: لما ولدتُ حَسَناً، أعطى مولاتي (٣) كرامةً درهماً، فقال: اشتري بهذا رأساً، فجاءت به، فأكلنا. فقال: يا حُسْنُ، ما أملِكُ غير هذا الدرهم. قالت: وكان إذا لم يكن عنده شيء، فَرِحَ يومَه.
وصيتُه:
عن المروذي سمعته يقول: وأشهدَ على وصيته: هذا ما أوصى به
стр. 1580
أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وإنَّ محمداً عبده ورسوله.
ورواها أيضاً ولده عبد الله كذلك.
مرضه:
قال عبد الله: سمعت أبي، يقول: استكملت سبعاً وسبعين سنة، ودخلتُ في ثمانٍ، فحُمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح (١): صار الفتح (٢) بن سهل إلى الباب (٣) ليعوده فحجبتُه، وأتى ابنُ علي بن الجعد فحجبتُه، وكَثُرَ الناس. فقال: ما ترى؟ قلت: تأذنُ لهم، فيدعون لك.
قال: أستخير الله، فجعل الناس يدخلون عليه أفواجاً، حتى تمتلىء الدار، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق -إلى قوله- (٤): وجعلَ يُحَرِّكُ لسانه، ولم يَئِنَّ إلاَّ في الليلة التي تُوفي فيها. ولم يزل يُصلي قائماً، أُمسِكُهُ فيركَعُ ويسجد، وأرفعه في ركوعه. واجتمعت عليه أوجاعُ الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقلُهُ ثابتاً.
قال المَرُّوذي: مَرِضَ تسعة أيام، وكان ربما أذِنَ للناس، فيدخلون عليه أفواجاً، يُسلمون ويرُدُّ بيده، وتسامع الناسُ وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوَكَّل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب