ابن السَّمَّاك: حدثنا حنبل، قال: جمعنا أحمد بن حنبل، أنا وصالح وعبد الله، وقرأنا عليه " المسند " ما سمعه غيرُنا. وقال: هذا الكتاب: جمعته وانتقيته من أكثر (١) من سبع مئة ألفٍ وخمسين ألفاً (٢)، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ، فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلاَّ فليس بحجة.
قلت: في " الصحيحين " أحاديث قليلة، ليست في " المسند "، لكن قد يقال: لا تَرِدُ على قوله، فإنَّ المسلمين ما اختلفوا فيها (٣)، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما يوجد فيه يكون حجةً، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسُوغُ نقلُها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديثُ معدودة شِبْهُ موضوعة ولكنها قطرةٌ في بحر (٤). وفي (٥) غضون " المسند " زيادات جمّة لعبد الله بن أحمد.
قال ابن الجوزي: وله -يعني: أبا عبد الله- من المصنفات كتاب " نفي التشبيه " مجلدة، وكتاب " الإمامة " مجلدة صغيرة، وكتاب
стр. 1577
" الرد على الزنادقة " ثلاثة أجزاء، وكتاب " الزهد " (١) مجلد كبير (٢)، وكتاب " الرسالة في الصلاة " -قلت: هو موضوعٌ على الإمام- قال: وكتاب " فضائل الصحابة " (٣) مجلدة.
قلت: وفيه زياداتٌ لابنه عبد الله، ولأبي بكرٍ القطيعي صاحبه.
وقد دوَّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرةً في عدة مجلدات، كالمَرُّوذي، والأثرم، وحرْب، وابن هانىء (٤)، والكوسج، وأبي طالب، وفُوران، وبدرٍ المغازلي، وأبي يحيى الناقد، ويوسف بن محمد الحربي، وعبدوس العطار، ومحمد بن موسى بن مُشَيش (٥)، ويعقوب بن بُختان، ومُهَنَّا الشامي، وصالح بن أحمد، وأخيه (٦)، وابن عمهما حنبل، وأبي الحارب أحمد بن محمد الصائغ، والفضل بن زياد، وأبي الحسن الميموني، والحسن بن ثواب، وأبي داود السِّجستاني (٧)، وهارون الحمال، والقاضي أحمد بن محمد البِرْتي، وأيوب بن إسحاق بن (٨) سافري، وهارون المستملي، وبِشْرِ بن موسى، وأحمد بن
стр. 1578
القاسم صاحب أبي عُبيد، ويعقوبَ بنِ العباس الهاشمي، وحُبَيْش بن سِندي، وأبي الصقر يحيى بن يزداد الورَّاق، وأبي جعفر محمدِ بن يحيى الكَحَّال، ومحمد بن حبيب البَرَّاز، ومحمد بن موسى النَّهْرُتيري، ومحمد بن أحمد بن واصل المقرىء، وأحمد بن أصرم المُزَني، وعبدوس الحربي قديمٌ، عنده عن أحمد نحوٌ من عشرة آلاف مسألةٍ لم يُحَدِّث بها، وإبراهيم الحربي، وأبي جعفر محمد بن الحسين بن هارون بن بَدِينا، وجعفر بن محمد بن الهُذيل الكوفي، وكان يُشبهونه في الجلالة بمحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله مُطيَّن (١)، وجعفر بن أحمد (٢) الواسطي، والحسن بن علي الإسكافي، والحسن بن علي بن بحر بن برِّي القطَّان، والحُسين بن إسحاق التُّسْتَري، والحسن بن محمد بن الحارث السِّجِسْتَاني، قال الخلاَّلُ: يقرُبُ من أبي داود في المعرفة وبصر الحديث والتفقه - وإسماعيل بن عمر السِّجزي (٣) الحافظ، وأحمد بن الفُرات الرازي الحافظ. وخلقٍ سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله نَقَلُوا المسائل الكثيرة والقليلة.
وجمع الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد، وفتاويه، وكلامه في العلل، والرجال، والسنة، والفروع، حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرةً. ورحل إلى النواحي في تحصيله، وكتب عن نحوٍ من مئةِ نفس من أصحاب الإمام. ثم كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب
стр. 1579
أصحابه، وبعضه عن رجلٍ، عن آخر، عن آخر، عن الإمام أحمد، ثم أخذ في ترتيب ذلك، وتهذيبه، وتبويبه. وعَمِل كتاب " العلم "، وكتابَ " العلل " وكتاب " السنة "، كل واحدٍ من الثلاثة في ثلاث مجلدات.
ويروي في غضون ذلك من الأحاديث العالية عنده، عن أقران أحمد من أصحاب ابن عُيينة ووكيعٍ (١) وبقية مما يشهدُ له بالإمامة والتقدم.
وألَّف كتاب " الجامع " في بضعة عشر مجلدةً، أو أكثر. وقد قال: في كتاب " أخلاق أحمد بن حنبل " لم يكُن أحدٌ علمتُ عني بمسائل أبي عبد الله، ما عُنيتُ بها أنا إلاَّ رجلٌ بهَمْدَان، يقال له: متويه، واسمه محمد بن أبي عبد الله، جَمَعَ سبعين جُزءاً كباراً.
أولادُه: الحسنُ والحسين ماتا صغيرين، ثم الحسنُ ومحمدٌ عاشا نحو الأربعين، وصالحٌ وعبدُ الله وأمُّ علي زينب.
قال الخلاَّل: حدثنا (٢) محمد بن علي بن بحر، قال: سمعت حُسْنَ أُمَّ ولد أبي عبد الله، تقول: لما ولدتُ حَسَناً، أعطى مولاتي (٣) كرامةً درهماً، فقال: اشتري بهذا رأساً، فجاءت به، فأكلنا. فقال: يا حُسْنُ، ما أملِكُ غير هذا الدرهم. قالت: وكان إذا لم يكن عنده شيء، فَرِحَ يومَه.
وصيتُه:
عن المروذي سمعته يقول: وأشهدَ على وصيته: هذا ما أوصى به
стр. 1580
أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وإنَّ محمداً عبده ورسوله.
ورواها أيضاً ولده عبد الله كذلك.
مرضه:
قال عبد الله: سمعت أبي، يقول: استكملت سبعاً وسبعين سنة، ودخلتُ في ثمانٍ، فحُمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح (١): صار الفتح (٢) بن سهل إلى الباب (٣) ليعوده فحجبتُه، وأتى ابنُ علي بن الجعد فحجبتُه، وكَثُرَ الناس. فقال: ما ترى؟ قلت: تأذنُ لهم، فيدعون لك.
قال: أستخير الله، فجعل الناس يدخلون عليه أفواجاً، حتى تمتلىء الدار، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق -إلى قوله- (٤): وجعلَ يُحَرِّكُ لسانه، ولم يَئِنَّ إلاَّ في الليلة التي تُوفي فيها. ولم يزل يُصلي قائماً، أُمسِكُهُ فيركَعُ ويسجد، وأرفعه في ركوعه. واجتمعت عليه أوجاعُ الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقلُهُ ثابتاً.
قال المَرُّوذي: مَرِضَ تسعة أيام، وكان ربما أذِنَ للناس، فيدخلون عليه أفواجاً، يُسلمون ويرُدُّ بيده، وتسامع الناسُ وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوَكَّل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب
стр. 1581
الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطَّل بعضُ الباعة. وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه، ربما دخل من بعض الدور وطرز (١) الحاكة. ورُبَّما تَسَلَّق.
وجاءه حاجب بن طاهرٍ، فقال: إن الأمير يُقرِئُك السلام، وهو يشتهي أن يراك. فقال: هذا مِمَّا أكرَهُ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني ممَّا أكرَهُ.
وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجَعَلُوا يبكون عليه (٢). وجاء قومٌ من القضاة وغيرهم، فلم يُؤذَن لهم " ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يديّ الله، فشَهِقَ أبو عبد الله، وسالت دموعُه.
وأدخلت تحته الطَّسْتَ، فرأيت بولَه دماً عبيطاً. فقلت للطبيب، فقال: هذا رجلٌ قد فتَّت الحُزْنُ والغَمُّ جوفَه.
واشتدَّت علتُه يوم الخميس ووَضَّأتُهُ، فقال: خلِّلْ بين (٣) الأصابع، فلما كان ليلة (٤) الجمعة، ثَقُلَ، وقُبِضَ صدر النهار.
الخلال: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: أعطى بعضُ ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله، وهو في الحبس ثلاث شعرات، فقال: هذه من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعل على كل عينٍ شعرةٌ، وشعرةٌ على لسانه. ففُعِل ذلك به عند موته.
стр. 1582
الخلال: حدثنا المَرُّوذي، قال: أُخْرِجَتِ الجنازة عند منصَرَفِ الناس من الجمعة.
أحمد في " مسنده ": حدثنا أبو عامر، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: " ما مِن مسلمٍ يموتُ يومَ الجمعة إلاَّ وقاه الله فتنة القبر " (١).
قال صالح بنُ أحمد: فُرِغَ من غَسلِه، وكفَّنَّاه، وحضر نحوُ مئةٍ من بني هاشمٍ، ونحنُ نكفنُه. وجعلوا يُقَبَِّلون جبهته حتى رفعناه على السرير.
قال عبد الله: صلَّى على أبي محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وقد كُنَّا صلينا عليه نحن والهاشميون في الدار.
стр. 1583
قال صالح: ولم يعلم الناس بصلاة محمد بن عبد الله بن طاهر عليه، فلما كان في الغد عَلِمُوا، فجعلوا يجيئون، فيُصَلُّون على القبر. ومكث الناس ما شاء الله، يأتون، فيُصلُّون على القبر (١).
الخلال: حدثنا محمد بن حصن، قال: بَلَغني أن أحمد بن حنبل لما مات، فوَصَلَ الخبرُ إلى " الشاش " سعى بعضهم إلى بعض، فقالوا: قوموا حتى نُصلِّي على أحمد بن حنبل كما صلَّى النبي ﷺ ، على النجاشي فَخَرَجُوا إلى المصلى فَصَلُّوا عليه.
قال الخلالُ: سمعت عبد الوهَّاب الورَّاق، يقول: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية ولا الإسلام مثله -يعني: من شهد الجنازة- حتى بلغنا أن الموضع مُسِحَ وحُزِرَ على الصحيح، فإذا هو نحوٌ من ألفِ ألفٍ وَحَزَرْنا على القبور نحواً من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدُّروب، ينادون من أراد الوضوء. ثم روى الذهبي نحو هذا من سبع طرق.
قال أبو بكرٍ البيهقيُّ: بلغني عن أبي القاسم البغويِّ أن ابن طاهرٍ أمر أن يُحزَرَ الخلقُ، فاتفقوا على سَبْعِ مئةِ ألف.
قال صالح: ودخل عليه سوَّارٌ القاضي، فجَعَلَ يُبَشِّرُهُ ويخبرُه بالرُّخص، وذكر عن معتمر أن أباه، قال له عند موته: حدثني بالرخص.
وفي جزء محمد بن عبد الله بن علم: الذي سمعناه، قال: سمعت عبد الله بن أحمد، يقول: لما حَضَرَتْ أبي الوفاةُ، جلستُ عنده
стр. 1584
وبيدي الخِرقةُ لأفتقد (١) بها لحيته، فجعل يَغرَقُ، ثم يُفيقُ، ثم يفتحُ عينيه، ويقول بيده هكذا (٢) لا بَعدُ لا بعد، ثلاث مرات. فلمَّا كان في الثالثة، قلت له: يا أبة، أيُّ شيء هذا الذي لَهِجْتَ به في هذا الوقت؟ فقال: يا بني، ما تدري؟ قلت: لا. قال: إبليس لعنه الله قائم، بحذائي، وهو عاضٌّ على أنامله، يقول: يا أحمد فُتَّني، وأنا أقول: لا بعد حتى أموت.
فهذه حكاية غريبة، تفرَّد بها ابن عَلم، فالله أعلم.
وقد أنبأنا الثقة، عن أبي المكارم التيمي، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نُعيم، أخبرنا أبي، حدثنا (٣) أحمد بن محمد بن عمر، قال: سُئِلَ عبد الله بن أحمد: هل عَقَلَ أبوك عند المعاينة؟ قال: نعم. كنا نُوَضِّئُه، فجعل يُشِيُر بيده، فقال لي صالح: أيُّ شيءٍ يقول؟ فقلت، هو ذا يقول: خلِّلوا أصابعي، فخلَّلْنا أصابعه ثم ترك (٤) الإشارة، فمات من ساعته.
وقال صالحٌ: جعل أبي يحرِّك لسانه إلى أن تُوفي.
قال صالح: لم يحضُر أبي عند غَسلِه غريبٌ، فأردنا أن نُكفِّنَه، فغلبنا (٥) عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه، ويأتون بأولادهم فيُكبونهم عليه ويقبلونه.
стр. 1585
أقول: هذا دليلٌ على شدة موالاته لأهل البيت، وقيامه بحق القرابة، وقد وصفه بذلك الإمام المنصور بالله، فقال في " المجموع المنصوري " في الدعوة العامة إلى جَيْلان ودَيْلَمان ما لفظُه: وأما أحمد بن حنبل، فيكفيك في الاستقصاء عن أمره أنه ذُكِرَ له الحديث المُطَرَّقُ بعليِّ بن موسى بن جعفر، قال: أخبرني موسى العبد الصالح، عن أبيه جعفر (١) بن محمد الصادق، عن أبيه محمد بن علي باقر علم الأنبياء، عن أبيه عليِّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي (٢) سيد شباب أهل الجنة، عن أبيه علي بن أبي طالب سيد العرب، عن رسول الله ﷺ سيد الأوَّلين والآخرين، إنه قال: " الإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح ". فذكر هذا السند لأحمد بن حنبل، فقال: لو قُرِىءَ هذا على مجنونٍ لبرأ من جنونه (٣).
стр. 1586
قال الإمام المنصور بالله ﵇: فهذا يكفيك عن التفتيش عن صحة ولاءه، وذكر موالاة بقية أئمة (١) الفقهاء الأربعة إلى آخر ما ذكره - فهذا عارضٌ ثم نعود إلى سيرته.
قال الذهبي: أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أخبرنا ابن خليل، حدثنا اللبان، عن الحداد، أخبرنا أبو نعيم، سمعت ظفر بن أحمد، حدثني الحسين بن علي، حدثني أحمد بن الورَّاق، حدثني عبد الرحمن بن محمد (ح) وأخبرنا ابن الفراء، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا ابن خُضير، أخبرنا ابن يوسف، أخبرنا البرمكي، أخبرنا ابن مردك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثني أبو بكر محمد بن عباس المكي، سمعت الوركاني جار أحمد بن حنبل، قال: يوم مات أحمد أسلم (٢) عشرون ألفاً. وفي رواية ظفر: عشرةُ آلاف من اليهود والنصارى والمجوس.
هذه حكاية منكرة، تفرَّد بنقلها هذا المكي عن هذا الوركاني، ولا يعرف، وماذا بالوركاني المشهور محمد بن جعفر الذي مات قبل أحمد بن حنبل بثلاث عشرة سنة، وهو الذي قال فيه أبو زرعة: كان جاراً لأحمد بن حنبل. ثم العادة والعقل تُحيلُ وقوع مثل هذا. وهو إسلام ألوفٍ من الناس بموت وليٍّ لله (٣)، ثم لا ينقُلُ ذلك إلاَّ مجهولٌ لا
стр. 1587
يُعرف. فلو وقع ذلك، لاشتهر وتواتر لتوفُّر الهمم والدواعي على نقل مثله، بل لو أسلم لموته (١) مئة نفس، لقُضي من ذلك العَجَبُ. فما ظنُّك (٢)؟!.
المنامات:
ذكر الذهبي مناماتٍ صالحةً رُؤيت لأحمد بعد موته في قدر أربعِ ورقات في نصف القطع، ثم قال: ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحوٍ من ثلاثين ورقة، وأفرد ابن البناء جزءاً في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاجُ تقرير ولايتِه إلى منامات، ولكنها جندٌ من جند الله تسُرُّ المؤمن ولا سيما إذا تواترت.
المحنة (٣):
قال عمرو بن حكام، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن
стр. 1588
ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : " لا يمنعنَّ أحدكُم مخافة الناس أن يتكلم بحقِّ علمه ". تفرَّد به عمرو، وليس بحجة (١).
وقال سليمان ابن بنت شُرَحبيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ، قال رسول الله ﷺ : " لا يمنعنَّ أحدَكُم هيبةُ الناس أن يقول بالحقِّ إذا رآه أو سَمِعَهُ " (٢). غريب فرد.
стр. 1589
وقال حماد بن سلمة، ومُعَلَّى بن زياد -وهذا لفظه-، عن أبي غالبٍ، عن أبي أمامة أن رسول الله (١) ﷺ ، قال: " أحبُّ الجهاد إلى الله كلمة حقٍّ تقال لإمامٍ جائرٍ " (٢).
إسحاق بن موسى الخطمي: حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن محمد بن عبد القاري، عن أبيه، عن جده، أن عمر كتب إلى معاوية: أما بعد، فالزم الحق، يُنزِلك الحق منازل أهل الحق، يوم لا يُقضى إلاَّ بالحقِّ (٣).
وبإسنادٍ واهٍ إلى أبي ذر: أبى الحقُّ أن يترُك لي صديقاً.
الصدع بالحق عظيمٌ يحتاج إلى قوةٍ وإخلاص، فالمخلص بلا قوةٍ يعجِزُ عن القيام به، والقويُّ بلا إخلاص يُخذَل، فمن قام بهما كاملاً، فهو صِدِّيقٌ، ومن ضعُف، فلا أقلَّ من التألم والإنكار بالقلب، ليس وراء ذلك إيمانٌ، ولا قوةٌ إلاَّ بالله.
سفيان الثوري: عن الحسن بن عمرو، عن محمد بن مسلم مولى
стр. 1590
حكيم بن حزام، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي ﷺ : " إذا رأيتُم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم " (١).
هكذا رواه جماعة عن سفيان. ورواه النضر بن إسماعيل، عن الحسن، فقال: عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً. ورواه سيف بن هارون، عن الحسن، فقال: عن أبي الزبير: سمعت عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعاً.
سفيان الثوري: عن زُبَيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحْقِرَنَّ أحدكم نفسه
стр. 1591
أن يرى أمراً لله فيه مقالٌ، فلا يقول فيه، فيقال له: ما منعك؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: فإيَّايَ كنت أحقَّ أن تخاف" (١).
رواه الفريابي، وأبو نُعيم، وخلاَّد عنه.
حماد بن زيد: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمَّة المُضِلُّون، وإذا وُضِعَ السيف عليهم، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تزال طائفةٌ من أمتى على الحق ظاهرين، لا يضُرُّهُم من خالفهم أو خَذَلَهم حتى يأتي أمر الله " (٢).
стр. 1592
الحُسين بن موسى: حدثنا الحسين بن الفضل البَجَلي، حدثنا عبد العزيز بن يحيى المكي، حدثنا سليم بن مسلم (١)، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لله عند إحداث كلِّ بدعة تَكيدُ الإسلام وليٌّ يذُبُّ (٢) عن دينه " الحديث.
هدا موضوعٌ، ما رواه ابن جريج.
كان الناس أمةً واحدة، ودينهم قائماً في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد قُفْلُ باب الفتنة عمرُ ﵁، وانكسرَ الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبحَ صبراً، وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين. فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المئتين، فظهر (٣) المأمون الخليفة -وكان
стр. 1593
ذكيّاً متكلماً، له نظرٌ في المعقول- فاستجلب كُتُب الأوائل، وعرَّب (١) حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبَّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها. وآل به الحال إلى حَمْلِ الأمة على القول بخلقِ القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمهَلُ، وهلك لعامه، وخلَّى بعده شرّاً وبلاءً في الدين. فإن الأمة ما زالت على أنَّ القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله (٢)، لا يعرفون غير ذلك، حتى نَبَغَ لهم القول بأنه كلام الله مخلوقٌ، وأنه إنما يُضافُ إلى الله تعالى إضافه تشريفٍ، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء -إلى قوله-:
قال صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، قرأ علينا كتاب الذي صار إلى طَرَسُوس، يعني: المأمون، فكان فيما قُرِىءَ علينا: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] و ﴿هو خالقُ ُكلِّ شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢] فقلت: ﴿وهو السميعُ البصير﴾ قال صالح: ثم امتحن القوم، ووَجَّهَ بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حماد سجَّادة. ثم أجاب هذان، وبقي أبي ومحمدٌ في الحبس أياماً، ثم جاء كتابٌ من طرسوس بحملهما مُقَيَّدَيْنِ زميلينِ.
الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبو معمر القطيعي، قال: لما أُحضِرنا إلى دار السلطان أيام المحنة، وكان أحمد بن حنبل قد أُحضِرَ، فلما رأي الناس يُجِيبونَ، وكان رجلاً ليِّناً، فانتفخت أوداجه،
стр. 1594
واحمَّرت عيناه، وذهب ذلك اللين. فقلت: إنه قد غضب لله، فقلت: أبشِرْ.
حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن عبد الله بن جُمَيْعٍ، عن أبي سلمة، قال: كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، من إذا أريد على أمرِ دينه، رأيت حمالِيقَ عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون.
أخبرنا عُمَرُ بن القوَّاس، عن الكندي، أخبرنا الكَرُوجي، أخبرنا شيخ الإسلام، أخبرنا أبو يعقوب، حدثنا الحسين بن محمد الخَفَّاف: سمعت ابن أبي أُسامة، يقول: حُكي لنا أن أحمد قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله، أولا ترى الحقَّ كيف ظهر عليه الباطل؟ قال: كلاَّ، إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهُدَى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمةٌ للحق.
قال أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي: حدثنا الفضل بن زياد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول يوم امتحنه [إسحاق] (١) لما خرج من عنده، فقعد في مسجده، فقال له جماعةٌ: أخبرنا بمن أجاب.
فكأنَّه ثَقُلَ عليه، فكلَّموه أيضاً، قال: فلم يُجِب أحدٌ من أصحابنا، ولله الحمد. ثمَّ ذكر من أجاب ومن واتاهم على أكثر ممَّا (٢) أرادوا. فقالوا: هو مجعولٌ محدث، وامتحنهم مرةً مرة، وامتحنني مرتين مرتين. قال لي: ما تقول في القرآن؟ قلتُ: كلام الله غير مخلوق، فأقامني وأجلسني في ناحية، ثم سألهم، ثم ردَّني ثانيةً، فسألني وأخذ بي (٣) في
стр. 1595
التشبيه. فقلت: ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ﴾ [الشورى: ١١] فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال الله تعالى.
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنجي: جعلوا يُذاكِرون أبا عبد الله بالرقة في التَّقِيَّةِ وما رُوِيَ فيها. فقال: كيف تصنعون بحديث خبَّاب: " إنَّ من كان قبلَكُم كان يُنشَرُ أحدهم بالمنشار، لا يصُدُّه ذلك عن دينه " (١) فأيسنا منه. وقال: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلاَّ واحدٌ، ولا قتلاً بالسيف، إنما أخافُ فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله فما هو إلاَّ سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سُرِّيَ عنه.
قال: وحدثني من أثِقُ به، عن محمد بن إبراهيم بن مصعب، وهو يومئذٍ صاحب شرطة المعتصم قال: ما رأيت أحداً لم يُدَاخِلِ السلطان، ولا خالط الملوك، كان أثبت قلباً من أحمد يومئذٍ، ما نحن في عينه إلا كالذباب.
قال صالح بن أحمد: حُمِلَ أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين، فصرنا معهما إلى الأنبار. فسُئِلَ أبي: إن عُرِضْتَ على السيف، تُجِيبُ؟
стр. 1596
قال: لا. ثم سُيِّرا، فسمعتُ أبي يقول: صِرنا إلى الرَّحبة (١)، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ قيل له: هذا، فقال للجمال: على رِسْلِك، ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل ها هنا، وتدخل الجنة ثم قال: أستودعك الله، ومضى، فسألت عنه، فقيل: رجلٌ من العرب من ربيعة يذكر بخيرٍ.
أحمد بن أبي الحواري: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال أحمد: ما سمعت كلمةً منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمةِ أعرابيٍّ كلَّمني بها في رحبة طوقٍ، قال: يا أحمد، إن يقتلكَ الحقُّ، مُِتَّ شهيداً، وإن عِشْتَ، عِشْتَ حميداً. فقَوِيَ قلبي.
قال صالح: قال أبي: فلمَّا صِرْنا إلى أَذَنَة (٢)، ورَحَلْنا منها في جوف الليل، وفُتِحَ لنا بابها، إذا رجلٌ قد دَخَلَ. فقال: البُشرى! قد مات الرجل يعني: المأمون. قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.
قال صالح: ومات محمد بن نوح، وصلَّى أبي عليه، وصار أبي إلى بغداد مقيداً.
قال صالح: قال أبي: يُوجَّهُ إليَّ كُلَّ يوم برجلين يناظراني، ثم يُدعى بقيدٍ، فيُزادُ في قيودي، فصار في رجلي أربعة أقياد، فلمَّا كان في الليلة الرابعة، وجَّه -يعني: المعتصم- ببِغُا الكبير إلى إسحاق، فأمره بحملي إليه، وأُدخلت على (٣) إسحاق، وقال لي: يا أحمد إنها
стр. 1597
والله نفسُك، إنَّه لا يقتلُك بالسيف، إنه قد آلى، إن لم تجبه، أن يضربك ضرباً بعد ضربِ، وأن يقتُلك في موضع لا يُرى فيه شمسٌ ولا قمر. أليس قد قال الله تعالى: ﴿إنَّا جعلناه قُرآناً عربياً﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولاً إلاَّ مخلوقاً؟ فقلت: فقد (١) قال الله تعالى: ﴿فجعلهم كعصفٍ مأكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلَقَهم؟ فسكت فلمَّا صِرْنا إلى الموضع المعروف بباب البستان، أخرجت وَجِيءَ بدابةٍ، فأركبت وعليَّ الأقياد، ما معي من يُمسِكُني، فكدت غير مرة أخِرُّ على وجهي لثقل القيود. فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلت حجرة، ثم أُدخلت بيتاً، وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج، فأردت الوُضوء، فمددت يدي، فإذا أنا بإناءٍ فيه ماءٌ، وطستٌ موضوع فتوضَّأتُ وصلَّيتُ.
فلمَّا كان من الغد، أخرجت تِكَّتي، وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي. فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، وإذا (٢) هو جالس، وأحمد بن أبي دُوَاد حاضرٌ، وقد جَمَعَ خلقاً كثيراً من أصحابه، فقال لي المعتصم: ادنُهْ ادنُهْ، فلم يزل يُدنيني حتى قرُبتُ منه، ثم قلت: أتأذن في الكلام؟ قال: تكلَّم، قلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هُنيهةً، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلاَّ الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قَدِمَ وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ ، سألوه عن الإيمان، فقال: " أتدرون ما الإيمان؟ " قالوا: الله
стр. 1598
ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله (١) وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُعطوا الخمس من المَغنم " (٢) فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضتُ لك.
ثم قال لهم: ناظِرُوه، كلموه، يا عبد الرحمن بن إسحاق كلِّمه.
فقال: ما تقول في القرآن؟ فقلت: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله: ﴿الله خالقُ كُلِّ شيءٍ﴾؟ [الرعد: ١٦] والقرآن أليس شيئاً، فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمَّرَت إلاَّ ما أراد الله؟! فقال بعضُهم: ﴿ما يأتيهم مِنْ ذكرٍ من ربِّهم مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أفيكون محدثٌ إلا مخلوقاً؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذِّكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عِمران بن حصين: " إن الله كتب الذكر " (٣) واحتجوا بحديث ابن
стр. 1599
مسعود: " ما خلق الله من جنةٍ ولا نارٍ ولا سماءٍ ولا أرضٍ أعظم من آية الكرسي " (١). فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يَقَعْ على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب: " يا هَنَتاه تَقَرَّب إلى الله بما استطعت، فإنَّك لن تقرَّبَ إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه " (٢) فقلت: هكذا هو.
وكان يتكلم هذا فأرُدُّ عليه، وهذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقولُ المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ حتى أقول به.
قال حنبل: قال أبو عبد الله: لقد احتجوا عليَّ بشىء ما يقوى قلبي، ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتُهم على هذا حتى سمعته، وجعلوا يُرْغُون، يقول الخصم: كذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن بقوله: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تعبُدُ ما لا يسمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فهذا منكرٌ عندكم؟ قالوا: شبَّه يا أميرَ المؤمنين، شبَّه.
стр. 1600
قال صالح، عن أبيه: فإذا جاء شيءٌ من الكلام ممَّا ليس في الكتاب والسنَّة، قلت: ما أدري ما هذا. فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت (١) الحُجَّةُ علينا، ثبت، وإذا كلَّمناهُ بشيءٍ، يقول: لا أدري ما هذا. فقال: ناظروه، فقال رجلٌ: أراك تذكر الحديث وتنتحِلُه، فقال: ما تقول في قوله: ﴿يُوصيكُم الله في أولادِكم للذكَرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؟ قال: خصَّ الله بها المؤمنين، قلت: ما تقول: إن كان قاتلاً أو عبداً؟ فسكت، وإنما احتججتُ عليه بهذا، لأنهم كانوا (٢) يحتجون بظاهرِ القرآن. فحيثُ قال لي: أراك تنتحل الحديث، احتججت بالقرآن، يعني: وإنَّ السنة خصَّصتِ القاتل والعبد، فأخرجتهما من العموم - إلى قوله:
فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قلت: خليقٌ أن يحدث غداً من أمري شيءٌ، فقلت للموكِّل بي: أريد خيطاً، فشددت به الأقياد، ورددتُ التِّكَّة إلى سراويلي مخافة أن يحدُثَ من أمري شيء، فأتَعَرَّى. فلما كان من الغد، أُدخلت إلى الدار، فإذا هي غاصَّةٌ، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقومٌ معهم السيوف، وقومٌ معهم السِّياط، وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الأولين كبير أحد (٣) من هؤلاء. فلما انتهيت إليه، قال: اقعُد. ثم قال: ناظِرُوه، فلما طال المجلس، نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم، وردَّني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أُطلِقَ عنك بيدي، فرددتُ عليه نحو ردِّي. فقال: عليك، وذكر اللعن، خذوه
стр. 1601
اسحبوه (١) خلِّعوه. فسحبت (٢) وخُلِّعت. وجلس على كرسيٍّ، ثم قال: العُقَابين (٣) والسياط، فجيء بالعُقابين، فمُدَّت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خُذ ناتىء الخشبتين بيديك، وشُدَّ عليهما. فلم أفهم ما قال: فتخلَّعت يداي.
قال صالح: قال أبي فلما جيء بالسياط، نظر إليها المعتصم، فقال: ائتوني بغيرها. ثم قال للجلادين: تقدَّموا، فجعل يتقدم إليَّ الرجل منهم، فيضربني سوطين، فيقول له: شُدَّ، قطع الله يدك! ثم يتنحَّى ويتقدم آخر، فيضرِبُني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شُدَّ، قطع الله يدَك! فلما ضُربتُ تسعة (٤) عشر سوطاً، قام إليَّ، يعني: المعتصم، فقال: يا أحمد، علام تقتُلُ نفسك؟ إنِّي والله عليك لشفيقٌ، وجعل عُجَيْف ينخسُني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وقال بعضهم (٥): يا أمير المؤمنين دمُه في عُنقي، فقال: ويحكَ يا أحمد، ما تقول؟ فقلت: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقولُ به. فرجع وجلسَ. وقال للجلاد: تقدم، وأوجع، قَطَعَ الله يدك، ثم قام الثانية، وجعل يقول: ويحك يا أحمد: أجبني إلى شيءٍ فيه (٦) أدنى فرجٍ حتى أُطلِقَ عنك بيديَّ، ثم رَجَعَ، وقال للجلاد: تقدَّم، فجعل يضرِبُني وذهب عقلي، ثم أفقتُ بعد، فإذا الأقياد قد
стр. 1602
أُطلقتْ عني. فقال رجلٌ ممَّن حضر: كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارِيَّة (١) ودُسْنَاكَ! فما شعرت بذلك، وآتوني بسويقٍ، فقالوا: اشرب وتقيَّأ، فقلت: لا أُفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق، فحضرت الظهر، فتقدم ابن سماعه، فصلى! [فلما انفتل من صلاته] (٢) وقال لي (٣): صليتَ والدم يسيل في ثوبك؟ قلتُ: قد صلَّى عمر وجرحه يثعبُ دماً (٤).
قال صالح: ثم خُلِّي عنه، وصار إلى منزله، وكان لبثه منذ أُخِذَ إلى أن ضُرِبَ، وخُلِّيَ عنه، ثمانية وعشرون شهراً.
قال حنبل: سمعته يقول: ذهب عقلي مراراً، فكان إذا رُفِعَ عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإذا استرخيت وسقطت، رُفِعَ الضرب، أصابني ذلك مراراً.
الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي، حدثنا داود بن عرفة، حدثنا ميمون بن أصبُغ، قال: نزل السراويل إلى عانة أحمد عند الضرب، وانقطعت تِكَّتُه، وكانت حاشية ثوبٍ، فرمى بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بَقِيَ السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد أيام، فسألته ما قال: فذكر دعاءً.
стр. 1603
قال الذهبي: هذه حكايةٌ منكرةٌ، أخاف أن يكون داود وضعها.
وذكر الذهبي، عن جعفر بن فارسٍ الأصبهاني، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أحمد بن الفرج نحوها. ثم قال: فهذه الحكايةُ لا تَصِحُّ، ولقد ساق صاحب " الحلية " (١) من الخرافات السَّمجة هنا ما يُستحيا عن (٢) ذكره.
فمن ذلك، ذكر بإسناده أن أحمد لما حرك شفتيه حين سقط سراويله، رأيت (٣) يدين خرجتا من تحته، فشدَّتا السراويل، فلما فرغوا من الضرب، سألناه. فقال: قلتُ: يا مَنْ لا يُعلمُ العرش من أين هو، إن كنت على الحقِّ فلا تُبدِ عَورتي.
أوردها البيهقي في " مناقب أحمد "، وما جَسَرَ على توهيتها (٤)، بل روى عن أبي مسعود البَجَلِي، عن ابن جَهْضَم ذاك الكذاب، عن أبي بكر النَّجَّاد، عن ابن أبي العوام نحواً منها، وفيه فرأيت كفّاً من ذهب خرج من تحت مئزره بقدرة الله، فصاحت العامة.
وعن صالح، عن أبيه: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فجعلتُ الميت في حِلٍّ، ثم قال: وما على رجلٍ أن لا يعذِّب الله بسببه أحداً.
هذه نبذةٌ مختصرةٌ مما ذكره الذهبيُّ - إلى قوله: العجب من أبي
стр. 1604
القاسم عليِّ بن الحسن الحافظ (١) كيف ذكر ترجمة أحمد مُطوَّلةً كعوائده، ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمةً، مع صحة أسانيدها (٢)، فإنَّ حنبلاً ألَّفها في جُزأين، وكذلك صالح بن أحمد وجماعة، ثم رجع إلى ذكر حال أحمد في أيام المتوكل.
واعلم أن من وَقَفَ على تشدُّد أحمد في أمرِ المحنة ممن لم يعرف ما المقصود بقولهم: إن القرآن مخلوقٌ، أو غير مخلوق يطلع إلى معرفة حقيقة ذلك وغائلته التي حملت الفريقين على هذا الأمر العظيم، وقد رأيت أن أختم ترجمة أحمد بذكر كلام الفرق في هذه المسألة من غير تطويل بذكر الحُجَج، وسيأتي ذلك بعد ذكر كتاب أحمد إلى المتوكل، المشتمل على ذكر جملةٍ صالحةٍ من الآيات والآثار في ذلك، وهذا موضعه، ولكن بَقِيَت بقيةٌ من مناقب الإمام أحمد تليق بهذا الموضع (٣):
قال ابن أبي حاتم: قال سعيد بن عمرو: يا أبا زُرعة، أأنت أحفظ أم أحمد؟ قال: بل أحمد، قلت: كيف علمت؟ قال: وجدت كتبه ليس في أوائل الأجزاء أسماء الذين حدثوه، فكان يحفظ كل جزءٍ ممن سمعه، وأنا لا أقدر على هذا.
وعن أبي زرعة، قال: حُزِرَتْ كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنيّ عشر حِمْلاً، وعِدْلاً (٤)، ما كان على ظهرِ كتابٍ منها: حديث فلان، ولا
стр. 1605
في بطنه (١): حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفطه.
وقال حسن بن مُنَبِّه: سمعت أبا زرعة، يقول: أخرج إليَّ أبو عبد الله أجزاءً كلها سفيان سفيان، ليس على حديثٍ منها: حدثنا فلان، فظننتها عن رجلٍ واحد فامتحنت (٢) منها، فلما قرأ ذلك عليَّ جعل يقول: حدثنا وكيع ويحيى، وحدثنا فلان، فعَجِبْتُ، ولم أقدِر أنا على هذا.
قال إبراهيم الحربي: رأيت أبا عبد الله، كأنَّ الله جمع له علم الأوَّلين والآخرين.
وعن رجلٍ، قال: ما رأيتُ أحداً أعلَمَ بفقه الحديث ومعانيه من أحمد.
أحمد بن سلمة: سمعتُ ابن راهويه، يقول: كنتُ أُجَالِسُ أحمد وابن معين، ونتذاكر، فأقول: ما فقهُهُ؟ ما تفسيره؟ فيسكتون إلاَّ أحمد.
قال أبو بكر الخلاَّل: كان أحمدُ قد كتب كتب الرأي، وحفظها، ثم لم يلتفت إليها.
قال إبراهيم بن شمَّاس: سألنا وكيعاً عن خارجة بن مصعب، فقال: نهاني أحمدُ أن أحدِّث عنه.
قال العباس بن محمد الخلاَّل: حدثنا إبراهيمُ بن شمَّاس، سمعت وكيعاً وحفص بن غياث يقولان: ما قدِمَ الكوفة مثل ذاك الفتى، يعنيان: أحمد بن حنبل.
стр. 1606
وقيل: إنَّ أحمد أتى حسيناً (١) الجُعفي بكتابٍ كبير يشفع في أحمد، فقال: حسين: يا أبا عبد الله لا تجعل بيني وبينك مُنعِماً فليس تحمَّلُ عليَّ بأحدٍ إلاَّ وأنت أكبر منه.
الخلال: حدثنا (٢) المروذي، حدثنا (٣) خَضِرٌ المروذي بطرسوس سمعت ابن راهويه، سمعت يحيى بن آدم، يقول: أحمد بن حنبل إمامنا.
الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا الأثرم، حدثني (٤) بعض من كان يسمع مع أبي عبد الله أنهم كانوا يجتمعون عند يحيى بن آدم، فيتشاغلون عن الحديث بمناظرة أحمد يحيى بن آدم، ويرتفع الصوت بينهما، وكان يحيى بن آدم، واحد أهل زمانه في الفقه.
الخلال: حدثنا المروذي، سمعت محمد بن يحيى القطان، يفول: رأيت أبي مكرِّماً لأحمد بن حنبل، لقد بذل له كتبه، أو قال: حديثه.
وقال القواريري، قال يحيى القطان: ما قدم علينا مثل هذين أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وما قدم عليَّ من بغداد أحبُّ إليَّ من أحمد بن حنبل.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: شقَّ على يحيى بن سعيد يوم خرجت من البصرة.
стр. 1607
عمرو بن العباس: سَمِعتُ عبد الرحمن بن مهدي، ذكر أصحاب الحديث، فقال: أعلمهم بحديث الثوري أحمد بن حنبل. قال: فأقبل أحمد، فقال ابن مهدي: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري، فلينظُر إلى هذا.
قال المرُّوذي: قال أحمد: عُنيتُ بحديث سفيان حتى كتبته عن رجلين، حتى كلَّمنا يحيى بن آدم، فكلم لنا (١) الأشجعيَّ، فكانت تخرج (٢) إلينا الكتب، فنكتب من غير أن نسمع.
وعن ابن مهدي، قال: ما نظرتُ إلى أحمد إلاَّ ذكرت به سفيان.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: خالف وكيعٌ ابن مهدي في نحوٍ من ستين حديثاً من حديث سفيان، فذكرت ذلك لابن مهدي، وكان يحكيه عني.
عباس الدوري: سمعت أبا عاصم يقول لرجلٍ بغدادي: من تعُدُّون عندكم اليومَ من أصحاب الحديث؟ قال: عندنا أحمدُ بن حنبل، وابن معين، وأبو خيثمة، والمُعَيْطِي، والسُّويدي، حتى عدَّ له جماعة بالكوفة أيضاً وبالبصرة، فقال أبو عاصم: قد رأيت جميع من ذكرت، وجاؤوا إليَّ، لم آر مثل ذاك الفتن، يعني: أحمد بن حنبل.
قال شجاع بن مخلد: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: ما بالمِصْرَيْنِ (٣) رجلٌ أكرم عليَّ من أحمد بن حنبل.
стр. 1608
وعن سليمان بن حربٍ، أنه قال لرجلٍ: سَلْ أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمامٌ.
الخلال: حدثنا عليُّ بن سهل (١)، قال: رأيت يحيى بن معين عند عفان ومعه أحمد بن حنبل، فقال: ليس هنا اليوم حديثٌ. فقال يحيى: تردُّ أحمد بن حنبل، وقد جاءك؟ فقال (٢): الباب مُقفلٌ، والجارية ليست هنا. قال يحيى: أنا أفتح، فتكلم على القُفلِ (٣) بشيءٍ، ففتحه. فقال عفان: وفشَّاش (٤) أيضاً! وحدثهم.
قال: وحدثنا (٥) المروذي: قلت لأحمد: أكان أُغمي عليك أو غُشِيَ عليك (٦) عند ابن عُيينة؟ قال: نعم في دهليزه (٧) زحمني الناس فأُغمي عليَّ.
وروي أن سفيان، قال يومئذٍ: كيف أُحَدِّثُ وقد مات خير الناس.
وقال مُهَنَّا بن يحيى: قد رأيت ابن عيينة، ووكيعاً، وبقية، وعبد الرزاق، وضمرة، والناس، ما رأيت رجلاً أجمع من أحمد في علمه، وزهده، وورعه، وذكر أشياء.
وقال نوحُ بن حبيب القُومَسي: سلَّمتُ على أحمد بن حنبل في سنة
стр. 1609
ثمانٍ وتسعين ومئةٍ بمسجدِ الخَيْفِ، وهو يُفتي فُتيا واسعة.
وعن شيخٍ أنه كان عنده كتابٌ بخطِّ أحمد بن حنبل، فقال: كنا عند (١) ابن عيينة سنة ففقدت (٢) أحمد بن حنبل أياماً، فدُلِلتُ على موضعه، فجئت، فإذا هو في شبيهٍ بكهفٍ في جياد (٣). فقلت: سلام عليكم، أدخلُ؟ فقال: لا، ثم قال: ادْخُلْ، فدخلت، وإذا عليه قطعة لبدٍ خلقٍ، فقلت: لِمَ حجبتني؟ فقال: حتى استترتُ فقلت: ما شأنك؟ قال: سُرقت (٤) ثيابي، فبادرت إلى منزلي فجئته بمئة درهم فعرضتها عليه، فامتنع، فقلت: قرضاً، فأبى، حتى بلغتُ عشرين درهماً، ويأبى. فقمت، وقلت: ما يحِلُّ لك أن تقتل نفسك. قال: ارجع، فرجعت، فقال: أليس قد سمعت معي من ابن عُيينة؟ قلت: بلى. قال: تحبُّ أن أنسخه لك؟ قلت: نعم. قال: اشتر لي وَرَقاً. قال: فكتب بدراهم اكتسى منها ثوبين.
الحاكم: سمعتُ بكران بن أحمد الحنظلي الزاهد ببغداد، سمعت عبد الله بن أحمد، سمعتُ أبي يقول: قَدِمْتُ صنعاء (٥) أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق إلى قريته، وتخلَّف يحيى، فلما ذهبت أدُقُّ الباب، قال لي بقَّالٌ تُِجاه داره: مَهْ، لا تدُقَّ، فإنَّ الشيخ يُهاب.
فجلستُ حتى إذا كان قبل المغرب، خرج فوثبت إليه، وفي يدي أحاديث
стр. 1610
انتقيتُها، فسلمت، وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله، فإني رجلٌ غريب. قال: ومن أنت؟ وَزَبَرني. قلت: أنا (١) أحمد بن حنبل، قال: فتقاصر؟ وضمَّني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم، فقال للبقال: هلُمَّ المصباح حتى خرج وقت المغرب، وكان عبد الرزاق يُؤخِّرُ صلاة (٢) المغرب.
الخلال: حدثنا الرمادي، سمعت عبد الرزاق، وذكر أحمد بن حنبل، فدَمِعَتْ عيناه، وقال: بلغني أن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وما معنا أحدٌ، فقلتُ له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير، إذا بعنا الغلَّة، أشغلناها في شيء، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها، وأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيَّأ شيء. فقال لي: يا أبا بكرٍ، لو قبلت من أحدٍ شيئاً، لَقبِلتُ منك.
وقال عبدُ الله: قلتُ لأبي: بلغني أنَّ عبد الرزاق عَرَضَ عليك دنانيرَ؟ قال: نعم، وأعطاني يزيدُ بن هارون خمس مئة درهم -أظُنُّ- فلم أقبل، وأعطى يحيى بن معين، وأبا مسلم فأخذا منه.
وقال محمد بن سهل بن عسكر: سمعت عبد الرزاق يقول: إن يَعِشْ هذا الرجل يكُن خَلَفاً من العلماء.
المروذي: حدثني أبو محمد النسائي، سمعت إسحاق بن راهويه، قال: كنا عند عبد الرزاق أنا وأحمد بن حنبل، فمضينا معه إلى المصلى يوم عيد، فلم يكبر هو ولا أنا ولا أحمد، فقال لنا: رأيت مَعْمراً
стр. 1611
والثوري في هذا اليوم كبَّرا، وإني رأيتكما لم تُكبِّرا، فلم أُكبِّر، فلِمَ لم تُكبِّرا؟ قلنا: نحن نرى التكبير، ولكن شغلنا بأي شيء نبتدىء من الكتب.
أبو إسحاق الجُوزجاني، قال: كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق، فسها، فسأل عنه عبد الرزاق، فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئاً. رواها الخلال، سمعت أبا زرعة القاضي الدمشقي عن الجوزجاني.
قال الخلال: حدثنا أبو القاسم بن الجَبُّلِي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، قال: كنت مع أحمد بن حنبل عند عبد الرزاق، وكانت معي جارية، وسكنا فوق، وأحمد أسفل في البيت، فقال لي: يا أبا يعقوب: هوذا (١) يُعجبني ما أسمع من حركتكم (٢) قال: وكنت أطلع، فأراه يعملُ التِّكَكَ ويَبيعُها، ويتقوَّتُ بها هذا أو نحوه.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله، يقول: كنت في أزْرِي من اليمن إلى مكة. قلت: أَكْرَيتَ نفسك من الجمالين؟ قال: قد اكتريت (٣) لكتبي (٤)، ولم يقل: لا.
وعن إسماعيل بن عُلَيه: أنه أُقيمت الصلاة، فقال: ها هنا أحمد بن حنبل قولوا (٥) له يتقدَّمُ يُصلِّي بنا.
стр. 1612
وقال الأثرمُ: أخبرني عبد الله بن المبارك شيخٌ سَمِعَ قديماً، قال: كنا عند ابن عُلَيَّة، فضَحِكَ بعضُنا، وثم أحمد بن حنبل، قال: فأتينا إسماعيل بعدُ، فوجدناه غضبان (١)، فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل!
قال المروذي: قال لي أبو عبد الله: كنا عند يزيد بن هارون، فوَهِمَ في شيء، فكلَّمته، فأخرج كتابه، فوجده كما قلتُ، فغيَّره، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل، ادْنُ، يا ابن حنبل، ادنُ ها هنا. ومَرِضْتُ فعادَني، فنطحه الباب.
المَرُّوذي: سمعت جعفر بن ميمون بن الأصبغ، سمعت أبي يقول: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المُعَيْطي (٢) وأبو خيثمة (٣)، وأحمد، وكان في يزيد ﵀ مداعبة، فذاكره المعيطي (٤) بشيء.
فقال له يزيد: فقدتُك، فتنحنح أحمد فالتفت إليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، قال: ألا أعلمتموني أنه ها هنا.
قال المروذي: فسمعت بعض الواسطيين يقول: ما رأيت يزيد بن هارون ترك المِزَاحَ لأحدٍ إلاَّ لأحمد بن حنبل.
قال أحمد بن سنان القطان: ما رأيت يزيد لأحدٍ أشدَّ تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، ولا أكرم أحداً مثله، كان يُقْعِدُه إلى جنبه ويُوَقِّرُه، ولا يمازحه.
стр. 1613
وقال عبدُ الرزاق: ما رأيتُ أحداً أفقه ولا أورَعَ من أحمد بن حنبل.
قلت: قال هذا (١)، وقد رأي مثل الثوري، ومالكٍ، وابن جريج.
وقال حفص بن غياث: ما قَدِمَ الكوفة مثل أحمد بن حنبل.
وقال أبو اليمان: كنتُ أُشبِّهُ أحمد بأرطاة بن المنذر.
وقال الهيثم بن جميل الحافظ: إن عاش أحمد سيكون حجةً على أهل زمانه.
وقال قتيبة: خيرُ أهل زماننا ابن المبارك، ثُمَّ هذا الشابُّ يعني: أحمد بن حنبل، واذا رأيت رجلاً يُحِبُّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنةٍ، ولو أدرك عصر الثوري، والأوزاعي، والليث لكان هو المقدَّم عليهم. فقيل لقُتيبة: تضُمُّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال قتيبة: لولا الثوريُّ لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا.
قلت: قد روى أحمد في مسنده عن قتيبة (٢) كثيراً.
وقيل لأبي مُسهر الغساني: تعرف من يحفظ على الأمة أمر دينها؟ قال: شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد بن حنبل.
قال المُزَنيُّ: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابّاً إذا قال: حدثنا، قال الناس كلهم: صَدَقَ. قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل.
стр. 1614
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلَّفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان بن داود الهاشمي.
قال محمد بن إسحاق بن راهويه: حدثني أبي قال (١) قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أُرِيكَ من لم تر مثله، فذهب بي إلى الشافعي، قال أبي: وما رأي الشافعي مثل أحمد بن حنبل. ولولا أحمد وبذْلُ (٢) نفسه، لذهب الإسلام - يريد المحنة.
وروي عن إسحاق بن راهويه، قال: أحمد حُجَّةٌ بين الله وبين خلقه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعتُ علي بن المديني، يقول: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيداً كان له نظراء.
وعن ابن المديني، قال: أعزَّ الله الدين بالصِّدِّيق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم، وذكر الحكاية.
وقال أبو عبيد: إني لأتدين بذكر أحمد بن حنبل، ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة منه.
стр. 1615
وقال الحسن بن الربيع: ما شبَّهت أحمد بن حنبل إلاَّ بابن المبارك في سمته وهيبته.
الطبراني: حدثنا محمد بن حسين الأنماطي، قال: كنا في مجلسٍ فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة، فجعلوا يُثْنُون على أحمد بن حنبل، فقال رجلٌ: فبعض هذا، فقال يحيى: وكثرةُ الثناء على أحمد تُستنكر! لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه، ما ذكرنا فضائله بكمالها.
وروى عباس، عن ابن معين قال: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
وقال النُّفيلي: كان أحمد بن حنبل (١) من أعلام الدين.
وقال المروذي: حضرت أبا ثورٍ سُئِلَ عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال ابن معين: ما رأيت من يحدث لله إلاَّ ثلاثة: يعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
وقال ابن معين: أرادوا أن أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبداً.
وقال أبو خيثمة: ما رأيت مثل أحمد، ولا أشد منه قلباً.
وقال علي بن خَشْرمٍ: سمعت بشر بن الحارث، [يقول] (٢): أنا أسأل عن أحمد بن حنبل، إنَّ أحمد أُدْخِلَ الكِيرَ، فخرج ذهباً أحمر.
وقال عبدا لله بن أحمد: قال أصحاب بشر الحافي له حين ضُرِبَ