والثوري في هذا اليوم كبَّرا، وإني رأيتكما لم تُكبِّرا، فلم أُكبِّر، فلِمَ لم تُكبِّرا؟ قلنا: نحن نرى التكبير، ولكن شغلنا بأي شيء نبتدىء من الكتب.
أبو إسحاق الجُوزجاني، قال: كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق، فسها، فسأل عنه عبد الرزاق، فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئاً. رواها الخلال، سمعت أبا زرعة القاضي الدمشقي عن الجوزجاني.
قال الخلال: حدثنا أبو القاسم بن الجَبُّلِي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، قال: كنت مع أحمد بن حنبل عند عبد الرزاق، وكانت معي جارية، وسكنا فوق، وأحمد أسفل في البيت، فقال لي: يا أبا يعقوب: هوذا (١) يُعجبني ما أسمع من حركتكم (٢) قال: وكنت أطلع، فأراه يعملُ التِّكَكَ ويَبيعُها، ويتقوَّتُ بها هذا أو نحوه.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله، يقول: كنت في أزْرِي من اليمن إلى مكة. قلت: أَكْرَيتَ نفسك من الجمالين؟ قال: قد اكتريت (٣) لكتبي (٤)، ولم يقل: لا.
وعن إسماعيل بن عُلَيه: أنه أُقيمت الصلاة، فقال: ها هنا أحمد بن حنبل قولوا (٥) له يتقدَّمُ يُصلِّي بنا.
стр. 1612
وقال الأثرمُ: أخبرني عبد الله بن المبارك شيخٌ سَمِعَ قديماً، قال: كنا عند ابن عُلَيَّة، فضَحِكَ بعضُنا، وثم أحمد بن حنبل، قال: فأتينا إسماعيل بعدُ، فوجدناه غضبان (١)، فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل!
قال المروذي: قال لي أبو عبد الله: كنا عند يزيد بن هارون، فوَهِمَ في شيء، فكلَّمته، فأخرج كتابه، فوجده كما قلتُ، فغيَّره، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل، ادْنُ، يا ابن حنبل، ادنُ ها هنا. ومَرِضْتُ فعادَني، فنطحه الباب.
المَرُّوذي: سمعت جعفر بن ميمون بن الأصبغ، سمعت أبي يقول: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المُعَيْطي (٢) وأبو خيثمة (٣)، وأحمد، وكان في يزيد ﵀ مداعبة، فذاكره المعيطي (٤) بشيء.
فقال له يزيد: فقدتُك، فتنحنح أحمد فالتفت إليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، قال: ألا أعلمتموني أنه ها هنا.
قال المروذي: فسمعت بعض الواسطيين يقول: ما رأيت يزيد بن هارون ترك المِزَاحَ لأحدٍ إلاَّ لأحمد بن حنبل.
قال أحمد بن سنان القطان: ما رأيت يزيد لأحدٍ أشدَّ تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، ولا أكرم أحداً مثله، كان يُقْعِدُه إلى جنبه ويُوَقِّرُه، ولا يمازحه.
стр. 1613
وقال عبدُ الرزاق: ما رأيتُ أحداً أفقه ولا أورَعَ من أحمد بن حنبل.
قلت: قال هذا (١)، وقد رأي مثل الثوري، ومالكٍ، وابن جريج.
وقال حفص بن غياث: ما قَدِمَ الكوفة مثل أحمد بن حنبل.
وقال أبو اليمان: كنتُ أُشبِّهُ أحمد بأرطاة بن المنذر.
وقال الهيثم بن جميل الحافظ: إن عاش أحمد سيكون حجةً على أهل زمانه.
وقال قتيبة: خيرُ أهل زماننا ابن المبارك، ثُمَّ هذا الشابُّ يعني: أحمد بن حنبل، واذا رأيت رجلاً يُحِبُّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنةٍ، ولو أدرك عصر الثوري، والأوزاعي، والليث لكان هو المقدَّم عليهم. فقيل لقُتيبة: تضُمُّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال قتيبة: لولا الثوريُّ لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا.
قلت: قد روى أحمد في مسنده عن قتيبة (٢) كثيراً.
وقيل لأبي مُسهر الغساني: تعرف من يحفظ على الأمة أمر دينها؟ قال: شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد بن حنبل.
قال المُزَنيُّ: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابّاً إذا قال: حدثنا، قال الناس كلهم: صَدَقَ. قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل.
стр. 1614
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلَّفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد، وسليمان بن داود الهاشمي.
قال محمد بن إسحاق بن راهويه: حدثني أبي قال (١) قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أُرِيكَ من لم تر مثله، فذهب بي إلى الشافعي، قال أبي: وما رأي الشافعي مثل أحمد بن حنبل. ولولا أحمد وبذْلُ (٢) نفسه، لذهب الإسلام - يريد المحنة.
وروي عن إسحاق بن راهويه، قال: أحمد حُجَّةٌ بين الله وبين خلقه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعتُ علي بن المديني، يقول: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيداً كان له نظراء.
وعن ابن المديني، قال: أعزَّ الله الدين بالصِّدِّيق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم، وذكر الحكاية.
وقال أبو عبيد: إني لأتدين بذكر أحمد بن حنبل، ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة منه.
стр. 1615
وقال الحسن بن الربيع: ما شبَّهت أحمد بن حنبل إلاَّ بابن المبارك في سمته وهيبته.
الطبراني: حدثنا محمد بن حسين الأنماطي، قال: كنا في مجلسٍ فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة، فجعلوا يُثْنُون على أحمد بن حنبل، فقال رجلٌ: فبعض هذا، فقال يحيى: وكثرةُ الثناء على أحمد تُستنكر! لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه، ما ذكرنا فضائله بكمالها.
وروى عباس، عن ابن معين قال: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
وقال النُّفيلي: كان أحمد بن حنبل (١) من أعلام الدين.
وقال المروذي: حضرت أبا ثورٍ سُئِلَ عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال ابن معين: ما رأيت من يحدث لله إلاَّ ثلاثة: يعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
وقال ابن معين: أرادوا أن أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبداً.
وقال أبو خيثمة: ما رأيت مثل أحمد، ولا أشد منه قلباً.
وقال علي بن خَشْرمٍ: سمعت بشر بن الحارث، [يقول] (٢): أنا أسأل عن أحمد بن حنبل، إنَّ أحمد أُدْخِلَ الكِيرَ، فخرج ذهباً أحمر.
وقال عبدا لله بن أحمد: قال أصحاب بشر الحافي له حين ضُرِبَ
стр. 1616
أبي: لو أنك خرجت فقلت: إني على قول أحمد، فقال: أتريدون إن أقوم مقام الأنبياء؟!.
القاسم بن محمد الصائغ: سمعت المروذي يقول: دخلت على ذي النون السجن، ونحنُ بالعسكر، فقال: أيُّ شيءٍ حالُ سيدنا؟ يعن: أحمد بن حنبل.
وقال محمد بن حماد الطِّهراني: سمعت أبا ثور الفقيه يقول: أحمد بن حنبل أعلم أو (١) أفقه من الثوري.
وقال نصر بن علي الجهضمي: أحمد أفضل أهل زمانه.
قال صالح بن علي الحلبي: سمعتُ أبا همام السكوني (٢) يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأى هو مثل نفسه.
وعن حجاج بن الشاعر، قال: ما رأيت أفضل من أحمد، وما كنت أُحبُّ أن أُقتل في سبيل الله، ولم أُصَلِّ على أحمد، بلغ والله في الإمامة أكبر من مبلغ سفيان ومالك.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديثٍ لا أبالي من خالفني.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عليِّ بن المديني، وأحمد بن حنبل، أيُّهما أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه، إذا رأيت من يُحب أحمد، فاعلم أنه صاحبُ سنةٍ.
стр. 1617
وقال أبو زُرعة: أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقه، ما رأيت أحداً أكمل من أحمد.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إماماً فيما بيني وبين الله تعالى.
وقال محمد بن مهران الجمال: ما بَقِيَ غير أحمد.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة: سمعت محمد بن سحتويه (١) سمعت أبا عمير بن النحاس الرملي، وذُكِرَ أحمد بن حنبل، فقال: ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عُرِضَتْ له الدنيا، فأباها، والبدعُ، فنفاها.
قال أبو حاتم: كان أبو عمير من عُبَّاد المسلمين، قال لي: أَمِلَّ عليَّ شيئاً عن أحمد بن حنبل.
وروي عن أبي عبد الله البُوشنجي: قال: ما رأيتُ أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل، ولا أعقل منه (٢).
وقال ابنُ وارة (٣): كان أحمد صاحب فقه، صاحب حفظ، صاحب معرفة.
وقال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه، والوَرَعَ، والزهد، والصَّبرَ.
стр. 1618
وعن عبد الوهاب الورَّاق: قال: لما قال النبي ﷺ : " فردوه إلى عالمه " (١) رددناه إلى أحمد بن حنبل، وكان أعلم أهل زمانه.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، ولا يُذكرُ فيها شيءٌ من أمر (٢) الدنيا، ما رأيتُه ذكر الدُّنيا قطُّ.
قال صالح بن محمد جزرة: أفقه من أدركت في الحديث أحمد بن حنبل.
وقال علي بن خلف: سمعت الحميدي، يقول: ما دمت بالحجاز، وأحمد بالعراق، وابن راهويه بخراسان لا يَغْلِبُنا أحدٌ (٣).
الخلال: حدَّثنا محمد بن ياسين البَلَدي، سمعتُ ابن أبي أُويس وقيل له (٤): ذهب أصحاب الحديث، فقال: ما أبقى الله أحمد بن حنبل، فلم يذهب أصحابُ الحديث.
وعن ابن المديني، قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أُحدِّث إلاَّ من كتابٍ.
الحسين بن الحسن أبو معين الرازي: سمعت ابن المديني، يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد، وبلغني أنه لا يحدث إلاَّ من كتاب ولنا فيه أُسوةٌ.
وعنه قال: أحمد اليوم حجة الله على خلقه.
стр. 1619
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، عن أبي اليُمن الكندي، حدثنا عبد الملك بن أبي القاسم، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، أخبرنا أبو يعقوب القرَّاب، أخبرنا محمد بن عبد الله الجَوْزَقِيُّ، سمعت أبا حامد الشرقي، سَمِعْتُ أحمد بن عاصم، سمعتُ أبا عبيدٍ القاسم بن سلاَّم، يقول: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى عليِّ بن المديني وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له.
إسحاق المنجنيقي: حدثنا القاسم بن محمد المؤدب، عن محمد بن أبي بشر، قال: أتيت أحمد بن حنبل في مسألةٍ. فقال: ائتِ أبا (١) عُبيدٍ، فإن له بياناً (٢) لا تسمعه من غيره. فأتيتُه فشفاني جوابه.
فأخبرته بقول أحمد، فقال: ذاك رجل من عمال الله نَشَرَ الله رداء علمه (٣)، وذَخَرَ له عنده الزُّلفى، أما تراه مُحبباً (٤) مألوفاً، فبارك الله له فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم، فإنه لكما قيل:
يَزِينُكَ إمَّا غابَ عنك فإنْ دَنَا ... رأيتَ لهُ وجهاً يَسُرُّكَ مُقبِلاً
ويحسنُ في ذاتِ الإله إذا رأي ... مَضيماً لأهل الحقِّ لا يسأمُ البَلاَ
وإخوانُه الأدْنَوْنَ كُلُّ مُوفَّقٍ ... بَصيرٍ بأمرِ الله لا يسأمُ العُلاَ (٥)
وبإسنادي إلى أبي إسماعيل الأنصاري: أخبرنا إسماعيل بن
стр. 1620
إبراهيم، أخبرنا نصر بن أبي نصر الطوسي، سمعت علي بن أحمد بن خُشيش، سمعت أبا الحديد الصُّوفي بمصر، عن أبيه، عن المزني، يقول: أحمد بن حنبل يوم المِحْنَةِ، وأبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السَّقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليٌّ يوم صِفِّين.
قال (١) أحمد بن محمد الرُّشدِيني: سمعت أحمد بن صالح المصري، يقول: ما رأيت بالعراق مثل هذين أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن نمير، رجلين جامعين لم أر مثلهما بالعراق.
وروى أحمد بن سلمة النيسابوري، عن ابن وارة، قال: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، وأبو جعفرٍ النفيلي بحرَّان، وابن نُمير بالكوفة، هؤلاء أركان الدِّين.
وقال علي بن الجنيد الرازي: سمعتُ أبا (٢) جعفرٍ النُّفيلي، يقول: كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين.
وعن محمد بن مصعب العابد، قال (٣): لسوطٌ ضُرِبَه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر بن الحارث.
قلت: بشرٌ عظيمُ القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما الله يعلم ذلك.
قال أبو عبد الرحمن النهاوندي، سمعت يعقوب الفَسَويَّ، يقول: كتبت عن ألف شيخٍ، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن
стр. 1621
حنبل، وأحمد بن صالح.
وبالإسناد إلى الأنصاري شيخ الإسلام: أخبرنا أبو يعقوب، أخبرنا منصور بن عبد الله الذهلي، حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري، سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي، وذكر أحمد بن حنبل، فقال: هو عندي أفقَهُ وأفضل من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يُمتَحَن بمثل ما امتُحِنَ به أحمدُ، ولا علمُ سفيان ومن تقدَّم من عُلماء الأمصار كعِلم أحمد بن حنبل، لأنه كان أجمع لها (١)، وأبصر بأغاليطهم وصدوقهم وكذوبهم، قال: ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال: قام أحمد (٢) مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتُحِنَ بالسَّرَّاء والضَّرَّاء، وكان فيهما معتصماً بالله.
قال أبو يحيى الناقدُ: كنَّا عند إبراهيم بن عَرْعَرَةَ، فذكروا علي بن عاصم، فقال رجلٌ: أحمد بن حنبل يُضعِّفُه. فقال رجل: وما يضره إذا كان ثقةً؟ فقال ابن عرعرة: والله لو تكلم أحمد في علقمة والأسود لضَرَّهُما.
وقال الحُنَيْنِي: سمعت إسماعيل بن الخليل، يقول: لو كان أحمد ابن حنبل في بني إسرائيل، لكان آية.
وعن علي بن شعيب، قال: عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل، من أنَّ أحدهم كان يُوضَعُ المنشار على مفرِقِ رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه (٣). ولولا أن أحمد قام بهذا الشأن، لكان عاراً علينا أن قوماً سُبكوا
стр. 1622
فلم يخرج منهم أحدٌ.
قال ابن سَلْم: سمعت محمد بن نصر المروزي (١)، يقول: صِرتُ إلى دار أحمد بن حنبل مراراً، وسألته عن مسائل، فقيل له: أكان أكثر حديثاً أم إسحاق؟ فقال: بل (٢) أحمد أكثر حديثاً وأورع. أحمد فاق أهل زمانه.
قلت: كان أحمد عظيم الشأن، رأساً (٣) في الفقه، وفي الحديث، وفي التألُّهِ، أثنى عليه خلقٌ من خصومِهِ، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!!
وكان مَهِيباً في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هِبْتُ أحداً في مسألةٍ، ما هبت أحمد بن حنبل.
وقال إبراهيم الحربي: عالم وقته سعيد بن المسيب في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، وأحمد بن حنبل في زمانه.
قرأت على إسحاق الأسدي: أخبركُم ابن خليل، أخبرنا اللبان، عن أبي علي الحدَّاد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا أبو بكر بن مالك، حدثنا (٤) محمد بن يونس، حدثني سليمان الشاذكوني، قال: يُشَبَّه عليُّ بن المديني بأحمد بن حنبل؟ أيهات!! ما أشبه السُّك (٥) باللُّك (٦). لقد
стр. 1623
حضرتُ من وَرَعِه شيئاً بمكة: أنه أرهن سطلاً عند فامِيَّ (١)، فأخذ منه شيئاً لِيَقوتَه. فجاء، فأعطاه فِكَاكه، فأخرج إليه سطلين، فقال: انظُر أيُّهما سطلُك؟ فقال: لا أدري أنت في حِلٍّ منه، ومما أعطيتك، ولم يأخذه. قال الفامي: والله إنه لسطلُه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
وبه (٢) إلى أبي نعيم حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الأبار: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكلِّ أهل دارٍ ببغداد أن يُقيموا عليه النياحةَ في دورهم.
قلت: تكلَّم الذُّهلي بمقتضى الحُزن لا بمقتضى الشرع (٣).
قال أحمد بن القاسم المقرىء: سمعت الحسين الكرابيسي، يقول: مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل مَثَلُ قومٍ يجيئون إلى أبي قُبَيْسٍ (٤) يُريدون أن يَهدِمُوه بنعالهم.
الطبراني: حدثنا إدريس بن عبد الكريم المقرىء، قال: رأيتُ علماءنا مثل الهيثم بن خارجة، ومُصعبٍ الزُّبيري، ويحيى بن معين،
стр. 1624
وأبي بكرٍ بن أبي شيبة، وأخيه، وعبد الأعلى بن حماد، وابن أبي الشوارب، وعليِّ بن المديني، والقواريري، وأبي خيثمة، وأبي معمرٍ، والوَرْكاني، وأحمد بن محمد بن أيوب، ومحمدِ بن بكَّار، وعمرٍو الناقد (١)، ويحيى بن أيوب المقابري، وسُريجٍ (٢) بن يونس، وخلف بن هشام، وأبي الربيع الزهراني، فيمن لا أُحصيهم، يُعظِّمون أحمد ويُجِلُّونه ويُوَقرونه ويُبَجِّلُونَه ويقصدونه للسلام عليه.
قال أبو علي بن شاذان: قال لي محمد (٣) بن عبد الله الشافعي: لمَّا مات سعيد بن أحمد بن حنبل، جاء إبراهيم الحربيُّ إلى عبد الله بن أحمد، فقام إليه عبد الله، فقال: تقومُ إليَّ؟ فقال: والله لو رآك أبي، لقامَ إليك، فقال إبراهيمُ: والله لو رأى ابنُ عيينة أباك، لقام إليه.
قال محمد بن أيوب العُكْبَري: سمعت إبراهيم الحربي، يقول: التابعون كلهم وآخرهم أحمد بن حنبل -وهو عندي أجَلُّهم- يقولون: من حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئاً ثم فعله ناسياً، كلهم يُلزِمُونَه الطلاق.
وعن الأثرم، قال: ناظرت رجلاً، فقال: من قال بهذه المسألة؟ قلت: من ليس في شرقٍ ولا غربٍ مثلُه، قال: من؟ قلتُ: أحمد بن حنبل.
وقد أثنى على أبي عبد الله جماعةٌ من أولياء الله، وتبرَّكُوا به، روى
стр. 1625
ذلك أبو الفرج بن الجوزي، وشيخ الإسلام (١) ولم يصح سند بعض ذلك.
أخبرنا إسماعيل بن عُمَيرة، أخبرنا ابن قدامة (٢)، أخبرنا أبو طالب بنُ خُضَير، أخبرنا أبو طالب اليُوسُفي، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، أخبرنا عليُّ بن عبد العزيز، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا أبو زُرعة، وقيل له: اختيار أحمد وإسحاق أحبُّ إليك أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد وإسحاق، ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحداً أجمع منه.
في فضلِهِ وتألُّهِهِ وشمائله:
وبه قال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، قال: دخلت على أبي يوماً أيام الواثق -والله أعلم على أيِّ حال نحن- وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لِبْدٌ يجلِسُ عليه، قد أتى عليه سنون كثيرةٌ حتى بَلِيَ، وإذا تحته كتاب كاغَدٌ (٣) فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضِّيق، وما عليك من الدَّين، وقد وجَّهتُ إليك بأربعة (٤) آلاف درهم على يدي فلانٍ، وما هي من صدقة ولا (٥) زكاةٍ، وإنما هو (٦) شيءٌ وَرِثْتُهُ من أبي. فقرأت الكتاب، ووضعتُه. فلما دخل، قلت: يا أبة، ما هذا
стр. 1626
الكتاب؟ فاحمَرَّ وجهُه، وقال: رفعتُه منك. ثم قال: تذهب بجوابه (١)؟ فكتب إلى الرجل: وَصَلَ كتابُك إليَّ، ونحن في عافيةٍ. فأما الدَّين، فإنه لرجلٍ لا يُرهِقُنا، وأما عيالُنا، ففي نعمة الله. فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فلما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فرد عليه (٢) بمثل ما ردَّ (٣). فلما مضت سنةٌ أو نحوها، ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها، كانت (٤) قد ذهبت.
وشهدت ابن الجَرَوِيِّ، وقد جاء بعد المغرب، فقال لأبي: أنا رجلٌ مشهور، وقد أتيتُك في هذا الوقت (٥)، وعندي شيءٌ قد اعتدتُه لك (٦)، وهو ميراثٌ، فأُحِبُّ أن تقبله، فلم يزل به. فلمَّا أكثر عليه، قام ودخل. قال صالح: فأُخبرتُ عن ابن الجروي أنه قال: قلت له: يا أبا عبدِ الله، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني.
قال صالح: ووجَّه رجلٌ من الصين بكَاغَدٍ صيني إلى جماعةٍ من المحدثين، ووجَّه بِقِمَطْرٍ (٧) إلى أبي، فردَّه، ووُلِدَ لي مولودٌ فأهدى صديقٌ لي شيئاً. ثم أتى على ذلك أشهرٌ، وأراد الخروج إلى البصرة، فقال لي: تُكَلِّمُ أبا عبد الله يكتب لي إلى المشايخ بالبصرة؟ فكلَّمتُه فقال: لولا أنَّهُ أهدى إليك، كنت أكتب له.
стр. 1627
وبه قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، قال: بَلَغني أن أحمد بن حنبل رَهَنَ نعلَه (١) عند خَبَّازٍ باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه، وعَرَضَ عليه عبدُ الرزاق دراهم صالحة، فلم يقبَلُها.
وَبَعَثَ ابنُ طاهر حين مات أحمد بأكفانٍ وحَنوط، فأبَى صالح أن يقبَلَه، وقال: إنَّ أبي قد أعدَّ كفنَه وحنوطَه، وردَّه (٢)، فراجعه، فقال (٣): إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله ممَّا يكرَهُ، وهذا مما يكرَهَهُ (٤)، فلستُ أقبله.
وبه: حدثنا صالحٌ، قال: [قال] (٥) أبي: جاءني يحيى بن يحيى قال أبي: وما أخرجت خُراسانُ بعد ابن المبارك رجلاً (٦) يُشْبِهُ يحيى بن يحيى - فجاءني ابنه، فقال: إن أبي أوصى بِمَبْطَنَة له (٧) لك، قال: يذكرُني بها. قلت: جِيءْ بها، فجاء برُزمةِ ثياب، فقلتُ له: اذهب رَحِمَكَ الله، يعني: ولم يَقْبَلْها.
قلت: وقيل: إنَّه أخَذَ منها ثوباً واحداً.
وبه: قال: حدثنا صالحٌ، قال: قلت لأبي: إنَّ أحمد الدَّوْرَقي أُعطيَ ألف دينار، فقال: يا بُني: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
стр. 1628
وبه: قال: حدثنا (١) أبي، حدثنا (١) أحمد بن أبي الحواري، حدَّثني عُبيد القاري، قال: دَخَلَ على أحمد عمُّه، فقال: يا ابن أخي، أيش هذا الغَمُّ؟ أيشٍ هذا الحزنُ؟ فرفع رأسه، وقال: يا عمُّ، طُوبى لمن أخملَ الله ذكره.
وبه: سمعتُ أبي يقول: كان أحمد إذا رأيته، تعلمُ أنَّه لا يُظهِرُ النُّسُك، رأيت عليه نعلاً لا يُشْبِهُ نعال القُراءِ، له رأس كبيرٌ معقد، وشِراكُه مُسبَلٌ، ورأيت عليه إزاراً وجُبَّة بُرد مخططة. أي: لم يكن بزيِّ القُرَّاء.
وبه: حدثنا صالح: قال لي أبي: جاءني أمسِ رجلٌ كنت أُحِبُّ أن تراه، بينا أنا قاعدٌ في نحرِ الظهيرة، إذ برجل سلَّم بالباب، فكأنَّ قلبي ارتاح، ففتحتُ، فإذا برجلٍ عليه فَروة، وعلى رأسه خِرقةُ، ما تحت فروه قميصٌ، ولا مَعَه رَكْوةٌ ولا جِراب ولا عُكَّازٌ، لقد لَوَّحته الشمسُ. فقلت: ادخُلْ، فَدَخَلَ الدهليز، فقلت: مِنْ أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق، أريد الساحل، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد، نويتُ السلام عليك. قُلتُ: على هذه الحال؟ قال: نعم. ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل، قال: فجعلت أعجب منه، فقلت في نفسي: ما عندي ذهبٌ ولا فضة. فدخلت البيت فأخذت أربعة أرغفةٍ، فخرجت إليه، فقال: أوَيَسُرُّك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم، فأخذها، فوضعها تحت حِضنه، وقال: أرجو أن تكفيني إلى الرقة (٢). وأستودعك الله. فكان يذكره كثيراً.
стр. 1629
وبه (١): كتب إليَّ عَبْدُ اللهِ بن أحمد: سمعتُ أبي (٢)، وذكرَ الدنيا، فقال: قليلُها يجزئُ، وكثيرُها لا يجزئُ، وقال أبي: وقد ذكرَ عنده الفقر فقال: الفقيرُ معَ الخيرِ.
وبه: حدثنا صالح، قال: أمسكَ أبي عن مُكاتبةِ ابن راهَويه، لما أَدخَل كتابه إلى عبدِ الله بن طاهر وقَرأَه.
وبه قال: ذكر عبدُ الله بن أبي عمر البكري، سمعتُ عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (٣)، قال: ما أعلم أنِّي رأيت أحداً أنظفَ بدناً، ولا أشدَّ تعاهداً لنفسه في شاربه وشعرِ رأسه وشعرِ بَدَنه، ولا أَنْقَى ثوباً بشدة (٤) بياضٍ، من أحمد بن حنبل ﵁. كان ثيابُه بين الثوبين، تَسوَى مَلْحَفَتُه خمسةَ عشر درهماً، وكان ثوبُ قميصه يُؤخذ بالدينارِ ونحوه، لم يكن له دِقة تُنكر، ولا غِلظُ ينكر، وكانت مَلْحَفَتُه مهذبةً.
وبه حدثنا صالح، قال: ربَّما رأيت أبي يأخذ الكِسر، ينفض الغبار عنها، ويصيَّرها في قَصعةٍ، ويصُبُّ عليها ماءً، ثم يأكلها بالمِلحِ، وما رأيته اشترى رُمَّانًا ولا سفرجلاً ولا شيئاً من الفاكهة، إلاَّ أن يكون بطيخة فيأكلها بخبزٍ وعِنباً وتمراً.
وقال لي: كانت والدتك في الغلاء (٥) تغزِل غزلاً دقيقاً، فتبيع
стр. 1630
الأستار بدرهمين (١) أقلَّ أو أكثر، وكان ذلك قوتنا، وكنا إذا اشترينا الشيء، نستره عنه كيلا يراه، فيُوبِّخُنا (٢)، وكان ربما خُبِزَ له، فيجعل في فخَّارة عدساً وشحماً وتمرات شِهريز (٣)، فيجيء الصِّبيان، فيصوِّتُ ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون. وكان يأتدِمُ بالخلِّ كثيراً.
قال: وقال أبي: إذا لم يكن عندي قطعة، أفرح.
وكان إذا توضَّأ لا يدعُ من يستقي له، ورُبَّما اعتللت فيأخذ قدحاً فيه ماء، فيقرأ فيه، ثم يقول: اشرب منه، واغسِلْ وجهَكَ ويديك.
وكانت له قلنسُوةٌ خاطَها بيده، فيها قُطن، فإذا قام بالليل لَبِسَهَا.
وكان ربما أخذ القدوم، وخرج إلى دار السكان، يعملُ الشيء بيده، واعتل فيعالج.
وكان ربما خرج إلى البقَّال، فيشتري الجُرزَةَ الحطب والشيء، فيحملُه بيده.
وكان يتنوَّر في البيت. فقال لي في يوم شتوي: أريدُ أدخلُ الحمامَ بعد المغرب، فقل لصاحب الحمام. ثم بعث إليَّ: إني قد أضربتُ عن الدخول. وتنوَّر في البيت.
وكنث أسمعُه كثيراً يقول: اللهمَّ سلِّم سلِّم.
стр. 1631
وبه حدثنا أحمد بن سنان، قال: بعثت إلى أحمد بن حنبل حيث كان عندنا أيام يزيد جَوْزاً ونَبْقاً (١) كثيراً، فقَبِلَ، وقال: لي كل هذا؟
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبي، وذكر عنده الشافعي ﵀، فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه، ثم قال عبد الله: كل شيء في كتاب الشافعي أخبرنا الثقة فهو عن أبي.
الخلال: حدثنا المروذي، قال: قَدِمَ رجل من الزهاد، فأدخلته على أحمد، وعليه فروٌ خَلَقٌ، وخُرَيْقَة على رأسه وهو حافٍ في بَرد شديد، فسلَّم، وقال: يا أبا عبد الله، قد جئتُ من موضعٍ بعيد، ما أردت إلاَّ السلام عليك، وأريدُ عبَّادان، وأريد أن أنا رجعت، أسلِّم عليك. فقال: إن قُدِّر. فقام الرجل وسلم (٢)، وأبو عبد الله قاعد، فما رأيت أحداً قام من عند أبي عبد الله، حتى يقوم هو إلاَّ هذا الرجل، فقال لي أبو عبد الله: ما ترى ما أشبهه بالأبدال، أو قال: إني لأذكر به الأبدال، وأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفة مشطورة بكامخ (٣)، وقال: لو كان عندنا شيءٌ، لواسيناك.
وأخبرنا المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً، بأيِّ شيء هذا؟ قلت له (٤): قدم رجل من طرسوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هَدَأَ الليل، رفعوا
стр. 1632
أصواتهم بالدُّعاء، ادعوا لأبي عبد الله، وكنا نمُدُّ المنجنيق، ونرمي عن أبي عبد الله. ولقد رُمي عنه بحجرٍ، والعِلج على الحصن متترسٌ بدَرَقَة فذهب برأسه وبالدِّرَقَةِ (١) فتغيَّر وجهُ أبي عبد الله، وقال: ليته لا يكون استدراجاً. قلت: كلا.
وعن رجلٍ قال: عندنا بخراسان يظنُّون أن أحمد لا يُشبِهُ البشر، يظنون أنه من الملائكة.
وقال آخر: نظرةٌ عندنا (٢) من أحمد تعدِلُ عبادة سنة.
قلت: هذا غلوُّ لا ينبغي، لكن الباعث له حبُّ ولي الله في الله.
قال المرُّوذي: رأيت طبيباً نصرانياً خرج من عند أحمد ومعه راهبٌ، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله.
وأدخلت نصرانياً على أبي عبد الله، فقال له: إنِّي لأشتهي أن أراك منذ سنين. ما بقاؤك صلاحٌ للإسلام وحدَهم، بل للخلق جميعاً، وليس من أصحابنا أحدٌ إلاَّ وقد رَضِيَ بك. قلتُ لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار. فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه، فما ينفعه كلام الناس.
قال عبد الله بن أحمد: خَرَجَ أبي إلى طرسوس ماشياً، وحجَّ حجتين أو ثلاثاً (٣) ماشياً، وكان أصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ لم يكن يصبر على الوحدة. كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
стр. 1633
قال عباس الدوري: حدثنا علي بن أبي فزارة (١) جارنا، قال: كانت أمي مُقعدةً من نحو عشرين سنة. فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فأتيت، فدقَقْتُ عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ فقلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء. فسمعت كلامه كلام رجلٍ مُغضبٍ. فقال: نحن أحوج أن تدعوا الله لنا، فولَّيت منصرفاً. فخرجتْ عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا فدقَقْتُ الباب، فخرجت أمي تمشي على رجليها (٢).
هذه الواقعةُ نقلها ثقتان عن عباس.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يُصلِّي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة. فلمَّا مَرِضَ من تلك الأسواط، أضعفته، فكان يُصلي كُلَّ يوم وليلة مئةً وخمسين ركعة.
وعن أبي إسماعيل الترمذيِّ: قال: جاء رجلٌ بعشرة آلاف من ربح تجارته إلى أحمد فردَّها. وقيل: إن صيرفياً بذل له (٣) خمس مئة دينار، فلم يقبل.
ومن آدابه:
وقال المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثاً إلاَّ وقد عملت به حتى مرَّ بي أن النبي ﷺ احتجمَ وأعطى أبا طيبة ديناراً فأعطيت الحجام
стр. 1634
ديناراً حين احتجمتُ (١)
وقال: رأيت أبا عبد الله قد ألقى (٢) لِخَتَّانٍ درهمين في الطست.
وقال عبد الله: ما رأيت أبي حدَّث من غير كتابٍ إلاَّ بأقل من مئة حديثٍ. وسمعت أبي يقول: قال الشافعي: يا أبا عبد الله: إذا صحَّ عندكم الحديث، فأخبرونا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبرٌ صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً.
قلت: لم يحتج إلى أن يقول حجازياً، فإنه كان بصيراً بحديث الحجاز، ولا قال مصرياً، فإن غيرهما كان أقعد بحديث مصر منهما ..
الطبراني: حدثنا موسى بن هارون: سمعت ابن راهويه، يقول: لما خرج أحمد (٣) إلى عبد الرزاق، انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يأخذ.
стр. 1635
أبو نعيم: حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شاكر بن جعفر، سمعت أحمد بن محمد التستري، يقول: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طَعِمَ فيها، فبعث إلى صديق له، فاقترض منه دقيقاً، فجهَّزوه بسرعة، فقال: كيف ذا؟ فقالوا: تنَّورُ صالح مُسْجَرٌ، فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأَمَرَ بسدِّ بابٍ بينه وبين صالح.
قلت: لكونه أخذ جائزة المتوكل.
قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه من الخير.
قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يقرأُ كُلَّ يوم سُبعاً، وكان ينامُ بعد العشاء نومةً خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يُصلِّي ويدعو.
وقال صالح: كان أبي إذا دعا له رجلٌ، قال: ليس يحرز الرجل المؤمن إلاَّ حفرته، الأعمال بخواتيمها. وقال لي في مرضه: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس، فقال: اقرأ عليَّ حديث ليث: إنَّ طاووساً كان يكره الأنين في المرض. فما سمعتَ لأبي أنيناً حتى مات .. وسمِعَه ابنه عبد الله يقول: تمنيت الموت: وهذا أمر أشدُّ عليَّ من ذاك، ذاك فتنةُ الضرب والحبس، كنت أحملُه، وهذه فتنةُ الدنيا.
قال أحمد الدورقي: لما قَدِمَ أحمد بن حنبل من عند عبد الرزاق، رأيتُ به شُحوباً بمكة. ولد تبيّن عليه النَّصبُ والتَّعَبُ، فكلمته، فقال: هيِّن فيما استفدنا من عبد الرزاق.
قال عبد الله: قال أبي: ما كتبنا عن عبد الرزاق من حفظه إلاَّ المجلس الأول، وذلك أنا دخلنا بالليل، فأملى علينا سبعين حديثاً. وقد
стр. 1636
جالس مَعْمَراً تسع سنين. وكان يكتبُ عنه كل ما يقول.
.. قال عبد الله: من سمع من عبد الرزاق بعد المئتين، فسماعه ضعيفٌ.
قال موسى بن هارون: سُئِلَ أحمد: أين نطلب البدلاء؟ فسكت ثم قال: إن لم يكن من أصحاب الحديث فلا أدري.
قال المروذي: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت، خَنَقَتْه العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت، هان على كلُّ (١) أمر الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام (٢) قلائل. ما أعدِل بالفقرِ شيئاً. ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكرٌ.
وقال: أريد أن أكون في شِعْبٍ بمكة حتى لا أعرف، قد بُليتُ بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً.
قال (٣) المروذي: وذكر لأحمد أن رجلاً يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره بعضهم اللقاء يتزين لي وأتزين له (٤). وقال: لقد استرحت (٥)، ما
стр. 1637
جاءني الفرجُ إلاَّ منذ خلفتُ أن لا أحدِّث، وليتنا نُترَكُ، الطريق ما كان عليه بِشرُ بن الحارث. فقلت له: إنَّ فلاناً، قال: لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها، قال: زَهِدَ في الناس. فقال: ومن أنا حتى أزهَدَ في الناس؟ الناس يريدون أن يزهدوا فيَّ.
وسمعتُه يكرهُ للرجل النوم بعد العصر، يخاف على عقله (١).
وسُئِلَ عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعةٌ لا تُسمع.
قال الخلال: عن زهير بن صالح: كان لي أخٌ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يَخْتِنه، فاتَّخذ له طعاماً كثيراً، ودعا قوماً، فوجَّه إليه جدي: إنك قد أسرفت، فابدأ بالضعفاء والفقراء. فلما أن كان من الغد، وحضر الحجَّام، وحضر أهلُنا، جاء جدي، وأخرج صُرّةً، فدفعها إلى الحجام، وقام فنظر الحجَّام في الصُّرَّة، فإذا درهم واحد، وكنا قد رفعنا كثيراً من الفُرُش.
قال الميموني: كثيراً ما كنت أسأل أبا عبد الله من الشيء، فيقول: لبَّيك لبيك.
وعن المروذي: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد. كان مائلاً إليهم، مُقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حِلْمٌ، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع تَعْلوه السكينةُ والوقارُ. وإذا جلس [في مجلسه بعد العصر] للفُتيا لا يتكلمُ حتى يُسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدَّر.
стр. 1638
قال عبد الله: رأيت أبي حرَّج على (١) النمل أن يُخْرَجوا من داره، فرأيت النمل قد خرجن بعدُ نملاً سُوداً، فلم أرهم بعد ذلك.
ومن كرمه:
الخلال: حدثنا عبد الله قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدِّب: كنت آتي أباك فيدفع إليَّ الثلاثة دراهم وأقل وأكثر ويقعدُ معي، فيتحدث، وربما أعطاني الشيء، ويقول: أعطيتك نصف ما عندنا. فجئت يوماً، فأطلت القعود أنا وهو. قال: ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة.
فقال: هذا نصف ما عندنا. فقلت: هي أحبُّ إليَّ من أربعة آلاف من غيرك.
وقال هارون المستملي: لقيت أحمد فقلت: ما عندنا شيء.
فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
قال المروذي: رأيت أبا عبد الله قد وهب لرجل قميصه، وكان ربما واسى من قُوتِه. وكان إذا جاءه أمرٌ يُهِمُّه من أمر الدنيا، لم يُفطر وواصل.
وجاءه أبو سعيد الضرير، وكان قال (٢) قصيدة في ابن أبي دواد، فشكا إلى أبي عبد الله، فقال: يا أبا سعيد، ما عندنا إلاَّ هذا الجَذَع.
فجيء بحمَّال، قال فبِعْتُه بتسعةِ دراهم ودانِقين. وكان أبو عبد الله شديد الحياء، كريم الأخلاق، يُعجِبُه السَّخاء.
قال المروذي: سمعتُ أبا الفوارس ساكن (٣) أبي عبد الله، يقول:
стр. 1639
قال لي أبو عبد الله: يا محمدُ، ألقى الصبيُّ المقراض في البئر، فنزلتُ فأخرجته. فكتب إلى البقَّال: أعطه نصف درهم. قلت: هذا لا يسوى قيراط. والله لا أخذته. قال: فلما كان بعد، دعاني، فقال: كم عليك من الكِراء؟ قلت: ثلاثة أشهر. قال: أنت في حِلٍّ.
الخلال: حدثنا الميموني ما رأيتُ أبا عبد الله عليه طيلسان قط، ولا رداء (١)، إنما هو إزارٌ صغير.
وقال الفضل بن زياد: ربما لَبِسَ القلنسوة بغير عمامة.
قال أبو داود: كنت أرى إزاره محلولة، ورأيتُ عليه من النعال والخفافِ غيرَ زوجٍ، فما رأيتُ فيه مخصراً، ولا شيئاً (٢) له قبالان (٣).
الخلال: حدثنا محمد بن الحسين، أن أبا بكر المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله، قال: كان لا يجهل، وإن جُهِلَ عليه حَلُم واحتمل ويقول: يكفي الله، ولم يكن بالحقود ولا العَجُول، كثيرُ التواضع، حسن الخلق، دائم البشر، لينُ الجانب، ليس بِفَظٍّ، وكان يُحبُّ في الله، ويبغضُ في الله، وإذا كان في أمرٍ من الدين اشتدَّ له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران.
وسرد الخلاَّل حكاياتٍ فيمن أهدى إلى أحمد، فأتى به بأكثر من هَدِيَّته.
قال الخلال: حدَّثنا أحمد (٤) بن جعفر بن حاتم، حدثني محمد بن
стр. 1640
الحسن بن الجُنيد، عن هارون بن سفيان المستملي، قال: جئت إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل، فأعطاني مئتيّ درهم. فقلت: لا تكفيني. قال: ليس هنا غيرها، ولكن هوذا، أعمل بك شيئاً أعطيك ثلاث مئةٍ تُفرِّقُها. قال: فلما أخذتها، قلت: ليس والله أعطي أحداً منها شيئاً، فتبسم.
قال عبد الله: ما رأيت أبي دخل الحمَّام قَطُّ.
الخلال: حدثنا عبد الله بن حنبل: حدثني أبي، قال [قيل] لأبي عبد الله لما ضُرِبَ وبرىء، وكانت يدُه وَجِعَة، وكانت تضرب عليه، فذكروا له الحمَّام، وألحُّوا عليه، فقال لأبي (١): كلِّم صاحب الحمام يُخليه لي، ففعل ثم امتنع، وقال: ما أريد أن أدخل الحمام.
وقال المروذي: رأيتُ أبا عبد الله يقوم لورده قريباً من نصف الليل حتى يقارب السحر، ورأيتُه ركع فيما بين المغرب والعشاء.
وقال عبد الله: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوامٍ بأسمائهم، وكان يكثر الدعاء ويُخفيه، ويُصلي بين العشاءين. فإذا صلَّى عشاء الآخرة، رَكَعَ ركعاتٍ صالحة، ثم يوتر وينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيُصلي. وكانت قراءته لينةً، ربما لم أفهم بعضها. وكان يصوم ويُدْمِنُ، ثم يُفطر ما شاء الله. ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر، أدمن الصوم إلى أن مات.
стр. 1641
تركه للجهات جُملةَ:
عن محمد بن يحيى خادم المُزني عنه، قال: قال الشافعي: لما دخلت على الرشيد، قال: اليمن يحتاج إلى حاكم، فانظُر رجلاً نُوليه، فلما رجع الشافعي إلى مجلسه، ورأي أحمد بن حنبل من أمثلهم، كلمه في ذلك، وقال: تهيَّأ حتى أُدخِلَك على أمير المؤمنين. فقال: إنما جئت لأقتبس منك العلم، وتأمُرني أن أدخل في القضاء، ووبخه. فاستحيا الشافعي.
قلت: إسنادها مظلمٌ.
قال ابن الجوزي: قيل: كان هذا في زمان الأمين.
وأخبرنا ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر، أخبرنا البرمكي، أخبرنا أبو بكر عبد العزيز، أخبرنا الخلاَّل، أخبرني محمد بن أبي هارون، حدثنا الأثرم، قال: أخبرتُ أن الشافعي قال لأبي عبد الله: إن أمير المؤمنين، يعني، محمداً، سألني أن ألتمس له (١) قاضياً لليمن، وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق، فقد نِلتَ حاجتك، وتقضي بالحق، فقال للشافعي: يا أبا عبد الله، إن سمعتُ هذا منك ثانية، لم تَرَني عندك.
فظننت أنه كان لأبي عبد الله ثلاثون (٢) سنة، أو سبع وعشرون (٣) سنة.
الصَّنْدلي: حدثنا أبو جعفر الترمذي، أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي أن الشافعي كان كبيراً عند محمد بن زُبَيْدة، يعني: الأمين، فذكر
стр. 1642
له محمد يوماً اغتمامه برجلٍ يصلح للقضاءِ صاحب سنة. قال: قد وجدت. قال: ومن هو؟ فذكر أحمد بن حنبل. قال: فلقيه أحمد، فقال: أخْمِل هذا وأعفني، وإلاَّ خرجتُ من البلد.
قال صالح بن أحمد: كتب إليَّ إسحاق بن راهويه: إن الأمير عبد الله ابن طاهر وجَّه إليَّ، فدخلتُ عليه وفي يدي كتاب أبي عبد الله.
فقال: ما هذا؟ فقلت: كتاب أحمد بن حنبل، فأخذه وقرأه، وقال: إني أحبه، وأحب حمزة بن الهَيْصَم البُوشنجي، لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان. قال: فأمسك أبي عن مكاتبة إسحاق.
قال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرِّباطي، يقول: قدمت على أحمد بن حنبل، فجعل لا يرفع رأسه إليَّ، فقلت: يا أبا عبد الله، إنه يُكتب عني بخُراسان، وإن عاملتني بهذه المعاملة رَمَوا حديثي، قال: يا أحمد، هل بُدُّ يوم القيامة من أن يقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟ فانظر أين تكون منه.
قال عبد الله بن (١) بشر الطالقاني: سمعت محمد بن طارق البغدادي، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: أستمِدُّ من محبرتك، فقال: لم يبلُغْ ورعي وورعك هذا، وتبسَّم.
قال المروذي (٢): قلتُ لأبي عبد الله: الرجل يقال في وجهه: أحييتَ السنة، قال: هذا فسادٌ لقلبه.
الخلال: أخبرني محمد بن موسى، قال: رأيت أبا عبد الله، وقد
стр. 1643
قال له خُراساني: الحمد لله الذي رأيتُك، قال: أيُّ شيء ذا؟ من أنا؟
وعن رجل قال: رأيت أثر الغَمِّ في وجه أبي عبد الله، وقد أثنى عليه شخصٌ، وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيراً. قال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً. من أنا وما أنا؟!
الخلال: أخبرنا علي بن عبد الصمد الطيالسي، قال: مسحت يدي على أحمد، وهو ينظر، فغضب، وجعل ينفُضُ يدَه ويقولُ: عمَّن أخذتُم هذا.
وقال خطاب بن بشر: سألتُ أحمد عن شيء من الوَرَع، فتبيَّن الاغتمام عليه إزراءً على نفسه.
وقال المروذي: سمعتُ أبا عبد الله وذكر أخلاق الورعين، فقال: أسألُ الله أن لا يَمْقُتنا. أين نحنُ من هؤلاء؟!! ..
قال الأبَّار: سمعتُ رجلاً سأل أحمد، قال: حلفت بيمين (١) لا أدري أيش هي؟ فقال: ليتك إذا دَرَيْتَ دَريْتُ أنا.
قال إبراهيم الحَرْبي: كان أحمد يجيب في العرس والختان، ويأكل. وذكر غيره أن أحمد ربما استعفي من الإجابة. وكان إن رأي إناء فضة أو منكراً، خرج. وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعودُ المريض، وكان يكرَهُ المشي في الأسواق، ويُؤثِرُ الوَحدة.
قال أبو العباس السراج: سمعت فتح بن نوح، سمعتُ أحمد، يقول: أشتهي ما لا يكون، أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحدٌ من الناس.
стр. 1644
وقال الميموني: قال أحمد: رأيت الخلوة أروح لقلبي.
قال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبد الوهاب: أخمل ذكرك، فإني أنا قد بُليتُ بالشهرة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق، يكرَه أن يتبعه أحدٌ.
قلت: إيثارُ الخمول والتواضع، وكثرة الوَجَل من علامات التقوى والفلاح.
قال صالح بن أحمد: كان أبي إذا دعا له رجلٌ، يقول: الأعمال بخواتيمها.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كَفافاً لا عَلَيَّ ولا لي.
وعن المروذي قال: أدخلتُ إبراهيم الحُصري على أبي عبد الله -وكان رجلاً صالحاً- فقال: إن أمي رأت لك مناماً، هو كذا وكذا. وذكرت الجنة، فقال: يا أخي، إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا. وخرج إلى سفك الدماء. وقال: الرُّؤيا تسُرُّ المؤمن ولا تغُرُّه.
قال المروذي: بال أبو عبد الله في مرض الموت دماً عبيطاً، فأريته الطبيب، فقال: هذا رجل قد فتَّت الغمُّ أو الخوف جوفه.
ورُوي عن المروذي، قال: قلت لأحمد: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربُّه؟ يُطالبُه بأداء الفرائض، ونبيُّه يطالبه بأداء السنة، والملَكَان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يراقب قبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟!
стр. 1645
الخلال: أخبرنا المروذي، قال: مررت وأبو عبد الله متوكىء على يدي، فاستقبلتنا امرأة بيدها طُنبور، فأخذته فكسرته، وجعلت أدوسه، وأبو عبد الله واقفٌ منكس الرأس. فلم يقُل شيئاً، وانتشر أمر الطُّنبور.
فقال أبو عبد الله: ما علمت أنك كسرت طُنبوراً إلى الساعة.
قال الميموني: قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم (١) سَحَراً.
وعن إبراهيم بن هانىء النيسابوري، قال: كان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان عندي. وذكر من اجتهاده في العبادة أمراً عجيباً. قال: وكنتُ لا أقوى معه على العبادة، وأفطَرَ يوماً واحداً، واحتَجَمَ.
قال الخلال: حدثنا محمد بن علي، حدثنا العباس بن أبي طالب: سمعت إبراهيم بن شماس، قال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلامٌ وهو يُحيي الليل.
قال محمد بن رجاء: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يقول يوماً: ما صليت اليوم غير الفريضة. استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي.
وعن عبد الله بن أحمد، قال: كان في دهليزنا دكانٌ، إذا جاء من يُريد أبي أن يخلو معه، أجلَسه ثمَّ، وإذا لم يُرد، أخذ بعِضَادَتي الباب، وكلَّمه. فلما كان ذات يوم، جاءنا (٢) إنسان، فقال لي (٣): قل: أبو
стр. 1646
إبراهيم السائح. قال: فقال أبي: سلَّم عليه، فإنه من خيار المسلمين. فسلمت عليه، فقال له أبي: حدثني (١) يا أبا إبراهيم. قال: خرجت إلى موضع، فأصابتني علة، فقلت: لو تقربت إلى الدير لعلَّ من فيه من الرهبان يُداويني. فإذا بِسَبُع عظيمٍ يقصدني، فاحتملني (٢) على ظهره حتى ألقاني عند الدير. فشاهد الرُّهبان ذلك فأسلموا كلهم. وهم أربع مئة. ثم قال لأبي: حدثني يا أبا عبد الله. فقال: رأيت النبي ﷺ ، فقال: يا أحمد، حُجَّ، فانتبهت، وجعلت في المِزْوَدِ فتيتاً، وقصدت إلى الكوفة. فلمَّا تَقَضَّى بعضُ النهار، إذا أنا بالكوفة. فدخلت الجامع، فإذا أنا بشابٍّ حسن الوجه، طيب الريح. فسلمت وكبرت، فلما فرغت من صلاتي، قلت: هل بقي من يخرج إلى الحج؟ فقال: انتظر حتى يجيء أخٌ من إخواننا، فإذا أنا برجلٍ في مثل حالي. فلم نزل نسير (٣)، فقال له (٤) الذي معي: رحمك الله، ارفُق بنا. فقال الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل، فسوف يرفق بنا. فوقع في نفسي أنه خَضِر (٥)، فقلت للذي معي: هل لك في الطعام؟ فقال: كل مما تعرف، وآكل مما أعرف. فلما أكلنا، غاب الشاب. ثم كان يرجع بعد فراغنا. فلما كان بعد ثلاث، إذا نحن بمكة.
هذه حكاية منكرة.
قال أبو يعلى: نقلتُ من خط أبي إسحاق بن شاقْلا: أخبرني عمر
стр. 1647
بن علي، حدثنا جعفر الرزاز جارنا، سمعت أبا جعفر محمد بن المدني (١)، سمعت عبد الله فذكرها. فلعلَّها من وضع الرزاز.
أنبؤونا عن ابن الجوزي، أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق، حدثنا عبد الله بن إسحاق البَغَوي، حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار، قال: كنا عند أحمد، فقلت: ادع الله لنا.
فقال: اللهم إنك تعلم أنك لنا على (٢) أكثر مما نحِبُّ، فاجعلنا لك على ما تحبُّ. اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ [فصلت: ١١]. اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلاَّ إليك، ومن الذل إلاَّ لك.
رواتها أئمةٌ إلى (٣) الصفار، ولا أعرفه. وهي منكرة.
أخبرنا عمر بن القوَّاس، عن الكندي، أخبرنا الكرُوخيُّ، أخبرنا شيخ الإسلام الأنصاري، أخبرنا أبو يعقوب، أخبرنا زاهر بن أحمد، حدثنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر: سمعت الرمادي، سمعت عبد الرزاق، وذكر أحمد، فدمعت عينه. وقال: قدم وبلغني أن نفقته نَفِدَتْ، فأخذت عشرة دنانير، وعرضتُها عليه، فتبسم، وقال: يا أبا بكر، لو قبلت شيئاً من الناس، قبلت منك. ولم يقبل مني شيئاً.
الخلال: أخبرني أبو غالب علي بن أحمد، حدثني صالح بن أحمد، قال: جاءتني حُسْن، فقالت: قد جاء رجل بتلِّيسة (٤) فيها فاكهة
стр. 1648
يابسة، وبكتاب. فقمت فقرأت (١) الكتاب، فإذا فيه: يا أبا عبد الله، أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند، فربحت، فبعثت بذلك إليك أربعة آلاف، وفاكهة أنا لقطُتها من بستاني ورِثته من أبي. قال: فجمعت الصبيان ودخلنا، فبكيتُ وقلتُ: يا أبة، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشف عن رأس الصبية، وبكيت. فقال: من أين علمت؟ دع حتى أستخير الله الليلة. قال: فلما كان من الغد. قال: استخرتُ الله، فعزم لي أن لا آخُذَها. وفتح التلِّيسة ففرَّقَها على الصبيان. وكان عنده ثوبٌ عُشاري، فَبَعَثَ به إلى الرجل، وردَّ المال.
عبد الله بن أحمد: سمعت فوران، يقول: مَرِضَ أبو عبد الله، فعاده الناس، يعني: قبل المئتين. وعاده عليُّ بن الجَعْد، فترك عند رأسه صُرَّة (٢)، فقلت له عنها، فقال: ما رأيت. اذهب فردَّها إليه.
أبو بكر بن شاذان: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب، حدثتني فاطمة بنت أحمد بن حنبل، فقالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بغنية، فحملوا إليه جهازاً شبيهاً بأربعة آلاف دينار، فأكلته النار فجعل صالح، يقول: ما غمَّني ما ذهب إلاَّ ثوبٌ لأبي. كان يصلي فيه أتبرَّك به وأُصلِّي فيه. قالت: فطُفِىء الحريق، ودخلوا فوجدُوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حولَه وسَلِم.
قال ابن الجوزي: وبلَغَني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي أنه حكى أن الحريق وقع في دارهم، فأحرق ما فيها إلاَّ كتاباً كان
стр. 1649
فيه شيء بخطِّ الإمام أحمد. قال: ولمَّا وقعَ الغرق ببغداد في سنة ٥٥٤ (١)، وغرقت كتبي، سَلِمَ مجلدٌ فيه ورقتان بخط الإمام.
قلت: وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عام على حفائر (٢) مقبرة أحمد، وأن الماء دخل في الدِّهليز عُلُو ذِراعٍ، ووقف بقدرة الله، وبقيت الحصر حول قبر الإمام بغُبارها، وكان ذلك آيةً.
أبو طالب: حدثنا المروذي: سمعت مجاهد بن موسى، يقول: رأيت أحمد، وهو حدث، وما في وجهه طاقة، وهو يُذكَرُ.
وروى حَرَمِي بن يونس، عن أبيه: رأيت أحمد أيامَ هُشيمٍ وله قَدْر.
قال أحمد بن سعيد الرِّباطي سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أخذنا هذا العلم بالذُّلِّ فلا ندفعه إلاَّ بالذل.
محمد بن صالح بن هانىء: حدثنا أحمدُ بن شهاب الإسفراييني: سمعتُ أحمد بن حنبل، وسُئِلَ عمَّن نكتب في طريقنا، فقال: عليكم بهَنَّاد، وبسفيان (٣) بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإيّاكم أن تكتُبوا، يعني: عن أحدٍ من أصحاب الأهواء، قليلاً ولا كثيراً. عليكم بأصحاب الآثار والسُّنن.
عبد الله بن أحمد: كتب إليَّ الفتحُ بن شَخْرَف (٤) أنَّه سمع
стр. 1650
موسى بن حِزام الترمذي، يقول (١): كنت أختلفُ إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد، فاستقبلني أحمد، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتُم إلى النبي ﷺ ، يزيد عن حُميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة، ﵀. أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه! قال: فانحدرت إلى يزيد بن هارون.
ابن عدي: أخبرنا عبد الملك بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولَوَدِدْتُ أني أنجو كفافاً.
الحاكم: حدثنا أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن المسيب، سمعت زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتياً؟ يكفيه مئة ألف حديث؟ فقال: لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال: أرجو.
تقدم قول الذهبي في قول أبي زرعة: إن محفوظ أحمد كان ألف ألف حديث، كانوا يعُدُّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي وما فسر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشْرَ معشار ذلك انتهى.
ثم ذكر الذهبي سيرة أحمد في الفتنة، وما جَرَى معه مع (٢) المأمون من الحبس قليلاً، ثم مات المأمون قبل امتحان أحمد، ثم وَلِيَ