← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

إبراهيم السائح. قال: فقال أبي: سلَّم عليه، فإنه من خيار المسلمين. فسلمت عليه، فقال له أبي: حدثني (١) يا أبا إبراهيم. قال: خرجت إلى موضع، فأصابتني علة، فقلت: لو تقربت إلى الدير لعلَّ من فيه من الرهبان يُداويني. فإذا بِسَبُع عظيمٍ يقصدني، فاحتملني (٢) على ظهره حتى ألقاني عند الدير. فشاهد الرُّهبان ذلك فأسلموا كلهم. وهم أربع مئة. ثم قال لأبي: حدثني يا أبا عبد الله. فقال: رأيت النبي ﷺ ، فقال: يا أحمد، حُجَّ، فانتبهت، وجعلت في المِزْوَدِ فتيتاً، وقصدت إلى الكوفة. فلمَّا تَقَضَّى بعضُ النهار، إذا أنا بالكوفة. فدخلت الجامع، فإذا أنا بشابٍّ حسن الوجه، طيب الريح. فسلمت وكبرت، فلما فرغت من صلاتي، قلت: هل بقي من يخرج إلى الحج؟ فقال: انتظر حتى يجيء أخٌ من إخواننا، فإذا أنا برجلٍ في مثل حالي. فلم نزل نسير (٣)، فقال له (٤) الذي معي: رحمك الله، ارفُق بنا. فقال الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل، فسوف يرفق بنا. فوقع في نفسي أنه خَضِر (٥)، فقلت للذي معي: هل لك في الطعام؟ فقال: كل مما تعرف، وآكل مما أعرف. فلما أكلنا، غاب الشاب. ثم كان يرجع بعد فراغنا. فلما كان بعد ثلاث، إذا نحن بمكة. هذه حكاية منكرة. قال أبو يعلى: نقلتُ من خط أبي إسحاق بن شاقْلا: أخبرني عمر

стр. 1647

بن علي، حدثنا جعفر الرزاز جارنا، سمعت أبا جعفر محمد بن المدني (١)، سمعت عبد الله فذكرها. فلعلَّها من وضع الرزاز. أنبؤونا عن ابن الجوزي، أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق، حدثنا عبد الله بن إسحاق البَغَوي، حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار، قال: كنا عند أحمد، فقلت: ادع الله لنا. فقال: اللهم إنك تعلم أنك لنا على (٢) أكثر مما نحِبُّ، فاجعلنا لك على ما تحبُّ. اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ [فصلت: ١١]. اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلاَّ إليك، ومن الذل إلاَّ لك. رواتها أئمةٌ إلى (٣) الصفار، ولا أعرفه. وهي منكرة. أخبرنا عمر بن القوَّاس، عن الكندي، أخبرنا الكرُوخيُّ، أخبرنا شيخ الإسلام الأنصاري، أخبرنا أبو يعقوب، أخبرنا زاهر بن أحمد، حدثنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر: سمعت الرمادي، سمعت عبد الرزاق، وذكر أحمد، فدمعت عينه. وقال: قدم وبلغني أن نفقته نَفِدَتْ، فأخذت عشرة دنانير، وعرضتُها عليه، فتبسم، وقال: يا أبا بكر، لو قبلت شيئاً من الناس، قبلت منك. ولم يقبل مني شيئاً. الخلال: أخبرني أبو غالب علي بن أحمد، حدثني صالح بن أحمد، قال: جاءتني حُسْن، فقالت: قد جاء رجل بتلِّيسة (٤) فيها فاكهة

стр. 1648

يابسة، وبكتاب. فقمت فقرأت (١) الكتاب، فإذا فيه: يا أبا عبد الله، أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند، فربحت، فبعثت بذلك إليك أربعة آلاف، وفاكهة أنا لقطُتها من بستاني ورِثته من أبي. قال: فجمعت الصبيان ودخلنا، فبكيتُ وقلتُ: يا أبة، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشف عن رأس الصبية، وبكيت. فقال: من أين علمت؟ دع حتى أستخير الله الليلة. قال: فلما كان من الغد. قال: استخرتُ الله، فعزم لي أن لا آخُذَها. وفتح التلِّيسة ففرَّقَها على الصبيان. وكان عنده ثوبٌ عُشاري، فَبَعَثَ به إلى الرجل، وردَّ المال. عبد الله بن أحمد: سمعت فوران، يقول: مَرِضَ أبو عبد الله، فعاده الناس، يعني: قبل المئتين. وعاده عليُّ بن الجَعْد، فترك عند رأسه صُرَّة (٢)، فقلت له عنها، فقال: ما رأيت. اذهب فردَّها إليه. أبو بكر بن شاذان: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب، حدثتني فاطمة بنت أحمد بن حنبل، فقالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بغنية، فحملوا إليه جهازاً شبيهاً بأربعة آلاف دينار، فأكلته النار فجعل صالح، يقول: ما غمَّني ما ذهب إلاَّ ثوبٌ لأبي. كان يصلي فيه أتبرَّك به وأُصلِّي فيه. قالت: فطُفِىء الحريق، ودخلوا فوجدُوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حولَه وسَلِم. قال ابن الجوزي: وبلَغَني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي أنه حكى أن الحريق وقع في دارهم، فأحرق ما فيها إلاَّ كتاباً كان

стр. 1649

فيه شيء بخطِّ الإمام أحمد. قال: ولمَّا وقعَ الغرق ببغداد في سنة ٥٥٤ (١)، وغرقت كتبي، سَلِمَ مجلدٌ فيه ورقتان بخط الإمام. قلت: وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عام على حفائر (٢) مقبرة أحمد، وأن الماء دخل في الدِّهليز عُلُو ذِراعٍ، ووقف بقدرة الله، وبقيت الحصر حول قبر الإمام بغُبارها، وكان ذلك آيةً. أبو طالب: حدثنا المروذي: سمعت مجاهد بن موسى، يقول: رأيت أحمد، وهو حدث، وما في وجهه طاقة، وهو يُذكَرُ. وروى حَرَمِي بن يونس، عن أبيه: رأيت أحمد أيامَ هُشيمٍ وله قَدْر. قال أحمد بن سعيد الرِّباطي سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أخذنا هذا العلم بالذُّلِّ فلا ندفعه إلاَّ بالذل. محمد بن صالح بن هانىء: حدثنا أحمدُ بن شهاب الإسفراييني: سمعتُ أحمد بن حنبل، وسُئِلَ عمَّن نكتب في طريقنا، فقال: عليكم بهَنَّاد، وبسفيان (٣) بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإيّاكم أن تكتُبوا، يعني: عن أحدٍ من أصحاب الأهواء، قليلاً ولا كثيراً. عليكم بأصحاب الآثار والسُّنن. عبد الله بن أحمد: كتب إليَّ الفتحُ بن شَخْرَف (٤) أنَّه سمع

стр. 1650

موسى بن حِزام الترمذي، يقول (١): كنت أختلفُ إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد، فاستقبلني أحمد، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي سليمان. فقال: العجبُ منكم! تركتُم إلى النبي ﷺ ، يزيد عن حُميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة، ﵀. أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه! قال: فانحدرت إلى يزيد بن هارون. ابن عدي: أخبرنا عبد الملك بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولَوَدِدْتُ أني أنجو كفافاً. الحاكم: حدثنا أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن المسيب، سمعت زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مُفتياً؟ يكفيه مئة ألف حديث؟ فقال: لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال: أرجو. تقدم قول الذهبي في قول أبي زرعة: إن محفوظ أحمد كان ألف ألف حديث، كانوا يعُدُّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي وما فسر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشْرَ معشار ذلك انتهى. ثم ذكر الذهبي سيرة أحمد في الفتنة، وما جَرَى معه مع (٢) المأمون من الحبس قليلاً، ثم مات المأمون قبل امتحان أحمد، ثم وَلِيَ

стр. 1651

المعتصم، وضَرَبَه الضرب الشديد، حتى ظنَّ أنه يموت، فأخرجه لكي لا يموت في حبسه، فتثُور عليه العامة، ثم وَلِيَ الواثق فَنَهَى أحمد أن يُساكِنَه بأرضٍ، فاختفي مُدَّة حياته، ثم وَلِيَ المتوكِّلُ، وقد اختصرت (١) ما ذكره الذهبي في المحنةِ لطوله، فإنَّه ساقه في ست عشرة (٢) ورقة، وإن كان فيه أعظمُ دليل على شِدَّةِ وَرَعِ هذا الإمام وتقواه، وبذله للروح فما دونه في مرضاةِ الله. وقال الذهبي بعد ذلك: العجب من أبي القاسم علي بن الحسن الحافظ، كيف ذكر ترجمة أحمد مطوَّلةً كعوائده، ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمةً مع صحة أسانيدها، فإنَّ حنبلاً ألَّفها في جزأين، وكذلك صالح بن أحمد وجماعة. فصلٌ في حال (٣) أحمد في دولة المتوكل قال حنبل: وَلِيَ المتوكل جعفرٌ، فأظهر الله السُّنَّة، وفرَّج عن الناس، وكان أبو عبد الله يحدثنا ويُحدِّث أصحابه في أيام المتوكل. وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا. إلى أن قال: فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوسٌ بباب الدار، إذ بيعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء، فاستأذن على أبي عبد الله، فدخل، ودخل أبي

стр. 1652

ومع بعضِ غلمانه بَدْرَةٌ (١)، ومعه كتابُ المتوكل. فقرأه على أبي عبد الله: فأبى أن يَقْبَل المال، وقال: ما لي إليه حاجة. فقال: اقبل من أمير المؤمنين، فإنه خيرٌ لك عنده، فإنَّه إن رددتَه (٢)، خِفتُ أن يظن بك سُوءاً. فحينئذٍ قَبِلَها، فلما كان من الليل، إذا أُمُّ ولد أبي عبد الله تدُقُّ (٣) علينا الحائط، فخرجنا، فدخلنا عليه، فقال: يا عم، ما أخذني النوم، لأجل هذا المال، وجعل يَتَوَجَّعُ لأخذِه، وأبي يُسكِّنُه (٤) ويُسهِّلُ عليه. وقال: حتى تُصبح، وترى فيه رأيك. فإن هذا ليل، والناس في المنازل، وخرجنا. فلما كان من السحر، وجَّه إلى عبدوس بن مالك، وإلى الحسن ابن البزار وحضر جماعةٌ، منهم: هارون الحمال، وأحمد بن منيع، وابنُ الدَّوْرَقي، وأبي، وأنا، وصالح، وعبد الله. فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل السِّتْرِ والصلاح ببغداد والكوفة، فوجَّه منها إلى أبي كريب، وللأشج وإلى من يعلمون حاجته، ففرَّقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين، فما بقي في الكيس درهم. فلما كان بعد ذلك، مات الأمير إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد. ثم ولي بغداد عبد الله بن إسحاق، فجاء رسوله إلى أبي عبد الله، فقرأ عليه كتاب المتوكل، وقال له: يأمرك بالخروج يعني: إلى سامَرَاء. فقال: أنا شيخٌ ضعيفٌ عليل. فكتب بما ردَّ عليه، فردَّ جواب الكتاب: أن أمير المؤمنين يأمره بالخروج. فوجَّه عبد الله أجناداً، فباتوا على بابنا أياماً،

стр. 1653

حتى تَهَيَّأ أبو عبد الله للخروج، فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي زُمَيْلَة (١). قال صالح: كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبعٍ وثلاثين. ثمَّ [و] (٢) إلى أن مات أبي قلَّ يومٌ يمضي إلاَّ ورسول المتوكل يأتيه. قال حنبل: فأخبرني أبي، قال: دخلنا إلى العسكر، فإذا نحن بموكبٍ عظيم مُقبل، فلما حاذى بنا، قالوا: هذا وصيفٌ، وإذا بفارس مقبل، فقال لأبي عبد الله: الأمير وصيفٌ يُقرئُك السلام، وقال: إن الله قد أمكنك من عدوِّك، يعني: ابن أبي دُوَاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تَدَعْ شيئاً إلاَّ تكلمت به. فما رد عليه أبو عبد الله شيئاً. وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ولوصيف. ومضينا، فأُنزلنا في دار إيتاخ، قال: حوَّلوني، اكترُوا لي داراً. قالوا: هذه دارٌ أنزلَكَها أمير المؤمنين، قال: لا أبيتُ ها هنا. ولم يزل حتى اكترينا له داراً. وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك، فما ذاق منها شيئاً، ولا نظر إليها. وكان نفقة المائدة في اليوم مئةً وعشرين درهماً. وكان يحيى بن خاقان، وابنه عبيد الله، وعليُّ بن الجهم (٣) يختلفون إليه برسالةِ المتوكل. ودامت العلة بأبي عبد الله، وضعف شديد. وكان يواصل، ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب، ففي الثامن دخلت عليه، وقد كاد أن يُطفَأ، فقلت: ابن الزبير كان يواصلُ سبعة أيام، وهذا لك ثمانية أيام. قال: إني مُطيقٌ. قلت: بحقي عليك.

стр. 1654

قال: فإنِّي أفعل. فأتيته بسويق فشَرِبَ. ووجَّه إليه المتوكل بمال عظيم، فرده، فقال له عبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك (١). قال: هم مستغنون، فردَّها عليه [فأخذها] (٢) عبيد الله، فقسمها على ولده، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف. فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة (٣). فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، فما لك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله، فلم يزل يُجري علينا حتى مات المتوكل. وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير. وقال: يا عم، ما بقي من أعمارنا. كأنك بالأمر قد نزل. فالله الله، فإن أولادنا إنَّما يريدون أن يأكلوا بنا، وإنما هي أيامٌ قلائل، وإنما هذه فتنة. قال أبي: فقلت: أرجو أن يَؤمِّنك الله مما تحذر. فقال: كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ ولو تركتموها، لتركوكم. ما ننتظر إنما هو الموت. فإما إلى جنةٍ، وإمَّا إلى نار. فطُوبى لمن قَدِمَ على خير. قال: فقلت: أليس قد (٤) أمرت ما جاءك من هذا المال من غير إشراف (٥) نفس، ولا مسألةٍ إن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرة بلا إشراف نفس، فالثانية (٦) والثالثة؟ ألم تستشرف نفسُك؟ قلت: أفلم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال: ما هذا وذاك! وقال: لو أعلمُ أن هذا المال يُؤخذُ من وجْهِه، ولا يكون فيه ظُلمٌ

стр. 1655

ولا حَيْف لم أُبالِ. قال حنبل: ولمَّا طالت عِلَّةُ أبي عبد الله، كان المتوكلُ يبعث بابن ماسويه المتطبِّب، فيصفُ له الأدوية، فلا يتعالج. ويدخل ابن ماسويه، فقال: يا أمير المؤمنين ليست بأحمد عِلَّةٌ، إنما هو من قلة الطعام، والصيام والعبادة، فسكت المتوكل. وبلغ أمَّ المتوكل خبر أبي عبد الله، فقالت لابنها: أشتهي أن (١) أرى هذا الرجل، فوجَّه المتوكل إلى أبي عبد الله، يسألُه أن يدخل على ابنه المعتز، ويدعو له ويسلم عليه، ويجعله في حجره. فامتنع، ثم أجاب رجاء أن يُطلَق، فوجه إليه المتوكل خِلْعَةً، وأَتَوه بدابةٍ يركبها فامتنع، وكانت عليه مِيثرَةَ نُمُورٍ. فقدم إليه بغلٌ لتاجر، فركبه (٢)، وجلس المتوكل مع أمه في مجلسٍ من المكان، وعلى المجلس سِترٌ رقيق. فدخل أبو عبد الله على المعتز (٣)، ونظر إليه المتوكل وأمه. فلما رأته، قالت: يا بني، الله الله في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فائذنْ له ليذهب، فدخل أبو عبد الله على المعتز، فقال: السلام عليكم، وجلس، ولم يسلم عليه بالإمْرَة ققال مؤدِّبه: أصلح الله الأمير، هذا هو الذي أمره (٤) أمير المؤمنين يُؤدِّبُك ويعلِّمك؟ فقال الصبي: إن علمني شيئاً، تعلمتُه! قال أبو عبد الله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيراً.

стр. 1656

ودامت علة أبي عبد الله، وبلغ المتوكل ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان، وأخبره أنه رجلٌ لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فانصرف. وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار، امتنع من ذلك حتى لقد وُصِفَ له في علته قرعة تُشوى، فشُويت في تنُّور صالح، فعلم، فلم يستعملها ومثل هذا كثير. وقد ذكر صالح قصة خروج أبيه إلى العسكر، وتفتيش بيوتهم على العَلَوي، وورود يعقوب بالبَدْرَة، وأن بعضها كان مئتى دينار، وأنه بكى، وقال: سلِمْتُ منهم، حتى إذا كان في آخر عمري، بُليتُ بهم. وذكر أنه فرق (١) الجميع، ونحن في حالةٍ، الله بها عليم. فجاءني ابنٌ لي فطلب درهماً، فأخرجت قطعة، فأعطيته، فكتب صاحب البريد: إنه تصدَّق بالكل ليومه حتى بالكيس. قال عليُّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدَّق بها (٢)، وعلم الناس أنه قَبِلَ منك، وما يصنع أحمد بالمال؟! وإنما قُوتُه رغيفٌ. قال: صدقت. قال صالح: ثم أخرج أبي ليلاً ومعنا حراسٌ، فلمَّا أصبح، قال: أمعك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم. وجعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد الله، ابن الثلجي بلغني أنه كان يذكرك. قال: يا أبا يوسف، سَلِ الله العافية. قال: يا أبا عبد الله، تريدُ أن نؤدِّيَ عنك

стр. 1657

رسالةً إلى أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال: إن عبد الله بن إسحاق أخبرني أن الوابِصِيَّ (١)، قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبُدُ ماني (٢)! فقال: يا أبا يوسف يكفي الله، فغضب يعقوب، والتفت إلي فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه. أساله أن يُطلَق لي كلمةً أُخبِرُ بها أميرَ المؤمنين، فلا يفعل!! قال: ووجَّه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر، وأبي منكسُ الرأس، ورأسهُ مُغطَّى. فقال له يعقوب: اكشف رأسك، فكشَفَه. ثم جاء وصيفٌ يريد الدار، ووجَّه إلى أبي بيحيى بن هَرْثَمَة (٣)، فقال: يُقرِئُك أمير المؤمنين السلام، وقال: الحمد لله الذي لم (٤) يُشمِّتْ بك أهل البِدَع، قد علمت حال ابن أبي دواد، فينبغي أن تتكلَّم (٥) فيه بما يجبُ لله. إلى قوله: وجعل يعقوب وغياث يصيران إليه، ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُوَاد وفي ماله فلا يجيبُ بشيءٍ إلى قوله:

стр. 1658

ثم قال يعقوب: إن لي ابناً أنا به مُعجب، وإنَّ له في قلبي مَوْقِعاً، فأُحِبُّ أن تُحَدِّثَهُ بأحاديث، فسكت. فلما خرج، قال: أتراه لا (١) يرى ما أنا فيه؟!! .. وكان يختم القرآن من جمعة إلى جمعة، فلمَّا كان غداة الجمعة، وجَّه إليَّ وإلى أخي. فلمَّا ختم، جعل يدعو ونحن نؤمِّن. فلما فرغ (٢)، جعل يقول: أستخير الله مراتٍ. فجعلت أقول: ما تريدُ؟ ثم قال: إني (٣) أُعطي الله عهداً، إن عهده كان مسؤولاً، وقال (٤) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] إني (٥) لا أحدِّث بحديثٍ تمامٍ أبداً حتى ألقى الله، ولا أستثني منكم أحداً، فخرجنا، وجاء عليُّ بن الجهم فأخبرناه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال: إنما تريدون أحدِّث، ويكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أُعطوا فقبلوا، وأُمروا فحدَّثوا، والله لقد تمنيتُ الموت في هذا وذاك. إن هذا فتنة الدنيا، وذاك فتنة الدين، ثم جعل يضُمُّ أصابعه، ويقول: لو كانت تفسي في يدي لأرسلتها [ثم يفتح أصابعه] (٦). وكان المتوكل يُكثرُ السؤال عنه، وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال، ويقول: لا يُعلَمُ شيخُهم فيَغْتَمَّ، ما يريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدنيا، فلِمَ يمنعهم؟!

стр. 1659

وقال للمتوكل: إنه لا يأكل طعامك، ولا يجلسُ على فِراشك، ويُحرِّم الذي تشرب. فقال: لو نُشر لي المعتصم، لقال فيه شيئاً، لم أقبل منه. ثم ذكر الذهبي من شدة منعه لأولاده من قبول الأموال شيئاً عجباً (١) إلى قوله: أنبؤونا عمَّن سمع أبا علي المُقرىء، أخبرنا أبو نعيم (٢)، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: كتب عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن القرآن، لا مسألة امتحان، لكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى عليَّ أبي: إلى عُبيد الله بن يحيى، بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك المكاره برحمته، قد كتبتُ إليك، رضي الله عنك، بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني، وإني (٣) أسال الله أن يُديمَ توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوضٍ من الباطل، واختلافٍ شديد ينغمسون فيه (٤)، حتى أفضَتِ الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفي الله به كلَّ بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس (٥). ووقع ذلك من المسلمين موقعاً عظيماً، ودَعُوا الله لأمير المؤمنين [وأسأل الله أن يستجيب في أمير

стр. 1660

المؤمنين صالح الدعاء، وأن يُتمَّ ذلك لأمير المؤمنين] (١) وأن يزيد في نيته، وأن يُعْينَه على ما هو عليه. فقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: لا تَضرِبُوا كتاب الله بعضه ببعضٍ، فإنه يُوقِعُ الشك في قلوبكم. وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو، أن نفراً كانوا جلوساً عند باب النبي ﷺ ، فقال بعضُهم: ألم يقل [الله] (٢) كذا، وقال بعضهم، ألم يقل الله كذا (٣)؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج كأنما فُقِىءَ في وجهه حَبُّ الرُّمان، فقال: " أبهذا أُمِرتُم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلَّت الأمم قبلكم في (٤) مثل هذا، انظروا الذي أُمِرتُم به، فاعملوا به، والذي نُهِيتُم عنه، فانتهوا عنه " (٥). ورُوي عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ ، قال: ["مراءٌ في القرآن كفرٌ" (٦)

стр. 1661

وروي عن أبي جهيم عن النبي ﷺ ، قال:] (١) " لا تَمَارَوْا في القرآن، فإنَّ مراءٌ فيه كفر " (٢). وقال ابن عباس: قدم رجلٌ على عمر، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أُحِبُّ أن يسارعوا يومهم في القرآن هذه المسارعة. فزَبَرَني عُمر، وقال: مه. فانطلقت إلى منزلي كئيباً حزيناً، فبينا أنا كذلك، إذ أتاني رجلٌ، فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنين. فخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذَ بيدي، فخَلاَ بي، وقال: ما الذي كرهتَ؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة، يحتَقُّوا (٣)، ومتى

стр. 1662

يحتَفُّوا (١) يختصموا، ومتى يختصِمُوا يختلفوا، ومتى ما اختلفُوا يقتتلوا. قال: لله أبوك، والله إن كنتُ لأكتُمها الناس، حتى جئت بها (٢). ورُوي عن جابر، قال: كان النبي ﷺ ، يعرض نفسه على الناس (٣) بالموقف، فيقول: " هل مِنْ رجُلٍ يحمِلُني إلى قومه، فإنَّ قريشاً قد منعُوني أن أُبَلِّغ كلام ربِّي " (٤). ورُوي عن جُبَير (٥) بن نُفَير، قال رسول الله ﷺ : " إنَّكُم لن ترجعوا إلى الله بشيءٍ أفضَلَ ممَّا خَرَجَ منه " يعني: القرآن (٦).

стр. 1663

ورُوي عن ابن مسعود، قال: جرِّدوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئاً إلاَّ كلام الله (١). وروي عن عمر أنه قال: هذا القرآن كلام الله، فضَعوهُ مواضعه (٢). وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنِّي إذا قرأتُ كتاب الله، وتدبَّرته، كِدتُ أن أيأسَ، وينقطعَ رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمالُ ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر (٣).

стр. 1664

وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنتُ جاراً لخبَّاب، فخرجتُ يوماً معه إلى المسجد، وهو آخذٌ بيدي، فقال: " يا هَنَاه، تَقَرَّب إلى الله بما استطعتَ، فإنَّك لن تتقرَّب إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه" (١). وقال رجلٌ للحَكَمَ: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاويةُ بن قُرَّة: إياكم وهذه الخصومات (٢)، فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قِلابة: لا تُجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات. فإنِّي لا آمَنُ أن يَغمِسوكم في ضلالتهم (٣)، ويُلبِسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب (٤) الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثُك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا. لَتَقومانِّ عني، أو لأقومَنَّهْ، فقاما. [فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟ قال ... ] (٥). وقال (٦):

стр. 1665

خَشِيتُ أن يقرأ آية فيحرفاها (١)، فَيَقَرَّ ذلك في قلبي. وقال رجُلٌ من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر أسألُك عن كلمة؟ فولَّى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة. وقال ابن طاووس لابنٍ له يكلمه رجلٌ من أهل البدع: يا بُني أَدْخِلْ أصبعيْك في أُذُنيك حتى لا تسمع ما يقُول. ثم قال: اشْدُد اشدد (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: مَن جعل دينه غرضاً (٣) للخصومات، أكثر التنقل. وقال إبراهيم النَّخَعي: إن القوم لم يُدَّخَرْ عنهم شيء خُبِّىء (٤) لكم لفضلٍ (٥) عندكم. وكان الحسنُ يقول: شرُّ داءٍ خالط قلباً، يعني: الأهواء. وقال حذيفةُ: اتَّقُوا الله، وخُذوا طريق مَنْ كان قبلكم، والله لئِنِ استَقَمْتُمْ، لقد سَبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتُموه يميناً وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيداً، أو قال: مبيناً. قال أبي: وإنما تركت الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حَلَفْتُ بها مما قد علمه أمير المؤمنين، ولولا ذاك، ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾

стр. 1666

[التوبة: ٦]. وقال: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فأخبَرَ أن الأمر (١) غيرُ الخلق. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. فأخبر أن القرآن من عِلْمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. فالقرآن من علم الله. وفي الآيات دليلٌ على أن الذي جاءه هو القرآن. وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق (٢)، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلاَّ ما كان في كتاب الله، أو في حديثٍ عن رسول الله ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود (٣). فهذه الرسالة إسنادُها كالشمس، فانظر إلى هذا النَّفَس النوراني، لا " كرسالة الإصطخري " (٤)، ولا " كالرد على الجهمية " الموضوع على

стр. 1667

أبي عبد الله (١)، فإن الرجل كان تقياً ورعاً لا يَتَفَوَّه بمثل ذلك. وكذلك رسالة المُسيء (٢) في الصلاة باطلةٌ، وما ثَبَتَ عنه أصلاً وفرعاً، ففيه كفاية. ومما ثبت عنه مسألة الإيمان، وقد صَنَّفَ فيها. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: الإيمان قول

стр. 1668

وعمل، ويزيد وينقص، البِرُّ كله من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان. أقول: هذا لفظُ الذهبي، ونصه بحروفه من خطه (١) المعروف، لكن فيه شيء مصلح بغير خطه، وأحسبُه لبعض المبتدعة، وقد حذفتُه، وهو ما لفظه: " ولعله قاله " صلَّحه عقيب قول الذهبي، فإن الرجل كان تقياً، ورعاً، لا يتفوَّهُ بذلك، وكان مكان هذا اللفظ المصلح لفظ غيره بخط الذهبي، وبدله بما يناقض كلام الذهبي، وما خَفِيَ ذلك ولله الحمد لوجوه: أحدها: الكشط الواضح. وثانيها: الخط المخالف. وثالثها: المعنى المناقض لما قبله، ولما بعده، ولما تكرر من نحو ذلك في غير هذا الموضع. من ذلك قول الذهبي بعد هذا بقليل. أنبؤونا عن محمد بن إسماعيل، عن يحيى بن مندَة الحافظ أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدي سنة (٢) أربعين وأربع مئة، أخبرنا (٣) أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الأسود بدمشق، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر النَّهاوَنْدي، حدثنا (٤) أبو بكر محمد بن إبراهيم بن زُوران لفظاً، حدثنا (٤)

стр. 1669

أحمدُ بن جعفر الإصطخري (١)، قال (٢): قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: هذا مذهب أهل العلم والأثر، فمن خالف شيئاً من ذلك أو عاب قائلها، فهو مُبتدع. وكان قولهم: إن الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، وتمسكٌ بالسنة، والإيمان يزيد وينقصُ، ومن زعم أن الإيمان قول، والأعمال شرائع، فهو جهميٌّ، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان، فهو مُرجىء، والزنى والسرقة وقتل النفس، والشرك (٣) كلها بقضاءٍ وقدرٍ من غير أن يكون لأحد على الله حجة. إلى أن قال: والجنة والنار خُلِقَتا، ثم خلق الخلقُ لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبداً. إلى أن قال: والله تعالى على العرش، والكرسيُّ موضعُ قدميه. إلى أن قال: وللعرش حَمَلَة. ومن (٤) زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي. ومن لم يكفِّره، فهو مثله. وكلم الله موسى تكليماً من فيه. إلى أن ذكر أشياء من هذا الأنموذج المنكر، والأشياء التي -والله- ما قالها الإمام. فقاتل اللهُ واضعَها. ومن أسمجِ ما فيها قوله: ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يُقلِّد دينه أحداً، فهذا قول فاسقٍ عدو لله. فانظر إلى جهل المحدثين كيف يروون هذه (٥) الخُرافة، ويسكتون عنها (٦).

стр. 1670

انتهى كلام الذهبي بنصِّه، وحروفِه، فقد بان لك تَصَلُّب هذا الحافظ المطَّلعِ على القطع بتنزيه هذا الإمام من هذه الحموقات، والمنكرات مع عدم مُداهنته، وسطعه بالحق حتى في مثالِبِ الأصدقاء، ومناقب الأعداء، فما رأيتُ له شبيهاً في ذلك، والله يُحِبُّ الإنصاف. فإن قلت: ومن أين عَلِمَ صحة نفي ذلك عن أحمد حتى حَلَفَ عليه، والشهادة على النفي لا تَصِحُّ. قلت: مثل ما يَعْلَمُ الزيديُّ كَذِبَ ذلك، لو وَجَدَهُ مسنداً إلى أئمته، وكذلك المعتزلي. فإن قلت: إنَّ لأئمَّةِ الشيعة والمعتزلة من النصوص على ذلك ما يوجب القطع على براءتهم عن مثل هذا لو لُطِخُوا به. قلت: هل تُريدُ أن كُلَّ أحدٍ من المكلفين يعلم براءتهم من ذلك وإن لم يشتغل بعلومِهم، ويُطَالِعْ كتبهم، ويَعْرِفْ نصوصَهم فهذا ممنوعٌ، أو تريد أن كل من اشتغل بمعرفة علومهم، ومطالعة كتبهم عرف ذلك، فهذا مسلمٌ، ولكن للذهبي في معرفة مذاهب الفقهاء، والمعلوم منها، والمظنون مثل ما لكم في معرفة مذاهب أئمتكم، ألا تراه حكى أن لأحمد بن حنبل كتاباً في نفي التشبيه في مجلدة، ثم ذكر سائر تواليفه، ومن رواها، وما يَصِحُّ منها عنه، وما لا يَصِحُّ إلى أمثال ذلك ممَّا يُفِيدُ شِدَّة العناية بمعرفة أحواله، فلا ينكر بمن بالغ في معرفة أمر أن يختصَّ فيه بما لا يعرفه سواه، لأن قرائن الأحوال إذا كثُرت، أفادت علوماً ضرورية لا يمكن التصريح بمستندها، كما تُميِّزُ حُمْرَةُ الخجل وصفرة الوَجَل (١) من غيرهما

стр. 1671

بالقرائن ونحو ذلك. ولو لم يكن في ذلك من القرائن إلاَّ ما في قصة المِحنة لمن تأملها مما يدل على براءته من هذه العظائم، فإنهم حبسوا الإمام أحمد، وضربوه، وعذبوه على مسألة القرآن، وهي أسهل من مسائل التشبيه. وكان ابن أبي داود عَدُوَّ أحمد يتمنى ما يُشَنِّعُ به عليه، فكيف يكون في عقل عاقل: قد تظاهر أحمد بالتشبيه الفظيع، ثم ما ضربوه عليه ولا عاقبوه من أجله مع تعرُّضِهم لذلك فيما هو أهونُ منه، ثم إنه عَرَضَ في مناظرتهم ذكر التشبيه، فألزموه ذلك، كما يُلزَمُ المنكرُ الممتنع، وذلك يفيدُ العلمَ بعدم ظهوره عنه، لا يُقالُ أنه ترك إظهار ذلك تَقِيَّةً، لأن من عرف أمرَ المحنة، عَلِمَ أنه لو كان مُتَاقياً لتاقى (١) في مسألة القرآن، فقد خاف القتل فيها، بل توعَّده المعتصم به غير مرة، وظن ذلك أحمد، بل كان أحبَّ إليه من التعذيب، فهذا مع ما تقدَّم من تأليفه في (٢) نفي التشبيه، وروايات ثقات أهل مذهبه، وثناءِ من يُكفِّرُ المشبهة عليه من سائر أهل المذاهب أوضح دليل على براءته. وأما الشهادة على النفي، فبابُ الشهادات غير ما نحن فيه، ولها أحكامٌ أُخَرُ. وأما أحكامُ المسلمين فإنَّما يُرجَعُ فيها إلى الظواهر، ومتعلق القطع والظن فيها هو الظواهر غالباً، ويجوز القطعُ بالنفي في باب الحمل على السلامة، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا

стр. 1672

سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [النور: ١٦] وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. ويلحق بهذا (٢) فائدةٌ تتعلق بيان مقاصدهم في القرآن، فإن المغرب عنها إذا وقف على ما ذكرنا عنهم، قال بلسان الحال، أو بلسان المقال (٣): كيف يَصِحُّ إنكارُهم لخلق القرآن، وقِدَمِه؟ وكيف كَفَّرُوا من قال: بخلقه؟ ولم يُكَفِّرُوا مَنْ قال: بحدوثه!! وهل (٤) هذا إلاَّ محض الجهل ونقصانُ العقل؟! ومن بلغ به الجهل إلى هذا الحد لم يكن معدوداً من العلماء ولا مذكوراً في (٥) " النبلاء "، وكيف يمكن سلبُ الخلق والقِدَم معاً وهو يستلزم سلب النفي والإثبات وارتفاعهما عن الشيء الواحد وذلك من المحالات الضرورية، و أيُّ فرقٍ بين الخلقِ والحدوث حتى يكفر القائل بأحدِهما دون الآخر . و الجواب: من وجهينِ معارضةٌ وتحقيق: أمَّا المعارضة، فللمعتزلة من المتكلمين مثل ذلك، فإن أبا (٦) هاشم (٧)، يقول: إن إرادة الله حادثةٌ غير مخلوقة، ولا قديمة، والبغدادية تقول مثل ذلك في جميع أفعال العباد، لأنَّ المخلوق عندهم ما فُعِلَ بغير

стр. 1673

آلة، وكذا أفعالُ الله عند أبي عبد الله، لأن الخلق عنده الفكر. الوجه الثاني: أنهم ما جَهِلُوا هذه العلوم الضرورية، والمعارف الأولية، التي لا يخلو مُكلَّفٌ من معرفيها، وإن كانوا ما حفظوا (١) اصطلاح أهل العقول في مجرد أسمائها الاصطلاحية، ولو كانوا مِمَّن يجهل جليات العقليات، ما صحَّ منهم استنباطُ الخفيات في الفقهيات (٢)، فإليهم (٣) المنتهى في الذكاء، وصفاء الأذهان، ومعرفة البرهان، وحفظ السنة والقرآن، ولكن العبارات مختلفةٌ منها: لغوية، واصطلاحية، وفصيحة، وركيكةٌ، وبسيطة، ووجيزة، وحقيقةٌ، ومجاز، وعامة، وخاصة (٤)، وعامة (٥) يُرادُ بها الخصوص، وخاصةٌ يُراد بها العموم، وجميع ذلك عربي شهير مستعملٌ كثير، بل اللغات عربية وعجمية، ومعربة وملحونة، ولكل أهل فنٍّ عُرْفٌ واصطلاح كما ذلك لكلِّ أهل زمنٍ (٦) وبلد. وما أحسن قول العلاَّمة القرطبي في " شرح مسلم ": إن أكثر (٧) المتكلمين أعرَضُوا عن الطرق (٨) التي أرشد الله إليها إلى طرقٍ مبتَدَعةٍ (٩)، ومناقشاتٍ لفظيةٍ يَرِدُ بسببها على الأخذِ فيها شُبَهٌ يُعجَزُ عنها، وأحسنهم انفصالاَّ عنها (١٠) أجدلُهم، لا أعلَمُهم، فكمْ من عالمٍ بفساد الشُّبهة لا

стр. 1674

يَقوَى على حلِّها، وكم مِن منفصلٍ عنها لا يُدرك حقيقة علمها. ونحو هذا كلام الذهبي في " زغلِ العلم " (١) حين ذكر علم المنطق والجدل، وفي كلامه ما معناه: أنها علوم يتمكن الماهر فيها من نُصرة الباطل، وترجيجه على الحقِّ، وإن كان يعلمُ أنه مبطلٌ. قلت: و (٢) ذلك بالنسبة إلى بعض الناس ممَّن يُصغي إلى الوِسواس، فلا فرق بين وسواس الشيطان، وشُبَهِ اليونان، إلاَّ أن هؤلاء شياطين الإنس، وأولئك شياطين الجن يُوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القول غُروراً. وَرَوَى الذهبي في " الميزان " (٣) في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافعٍ الحمصي، عن النواس بن سمعان مرفوعاً: " لا تُجادلوا بالقرآن، [ولا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض] (٤) فوالله إن المؤمن ليُجَادل بالقرآن فيُغلَبُ، وإن المنافق ليُجَادِلُ بالقرآن فيَغْلِبُ " (٥). ثم قال: غريبٌ جداً مع قُوةِ إسناده. قلت: وهذا بغير شكٍّ في بعض المؤمنين، لقوله: ﴿وجَادِلْهُمْ بِالتي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وغير ذلك. وإذا كان هذا في الجدال بالقرآن، فكيف بعلوم اليونان، فيجب

стр. 1675

على من لا يُحْسِنُ الجدالَ عن الحق تركُه. فإذا تقرَّر هذا، فاعلم أنَّ أصل الخلاف في مسألة القرآن في زمن التابعين، وذلك أن المسلمين ما زالوا على أنَّ الله تعالى متكلمٌ (١)، وأن له كلاماً (٢) على ظاهر ذلك (٣) من غير تأويلٍ ولا تشبيهٍ (٤)، تصديقاً للنُّصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعضٍ منهُم مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] برفع الله، أي: من كلَّمه الله (٥)، وهي من أبين الآيات في الفرق بين الوحي والكلام، لأن الله أوحى إلى كُلِّ نبيٍّ، وخصَّ بعضهم بالتكليم (٦)، وفضَّله بذلك. وقوله تعالى: ﴿وإنْ أحدٌ من المشركين استجارَكَ فأجِرْهُ حتى يسمَعَ كلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤].

стр. 1676

وقال في الذين يشترون بعهد الله ثمناً قليلاً نحو ذلك. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وذكر في غير آيةٍ من كتاب الله ما كلَّم به موسى مثل قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿يسمعون كلام الله (١) ثم يحرِّفونه﴾ [البقرة: ٧٥]. وقال: ﴿يُريدُونَ أن يبدِّلوا كلامَ الله﴾ [الفتح: ١٥]. وقال: ﴿اتلُ ما أُوحِيَ إليكَ مِنْ كِتابِ ربِّكَ لا مُبدِّل لكلماتِه﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿لا تبديلَ لكلمات الله﴾ [يونس: ٦٤]. وقال: ﴿ويُريدُ الله أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِه ويقطعَ دابرَ الكافرين﴾ [الأنفال: ٧]، وقال: (ويُحِق الله الحقَّ بكلماته ولو كَرِهَ المُجرمُون﴾ [يونس: ٨٢]. وقال: ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربيِّ لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تنفَدَ كلماتُ ربِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال: ﴿ولو أنَّ ما في الأرضِ

стр. 1677

من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يمُدُّهُ مِنْ بعدِه سبعةُ أبحُرٍ ما نَفِدَتْ كلماتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧]. وقال: ﴿ولكن حقَّت كلمةُ العذابِ على الكافرين﴾ [الزمر: ٧١]، وقال: ﴿إنَّ الذين حقَّت عليهم كلمةُ ربِّك لا يُؤمنون ولو جاءتهُم كُلُّ آية حتى يَرَوُا العذابَ الأليم﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال: ﴿وتمَّت كلمةُ ربِّك لأملأنَّ جهنَّم﴾ [هود: ١١٩]، وقال: ﴿وتمَّت كلمةُ ربِّك الحُسنَى على بني إسرائيلَ بما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وجاء في الأخبار النبوية، والآثار الصحابية من هذا ما لا يُحصى، وتكرَّر وشاع بين الخاصة والعامة، فاقتضى العلم الضروري بأنه على ظاهرِهِ بهذه القرينة، كما ثَبَتَ في نظائره، وكذلك نسبة القول إلى الله، وهو والكلامُ عبارتان عن معنىً واحدٍ، فمنه قوله سبحانه: ﴿قال اللهُ يا عيسى﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿فالحَقُّ والحقَّ أقُولُ﴾ (١) [ص: ٨٤]، وقال: ﴿ولكن حَقَّ القولُ مني﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿لقد حَقَّ القولُ على أكثرِهم﴾ [يس: ٧]. وقال: ﴿ومَن أصدقُ مِنَ اللهِ قيلا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ حديثاً﴾ [النساء: ٨٧]، وقال: ﴿سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، وقال: ﴿قولُهُ الحقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿وإذْ قالَ ربُّك للملائكةِ﴾ [البقرة ٣٠]، ﴿وقُلنا يا آدمُ اسكُنْ أنت وزوجُك الجنةَ﴾ [البقرة: ٣٥].

стр. 1678

وذُكِرَ في غير موضعٍ ما كلَّم الله به ملائكته (١) ورسله وعباده، وقال الله تعالى حاكياً عن الملائكة: ﴿قالوا ماذا قال ربُّكُم قالوا الحقَّ وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]. وقال: ﴿يومَ يجمَعُ الله الرُّسُل فيقولُ ماذا أُجِبْتُم﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿ويومَ يُناديهم فيقولُ ماذا أجبتُمُ المُرسَلينَ﴾ [القصص: ٦٥] وفي هذه الآية لفظ المناداة (٢). وكذلك لفظ السؤال قد ورد في قوله تعالى: ﴿فلنسألنَّ الذين أُرسِلَ إليهم ولنسألنَّ المُرسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. وكذا ما ورد في القرآن على صيغة ﴿يا عبادِ لا خوفٌ عليكم اليوم﴾ (٣) [الزخرف: ٦٨]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٤) [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]. بل قال تعالى في الاحتجاج على بطلان ربوبية عِجْلِ السامري: ﴿أفلا يَرَوْنَ أن لا يَرْجِعَ إليهِمْ قولاً ولا يملِكُ لهُم ضَرّاً ولا نَفْعَاً﴾ [طه: ٨٩]، فدلَّ ذلك على أن من صفات الله الواجبة أن يكون متكلماً كلاماً حقيقياً، فكيف يَجِبُ عكس ذلك، ويُكَفَّرُ مَنْ قاله. وقال: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا

стр. 1679

هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣ - ٦٧]. وفيها أن من لا ينطق كمن لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع، وأنه لما نبَّهَهُم (١) على ذلك عرفوا أنه حقٌّ ﴿فقالوا إنَّكُم أنتُم الظالمون ثم نُكِسُوا﴾ فجحدوا الحُجَجَ الواضحة، أشار إليه الزمخشريُّ (٢). إلى سائر ما وَرَدَ في الأخبار والآثار من ذلك مما (٣) قد أشار (٤) أحمد بن حنبل إلى بعضه في كتابه المُقدَّم إلى المتوكل، وذكر البيهقي منه طَرَفاً صالحاً في كتاب " الأسماء والصفات " (٥)، فآمن المسلمون (٦) ولم يعتقدوا فيه المجاز، ولا التشبيه، كلما آمَنوا بكلام الجمادات من غير تَجَوُّزٍ ولا تشبيهٍ، فإنه ليس للجمادات من أدوات الكلام ما للإنسان. فإذا صحَّ الكلام في الجماد (٧) بالنصِّ والإجماع من الصدر الأول، والمحققين من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم مع عدم شبهه (٨) للإنسان في أدوات الكلام، وكان ذلك حقيقةً غير مجاز، لم يمتنِعُ مثلُه في حقِّ الله تعالى، ويكون كلامه سبحانُه مُخالِفاً لكلام جميع المخلوقات، كما أنَّ إرادته عند كثيرٍ من المعتزلة فعلٌ له تعالى لا تُوصَفُ بأنها قديمةٌ، ولا

стр. 1680

مخلوقة، وتُوجِبُ له صفة، ويختصُّ به، ولا توجد في غيره، ولا تُوصَفُ بالحلول فيه، وهي حقيقةٌ غير مجاز، ممن قال بذلك أبو هاشم. فما المانع من مثل ذلك في كلامه؟ وما الفرق الضروري من الدين بين كلامه في الإرادة، وكلام الظاهرية في القرآن حتى يكفروا به؟ قال الله تعالى في كلام الجمادات: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وسخَّرنَا مع داودَ الجبالَ يُسَبِّحنَ والطيرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا دَاوُدَ مِنَّا فضلاً يا جبالُ أوبي معه والطير﴾ (١) [سبأ: ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥]. ومثل كلام الجمادات كلام الأعضاء التي ليست لها أدواتٌ، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢١]. والحجة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامةٌ في الجماد وغيره.

стр. 1681

وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. فكان المسلمون في زمن رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وصدراً من زمن التابعين يُؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين (١)، فليس كلام الإنسان الناطق باللسان مثل كلام الجمادات، والأعضاء، ولا كلام ربِّ العالمين مثل كلام (٢) شيء من خلقه أجمعين. فلمَّا حدثت بدعة الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثيرٌ من المتكلمين: إنَّ جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليها، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذمٌّ له ، وقدحٌ في ربوبيته، وكفرٌ به، وإلحادٌ في أسمائه إلاَّ أن يُتَأوَّل على ما لا تُساعِدُ عليه قواعدُ التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل، وسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله ﷺ وأهله وأصحابه وتابعيهم. فكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا يُنَبِّهُون (٣) على تأويله أحداً من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين. والعلمُ الضروريُّ يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكُرْ أحدٌ منهم (٤) له تأويلاً البتة أنه على ظاهره على (٥)

стр. 1682

حسبِ ما يليقُ بجلال الله من غير تشبيهٍ كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمالٍ بالإجماع. ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقُدرتهم كان تشبيهاً قبيحاً، وكفراً صريحاً (١)، ومع ذلك فلا يَجِبُ تأويلُ ما ورد في الشرع من وَصْفِ الله تعالى بأنه عالمٌ قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير. فتأمَّل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاضَ على عهد رسول الله ﷺ استفاضةً متواترةً شائعةً (٢)، ولم يُذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المُبتدَعِ الفاسد. وقال: من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى، أنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تُضافُ إليه إلاَّ إضافة تشريفٍ كبيتِ (٣) الله، وناقةِ الله، فاعتقد المجاز (٤) في قوله تعالى: ﴿وكلَّم اللهُ موسى تَكلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤]، واعتقدَ أن الحقيقة أن الله تعالى خَلَقَ الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صَدَرَ منها لا يصح غيرُ ذلك، وكانت النصوص القرآنية على عصر (٥) التابعين على جلالتها لم تتبدَّل بكثرة التأويل، فعظُمَ على التابعين أن يكون ظاهرُ قول الله: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليماً﴾ قبيحاً وضلالاً مع أن الله سبحانه نسبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل

стр. 1683

والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها. وكذلك بقوله: ﴿تكليماً﴾ مع ما شَهِدَ (١) لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلمٌ، وله كلامٌ من غير إشعارٍ بتأويل، فجَهَرُوا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مُكَذِّبٌ (٢) لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤولُ إلى التكذيب، ولم يكُن قد عَرَضَ في زمن الصحابة و (٣) التابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظيِّ الذي لم يقُل بقِدَمِه طائفةٌ من طوائِفِ المسلمين البتة، وإن شذَّ بذلك بعض المحدثين كما شذَّ أبو علي الجُبَّائي شيخ الاعتزال، فإنه قد شارك هذه الطائفة المخالفة للضرورة في شُبَهِهِم، ووقع من الرِّكَّة في مثلِ ركتِهم حيث قال: إن حكايته لكلام الله تعالى هي كلامه المبتدأ المعجِزُ، ثم انتهى به التدقيق إلى أن المسموع من القارىء شيئان. أحدهما: كلامه. والثاني: كلام الله تعالى، فأثبت حرفين مسموعين غير الصوت، حكاه عنه ابنُ متويه في " تذكرته " (٤). فإذا كان هذا ضلال إمام النظارين، فأيُّ ملامةٍ على شواذِّ (٥)

стр. 1684

المحدثين مع أنَّ كلام المنصور بالله يقتضي اختيار قوله في أن التلاوة هي المتلوُّ. وكذا ذَهَبَ أبو عليٍّ إلى بقاء الكلام في الكتابة، وكمونه (١) فيها، وأنه غيرُ الصوت، فإذا قارَنَه الصوتُ سُمِعَ، وإلاَّ كَمَنَ وبَقِيَ غيرَ مسموع. فقد بان لك الآن أن من أنكرَ قِدَمَ القرآن وخلقه، فلم يَقْصِدْ رفع النفي والإثبات، ولا جهلَ الضرورات، وإنما قَصَدَ أن الكلام الذي سَمِعَه موسى هو كلام الله على الحقيقة لا كلام الشجرة، فإنه لو كان مخلوقاً في الشجرة، كان كلام الشجرة على الحقيقة، وإنْ كان خلقاً لله، كما أنَّ الأعضاء لمَّا أنطقها الله يوم القيامة بدليلِ قولها: ﴿أنطَقَنَا اللهُ الذي أنْطَقَ كُلَّ شيءٍ﴾ [فصلت: ٢١] كان ذلك كلامَها لا كلام الله، فلذلك استشهدَها الله، ونسبَ (٢) الشهادة إليها، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِم سمعُهُم وأبصَارُهُم﴾ [فصلت: ٢٠]. ومن قال بقِدَم القرآن فلم يقصِد قِدَمَ الأصوات والحروف المتعاقبة، وإنما قَصَدَ قدم الكلام النفسي الذي المرجعُ به عند المعتزلة إلى الإرادة أو العلم، كما ذلك مقررٌ في كُتُبِ الكلام. وقد روى الذهبي عن اللالكائي في " السنة " (٣): حدثنا المخلصُ، حدثنا أبو الفضل شعيبُ بن محمد، حدثنا علي بن حرب بسام، سمعتُ شُعيبَ بن حرب، يقول: قلت لسفيان الثوري: حدِّث بحديثٍ في السنة

стр. 1685

ينفعني الله به، فإذا وقفتُ بين يديه، وسألني (١) عنه، قلت: يا رب، حدثني بهذا سفيان، فأنجو أنا، وتُؤخذ (٢). قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، منه بدأ وإليه يعودُ، مَن قال غير ذلك فهو كافرٌ. وقال الذهبي: هذا ثابتٌ عن سفيان، وشيخ المخلص ثقة، ذكره في ترجمة الثوري من " التذكرة " (٣). وفي " الجامع الكافي " نحو هذا عن الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵇ إمام الزيدية في الكوفة فإنه قال: قال و (٤) الله ﴿يا موسى إنَّني أنا اللهُ لا إله إلاَّ أنا فاعبُدني﴾ [طه: ١٤] فمن زعم أن الداعي إلى عبادته غير الله فقد ضل .. انتهى. وسيأتي مع أقوال سائر أهل البيت ﵈. وهذا الجنس هو المعروف عن التابعين، وأئمة السنة من دون اعتقادٍ للقِدَمِ، كما ذكر الذهبي في ترجمة أحمد بن حنبل من " النبلاء " (٥)، وابن تيمية في " منهاج السنة النبوية ". ولا شَكَّ أن القول بخلق القرآن بدعةٌ، وأمَّا (٦) أنه كفرٌ فقد أطلقه جماهيرُ أئمة السنة وجِلَّتهم، وبعضُ أئمةِ أهل البيت كما سيأتي. ثم
следующие страницы →