← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. فكان المسلمون في زمن رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وصدراً من زمن التابعين يُؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين (١)، فليس كلام الإنسان الناطق باللسان مثل كلام الجمادات، والأعضاء، ولا كلام ربِّ العالمين مثل كلام (٢) شيء من خلقه أجمعين. فلمَّا حدثت بدعة الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثيرٌ من المتكلمين: إنَّ جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليها، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذمٌّ له ، وقدحٌ في ربوبيته، وكفرٌ به، وإلحادٌ في أسمائه إلاَّ أن يُتَأوَّل على ما لا تُساعِدُ عليه قواعدُ التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل، وسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله ﷺ وأهله وأصحابه وتابعيهم. فكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا يُنَبِّهُون (٣) على تأويله أحداً من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين. والعلمُ الضروريُّ يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكُرْ أحدٌ منهم (٤) له تأويلاً البتة أنه على ظاهره على (٥)

стр. 1682

حسبِ ما يليقُ بجلال الله من غير تشبيهٍ كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمالٍ بالإجماع. ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقُدرتهم كان تشبيهاً قبيحاً، وكفراً صريحاً (١)، ومع ذلك فلا يَجِبُ تأويلُ ما ورد في الشرع من وَصْفِ الله تعالى بأنه عالمٌ قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير. فتأمَّل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاضَ على عهد رسول الله ﷺ استفاضةً متواترةً شائعةً (٢)، ولم يُذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المُبتدَعِ الفاسد. وقال: من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى، أنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تُضافُ إليه إلاَّ إضافة تشريفٍ كبيتِ (٣) الله، وناقةِ الله، فاعتقد المجاز (٤) في قوله تعالى: ﴿وكلَّم اللهُ موسى تَكلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤]، واعتقدَ أن الحقيقة أن الله تعالى خَلَقَ الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صَدَرَ منها لا يصح غيرُ ذلك، وكانت النصوص القرآنية على عصر (٥) التابعين على جلالتها لم تتبدَّل بكثرة التأويل، فعظُمَ على التابعين أن يكون ظاهرُ قول الله: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليماً﴾ قبيحاً وضلالاً مع أن الله سبحانه نسبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل

стр. 1683

والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها. وكذلك بقوله: ﴿تكليماً﴾ مع ما شَهِدَ (١) لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلمٌ، وله كلامٌ من غير إشعارٍ بتأويل، فجَهَرُوا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مُكَذِّبٌ (٢) لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤولُ إلى التكذيب، ولم يكُن قد عَرَضَ في زمن الصحابة و (٣) التابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظيِّ الذي لم يقُل بقِدَمِه طائفةٌ من طوائِفِ المسلمين البتة، وإن شذَّ بذلك بعض المحدثين كما شذَّ أبو علي الجُبَّائي شيخ الاعتزال، فإنه قد شارك هذه الطائفة المخالفة للضرورة في شُبَهِهِم، ووقع من الرِّكَّة في مثلِ ركتِهم حيث قال: إن حكايته لكلام الله تعالى هي كلامه المبتدأ المعجِزُ، ثم انتهى به التدقيق إلى أن المسموع من القارىء شيئان. أحدهما: كلامه. والثاني: كلام الله تعالى، فأثبت حرفين مسموعين غير الصوت، حكاه عنه ابنُ متويه في " تذكرته " (٤). فإذا كان هذا ضلال إمام النظارين، فأيُّ ملامةٍ على شواذِّ (٥)

стр. 1684

المحدثين مع أنَّ كلام المنصور بالله يقتضي اختيار قوله في أن التلاوة هي المتلوُّ. وكذا ذَهَبَ أبو عليٍّ إلى بقاء الكلام في الكتابة، وكمونه (١) فيها، وأنه غيرُ الصوت، فإذا قارَنَه الصوتُ سُمِعَ، وإلاَّ كَمَنَ وبَقِيَ غيرَ مسموع. فقد بان لك الآن أن من أنكرَ قِدَمَ القرآن وخلقه، فلم يَقْصِدْ رفع النفي والإثبات، ولا جهلَ الضرورات، وإنما قَصَدَ أن الكلام الذي سَمِعَه موسى هو كلام الله على الحقيقة لا كلام الشجرة، فإنه لو كان مخلوقاً في الشجرة، كان كلام الشجرة على الحقيقة، وإنْ كان خلقاً لله، كما أنَّ الأعضاء لمَّا أنطقها الله يوم القيامة بدليلِ قولها: ﴿أنطَقَنَا اللهُ الذي أنْطَقَ كُلَّ شيءٍ﴾ [فصلت: ٢١] كان ذلك كلامَها لا كلام الله، فلذلك استشهدَها الله، ونسبَ (٢) الشهادة إليها، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِم سمعُهُم وأبصَارُهُم﴾ [فصلت: ٢٠]. ومن قال بقِدَم القرآن فلم يقصِد قِدَمَ الأصوات والحروف المتعاقبة، وإنما قَصَدَ قدم الكلام النفسي الذي المرجعُ به عند المعتزلة إلى الإرادة أو العلم، كما ذلك مقررٌ في كُتُبِ الكلام. وقد روى الذهبي عن اللالكائي في " السنة " (٣): حدثنا المخلصُ، حدثنا أبو الفضل شعيبُ بن محمد، حدثنا علي بن حرب بسام، سمعتُ شُعيبَ بن حرب، يقول: قلت لسفيان الثوري: حدِّث بحديثٍ في السنة

стр. 1685

ينفعني الله به، فإذا وقفتُ بين يديه، وسألني (١) عنه، قلت: يا رب، حدثني بهذا سفيان، فأنجو أنا، وتُؤخذ (٢). قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، منه بدأ وإليه يعودُ، مَن قال غير ذلك فهو كافرٌ. وقال الذهبي: هذا ثابتٌ عن سفيان، وشيخ المخلص ثقة، ذكره في ترجمة الثوري من " التذكرة " (٣). وفي " الجامع الكافي " نحو هذا عن الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵇ إمام الزيدية في الكوفة فإنه قال: قال و (٤) الله ﴿يا موسى إنَّني أنا اللهُ لا إله إلاَّ أنا فاعبُدني﴾ [طه: ١٤] فمن زعم أن الداعي إلى عبادته غير الله فقد ضل .. انتهى. وسيأتي مع أقوال سائر أهل البيت ﵈. وهذا الجنس هو المعروف عن التابعين، وأئمة السنة من دون اعتقادٍ للقِدَمِ، كما ذكر الذهبي في ترجمة أحمد بن حنبل من " النبلاء " (٥)، وابن تيمية في " منهاج السنة النبوية ". ولا شَكَّ أن القول بخلق القرآن بدعةٌ، وأمَّا (٦) أنه كفرٌ فقد أطلقه جماهيرُ أئمة السنة وجِلَّتهم، وبعضُ أئمةِ أهل البيت كما سيأتي. ثم

стр. 1686

اختلفوا: هل هو كفرٌ على الحقيقة أم لا؟ قال البيهقي في " الأسماء والصفات " (١) بعد حكاية أقوال السلف في تكفير من قال بخلق القرآن: ورُوِّيناه في كتاب القَدَر عن جماعةٍ منهم أنهم كانوا لا يَرَوْنَ الصلاة خلف القَدَري ولا يُجيزون شهادته، وحكينا عن الشافعي ﵀ في كتاب " الشهادات " ما دلَّ على قبول شهادة أهل الأهواء، ما لم تبلُغُ بهم المعصيةُ مبلغَ العداوة، فحينئذٍ تُرَدُّ بالعداوة. وحكينا عنه في كتاب " الصلاة " أنه قال: وأكرَهُ إمامة الفاسق والمُظْهِرِ البدع، ومن صلَّى خلف واحدٍ منهم أجزأتْهُ صلاته، ولم يكن عليه إعادةٌ إذا أقام (٢) الصلاة. وقد اختلف علماؤُنا في تكفيرِ أهل الأهواء، منهم من كفَّرهم على تفصيلٍ ذكرَهُ في أهوائهم، ومنهم من لم يُكفرْهم، وزَعَمَ أن قول الشافعي في تكفيرِ مَنْ قال بخلق القرآن أراد به كُفراً دون كفر، كقول (٣) الله : ﴿ومَنْ لَمْ يحكُم بما أنزَلَ اللهُ فأولئِكَ هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤]، ومن قال بهذا جرى (٤) في قبول شهادتهم، وجواز الصلاة خلفهم مع الكراهية، على ما قال الشافعي ﵀ في أهل الأهواء، والمُظهِرِ البِدَع. ثمَّ حكى (٥) عن الخطابي أنهُ لا يكفِّرُ من الخوارج والروافض (٦) إلا

стр. 1687

من كفَّر الصحابة. ولا من القدرية إلاَّ من كفَّرَهُ. قال: وكانت المعتزلة في الزمان الأول على خلاف هذه الأهواء، وإنما أحدثها بعضهم في الزمان المتأخر. انتهى كلام البيهقي. وفي " المعالم " للخطابي: الميل إلى ترك (١) التكفير مُطلقاً، فإنه مال إلى عدم تكفير الخوارج، بل ادَّعى الإجماع عليه، مع تصريحهم بتكفير خلق كثير من الصحابة، بل تكفير خيرهم في عصره بالإجماع. وأقول: إن المختار ما أشار إليه الشافعي ﵀، لأنه لا بد من دليل على الكفر، ولا دليل هنا، لأن أدلة الكفر منحصرةٌ في ثلاثة أشياء، وهي: النصُّ، أو (٢) التكذيب، أو ما يؤول إلى التكذيب على اختلافٍ فيما يؤول إلى التكذيب. أمَّا النصُّ فغير موجودٍ وفاقاً، أنا في القرآن فواضحٌ، وأما السنة فقد رُوِيَ في ذلك حديثٌ، اتَّفق أهل الحديث على أنه موضوعٌ، لا أصل له، ومتنه: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد كفر (٣).

стр. 1688

قال البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " (١): ونُقل إلينا عن أبي الدرداء مرفوعاً: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ. ورُوِيَ أيضاً ذلك (٢) عن معاذ بني جبل، وعبدِ الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله مرفوعاً. ولا يصح شيء من ذلك، أسانيدُه (٣) مظلمةٌ لا ينبغي أن يحتجَّ بشيء منها، ولا يُستشهد بشيءٍ منها (٤). انتهى بلفظه. وذكر الحافط زين الدين أبو حفص عمر بن بدر الموصِلِّيُّ (٥) في كتابه " المغني عن الحفظ من الكتاب " بقولهم: لم يصح شيءٌ في هذا الباب ما لفظه: كلام الله قديمٌ غير مخلوق، وَرَدَ فيه أحاديث ليس فيها شيءٌ

стр. 1689

ثابت. وقال: قاله ابن الجوزي، نقل ذلك ابن النحوي في تلخيصه (١) لكتاب زين الدين المذكور. فهذه كلمة إجماعٍ بين حفاظ الحديث الأُمناء عليه، ومن العجب أن المعتزلة ترويه، وتؤوله بالمكذوب، وأئمة الحديث يُزَيِّفُونَه كما هو عادتُهم فيما كُذِبَ لهم، وذلك أعظم شاهدٍ لهم على أنهم أمناءُ الله على حديث رسول الله ﷺ ، يَنْفُون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما ورد ذلك مرفوعاً في صفة حملة العلم (٢). وأما الإجماع فهو أيضاً منتفٍ لما تقدَّم من تعذُّر العلم بالإجماع القاطع، ولأن الاختلاف في ذلك منقولٌ عن أئمة أهل السنة، كما ذكر البيهقيُّ. ولقد نقل الذهبي في " النبلاء "، و" الميزان "، و" الكاشف " (٣) عن الحافظ علي بن الجعد أنه قال: من قال القرآن مخلوقٌ لَمْ أُعَنِّفْهُ. فهذا عليُّ بن الجعد يقول: إنَّ القرآن غير مخلوق، كقول أهل الحديث، ومع ذلك خالف في تعنيف من قال: إنه مخلوقٌ. وقد حكى الذهبي الوقف عن جماعةٍ وافدة، فالمتوقف غيرُ مكفِّرٍ للمخالف، فمنهم من وقف وقف حيرةٍ وشَكٍّ، ومنهم من وَقَفَ وقف حَيْطَةٍ وَوَرَعٍ.

стр. 1690

قال الذهبي في " النبلاء " (١) في ترجمة إسحاق بن أبي إسرائيل، أحدِ الواقفة: هو الإمام الحافظ الثقة. قال شاهين بن السَّمَيْدَع: سمعت أحمد بن حنبل، يقول فيه (٢): واقفيٌّ مشؤومٌ إلاَّ أنه كَيِّسٌ صاحبُ حديث. وقال السَّاجي: صدوقٌ، تركوه لموضع الوقف. قال (٣): معنى قوله تركوه: أعرضُوا عن الأخذ عنه، لا أن حديثه في حيِّز المتروك المطَّرَح، قلت: أدَّاهُ وَرَعُه وجموده إلى الوقف، وقد ناظره (٤) مصعب الزبيري، فقال: لم أقُل على الشكِّ، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي. قال الذهبي: والإنصاف فيمن هذا حاله أن يكون باقياً على عدالته. وحكى ابن عبد ربه في " العقد " (٥) في المجلد الرابع منه في كتاب الجوهرة في الأمثال في بيان قولهم في القرآن ما لفظه: كتب المريسي إلى أبي السري (٦) منصور بن محمد: أكتب إلي: القرآن خالقٌ أو (٧) مخلوقٌ؟ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من كل فتنة وجعلنا وإياك من (٨) أهل السنة (٩)، ومن لا يرغب بنفسه عن الجماعة، فإنه إن يفعل فأعْطِمْ بها

стр. 1691

مِنَّةً، وإن لا يفعل فهي الهلكةُ، وليس لأحدٍ بعد المرسلين (١) على الله حجةٌ، ونحن نقول: إن الكلام في القرآن بدعةٌ، يتكلَّفُ المجيبُ المحسن ما ليس عليه، ويتعاطى السائل ما ليس له، وما نعلم خالقاً إلاَّ الله، وما سوى الله تعالى مخلوقٌ، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك إلى أسمائه التي سمَّاه الله بها فتكون من المهتدين، وذر الذين يُلحِدُون في أسمائه سيُجزون ما كانوا يعملون، ولا تُسَمِّ القرآن باسمٍ من عندك، فتكون من الظالمين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مُشفقون. فهذا فيه إشارةٌ بينةٌ إلى شبهتهم (٢)، وتقدم جوابُها حيث أجبنا على المعتزلة إحالتهم تجرُّد القرآن عن الخلق والقِدَمِ معاً، ومراد الواقفية نحو هذا، وهو أنهم لا يسمونه إلاَّ بما سماه الله أو رسوله ﷺ ، ولم يكن يوصف بأنه غير مخلوق، كما لم يكُن يوصف بأنه مخلوق (٣) فسكَتُوا عن ذلك، وعن الطائفتين. فبان بهذا أنه لا يصح التمسك بالنص في تكفيرهم، لا نصِّ الكتاب ولا السنة، ولا الإجماع. وأمَّا التمسك بأنهم مكذبون لقوله تعالى: ﴿وكلَّم اللهُ موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]، فيُعارِضُه أنهم يُقِرُّون (٤) بكلام الله وتكليمه، ولكنهم يجعلونه مجازاً. وربما قال منهم قائلٌ بصحته على معنى

стр. 1692

الخلق حقيقة، وقد تكلَّم الأصوليون من أجل هذا في مسألة في اشتقاق اسم الفاعل، وهل مِن شرطه أن يكون المعنى المشتق منه قائماً (١) بالفاعل أم لا؟ وأجازت المعتزلة أن لا يكون قائماً بالفاعل ليصحَّ لهم تسميته (٢) تعالى مُتكلماً بكلامٍ غير قائم بذاته، ولا صادرٍ منها، واحتجُّوا بتسميته (٣) خالقاً، ومنعت ذلك جماعةٌ (٤) من الأشعرية، وطوَّلها ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " (٥)، وأدقها، وهي لغويةٌ لا تحتملُ تلك الدِّقَّة التي تعلق (٦) بها. وقد مال الرازي إلى تصحيح كلام المعتزلة، واحتج بصحة النسب، فإن قولنا في الرجل: مكي ومدني مشتقٌّ من مكة والمدينة (٧). والحق أن هذه المسألة لغوية ليس فيها نظرٌ، ولا قياسٌ، وقد يشتقُّون مما ليس بقائمٍ بالفاعل مثلما ذكر الرازيُّ، ومثل: لابن، وتامر ولكن ما هذا مطرداً ولا قياساً بإجماع اللغويين، ولذلك لا يُسمَّى الله لابِناً وتامِراً مع ورود اللغة بكذلك في من يَملِك اللبن، والتَّمر، ولذلك لا يُسمَّى حجَّاراً ومُترباً لكونه خلق الحجار والتراب، ولا متحركاً ولا ساكناً لمثل

стр. 1693

ذلك، فدلَّ على أن مسألة الكلام مستقلةٌ بنفسها لا ينقل الكلام فيها إلى غيرها. وكذلك كل لفظية (١) لغوية، فإذا نظرنا في متكلمٍ لم نجد أهل اللغة يطلقونه على من قام الكلام بغيره. وكذلك نَسَبَ الله كلام الأعضاء يوم القيامة إليها حقيقةً (٢) لا إليه، وعلى كلام المعتزلة: هو له حقيقة ولها مجاز، وهذا نازلٌ (٣) جداً فإنه لا يحسُنُ أن يُستشهد بكلامه على مثل هذه الصفة، ولكنَّ اشتراط قيام (٤) المعنى المشتق منه بالفاعل في هذه المسألة، ليس مما عُلِمَ (٥) ضرورة من الدين حتى يكفر من أخطأ في ذلك قطعاً، ويُعَدَّ مُكَذِّباً لكلام الله، وللتأويل، وللشبهة في هذا مجال نعوذ بالله من الشُّبَه والضلال، ويُقَوِّي هذا المعنى أنهم إنما قصدوا المحافظة على تصديق قوله سبحانه: " ليس كمثله شيءٌ " ومن قصد المحافظة على تصديق بعض السمع، فتأوَّل بعضه لتصديق بعضه لم يُسَمَّ مُكذِّباً بما أوَّلَهُ، بخلاف القرامطة الذين تأوَّلوا السمعَ (٦) كُلَّه قاصدين لتبديله كلِّه، وتحريفه جميعه. وأما الوجه الثالث: وهو التكفير بمآل المذهب ، ويُسمَّى التكفير بالإلزام، فقد ذَهَبَ إليه كثيرٌ، وأنكره (٧) المحققون، منهم: محمد بن

стр. 1694

منصور الكوفي الشيعي العلامة، وألَّف في إنكاره كتاباً سمَّاه كتاب " الجملة والأُلفة " وحكى اختياره عن أكابر أئمَّة أهل البيت ﵈ وكبار المعتزلة، كما سيأتي بحروفه (١). ومنهم الشيخ تقيُّ الدين في شرح " العمدة " (٢)، والرازي، والغزالي في " التفرقة " (٣)، وغير واحد، وعليه مدار أكثر التكفير، وهو عندي في غايه الضعف لما تقدَّم من اشتراط القطع في التكفير عند المعتزلة والشيعة، وطوائف من الأمة، وهو كذلك في حقِّ من أراد القطع بالكفر. فإن قيل (٤): إنه ينزل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الظنِّ الراجح المستند إلى السمع الواضح، والعمل بالظن لا يمتنع إلاَّ بقاطعٍ، ولا قاطع (٥)، فالجواب أن ذلك الظنَّ غير حاصلٍ أيضاً لوجوهٍ. الوجه الأول: أن التكفير بالإلزام، ومآل المذهب رأيٌ محضٌ لم يرد به السمعُ لا تواتُراً، ولا آحاداً (٦) ولا إجماعاً، والفرض أن أدلة التكفير والتفسيق لا تكون إلاَّ سمعيةً، فانهدَّت القاعدة، وبَقِيَ التكفير به (٧) على غير أساس.

стр. 1695

الوجه الثاني: لو سلَّمنا أنه دلَّ على ذلك دليلٌ سمعي خَفِي لكان معارضاً بما هو أوضح منه مما تقدمت الإشارة إليه في المنع من تكفير مُثبتي الصفات، وذلك ما ورد من النصوص المجمع على صحتها من أن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، إلى آخر الحديث (١)، وأمثاله، وشواهده. الوجه الثالث: إنا نعلم بالضرورة منهم ضِدَّ ما ألزموهم ، فكيف يصح لنا أن نُلزمهم التكذيب، ونحن نعلم منهم التصديق؟! فهذا الإلزام إن لم يوجب العلم لم يُعارِض علمنا بتصديقهم، ولا يصِحُّ أن نوجب العلم، لأن علمنا بتصديقهم ضروريٌّ، والعلوم (٢) لا تعارض (٣). الوجه الرابع: أنا لو كفرنا بذلك لأمكن المعتزلة، والشيعة، والظاهرية تكفير من لم يقُل بحدوث القرآن لتأويله لقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ [هود: ١٧] ونحو ذلك. الوجه الخامس: أن النصوص قد تواترت بمروق الخوارج ، ومع ذلك، فما كفَّرهم كثيرٌ من أهل السنة. وادعى الخطابي في " معالم السُّنن " الإجماع على عَدَمِ كفرهم، وجاءت أحاديث تدلُّ على ذلك، من ذلك: حديث أبي سعيدٍ الثابت في " الصحيحين " في قول عبد الله بن ذي الخُويصرة: اعْدِلْ يا رسول

стр. 1696

الله! فقال: " ويلُك، ومن يعدلُ إذا لم أعدِلْ؟ فقال عمر ﵁: ائذن لي فأضربُ عُنُقه! فقال: " دعه، فإن له أصحاباً يحقِرُ أحدُكُم صلاته مع صلاتِهِم " (١) الحديث. ومن ذلك ما رواه أبو القاسم البغوي، عن عليِّ بن الجعد، عن شريكٍ القاضي، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تحيى، قال: صلَّى عليٌّ ﵇ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه عليٌّ في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (٢). الوجه السادس: ما جاء في المتأوِّلين من قوله تعالى (٣): ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ربنا لا تُؤاخِذنَا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وحديث: " رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهُوا عليه " (٤)، ولا شكَّ أن ترك التكفير أسلم، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العُقوبة. الوجه السابع: أنه قد ورد من الأدلة السمعية ما يُعارضُ ذلك الظن لكفر أهل التأويل مما هو أرجح منه (٥)، وذلك مثلُ حديث أنسٍ، قال:

стр. 1697

قال رسول الله ﵌: " ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمن قال: لا إله إلاَّ الله، لا نُكفِّرُهُ بذنب، ولا نُخرِجُهُ من الإسلام بعَمَلٍ، والجهاد ماضٍ منذُ بعثني الله إلى أن تقاتل آخرُ أمتي الدَّجَّال، لا يُبطلُهُ جورُ جائرٍ؛ والإيمان بالأقدار " (١) رواه أبو داود (١)، وحكاه أحمد في رواية ابنه (٢) عبد الله. فالظن الحاصل بهذا وما في معناه من الحديث أقوى من ظنِّ التكفير المستند إلى القياس. وقد صنَّف العلامة أبو محمد بن حزم الفارسي (٣) مصنَّفاً حافلاً في المنع من تكفير أهل القِبلَة، وعقد البخاري باباً في " صحيحه " في ذلك (٤)، وقد بسطتُ هذا في غير هذا الموضع في هذا الكتاب، والله الهادي وله الحمد والمنة. وأما قول من يقولُ: ما الفرق بين الخلق، والجعل، والحُدُوث حتى كفَّر أحمد بن حنبل وغيرُه من قال بخلق القرآن، ولم يُكفِّرُوا من قال بحدوثه من الظاهرية؟ فالفرق: أن من قال: بخلق القرآن (٥)، إنَّما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم أنه مستحيل (٦) على الله تعالى أن يكون متكلِّماً على الحقيقة كما

стр. 1698

تقدَّم، وذلك عند المكفِّرين لهم يقتضي ردَّ القرآن المعلوم، وتكذيبه، أو يؤول إلى ردِّه وتكذيبه بخلاف قول الظاهرية بحدوث القرآن وجعله، فإنهم لم يُخالفوا في كون الله تعالى متكلِّماً على الحقيقة، وإنما قالوا ما قالوه لقوله تعالى: ﴿ومن قبله كتابُ موسى﴾ [هود: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكرٍ من ربِّهم مُحدثٍ إلاَّ استمعوه وهم يلعبون﴾ (١) [الأنبياء: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. فقوله (٢): ﴿مُحْدَثٍ﴾ نكرة في سياقِ النفي، وذلك يُفيد العموم، والقرآن ذِكرٌ بدليل قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠]. واحتجُّوا -أيضاً- بما في فِطَرِ العقول من حدوثِ الأصوات، والحروف المتعاقبة؛ فإنها حجة عقلية ضرورية، وأهل السنة والظاهرية، وإن بعُدُوا من المباحث الكلامية، وبدعوا من خاض فيها، فإنهم (٣) يعنون ما دقَّ الأمر فيه (٤)، ولم يُؤمنْ أن يجُرَّ إلى بدعةٍ، وأما ما كان جلياً، فلا يمنعون من الاحتجاج به، فإنه لا بد من ذلك، ولولا ذلك، ما عرفنا صدق الأنبياء، كما أن المجنون لا يعلم صدق الأنبياء بالسمع. ولهذا تكلم البخاري، ومسلم، والبيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " في مسألة اللفظ بالقرآن والتلاوة له، كما قرر ذلك الذهبي. وصنف البخاري في أن اللفظ مخلوق كتاب " أفعال العباد " (٥) مع

стр. 1699

إمامته، وجلالته، ومبالغته في النَّهي عنِ البدع. وذكر البيهقي في " الأسماء والصفات " (١): اتفاق أهل السنة على ذلك في المعنى، وأن المخالف فيه إنما أساء العبارة. هذا أو (٢) معناه، وقاله الغزالي في أول كتاب " الاقتصاد في الاعتقاد " (٣) وقد ذكر أهل الذَّكاء والفطنة من أهل (٤) البدع في الفرقة الرابعة ما لفظه -مع اختصار-: فهؤلاء يجب التَّلطُّف بهم في استمالتهم إلى الحقِّ، لا في معرِض اللَّجاج والتَّعصبُّ، فإن ذلك يُهيِجُ بواعث التمادي والإصرار، وأكثر الجهالات إنما رسخت بتعصُّبِ جماعةٍ من أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين النَّحس والإزراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة، وتعسَّر على العلماء المتلطفين (٥) محوها، حتى انتهى التعصُّب بطائفةٍ إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد، والتَّعصُّب. لما وُجِد (٦) مثلُ هذا الاعتقاد مستقرَّاً (٧) في قلب مجنون، فضلاً عن قلب عاقل. وقال الغزالي في " القدسية ": ومن لم يعقله عقلُه، ولا نَهاه نُهاهُ عن أن يقول: لساني حادثٌ، ولكن ما يحدُثُ فيه بقدرتي (٨) الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك، وكُفَّ عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم

стр. 1700

عبارةٌ عمَّا ليس قبلهُ شيءٌ، وأنَّ الباء قبل السين في قوله: بسم الله، فلا يكون السِّين المتأخِّرُ عن الباء قديماً، فنزِّه عن الالتفات إليه قلبك. انتهى. وقد بالغ الذهبي في قُوَّة هذا مع مبالغته في النهي عن الكلام، لكن ليس من نهى عن علم الكلام، فقد نهى عن فِطَرِ العقول، كما قدمتُ في عقيدة أهل السنة، وإنما كرهوا الخوض فيما لا يُعلمُ، كما روى البيهقي في " الأسماء والصفات " (١) في هذه المسألة، عن الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرَّازي، أنه أُخْبِرَ بما جرى بنيسابور بين (٢) ابن خُزيمة وأصحابه، فقال: ما له والكلام، إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم (٣) نتعلَّمْهُ. وكذا روى البيهقي (٤)، عن ابن خزيمة: أنه خرج يوماً، فقال لمنصورٍ الصَّيدلاني: ما صنعتك؟ قال: عطَّارٌ، قال: أتحسن (٥) صنعة الأساكفة؟ قال: لا، قال: أتحسن (٥) صنعة النَّجَّارين؟ قال: لا، فقال: إذا كان العطَّارُ لا يحسن غير ما هو فيه، فما تُنكِرون على فقيهٍ، راوي حديثٍ أنه لا يحسن الكلام. انتهى. قلت: لا نَكارة عليه في عدم حِذْقِ الجدليين، ولكن عليه أن يتأدب بقوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ويصنع كما صنع الإمام أحمد يوم المحنة، فإن المتكلمين كانوا إذا راجعوه بعلمهم، قال: هذا شيءٌ لا أعرفه، ولا أدري ما هو، وإذا راجعوه بشيءٍ من كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله ﵌ خاضَ معهم خوض العارفين، فكذلك فليكن السَّنِّيُّ.

стр. 1701

وأما الهجوم على الجزم باعتقاد أحد الأقوال في مسائل الخلاف النَّظريَّة من غير نصٍّ من كتاب الله تعالى، ولا سنَّةٍ (١) صحيحةٍ من مُحَدِّثٍ جامد، فيُعَرَّض للخزي في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة. فإيَّاك أيُّها السُّنِّيُّ، وطول اللجاج، وشِدَّة الشَّكيمة في مسألة اللفظ (٢)، وفي مسألة الحدوث، وفي مسألة القِدَمِ، واقتصر على أن القرآن كلامُ الله حقيقةً، وأنه كلَّم موسى ﵇، وكلَّم من شاء من أنبيائه، كما قال: منهم من كلم الله [البقرة: ٢٥٣] مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيءٌ، وسمِّ القرآن بما سمَّاه الله تعالى من الأسماء الشريفة، وكِلْ حُكْمَ من تعدِّى ذلك من المختلفين إلى الله تعالى. فإن قلت: ما الذي مَنَعَ أحمد بن حنبل وغيره من أهلِ الحديث من مُوافقةِ الظاهريَّة على حدوث القرآن مع أنه ظاهر الآيات، ومع أنه (٣) لا يقتضي ردَّ قوله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ مُوسى تكليماً﴾ وأمثالها، ومع كونهم لا يرون (٤) تأويل الظواهر بالرأي، والتمحُّل (٥) البعيد بغير موجبٍ؟ قلت: الذي فهمته مِنْ تكرارِ النظر في عباراتهم ومقاصدهم أحد وجهين، أو كلاهما: الوجه الأول: أنهم رأوا للحدوث معنيين: حدوثاً نسبيّاً، وحدوثاً مُطلقاً ، فالحدوث النسبي (٦) بالنظر إلى نزوله، ومجيء رسول الله ﵌، وجبريل ﵇، كقوله تعالى: ﴿إنَّه لَقَوْلُ

стр. 1702

رسولٍ كريمٍ﴾ [التكوير: ١٩] أي حكايته، والمَحكِيُّ كلام الله لقوله: ﴿حتَّى يسمَعَ كلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]. والحدوث المطلق حدوثُ ذاته، فتركوا الخوض في حدوث الذات لما اختلف أهل الكلام في حقيقة ذات الكلام، هل هي (١) الصوت المقطع حروفاً مفهومةً؟ أو هي المعنى الذي في النفس الذي جعل اللفظ عبارةً عنه؟ فلمَّا شوَّش أهل الكلام عليهم معرفة الذات، ورأوا الحدوث النِّسبي صحيحاً بالإجماع والنص، اقتصروا على موضع الإجماع مع لطيفة نظرية (٢)، وهي أن البلاغة تقتضي أن لا يَرِدَ اللفظ البليغ إلاَّ لإفادة معنى مُهِمٍّ أو خفيٍّ، أو ردٍّ على خصمٍ، ولا يَرِدُ بتعريف المعرَّفات، وكان حدوث الأصوات معلوماً في عهد (٣) رسول الله ﷺ ، ولم يكن يومئذٍ من يعتقِدُ قِدَمَ الأصوات فيعرف حدوثها، أعني القدم الاصطلاحيَّ الذي معناه نفيُ الأوَّليَّة، ولا مجرَّدُ الحدوث صفة مدحٍ، فيُمدحُ به القرآن، كما مُدِحَ بكونه ضياءً وشفاءً، وهدىً، ونُوراً، فلا بُدَّ من وجه لذكره، وأقربُ ما يكون أن (٤) ذكر حُدوثه ردّاً لقول المشركين: إنَّه إفكٌ قديمٌ، وإنه أساطير الأولين، فقُوبل الإفك بالذكر، والقديمُ بالمحدث. فكان المراد بهذا الحدوث نقيضَ القِدَم (٥) الذي أراده المشركون، ولا شكَّ أنهم أرادوا أنه أساطير الأولين اكتتبها (٦) كما صرح به القرآن (٧) لا القِدم الاصطلاحي، فكان المراد بهذا الحدوث هو حدوث نزوله ومجيئه مِنْ

стр. 1703

عند الله تعالى في زمن (١) رسول الله ﷺ دون من تقدمه من الرسل. وحدوثه بهذا المعنى هو الحدوثُ النسبي المُجمَعُ على صحته، وفيه مع ذلك تشريفٌ لرسول الله ﵌، حين (٢) كان هو المختصَّ بالمجيء به، وتبرئةٌ (٣) له مما رَمَوْهُ به من اكتتاب أساطير الأوَّلين، واستراق محاسن المتقدِّمين، وهذا بيِّنٌ في سورةٍ الأحقاف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ [الأحقاف: ١١ - ١٢]، فقابل (٤) وصفهم له بالقِدَم بتقديم (٥) كتاب موسى عليه، وبالإفك بتصديقه كتاب موسى الذي استقرَّ أنه إمامٌ ورحمةٌ، فرأوا الاقتصار على تفسيره بهذا أسلم، وإن كان غيره أعلم، لكنه (٦) على تسليم هذا وصحَّته لا يمنع (٧) من وصفه بالحدوث المطلق، أقصى ما فيه، أن يكون حدوث نزوله (٨)، ومجيئه هو مدلول المطابقة، وهو اللُّغويُّ الوضعي، وحدوث ذاته هو مدلول الالتزام، وهو الذهني العقلي كما هو مذكور في علم المعاني والبيان، وعلم أصول الفقه، لكنه شوَّش هذا عليهم سماعهم شدَّة اختلاف المتكلمين في حقيقة ذات الكلام، كما قدمته، حتى قال شيخ الاعتزال أبو علي الجُبَّائي: إن كلام الله تعالى باقٍ (٩) لا يجوز أن

стр. 1704

يَفنى، وأنه يحُلُّ في الخطِّ المكتوب، ويظهر مع الصَّوت، وهو غير الصوت. حكى هذا (١) عنه الشيخ ابن مثَّوَيه في كتابه " التَّذكرة ". فقد وافق أبو عليٍّ الأشعرية على تفسير كلام الله تعالى بأنه غير الصوت المسموع، فلما دق النظر في باب (٢) الكلام تركه المحدثون على عادتهم في ترك أمثاله، وتركوا ما يترتَّب عليه، وإن كان الأمر في هذا قريباً (٣)، ورأوا الحزم البُعد من مواضع التَّكفير، وإن نُسِبُوا في ذلك إلى الجهل فقد قيل: إن طريقة السلف، أسلَمُ، وطريقة الخلف أعلم، فالسعي في السلامة أولى من دعوى العلم، ومسألة الكلام (٤) سهلة، ولكن هوَّلها المتكلِّمون بتجاسُرهم على تكفير المخالف فيها. فالله المستعان. وقد عوَّل البيهقي في " الأسماء والصفات " على هذا المعنى، وحام عليه ولم يقع، ولم تخلُص (٥) له تلك النُّكتة اللَّطيفة في وجه ذِكْرِ حدوث القرآن، وسبب وروده فقال البيهقي (٦): المراد بالذِّكر المُحْدَثِ ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، كل ذلك مُحْدَثٌ، والمذكور المتلوُّ المعلوم غير مُحْدَثٍ، كما أن ذِكْرَ العبد لله تعالى مُحْدَثٌ، والمذكور -سبحانه- غير مُحْدَثٍ.

стр. 1705

وقال أيضاً: وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١]، يريد (١) والله أعلم: أنا أسمعناه (٢) المَلَكَ، وأنزلنا الملك بما سمع. وقوله: ﴿إنا نحنُ نزَّلنا الذكرَ وإنا لهُ لَحَافظون﴾ [الحجر: ٩] يريد حفظ رسومه وتلاوته. قلت: تأويل النزول لازمٌ على مذهب المعتزلة، لأن العَرَضَ عندهم لا يُوصف بالنزول وحده، ولا بُدَّ أن يحُلَّ في جسم، وهو (٣) فيه، هذا في الأعراض الباقية، كالألوان، وأما الكلام عندهم (٤)، فإنه يزول في الوقت الثاني إلاَّ أبا عليٍّ الجُبَّائي، فإنه يقول ببقائه كما تقدم. ويأتي في كلام الإمام الحسن بن يحيى بن الحسن (٥) بن زيد بن عليٍّ ﵈ نحو كلام البيهقيِّ هذا (٦)، فإنه ذكر أن القرآن مُحدَثٌ، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿ما يأتِيهِمْ مِنْ ذِكرٍ من ربِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، فأحدث في قلوب العباد بالرُّسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعلمون. انتهى بحروفه، والله أعلم بمراده. قال البيهقيُّ: وأما الإنزال بمعنى الخلق، فغيرُ معقولٍ (٧). قلت: صحيحٌ، ولكن تحقيقه ما ذكرته في مسألة الأفعال من أن الخلق لا يُطلق على كل فعلٍ، وهو قول البغدادية. وقد أوضحتُ الدليل

стр. 1706

عليه في موضعه مِنْ مسألة أفعال العباد في هذا الكتاب، وهذا يدل على موافقة البيهقي لما اخترتُه هنالك؛ لأن الإنزال فعل الله بغير شك، ومع هذا اعترف (١) البيهقي أنه لا يُسمى خلقاً في اللغة. وقال البيهقي (٢) في قوله تعالى: ﴿إنَّا جعلناهُ قُرآناً عربياً﴾ [الزخرف: ٣]: أي (٣): سميناه، كقوله: ﴿وجَعَلُوا الملائكة الذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحمن إناثاً﴾ [الزخرف: ١٩]، أي: سموهم، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] إلى قول البيهقي: وأما النسخ، والإنساء والنسيان، والإذهاب، والترك، والتبعيض، فكلُّ ذلك راجعٌ إلى التلاوة والحُكم المأمور به (٤). واحتجَّ البيهقيُّ على القِدَمِ، بقوله تعالى: ﴿لله الأمرُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤] قال: وظاهره (٥) يدل على أن أمره قبل كلِّ شيءٍ، وهو معنى القديم، وبقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وبقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، قال: فأخبر أنه كان موجوداً مكتوباً قبل الحاجة إليه (٦) في أمِّ الكتاب، وبقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، فأخبر أنه كان في اللوح المحفوظ، يريد مكتوباً فيه، وذلك قبل الحاجة إليه، وإذا ثبت أنه كان موجوداً قبل الحاجة إليه،

стр. 1707

ثبت أنه لم يزلْ (١). قلت: هذا يصلحُ حُجَّةً على المعتزلة الذين يمنعون ثُبوته قبل الحاجة إليه (٢)، أما من مَنَعَ القِدَمَ، كقدماء أهل السنة، والظاهرية والواقفية - لم يصلح هذا حجة عليه، وكلامه يُشعِرَ بتفسير الأمر في قوله ﴿لله الأمرُ﴾ بقول الله: ﴿أقيموا الصَّلاة﴾ ونحوه، وليس كذلك، وإنما الأمر هنا مثله في قول القائل: إن صاحب الأمر فلانٌ، أي صاحب الحلِّ والعقد، وهو قريبٌ من معنى الملك. واحتج البيهقي بقوله تعالى: ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فجعل الخلق مسخراً بالأمر، وبقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فإن أراد البيهقي الاحتجاج على قدم اللفظ، وعلى من لا يقول به من المعتزلة، وأهل السنة - كالبخاري ومسلمٍ، فضعيفٌ، خصوصاً مع مراعاة القطع بذلك، ولا سيّما متى عُورِضَ بأدلة الحدوث العقلية والسمعية، وقد ذكر الغزاليُّ أنه ضروري -أعني: حدوث اللَّفظ كما تقدم- وعبَّر عن ذلك بأحسن عبارةٍ وأجلاها. وإن أراد البيهقي قِدَمَ الكلام النفسي، فالخوض فيه من بدَع عِلمِ الكلام، ولا يليق بالسُّنِّيِّ الخوض فيما لا يعرفه كما سيأتي، وكما مضى، مع أن الخلاف فيه يرجِعُ إلى العبارة، فإن المعتزلة لم تنكره، وإنما قالوا (٣): المرجع به إلى العلم، أو إلى الإراده، والله سبحانه عالم في القِدَمِ بالاتفاق، وهو مريدٌ عند الجمهور من المعتزلة، وعند

стр. 1708

الأشعرية، لكنهم يختلفون في إرادته: هل تُوصَفُ بالقِدَم؟ وليس في السمع فيها نصٌّ قاطعٌ، والخوض في أسماء الله تعالى، ونعوت جلاله بالرأي مما لا يرتضيه أهل السنة، ولا مُلجىء إلى ذلك. وقد استوفيت كلام البيهقي للإفادة، وخرجتُ عن المقصود الأول، وهو ذِكْرُ الوجه في ترك كثيرٍ من أهل الحديث للقول بحدوث ذات القرآن. الوجه الثاني: أنهم لما رأوا القول بخلقه شعار المعتزلة المنكرين لصحة الكلام من الله تعالى، رأوا لفظ الحدوث يقارب لفظ الخلق ويُوهِمُه ، وإن كان لفظ الحدوث صحيحاً في نفسه عند النظر المميز بينهما، بدليل أنه امتنع مِنْ وصف القرآن بالحدوث من لم يَصِفْهُ بالقدم، كأحمد بن حنبل، وأهل الجمود على ما نقله الذهبي عنهم، وعن أحمد في ترجمة أحمد من " النبلاء "، وكذا نقل هنالك عن قدماء أهل السنة أنهم لم يَصِفُوا القرآن بأنه قديمٌ، كما لم يصفوه بأنه مخلوقٌ، واختار ذلك لنفسه. وأما الأشعرية، فلم يصفوا (١) اللفظ بالقِدَمِ قطُّ، ونسبوا من وصفه بالقدم إلى الجهل الفاحش، وجحد الضرورة، كما تقدم في كلام الغزالي، وإنما قالوا بِقِدَم الكلام النفسي، والآية ليست من الكلام النفسي في شيءٍ، فإنه لا يُوصف بالإتيان. فدلَّ على أن منعهم مِنْ وصف القرآن بالحدوث مع اعتقادهم

стр. 1709

لحدوث اللفظ، لأنه قد صار في عُرفهم في ذلك العصر يفيد معنى محظوراً عندهم، أو يُوهِمه، أو يجري عليه، وقد يُنهى (١) عن اللفظ الصحيح لمثل ذلك، كما قال تعالى: ﴿لا تقولوا رَاعِنَا وقُولوا انظُرنا﴾ (٢) [البقرة: ١٠٤] فمنع مِن قولهم: ﴿رَاعِنا﴾ وهو لفظٌ صحيح المعنى لما تعلَّقت به مفسدةٌ يسيرةٌ، فكيف (٣) بما نحن فيه؟! وقد صحَّ، أو تواتر، النهيُ عن أن يقول المسلم: نسيت آية كذا، بل هو أُنسِيَها لنحو ذلك (٤)، وكل هذا صحيحٌ صريحٌ في منع بعض

стр. 1710

العبارات الصحيحة لِمَانِعٍ يقترِنُ بها. وهذا أقوى من الوجه الأول، وقوّته توقَّفُ على قُوَّة هذه العِلَّة، وهي خوفُ المفسدة التي هي ظنُّ السامع في المتكلِّم أنه يعتقد أن الله غير قادرٍ على أن يتكلَّم، أو يكلِّمَ أحداً في الدنيا والآخرة. وهذا أمرٌ يختلف بحسب اختلاف العرف بحسب البلدان والأزمان، وهو أظهرُ في مقاصدهم، كما أنه ظهر هذا المعنى مِن أحمد وغيره في منعهم ممَّا أجازه البخاري ومسلم وغيرهما، من قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، ولم يمنعوا من ذلك شكّاً في قِدَمِهِ، فقد منعوا أيضاً من قول القائل: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ، ونصوا على المنع منهما، كما رواه البيهقيُّ في " الأسماء والصفات " (١) عن أحمد بن حنبل، والذهبي في " النُّبلاء " في ترجمة أحمد بن حنبل عنه أيضاً. قال البيهقي (٢). وقد تكَّلم محمد بن مسلم (٣) الطوسي في ذلك بعبارة رَدِيَّة، يعني: توهم قِدَمَ صوت القارىء، قال: وأخذه منه (٤) ابن خزيمة، قال: وعندي أن مرادهم نفي الخلق عن المتلوِّ، لكن لم يُحْسِنُوا العبارة، ولا تلخص (٥) لهم الفرق بين التلاوة والمتلوِّ -إلى قوله (٦): - وقد رجع محمد بن

стр. 1711

إسحاق، يعني: ابن خزيمة - إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال. قلت: وهو يدل على ما قال البيهقي: أنهم أخطؤوا في العبارة، فمن بان له منهم معناها (١)، رجع عنه؛ لأنه خلافُ الضرورة، فلا يُخالِف فيه بعد معرفة معناه (٢) عاقلٌ، أما المتأوِّل، فظاهرٌ، وأما غيره، فلما يعرف مِنَ الاستهزاء به، فأمَّا الأئمة الذين نهوا عن ذلك وضده -كأحمد بن حنبل، وإضرابه- فإنما (٣) نهوا عنه كراهيةً لما يُلبِسُ على عوامِّ المسلمين، ويُضارع ألفاظ أهل البدع، ويتولَّد منه المِراء والتشويش. فإن قيل: ما يقول أهل السُّنة في قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شيءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فقد احتجت به (٤) المعتزلة على خلق القرآن، لأنه شيءٌ. قلنا: يقولون: إن عمومها مخصوصٌ بإجماع الفريقين . أمَّا المعتزلة ، فيُخرجون منها جميع أفعال العباد، وجميع الذوات الثابتة عندهم في حال العدم، بل قد ألزمهم أهل السنة أن الله -على مذهبهم- ما خلق شيئاً قطُّ، لأن قدرته -عندهم- لا تَعلَّقُ بالذَّوات، وإنما يُكسب (٥) الذوات صفة الوجود، وصفة الوجود التي هي أثَرُ قدرته ليست بشيءٍ عندهم (٦) كما سيأتي (٧) محقَّقاً في مسألة أفعال العباد من هذا الكتاب.

стр. 1712

وأما أهل السنة، فمعنى الآية عندهم: أن الله تعالى خالقُ كلِّ شيء من عالم الخلق، لا من عالم الأمر، فإنه لا يُسمَّى مخلوقاً، لقوله تعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وهي أبينُ آيةٍ في هذا، لأنه قسَّم المسميات فيها إلى قسمين مختلفين متغايرين: أحدهما: الخلق، وهو أخصُّهما، ولذلك قدَّمه. وثانيهما: الأمر، وهو أعمُّهما، ولذلك أخره؛ لأن الخلق نوع من جنس الأمر يدخل تحته، بدليل قوله تعالى: ﴿وإليه يَرْجِعُ الأمرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، فدخل فيه الخلق والأمر، ولذلك قال : ﴿إنما أمرُه إذا أراد شيئاً أن يقُولَ لَهُ كُنْ فيكُوْنُ﴾ [يس: ٨٢]، فلو كانت " كُنْ " مخلوقةً من جملة عالم الخلق، ما كانت (١) سبباً لخلق المخلوقات، ولكانت محتاجةً إلى أن يُقال لها (٢) ذلك، ويؤدي (٣) إلى التسلسل. وسيأتي في مسألة خلق الأفعال أنه لم يَرِدْ في اللغة تسمية (٤) كلِّ شيءٍ مخلوقاً، وإن كان الخلق والأمر كلاهما لله تعالى، فَلِكُلِّ واحد منهما اسمٌ يخصه. ومن هنا اختصَّ الوعيد بالمصوِّرين المتعرِّضين لما سمَّى (٥) خلقاً، وقيل لهم: " فليخلُقُوا حبةً أو شعيرةً " وقال ﵌:

стр. 1713

" أشدُّ الناسِ عذاباً يوم القيامة الذين يُضَاهُونَ بخلقِ الله "، وفي حديثٍ: " الذين يُشبِّهون بخلق الله " (١)، ولم يدخل في هذا الكلام؛ لأنه لا يُسمَّى مخلوقاً، ولا يقال يوم القيامة: اخلقُوا كلاماً، ولا يقول أهل اللغة: خلقتُ كلاماً، ولا أمراً، ولا نهياً إلاَّ الخلق الذي بمعنى الكذب، وليس من هذا في شيءٍ، فثبت أن كلام الله من أمر الله، لا من خلقه. فإن قيل: هذا الكلامُ (٢) خلاف إجماع (٣) أهل البيت ﵈، لأنهم قد أجمعوا على أنه مخلوقٌ، فصرَّحوا بذلك، وردُّوا على من ادَّعى خلافه. فالجواب: أنَّ هذا غير صحيحٍ على (٤) الإطلاق؛ لأن أهل البيت ﵈ متقدِّمون ومتأخرون. فأما الصدر الأول من المتقدمين، فمنهم من صرَّح بمثل مذهب أهل الأثر، ومنهم من لم يُنقل عنه في ذلك نفيٌ ولا إثباث. وأما المتأخرون منهم، فقد صار في كل فرقةٍ، وقُطر مِنْ فِرَقِ الإسلام وأقطاره منهم طائفةٌ فيهم العلم ووراثة النبوة، كما يعرف ذلك من طالع تواريخ الرجال. وقد تقدم في هذا الكتاب طرفٌ صالحٌ من ذكر

стр. 1714

بعضهم في الكلام على سُهولة الاجتهاد وتعسُّره، وتقدم كلام الإمامين (١) المنصور بالله، والمؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵉ في تعذُّر معرفة إجماعهم، على أن الإجماع بعد الخلاف -لا سيما الكثير- لا يصح، كما هو مقرَّرٌ في الأصول. وأنا أُورد ما يُثْلِج الصَّدر، ويقطع الرَّيب في ذلك من نصوصهم من كتبهم الشهيرة الموجودة في خزائن أئمتهم ﵈. فأقول (٢): قال السيد الشريف الإمام أبو عبد الله، محمّد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن عبد الرحمن العلوي الحسني في المجلد السادس مِن تأليفه المسمَّى " بالجامع الكافي في فقه الزيدية " ما لفظه: الكلام في خلق القرآن، قال محمد، يعني: ابن منصور الكوفيّ الشّيعي محبّ أهل البيت، وراوية مذاهبهم (٣) في كتاب أحمد: ذاكرت عبد الله بن موسى قول من يقول: القرآنُ مخلوقٌ، فقلت: أدركت (٤) أحداً من أبائِك يقول به؟ قال: لا. قال محمد: وكان عبد الله يكره الكلام فيه، وفي غيره (٥)، مِمَّا أحدث الناس، وكان عبد الله إذا ذُكِرَ له رجلٌ ممن يتكلم فيما أحدث الناس من الكلام، قال: اللهم أمتنا على الإسلام ويُمْسِكُ. قال محمد في كتاب " الجملة ": رأيت أحمد بن عيسى يترحَّمُ (٦)

стр. 1715

على من يقول بخلق القرآن، ومن لا يقول به، وكان عنده (١) الأخذ بالجمل (٢) محمودٌ (٣)، وترك ما فيه الفرقة، وهو عنده الاتِّباع للسلف. قال محمد: حدثني عليُّ بن أحمد الباهلي، أنه ذاكر (٤) أحمد بن عيسى اختلاف الناس في خلق القرآن، فقال أحمد: كلا الفرقتين (٥) مخطئة في إقدام بعضهم على بعض بالبراءة. وقال أحمد، فيما حدثنا علي، عن ابن هارون، عن سعدان، عن محمد، عنه، وذكر اختلاف الناس، وتفرُّقهم في الدِّين، فقال: إني لخائفٌ على إمام لو قام (٦)، فإنه إن ذهب، توهّم (٧) كلّ فرقةٍ أنهم على حق (٨)، كان أول من يُهْلِكُ نفسه، وإن صار إلى فرقةٍ، أفسد الباقين (٩) على نفسه. وأخبرنا محمد بن علي بن أبي الجرَّاح، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا (١٠) إسحاق بن محمد، قال: حدثني حمدان (١١) بن علي بن أيوب، قال: أخبرني بنين العطار، قال: قدم رجل كان يقدَمُ على

стр. 1716

أحمد بن عيسى من أصحاب الكلام فيُناظره (١)، قال: فقدم البصرة، وهو مريض، فقمتُ عليه، فلم يزل عندي حتى مات، فكتبتُ إلى أحمد بن عيسى، أنه قَدِمَ عليَّ (٢) فلانٌ، وأنه لم يزل عندي عليلاً حتى مات، وكنت أفعل به، وأفعل (٣) حتى مات (٤) ﵀، وغفر له، ورضي عنه. فكتب إليَّ أحمد: أمَّا قولك: إنِّي قمتُ عليه وفعلتُ به، فلعمري إنَّ هذا يجب، وأمَّا قولك: ﵀، ورضي عنه، وغفر له، فإنما أردت بذلك تُرضيني أن الرجل كان يلقاني فيُناظرُني، وكنت أملُّه، فلمَّا مات، انقطعت عصمتُه. قال: وكان الرجل يقول: القرآنَ مخلوقٌ. قال الحسنيُّ (٥): حدثنا أبو حازم محمد بن علي الوشَّاء، قال: حدثنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا (٦) عليّ بن الحسين بن كعب، قال: حدثنا يحيى بن حسن بن فرات، ومحمد بن جميل (٧)، ومحمد بن راشد، قالوا: سألنا عبد الله بن موسى بن عبد الله (٨)، فقلنا له: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: مَنْ زعم أنَّ القرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ، لأن الله يقول (٩): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ

стр. 1717

الله﴾ [التوبة: ٦]. حدثنا محمد بن جعفر بن النجار، وأبو طالب بن (١) الصباغ، وزيد بن مصاية (٢)، عن علي بن عبد الرحمن بن ماتي، عن علي بن الحسين بن كعب بمثله. حدثنا ميمون بن حميد، قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبيد بن كثير، قال: حدثنا عبَّاد بن يعقوب، ويحيى بن حسن بن فرات، قالا: سمعنا عبد الله بن موسى بن عبد الله، يقول: القرآن (٣) كلام الله ليس بمخلوق. حدثنا الحسين بن محمد البجلي (٤) المقرىء، قال: حدثنا عليُّ بن بشير بن يعقوب، قال: حدثنا سعدان بن محمد بن سعدان، قال: سمعت الحسين بن الحكم بن مسلم يحدِّثُ أن القاسم كتب إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله (٥) بن الحسن، يسأله عن القرآن، فكتب إليه عبد الله: نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعةٌ، اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلَّف المجيبُ ما ليس عليه، فانتَهِ بنفسك (٦) والمختلفون في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكُن (٧) من المهتدين، ولا تُسَمِّ القرآن بأسماءٍ من عندك، فتكون

стр. 1718

من الذين يلحدون في أسمائه، سيُجزون ما كانوا يعملون. حدثنا ميمون بن علي بن حميد، قال: أخبرنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفرٍ المقرىء، قال: حدثنا إبراهيم بن مبشِّر، قال: قلت لعبد الله بن موسى: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله وكتابه، فقلنا (١): إنَّ عندنا قوماً يقولون: مخلوق، ويقولون: من (٢) لم يقل: إنه مخلوقٌ فهو كافرٌ! قال: هم أولى بالكفر. وقال محمد في كتاب (٣) " الجملة ": وسألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ فقال: كلام الله ووحيُه وتنزيله، لا يجاوز هذا إلى غيره، وهكذا كان أسلافُنَا. قال محمد: وكان يقولُ بخلق القرآن، يُضمِرُ ذلك. وقال لي القاسم: يقال للذين يقولون: القرآنُ مخلوق (٤)، أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوق، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوقٌ، واجتزأ، مِنَ الخليقة أن قال لهم: مجعولٌ، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فلمَ لا تجتزئون مِنْ خلق الله بما اجتزأ (٥) الله به لخلقه؟ قال محمد: وذلك حثٌّ منه على القول بالجمل وترك الاختلاف والفرقة. حدثنا ميمون بن حميد، عن إسحاق بن محمد التَّمَّار، عن قاسم بن عبيد، عن بنين بن إبراهيم، قال: قلت للقاسم (٦) بن إبراهيم:

стр. 1719

قال لي ابن منصور عنك: إنَّك قلت: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فقدِ ابتدع، فقال (١): نعم هما بدعتان، لم يبلغنا أنهم قالوا: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، ولكنا نقول: كلام الله ووحيه. حدثنا الحسن بن أحمد بن القطان، قال: حدثنا زيد بن محمد بن أبي اليابس، قال: حدثنا قاسم بن عُبيد، قال: حدثنا أحمد بن سلام، قال: سألت: القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ وأخبرته بما رُوِيَ عن زيد بن علي: إنَّا لا نُشَبِّهُ بالله أحداً، ولا نقول لكلام الله مخلوقٌ. فقال (٢): هكذا أقول (٣). وقال محمد: حدثنا أبو الطاهر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب (٤) عن الزُّهري، عن علي بن الحسين، أنه سُئِلَ عن القرآن، فقال: كلام الله وكتابه (٥)، لا أقول غير ذلك. وحدثني حربُ بن حسن الطَّحَّان، عن أحمد بن مفضل، عن معاوية بن عمَّار، قال: سألتُ جعفرَ بن محمدٍ عن القرآن: خالق أو مخلوقٌ؟ قال (٦): لا خالقٌ ولا مخلوقٌ، ولكنه (٧) كلام الخالق.

стр. 1720

وقال محمد في كتابه (١) " الجملة "، وذكر اختلاف الناس وإكفار بعضهم بعضاً، وإقدامَ بعضهم على بعضٍ بالبراءة والتَّضليل، فقال: رأيتُ المتفرِّقين، وعاشرتُ المختلفين في المقالات من الخاصَّة والعامَّة من علماء آل الرَّسول، وأهل الفضل منهم، وغيرهم من أهل العلم والفضل مِنَ (٢) الشيعة الموجبين لإنكار المنكر وحياطة الدِّين، فما رأيتهم يُكَفِّرُ بعضُهم بعضاً، ولا يستحلُّون ذلك، ولا تبرَّأ بعضهم من بعضٍ، بل قد رأيتُ بعضهم يتولَّى بعضاً، ويترحَّم عليه بعد المعرفة منهم لمخالفة بعضهم لبعضٍ في المقالات، سمعت القاسم بن إبراهيم ذكر أخاه محمد بن إبراهيم، فقال: رحمة الله عليه ورضوانه، إنِّي لأرجو أن يكون له يوم القيامة موقفٌ يُغبطُ به، على أنه كان يقول بشيءٍ من التشبيه، وذلك عندهم أنه لا يقول بخلق القرآن، وكان يُكثِرُ التَّرحُّم عليه ما لا أُحصيه، ورثاه بأبياتٍ كتبتُها عنه. ومِنْ ذلك أن عبد الله بن موسى ذاكرته هذا الأمر، وذكرت له القاسم بن إبراهيم، فقال عبد الله: وددِتُ أنَّه فعل حتى أكون أوَّل من يضع يده في يدِه. قال عبدُ الله: وقد (٣) بلغني أنه يقول بخلق القرآن، ولم أسمع منه. قال محمد: وحضرتُ عبد الله بن موسى ﵇، وجماعة من أهل بيته مجتمعين عند القاسم بن إبراهيم في منزله، فتذاكروا هذا الأمر،
следующие страницы →