← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أحمد بن عيسى من أصحاب الكلام فيُناظره (١)، قال: فقدم البصرة، وهو مريض، فقمتُ عليه، فلم يزل عندي حتى مات، فكتبتُ إلى أحمد بن عيسى، أنه قَدِمَ عليَّ (٢) فلانٌ، وأنه لم يزل عندي عليلاً حتى مات، وكنت أفعل به، وأفعل (٣) حتى مات (٤) ﵀، وغفر له، ورضي عنه. فكتب إليَّ أحمد: أمَّا قولك: إنِّي قمتُ عليه وفعلتُ به، فلعمري إنَّ هذا يجب، وأمَّا قولك: ﵀، ورضي عنه، وغفر له، فإنما أردت بذلك تُرضيني أن الرجل كان يلقاني فيُناظرُني، وكنت أملُّه، فلمَّا مات، انقطعت عصمتُه. قال: وكان الرجل يقول: القرآنَ مخلوقٌ. قال الحسنيُّ (٥): حدثنا أبو حازم محمد بن علي الوشَّاء، قال: حدثنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا (٦) عليّ بن الحسين بن كعب، قال: حدثنا يحيى بن حسن بن فرات، ومحمد بن جميل (٧)، ومحمد بن راشد، قالوا: سألنا عبد الله بن موسى بن عبد الله (٨)، فقلنا له: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: مَنْ زعم أنَّ القرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ، لأن الله يقول (٩): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ

стр. 1717

الله﴾ [التوبة: ٦]. حدثنا محمد بن جعفر بن النجار، وأبو طالب بن (١) الصباغ، وزيد بن مصاية (٢)، عن علي بن عبد الرحمن بن ماتي، عن علي بن الحسين بن كعب بمثله. حدثنا ميمون بن حميد، قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبيد بن كثير، قال: حدثنا عبَّاد بن يعقوب، ويحيى بن حسن بن فرات، قالا: سمعنا عبد الله بن موسى بن عبد الله، يقول: القرآن (٣) كلام الله ليس بمخلوق. حدثنا الحسين بن محمد البجلي (٤) المقرىء، قال: حدثنا عليُّ بن بشير بن يعقوب، قال: حدثنا سعدان بن محمد بن سعدان، قال: سمعت الحسين بن الحكم بن مسلم يحدِّثُ أن القاسم كتب إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله (٥) بن الحسن، يسأله عن القرآن، فكتب إليه عبد الله: نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعةٌ، اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلَّف المجيبُ ما ليس عليه، فانتَهِ بنفسك (٦) والمختلفون في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكُن (٧) من المهتدين، ولا تُسَمِّ القرآن بأسماءٍ من عندك، فتكون

стр. 1718

من الذين يلحدون في أسمائه، سيُجزون ما كانوا يعملون. حدثنا ميمون بن علي بن حميد، قال: أخبرنا إسحاق بن محمد المقرىء، قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفرٍ المقرىء، قال: حدثنا إبراهيم بن مبشِّر، قال: قلت لعبد الله بن موسى: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله وكتابه، فقلنا (١): إنَّ عندنا قوماً يقولون: مخلوق، ويقولون: من (٢) لم يقل: إنه مخلوقٌ فهو كافرٌ! قال: هم أولى بالكفر. وقال محمد في كتاب (٣) " الجملة ": وسألت القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ فقال: كلام الله ووحيُه وتنزيله، لا يجاوز هذا إلى غيره، وهكذا كان أسلافُنَا. قال محمد: وكان يقولُ بخلق القرآن، يُضمِرُ ذلك. وقال لي القاسم: يقال للذين يقولون: القرآنُ مخلوق (٤)، أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوق، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: أليس قد عَلِمَ الله أنه مخلوقٌ، واجتزأ، مِنَ الخليقة أن قال لهم: مجعولٌ، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فلمَ لا تجتزئون مِنْ خلق الله بما اجتزأ (٥) الله به لخلقه؟ قال محمد: وذلك حثٌّ منه على القول بالجمل وترك الاختلاف والفرقة. حدثنا ميمون بن حميد، عن إسحاق بن محمد التَّمَّار، عن قاسم بن عبيد، عن بنين بن إبراهيم، قال: قلت للقاسم (٦) بن إبراهيم:

стр. 1719

قال لي ابن منصور عنك: إنَّك قلت: من زعم أن القرآن مخلوقٌ فقدِ ابتدع، فقال (١): نعم هما بدعتان، لم يبلغنا أنهم قالوا: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، ولكنا نقول: كلام الله ووحيه. حدثنا الحسن بن أحمد بن القطان، قال: حدثنا زيد بن محمد بن أبي اليابس، قال: حدثنا قاسم بن عُبيد، قال: حدثنا أحمد بن سلام، قال: سألت: القاسم بن إبراهيم عن القرآن؟ وأخبرته بما رُوِيَ عن زيد بن علي: إنَّا لا نُشَبِّهُ بالله أحداً، ولا نقول لكلام الله مخلوقٌ. فقال (٢): هكذا أقول (٣). وقال محمد: حدثنا أبو الطاهر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب (٤) عن الزُّهري، عن علي بن الحسين، أنه سُئِلَ عن القرآن، فقال: كلام الله وكتابه (٥)، لا أقول غير ذلك. وحدثني حربُ بن حسن الطَّحَّان، عن أحمد بن مفضل، عن معاوية بن عمَّار، قال: سألتُ جعفرَ بن محمدٍ عن القرآن: خالق أو مخلوقٌ؟ قال (٦): لا خالقٌ ولا مخلوقٌ، ولكنه (٧) كلام الخالق.

стр. 1720

وقال محمد في كتابه (١) " الجملة "، وذكر اختلاف الناس وإكفار بعضهم بعضاً، وإقدامَ بعضهم على بعضٍ بالبراءة والتَّضليل، فقال: رأيتُ المتفرِّقين، وعاشرتُ المختلفين في المقالات من الخاصَّة والعامَّة من علماء آل الرَّسول، وأهل الفضل منهم، وغيرهم من أهل العلم والفضل مِنَ (٢) الشيعة الموجبين لإنكار المنكر وحياطة الدِّين، فما رأيتهم يُكَفِّرُ بعضُهم بعضاً، ولا يستحلُّون ذلك، ولا تبرَّأ بعضهم من بعضٍ، بل قد رأيتُ بعضهم يتولَّى بعضاً، ويترحَّم عليه بعد المعرفة منهم لمخالفة بعضهم لبعضٍ في المقالات، سمعت القاسم بن إبراهيم ذكر أخاه محمد بن إبراهيم، فقال: رحمة الله عليه ورضوانه، إنِّي لأرجو أن يكون له يوم القيامة موقفٌ يُغبطُ به، على أنه كان يقول بشيءٍ من التشبيه، وذلك عندهم أنه لا يقول بخلق القرآن، وكان يُكثِرُ التَّرحُّم عليه ما لا أُحصيه، ورثاه بأبياتٍ كتبتُها عنه. ومِنْ ذلك أن عبد الله بن موسى ذاكرته هذا الأمر، وذكرت له القاسم بن إبراهيم، فقال عبد الله: وددِتُ أنَّه فعل حتى أكون أوَّل من يضع يده في يدِه. قال عبدُ الله: وقد (٣) بلغني أنه يقول بخلق القرآن، ولم أسمع منه. قال محمد: وحضرتُ عبد الله بن موسى ﵇، وجماعة من أهل بيته مجتمعين عند القاسم بن إبراهيم في منزله، فتذاكروا هذا الأمر،

стр. 1721

وكان منهم فيه (١) جِدُّ، أين يكون؟ وكيف التأتي له؟ وكاد القاسم أشدهم فيه ذكراً، وكانوا يُومؤون إلى عبدِ الله بن موسى، فقال عبد الله بن موسى: أنا ليس في شيءٍ، قد ضعفت عنه (٢)، ولكن من الذي يقوم بهذا، فهذه يدي له، وكأنَّه أومأ إلى القاسم بن إبراهيم قال محمد: وكلُّ (٣) واحدٍ منهم يتولَّى صاحبه، ويدين له بالطاعة، ويؤهِّلُه لهذا الأمر الذي ليس فوقَه غايةٌ من تقليد الأحكام، والحلال والحرام، والدِّماء، والمواريث، وهذا غاية الولاية أن جعله بينه وبين الله في دينه يُحِلُّ به (٤) ويُحَرِّمُ، يُحِلُّ به الجمعة ركعتين، ويُحرِّمُ به الظهر أربعاً في وقت الجمعة. قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم المُراديُّ من كبار أصحاب سليمان بنِ جرير، وكان يقول: القرآن مخلوق، ويُشَدِّدُ (٥) في ذلك، وسمعته يقول: لا رَحِمَ الله ابن أبي دُوَاد (٦)، كان الناسُ على جملةٍ تُؤدِّيهم إلى الله ، فطرح بينهم الفُرقة، يعني: حين أظهر المحنة في القرآن. قال محمد: وكان عمرو بن الهيثم، وبِشْرُ بن الحسن، ومحمد بن يحيى الحجري دُعاةً لعبد الله بن موسى، ومذهبهُم واحدٌ، بعني: كانوا

стр. 1722

يقولون بخلق القرآن، وكان عبد الله بن موسى قد بعث ابنيه -أو أحدهما- مع بشر بن الحسن إلى طاهر بن الحسين يدعوه إلى هذا الأمر مع معرفة عبد الله بقول بشرٍ، ومعرفة بشرٍ لعبد الله. وقوله " بالجمل ": فلم أر أحداً من هؤلاء دان بالبراءة مِمَّن خالفه بالمقالة (١). قال محمد: وذكر عبد الله بن موسى، محمَّد (٢) بن يحيى الحُجري، فقال: كان أصدق أهل الكوفة لي. قال محمد: وسمعت القاسم بن إبراهيم يقول: ما رأيت كِلْمَانِيّاً (٣) قطُّ له خشوعٌ، ثم قال: الجمل الجمل. قال محمد: وقال لي محمد بن عبد الله الإسكافي (٤)، وكان يقول بخلق القرآن: إذا كان هذا الأمرُ، كَتَبْنَا على الأعلام: لا إله إلاَّ الله، محمدٌ رسولُ الله، القرآن كلامُ الله. يريدُ بذلك الأُلْفَةَ واجتماع الكلمة، وترك الاختلاف والفُرقةِ. قال محمد: وقد عاشرتُ المعتزلة (٥)، ومن لا أُحصي مِنْهُم مِمَّن يقول بهذا القول، منهم: جعفر بن حرب (٦)، وجعفر بن مبشِّر

стр. 1723

القصبيّ (١)، ومحمد بن عبد الله الإسكافي، فما سألني أحدٌ منهم قطُّ (٢) عما يختلِفُ الناس فيه من أمر القرآن، والاستطاعة، ولا كشفوني عن شيءٍ من ذلك. وأخبرني أبو سهل (٣) الخراساني أنه كان رسول سهلِ (٣) بن سلامة، وهُوَ من كبار المعتزلة وعُبَّادهم - إلى عبد الله بن موسى يدعوه إلى أن يتقلَّد هذا الأمر، ويكون سهل (٣) عوناً له عليه. قال محمد: فهذا غيرُ سبيلُ المنتحلين اليوم للدِّين، وغير ما أظهروا وشرَّعوا من التباين، والبراءة، والتَّكفير، وهذا هو الفرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه في القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. فأخبر سبحانه أن اختلافهم بغيٌ من (٤) بعضهم على بعضٍ، وأخبر أن في (٥) الفُرقة الضَّعف والفَشَلَ عن العدو، فحذَّر من ذلك بقوله: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، يقول الله : فتذهب هَيْبَتُكُمْ.

стр. 1724

فهذا ما ندب الله إليه مع ما رأينا عليه السلف الصالح المتقدِّم الذين (١) يصلحُ أن نجعلَهم بينا وبين الله تعالى، لأنهم لا يخلُون من (٢) إحدى منزلتين: إما أن يكونوا علموا أنَّ الديانة فيما بينهم وبين الله تعالى القول ببعض هذه المقالات التي تنازع الناس فيها حقٌّ واجبٌ لازمٌ، فأجزأهم من ذلك الإضمار، ورأوا الصَّواب والرُّشد في الإمساك عَنِ الإظهار لما فيه مِنَ (٣) الفُرقة والاختلاف الذي نهى الله عنه، فرأوا الجمل والقول بظاهر القرآن كافياً مُؤدِّياً للعباد إلى الله ، فتمسَّكُوا بذلك، فينبغي لِمَنْ أمَّ الدِّين، وقصد (٤) إلى الله الاقتداء بهم، والتَّمسُّك بسبيلهم. أو يكونوا لم يعتقدوا في ظاهر الأمر وباطنه إلاَّ القول بظاهر القرآن، والجُمَلِ المجمع (٥) عليها، فقد يجبُ الاقتداء بهم أيضاً (٦) في ذلك. قال محمد: وهذا أحمد بن عيسى قد اجتمع عليه المختلفون، واتَّخذ من يَشْرَكُه في أمره جماعة من المتفرِّقين. وقد كتب إليه عبد الله بن محمد بن سليمان يسأله عن القرآن، وغيره باختلاف الناس فيه (٧). فكان فيما كتب إليه أحمد بن عيسى: ذكرت اختلاف الناس في القرآن، ولم يختلفوا أنه من عند الله.

стр. 1725

فهذا من أحمد دليلٌ على أن الأخذ بظاهر القرآن، والجُمَل المجمع (١) عليها مجزىءٌ مؤدٍّ (٢) إلى الله تعالى، وقد علمت أن رجال أحمد بن عيسى الذين كان يُوجِّهُهم في أموره مختلفون (٣)، منهم: حسن بن هُذيل على مذهب أبي الجارود، ومنهم: عبد الرحمن بن معمر، وهو يظهر القول بخلق القرآن (٤) لا يستتر بِهِ، ومخول بن إبراهيم، وأمثالُهم كثيرٌ من المختلفين، فلم نره بان بِفرقة يُفَارِق (٥) فيها أخرى، وقد كان رحمة الله عليه عالماً بما يَضِيقُ عليه من ذلك، وما يتَّسع له في أمر دينه، ولو ضاق عليه ذلك لم يفعله. وهذا الحسن بن يحيى، أنا متَّصلٌ به منذ (٦) أربعين سنةً أو قريباً من ذلك يُعاشِرُ ضُروباً من المتدينين مختلفين في المذاهب (٧)، فما رأيته مع قوله بالجملة، وكراهية (٨) للفرقة امتحن أحداً، ولا كشفَ له عن مذهبٍ، بل قد رأيتُه يعُمُّهم بالنَّصيحة، ويُحْسِنُ لهم العِشْرَةَ، ويترحَّمُ (٩) على مَنْ مضى من سلفه، وأهل بيته ممَّن يوافقُه في المقالة ويخالفه، هذا مع جلالة سنِّه، وكثرة علمِه، ومعرفته، بما يلزم في ذلك ويجب عليه. قال محمد في كتاب " الجملة ": وأخبرني من أثِقُ به مِنْ آل

стр. 1726

الرسول (١) ﷺ ، عن محمد بن عبد الله، أنه أوجب على من قام بهذا الأمر الدُّعاء لجميع الدِّيانين، وقَطْعَ الألقاب التي (٢) يُدعى بها فرقُ المصلين، وغلق الأبواب التي في فَتْحِ مثلِها يكون عليهم التَّلفُ (٣)، والإمساك عمَّا شتَّت الكلمة، وفرَّق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به أحزاباً، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون (٤) إلى السبيل الذي (٥) لا ينكرون، وبه يُؤَلَّفون، فيتولَّى بعضهم بعضاً، ويدينون بذلك، فإنَّ اجتماعهم عليه إثباتٌ للحق، وإزالةٌ للباطل. قال محمد: وكذلك سمعنا عن إبراهيم بن عبد الله، أنه سُئل عن بعض ما يختلف النَّاس فيه من المذاهب، فلم يُجِبْ فيه، وقال: أعينوني على ما اجتمعنا عليه حتى نتفرَّغ لما اختلفنا فيه. حدثنا أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد النحوي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: قال لي القاسم بن إبراهيم: أخبرني بعض (٦) من أثِقُ به من آل رسول الله ﷺ ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، أنه قال: يجب على من قام بهذا الأمر الدعاء لجميع الناس، وقطعُ الألقاب التي يدعى بها فرقُ المصلين، وذكر مثل هذا الكلام.

стр. 1727

قال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله ﷺ (١) على أن الله خالقُ كل شيءٍ، والقرآن (٢) كلام الله ووحيه وتنزيله، يُسَمَّى بما سمَّاه الله به في كتابه، لا يجاوزُ ذلك إلى غيره. وقال الحسن -وسُئِلَ عن القرآن-: قد وجدنا الله سبحانه سمى القرآن بأسماءٍ في كتابه لم يُرِدْ من خلقه أن يتكلَّفوا للقرآن أسماء غير ما سماه الله به، وقَبِلَ ذلك من أهل الإسلام في عصر نبينا ﵇، ومن القرون التي كانت من بعده، حتى تكلم المتكلمون بالرأي، وتراقَوْا في دينهم رجماً بالغيب إلى صفة ما لا يُدْرِكُونَه من نعت خالقهم، وحتى نحلوا القرآن أسماء برأيهم لم نجدُه منصوصاً في آيةٍ محكمةٍ يُستغنى بها عن التَّأويل، واحتجوا بأنهم لم يجدوا للمجعول (٣) معنى يصرفونه إليه إلاَّ مخلوقاً، فسمَّوا القرآن -برأيهم- مخلوقاً (٤)، ولو سمَّوه مجعولاً، كما قال - ومُنَزَّلاً ومُحْدَثاً، كما قال الله ولم يَتَرَاقَوْا رجماً بالغيب إلى تحديد القرآن من ذات الله ﵎ عن أن يُدْرِكَه الواصفون إلاَّ بما وصف به نفسه في كتابه بلا تحديدٍ ولا تشبيه ولا تناهي. ومعنى قوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآناً عَرَبيّاً﴾ [الزخرف: ٣]: صيَّرناه (٥)، قال الله تعالى: ﴿يا داوُدُ إنَّا جعلنَاكَ خَلِيفَةً في الأرضِ﴾ [ص: ٢٦]، يعني: إنَّا صيرناك خليفةً في الأرض. ولسنا نقول: إن القرآن خالقٌ ولا مخلوقٌ، ولكنا نسمِّيه بالأسماء

стр. 1728

التي سمَّاه الله بها في مُحكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تَكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [الشورى: ٥١] وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فمن زعم أنَّ الداعي لموسى إلى عبادته غير الله، فقد ضلَّ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ [الشورى: ٥١]. فقد بيَّن لنا كيف (١) جهة كلامه، فكلامٌ (٢) من كلامه أرسل به جبريل إلى الرسول ﷺ ، ومن كلامه وحيٌ بلا رسول (٣)، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. فقد أوحى بلا رسول، ومنه الوحي إلى الرسل في النوم، ومنه (٤) كلامه لموسى ﵇ بلا كيفية، فليس لنا أن نُكَيِّفَ ما لَم يُكيِّفِ الله تعالى، ولا نَحُدّ ما لم يَحُدّ الله، فمَنْ حدَّد ما لم يحد (٥) الله، فقد اجترأ على تأويل علمِ الغيب بلا حُجَّةٍ. والقرآن (٦) كلامُ الله ووحيُه، وتنزيلُه، وكتابُه، وقال: ﴿قُرْآنٌ مجيدٌ في لوحٍ محفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقال: ﴿قُرْآنٌ كَرِيمٌ

стр. 1729

في كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]، وقال: ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]. فأحدث في قلوب العباد بالرسل من تنزيل الكتاب ما لم يكونوا يعلمون، وإنَّا وجدنا الله تعالى يقول في كتابه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. فإذا كان القرآن يكونُ بـ " كُنْ " (١) وتكون " كن " بـ " كن "، فمتى يتناهي علمُ مَنْ رجم بالغيب في معرفة كينونة القرآن من ذات الله؟ وقد قال عليٌّ ﵇: يا بَرْدَهَا على الكَبِدِ (٢) إذا سئل المرء عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم. حدثنا زيد بن حاجب، عن ابن وليد (٢)، عن جعفر بن الصَّيدلاني، قال: أخبرني يحيى بن أبي عطاء البراد، أنه سمع (٢) الحسن بن يحيى، يقول: ليس بمخلوقٍ، يعني: القرآن.

стр. 1730

وقال الحسن فيما روى ابنُ صباح عنه، وهو قول محمدٍ في المسائل، وسُئِلا عمَّن يقول: القرآن مخلوقٌ أو غيرُ مخلوق، فقالا: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، نقولُ في ذلك ما قال الله، ولا نتعدَّى ذلك إلى غيره، والله خالقُ كل شيءٍ، الأول قبلَ كُلِّ شيء وخالقه، والباقي بعد كُلِّ شيءٍ (١) ووارثُه، وكلُّ ما كان دون الله (٢)، فهو مخلوق. وقال أبو جعفر محمد بن علي ﵇: الزم ما اجتمع عليه المتفرِّقون. قال محمد: فاكتفِ بما لا اختلاف فيه، ولا فُرقَةَ من الجملة التي دلَّ عليها الكتاب (٣)، وما اجتمع عليه مِنَ الخبر عن رسول الله ﷺ ، فإن المحنة عندنا في القرآن بدعةٌ. فأمَّا من يقول: إنَّ الله تعالى لم يُكَلِّم موسى تكليماً، فإن هذا رادٌّ لتنزيل القرآن، بل نقول كما قال الله : ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤] على معنى ما أراد، لسنا نُكيِّفُ ذلك. وقد علمنا أن الكلام من الله على وجوه شتَّى، وكذلك الوحي منه على وجوه شتَّى، قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]. فهذه حالات الأنبياء، وقوله: ﴿إلاَّ وَحْيَاً﴾ في النوم، وكذلك كان (٤) أمرُ النبيِّ ﵇ خمس سنين أنه يرى في النوم الوحيَ، ثمَّ

стр. 1731

ظهر له جبريل بعد ذلك (١)، وأما قوله: ﴿أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فكما كلَّم موسى ﵇. وأمَّا قوله: ﴿أو يُرْسِلَ رَسُولاً﴾، فهو جبريل. قال محمَّد، وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ [يس: ٨٢]، فقال: نقول في ذلك ما قال الله تعالى، ولا نكيفه، ويقال -والله أعلم-: إن لوحاً بين عيني إسرافيل، فإذا أراد الله أمراً، أقرأه (٢) إسرافيلَ في ذلك اللوح. تمَّ بعونه تعالى الجزء الرابع من العواصم والقواصم ويليه إن شاء الله الجزء الخامس وأوله: الوهم السادس عشر: قال: وقد نسب إلى الشافعي القول بالرؤية

стр. 1732

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط الجزء الخامس مؤسسة الرسالة

стр. 1733

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٥

стр. 1734

جميع الحقوق محفوظَة لمؤسسَة الرسَالة ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد. سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً. الطبعة الثالثة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران

стр. 1735

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1736

الوهم السَّادس عشر: قال: وقد نُسِبَ إلى الشافعي القول بالرُّؤية، فطرَّق عليه الاحتمال، لأن الرؤية إما أن تكون بكيف، أو بلا كيف، والمكيَّفة تجسيمٌ لا محالة. أقول يَرِدُ على كلامه هذا (١) إشكالات: الإشكال الأول: أنه قد منع في أوَّل رسالته من صحة " كتاب البخاري " عن مولِّفه، وأمثال ذلك مع شدَّة العناية من مؤلِّفه في تبليغ كتابه واشتغاله بتسميعه، حتى نُقِلَ أنه سمعه منه قدرُ مئة ألفٍ، ثمَّ اشتدَّت عناية الراغبين في هذا الفنِّ في سماعه سماعاً متَّصلاً، ولم تعرض فترة فيما بيننا وبينه في ذلك قطُّ، فلما توفر داعي (٢) هذا المعترض إلى اللجاح في التشويش على المسلمين في علم الحديث بالقدح في أئمة رواته، قبل ما نُسِبَ إلى الشافعي مجرَّد نسبةٍ أورَدَهَا على صيغة ما لم يُسَم فاعله، وهي الصيغة المعروفة بصيغة التمريض، وجعلها وسيلةً منتهضةً إلى رتبة التَّشكيك في كفر إمام الإسلام وعَلَم الأعلام. الإشكال الثاني: أنَّ شيوخ المعترض وأئمته في بدعة الكلام من المعتزلة مُصفِقُون (٣) على تعظيم الشافعي، ودعوى أنه منهم في بدعهم (٤)، وحاشاه من ذلك، وكثيرٌ منهم مقلِّدون له في الفروع، أتبع له من الظِّلِّ، وأطوع له من النعل، وكفي بما ذكره صاحبُكم، بل شيخكُم الحاكم المُحسِّن بن كرامة (٥) من

стр. 1737

ذلك في كتابه " شرح العيون "، وهم عند المعترض أجلُّ وأعقلُ من أن يقلِّدوا ويُعَظِّمُوا مشكوكاً في كفره وإلحاده، مغموصاً عليه في صحة إيمانه واعتقاده، فلو سلك مسلك (١) العُلماء في اعتراضاته، لبيَّن وجه (٢) الترجيح لسوء الظن بهذا الإمام الجليل، والعلم الشهير. الإشكال الثالث: أن أئمة الزيدية مشهورون بتعظيمه، وتعظيم علمه وتدوينه، والاعتداد بخلافه، والتدريس في فقهه، وقد نصَّ الإمام المنصور بالله على ذلك في الرِّسالة العامة من " المجموع المنصوري "، ولم يعترضْهُ أحدٌ، وذكر صحة موالاته ﵁ لأهل البيت ﵈، وهو مشهور بذلك، حتى روى عنه يحيى بن معين، وأبو عبيد: أنه شيعي المذهب، ذكره الذهبي في " النبلاء " (٣). وذكر الذهبي في ترجمته من (٤) " النبلاء " أبياته المشهورة في ذلك منها قوله: يا راكباً قِفْ بالمحصَّبِ مِنْ مِنى ... واهتِفْ بِقَاطِنِ أهلِهَا (٥) والنَّاهِضِ إلى قوله (٦): إن كان رفضَاً حُبُّ آل محمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقلانِ أنِّي رافِضِي وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في ترجمته. فَبِمَن اقتديتَ أيُّها المبتدع في انتقاص الإمام الشافعي؟! فما يغُضُّ من مناقبه إلاَّ سخيف العقل، بعيدٌ من العلم والفضل، ولا بد إن شاء الله من إيراد ترجمته وما اشتملت عليه من شهادة

стр. 1738

علماء الأمة، وعيون الأئمة بعلُوِّ مرتبته، ليعلم المعترض أنه أحقر من أن يرفع رأسه إليه، وأخفُّ وزناً من أن يُقبَلَ منهُ الكلام عليه، وكيف يُقبلُ القدحُ من معترفٍ بالجهل، مصنِّف بالاحتجاج (١) على تعفِّي (٢) رسوم العلم فيمن أجمعت الأمة على إمامته فيم الإسلام، وأنَّه مِن أفضل عُلماء الملة الأعلام (٣)، بل

стр. 1739

العجب أن المعترض نقل في تعسير (١) الاجتهاد، أن الاجتهاد خُتِمَ بالإمام الشافعي، وأنه لا يُوجَدُ بعده مجتهدٌ، واحتجَّ على ما رام تصحيحه من هذه الدعوى، بما نُقِلَ من ذلك عن بعض قدماء (٢) أصحابه ﵁، كما تقدم إيضاح ذلك، وما يؤدي إليه من الجهالات الكبار، وتجهيل علماء العترة، والأمة الأخيار، فما أحسن بمن يدعي هذا الجهل العظيم أن يزُمَّ لسانه عما لا يعلم، فإن الصمت سلامة الجاهل خصوصاً، وبئس ما جزيت به هذا الإمام الجليل في حُبِّه لأهل البيت ﵈ إذ (٣) كنت من أهل البيت الشريف، والمَحْتِدِ المُنيف. فقد روى السيد الإمام أبو طالب ﵇ في أوائل " أماليه " ما لفظه: أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الحسنى، قال: حدَّثني عبد الله بن أحمد بن سلاَّم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن منصور، قال: كنت عند القاسم بن إبراهيم بالقريتين (٤). فجرى ذكرُ الشافعي (٥)، فأثنى عليه خيراً، فقلنا

стр. 1740

له: رأيته؟ فقال: كان صديقي والمختصَّ بي، وما رأيتُ في (١) إخواننا الفقهاء أشد تحقيقاً (٢) بالعدل منه. انتهى بحروفه. وكذلك فليكن ثناءُ علماء (٢) أهل البيت ﵈ على علماء الإسلام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وأما المسارعة إلى وصم (٣) علماء الإسلام بالعظائم، بل التشكيك في إسلامهم من غير مُوجبٍ لذلك، فهذا صنيع من لا خلاق له من أعداء (٤) الإسلام الملاحدة (٥)، صانَ الله السيد عن ذكرهم، وأعاذ الجميع من التَّخلُّق بأخلاقهم. الإشكال الرابع: أن الأمة قد أجمعت على تعظيم الشافعي ﵁. أمَّا أهلُ السُّنَّة: فواضحٌ. وأما الشيعة والمعتزلةُ، فلإجماعهم على الاعتداد بأقواله، وأنه لا ينعقدُ إجماع الأمَّة مع خلافه، ولتدوينهم لعلومه، وتعلُّمهم لها، وتعليمها، وتقريرهم على ذلك، ولا يُعلم من أحدٍ منهم أنه تعرَّض لتجهيله وتكفيره، ولا للتشكيك في ذلك. فإذا تقرَّر ذلك، ثبت أن المعترض قد خرق الإجماع، ورضي لنفسه بالانتظام في سلك سَقَطَةِ (٦) المتاع، الذين اتبعوا غير سبيل المؤمنين، وجُبلوا

стр. 1741

على محبة القدح في أئمة الدين، وخالفوا المحمود من طرائق المتَّقين في الذب عن الغائبين (١). وقد نهى رسول الله ﷺ عن سبِّ الأموات (٢)، وذكر مساوئهم (٣)، فهذا فيمن له مساوىءُ تُذكر، وذنوبٌ تُستنكر، فأمَّا الافتراء على أهل الرتب الرفيعة، والجرأة على القدح فيهم والوقيعة، فليس يرضى بذلك لنفسه متَّقٍ متحرِّزٌ، بل (٤) ولا عاقلٌ مميِّزٌ، فبادِرْ بالتوبة من ذلك إن كان لك في الفلاح نصيب، فإن الله تعالى يقبل توبة (٥) العبد المنيب.

стр. 1742

الإشكال الخامس: أنه قد روي القول بالرُّؤية عن خلائق لا ينحصرون، كما تأتي طُرُقُ (١) ذلك ونسبتها إلى كُتب الإسلام الشَّهيرة (٢). فممن رُوِيَ عنه القول بها: أمير المومنين عليُّ بن أبي طالب ﵇، وأبو بكر الصدِّيق ﵁، وبحرُ العلم وحَبْرُه عبد الله بن عباس، وحذيفة بنُ اليمانِ، وعبد الله بن مسعودٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو هريرة، وعبدُ الله بن عمر بن الخطاب، وفضَالةُ بن عُبيدٍ، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وكعب الأحبار. ومن التابعين: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسعيد بن جُبير، وطاووس اليماني، وهشام بن حسان، والقاضي شريك بن أبي نَمِرٍ (٣)، وعبد الله بن المبارك، وأئمة المذاهب الأربعة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، والليث بن سعدٍ، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجرَّاح، وقتيبة بن سعيدٍ، وأبو عبيدٍ (٤) القاسم بن سلاَّم. فكل هؤلاء رُوِيَ عنهم القول بالرُّؤية كما يأتي، فلم يستخرج لهم أحدٌ احتمال التشبيه والكفر، فما خصَّ المعترض باستخراج ذلك من بين الأمة وما خصَّ الشافعي باستخراج ذلك له (٥) من بين الأئمة (٦).

стр. 1743

فإن قلت: إن الرِّواية عنه صحيحة دون الأئمة، وإنك مختصٌّ بالإصابة دون الأمة، فهاتِ الأدلة الصَّحيحة على ذلك، وإلا فأنت هالكٌ متهالكٌ في سُلوك هذه (١) المسالك. الإشكال السادس: أنَّ الأمة مجمعةٌ على إطلاق كثير من أسماء الله الحسنى وألفاظ القرآن الكريم مما (٢) يحتمل مثل (٣) استخراج المعترض لذلك الاحتمال الشنيع، والاستنباط البديع. ومن أوضح ذلك مع كثرته (٤): إطلاق الرحمن الرحيم على الله تعالى، وأنه واسع الرحمة، وخير الراحمين، وأرحم الراحمين على سبيل المدح له، والثناء عليه بذلك كما يُمدح بجميع ذلك في كتابه المبين، وكلامه (٥) الحق اليقين، وكما (٦) أن ذلك يحتمل في اللغة أن يُفسَّر بمثل رحمة المخلوق المؤلمة لقلبه، المُبكية لعينه، المُنَغِّصة لعيشه عند عجزه اللازمة لكثيرٍ من الآفات لنقصه، ولم يحتمل (٧). من أطلقها (٨) على الله على شيء من ذلك، لأن الله سبحانه يختصُّ من كل صفةٍ بمحاسنها دون مساوئها، كما أنه لما اتصف بالعلم (٩)، لم يجُزْ عليه ما يجوزُ على المخلوق العالم من اكتساب العلم، وحدوثه، وتغيُّره، والشك فيه، والنِّسيان له، والتألم ببعضه، وسائر النقائص.

стр. 1744

وكذلك كلُّ من صح عنه من المسلمين ماله وجهان، ومَحمِلان: حَسَنٌ وقبيحٌ، فإنه يُحمل على الوجه الحسن، والمَحمِل الجميل، ولا يحِلُّ لأحد التشكيك في إسلامه، والقدح فيه بسبب ذلك الاحتمال، وإنما يبالغ في إنكار ذلك ويستخرج منه الكفر، ولا يُجيز منه شيئاً، من ينفي جميع أسماء الله الحسنى من الباطنية، ويعتذرون لإلحادهم بتنزيه الله تعالى من إطلاق الألفاظ عليه، وتناول العبارات له. فكما أن المعتزلة ترُدُّ عليهم ذلك (١) بالرُّدود المعروفة في ذلك، فكذلك أهل السنة يرُدُّون على المعتزلة مشاركتهم لهم في بعض ذلك بتلك الردود بعينها. ألا ترى أن الباطنية يردون حقائق جميع أسماء الله -كالعليم القدير- إلى المجاز، وكذلك المعتزلة (٢) تردُّ حقائق بعض أسمائه -كالرحمن الرحيم- إلى المجاز. وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الوهم الخامس عشر السابق قبل هذا كيفية الرَّد عليهم، وبيانُ تناقضهم في ذلك، وقد يُطلِقُ بعض علماء العِترة وأئمتهم، وأئمة الاعتزال نحو ذلك. وكذلك رُوِيَ عن الشافعي، فلا يُستخرج لهم منه جرحٌ، ولا يصحُّ به فيهم قدحٌ. مِنْ ذلك قول الإمام أحمد بن عيسى بن زيدٍ ﵇ في كتابه " علوم آل محمد " في باب فضل الحج وثوابه بعد رواية حديث النزول ما لفظه: وقال (٣) رسول الله ﷺ : " إن الله أعظمُ من أن يزول عن مكانه، ولكن هبوطه نظره إلى السماء (٤) " انتهى بحروفه.

стр. 1745

وقال في " الجامع الكافي ": إن القرآن كلام الله غيرُ مخلوق، وقال ذلك من أئمة العترة: زيد بن علي، وجعفر الصادق، وعبد الله بن موسى، والحسن بن يحيى وغيرهم ممن حكاه عنهم محمد بن منصورٍ، وأبو عبد الله الحسني العلوي مصنِّف " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، كما مرَّ تحقيقه، فلم يحتمل استخراج الكفر لأحدٍ منهم. وقال الزمخشري في بعض " مقاماته " (١): واستحي من الله، وقلبك قلبُه، ولبُّك لُبُّه (٢)، وكُلَّك (٣) فهو فاطِره وربُّه. ولو تتبعنا أمثال ذلك، لطال، وما زال الحمل على السلامة عند الاحتمال شعار العارفين والصالحين والمتَّقين. الإشكال السابع: أنَّ كثيراً من (٤) أهل البيت ﵈ ممن أنت له مُعَظِّمٌ، وله في التفضيل مُقدِّم، لا يغلو غُلُوَّك في هذه المسألة وقد بين ذلك محمَّد بن منصور، وصنف فيه كتاب " الألفة والجملة " (٥). وقد قدمنا ما نقل عنهم في الوهم الخامس عشر السابق قبل هذا في مسألة القرآن، فخذه من هنالك، فإنه ذكر عنهم ترحُمَّهم على من خالفهم في الاعتقادات المختلف فيها، حتى نقل عن الإمام القاسم بن إبراهيم أنه رَثَى (٦)

стр. 1746

أخاه محمد بن إبراهيم بالترثية المعروفة، وترحَّم عليه، وحُكيَ عنه -مع ذلك- أنه كان يذهب إلى شيءٍ من التشبيه، قال محمد بن منصور: يقال: إن قوله: إن القرآن غير مخلوقٍ. وقد أطال محمد بن منصور في ذلك وأجاد، ولا حاجة إلى إعادته، فراجِعْهُ في موضعه، ونزيد ها هنا ما (١) يختص بالرُّؤية. وحاصل الكلام: أن القدماء من العِترة ﵈ لم يُنقَل عنهم مذهبُ المعتزلة، أن الرؤية من المُحالات التي لا تدخل في مقدور الله تعالى، بل مقتضى عبارتهم: أن الله لا يُرى لعظمته، وعزته، وكبريائه، كما قال أهل السنة: إنه لا يُدرك بالأبصار إدراك الإحاطة لأجل ذلك، كما لا يُحاط به علماً لمثل ذلك. وأنا أًورِدُ ألفاظهم في ذلك من كتاب الزيدية " الجامع الكافي ". فأقول: قال السيد الإمام أبو عبد الله الحسني في هذا الكتاب المذكور في كتاب " الزيادات " منه في المجلد السادس في القول في نفي الرؤية ما لفظه: وقال الحسن، يعني: الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈: وقد رُوي في الحديث: أن أهل الجنة تبلغ بهم الكرامة إلى أن ينظروا إلى خالقهم، كما ينظر بعضهم إلى بعض، والله سبحانه أجل وأعظم من أن تدركه الأبصار، أو تحيط به العقول، أو تقع عليه الأوهام، والأمر في ذلك مردودٌ إلى الله يفعل ما يشاء، ويُرِي أولياءه من عظمة نوره، وجلال (٢) عظمته ما لم تكن أبصارهم تُطِيقُ النظر إليه في الدنيا. وقد رُوِيَ عن زيد بن علي ﵉ أنه قال: إن بين الله سبحانه يوم القيامة، وبين أدنى خلقه من مَلكٍ مقرَّبٍ، أو نبيِّ مُرسلٍ سبعين ألف حجابٍ من نورٍ، لن يستطيع أدناهم أن يرفع رأسه إلى أدنى حجابٍ من عظمة الله، وقد

стр. 1747

قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ولا يتأولونهم (١) برأيهم على أهوائهم. وقال محمد -يعني محمد بن منصور -: إن الله لا تدركهُ الأبصار، ولا تحويه الأوهام. قال: وقال بعض أهل العلم: إن الله يُرى في الآخرة، وليس كرؤية المخلوقين للشيء الذي تحويه أبصارُهم، ولكن لله خفايا ولطائف يلطُفُ فيها لمن يشاء كما يشاء (٢)، فهذا كلام الإمام الحسن، واحتجاجه بحديث زيد بن علي في الحُجُب يدلُّ على إمكان الرُّؤية في قدرة الله لمن يشاء، وكذلك ما حكاه محمد بن منصور، وقرَّره من ذلك، ومن نحوه، وكفى فيه بقوله (٣) تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وإلزامك للإمام الشافعي ﵁ لازم لجميع من ذكرنا من السلف الأكرمين من أهل البيت المطهرين الذين كانوا في خير القرون من التابعين وتابعي التابعين كما هو الظاهر من قول الصحابة السابقين، حيث أجمعت (٤) الأُمة على أنهم سألوا عن ذلك سيد المرسلين لكونهم له مُجَوِّزين، فلم يكن لِسُؤالهم عنه من المنكرين، أفتجوِّزُ كُفرَ سائر مَن رُوِيَ هذا عنه من سلفنا الطاهرين (٥)، والصحابة السابقين، وتشكُّ وتُشكِّك في أنهم من المسلمين، وتجعلهم بذلك من المجروحين، فتكون من الأخسرين؟ فنعوذ من ذلك (٦) بأرحم الراحمين. ولا بد من إشارة مقنعةٍ إلى جملةٍ صالحة من أدلَّة أهل السنة، وأدلَّة (٧)

стр. 1748

المعتزلة في تجويز الرؤية في الآخرة من المعقول والمنقول، وأقوال سلف الأمة، والاحتجاج بالآيات الصَّادعة (١) والعلوم النافعة إن شاء الله تعالى. الإشكال الثامن: قال المعترض: والمكيِّفة تُجسِّم لا محالة (٢)، هكذا من غير ذكر تفصيل ولا خلافٍ ولا دلالةٍ، وهذا في مثل (٣) هذا الموضع مَعيبٌ أشد العيب، إذ كان من أعظم مواضع النزاع والرَّيب. واعلم أني مقدِّم ها هنا مقدمة مفيدة قبل الخوض في بيان المراد من هذا الإشكال، وذلك أني لا أرد عليه إنكار التشبيه على المشبِّهة فإني موافق في التنزيه، وقائل ببطلان التشبيه، وإن كنت لا أتعرض لبيان المختار عندي في دقائق الكلام الذي أحكيه، وإنما غرضي في هذا: القيام (٤) بما يجب من الذبِّ عن السُّنن ومذاهب العترة ﵈، فإن المعترض قد ادعى القطع بأن في (٥) كتب الحديث المُسماة بالصحاح أكاذيب معلومةً متعمدة، وادَّعى على كثيرٍ من رواتها تعمُّد الكذب، وحاول بذلك تقبيح الرُّجوع إليها، وقد بيَّنت (٦) فيما سلف إجماع الأمة على الرجوع إليها، والنقل منها، وأن ذلك مشهور في كتب الزيدية، وأن المعترض هو بنفسه لم يسلم من ذلك، حيث نقل عنها في تفسيره، وقد بينتُ نصوص العترة في كتبهم على أنهم من أهل التأويل، وذكرت دعوى الإجماع على قبولهم من عشر طرق، وأن ذلك هو المذكور في كتاب " اللُّمع " في كتاب الشهادات منه كما مضى بحروفه في مسألة المتأولين في أوَّل المجلد الأول (٧)، وحين تقرَّر ذلك، فإنما أُورِدُ ها هنا أدلتهم

стр. 1749

في مذهبهم، ليعلم المنصف (١) صدق أهل البيت ﵈، في قولهم: إنهم من أهل التأويل، وحسن نظرهم (٢) وتحريهم وإنصافهم في قبول أخبارهم مع المخالفة، وخشيت إن لم أذكر أدلتهم في ذلك أن يظن الجاهل من أهل بلدنا وعصرنا، أن المعترض هو الصادق لكبر مَحَلِّه في النفوس، فمن ظن بي غير ذلك، أو نقل عني سواه بعد هذا البيان (٣)، كان من المعتدين المتعمدين، والله المستعان. فأقول: قد تقدم في (٤) الإشكال الخامس عشر بيان عقيدة أهل السنة في كلام الطائفة الثانية منهم الذين خاضوا في علم الكلام على جهة الذب عن كتاب الله وعن سنة رسله ﵈ (٥) في مقصدهم. وتقدم ما في معنى الجسم من الاختلاف بين العقلاء من أهل الملل، ثم بين العلماء من أهل الإسلام، والإشارة إلى ذلك فيما تقدم في القاعدة السادسة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان إليه المنتهى في العلوم العقلية والسمعية باتفاق المختلفين، ولذلك سارت بمصنفاته الركبان إلى جميع البلدان، وهي قدر ثلاث مئة مجلد أو أكثر كما ذكر في كتاب " النبلاء" (٦) فانظر في كلامه نظر إنصافٍ، ولا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال، وإياك وتقليد الرجال. وقد ذكر الاختلاف في تفسير الجسم، ثم في تماثل الأجسام، وأن كلام المعتزلة

стр. 1750

في هذا مبني على تفسير الجسم بأنه المركب من الجواهر، وعلى إثبات الجوهر الفرد، على تماثل الأجسام وأن من المخالفين لهم من يمنع المقدمة الأولى، ومنهم من يمنع المقدمة الثانية، ومنهم من يمنع المقدمتين معاً، ومنهم من يجيب بالاستفسار. قلت: بل قد اختلفت المعتزلة فيما بينهم في تفسير الجسم على أربعة أقوالٍ، كما ذكره صاحبهم ابن متويه في " تذكرته " في علم الجواهر (١) والأعراض، إذا تقرر هذا، فلا سبيل إلى نسبة العناد، وتعمُّد القول بالباطل إلى من خالف في معنى الجسم وتفسيره، ولا إلى مَن خالف في تماثل الأجسام وقال باختلافها بعد اعترافه باشتراكها في الجسميَّة. وممن خالف في تماثلها أبو القاسم البلخي وأصحابه من المعتزلة، والفخر الرازي علي ما أشار إليه في " الملخص " (٢) وغيره، وغيرهم من أهل النظر والأثر. حكاه ابن متوية/المعتزلي، في " تذكرته " عن أبي القاسم، وقد بالغت المعتزلة في دعوى تماثل الأجسام حتى قطعوا أن (٣) النور والظلمة جسمان (٤) متماثلان، وكذلك الغبار، والدخان، واللهب، والسحاب، والجِن، والإنس، والنجوم، والأحجار، والتراب، والأشجار، ومضغ القلوب اللطيفة الذكية التي هي مَحلُّ (٥) المعارف العلمية، وجنادل الحديد الصلبة القوية، والماء، والنار، والفضة، والقارُّ، والأجسام، والأرواح، والأجرام الكثيفة، والرياح، والصخور، والهباء

стр. 1751

والأرض، والسماء، بل والموجود من الجواهر والمعدوم، وكذلك من (١) كل جنس معلوم - ذكره ابن متويه في " تذكرته " في الأسئلة الواردة على دليل تماثل الجواهر، وهو يفيد القطع برد قولهم في اللغة التي نزل عليها كتاب الله تعالى، وكيف وقد قال الله تعالى في: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]، ولو لم يُخالفوا (٢) في هذا الأصل (٣) إلاَّ هذه الآية الكريمة. وإلى الردِّ عليهم في ذلك أشار أبو السعود بن زيد المطرفي في أرجوزته المشهورة، حيث قال: ما نحن قلنا: النار مثلُ الماء ... والقارُ مِثلُ الفِضَّة البيضاء واعلم أنهم لا يخالفون في القدر الضروريِّ من هذا الاختلاف المشاهد المحسوس، ولكنهم يقولون: إن المرجع بهذا الاختلاف المعلوم إلى اختلاف صفات الأجسام، واختلاف الأعراض التي تحلُّها، بحيث لو تجردت الأجسام عن صفاتها، وما حلها من الأعراض، لوجب تماثلها، واستحال اختلافها، وهذا هو محل النزاع، فإن المخالفين لهم في ذلك يقولون: إن الحق أنا لا ندري لو تجردت (٤) عن ذلك، هل نشاهدها مختلفة أو لا نشاهدها كذلك؟ وعلى تسليم أنا قد رأيناها متجرِّدة، ولم ندرك اختلافها بالحس، فإنا لا ندري، هل اختلافها (٥) من الأمور المحسوسة المُدرَكة أم لا؟ والقطع (٦) في موضع الوقف من المحرمات، وإن لم يترتب عليه أمر كبير، فكيف فيما تركب عليه التفسيق والتكفير، بل تركب عليه الكلام في أسماء (٧) الملك الكبير؟ وقد قال الله تعالى:

стр. 1752

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولهم في هذا أدلة ينبغي ذكرها وما يَرِدُ عليها، منها: أن الأجسام مشتركة في الجسمية، فيجبُ أن تشترك في كل ما يَجِبُ لها، ويمتنع عليها، ويجوز عليها، وهذه مجرد دعوى لا يحل تسليمها لهم حتَّى يأتوا ببرهانٍ قاطعٍ، وقد تقدم في كلام ابن تيمية تقرير أن الماهية المطلقة مُجرد عبارةٍ لا وجود لها في الخارج، مثل الجسميَّة وسائر ما تشترك الأنواع أو الأشخاص فيه من القدر الكلي المشترك، فإنه لا وجود له في الخارج إلاَّ معيناً مقيداً، وأن معنى الاشتراك في ذلك هو التشابه من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يُطلق على هذا وعلى هذا، لا أن (١) الموجودات في الخارج يشارك بعضها بعضاً (٢) في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز (٣) عن غيره بذاته وصفاته والمعتزلة ظنت أن الاشتراك في ذلك يُوجب حكماً، ولذلك قالوا: أن الله قد شارك خلقه في الذاتية، ثمَّ تميز عنهم بعد المشاركة (٤) بالصِّفة الأخص، ونَقَمَ ذلك عليهم غير واحد من العلماء أهل البيت وغيرهم. وقال السيد حميدان (٥) في ذلك: لقَّبُوا الجسمَ بالذوات ليقضُوا ... باشتراكٍ في حالةٍ وانفصالِ وادَّعَوا أن للمُهيمن ذاتاً ... شاركت ثُمَّ فارقت في خلالِ

стр. 1753

ثمَّ قاسوا ما فرَّعوه وخاضُوا ... في شروحٍ لهم عِرَاضٍ طِوَالِ وقال في ذلك أيضاً في أُرجوزته التي سماها الإمام المطهر بن يحيى ﵇ " المزلزلة لأعضاد المعتزلة "، ومنها في هذا المعنى: ليس الإله الواحدُ القدوس ... كما يظنه الذي يقيسُ مِن وصفه التشريكُ والتجنيسُ ... بل قولُهم مشاركٌ تلبيسُ إذ كلُّ فكرٍ دُونَه محبوسُ ... وكلُّ ما تخالُه النفوسُ فمدرَكٌ مُكيَّفٌ محسوسُ (١) وكان كثير من أهل البيت يُصححون ما ذكره السيد حميدان، وكتب غير واحد منهم خطوطهم في مجموعه المعروف أنه اعتقادهم. وممن أنكر ذلك (٢) على المعتزلة وغيرهم فخر الدين الرازي في كتبه، فمن ذلك في كتابه " الملخص في علم اللطيف والجواهر والأعراض "، وهو كتاب جليل في فنه لم يصنف في معناه مثله، قال فيه في الباب الثالث في الأجسام البسيطة من الجملة الثانية في الجواهر في الكلام على أن الكواكب هل تقبل (٣) الخرق أم لا؟: إن (٤) من قال: إنها تقبله، احتج بتساوي الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى قوله في آخر ذلك: وفي هذه الطريقة (٥) أبحاثٌ عميقةٌ أصولها مرت في هذا الباب، وتفاصيلها مذكورة في كتاب " النهاية " (٦) إلى قوله في ذكر

стр. 1754

سُخُونة الكواكب في هذا الباب: ولِقَائِلٍ أن يقول: الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في تمام (١) الماهية، فلم (٢) لا يجوز أن يكون الكوكب والنار مشتركين في غاية السخونة، لكن الكواكب مخالفةٌ في ماهيتها لماهية النار، فلأجل ذلك كانت النار التي عندنا شفافة إلى قوله في القسم الثاني في البسائط العنصرية: إنه لا يلزم من اشتراك الهواء والنار في الحرارة (٣) والرِّقة اشتراكهما في تمام الماهية. وقال في الباب الأول في تجوهر الأجسام من الجملة الثانية في الجواهر، في الرد على من قال: إن اختلاف الأعراض لا بد أن يكون لاختلاف صور (٤) مركوزةٍ في تلك الأجسام، لأنها مشتركة في الجسمية ... إلى قوله: والاعتراض: لا نسلِّم اشتراك الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى آخر كلامه. قلت: وإنما اكتفي بعدم التَّسليم لذلك في جميع المواضع، لأن الخصم لم يأتِ بحُجَّةٍ بيِّنةٍ يقبُحُ إنكارُها إلاَّ مجرَّد تخيُّلات، والامتناعُ في مثل هذا من التسليم أصحُّ من الاستدلال، لأنه لا مجال للعقل في هذه المضايق، فالممتنع أسعد بالحق من المستدل لسلامته من دعوى ما لا يعلم وصدقه في عدم تسليمه (٥) حينئذ، ولأن استدلالهم في ذلك يرجع حاصله على اختلاف عباراتهم إلى أنهم لم يعلموا دليلاً على اختلاف الأجسام، فوجب نفيه، وسيأتي إبطال هذه الطريقة، وأنه لم يَقُمْ عليها دليل، فالامتناع من تسليمها يكفي، إذ كان قولهم: إنها حجة مجرد دعوى. وقال قبل هذا في هذا الباب في رد الحجة الثالثة من أدلة من زعم أن

стр. 1755

الجسم مركبٌ من الهيولى والصورة. وأما الثالثة، فهي بعد تسليم أن الفلك يستحيل عليه التغير في المقدار والشكل مبنية (١) على أن الأجسام متحدة في الطبيعة الجسمية، لكن ذلك مما لم (٢) يثبت بدلالةٍ قاطعةٍ. وقال في " نهاية العقول " في الأصل الثالث في حدوث الأجسام في المسلك الأول من المسالك الثلاثة في سبب اختصاص الجسم بحيِّز (٣) مخصوص، وهو الحجة الأولى لخصوم أهل الأثر ما لفظه: قولكم: إن الجسمية أمر مشترك بين الأجسام. قلنا: لا نسلِّم، والذي يدل على ذلك أنها لو كانت مشتركة بين أفراد الأجسام، لكانت شخصية (٤) كل واحد من الأجسام زائدة على جسميته، لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لكن يستحيل أن تكون شخصية الجسم المشخص زائدة على جسميته، فإن انضمام ذلك الزائد إلى الجسمية (٥) في الخارج يتوقف على حصول الجسمية في الخارج، وحصول الجسمية في الخارج يتوقف على (٦) شخصه الذي هو عبارة عن انضمام ذلك الزائد إليه، ويلزم من ذلك الدور، فثبت أن القول بكون الجسمية أمراً مشتركاً بين أشخاص الأجسام يؤدي إلى هذا المحال، فيكون مُحالاً. لا يُقال: المعقول من الجسمية إنما هو شغل الحيز، ومنع الغير أن يكون بحيث هو، وهذا القدر مشتركٌ، لأنا نقول: ليس الشغل والمنع (٧) نفس
следующие страницы →