← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والأرض، والسماء، بل والموجود من الجواهر والمعدوم، وكذلك من (١) كل جنس معلوم - ذكره ابن متويه في " تذكرته " في الأسئلة الواردة على دليل تماثل الجواهر، وهو يفيد القطع برد قولهم في اللغة التي نزل عليها كتاب الله تعالى، وكيف وقد قال الله تعالى في: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]، ولو لم يُخالفوا (٢) في هذا الأصل (٣) إلاَّ هذه الآية الكريمة. وإلى الردِّ عليهم في ذلك أشار أبو السعود بن زيد المطرفي في أرجوزته المشهورة، حيث قال: ما نحن قلنا: النار مثلُ الماء ... والقارُ مِثلُ الفِضَّة البيضاء واعلم أنهم لا يخالفون في القدر الضروريِّ من هذا الاختلاف المشاهد المحسوس، ولكنهم يقولون: إن المرجع بهذا الاختلاف المعلوم إلى اختلاف صفات الأجسام، واختلاف الأعراض التي تحلُّها، بحيث لو تجردت الأجسام عن صفاتها، وما حلها من الأعراض، لوجب تماثلها، واستحال اختلافها، وهذا هو محل النزاع، فإن المخالفين لهم في ذلك يقولون: إن الحق أنا لا ندري لو تجردت (٤) عن ذلك، هل نشاهدها مختلفة أو لا نشاهدها كذلك؟ وعلى تسليم أنا قد رأيناها متجرِّدة، ولم ندرك اختلافها بالحس، فإنا لا ندري، هل اختلافها (٥) من الأمور المحسوسة المُدرَكة أم لا؟ والقطع (٦) في موضع الوقف من المحرمات، وإن لم يترتب عليه أمر كبير، فكيف فيما تركب عليه التفسيق والتكفير، بل تركب عليه الكلام في أسماء (٧) الملك الكبير؟ وقد قال الله تعالى:

стр. 1752

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولهم في هذا أدلة ينبغي ذكرها وما يَرِدُ عليها، منها: أن الأجسام مشتركة في الجسمية، فيجبُ أن تشترك في كل ما يَجِبُ لها، ويمتنع عليها، ويجوز عليها، وهذه مجرد دعوى لا يحل تسليمها لهم حتَّى يأتوا ببرهانٍ قاطعٍ، وقد تقدم في كلام ابن تيمية تقرير أن الماهية المطلقة مُجرد عبارةٍ لا وجود لها في الخارج، مثل الجسميَّة وسائر ما تشترك الأنواع أو الأشخاص فيه من القدر الكلي المشترك، فإنه لا وجود له في الخارج إلاَّ معيناً مقيداً، وأن معنى الاشتراك في ذلك هو التشابه من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يُطلق على هذا وعلى هذا، لا أن (١) الموجودات في الخارج يشارك بعضها بعضاً (٢) في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز (٣) عن غيره بذاته وصفاته والمعتزلة ظنت أن الاشتراك في ذلك يُوجب حكماً، ولذلك قالوا: أن الله قد شارك خلقه في الذاتية، ثمَّ تميز عنهم بعد المشاركة (٤) بالصِّفة الأخص، ونَقَمَ ذلك عليهم غير واحد من العلماء أهل البيت وغيرهم. وقال السيد حميدان (٥) في ذلك: لقَّبُوا الجسمَ بالذوات ليقضُوا ... باشتراكٍ في حالةٍ وانفصالِ وادَّعَوا أن للمُهيمن ذاتاً ... شاركت ثُمَّ فارقت في خلالِ

стр. 1753

ثمَّ قاسوا ما فرَّعوه وخاضُوا ... في شروحٍ لهم عِرَاضٍ طِوَالِ وقال في ذلك أيضاً في أُرجوزته التي سماها الإمام المطهر بن يحيى ﵇ " المزلزلة لأعضاد المعتزلة "، ومنها في هذا المعنى: ليس الإله الواحدُ القدوس ... كما يظنه الذي يقيسُ مِن وصفه التشريكُ والتجنيسُ ... بل قولُهم مشاركٌ تلبيسُ إذ كلُّ فكرٍ دُونَه محبوسُ ... وكلُّ ما تخالُه النفوسُ فمدرَكٌ مُكيَّفٌ محسوسُ (١) وكان كثير من أهل البيت يُصححون ما ذكره السيد حميدان، وكتب غير واحد منهم خطوطهم في مجموعه المعروف أنه اعتقادهم. وممن أنكر ذلك (٢) على المعتزلة وغيرهم فخر الدين الرازي في كتبه، فمن ذلك في كتابه " الملخص في علم اللطيف والجواهر والأعراض "، وهو كتاب جليل في فنه لم يصنف في معناه مثله، قال فيه في الباب الثالث في الأجسام البسيطة من الجملة الثانية في الجواهر في الكلام على أن الكواكب هل تقبل (٣) الخرق أم لا؟: إن (٤) من قال: إنها تقبله، احتج بتساوي الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى قوله في آخر ذلك: وفي هذه الطريقة (٥) أبحاثٌ عميقةٌ أصولها مرت في هذا الباب، وتفاصيلها مذكورة في كتاب " النهاية " (٦) إلى قوله في ذكر

стр. 1754

سُخُونة الكواكب في هذا الباب: ولِقَائِلٍ أن يقول: الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في تمام (١) الماهية، فلم (٢) لا يجوز أن يكون الكوكب والنار مشتركين في غاية السخونة، لكن الكواكب مخالفةٌ في ماهيتها لماهية النار، فلأجل ذلك كانت النار التي عندنا شفافة إلى قوله في القسم الثاني في البسائط العنصرية: إنه لا يلزم من اشتراك الهواء والنار في الحرارة (٣) والرِّقة اشتراكهما في تمام الماهية. وقال في الباب الأول في تجوهر الأجسام من الجملة الثانية في الجواهر، في الرد على من قال: إن اختلاف الأعراض لا بد أن يكون لاختلاف صور (٤) مركوزةٍ في تلك الأجسام، لأنها مشتركة في الجسمية ... إلى قوله: والاعتراض: لا نسلِّم اشتراك الأجسام بأسرها في الجسمية، إلى آخر كلامه. قلت: وإنما اكتفي بعدم التَّسليم لذلك في جميع المواضع، لأن الخصم لم يأتِ بحُجَّةٍ بيِّنةٍ يقبُحُ إنكارُها إلاَّ مجرَّد تخيُّلات، والامتناعُ في مثل هذا من التسليم أصحُّ من الاستدلال، لأنه لا مجال للعقل في هذه المضايق، فالممتنع أسعد بالحق من المستدل لسلامته من دعوى ما لا يعلم وصدقه في عدم تسليمه (٥) حينئذ، ولأن استدلالهم في ذلك يرجع حاصله على اختلاف عباراتهم إلى أنهم لم يعلموا دليلاً على اختلاف الأجسام، فوجب نفيه، وسيأتي إبطال هذه الطريقة، وأنه لم يَقُمْ عليها دليل، فالامتناع من تسليمها يكفي، إذ كان قولهم: إنها حجة مجرد دعوى. وقال قبل هذا في هذا الباب في رد الحجة الثالثة من أدلة من زعم أن

стр. 1755

الجسم مركبٌ من الهيولى والصورة. وأما الثالثة، فهي بعد تسليم أن الفلك يستحيل عليه التغير في المقدار والشكل مبنية (١) على أن الأجسام متحدة في الطبيعة الجسمية، لكن ذلك مما لم (٢) يثبت بدلالةٍ قاطعةٍ. وقال في " نهاية العقول " في الأصل الثالث في حدوث الأجسام في المسلك الأول من المسالك الثلاثة في سبب اختصاص الجسم بحيِّز (٣) مخصوص، وهو الحجة الأولى لخصوم أهل الأثر ما لفظه: قولكم: إن الجسمية أمر مشترك بين الأجسام. قلنا: لا نسلِّم، والذي يدل على ذلك أنها لو كانت مشتركة بين أفراد الأجسام، لكانت شخصية (٤) كل واحد من الأجسام زائدة على جسميته، لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لكن يستحيل أن تكون شخصية الجسم المشخص زائدة على جسميته، فإن انضمام ذلك الزائد إلى الجسمية (٥) في الخارج يتوقف على حصول الجسمية في الخارج، وحصول الجسمية في الخارج يتوقف على (٦) شخصه الذي هو عبارة عن انضمام ذلك الزائد إليه، ويلزم من ذلك الدور، فثبت أن القول بكون الجسمية أمراً مشتركاً بين أشخاص الأجسام يؤدي إلى هذا المحال، فيكون مُحالاً. لا يُقال: المعقول من الجسمية إنما هو شغل الحيز، ومنع الغير أن يكون بحيث هو، وهذا القدر مشتركٌ، لأنا نقول: ليس الشغل والمنع (٧) نفس

стр. 1756

الجسمية، بل حكمٌ من أحكامها، ولا يلزم من الاشتراك في المؤثِّر الاشتراك في الأثر، ويدل عليه أمور ثلاثة: أحدها: أن الذات حال الحدوث يجب افتقارها إلى الفاعل، وحالة البقاء يمتنع افتقارها إليه، مع أن الذات واحدة في الحالين، فإذا جاز أن ينقلب الشيء الواحد من الوجوب إلى الامتناع الذاتيين بحسب زمانين، فلأن يجوز (١) ذلك في المثلين أولى. وأيضاً فلأن الجوهر الحادث مثل الباقي، ثم لا يلزم من تماثلهما تساويهما في صحة المقدورية، وامتناعها، فكذا ها هنا، وكذا العَرَضُ الذي لا يبقى يصحُّ أن يحدث في زمان عدمه مثله، ولا يلزم من صحة حدوث مثله في ذلك الزمان صحة وجوده في ذلك الزمان، وكذا (٢) ها هنا. الثالث: أن الممكن المعين يحتاج إلى مؤثِّر معين أو شرط معين، وعلة تلك الحاجة هي الإمكان، لأنا لو رفعنا الإمكان بقي إما الوجوب أو الامتناع، وهما مستغنيان عن المؤثِّر، ثم إن الإمكان (٣) مشترك بين الممكنات، ولا يلزم من اشتراكها في الإمكان اشتراكها في الحاجة إلى ذلك المؤثر المعين، أو إلى ذلك الشرط المعين، لأن أكثر الطوائف أثبتوا مؤثراً غير الله تعالى، فإن بعضهم زعم أن العبد مُوجِدُ، وبعضهم أثبث معاني توجب أحوالاً، وبعضهم أثبت طبيعة وعقلاً ونفساً. ثم إن سلمنا أنه لا مؤثِّر إلاَّ الواحد، ولكن لا نِزَاعَ في كثرة الشروط إذ الجوهر شرط العرض، والحياة شرط العلم، وذلك مما لا خلاف فيه بين

стр. 1757

العقلاء. ومعلوم أن حاجة المشروط إلى الشرط لإمكانه، والشرط علة لصحة المشروط، ومع أنه لا (١) يلزم من احتياج صحة ذلك المشروط إلى ذلك الشرط احتياج كل صحة إلى ذلك الشرط، فثبت أنه لا يلزم من الاشتراك في المقتضى الاشتراك في الحكم. ثم إن سلمنا أن الاشتراك في السبب يقتضي الاشتراك في الحكم (٢)، ولكن متى؟ إذا فُقِدَ الشرط، أو إذا (٣) وُجِدَ مانعٌ، أو إذا لم يكن كذلك، الأول ممنوع، والثاني مسلم بيانه. وهو أن الأشياء المتماثلة في تمام الماهية لا بد وأن تكون متمايزة تشخيصاتها وتعييناتها (٤)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فإذاً تشخيص كل شخص يكون زائداً على ماهيته (٥)، ولأن المتصور من هذا الجسم لا يصح أن يكون محمولاً على كثيرين، مع أنا نعلم بالضرورة أن المتصور من الجسم داخل في المتصور من هذا الجسم، فعلمنا أن المتصور من هذا الجسم (٦) دخل (٧) فيه مفهوم زائد على المتصور من الجسم، وإذا ثبت ذلك، ظهر أن تعيُّن كل شخص زائد على حقيقته، وإذا كان كذلك، فمن المحتمل أن تكون شخصية الشخص المعين من الأجسام المتماثلة تكون شرطاً لاقتضاء الجسمية للحصول في ذلك الحيز، أو تكون شخصية الجسم الآخر مانعة من ذلك الاقتضاء، وإذا كان كذلك، لم يلزم من اشتراك الأجسام في تمام الجسمية، وكونها موجبة الحصول في الحيز المعين اشتراك كل الأجسام في ذلك، وبهذا التقدير يتبين أن المقدمة المشهورة من أن المتماثلات يجبُ استواؤُها في جميع اللوازم مقدمة ضعيفة.

стр. 1758

لا يقال: التعيين أمرٌ عَدَميٌ، فإن معناه أنه ليس غيره، والقيد العدمي لا يصلح أن يكون جزءاً (١) من المقتضى، لأنا نقول: لا نُسلِّم أنه أمر عدميٌّ، وبتقدير تسليمه، فالمقصودُ حاصلٌ أيضاً، لأنه لا نزاع بين العقلاء أن العدم يصلح أن يكون شرطاً، ألا ترى أن عدم الضدِّ شرطٌ لصحة حلول الضد الآخر في المحلِّ؟ انتهى بحروفه ذكره الرازي فيما يرد على دليل الأكوان مع غيره. ثم عقَّب الجواب على الجميع، فأجاب على المنع من تماثل الأجسام بجوابهم المعروف في الاستدلال على عدم الشيء بعدم الدليل عليه، وأشار إلى ضعفه، وقد بالغ في بطلانه، كما يأتي الآن في الحجة الثانية، وقوَّى أنه التعيُّن (٢) وصفٌ عدمي، وأن الدور غير لازم، وترك صحة كونه شرطاً بغير جواب لأنه قوي عنده كما ذكره في غير موضعٍ، ومن احتج بهذا في إثبات الصفة الأخص، يلزمه أن يكون التعيين وصفاً ثبوتياً، لأنه يجعل تميز الرب سبحانه عن غيره يستلزم ذلك حيث كان قد شارك الذوات في أنه ذاتٌ، ثم تميَّز عنها بتعيُّن ذاته وتميزها، فتأمل ذلك، بل هذا يلزمه تجويز مثل ذلك في كل متمايزين يحتملان مثل ذلك، ولو بمجرد احتمال. ولهذه الشكوك في طرق المتكلمين اختار الإمام المؤيد بالله في كتاب " الزيادات " الاستدلال على ثبوت الباري بالأحكام الذي في المخلوقات وحسن التقدير، ثم أجاز بعد ذلك أن يستدل على خلق (٣) سائر المخلوقات بالسمع. قلت: وصح (٤) في طريق على قوتها الاستدلال على الله تعالى بالمعجزات، فإنها حادثة بالضرورة ومخالفة للطبع بالضرورة، وهي (٥) طريقة

стр. 1759

مُجمعٌ على صحتها عند المتكلمين والسلف والخلف، وفي هذا ما ترى من شهرة النزاع بين أئمة هذا الفن في الأمرين معاً: أحدهما: نزاعُهم في تماثل الأجسام في الجسمية. وثانيهما: نزاعهم في أن تماثلها على تسليمه يُوجِبُ استواءها في جميع اللوازم. وإنما سقتُه بطوله، ليعلم الواقف على ذلك وأمثاله من قواعد هذه المسألة أن المخالف فيها غير معلوم العناد (١) والتعمُّد، فيكون من أهل التأويل الذي يجوز قبول حديثهم عند الجمهور، بل يجب على ما تقدم. ويُشبه هذا ما ذكر الإمام يحيى في مقدمات " التمهيد "، والرازي في مقدمات " النهاية " من تضعيف المقدمتين المشهورتين عند المتكلمين، أحدهما -وهي الثالثة (٢) في " التمهيد " والثانية في " النهاية "-: استدلالُهم بتساوي الشيئين في بعض الوجوه على تساويهما مطلقاً، وذكرا لذلك أمثلة، ثم ذكرا أنها ضعيفة جداً، وساقا الدليل على ذلك، ونزاعهم في أدلتهم بعدم (٣) التسليم، ومن أحب معرفة ذلك، وقف عليه في موضعه، فقد نبَّهت على ذلك (٤)، والدليل على من ادعى صحة ذلك، فلم نحتج نطوِّل بذكره (٥). ومما تطابقا على التمثيل، والرد له قول البهاشمة (٦): لو كانت معاني صفات (٧) الله قديمة، كانت

стр. 1760

مساوية لذاته في القدم، فيجب تساويها في جميع الوجوه، فتكون أرباباً. الحجة الثانية: للمعتزلة على تماثل الجواهر والأجسام، بل (١) جميع المستقلات بأنفسها التي سموها أجساماً، هي أنه لا دليل على اختلافها (٢) في ذواتها، وما لا دليل عليه يجب نفيه. ممَّن عوَّل على هذا منهم: مدقِّقُهم ومحققهم الشيخ ابن متويه في " تذكرته "، وهذا لفظه: قوله: فإن قال: كونه جواهراً (٣) مختلفاً (٤) في الذوات، وكذلك تحيُّزه، وكذلك الوجود، فلا يجب لأجل الاشتراك فيما ذكرتم أن يُقضى بالتماثل. قيل له: إن هذه الصفات لو اختلفت، لكان إلى اختلافها طريقٌ والطرق (٥) التي بها يعرف اختلاف الصفات إما الإدراك، أو الوجدان (٦) من النفس، أو اختلاف الأحكام. انتهى بحروفه. وتلخيصه: أن الجواهر متغايرةٌ في ذواتها (٧) بالاتفاق وتماثُلُها غير معلومٍ ضرورةً بالاتفاق (٨)، فاحتاج القائل به إلى برهانٍ صحيحٍ قاطعٍ، ولم يأتوا بشيءٍ من ذلك. فأجاب الشيخ ابن متويه بقاعدتهم المشهورة الباطلة عند النُّقاد، وهي: أن ما لم يقُم الدليل على ثبوته يجبُ نفيه، وقد ردَّ هذا بأن القديم في الأزل لا (٩) دليل عليه مع وجوب (١٠) ثبوته حينئذٍ، فكان يلزمهم وجوب نفيه

стр. 1761

حينئذٍ، ولأن ذلك ليس بأولى من أن ما لم يقم دليل ٌعلى نفيه يجب ثبوته، ذكره الشيخ مختارٌ المعتزليُّ من أصحاب أبي الحسين في كتابه " المجتبى "، وحكى ابن متويه في " تذكرته " أن الشيخ أبا القاسم البلخيَّ الكعبي (١) شيخ البغدادية خالفهم في ذلك، وكذلك حكى البحتري (٢) في جواب المسائل القاسمية، أن إنكار ذلك هو قول القاسم بن إبراهيم ﵇ وقول أتباعه، واحتجَّ على ذلك، وذكر الشيخ مختار في " المجتبى " أن ذلك قول أكثر المحققين، وجوَّد الاحتجاج على ذلك في المسألة الثانية عشرة من خاتمة أبواب العدل، فلينظر فيه (٣). ولنذكر كلام المحققين في بطلان (٤) ذلك من غير تقليدٍ لهم، ولكن نُورِدُ الأدلة للنُّظَّار ليعلموا الصَّحيح، ثم ليعلموا أن المخالف في مثل هذه الدقائق معدودٌ من المتأولين المقبولين (٥) في الأخبار، فَمِنَ المزيِّفين لهذه الطريقة: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ فإنه بالغ في إبطالها في أوائل " التمهيد " في الفصل الثالث في مسالك المتكلمين الفاسدة، قال ﵇: وهي خمس، قال ﵇ (٦): الأولى: قولهم: الشيء الفلاني لا دليل عليه، وما لا دليل عليه يجب نفيُه، وساق ﵇ كلام الرَّازيِّ الآتي الآن بألفاظه إلاَّ اليسير، إلى قوله: إن الدليل إنما يفيد العلم إذا كانت مقدماته بديهية أو لازمة للبديهية (٧)، وأقتصر على ذلك القدر، وفيه كفاية، ولما اشترك فيه هو والرازي، وزاد الرازي (٨) عليه، أوردتُ كلام الرازي لتضمنه كلام الإمام وزيادته

стр. 1762

عليه كراهيةً للتطويل (١)، بسياق كل كلام على انفراده. فأقول: قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة في مقدمات " التمهيد "، وفخر الذين الرازي في مقدِّمات " نهاية العقول "، واللفظ له: الفصل (٢) السابع في تزييف الطرق الضعيفة، فالأُولى: أنهم متى حاولوا نفي شيءٍ غير معلوم الثبوت بالضرورة، قالوا: إنه لا دليل عليه، وما لا دليل عليه، فيجب (٣) نفيه، أما بيان أنه لا دليل عليه، فإنما يُثبتُونَه بنقل أدلة المثبتين لذلك الشيء، ثم ببيان فسادها وضعفها، وقد يقيمون الدلالة على حصر وجوه الأدلة، ثم يكتفون في بيان انتفائها بعدم وجدانهم لها، والأول أولى، لأنه إذا كان لا بد في آخر الأمر من التعويل على عدم الوجدان، فلأن نتمسك به ابتداءً حتى نُسقِطَ عن أنفسنا بيان حصر وجوه الأدلة أولى. قلت: يعني لأنه لا دليل لهم على انحصار الأدلة في طريقة الحصر والسبر إلاَّ عدم الوجدان. قال: وأما بيان أن ما لا دليل عليه وجب نفيهُ، فهم يثبتونه من وجهين: الأول: أن تجويز ما لا دليل عليه يلزم منه القدح في العلوم الضرورية والعلوم النظرية، وما أدى إليه يجب أن يكون فاسداً. بيانُ أدائه إلى القدح في العلوم الضرورية (٤) أنا إذا جوَّزنا إثبات ما لا دليل عليه يلزم تجويز أن يكون بحضرتنا جبالٌ شامخة وأصوات هائلة، ونحن لا ندركها، لأن الله خلق في عُيوننا ما يعارض إدراكها، ولعل لكل واحدٍ منا ألف رأس، إلاَّ أنه قام بالعين ما يمنع إدراك ما عدا الواحد منها، وإن لم نُقِم دليلاً (٥)

стр. 1763

على إثبات المانع، وبيان أدائه إلى القدح في العلوم النظرية: أنا إذا استدللنا بدليل على شيء، فإذا جوَّزنا ثبوت ما لا دليل عليه، فلعل في مقدمات ذلك الدليل غلطاً لم نقف عليه نحن ولا غيرنا، ومع هذا التجويز لا يمكن حصول اليقين، فإذا لا بد من دفع هذا التجويز، ودفعُه لو كان بدليل آخر، لكان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم منه حاجة كل دليل إلى دليل آخر، لا إلى نهاية، وذلك محالٌ، فإذا لو لم نقطع بنفي ما لا دليل على ثبوته، لم يمكنا أن نجزم بصحة الدليل، فثبت أن تجويزنا ما لم تقُم الدلالة على ثبوته يؤذن بالقدح في الضروريات والنظريات. زاد الرازي. الثاني: أن الأمور التي لم يدل الدليل على ثبوتها غير متناهية، فلو جاز إثبات ما هذا شأنه، لزم إثبات أمورٍ لا نهاية لها، وذلك محالٌ، فهذا تقرير هذه الحجة، وهي عندي ضعيفة جداً. ثم اتفقا في رد الشبهة، فقالا: قولُكم في المطلوب المعين: إنه لا دليل عليه، تعنُون به أنكم لم تعرفوا دليل ثبوته، أو تعنون أنه ليس في نفس الأمر عليه دليل. فإن عنيتُم (١) به الأول، كان حاصل كلامكم (٢) أن الشيء الفلاني لم نعرف على ثبوته دليلاً، وكل ما لا (٣) نعرف على ثبوته دليلاً وجب نفيه، وعلى هذا التقدير تكون المقدمة الأولى خفية، لكن المقدمة الثانية ظاهرة الفساد، لأنه لو كان عدم علم الإنسان بدليل ثبوبت الشيء دليلاً على عدم ذلك الشيء، لزم من هذا أن يكون العوام كلهم جازمين بنفي الأمور التي لا يعلمون دليلاً على ثبوتها، ولزم كون المنكرين لوجود الصانع، والتوحيد، والنبوة (٤)، والحشر

стр. 1764

عالمين، لكونهم (١) غير عالمين بأدلة ثبوت هذه الأشياء، بل يلزم أن يكون الإنسان كلما كان أقل معرفة بالدلائل أن يكون أكثر علماً. وفساد هذا أكثر من أن يُحتاج فيه إلى الإطناب. وإن عنيتم به الثاني، كان معنى كلامكم أن (٢) الشيء الفلاني لا دليل على ثبوته في نفس الأمر، وكل ما كان كذلك وجب نفيه، وعلى هذا التقدير تكون هذه (٣) المقدمة الثانية صحيحة، لكن المقدمة الأولى لا تتقرر (٤) بتزييف أدلة المثبت (٥) له لأنه من الجائز أن يكون على ثبوت ذلك الشيء دليل وإن لم يقف المثبت له على ذلك الدليل هنا. وبالجملة لا يلزم من الوجوه التي تمسك بها المثبت في إثبات ذلك الشيء ألاَّ يكون (٦) على إثبات ذلك دليل غير معلوم للمثبت. ثم إن سلمنا أنه لا دليل عليه في الحال، ولكن من الجائز أن يوجد بعد ذلك ما يدلُّ عليه، وهو إخبار الشرع عنه، ومعلوم أن خبر الشارع عن ثبوت الشيء يفيد العلم به، إذا كان لم يتوقف العلم لكون الشارع صادقاً على العلم به. فما دام يبقى احتمال أن يخبر الشارع عن ثبوته، استحال الجزم بعدمه، ولولا صحة هذه الطريقة (٧) لزمنا أن نقطع بعدم وقوع هذه الممكنات التي لا طريق إلى العلم بوقوعها إلاَّ إخبار الشرع، نحو مقادير السماوات والأرض والكواكب، وأحوال الجنة والنار، ومقادير الثواب والعقاب، وحصول الملائكة

стр. 1765

والجنِّ عندنا، ثم وإن سلمنا أنه لا دليل على ثبوته في الحال والاستقبال، فَلِمَ قلتم بأن ما كان كذلك وجب نفيه؟ قوله: يلزم من تجويزه القدحُ في العلوم الضرورية. قلنا: العلم بعدم الجبل بحضرتنا (١)، وبعدم الرؤوس الكثيرة للشخص الواحد، مما يكون متوقفاً على العلم بأن ما لا دليل علبه يجب نفيه أو لا يتوقف، فإن كان متوقفاً، لم يكن حصول العلم بأنه لا جَبَلَ بحضرتنا إلاَّ بعد العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيُه، ويلزم من ذلك محذوران: أحدهما: أنه إذا كان العلم بعدم كون الجبل بحضرتنا متوقِّفاً على العلم بأن ما لا دليل عليه يجب نفيه، وهذا القائل قد بنى قوله على أن ما لا دليل عليه وجب (٢) نفيه، على أن القدح فيه يفضي إلى كون الجبل بحضرتنا، فحينئذٍ يلزم الدَّورُ. وثانيهما: أنه إذا كان العلم بعدم الجبل بحضرتي موقوفاً (٣) على العلم بأن ما لا دليل عليه يجب نفيُه، فحينئذ يكون عدم الجبل بحضرتي علماً نظرياً مستفاداً من دليل، فلا يلزم من القدح فيه القدح في العلم الضروري. وأما إن لم يكن العلم بعدم الجبل بحضرتي موقوفاً على العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيه، لم يلزم من عدم العلم بأن " ما لا دليل عليه وجب نفيه " زوال العلم بأن لا جبل بحضرتنا، فإن (٤) ما لا يتوقفُ حصوله على حصول غيره لم يلزم من عدمِه عَدَمُه. وأما قوله: يلزم منه القدح في العلوم النظرية لاحتمال أن يكون هناك غلطٌ غير معلومٍ.

стр. 1766

قلنا: قد بينا أن الدليل إنما يفيد (١) العلم إذا كان (٢) مقدماته بديهية ابتداء، أو تكون بديهية (٣) اللزوم عن البديهي ابتداءً (٤)، فعلى (٥) هذا إنما نحكم بصحة النتجية عند العلم بصحة المقدمات، لا عند عدم العلم بفسادها، فأين أحد البابين عن الآخر. انتهى ها هنا كلام الإمام يحيى بن حمزة ﵇ وزاد الرازي: وأما قوله: ما لا دليل على ثبوته (٦) لا نهاية له، فلو جاز إثبات (٧) ما هذا شأنه، لزم إثبات ما لا نهاية له. قلنا: إن قام دليل قاطع على استحالة (٨) وجود ما لا نهاية له، لم يلزم من الجزم بعدم ما قام الدليل على امتناع حصوله الجزم بعدم ما لم يقم الدليل على امتناع حصوله لظهور الفارق، وإن لم يقم دليل على امتناع حصوله (٩)، لم يمكنا (١٠) القطع بعدم حصوله (١١)، فالحاصل أنهم قاسوا عدم حصول الشيء على عدم حصول ما لا نهاية له، ونحن نقدح في هذا القياس، إما بإظهار الفارق، أو بمنع الحكم في الأصل، وبنحو هذا يُجاب على من قال منهم: إنهم لا يقولون بأن ذلك حجة إلاَّ حيث يؤدي عدم الاحتجاج به إلى المحال،

стр. 1767

أو نحو ذلك، فيجاب عليه بوجوه: أحدها: أنه إذا لم يحتجَّ به إلاَّ في نحو (١) ذلك، جاز أن لا تكون الحجة (٢) إلا في لزوم المحال من بطلانه، لأنه يلزم من ارتفاع أحد النقيضين حصول الآخر، وهذا انتقال من موضع الخلاف الذي لم يثبت فيه برهانٌ إلى موضع الوفاق، وهذا مثل من يحتج بدليلٍ ظنِّي في موضع القطع، فإذا نُوقِشَ في ذلك، قال: إني لا أحتجُّ به إلاَّ مع دليلٍ قاطعٍ. وثانيها: أن ذلك يؤدي إلى أن تكون المقدِّمة الكبرى (٣) في البرهان جزئية، وذلك لا ينتج، فإنَّك متى قلت: هذا الأمر لا دليل عليه (٤)، وبعضُ ما لا دليل عليه، يجب نفيه، فيجب نفي هذا، كنت مثل من يقول: العالم متغيرٌ وبعض المتغير مُحدّث، فالعالم مُحدثٌ. وثالثها: أنهم إذا اعترفوا بأن ذلك غير حجَّةٍ دائمة، فقد اعترفوا بأنه غير جُجَّةٍ في نفسه وهو المراد، والله أعلم، بل ربما رجع كلامهم في هذا إلى ما تقدم من امتناع تجويزنا الجبل (٥) عندنا فتحرر (٦) ما قال الرازي. ثم إن سلمنا أن ما ذكروه يقتضي أن ما لا دليل عليه وجب نفيه، ولكنا نقول: لو لَزِمَ من نفي دليل الثبوت الجزم بالعدم، للزم منه أيضاً الجزم بالوجود، وذلك متناقضٌ، وما ينتج المتناقض (٧) كان باطلاً، فإذاً هذه الطريقة باطلة.

стр. 1768

بيان ما ذكرنا من وجهين: الأول: هو أن جزم (١) النَّافي بالنفي أمرٌ ثبوتيٌّ، فإما أن يلزم من عدم الجزم بالنفي الجزم بالثبوت أو لا يلزم، فإن لزم (٢)، فنقول: كما لم يوجد ما يقتضي ثبوت المطلوب، لم يوجد ما يقتضي الجزم (٣) بالنفي، فليس الاستدلال بعدم دليل ثبوت الشيء على ثبوت الجزم بانتفائه بأولى من الاستلال بعدم دليل ثبوت الجزم بالنفي على حصول المطلوب. وإما أن تحصل (٤) الدلالتان معاً، فحينئذٍ يلزم منه الجزم بالثبوت والعدم، وهو محالٌ، وإما أن لا يحصُل واحدٌ منهما، فيكون ذلك (٥) اعترافاً بأن عدم دليل الثبوت لا يقتضي الجزم بالنفي، وأما إن كان لا يلزم من عدم الجزم بالنفي (٦) الجزم بالثبوت، فذلك إنما يكون إذا كان بينهما واسطةٌ، وإذا كان كذلك، لا يلزم من عدم ما يقتضي الجزم بالثبوت (٧) الجزم بالنفي لاحتمال القسم الثالث، وهو عدم الجزم أصلاً وحصول التوقف. قلت: وهذا الوجه هو المعتمد، وفيه كفايةٌ لما يظهر في الوجه الثاني من (٨) قبيل المعارضة دون التحقيق. قال الرازي: الثاني: سلمنا هذا، ولكن، إن جاز (٩) أن يُستدل بعدم دليل

стр. 1769

الثبوت على النفي، جاز أن يُستدل بعدم دليل (١) النفي على الثبوت، فيلزم من ذلك الجزم بالإثبات والنفي معاً، وهو محال. لا يقال: فرقاً بينهما من وجوهٍ أربعة: أحدها: هو أن دليل النفي إما أن يعني به عدم دليل الثبوت، أو يعني به وجود دليل النفي. فإن عنى به الأول، كان عدم دليل النفي عبارة عن عدم دليل الثبوت، وهو نفس دليل (٢) الثبوت، فيكون حاصله الحكم بالإثبات لوجود دليل الثبوت، وذلك لا نزاع فيه، وإن عنى به الثاني، لم يلزم من عدم ما ينفي وجود الشيء حصول ذلك الشيء لاحتمال حصول عدمه بالطريق الأول، وهو عدم المثبت. وثانيها: أن دليل كلِّ شيء على حسب ما يليق به، فدليل الثبوت يجب أن يكون ثبوتياً، ودليل النفي يجب أن يكون عدميَّاً. وثالثها: إذا لم نجد على (٣) إنسانٍ ما يدلُّ على نبوته، قطعنا (٤) إنه ليس بنبيٍّ، وليس إذا لم نجد عليه ما يقدح في نبوته يقطع بكونه نبياً. ورابعها: أنا لو نفينا ما لم يوجد دليل ثبوته، لزم نفي أمورٍ غير متناهيةٍ، وهو غير ممتنع، أما لو أثبتنا ما لم يوجد دليل عدمه، لزم (٥) إثبات ما لا نهاية له، وذلك ممتنع، فظهر الفرق، لأنا نقول: أما الأول، فهو معارضٌ بمثله، لأن من قال في الشيء المعين: إنه لا دليل على ثبوته، فيقال: إن دليل الثبوت قد يراد به عدم دليل العدم، وقد يراد به ما يقتضي نفس الثبوت، فإن عنيت الأول،

стр. 1770

كان معنى قولك لم يوجد دليل الثبوت، أنه قد عدم دليل الثبوت، أنه قد عُدِمَ دليل الثاني، وذلك هو نفس وجود (١) دليل العدم، فيكون حاصله الحكم بالنفي لوجود ما يقتضي دليل النفي، وذلك غير هذه الطريقة، وإن عنيت الثاني، لم يلزم من عدم ما يقتضي الثبوت إلاَّ يكون الثبوت حاصلاً لاحتمال أن يحصل بواسطة الطريق الثاني، وهو عدم دليل العدم. وأما قوله: دليلُ كل شيءٍ بحسب ما يليق به. قلنا: هذا كلامٌ إقناعيُّ، ثم إنه باطل، لأنا توافقنا على أنه يجوز الاستدلال بعدم شيءٍ على ثبوت شيءٍ آخر، بل ذلك هو الحق، فإنه يلزم من ارتفاع أحد النقيضين القطع بحصول النقيض الآخر (٢). قوله: إذا لم يجد إنسانٌ ما يدل على نبوَّته، قطعنا أنه ليس بنبي. قلنا: لا نُسلِّم، بل إنما نقطع بذلك لقيام الدلالة القاطعة على أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ، ولولا ذلك لما قطعنا به. قوله: لو نفينا ما لم يوجد دليل ثبوته، لزمنا نفي ما لا نهاية له، ولو أثبتنا وجود ما لا دليل على نفيه، لزمنا إثبات ما لا نهاية له. قلنا: نحن لا (٣) ندعي أن الاستدلال بعدم دليل النفي على الثبوت (٤) طريقٌ مستقيمٌ، بل نقول: إنه لا فارق في العقل بين الاستدلال لعدم دليل الثبوت على النفي وبين الاستلال بعدم دليل النفي على الثبوت، ولكن ذاك محالٌ لوجوه: منها ما ذكرتم أنه يلزم منه إثبات ما لا نهاية له، فيكون ما ذكرتموه باطلاً، وهذا إنما يتمشَّى لو دلَلْنَا على أنه يلزم من أحدهما الآخر، أما لو لم يدل

стр. 1771

عليه، فهذا الكلام غير جيد، وفي هذا الموضع مزيدُ نظرٍ. وبالله التوفيق. انتهى كلام الرازي، وقد جوَّده وطوَّله، لأنه يُحيل (١) إليه من بعد بأدنى إشارة، كما قال في دليل الأكوان بعد المنع من تماثل الأجسام مُحتجاً للخصوم بحجَّتهم المعروفة التي فرغنا من تزييفها ما لفظه. قوله: لا نُسلِّم (٢) أن الجسميّة أمرٌ مشترك. قلنا: المرجعُ في تماثل المتماثلات واختلاف المختلفات، إما إلى العقل، أو إلى الحسِّ، وكلاهما حاكمان بتساوي الأجسام في الجسمية، لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات، وصريح العقل شاهد بأن هذا القدر غير مختلف في أفراد الأجسام، وأما في الحس، فلأن كل جسمين يتساويان فيما عدا الجسمية من الصفات، فإنه يلتبس أحدهما بالآخر حتى يظن أن أحدهما هو الآخر، ولو كان الاختلاف في الجسمية حاصلاً، لما حصل الالتباس (٣). قال الرازي: وفي هذا الكلام (٤) نظرٌ. ولم يزد على هذا، وهو يعني جميع ما تقدم في نقض هذه الحجة التي هي الاستدلال على عدم الشيء بعدم الدليل عليه، وجميع ما تقدم في نقض دعوى تماثل الأجسام. وأنا أنبه على يسيرٍ مما يعارض ذلك. فأقول: لا نُسلِّم أوَّلاً أن المرجع في اختلاف المختلفات كلها إلى العقل أو الحسِّ، بل المرجع إليهما فيما أدركنا اختلافه من المختلفات، لكن ما المانع أن يكون الاختلاف في نفسه مختلفاً، منه (٥) ما يصح أن يدركه البشر

стр. 1772

بعقولهم وحسهم، ومنه ما لا يصح أن يُدركوه بهما (١) ولا دليل لهم على رفع هذا الاحتمال (٢) إلاَّ عدم وجدانهم لذلك، واعتقادهم وجوب (٣) النفي لما لم يجدوه، وقد مر بطلانه، فظهر أن هذه الحجة ترجع إلى ذلك، وإن زخرفوها (٤) بتغيير العبارة، ولذلك قال الرازي: وفي هذا الكلام نظر، سلمنا أنه كله مما يصح أن (٥) يدركوه بهما أو بأحدهما، لكن ما المانع أن يكون الحسُّ هو الطريق إلي معرفة اختلاف الأجسام، لكن لم يحصل ذلك الإدراك الممكن لمانعٍ، تارة يرجع إلى المختلف وتارة إلى (٦) الاختلاف. بيانه أن الجواهر وما لَطُفَ من الأجسام لا تُدْرِكُ هي أنفسها للطافتها، وذلك أمرٌ ضروري متفق عليه، فإذا لم تدرك هي أنفسها، فكيف اختلافها؟! فجاز أن يكون عدم الإدراك مما (٧) صَغُرَ وخَفِيَ من الأجسام لأمرٍ راجع إلى نقصان إدراك البشر وضعف قوتهم في إدراكهم عن إدراك كل شيء كما لا تدرك الملائكة والجن والشياطين، ولا تُدرَكُ كبار الأجسام لإفراط البعد (٨)، وما المانع أن يُدْرِكَ الله تعالى من الذوات اللطيفة واختلافها اللطيف ما لا يدرك، ومن العجب موافقة (٩) الخصم على أنه تعالى يُدرِكُ من الذوات اللطيفة ما لا يُدرَكُ (١٠)، ونزاعه في أنه يُدرِكُ من اختلافها ما لا نُدرِك، ولا شك أن اختلاف ما

стр. 1773

لطُفَ ألطفُ من ذاته، وأما الأجسام المُدَركة، فالاحتمال فيها من وجهين: أحدهما: أن الخصم مسلِّمٌ أنا (١) قد لا ندركها مع عظمها لمانعٍ من ضعف البصر، أو البُعد المُفرطِ، أو الحجاب الكثيف، فيجوز أنا لم ندرك اختلافها لمانعٍ، وهو اتصافها بالصفات العارضة من الألوان والمقادير والأشكال والصور، ولعلها لو تجرَّدت من (٢) هذه الأمور، أدركنا نوعاً آخر من الاختلاف لم نعرِفْهُ قطُّ. وثانيهما: أنه (٣) كما صح أن (٤) في الذوات ما لا يُدرَكُ (٥) للطافته، فلا يمتنعُ أن يكون اختلاف الأجسام العظيمة لطيفاً غامضاً، ولا (٦) يدرك للطافته، ولا يعلمه إلاَّ الله تعالى. ألا ترى أنه لو أخبر الله بذلك لوجب تصديقه، ولم يكن كالإخبار بأن البعض أكثر من الكل، بل قد أخبر الله تعالى باختلاف المتحيِّزات في ذكره سبحانه: ﴿إرَمَ ذات العماد﴾ [الفجر: ٧]، حيث قال في وصفها: ﴿التي لم يُخلقْ مثلُها في البلاد﴾ [الفجر: ٨] فأمِنَ بذلك من لم يعرف علم الكلام من جميع أهل الفطر السليمة من التغيير من جميع طوائف المسلمين وسلفهم الصالح، واحتجُّوا به، ولم يجعلوا ظاهره في البُطلان كالمقيد بوجود المُحال الذي يجب القطع على أن ظاهره كذب مقطوعٌ به لا يمكن تجويز صدوره من الله، وكذلك يجد الإنسان التطلعَ إلى سؤال من يعلم الغيب عن الشفاء واليقين في مثل هذه المشكلة تطلُّعَ من تَقَبَّلَ الخبر بأي الأمرين وقع، وليس هذا حال المعلومات اليقينية. فإن قالوا: لا نعلم مانعاً، فيجب نفيه،

стр. 1774

رجعوا إلى ما تقدَّم بطلانه، وعرفت أن دليلهم هنا يدور عليه. ومثال ما ذكرته لك من لُطف الاختلاف الذي يخفى على البشر: اختلاف أئمة الاعتزال في الحركة والسكون وسائر الأكوان، هل هي مُدرَكَةٌ بالبصر أم لا؟ فقال الشيخ أبو عليٍّ الجبائي: هي مُشَاهَدَةٌ، وهو أول قولي أبي هاشم، ثم رجع عن ذلك، فنفى أن تكون مشاهدة لما التبس عليه المتحرِّك نفسه بحركته، فلم يدر هل المشاهد المتحرك وحده أو المتحرك وحركته، ولو رجع من إثبات المشاهدة إلى الوقف، لكان أقوى له، ولكنه رجع إلى الجزم بالنفي ملاحظةً للبقاء (١) على قاعدتهم الفاسدة في أن عدم الدليل على ثبوت الشيء يستلزم القطع بنفيه، فانظر إلى اختلاف هذين الشيخين الكبيرين وتردُّدهما في أمرٍ: هل هو مشاهد أم لا؟ وعلى كلام أبي عليٍّ يكون أبو هاشم جَحَدَ الضرورة المشاهدة وعرض له من الشكِّ فيها ما عرض للسوفسطائية من الشُّبهة في إنكار جميع العلوم الضروريات، وما أوقعهم في هذا إلاَّ دعوى القطع في موضع الوقف، وقد يقفون في بعض المواضع كما يقفون في إدراك الفناء. مع أن ضده مُدرَكٌ، وكما وافقونا (٢) عليه في تجويز ألوان غير هذه الألوان في قدرة الله تعالى من غير دليلٍ عليها، وكذلك في الطعوم والروائح، ولم يخافوا (٣) من هذا لزوم ثبوت ما لا يتناهي من كلِّ جنسٍ من ذلك، كما مر في أدلتهم، وهذا ينقضُ عليهم قاعدتهم في نفي ما لا دليل عليه، بل قد نصُّوا على اختلاف الذوات في العدم، واختلافها فيه غير مُدرَكٍ ضرورة، فبطلت شبهتهم، والحمد لله. واعلم أن قاعدتهم هذه الفاسدة قد ألجأتهم إلى القطع بأن الله لا يصحُّ أن يُدرك، ولا يعلم من اختلاف الأجسام والجواهر في ذواتها (٤) غير ما

стр. 1775

يعلمه ضعفاء البشر، وجُهَّالُهم، وكفي بهذا شناعة على من يقول به، ومناقضة لقولهم: إن الاختلاف ثابثٌ في العدم (١) غير مُدرَكٍ فيه. وعلى الجملة، فالعلم الضروري حاصل باختلاف البشر في الإدراك، تارة لأمرٍ يرجع إلى قوة الحاشة، مثل ما رُوِيَ عن الزرقاء (٢) في حدة بصرها، ومثل ما يشاهد في رؤية الهلال، وأمثال ذلك، وتارة يرجع إلى كثرة المعرفة والخبرة وطول التجربة، مثل ما أن الجوهرى يعلم من اختلاف الجواهر النفيسة والفصوص الثمينة ما لا يعرفه من يُشاهدُها متماثلةً مع صحة بصره لعدم خبرته، وكذلك الصيرفي النَّقَّادُ (٣) يدرك التفاوت العظيم بين الدرهمين المُتماثلين في بصرِ من لا يُحسِن صنعته، بل البهائم تدرك من اختلاف صور أولادها المثماثلة في أبصارنا ما لا ندرك، خصوصاً الشاة والماعز، وكذلك الرعاة (٤) تُدرِكُ من اختلاف صور الشاة ونحوها (٥) ما لا يدرك غيرُهم، وهذا (٦) شيء يعلمه العامَّة،

стр. 1776

فالعجبُ من قوم يدَّعون فرط الذكاء، وبُعْدَ الغايات في التدقيق لم يعرفوا أن الله اللطيف الخبير علاَّم الغيوب يجوز أن يُدرك في (١) اختلاف المتماثلات في إدراكنا ما لا نُدركه، وكيف (٢) لا يكون إدراكه يخالف إدراكنا، وعلمه يخالف علمنا، وصفاته (٣) تخالُف صفاتنا في كمالها في حقه ونقصها في حقنا، وأي أمر ساواه فيه (٤) خلقه، وأين نفي التشبيه (٥) الذي تدعي الخصوم المبالغة فيه؟ وما ألجأهم إلى تشبيه الله تعالى بخلقه الضعفاء في صفة الإدراك، وأوقعهم (٦) فيه؟ وقد ثبت أن من قال في علم الله أو قدرته أو غيرهما من صفات الله المحكمة: إنها مثل صفاتنا، فهو كافرٌ مشبِّهٌ بإجماع المسلمين (٧)، فليحذر في (٨) ذلك، والقائل (٩) بأن إدراكه لاختلاف المختلفات وتماثل المتماثلات لا يصحُّ أن يزيد على إدراكنا قطعاً (١٠) - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً (١١)، وما زال المسلمون يُنزِّهون الله تعالى عن ذلك (١٢). ومن الدائر بينهم قول القائل: يا من يرى مدَّ البَعُوض جَنَاحَهَا ... في ظُلمةِ الليل البهيمِ الأليَلِ ويرى نِياطَ عُرُوقِهَا في سَاقِهَا ... والمُخ في تلك العظام النحل (١٣)

стр. 1777

وكذلك البَّزازُ يعرف تفاوتاً كثيراً في الثياب المتماثلة في رؤية البدوي الغِرِّ، فإذا كان البدوي الغِرُّ يجوز أن يدرك الجوهري والبزاز فيما اختصَّا به، ما لم يدركه (١)، فكيف لا يجوز في البشر الضعيف في قواه أن يستأثر الله تعالى بإدراك ما لا ندركه من اختلاف الأشياء، وقد صح أن الله تعالى خالف بين الأشخاص في وجوههم مخالفة تُحيِّرُ عقول الأذكياء، فما كان العقل يُدرك أن مقدار شبرٍ يُصوِّرُ بصورٍ مختلفةٍ متمايزة إلى حدٍّ لا نهاية له، وقد يخفي علينا من (٢) ذلك ما لا يخفى على الله تعالى من اختلاف البَعُوض والذَّرِّ، وما هو أصغرُ من ذلك في وجوهها واختلاف الأصوات، وقد سمعت عن بعض (٣) العارفين أن كل حبةٍ من العنب وغيره مخالفة للحبة الأخرى في مقدارها، ولا سبيل إلى تكذيب هذا، وبعضه مُدرَكٌ، ولكن من قطع بأن الله تعالى لا يعلم من ذاته إلاَّ مثل ما يعلمه نظَّارةُ البشر لم يُستنكر (٤) منه أن يقطع على أن (٥) الله تعالى لا يُدرِكُ من اختلاف المختلفات إلاَّ ما يُدرِكه البشر فالله المستعان. وليت شعري، من أين جاء للعقول القطع بأن ذوات الملائكة مثل ذوات الكلاب والخنازير، وأن ذات النور مثل ذات الظلمة، وذات الرياح مثل ذات الحديد، وما أحسن الإنسان يَقِفُ حيث لا يعلم، ويتأدَّبُ بقول الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليسَ لَكَ به عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. نسأل الله التوفيق، وقد عَظُمَ

стр. 1778

الوعيدُ فيمن افترى على عينيه في الأحلام (١)، فكيف بمن افترى على عقله في قواعد الإسلام. وذكر ابن متويه في الألوان أن طريقة الحصر إنما تكون حجة حيث تؤدِّي إلى ما لا يعقِلُه أصلاً، وهذا ضعيفٌ جداً، فإنه إن أراد بما لا نعقله أصلاً ما لا نعلمه بنفيٍ ولا إثباتٍ، فمحل النزاع، وإن أراد ما نعلم نفيه، فغير محلِّ النِّزاع. وأيضاً فإن أراد ما لا يتصوره لعدم إلفِنَا له، لَزِمَهُ بطلان القِدَم، فإنَّ العقول تنبو عن تصوُّره لعدم إلفِهَا له، ولأنه لا نهاية له كما ذكره أهل علم المعقولات، وكذلك لا يمكن تصوُّر ذات الله ، مع أنها أحق الحق، والمختصَّة بوجوب الوجود. وإن أراد بما لا نعقله أصلاً ما نعلم بفطرة العقول إحالته وامتناعه، فالعلم بذلك دليل على انتفائه، وقد خرج بذلك عن الاستدلال على نفيه بعدم الدليل على نفيه (٢)، ولو كان كلام ابن متويه صحيحاً، لكان أكبر حُجَّةٍ لخصومه حيث قالوا: إنهم يعلمون بالضرورة إن كل موجوديْن، إما أن يَحُلُّ أحدُهما في الآخر،

стр. 1779

أو يكون مفارقاً (١) له بالجهات، بدليل أنهم لا يعقلون قسماً ثالثاً أصلاً. قالوا: فلو جوَّزنا القدح في هذه القضية مع كونها معلومة بالفطرة موافقة لنصوص الكتب المنزَّلة، جاز القدح في سائر القضايا الضرورية، وذلك يجرُّ إلى السفسطة، فإذا كانت هذه الطريقة هي حُجَّته عليهم، فإنها بعينها هي حجَّتُهم عليه، فكان في تصحيح قوله بطلانه. زاد مختار: إنه لا دليل على القديم في الأزل مع وجوب ثبوته فيه، وهو دليك صحيحٌ، فهذا من الأدلة العقلية. ومن الأدلة السمعية ما لا يُحصى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَخلُقُ مَا لا تعلَمُون﴾ [النحل: ٨]، فلو كان ما لا يعلم البشر يجب نفيه، لوجب أن يستحيل صدور مثل هذا النص الحقِّ عن الربِّ الحقِّ، ومن ذلك ما ثبث وصحَّ عن رسول الله ﷺ من طريق ابن عباس: " أن الخَضِرَ قال لموسى ما علمي وعِلمُكَ وعِلْمُ جميع الخلائق في علم الله إلاَّ مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر " (٢)، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلمِ إلاَّ قَليِلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. وفي الصَّحيح أيضاً عنه ﷺ ، أنه قال: " لو تعلمون ما أعلمُ، لضَحِكْتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً " (٣)، فكيف يصح مع هذا في عقل عاقل أن يكون الجهلُ طريقاً

стр. 1780

إلى العلم والعمى سبيلاً إلى البصر (١)، وأدلَّة السمع هنا صحيحة، لعدم وقوف صحة السمع على هذه المسألة، بل هي أصح، لعدم تعارضها والأمان من الزلل في مداحض غوامضها. وبتأمل هذا وتفهُّمِه تعرف أن الذين لم يُكفِّروا المختلفين في هذه الدقائق، ولم يحكموا بعنادهم وتعمدهم له، هم الذين بلغوا الغاية في معرفة قواعد الاختلاف وأسبابه. الحجة الثالثة: للمعتزلة على تماثل الأجسام: قسمة الحصر والسَّبْر، وقد تقدم في كلام الإمام يحيى بن حمزة ﵇ والرازي، أن المرجِع بها إلى الاستدلال بعدم الدليل على نفي المدلول، وقد مر الكلام فيه، وهو صحيح جليٌّ، لأنه لا بد أن يقولوا: لو كان هناك قسم آخر غير الأقسام المذكورة لعرفناه، لكنا لا نعرفه، فهو باطل، على أنها لو صحت لاحتجَّ بها خصومُهم، كما تقدم، وكانت لفساد قول المعتزلة ألزم، والله سبحانه أعلم. ثم إن ابن متويه عَضَّدَ هذا الاستدلال بطريقة الحصر بنحوه، وطوَّل في

стр. 1781

اختلاف عباراتهم عنه، وما هو إلاَّ تسويدٌ للأوراق، وتشويشٌ على النُّظَّار، وتضييعٌ للأوقات، وكثيراً ما يغترُّ من نظر في كتبهم بأنهم يخوضون كثيراً في أمورٍ صحيحة جليَّةٍ، ويوردون على أنفسهم أسئلة ساقطة بمرَّةٍ، ثم يَحيدُون في الجواب عنها، ويُدرجون في أثنائها السؤال الحق الذي لا جواب يتَّضحُ لهم عليه، ثم يُوردون في الجواب عليه ما لا يشفي ولا يكفي، فربما لم يتفطن له الغبي، وربما ظن حين لم يفهم كلامهم أنه دقَّ عليه ما فهموه بفرط ذكائهم، وما أحسن قول إمام علم الكلام الغزالي، حيث قال: إنَّ الطريق إلى التحقيق من علم الكلام مسدد، وإنه لا يخلو من معارف صحيحةٍ، ولكن اليقين الذي فيه إنَّما هُوَ في أمورٍ يحصُلُ اليقين بها قبل الخوض فيه، أو كما قال. وما أنفسَه من كلام! وربما دقَّ كلامهم على من لم يألف عباراتهم (١)، وفي الحقيقة إنما دق عليه ما اصطلحوا عليه وابتدعوه مِنَ العبارات كما يدقُّ على العربي الفصيح فهم كلام الأعاجم في تراطنهم، ولذلك كان الإمام أحمد إذا جادلوه بتلك العبارات، يُجيب عليهم بأن هذا فنٌّ لا أعرفه، كما مرَّ تحقيقه، وأنَّه الذي ينبغي للسُّنِّيِّ في الجواب عليهم، وأنت تقول: إن هذا كلام من لم يفهم ما ذكروه، فاعتبر بمن أجمعوا على تعظيمه من مشايخهم، ممن يَرُدُّ قولهم ويبالغ في نسبتهم إلى رِكَّةِ النظر، أو إلى (٢) العناد، كما سيأتي من كلام أبي الحسين البصري وأصحابه على أبي هاشم وأصحابه، فقد تعارضت أقوالهم في هذه الدقائق، ويستحيل تكاذب العلماء، كما يستحيل تعارضُ العلوم. وربَّما رجَّحوا ما يعتقدونه دليلاً عقلياً، بأنه لا يحتمل التأويل، وهذا معارض في حق المعتزلة بأن الاستدلاليَّ عندهم ما يجوز عروض الشَّكِّ والشبهة فيه عند القطع به، وقد حقَّقت في " ترجيح أساليب القرآن " (٣) أن هذا شكٌّ ناجزٌ يُنافي

стр. 1782

العلم القاطع، وهو مذهب الإمام يحيى بن حمزة والرازي، كما مر بيانُه في الحجة الثانية في جواب قول المعتزلة: إن الوقف فيما لا دليل عليه يؤدي إلى بطلان العلوم النظرية لتجويز غلطٍ في مقدماتها لم يشعر به (١) الناظر. ثم إن أكثرهم لا يُجيدون علم الاجتهاد، ولا يتقنون (٢) قواعد التأويل الصحيح، فيأتون من التأويلات بجنس تأويلات الباطنية، وقد تكلم عليهم الزمخشري في بعض المواضع، وخالفهم في كثيرٍ منها لذلك، فقال في تأويلهم لقوله تعالى: ﴿بلْ يداهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤]: وهذا من ضيق العَطَنِ والمُسافرة عن علم البيان مسافة أعوامٍ، وخالفهم في تأويلهم لمثل (٣) قوله: ﴿ولو رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] وغير ذلك. وأما قولهم: إذا بطل العقل بطل السمع، فإنه فرعه، فالجواب (٤) من وجوه: أحدها: أن السمع لا يُعارضُ العقل، فإن الأنبياء والأولياء والسلف أوفر الخلق عُقولاً، ولذلك زهِدُوا في الدنيا، وكثير من المتكلمين فاسق تصريح، ومن شيوخهم في علم الكلام أعداء الإسلام المخذولون من الفلاسفة وأشباههم، وإنما يجنون على العقول بدعاوى باطلةٍ. والوجه الثاني: أن المبتدعة والفلاسفة لم يسلموا من مخالفة فِطَرِ العقول، كما بيَّنوا ذلك في رد بعضهم على بعض في علم اللطيف، ولكنهم يقعون في تلك المحارات (٥) حين يُلجئهم إليها دليلُ الخُلْفِ الظَّني، وتقليد القدماء ممن يُعظِّمُونه، وأهل السنة يُؤمنون (٦) بالمحارات (٧) السمعية التي جاءت بها الرسل،

стр. 1783

وصحت فيها النصوص، والكل مُقرٌّ بامتناع المحالات (١) العقلية الضرورية. الوجه الثالث وهو الحق: أن تقدير تعارض العقل والسمع القاطعين (٢) تقديرٌ محالٌ: لأن تعارض العلوم محالٌ، ولو قُدِّرَ، بطلا معاً، ألا ترى أن السمع لو بطل، وقد حكم العقل أنه لا يبطُلُ، لعلمنا بذلك أيضاً بطلان إحكام العقول، وقد أجاب عليهم (٣) بهذا شيخ المعقول والمنقول ابن دقيق العيد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره الزركشي (٤) في شرح " جمع الجوامع " للسبكي وقد تفرَّع هذا الكلام من رد احتجاجهم على تماثل الحوادث المستقلة، وتسميتها أجساماً كلها بدليل الحصر والسبر، ونقض ذلك عليهم، وبيان مخالفتهم فيه لجمهور علماء المعقول، وجميع أئمة علم (٥) المنقول ممن وقع الاتفاق على تفضيله في عقله، وتصديقه في نقله، لكمال تقواه وفضله. الحجة الرابعة: أنهم بَنَوا على أنه لا يصحُّ اختلاف الأجسام إلاَّ في صفاتها الذاتية أو المقتضاة، وصفاتها الذاتية ثابتة (٦) معها في حال (٧) العدم بغير اختيارٍ

стр. 1784

من الله تعالى وصفاتها المقتضاة عنها ليست إلاَّ التحيز لا سوى، والتحيز مختلفٌ فيه بينهم، فمنهم (١) من قال: هو ثابت أيضاً في العدم بغير اختيار الله تعالى، حكاه مختار في " المجتبى "، كما سيأتي كلامه، وحكاه ابن متويه في " التذكرة " ولم يُقبِّحه على قائله من شيوخهم (٢)، وهذا جرى (٣) على القياس، لأن الصفة المقتضاة لا تَخَلَّفُ (٤) عمَّا يقتضيها في العقل، وإلا لما كانت مقتضاة، كما أن المعلول لا يتخلف عن العلَّة (٥)، ولكنهم خافوا أن يتفاحش الأمر ويلزمهم التصريحُ بقدم (٦) العالم، والمجاهرة بذلك، فاعتذروا بأنَّ هذا التحيُّز لا يظهر إلاَّ بشرط الوجود، والوجود بالفاعل، فقد زعموا أن التحيُّز ليس بالفاعل، وهو الله تعالى، ولا الذات، ولا صفتها الذاتية، والوجود عندهم ليس بشيءٍ، لأنَّ الأشياء ثابتةٌ في العَدَم، ولا تأثيرَ لله تعالى إلاَّ فيه، مع أنه ليس بشيءٍ، فصحَّ (٧) على زعمهم أنَّ الله تعالى لم يؤثر في شيءٍ على الحقيقة، وهذا مما لا جواب لهم عنه (٨)، وإنما (٩) حاولوا الجواب عن (١٠) كونه تعالى لم يخلُق شيئاً ولا أحدثه، فإن ابن متويه حاول الجواب عن هذا بأن خلق الشيء وإحداثه هو إيجاده، والله تعالى هو الذي حصَّل (١١) له صفة الوجود، وهذا الجواب غير مخلص، فإن معنى الإلزام أن اتِّصاف الشَّيء بأنه مخلوق على اعتقادهم مجاز،

стр. 1785

لأن الشيء ثابتٌ عندهم في العدم قبل خلقه، وإنما المخلوق على (١) الحقيقة عندهم حدوثه ووجوده، وليسا بشيءٍ عندهم. وقد صرَّح الزمخشري في " أساس البلاغة " (٢) بأن الله لا يُسمى خالقاً إلاَّ مجازاً، وهو علاَّمتهم في علم اللغة، فكيف غيرُه؟ وقد صرَّح ابن متويه بأن الأشياء مختلفة في العدم بصفاتها الذاتية، وأن اختلافها ليس بالفاعل -يعني بالله تعالى- وإلا لجاز (٣) أن يجعل السواد مثلاً (٤) للبياض، فثبت أن عندهم أن الله تعالى غير قادرٍ على خلق جوهرٍ مخالفٍ للجواهر، ولا يمكن أن يعلمَ الله إلى ذلك سبيلاً، ولا يقدر على المخالفة بين شيئين أصلاً، إلاَّ أن يكونا مختلفين بأنفسهما من قبل خلقه لهما، وهذا أيضاً راجعٌ إلى عدم الشيء لعدم الدليل عليه، لأنه لا دليل لهم على أنه لا يصحُّ اختلاف الأجسام سواه، فإذا كان (٥) تماثل الأجسام مبنياً على هذه الدعاوى، فلا شكَّ في مخالفة (٦) أكثر علماء المعقولات لهم في ذلك. دع عنك علماء الآثار (٧) وأئمة الإسلام، وقد خالفهم في ذلك خلق كثير من علماء الاعتزال، وشنَّعوا عليهم في ذلك لما فَحُشَ جهلُهم فيه. فلنقتصر على ردِّ أصحابهم عليهم، ولنقتصر علي أخصر كلامٍ، في ذلك لمجانبة هذا الجواب لهذا (٨) الفنِّ إلاَّ ما تمسُّ الحاجة إليه مما ليس فيه خوضٌ في ذات الله .

стр. 1786

فنقول: قال الشيخ مختار بن محمود المعتزلي في كتابه " المجتبى " في الكلام على وجود الرب ما لفظه: الكلام في هذه المسألة يختلف باختلاف الناس (١) في الوجود، فَمَن قال: وجود الشيء ذاته وحقيقته، قال: إذا دللنا على أنه لا بد للعالم من صانع، علمنا أنه موجود، لأن الشكَّ في عدمه بعد العلم بثبوته شكٌّ في انتفائه بعد ثبوته، وأنه خُلْفٌ، وإنما قلنا: إنه شكٌّ في انتفائه، لأن أهل اللُّغة يستعملون لفظ العدم، ولفظ النفي بالترادف، والنفي والثبوت يتقابلان، فكذا العدم والثبوت، فكل ما كان ثابتاً لا يكون معدوماً، وإذا لم يكن الباري معدوماً، كان موجوداً، فصحَّ ما ادعينا أنه إذا ثبت أنه لا بد من صانعٍ للعالم، ظهر وجوده، وإلى ذلك ذهب كثير من المشايخ، كأبي الهُذيل (٢) وهشام الفُوطِي (٣) وهشام البرذعي، وأبي (٤) الحسين البصري، وشيخنا ركن الدين محمود الخوارزمي (٥)، ومن السنية: أبو بكر الباقلاني (٦) وأتباعه.

стр. 1787

وأما من قال: وجود الذات زائدٌ على حقيقته، لكنه غيرُ منفكٍّ عنها، وهذا قول أكثر الفلاسفة والأشعرية، ومن تابعهم، فإنهم قالوا: الدليل على ثبوت حقيقته دليلٌ على وجوده، لأن وجوده عندهم لا ينفكُّ عن حقيقته. وأما من قال: وجود الذات زائد عليه، ومنفكٌّ عنه، زعم أن الحقائق متقررة مع انتفاء الوجود عنها، وهم (١) جمعٌ من المشايخ، كأبي يعقوب الشَّحَّام (٢)، وأبي علي الجُبَّائي، وأبي هاشم، وأبي الحسين الخياط (٣)، وأبي القاسم البلخي، وأبي عبد الله البصري، وقاضي القضاة، وأبي رشيد، وابن متويه، وأتباعهم. وزعموا أن المعدومات قبل وجودها ذوات، وأعيان وحقاثق، وأن تأثير الفاعل في جعل تلك الذوات على صفة الوجود لا على الذوات، ثم اتفق هولاء أن الذوات لا تختلف إلاَّ بالصفات، واختلفوا في أنها هل (٤) هي موصوفةٌ في حال عدمها، فقال ابن عياش والكعبي: إنها غير موصوفة بشيءٍ من الصفات. وقال في الفصل الرابع في الصفات الذاتية: إنهم جوَّزوا للمعدوم تحققاً في الخارج. انتهى (٥). قال خاتمة أهل الأصول، تقي الأئمة العجالي (٦): وما نُقِلَ عن الكعبيِّ من

стр. 1788

أنَّ المعدوم شيءٌ يريد به أنه معلومٌ على ما ذهب إليه أبو الحسين البصري، وهو غير كونه ذاتاً. وقال غيرهما من هؤلاء المشايخية: إنها في حال عدمها موصوفةٌ بالصفات، فقال أبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة، وتلامذته: إن للجوهر أربع صفاتٍ: الجوهرية، وهي صفة ذاتٍ، والتحيز، وهي صفةٌ مقتضاةٌ عن الجوهرية، والوجود (١)، وهو الصفة التي بالفاعل، والكائنية وهي الثابتة بالمعنى، وكذا سائر الذوات موصوفةٌ بأمثال هذه الصفات، إلاَّ الكائنية، فإنها لا تصحُّ في الأعراض (٢)، والسواد له صفة السَّوادية في حالة العدم، وهي تقتضي هيئة السوادية عند العدم (٣)، وبعضهم جعلوا صفة التحيُّز (٤) والجوهريَّة واحدة، وقال أبو الحسين الخياط: إنه متحيِّزٌ، ومَحلٌ للمعاني، وجسم حال العدم، وجوَّز أبو يعقوب رجلاً راكباً على فرس في العدم، ثم إنهم مع اختلافهم اتفقوا بأنا بعد العلم بأن للعالم صانعاً، محدِثاً، قادراً، عالماً، حيَّاً، سميعاً، بصيراً، حكيماً، محسناً، باعثاً للرسل، مقيماً للقيامة، مصيباً، مُعاقباً، نشكُّ أنه موجودٌ أم معدومٌ (٥)، وإنما يتبين وجودُه بدلالة مستأنَفَةٍ، وكذا اتفقوا على أن في العدم أنواعاً وأجناساً (٦) مختلفةً بالصفات، ولكون (٧) كل جنس أعداداً (٨) غير متناهية يمكن الإشارة العقلية إلى كلِّ واحدٍ منها، وإلى مماثلتها ومخالفتها. قال تقيُّ الأئمة العجالي: إنَّ كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوَّث (٩) خاطره بالاعتقادات التقليدية، فإنه يقطع ببطلان هذه المذاهب،

стр. 1789

ويتعجب أن يكون في الوجود عاقلٌ تسمَحُ نفسه بمثل هذه الاعتقادات، ويلزمُهم أن يُجَوِّزوا فيما شاهدوه من الأجسام والأعراض أن تكون كلها معدومة، لأن الوجود غيرُ مدرَكٍ عندهم، وإلاَّ لزمَ أن يرى الله تعالى لوجوده (١)، بل إنما يتناوله الإدراك للصفة المقتضاة عندهم، وهي التحيُّز، وبقية (٢) السواد والبياض فيهما غاية الأمر أن الجوهر عند بعضهم يقتضي التحيز بشرط الوجود، لكن الترتُّب في الوجود لا يقتضي الترتُّب في العلم، كما في صفة الحياة والعلم، فيلزمهم أن يشكُّوا بعد هذه المشاهدة في وجودها، وكل مذهب يؤدي إلى هذه التَّمحُّلات - والخصم مع هذا يزيد سفاهةً ولَجَاجَاً فالواجب على العاقل الفطن (٣) الإعراض عنه، والتمسك بقوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهُمُ الجاهلُونَ قالوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومن ذمَّ مِنَ السلف الصالح الكلام والمتكلمين، إنما عنوا أمثال هؤلاء ظاهراً (٤). والله الموفق. انتهى بحروفه (٥). وإذا كان هذا كلام أئمة الاعتزال بعضهم في بعض، فكيف بكلام (٦) متكلمي أهل السنة فيهم، وإذا كان الجهل (٧) في علم النظر يؤدي إلى هذا، ويكون هذه عاقبته، فكيف يُلام من أعرض عنه وتمسَّك بطريقة السلف الصالح الذين لم يَجْرِ بينهم من نحو هذا كلمةٌ واحدةٌ لبركة (٨) إقبالهم على الكتاب والسنة، وترك الفضول، وترك دعاوى علم ما لا طريق للبشر إلى علمه. واعلم أن سبب قول البهاشمة بالشكِّ في وجود الله تعالى بعد العلم بكونه

стр. 1790

صانعاً متَّصفاً بصفات الكمال، هو اعتقادهم أنه حينئذٍ ثابتٌ، وتجويزُهم أن يكون الثابت معدوماً غير موجود، فلذلك (١) لزمَهُم تجويز أن يكون الثابت مُشاهَداً بالأعيان غير موجود، لأن كون (٢) الثابت المعدوم لا يُرى نظريٌّ على هذا، كما أن نفي صفات الكمال عنه نظري، وكل نظري يصحُّ الشك فيه، فيلزمهم صحة الشك في وجود العالم المشاهَد لتجويز أنه ثابتٌ غير موجود (٣). وأما الرازي، فاختصر الرد عليهم في " الملخص " غاية الاختصار، فقال في الباب الأول من الكتاب الأول في الأمور العامة: المعدوم ليس بثابتٍ، لأن المعدوم إن كان مساوياً للمنفيِّ أو أخصَّ منه، فكلُّ منفيٍّ فليس بثابتٍ، فكل معدوم فليس بثابت، وإن كان أعمَّ منه، وجب أن يكون نفياً صرفاً، وإلا لم يَبْقَ الفرق بين العام والخاص، فإذا هو ثابتٌ، وهو مقولٌ على المنفي، والمنفي ليس بثابتٍ، هذا خُلْفٌ. وعمدتهم أن المعدوم معلوم، وكل معلومٍ ثابتٌ، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات والوجود. انتهى. وأما دليل الأكوان، وهو الحجة الخامسة: فليس يدُلُّ على تماثل الأجسام، إنما يدلُّ على حدوثها، وقد تقدم الكلام فيه في أول الوهم الخامس عشر، وهو الذي قبل هذا، وقد استوفيته في تكملة " ترجيح أساليب القرآن ". ونقلت فيه كلام أبي الحسين وأصحابه من كتاب " المجتبى " للشيخ مختار بن محمود، وقد كَفَوُا (٤) المُؤنَةَ في المبالغة في ذلك والنصرة (٥) له والحمد لله. واعلم أن المعترض وأمثاله بنوا تكفير أهل السنة على مثل هذه الخيالات. وعمدتهم فيها أمران:
следующие страницы →