← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فنقول: قال الشيخ مختار بن محمود المعتزلي في كتابه " المجتبى " في الكلام على وجود الرب ما لفظه: الكلام في هذه المسألة يختلف باختلاف الناس (١) في الوجود، فَمَن قال: وجود الشيء ذاته وحقيقته، قال: إذا دللنا على أنه لا بد للعالم من صانع، علمنا أنه موجود، لأن الشكَّ في عدمه بعد العلم بثبوته شكٌّ في انتفائه بعد ثبوته، وأنه خُلْفٌ، وإنما قلنا: إنه شكٌّ في انتفائه، لأن أهل اللُّغة يستعملون لفظ العدم، ولفظ النفي بالترادف، والنفي والثبوت يتقابلان، فكذا العدم والثبوت، فكل ما كان ثابتاً لا يكون معدوماً، وإذا لم يكن الباري معدوماً، كان موجوداً، فصحَّ ما ادعينا أنه إذا ثبت أنه لا بد من صانعٍ للعالم، ظهر وجوده، وإلى ذلك ذهب كثير من المشايخ، كأبي الهُذيل (٢) وهشام الفُوطِي (٣) وهشام البرذعي، وأبي (٤) الحسين البصري، وشيخنا ركن الدين محمود الخوارزمي (٥)، ومن السنية: أبو بكر الباقلاني (٦) وأتباعه.

стр. 1787

وأما من قال: وجود الذات زائدٌ على حقيقته، لكنه غيرُ منفكٍّ عنها، وهذا قول أكثر الفلاسفة والأشعرية، ومن تابعهم، فإنهم قالوا: الدليل على ثبوت حقيقته دليلٌ على وجوده، لأن وجوده عندهم لا ينفكُّ عن حقيقته. وأما من قال: وجود الذات زائد عليه، ومنفكٌّ عنه، زعم أن الحقائق متقررة مع انتفاء الوجود عنها، وهم (١) جمعٌ من المشايخ، كأبي يعقوب الشَّحَّام (٢)، وأبي علي الجُبَّائي، وأبي هاشم، وأبي الحسين الخياط (٣)، وأبي القاسم البلخي، وأبي عبد الله البصري، وقاضي القضاة، وأبي رشيد، وابن متويه، وأتباعهم. وزعموا أن المعدومات قبل وجودها ذوات، وأعيان وحقاثق، وأن تأثير الفاعل في جعل تلك الذوات على صفة الوجود لا على الذوات، ثم اتفق هولاء أن الذوات لا تختلف إلاَّ بالصفات، واختلفوا في أنها هل (٤) هي موصوفةٌ في حال عدمها، فقال ابن عياش والكعبي: إنها غير موصوفة بشيءٍ من الصفات. وقال في الفصل الرابع في الصفات الذاتية: إنهم جوَّزوا للمعدوم تحققاً في الخارج. انتهى (٥). قال خاتمة أهل الأصول، تقي الأئمة العجالي (٦): وما نُقِلَ عن الكعبيِّ من

стр. 1788

أنَّ المعدوم شيءٌ يريد به أنه معلومٌ على ما ذهب إليه أبو الحسين البصري، وهو غير كونه ذاتاً. وقال غيرهما من هؤلاء المشايخية: إنها في حال عدمها موصوفةٌ بالصفات، فقال أبو علي، وأبو هاشم، وقاضي القضاة، وتلامذته: إن للجوهر أربع صفاتٍ: الجوهرية، وهي صفة ذاتٍ، والتحيز، وهي صفةٌ مقتضاةٌ عن الجوهرية، والوجود (١)، وهو الصفة التي بالفاعل، والكائنية وهي الثابتة بالمعنى، وكذا سائر الذوات موصوفةٌ بأمثال هذه الصفات، إلاَّ الكائنية، فإنها لا تصحُّ في الأعراض (٢)، والسواد له صفة السَّوادية في حالة العدم، وهي تقتضي هيئة السوادية عند العدم (٣)، وبعضهم جعلوا صفة التحيُّز (٤) والجوهريَّة واحدة، وقال أبو الحسين الخياط: إنه متحيِّزٌ، ومَحلٌ للمعاني، وجسم حال العدم، وجوَّز أبو يعقوب رجلاً راكباً على فرس في العدم، ثم إنهم مع اختلافهم اتفقوا بأنا بعد العلم بأن للعالم صانعاً، محدِثاً، قادراً، عالماً، حيَّاً، سميعاً، بصيراً، حكيماً، محسناً، باعثاً للرسل، مقيماً للقيامة، مصيباً، مُعاقباً، نشكُّ أنه موجودٌ أم معدومٌ (٥)، وإنما يتبين وجودُه بدلالة مستأنَفَةٍ، وكذا اتفقوا على أن في العدم أنواعاً وأجناساً (٦) مختلفةً بالصفات، ولكون (٧) كل جنس أعداداً (٨) غير متناهية يمكن الإشارة العقلية إلى كلِّ واحدٍ منها، وإلى مماثلتها ومخالفتها. قال تقيُّ الأئمة العجالي: إنَّ كل من سمع ذلك من العقلاء قبل أن يتلوَّث (٩) خاطره بالاعتقادات التقليدية، فإنه يقطع ببطلان هذه المذاهب،

стр. 1789

ويتعجب أن يكون في الوجود عاقلٌ تسمَحُ نفسه بمثل هذه الاعتقادات، ويلزمُهم أن يُجَوِّزوا فيما شاهدوه من الأجسام والأعراض أن تكون كلها معدومة، لأن الوجود غيرُ مدرَكٍ عندهم، وإلاَّ لزمَ أن يرى الله تعالى لوجوده (١)، بل إنما يتناوله الإدراك للصفة المقتضاة عندهم، وهي التحيُّز، وبقية (٢) السواد والبياض فيهما غاية الأمر أن الجوهر عند بعضهم يقتضي التحيز بشرط الوجود، لكن الترتُّب في الوجود لا يقتضي الترتُّب في العلم، كما في صفة الحياة والعلم، فيلزمهم أن يشكُّوا بعد هذه المشاهدة في وجودها، وكل مذهب يؤدي إلى هذه التَّمحُّلات - والخصم مع هذا يزيد سفاهةً ولَجَاجَاً فالواجب على العاقل الفطن (٣) الإعراض عنه، والتمسك بقوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهُمُ الجاهلُونَ قالوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومن ذمَّ مِنَ السلف الصالح الكلام والمتكلمين، إنما عنوا أمثال هؤلاء ظاهراً (٤). والله الموفق. انتهى بحروفه (٥). وإذا كان هذا كلام أئمة الاعتزال بعضهم في بعض، فكيف بكلام (٦) متكلمي أهل السنة فيهم، وإذا كان الجهل (٧) في علم النظر يؤدي إلى هذا، ويكون هذه عاقبته، فكيف يُلام من أعرض عنه وتمسَّك بطريقة السلف الصالح الذين لم يَجْرِ بينهم من نحو هذا كلمةٌ واحدةٌ لبركة (٨) إقبالهم على الكتاب والسنة، وترك الفضول، وترك دعاوى علم ما لا طريق للبشر إلى علمه. واعلم أن سبب قول البهاشمة بالشكِّ في وجود الله تعالى بعد العلم بكونه

стр. 1790

صانعاً متَّصفاً بصفات الكمال، هو اعتقادهم أنه حينئذٍ ثابتٌ، وتجويزُهم أن يكون الثابت معدوماً غير موجود، فلذلك (١) لزمَهُم تجويز أن يكون الثابت مُشاهَداً بالأعيان غير موجود، لأن كون (٢) الثابت المعدوم لا يُرى نظريٌّ على هذا، كما أن نفي صفات الكمال عنه نظري، وكل نظري يصحُّ الشك فيه، فيلزمهم صحة الشك في وجود العالم المشاهَد لتجويز أنه ثابتٌ غير موجود (٣). وأما الرازي، فاختصر الرد عليهم في " الملخص " غاية الاختصار، فقال في الباب الأول من الكتاب الأول في الأمور العامة: المعدوم ليس بثابتٍ، لأن المعدوم إن كان مساوياً للمنفيِّ أو أخصَّ منه، فكلُّ منفيٍّ فليس بثابتٍ، فكل معدوم فليس بثابت، وإن كان أعمَّ منه، وجب أن يكون نفياً صرفاً، وإلا لم يَبْقَ الفرق بين العام والخاص، فإذا هو ثابتٌ، وهو مقولٌ على المنفي، والمنفي ليس بثابتٍ، هذا خُلْفٌ. وعمدتهم أن المعدوم معلوم، وكل معلومٍ ثابتٌ، والكبرى منقوضةٌ بالممتنعات والخيالات والوجود. انتهى. وأما دليل الأكوان، وهو الحجة الخامسة: فليس يدُلُّ على تماثل الأجسام، إنما يدلُّ على حدوثها، وقد تقدم الكلام فيه في أول الوهم الخامس عشر، وهو الذي قبل هذا، وقد استوفيته في تكملة " ترجيح أساليب القرآن ". ونقلت فيه كلام أبي الحسين وأصحابه من كتاب " المجتبى " للشيخ مختار بن محمود، وقد كَفَوُا (٤) المُؤنَةَ في المبالغة في ذلك والنصرة (٥) له والحمد لله. واعلم أن المعترض وأمثاله بنوا تكفير أهل السنة على مثل هذه الخيالات. وعمدتهم فيها أمران:

стр. 1791

أحدهما: ما ذكرنا من دعوى تسمية المتباينات بالجهات كلِّها أجساماً، ثم دعوى تماثل الأجسام، وقد بان بطلان كل من هاتين الدعويَيْن. وثانيهما: ما مرَّ بيانه في الوهم الخامس عشر من كلامهم في دليل الأكوان ودعواهم لصحته، ولا حاجة إلى إعادته، وليس في هذا الكتاب ما يكفي ويشفي (١) في نقضه، وقد أفردتُ نقضه (٢) في مصنفٍ، سمَّيتُه " ترجيح أساليب القرآن " (٣) وأوردتُ فيه كلام أصحاب (٤) الشيخ أبي الحسين البصري في نقضه. وهو كلامٌ مجوَّدٌ (٥) محرَّرٌ منقَّح، ذكره مختار بن محمود المعتزلي في كتابه " المجتبى " وذكر عن شيخ الاعتزال تقي الأئمة العجاليّ بعد إيراد نقض كلامهم أن الصبيان في ملاعبهم لا يرضون بمثل كلامهم في ذلك لِرِكَّتِه وسقوطه. انتهى. فهذه شهادة أئمة الاعتزال على بطلان أدلة هذا المعترض، وعلي بُطلان أدلة كثيرٍ من شيوخهم على بطلان مذاهب أهل السنة، وعلى بطلان شُبَه (٦) من كفَّرهم، وما هي إلاَّ فضيلةٌ من فضائلهم أنطق الله بها خُصومهم ليُظهر براءتهم كما أنطق جُلودَ المنافقين يوم القيامة بالشهادة (٧) بالحق عليهم. فالحمد لله رب العالمين. ولكن الجاهل حَسَنُ الظنِّ بهم، فإذا سَمِعَ دعواهم لمعرفة الحقائق والدقائق، حسَّنَ ظنِّه بهم، ولم يعلم أنه يُعَارِض ذلك دعوى (٨) خصومهم لمثل

стр. 1792

ذلك، ويوضِّحُه خوضهم فيما لا يعنيهم مما (١) دلَّ السمع على جهل الخلق به، مثل خوضهم في حقيقة الروح مع توقف رسول الله ﷺ عن الخوض فيه حين سُئِلَ عنه، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) [الإسراء: ٨٥]، فإذا رأي الجاهلُ تجاسُرَهُمْ على القطع بدعوى العلوم وتجهيل الناس وتكفيرهم، ظنَّ ذلك من قوَّة ما عَلِمُوا، ولو فكرَّ في اختلافهم وتخطئة بعضهم بعضاً، وتكفيرهم، أمثالهم في الدعوى والعجب ببدعهم، لتَعَارَضَ ذلك عليه، وعَرَفَ (٣) أنَّ خيرَ (٤) الهدي هدْي محمدٍ ﷺ وأصحابه وتابعيهم. الحجة السادسة: قياس واجب الوجود عن ذلك- على ممكن الوجود في أشياء كثيرة، مثل قولهم: إنَّ كونه على صفةٍ دون أخرى يجري مجرى الإحكام في الممكنات، والإحكام يدل على الحاجة إلى المحكم، وهي شبهة الملاحدة في نفي جميع الأسماء والصفات حتى الوجود. والجواب إنَّ ذلك إنما دل في المحدث (٥) لإمكانه، ولذلك لا يصِحُّ الاستدلالُ حتى يُقرِّر أنه ممكنٌ، لأن واجبَ الوجود لا يمكن تعليله، لأنه لو كان

стр. 1793

له علّة، كان الكلام فيها مثل الكلام (١) فيه، ويُؤدِّي إلى ما لا نهاية له، ولذلك رَجَعَتْ إلى ذلك الفلاسفة، لكنَّهم سَمُّوا الله تعالى عِلَّة، ولكلِّ طائفةٍ في هذا القياس عبارةٌ. وشرط صحة القياس عدم الفارق، فيطلب السُّنِّيُّ من المبتدع الدليل القاطع على عدم الفارق، بل على أن وجوب وجوده ليس بفارقٍ (٢)، ثم يمتنع مِنْ تسليم الشُّبهة (٣) التي يُعَوَّلُ عليها، مثل ما يمتنع المبتدع من تسليم الأدلة الصحيحة. ولما عرفتُ (٤) اتِّساع العبارات في هذا المقام، وأهمَّني (٥) جمعه (٦)، رأيتُ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥] فعرفتُ أنها إشارةٌ إلى سلوك هذا المسلك معهم، وهو طلبُ الدليل منهم، ثم الامتناع من تسليم الباطل، فإدأ ذلك حيلتهم، فيقلب عليهم. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الجسم في لغة العرب (٧) التي نزل عليها كتاب الله، وخاطب بها رسول الله ﷺ غير ما اصطلح عليه أهل المعقولات كلُّهم. كما تشهد (٨) بذلك كتبُ اللغة. قال محمد بن نشوان في " ضياء الحلوم " (٩) في باب الجيم والسين.

стр. 1794

الجسم (١) كلُّ شخصٍ مُدرَكٌ، وقال في باب الشين والخاء: الشخص: سوادُ الإنسان من بعيدٍ (٢)، والشخص: الجسم. والجمع شُخُوصٌ وأشخاصٌ، والسواد: الشخص. ذكره الجوهري أيضاً (٣) انتهى. وهذا (٤) يدلك على أن تسمية الجسم تختصُّ بهذه الحيوانات، إذ لا يُسَمِّي أحدٌ الأحجار ولا الأشجار ولا الجبال ولا القِيعان جسوماً (٥) ولا أشخاصاً، وكذلك سائرُ أهل (٦) كتب اللغة. قال الجوهري في " الصحاح " (٧) في فصل الجيم من كتاب الميم ما لفظه: قال أبو زيد: الجِسْمُ: الجسدُ، وكذلك الجُسمان والجُثمان، وقال الأصمعي: الجسم والجسمان: الجسد (٨) والجُثمان: الشخص. قال: وجماعةٌ جسم الإنسان أيضاً يقال له: الجُسمان، مِثْلُ ذئبٍ وذُؤبان. وقال الجوهري (٩): الجسد: البدن. ذكره في موضعه من فصل الجيم في كتاب الدال. وقال صاحب " الضياء ": جسد الإنسان معروفٌ، والجسد ما لا يأكلُ ولا يشرب كالملائكة والجن. ومنه قوله: ﴿عِجْلاً جَسَدَاً﴾، فجعلها مشتركة، لا عامة. وأما الجوهري فقال في الآية: قيل: إنَّه بمعنى أحمَرَ من ذهبٍ،

стр. 1795

والجسد: الزعفران، ونحوه، من الصِّبْغ، وهو الدَّمُ، فجعلها لفظة مشتركة أيضاً، غير أنهم حين فسَّروا بها الجسم لم يعنوا بها إلاَّ المعنى الأول، ونحو ذلك في " ديوان الأدب ". وقال الخليل في " العين " ومجد الدِّين في " القاموس " (١): الجسم: جماعة البدنِ أو الأعضاء (٢) [و] من الناس وسائر الأنواع العظيمة الخَلْقِ، كالجُسْمَان بالضم، (ج) (٣) أجسامٌ وجسومٌ، وككَرُمَ: عَظُمَ، فهو جسيمٌ وجُسَامٌ كغُرابٌ، وهي بهاءٍ، والجسيم (٤)، البدينُ، وما ارتفع من الأرض وعلاه الماء [ج] (٥) جِسَامٌ [ككتابٍ]، وبنو جَوْسَم: حي درجوا، وبنو جاسم: حي قديم وتجسَّم الأمر والرَّمْل: ركب (٦) معظمهما (٧). انتهى ما ذكره مجدُ الذين في " القاموس " فبان لك من هذا (٨) أنهم يصطلحون على أشياء ليرَكِّبُوا عليها ما ابتدعوا من تشنيعٍ وتكفيرٍ وإبداعٍ وتغييرٍ، وقد احتجُّوا على قولهم في الجسم بقول الشاعر: وأجسم مِنْ عادٍ جُسومُ رِجَالِهم ولا حُجَّة لهم فيه بل هو حجةٌ على ما ذكرنا، فإنه لم يثبت اسم الجسم فيه إلاَّ في حق الأشخاص. وأما الاحتجاج به على ما لم يخطر لقائله ببال من تركُّب الجسم من ثمانية جواهر لا أقل منها، فعجيبٌ ممن توهمه. والله أعلم.

стр. 1796

وإنما ذلك كما اصطلحوا على أن الموجود مثل المعدوم من الجواهر، لا أن هذه لغاتٌ عربية. وكذلك فعل أعداء الجميع من الباطنية. ألا ترى أن الباطنية يُسَمُّون حقائق مدح الرب سبحانه بأسمائه الحسنى تشبيهاً وتمثيلاً وكُفراً وشركاً، ويجعلون تلك الممادح الشريفة بمنزلة السبِّ والذم لله تعالى، حتى يصُوغَ لهم تأويلها على ما شاؤوا (١)، وصرفها إلى أئمتهم دون الله تعالى، وكذلك مَنْ نفي حقيقة التمدح بأسماء الله الرحمن الرحيم خير الراحمين أرحم الراحمين (٢)، وكذلك اسمه الرؤوف، واسمه الودود، واسمه الحليم، بالَّلام عند المعتزلة، واسمه الحكيم، بالكاف عند الأشعرية، إلى أمثال لها (٣)، لا دليل لهم عند البحث التام على ذلك إلاَّ مجرد اصطلاحات في العبارات تواطؤوا عليها، ومن أحبَّ كشف عوارهم في ذلك، لم يقلِّدهم في شيءٍ قطُّ، وراجع محض عقلِه، وراجع مصنفات خصومِهمُ الحافلة، كمصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وأما من اعتقد فيهم التحقيق، وقَبِلَ منهم، ولم يسمع من غيرهم، فقد سدَّ أبواب الهداية على نفسه، وكذلك كل عامِّيٍّ مع كل طائفةٍ، بل المعتزليُّ الطالب لعلم الكلام على رأي أبي هاشم يعتقدُ غلطَ مخالِفِه (٤) من سائر المعتزلة، ولا يدري ما في كتب أبي الحسين المعتزلي وأصحابه من الردود الصعبة القوية لمذهب (٥) أبي هاشم، ولا يرى أجمع للمساوىء من صاحب كلامٍ وجدال، مقلّد لا يفي معه صمتُ (٦) أهل السنة وسَمْتُهم وحُسْنُ أخلاقهم وتواضعهم، ولا يتكلم بعلمٍ ويقينٍ، ويُرشِدُ إلى الحق الجاهلين، ويفيض مِنْ

стр. 1797

علومه وفوائده على الطالبين، ولا يقبلُ من فوقَه من العارفين، وإنما هو قذى للعيون، مَجْمَعٌ (١) لمساوىء الأخلاق وسيِّئات الظُّنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. الإشكال التاسع: سلَّمنا للخصم جميع (٢) ما تعاطاه مما رمى به الإمام الشافعي، وحاشاه. فإن أئمة العِترة والمعتزلة غيرُ مجمعين على التكفير بذلك، ولا على سلامة أدلَّته من القدح، وهذا الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇ على قرب عهده من المعترض، وصِحَّة تواليفه عنه، فإنها باقيةٌ بخط يده الكريمة، وسماع أولاده الثِّقات قد اختار في كتابه " التمهيد " عدم إكفار أهل القبلة من المشبِّهة والمجبرة (٣) وغيرهم، واحتجَّ على ذلك، وذكر أدلَّة المكفرين لهم، وجعل دعواهم للإجماع أحدها. ثم قال: وفي كُلِّ واحدٍ من هذه الوجوه نظر، ثم قال: حقاً على كلَّ من تكلَّم في الإكفار أن يُنْعِمَ النظر فيه، ويتَّقي الله، فإن موردَه الشرعُ، والخطر فيه عظيم، وإذا لم يتَّضح الدليل فيه، فالوقوف لنا أولى. انتهى بحروفه. وقال مختصر " الانتصار " (٤): مسألة: لا نكَفِّرُ مطلق الجسمية على الله تعالى حتى يفسر، أبو علي: يكفر، قلنا: لفظه محتمل للخطأ في العبارة فقط. انتهى. فيُبحث عن ذلك في كتاب " التَّحقيق " للإمام يحيى ﵇ (٥)

стр. 1798

وكذلك قال علامة الاعتزال، والتَّشيُّع عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح قول علي ﵇: تعالى عما يقول المشبهون به والجاحدون له عُلُوّاً كبيراً. أنواع التشبيه العشرة كما تقدم في الوهم الخامس عشر (١)، وقال فيه: فأمَّا من قال: إنه جسم لا كالأجسام، ونَفَوْا عنه معنى الجسمية، وأرادوا تنزيهه عن أن يكون عَرَضاً تستحيل مِنْهُ الأفعال، وأرادوا أنه شيءٌ لا كالأشياء، فأمْرُهم سهل، لأن خلافهم في العبارة، وهم: علي بن منصور، والسَّكَّاك (٢)، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وكل هؤلاء من قدماء الشيعة (٣)، وهو قول ابن كرَّام وأصحابه. قال: والمتعصِّبون لهشام بن الحكم (٤) من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أن هذا مذهبه، وإن كان الحسن بن موسى النُّوبختي (٥) -وهو مِنْ فُضلاء الشيعة- قد روى عنه التَّجسيم المعنويَّ المحض في كتاب " الآراء والدِّيانات ".

стр. 1799

قلت: وقد قدم ابن أبي الحديد قبل هذا رواياتٍ فاحشةً عن هشام في ذلك، لكن ذكر أن أتباعه من الشيعة تُنْكِرُها (١) كما تقدم في الوهم الخامس عشر (٢). وقد نقل ابن تيمية أن من الناس من يُسمِّي كل موجودٍ جسماً، ويجعلهما مترادفين. وفيه أقوالٌ كثيرة، ويقويه أن التكفير قطعي يجب البلوغ إلى اليقين فيه، ورفع كل احتمال. وقد علم أن النبي ﷺ استفسر الذي أقرَّ بالزنى على نفسه، وسأل عن عقله، وقال: " لعلَّكَ قَبَّلْتَ، لعلك فعلت " حتَّى صرَّح له بالنُّون، والياء المثناة من تحت، والكاف (٣). وهذا في الحدِّ الذي يثبت بالشهادة الظنية، فكيف بالإخراج عن الإسلام لمن يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، وأن جميع ما جاء به حق؟ كما قال من عرضت له شبهةٌ اعتقد فيها أنه (٤) مصدِّقٌ لكلام الله تعالى، ومتقرِّبٌ في القول بها إلى الله. ولذلك أجمعت المعتزلة وهم الخصوم على وجوب الدليل القاطع فيه، وتحريم الأدلة الظنية (٥)، وخصوصاً التكفير بها (٦) يؤدي إلى تكفير الصالحين من العامة،

стр. 1800

وتحريم أكثر المناكحات، وما عُلِمَ من السلف خلاف. وقد قال شيخ الإسلام في الرد على من يكفِّرُ من يُسميِّه مشبِّهاً وليس بمشبِّهٍ عند نفسه من مثبتي الصفات: إن الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الإثبات (١) من غير تشبيه ليس بسديدٍ، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدرٌ مشتركٌ وقدرٌ متميِّزٌ (٢). فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيهٌ، قيل له: إن أردت أنه مماثلٌ له من كل وجهٍ، فهذا باطلٌ، وإن أردت أنه مشابهٌ له من وجهٍ دون وجهٍ، أو مشاركٌ له في الاسم، لزمك هذا في سائر ما تثبته. وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسَّرتُّموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا المعنى مما لا يقوله عاقلٌ يتصوَّر ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه. إلى قوله في الرَّدِّ على من كفَّر مثبتي الصفات: إن من قال: إنَّ لله علماً قديماً، أو قدرةٌ قديمةٌ، كان مشبِّهاً عند المعتزلة، لأن القدم (٣) عندهم أخصُّ وصف (٤) الإله، ومثبتو (٥) الصفات لا يُوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخصُّ وصفه ما لا يتَّصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وكونه على كلِّ شيءٍ قدير، والصفة - (التي هي القدرة أو العلم) (٦). لا توصف بشيءٍ من ذلك. ثم إن من (٧) هؤلاء الصفاتية من لا (٧) يقول: إن الصفات قديمةٌ، بل يقول:

стр. 1801

إن الرَّبَّ بصفاته قديمٌ. ومنهم من يقول: هو قديمٌ، وصفاته (١) قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان. ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك (٢) لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيءٍ من خصائصه. وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهاً ولا رباً (٣) كما أن النبي ﷺ مُحْدَثٌ وصفاته محدَثةٌ، وليست صفاته رسولاً ولا نبياً، فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه، كانت هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، يقول (٤) لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يُسمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً، فهذا المعنى لم ينفه عقلٌ ولا شرع (٥)، وإنما الواحب نفيُ ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى (٦) مسمى المثل والكُفء والنِّدِّ ونحو ذلك، لكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست بمثل الموصوف ولا كُفْئِه ولا نِدِّه، فلا يدخل في النصِّ إلى آخر كلامه في ذلك (٧). وقد تقدم بكماله في الوهم الخامس عشر (٨). وإنما قصدت الإرشاد إلى احتمال أدلَّة: المكفِّرين لمن يسمُّونه -باصطلاحهم- مشبِّهاً، وإن لم تصحَّ هذه التسمية في لغة العرب صحة قطعية متواترة، كما أن طائفة من المعتزلة اصطلحت على تسمية الموجود من الجواهر

стр. 1802

والأجسام مثلاً للمعدوم، وكذلك اصطلحت (١) على أن من أثبت لله علماً أو رحمة أو عُلُوّاً من غير تكييفٍ، فقد كفر، وشبَّه الله تعالى ومَثَّلَه، مع تصريحه بنفي ذلك. والإمام الشافعي ﵁ منزَّهٌ عن هذا المقام، وإنَّما أحببت استطراد القائدة بذكر كلام العلماء المنصفين الذين لم يحملهم الغضب على تكفير مخالفيهم بغير حجةٍ (٢) بيِّنةٍ، فإنه لا يُقبلُ في هذا المقام إلاَّ (٣) الأدلة القاطعة. وقد ذكر غير واحد من المحققين أن الأدلة القاطعة (٤) متى كانت شرعيَّة لم تكن إلاَّ ضرورية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الوهم الخامس عشر، فخذه من هناك (٥). الإشكال العاشر: نذكره على جهة الاستقصاء لبيان مجاوزة المعترض للحدِّ في الخطأ مع تنزيه الإمام الشافعي ﵀، وذلك أنه لو صح له والعياذ بالله جميع ما أراد، ما حصل منه مقصودُه، لأن مقصوده (٦) في أول الكلام القدح في علوم الحديث النبوي وصحتها، بأن الشافعي ﵁ من رواتها، كما قدح فيها بأن أحمد بن حنبل والبخاري من رواتها. وقد تقدم الكلام عليه في هذا، والتعجب (٧) مِنْهُ في أول الوهم الخامس عشر، فطالعه هنالك (٨) إن كنت لم تقف عليه، وجدِّد به العهد إن كنت قد رأيته وأُنسيته، فهو من أنفس ما في هذا الجواب. وقد ذكرنا فيه من روى عنه حُفَّاظ الإسلام وأئمة المذاهب الأربعة، وأئمة العِترة ﵈ ممن لا يُوازن الإمام الشافعي

стр. 1803

رضي الله عنه في مناقبه الشهيرة، وفضائلة الطيِّبة الكثيرة. وقد تقدم في المسألة الأولى مِن هذا الكتاب دعوى علماء الزيدية للإجماع على وجوب القبول لرواية المتأولين: فُسَّاقهم وكفارهم، وبيان كثرة طرق دعوى الإجماع على ذلك وشهرتها وقوتها بعلمهم (١) بذلك من غير نكير، والمعترض يُقرىء ذلك في كل سنةٍ في كتاب " الُّلمع " ويعتمد (٢) في رواياته في التفسير والحديث عن كلِّ من دَبَّ ودَرَجَ. فالله المستعان. وبعد ذكر هذه الإشكالات العشرة الكاشفة عن غفلة المعترض عمَّا يجب عليه، يزيدُ الأمر وضوحاً بذكر أدلَّة من قال بالرُّؤية، وأدلَّة من منعها، بحيث يظهر للنَّاظر فيها حكمُ القائل بالرُّؤية، وهل يُعَدُّ من منكري الضرورات الشرعية فيكفر؟ ويُعَدُّ من المكذبين فيما رواه؟ أو يُعَدُّ من المتأولين؟ فيتكلم بكلامهم لا بالمختار عندنا في فصلين: فصل في إمكانها في قدرة الله تعالى عندهم حسبما فهموه من أدلتهم، وفصل في وقوعها عندهم. ونشير إلى الأدلة العقلية من غير استقصاء، إذا (٣) كانت مقرَّرة في مواضعها من كتب الفريقين، وإذ كانت المخالفة فيها لا تقتضي التكفير، وننقل كلام الفريقين من أهل الحديث والمعتزلة بألفاظهم لنبرأ من وصم العصبية إن شاء الله تعالى. الفصل الأول: في إمكانها في قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه يرى ذاته الشريفة هو ، وإن حَجَبَ عن ذلك خلقه كلهم، أو من شاء منهم. قالوا: وهذا القدر لم يُعرف فيه خلافٌ بين السلف القدماء من العترة والصحابة، وإنما يُنكِرهُ المعتزلة ومن وافقهم من متأخِّري الشيعة. فلنذكر أدلة الجميع على الاختصار الشافي والإنصاف:

стр. 1804

أمَّا من أنكر ذلك، فليس لهم إلاَّ حجتان: عقلية وسمعِيَّة: أمَّا العقلية. فاعتقادهم إن ذلك يؤدي إلى ثبوت الجهة لله تعالى، وأن ثبوتها يؤدِّي إلى التجسيم، وأن الأجسام متماثلة، وأنه يجب في كل مثلين أن يشتركا في كل ما يجب ويجوز ويستحيل. وأمَّا السمعية: فما اتفق الجميعُ عليه (١) من ورود السمع بنفي التشبيه والتمثيل. وأمَّا (٢) طوائف المخالفين لهم: فإن منهم من وافقهم في صحِّة الحجَّة العقلية، ونازعهم في لزومها لنفي الرُّؤية، وهم طائفة من متكلِّمي أهل السُّنَّة كالأشعرية، فإنَّهم اعتقدوا صحَّة الجمع بين نفي الجهة وصحَّة الرؤية، وجعلوا ذلك مثل ما أجمعوا (٣) عليه هم والمعتزلة من صحة الجمع بين نفي الجهة عن الله تعالى وصحَّة وجوده. ولهم في ذلك مباحثٌ دقيقةٌ ومعارضاتٌ طويلةٌ، وهي معروفةٌ في كتب الكلام، فلا نُطيلُ بذكرها، حتَّي قال الرازي في كتابه " الأربعين في أصول الدِّين ": إنَّ مرادهم بالرؤية صفةٌ تنكشِفُ لله تعالى في الآخرة، وهي (٤) بالنِّسبة إليه كالرُّؤية بالنسبة إلى غيره. وقال الشهرستاني في " الملل والنحل " (٥) في الكلام على الاجتهاد أوّل القول في الفروع، ما معناه: إن الرؤية عند من أثبتها من متكلمي الأشعرية إدراكٌ أو علمٌ مخصوصٌ. وهذا يخالِفُ كلام أهل الأثره وحاصل كلامهم أن الرُّؤية غير مكيفةٍ كالمرئي سبحانه، وعند أهل الأثر: أن الرؤية مكيفةٌ، ولكن

стр. 1805

المرئي سبحانه غير مكيَّفٍ كما ورد في الحديث (١). ولا يلزم تكييف المرئي من تكييف الرؤية، كما لا يلزم تكييف الموجود من تكييف الوجود. والحاصل أن أهل السنن (٢) والآثار يقطعون بنفي التشبيه والتمثيل، كما قالت المعتزلة والأشعرية، لكنهم يرون أن ما وصف الله تعالى به ذاته الكريمة في كتابه الكريم وبلغه رسوله الكريم، ولم يتأوله، ولم يُحذِّر من اعتقاد ظاهره، ولا كان من أحد من أصحابه مثل ذلك مع طول المدة، فإنه غيرُ مناقض لنفي التشبيه والتمثيل، ولا يجوز في العادات أن تمرَّ المدة الطويلة ولا يُبَين مثل ذلك. قالوا: وقد اجتمعنا على ردِّ قول الملاحدة الباطنية في نفي الصفات كلها، وعلى رد قولهم: إن مجرد الاشتراك في بعض الأسماء والألفاظ يوجب التشبيه، فإنهم زعموا أن الله تعالى لو كان شيئاً والإنسان شيئاً أو موجوداً والإنسان موجوداً كان ذلك تشبيهاً، فرددنا الجميع ذلك عليهم. ووافقت المعتزلة على ردِّ هذا عليهم (٣)، وأجازت المعتزلة بأجمعهم أن يُوصف كل واحدٍ من الرَّبِّ ، ومن بعض عباده الحُقراء بأنه موجودٌ، حي، قادرٌ عالمٌ، سميعٌ، بصيرٌ، مريد، مدبِّرٌ، حكيمٌ، مثيبٌ، (٤) معاقبٌ، فاعلٌ، مختارٌ ... إلى غير ذلك من الصفات الحميده، ثم لا يوجب الاشتراك في جميع تلك الصفات تشبيهاً، ولا تمثيلاً، بحيث إنه تعالى تمدَّح في كتابه المبين بانه أرحم الراحمين وأحسن الخالقين، وخير الحافظين، وخير الرازقين، مع جمعه معهم في اللفظ بإجماع المسلمين. فكيف يجب القطع بوقوع السُّنِيِّ في صريح التشبيه؟ إذا قال: إنه تعالى استوى على عرشه، وعلا فوق خلقه علواً كبيراً (٥)، مع قطعه بنفي التشبيه لاستوائه وعلوّه

стр. 1806

باستواء خلقه وعلوهم المستلزمين حاجتهم إلى ما استووا عليه واستقرُّوا فوقه، محمولين مفتقرين إلى ما حملهم، محدودين محيط بهم ما حصرهم، مصوَّرين متصورين، مكيفين مقهورين مربوبين، مع إثبات السُّنِّيِّ في ذلك لجميع الفوارق التي لا تُحصى بين رب العزة وخلقه الأدلة من إثبات كل كمالٍ لله ﷻ ، ونفي كلِّ نقص وعيب (١) عنه سبحانه، وتخصيصه دون خلقه بوجوب الوجود، والقِدَمِ، والبقاء، وعدم التشبيه، والتشريك، والنِّدِّ والكُفء، والضِّدِّ، وإثباث ما لا يأتي عليه العدُّ من ثبوت الحمد، والمجد، وكمال القدرة، والملك، والعزَّة، والكبرياء، ونفوذ المشيئة، وبلاغ الحكمة، ودفع الحُجَّة، وسُبوغ النعمة، واستحقاق حقائق جميع المحامد والممادح، وعموم الرُّبوبية لكل شيءٍ، وتمام القيومية (٢) بكلٍّ حي وعجز كل (٣) واصفٍ، وحَيرة كلِّ مفكِّرٍ، وعِيَّ كل بليغٍ، وتقصير كلِّ حامدٍ. فأيُّ تشبيه (٤) مع هذا وأضعافه، وكل ذلك الإلزام من أجل إيمانهم بمراد الله تعالى في تمدُّحه بعُلوِّه على خلقه، وظهور ذلك في جميع الكتب السماوية، وأوقات الرسل وأصحابهم وأتباعهم من غير إشعارٍ بالتحذير لعوامِّ المسلمين من اعتقاد ذلك الظاهر جمع دوام إسماعهم لهم ذلك في التلاوة والصلوات والمجامع والخُطب، حتى إن الخصوم الذين يحتجُّون بما لم يصح عن عليٍّ ﵇ من ذلك، وافقوا أهل السنة على رواية ذلك عن علي ﵇. فروى صاحب " النهج " (٥) بغير إسناد والسيد الإمام أبو طالب بإسناده في " أماليه " أن رجلاً سأله في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، هل تصف

стр. 1807

لنا ربَّنا فنزداد له حُبَّاً، وبه معرفةً، فغضب ﵇، ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، حتى غَصَّ المسجد بأهله، ثم صَعِدَ المنبر وهو مغضبٌ متغير اللون، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم سرد خُطبته ﵇ إلى قوله: أيها السائل، اعقِل ما سألتني عنه، ولا تسألَنَّ (١) أحداً عنه بعدي، فإني أكفيك مُؤنة (٢) الطلب، وشدة التَّعمُّق في المذهب، فكيف يوصف الذي سألتني عنه وهو الذي عَجَزَتِ الملائكة مع قربهم من كرسيِّ كرامته، وطول وَلَهِهِم إليه، وتعظيم جلال عزَّته، وقُربهم (٣) من غيب ملكوت قدرته، أن يعلموا من علمه إلا ما علَّمهم، وهم من (٤) ملكوت القُدس بحيث هم ومن معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، فعليك أيُّها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته وتقدمك (٥) فيه الرسل بينك وبين معرفته، فَأتَمَّ به، واستَضِىء بنور هدايته ... إلى قوله: وما كلَّفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سُنة النبي ﷺ ، ولا من (٦) أئمة الهدى أثرُه، فكِلْ علمه إلى الله، فإنه منتهى حق الله عليك. ورواه محمد بن منصور في كتاب " الجملة " عن الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈، وهذا صريحُ مذهب أهل السنة. فهذا نقلُ الثِّقات والخصوم عن المدَّعي على أهل السنة مخالفته، فكيف بنقل أهل السنة عنه (٧) ﵇، وعن سائر الصحابة والتابعين ما (٨) يشهد بتصديقهم

стр. 1808

في نقلهم القرآن وسائر كتب الله تعالى، بل (١) أغنى عن نقلهم كونه مما تواتر أنه طريقة السلف وعجزت الخصوم عن دعوى موافقة السلف لهم في طريقتهم، إذ كانت (٢) طريقة السلف في ذلك معلومةً للجميع بالضرورة، فخاف القوم مِنَ ابتداع التحذير من ذلك. والتصريح بالتأويل فيه الوقوع في البدعة التي صح عندهم النهي عنها، والتحذير منها، وأجمع على ذمها المخالف والمؤالِفُ، فآمنوا بمراد الله في ذلك، مع القطع بنفي ما نفاه الله من شَبَه المخلوقين، والقطع بأن استواءه وعلُوَّه لا يشبه علو المخلوقين واستواءهم في أوصافهما ولوازمهما، كما يقول الجميع في الفرق بين علمه وعلمهم، وقدرته وقدرتهم، وإنما أثبتوا عُلُواً واستواءً يُناسب (٣) ذاته العزيزة التي يستحيلُ تصوُّرها، ويستحيل تصور جميع ما يتعلق بها. وهذه الفوقية عندهم غير مقتضيةٍ للتشبيه (٤)، مثل ما أن وجوده سبحانه وسائر صفاته الثبوتيَّة صحيحة عند خصومهم، وإن لم تكن مقتضية لذلك لما دلَّتهم عليه أدلَّتُهم، فكذلك هؤلاء دلَّتهم أدلَّتُهُمْ على الإيمان بما ورد في القرآن مِنْ ذلك، ورأوا أن نصوص القرآن التي أجمع المسلمون على أنها كلام الله تعالى، وأنها لم تزل متلوَّةً مجلَّلةً معظَّمةً، منذ بُعِثَ بها رسول الله ﷺ أحق الكلام بالقبول (٥) والتَّبجيل والتقديم على غيرها، والتعظيم والاحترام لها والتكريم (٦)، فلا يُستباح لها حِمى، ولا يُخاف من جهتها ضلالٌ ولا عمى. وقد أجمع المسلمون على أنه لا أعلم من الله تعالى بما ينبغي أن يقال فيه،

стр. 1809

ويسمى به، ولا أحد أحبُّ إليه المدح منه، ولا أفصح، ولا أبلغ من كلامه، ولا أهدى ولا أنصح (١) من رسله، فكلُّ ما أجمعت (٢) عليه كتبه ورسله وأظهروه، ولم يُحذِّروا منه، كان أحقَّ الحقِّ، وكلُّ ما لم يذكر في كتابٍ من كتبه، ولا ذكره أحد من رسله، كان إيجابُه على الخلق أبعد من كلِّ بعيدٍ، والله على كلِّ شيءٍ شهيد. وبعد، فقد أجمعت (٣) المعتزلة والشيعة والأشعرية على أنه لا يوجب التشبيه إلا الاشتراك في صفة الذات التي هي عند كثير من المعتزلة الصِّفة الأخصُّ أو فيما اقتضته هذه الصفة الأخصُّ، وعند كثير أنها وجوبُ الوجود والكمال حتى يجب لكلِّ واحدٍ من المثلين كلُّ ما يجب للآخر، ويجوز عليه كل ما يجوز (٤)، ويستحيل عليه كل ما (٥) يستحيل عليه. وقد جوَّد القول في ذلك الغزالي في مقدمات " المقصد الأسنى " (٦). قال شيخُ الإسلام: ولم يقل بالتشبيه بهذا المعنى أحدٌ يتعقَّل (٧) ما يقول، فإنه متى تعقَّل هذا، عرف فساده بالضرورة. وقال علامة الزيدية في الكلام وترجمانهم فيه، صاحب كتاب (٨) " الغُرَرُ (٩) الحُجُول في الكشف عن أسرار شرح الأصول " في الكلام على إثبات الصِّفةِ

стр. 1810

الأخص لله تعالى ما هذا لفظه: الدليل الأول: أنا قد شاركنا الله تعالى في استحقاقِ الصفات الأربع التي هي: القادرية، والعالِمَّية والحياتيَّة، والوجود (١)، ثم فارقناه، فوجبت له، وجازت لنا، فلا بد من أمرٍ وجبت (٢) له، وجازت لنا، إلى آخر ما ذكره. وقد أجمعت المعتزلة على أن مثل هذه المشاركة في الأمهات الجوامع من الصفات والأسماء لا تقتضي التَّشبيه من أجل وجود الفارق على الصحيح، فكيف ألزموا أهل السنة التشبيه وهم يحرمون إطلاق مثل هذه العبارات في المشاركة، ولا يجترئون على مثل هذه العقائد التي لم تَرِدْ بها نصوص القرآن ولا السنة المعلومة؟ قال أهل السنة للمعتزلة: وحين اتفقنا على أن الاشتراك في كثير من الأسماء والصفات لا تُوجِبُ مسمى التمثيل، علمنا أنه لا مناقضة بين نفي (٣) التمثيل وبين إثبات ما تمدَّح به الربُّ من صفاته التي خالفت المعتزلة في حقائقها، كتمدُّحه بأنه الرحمن الرحيم، واسعُ الرحمة، خير الراحمين، وبأنه العليُّ، العظيم، الأعلى، المتعالي، ذو المعارج، وهو سبحانه أعلم بحقائق المناقضة، ولو كان ذلك تناقضاً، ما تمدَّح به ومدح رسوله (٤) وأصحابه، وشاع ذلك بينهم المُدَدَ المتطاولة من غير تأويل. فحاصلُ كلام أهل السنة راجعٌ إلى تفسير نفي التشبيه بإثبات هذه الأسماء وسائر ما وصف الله به ذاته على أكمل الوجوه، ونفي ما يلزمها في المخلوقين مِنَ النقص، ونفي لوازم النقص عن الله تعالى، ونفي كمالِها عن المخلوقين.

стр. 1811

ألا ترى أنه تعالى عالمٌ لا يعزُبُ عن علمه شيءٌ في الحال والماضي والاستقبال من المعدومات والموجودات، ولا يجوزُ عليه الشكُّ فيما علمه، ولا النسيان له (١) ولا الخطأ، ولا النظر والاستدلال (٢). وقد يُسمَّى (٣) بعض عباده عالماً، ولكن عالماً ناقصاً مشُوباً بتجويز جميع هذه (٤) النقائص التي تنَّزه الربُّ عنها، وكذلك سائر الأسماء، قالوا: ومتى كان القول بأن الله عالمٌ مثل علم (٥) خلقه كفراً (٦) بالإجماع، مع أن كونه تعالى عالماً من المحكمات. وكيف (٧) من قال: بأن عُلوَّه واستواءه على عرشه كعُلوِّ الأجسام واستوائها، مع أن هذا من المتشابهات؟ فمن ها هنا لم يكن له سبحانه كفواً أحد، وكان كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعد نفي التشبيه من أقوى أدلَّة أهل السنة على هذا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وللهِ المَثَلُ الأعلى وهُوَ العزيزُ الحكيمُ﴾ [النحل: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] أي: الوصفُ الأعلى على ألسِنةِ أهل السماوات وأهل الأرض. وتقدم قول عليٍّ ﵇: فعليك أيها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته (٨). وإنما تنَّزه الرَّبُّ سبحانه عما يصفون من الصاحبة (٩) والولد، والأمر بالفواحش، وأمثال ذلك مِنَ النقائص، ولم ينَّزه قطُّ عن الوصف بالمحامدِ والممادح والأسماء الحسنى. وقالت الملاحدة من الباطنية والفلاسفة: لا يجوز عليه (١٠) شيءٌ مِن هذه

стр. 1812

الأسماء والصفات قالت الباطنية: وإنما هي مجازٌ لا حقيقة له، وكلُّ اسمٍ أو وصفٍ منها يوجب التَّشبيه، ويجب نفيه عن الله تعالى على جهة التعظيم والتنزيه، ونسبتها إلى الله تعالى كنسبة الجناح إلى الذُّلِّ في قوله تعالى: ﴿واخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ .. ﴾ [الإسراء: ٢٤]. ولو قال قائل: ليس للذل جناحٌ، وقصد الحقيقة، كان صادقاً عندهم (١) فكذلك، من نفي الأسماء الحسنى عن الله تعالى، وقصد الحقيقة، كان صادقاً عندهم، فالنَّافي لرحمة الله ، الواصف له بأنه ليس برحمن، ولا رحيمٍ، ولا عليٍّ، ولا عظيم، كالنافي للجناح عن الذُّلِّ، والإرادة عن الجدار، صادقٌ عندهم، بل هو (٢) أصدقُ عندهم ممَّن سمَّاه الرحمن على سبيل التجوُّز (٣). وكما (٤) أن إثبات المجاز لا ينفعُ الباطنية فيما نَفَوهُ من حقائق صفات العليم القدير وحقائق المَعاد فكذلك إثبات المجاز لا ينفعُ المعتزليَّ فيما نفاه من حقائق صفات الرحمن الرحيم، العلي العظيم، وما أبدَوْهُ من الفرق في ذلك غيرُ صحيحٍ عند خصومهم، ومعارضٌ عندهم كما تقدَّم في الوهم الخامس عشر في كلام شيخ الإسلام. فهاتان طائفتان متقابلتان أعني: الباطنية الذين نَفَوُا الأسماء كلها، وأهل الأثر الذين أثبتوها كلها. وأمَّا المعتزلة والأشعرية، ففرَّقوا بين الأسماء والصفات، فتارةً يوافقون أهل السنة، وتارة (٥) يوافقون الباطنية، واعتمدوا في التفرقة على أدلةٍ عقليةٍ دقيقةٍ خفيَّةٍ، أدَّت إلى القطع عندهم بنفي أمرين جليَّين عند مخالفيهم من أهل السنة

стр. 1813

هما عند أهل السنة أقوى وأجلى، وأولى بالتَّسليم (١) من تلك الخفيات التي لا يُخاف الكفر بالمخالفة لشيء منها (٢)، ولا ينتهض (٣) في العقل لمعارضةٍ أقوى منها عندهم، واعتقدوا أن الاستضاءة في هذه المسالك المجهولة بأنوار النُّبوَّة والآيات القرآنية أحزمُ وأسلم، وإن كان غيرهم يرى الخوض في تلك الدقائق أنبه وأعلم، فإن معرفة الجلال الأعزِّ أعزُّ من (٤) أن يهتدى إليه (٥) إلاَّ بتعريفه: مَرَامٌ شَطَّ مَرْمَى العقل فيه ... فَدُونَ مَدَاه بِيدٌ لا تَبيدُ (٦) فلنذكر أدلة الجميع بتوفيق الله تعالى وعونه. أمَّا تلك الأدلة التي تمسَّك بها المتكلمون، فهي ما قدمنا (٧) في هذا الوهم من اعتقادهم لتسمية الموجودات في الخلاء العدميِّ المستقلاَّت بأنفسها كلِّها أجساماً، واعتقادهم لِتماثلها، وكذلك ما قدمنا في الوهم الخامس عشر من اعتقادهم لصحة دليل الأكوان، واستلزامه لحدوث جميع ما سمَّوه جسماً من كل موجود في الخلاء العدمي مستقلّ بنفسه. وقد قدمنا مخالفة بعضهم بعضاً (٨) في ذلك، ورد بعضهم على بعض، وما في أدلتهم هناك من الدقة والنزاع والإشكالات لو لم يعارضها شيءٌ ألبتة ولا يخاف من القول بها إنكار (٩) ما يخاف الكفر في إنكاره، ومرادنا بالخلاء العدميِّ

стр. 1814

هو ما وُجدت فيه الموجودات في أول إيجادها وإيجاد إمكانها (١)، فإن الأماكن عند المتكلمين عبارةٌ عن أجسام الأرض والسماوات التي تستقُّر فيها الموجودات، ولا شكَّ أن أول موجودٍ منها قبل خلق (٢) الأمكنة كان في جهةٍ عدميَّةٍ، وكذلك الأمكنة كانت فيها، وإلاَّ احتاج كلُّ مكانٍ إلى مكان (٣)، إلى ما لا نهاية له. وأما الأمران الجليِّان الَّلذان ادَّعى أهل السنة معارضَتَهُما (٤) لذلك، ووضوحَهما، وخوف الكفر في إنكارهما. فأحدهما: ما فُطِرَت عليه العقول السليمة عن التَّلوُّن بالاعتقادات التقليدية من استحالة تعطيل الموجود من جميع الجهات السِّتِّ التي لا غاية لكل واحدة منها (٥) كما قرَّره ابن تيمية وغيره من متكلِّميهم استدلالاً وسؤالاًَ وانفصالاً، مثلما أن المعتزلة تعتقد استحالة الرؤية، كذلك قالوا ولا شكَّ أنَّ هذا هو الفطرة، ولكن الأدلة المعروفة في علم المنطق والكلام، المعروفة بالأدلة الخلقية ألجأت المتكلمين إليه، ومعنى هذه الأدلة الخلقية (٦) أن النقيضين إذا بطل أحدهما ثبت الآخر، فلما بطل عندهم هذا الأمر الجليُّ بتلك الأمور التي قدمناها ونحوها، واعتقدوها قاطعةً، اضطرهم ذلك إلي إثبات نقيضه، وظنوا أن تلك الفطرة العقلية المعارضة لأدلتهم طبيعية (٧) وهميَّةٌ نافرةٌ عن ذلك. قالوا: ولو أنعموا (٨) النظر فيما ألجأهم إليه، لما عوَّلوا عليه، فإن الذي نَفَوْهُ

стр. 1815

أقوى وأجلى في الفِطَرِ العقلية من أدلتهم على نفيه بكثيرٍ، ونفيُ الأجلى بالأخفى باطلٌ، ولا يعرف هذا إلاَّ من اطَّلع على تلك الأدلة التي ظنُّوها قاطعة، التي قدمنا الكلام فيها آنفاً. فإن قيل: إذا كان أهل السنة ينفون الكيفيَّة عن الاستواء والعلوِّ ونحو ذلك، فقد شاركوا المتكلمين في مخالفه الفطر (١) العقلية، وعدم القبول لظواهر النصوص السمعية، ولم يبق بينهم خلافٌ إلاَّ في العبارات اللفظية، ففي أي شيءٍ افترقوا على التَّحقيق؟ وما بالهم يوهمون الاختصاص لكمال (٢) التصديق؟ فجوابهم عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنهم -أو كثيرٌ منهم- لم ينفوا حقيقة العلوِّ المفهومة من حيث هي (٣) مجرَّدة عن لوازمها التي لا تجوز على الله ، وإنما نَفَوْا تلك اللوازم ذاهبين إلى أن المستلزم لها أمورٌ تَخْتَصُّ بالأجسامِ التي يجب القَطْعُ بنفي تشبيه الله بها (٤)، لا أن (٥) العلوَّ من حيث هو علوٌ هو الذي التزمها كما تقدَّم ذلك قريباً في ردِّهم لأدلَّة المعتزلة، فاعِرفْ ذلك، وأنهم إذا أطلقوا العُلُوَّ عَنَوْا به ما فوق العالم جميعاً (٦)، وذلك خارجٌ عن الجهات المخلوقة، فلا يتصَّور منه لزومُ الحاجة إليها عندهم. وثانيهما: أنهم لم ينفوا علم الله سبحانه بحقائق أسمائه، وما نطق به التنزيل من نعوت الرَّبِّ الجليل، ولم يُثبتوا الحيرة (٧) في ذلك على الإطلاق،

стр. 1816

بل نَفَوْا عن أنفسهم، لا عن ربِّهم جلَّ وعزَّ وتبارك وتعالى معرفة حقيقة الذات المقدسة، وما يتعلق بها على التفصيل، وأثبتوا المحارة (١) في ذلك بالنسبة إلى أنفسهم لقصور البشر عن إدراك ذلك (٢) الجلال الأعزِّ، وبُعدِ مَنْ صوَّره الله تعالى من التراب عن بلوغ الغاية القصوى في معرفة ربِّ الأرباب تصديقاً لقوله تعالى: ﴿ولا يُحيطُونَ به علمَاً﴾ [طه: ١١٠]، لا بالنسبة إلى علم الله تعالى المحيط الذي لا يجوزُ أن يدخُلَه نقصٌ، ولا وقفٌ، ولا حَيرة، ولا شُبهةٌ، ولذلك ذهبوا إلى أنه تعالى (٣) يعرف ذاته معرفة المفردات، وهي على الحقيقة المعرفة التامة. وأما العباد، فإنما يعلمون نسبة الأسماء والنعوت إليها كنسبة الوجود وصفات الكمال، ولا يعرفون الذات التي نُسبَت (٤) إليها هذه الأمور، وذلك الذي يختص به العباد يُسمى علماً لا معرفة عند أهل اللغة وأهل المعقولات، لأن العلم يتعدَّى إلى مفعولين، كما تقول: علمت الله موجوداً عليماً قديراً، وأمَّا المعرفة، فلها مفعولٌ واحدٌ مفردٌ. ومذهبُ أهل الأثر في هذا هو المعروف عن عليٍّ كرَّم الله وجهه (٥)، وبه فسَّر ابن أبي الحديد -مع اعتزاله (٦) - قوله ﵇ في وصف عزة (٧) الربِّ ﷻ عن إدراك العقول لحقيقة ذاته، قال ﵇: " امتنع منها بها، وإليها حَاكَمَها ". أراد ﵇ أن العقول عرفت قصورها عن دركِ حقيقة الذات المقدسة، وكان الامتناع من ذلك بالعقول، وإلى العقول حاكم العقول، شبَّه العقل (٨) بالخصم المدعي لما لا

стр. 1817

يصح، ولا يخفى بطلانه على أحد. وفي مثل ذلك يحكم العاقل خصمه فيما ادَّعاه (١)، حتى إنه إذا ادعى الباطل لم يزد على أنه أودى (٢) بنفسه وحقَّق للسامعين تعمُّده للباطل، وإن أقرَّ بالحق، حصل المقصود (٣). ومن (٤) ها هنا وقعت البهاشمة من المعتزلة في البدعة الكبرى، حيث قالوا: إن الله تعالى لا يعلم من نفسه (٥) إلاَّ ما يعلمون، فتعالى الله عما يقولون علواً عظيماً، بل هو أعز وأجل من أن يحيطوا به علماً، وهم أحقر وأقل من ذلك كما نص عليه كتاب الله تعالى حيث قال متمدحاً: ﴿ولا يُحيطُونَ به عِلْمَاً﴾ [طه: ١١٠]، وقد بالغ ابن أبي الحديد في نُصرة قول أمير المؤمنين ﵇، وذكر أنه قولٌ لم يزل فضلاء العقلاء مائلين إليه معوِّلين عليه، وأنشد في ذلك من الأشعار المستجادة ما يطول ذكره ويطيبُ ويشتمل على كل معنى عجيب، وقد ذكرت ذلك في " ترجيح أساليب القرآن " (٦) وجوَّدته. فخذه من هناك. فأهل السنة لزموا الأدب عملاً بقوله تعالى: ﴿ولا يُحيطُونَ به عِلْمَاً﴾ (٧) [طه: ١١٠]، وبقوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك بهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فأثبتوا الذات على وجهٍ يعقلُ جملةً لا تفصيلاً، وآمنوا بما علمهم الله من تفصيل تلك المعارف في تلك الجملة، وهذا من محارات العقول بإقرار العقول (٨) وشهادة (٩) المنقول، أعني تفصيل الكلام في ذات الله تعالى.

стр. 1818

وأما نفيُ ما جهلنا من ذلك عن علم الله، فمن المحالات في العقول، وفرقُ بين المحارات والمحالات، فالسمع يردُ بالمحارات، والعقل يقبل الإيمان بها جملةً، ويَكِلُّ عنها ويكِلُ تفصيلها إلى الله تعالى، والمحالات، لا يَرِدُ بها السمع، ولا يجوزها العقل. ولعلَّ المعتزلة إنما نفوا أن يعلم الله من ذاته غير ما يعلمون طرداً لقاعدتهم الضعيفة المقدَّمة (١)، وهي أن ما لم يعلموا عليه دليلاً وجب نفيه، وكثيراً ما ترجع أدلَّتهُمْ لمن تأمَّلها إلى هذه القاعدة وقد مرَّ إبطالها بما لا زيادة عليه والحمد لله. وقد نُقِلَ عن قدماء العترة ﵈ ما يُشبه قول علي ﵇ وقول أهل السنة، فذكر أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية، عن محمد بن منصور، أن أحمد بن عيسى ﵇ كان ينفي التشبيه والحدود والنهاية، ويقول: هو موجود في كل مكان بلا كيفية. ونقل محمد بن منصور عن أحمد بن عيسى في كتاب أحمد أنه روى ذلك (٢) عن أبيه، وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈: أجمع علماء (٣) آل الرسول ﷺ على نفي التشبيه عن الله، وأنه ليس كمثله شيءٌ .. إلى قوله: عن (٤) أن يدركه الواصفون إلاَّ بما وصف به نفسه بلا تحديدٍ ولا تشبيهٍ ولا تناهي. وقال محمد: قد وصف الله تعالى نفسه بصفات مدائح لن تزول عن الله في حال، يدان فيها بإثبات ما أوجب الله تعالى، ونفي ما أزال، فقال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة، فعدَّ الرحمن الرحيم من مدائح الرَّبِّ التي لا تزول عنه، ويجب إثباتها له بلا كيفيةٍ ولا تشبيهٍ.

стр. 1819

وبهذا يظهر لك أن أهل السنة لم يختصُّوا (١) بالبَلْكَفَة التي شنَّع بها عليهم بعضُ المعتزلة، بل هي قول جميع المسلمين في ذات الله تعالى، وإنما خالفوا أهل السنة في صفاته تعالى كما مر تحقيقه في الوهم الخامس عشر، وهذا تمام الكلام في الأمر الأول من الأمرين الحليين الَّلذَيْن ادعى أهل السنة معارضَتَهُما لأدلة المتكلمين، وقضوا بأنهما أجلى منهما، وخافوا الكفر في مخالفتها. وأما الأمر الثاني الذي يعضُدُ هذه الفطرة، فهو تطابقُ جميع هذه الكتب السماوية على ذلك، وكذلك الفِطَرُ (٢) السليمة من شَوبِها بالتقليدات الكلامية. وبيان ذلك يظهر بوجوه: الوجه الأول: خلوُّ الكتب السماوية والآثار النبوية من وصف الرب سبحانه بالتعطيل من جميع الجهات مع ورودها بكثير (٣) من المتشابهات، فأما هذا الوصفُ، فتعطَّلت كلها منه لنكارته حتى اتفق أنه ما كَذَبَ أحدٌ من الكذابين في الحديث شيئاً يوافق هذا فيما علمناه إلى الآن، وتواتر في القرآن والسنة وصف الرب سبحانه بما يقتضي بُطلان هذا كما تراه الآن، وكما يعرف بأدنى تأمُّلٍ، ولم يرد القرآن بأنه كُلَّه متشابهٌ، وإنما ورد بأن منه آيات محكماتٍ هُنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات. فأرُونا الآيات المحكمات الواردات بهذا التعطيل من الجهات حتى نرُدَّ إليها سائر آيات كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ والعقول السليمة تُحيلُ خُلُوَّ الكتب السماوية والأحاديث النبوية من النطق بالصواب الذي يُرَدُّ (٤) إليه كثيرٌ من متشابه (٥) الكتاب، وإلى استحالة ذلك أشار قوله بعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويا

стр. 1820

لها من آيةٍ قاطعةٍ للمبطلين لمن تأمَّلها في كلِّ موضعٍ مع ظاهر قوله: ﴿ما فَرَّطْنَا في الكتابِ من شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الله سبحانه لم يُخْلِ كتبه الكريمة من بيان مهمَّات الدِّين. وقول المتكلمين: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ على كتاب الله تعالى، فإنه لا يشكُّ منصفٌ (١) أنها جاءت -أو كثيرٌ منها- على جهة التمدُّح منه بالرحمن الرحيم، العلي العظيم، فجعلوا ما تمدَّح به يقتضي بظاهره غاية الذم والسَّبِّ باستلزام ظاهِرِه تشبيه (٢) العبيد المساكين المخلوقين، وليس يرضى بمثل هذا عاقلٌ أن يَقصِدَ التمدح بما ظاهره النقص لنفسه، والقدح في عرضه، كيف الملك الحميد الذي صحَّ عن أعلم الخلق به أنه لا أحد أحبُّ إليه المدح منه، من أجل ذلك مدح نفسه (٣)؟ فكيف يكون أظهر المعاني من كلامه الذي المقصود منه التمدح يقتضي نقيض المقصود، مع أنه أبلغ الكلام والبلاغة تقتضي بلوغ المتكلم لبيان مراده على أبلغ الوجوه؟ فكيف يستكثر من لا أحد أحبُّ إليه المدح منه مما ظاهرُه الذمُّ، ويكون ذلك في السبع المثاني المتكرِّرة في الصَّلوات، وفي أول كل سورةٍ من المصاحف المكرمات؟ وقولهم: إن المقصود بذلك تعريضُ المكلَّفين إلى دَرْكِ الثواب العظيم بالنظر في تأويله مردودٌ بوجوه:

стр. 1821

الأول: أن ذلك لو كان هو المقصود، لوجد الصواب ولو مرَّةً واحدة حتى يرد المتشابه إليه كما وعد به التنزيل، فأين آيةٌ واحدةٌ نفت الرحمة على الإطلاق عَنِ الله تعالى، أو نفت أسماءه: العليَّ، الأعلى، المتعالي، وما شاكلها؟ وثانيها (١) لو (٢) كان تأويلها هو المقصود، وكانت مناقضةً لنفي التشبيه، لكان رسول الله ﷺ وأصحابُه وتابعوهم أسبق الناس إلى تأويلها كما سبقوا إلى كل خير، وسيأتي بطلان ما كُذِبَ من ذلك على (٣) أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ كما أوضحتُه في " ترجيح أساليب القرآن "، ولو لم يُعارض ما رُوِيَ عنه من مذاهب الباطنية في نفي الصفات إلاَّ بما رواه السيد أبو طالب في " أماليه " بسنده من قوله ﵇: فعليك أيُّها السائل بما دلَّك (٤) عليه القرآن من صفته، وتقدَّمك فيه الرُّسل بينك وبين معرفته، فأتَمَّ به، واستضىء بنور هدايته وبكلامه في صفة الرَّاسخين ووصفه لهم بالعجز عن التأويل، كما أسنده عنه السيد أبو طالب، وقرَّره وأرسله صاحب " النهج " (٥)، وهو نصُّ قول أهل السنة. والعجبُ ممَّن يتسع عقله من العلماء لتصديق أنه ﵇ كان يخطُبُ لمذاهب القرامطة في صدر الإسلام والصحابة متوافرون سكوتٌ لذلك، ولا يهتدي بعقله إلي أنه أتبعُ خلق الله للنبيِّ ﵇، وأشبههُم به علماً وبياناً، ووعظاً وخطابةً، وأشدُّ الناس اقتداءً، وأبعدهم عن الابتداع، حتى لقد قال: نهاني رسول الله ﷺ عن كذا، أما إني أقول نهاني، ولا أقول نهاكم (٦)، فما أبعده عما فَرِحَتْ به القرامطة مما رُوِيَ عنه من شُبَهِ مذاهبهم صانه الله عنها.

стр. 1822

وثالثها: أن هذا المدعى الذي ذكروه لا يصح تقديره فيما موارده (١) إظهار المحامد وبيان الممادح. ورابعها: أنه لو كان -كما ذكروه- لورود (٢) السمع بما ظاهره القبح الضروري المتفق عليه ليُثاب (٣) المكلَّفون بتأويله، كنسبة الظلم والولد والشركاء وسائر النقائص -تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً- فإنه يمكن تكلُّف التجوزات البعيدة في ذلك كما زعمه الزمخشري في تأويل قوله تعالى: ﴿أمَرْنَا مُترَفِيهَا فَفَسَُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] فإنه زعم أن المراد: أمرناهم بالفسق مجازاً (٤). وسوف يأتي في الوهم الثامن والعشرين تمام البحث فيما يتعلق بهذا المعنى من الأسئلة (٥) إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: في الإشارة إلى طرفٍ من هذه الآيات التي تعارض دعوى تعطيله من كل الجهات، وذلك في القرآن والسنة متنوعٌ أنواعاً كثيرة، فمن أنواعه: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وما جاء في ذكر الحجب من السنة من رواية زيد بن علي ﵉ ومن رواية أهل الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهي حُجُبٌ حاجبةٌ للعباد، محيطةٌ بهم، لا بالله فافْهم هذه الفائدة، فإنها مهمَّة.

стр. 1823

ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] بالرَّفع، ولو كان منقطعاً لنُصب. وقوله (١) تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١، ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، و" في " هنا بمعنى " فوق " كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ولا يُحيط بالله شيءٌ بالإجماع، وهي في الفوقية حقيقةٌ لا مجازٌ، وآيات الاستواء تُوَضِّحُ ذلك. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استَوَى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى في غير آية: ﴿ثُمَّ استَوَى على العَرْشِ﴾. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤ والشورى: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤]، وقوله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الذاريات: ٣٤]، وقوله: ﴿وعندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]، وقوله: ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ

стр. 1824

يَنطِقُ بالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢]. وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وفي آية: ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١]، وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] وقوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. ومن أنواعه: آيات لقاء الله تعالى، وهي أشهر وأكثر من أن تُذكر. ومن أنواعه الكثيرة ما في القرآن من ذكر علوِّه على خلقه، تارةً بالتَّمدُّحِ بأسمائه: العلي، والأعلى، والمتعالي، وذي المعارج، وتارة بالخبر عن ذلك في آياتٍ عديدة، كقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. ومن أنواعها: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام فيها في الوهم الخامس عشر (١) وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد صح تفسيرها بالحقيقة عن رسول الله ﷺ . رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود (٢)،

стр. 1825

والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر (١)، والبخاري عن أبي هريرة (٢)، والترمذي عن ابن عباس (٣) كما هو مبسوط بأسانيده وألفاظه في كتب الإسلام، ولم يُنكِر ذلك عليهم أحدٌ مِمَّن عاصرهم من الصحابة، ولا مِمَّن سمع منهم من التابعين، وما زال السلف يروون مثل ذلك، ويُروى عنهم من غير نكيرٍ (٤). حتى إن السيد المنكر لرواية هذا الجنس (٥) على المحدثين روى هذه الأخبار المشار إليها في تفسير هذه الآية (٦) في تفسيره الذي سماه " تجريد الكشاف مع زيادة نكت لطاف "، ولم يذكر بعد روايتها (٧) ما يدلُّ على قبح الاغترار بها، ووجوب التحذير منها، وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى وتفاسير علماء الإسلام. ومن أنواعها: جميع الآيات (٨) المتضمنة لكلامه، وتكليمه، ومناداته، ولذلك أنكرت المعتزلة ذلك على الحقيقة كما مضى مبسوطاً في الوهم الخامس عشر، وقالوا: ليس في مقدوره أن يصدر عنه الكلام ألبتة، وإنما في (٩) مقدوره أن يخلق كلاماً في شجر أو حجر (١٠) أو نحو ذلك. وقد مرَّ ما ورد في ذلك في الوهم الخامس عشر.
следующие страницы →