← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الأول: أن ذلك لو كان هو المقصود، لوجد الصواب ولو مرَّةً واحدة حتى يرد المتشابه إليه كما وعد به التنزيل، فأين آيةٌ واحدةٌ نفت الرحمة على الإطلاق عَنِ الله تعالى، أو نفت أسماءه: العليَّ، الأعلى، المتعالي، وما شاكلها؟ وثانيها (١) لو (٢) كان تأويلها هو المقصود، وكانت مناقضةً لنفي التشبيه، لكان رسول الله ﷺ وأصحابُه وتابعوهم أسبق الناس إلى تأويلها كما سبقوا إلى كل خير، وسيأتي بطلان ما كُذِبَ من ذلك على (٣) أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ كما أوضحتُه في " ترجيح أساليب القرآن "، ولو لم يُعارض ما رُوِيَ عنه من مذاهب الباطنية في نفي الصفات إلاَّ بما رواه السيد أبو طالب في " أماليه " بسنده من قوله ﵇: فعليك أيُّها السائل بما دلَّك (٤) عليه القرآن من صفته، وتقدَّمك فيه الرُّسل بينك وبين معرفته، فأتَمَّ به، واستضىء بنور هدايته وبكلامه في صفة الرَّاسخين ووصفه لهم بالعجز عن التأويل، كما أسنده عنه السيد أبو طالب، وقرَّره وأرسله صاحب " النهج " (٥)، وهو نصُّ قول أهل السنة. والعجبُ ممَّن يتسع عقله من العلماء لتصديق أنه ﵇ كان يخطُبُ لمذاهب القرامطة في صدر الإسلام والصحابة متوافرون سكوتٌ لذلك، ولا يهتدي بعقله إلي أنه أتبعُ خلق الله للنبيِّ ﵇، وأشبههُم به علماً وبياناً، ووعظاً وخطابةً، وأشدُّ الناس اقتداءً، وأبعدهم عن الابتداع، حتى لقد قال: نهاني رسول الله ﷺ عن كذا، أما إني أقول نهاني، ولا أقول نهاكم (٦)، فما أبعده عما فَرِحَتْ به القرامطة مما رُوِيَ عنه من شُبَهِ مذاهبهم صانه الله عنها.

стр. 1822

وثالثها: أن هذا المدعى الذي ذكروه لا يصح تقديره فيما موارده (١) إظهار المحامد وبيان الممادح. ورابعها: أنه لو كان -كما ذكروه- لورود (٢) السمع بما ظاهره القبح الضروري المتفق عليه ليُثاب (٣) المكلَّفون بتأويله، كنسبة الظلم والولد والشركاء وسائر النقائص -تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً- فإنه يمكن تكلُّف التجوزات البعيدة في ذلك كما زعمه الزمخشري في تأويل قوله تعالى: ﴿أمَرْنَا مُترَفِيهَا فَفَسَُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] فإنه زعم أن المراد: أمرناهم بالفسق مجازاً (٤). وسوف يأتي في الوهم الثامن والعشرين تمام البحث فيما يتعلق بهذا المعنى من الأسئلة (٥) إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: في الإشارة إلى طرفٍ من هذه الآيات التي تعارض دعوى تعطيله من كل الجهات، وذلك في القرآن والسنة متنوعٌ أنواعاً كثيرة، فمن أنواعه: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وما جاء في ذكر الحجب من السنة من رواية زيد بن علي ﵉ ومن رواية أهل الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهي حُجُبٌ حاجبةٌ للعباد، محيطةٌ بهم، لا بالله فافْهم هذه الفائدة، فإنها مهمَّة.

стр. 1823

ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] بالرَّفع، ولو كان منقطعاً لنُصب. وقوله (١) تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١، ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، و" في " هنا بمعنى " فوق " كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ولا يُحيط بالله شيءٌ بالإجماع، وهي في الفوقية حقيقةٌ لا مجازٌ، وآيات الاستواء تُوَضِّحُ ذلك. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استَوَى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى في غير آية: ﴿ثُمَّ استَوَى على العَرْشِ﴾. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤ والشورى: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤]، وقوله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الذاريات: ٣٤]، وقوله: ﴿وعندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]، وقوله: ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ

стр. 1824

يَنطِقُ بالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢]. وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، وفي آية: ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١]، وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] وقوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]. ومن أنواعه: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. ومن أنواعه: آيات لقاء الله تعالى، وهي أشهر وأكثر من أن تُذكر. ومن أنواعه الكثيرة ما في القرآن من ذكر علوِّه على خلقه، تارةً بالتَّمدُّحِ بأسمائه: العلي، والأعلى، والمتعالي، وذي المعارج، وتارة بالخبر عن ذلك في آياتٍ عديدة، كقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. ومن أنواعها: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام فيها في الوهم الخامس عشر (١) وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد صح تفسيرها بالحقيقة عن رسول الله ﷺ . رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود (٢)،

стр. 1825

والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر (١)، والبخاري عن أبي هريرة (٢)، والترمذي عن ابن عباس (٣) كما هو مبسوط بأسانيده وألفاظه في كتب الإسلام، ولم يُنكِر ذلك عليهم أحدٌ مِمَّن عاصرهم من الصحابة، ولا مِمَّن سمع منهم من التابعين، وما زال السلف يروون مثل ذلك، ويُروى عنهم من غير نكيرٍ (٤). حتى إن السيد المنكر لرواية هذا الجنس (٥) على المحدثين روى هذه الأخبار المشار إليها في تفسير هذه الآية (٦) في تفسيره الذي سماه " تجريد الكشاف مع زيادة نكت لطاف "، ولم يذكر بعد روايتها (٧) ما يدلُّ على قبح الاغترار بها، ووجوب التحذير منها، وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى وتفاسير علماء الإسلام. ومن أنواعها: جميع الآيات (٨) المتضمنة لكلامه، وتكليمه، ومناداته، ولذلك أنكرت المعتزلة ذلك على الحقيقة كما مضى مبسوطاً في الوهم الخامس عشر، وقالوا: ليس في مقدوره أن يصدر عنه الكلام ألبتة، وإنما في (٩) مقدوره أن يخلق كلاماً في شجر أو حجر (١٠) أو نحو ذلك. وقد مرَّ ما ورد في ذلك في الوهم الخامس عشر.

стр. 1826

ومن ذلك سؤال موسى ﵇ للرؤية، حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإنه من أعلم الخلق بما يجوز على الله تعالى وما يستحيل، والخصم ينزل ذلك منزلة تجويز الأكل والشرب والنوم والعجز والفناء على الله تعالى، وموسى الكليم أعلم من أن يجهل ما يستحيل على ربِّه ، ويعرِفَه شيوخ المعتزلة بأنظارهم، ولم يقع الجواب عليه بأن ذلك لا يصحُّ ولا يمكن، بل أجيب بنفي ما طلبه من الرُّؤية في الدنيا، وكان جوابه على سبب سؤاله، وسؤاله كان مقصوراً على رؤية الدنيا، كما سيأتي تحقيقه. و" سوف " لا تدل على أن المنفيِّ متأخِّرٌ إلى الآخرة، وقد قال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿سوفَ أستغفِرُ لكُم ربِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وإنما (١) أخَّره إلى ليلة الجمعة (٢).

стр. 1827

وبكلِّ حالٍ، فالآية واضحةٌ في صحَّة الرؤية، ألا تراه تجلَّى كيف شاء للجبل، فجعله دكّاً، وعلَّق الرُّؤية باستقراره وهو ممكن بقدرة (١) الله إجماعاً، وما عُلِّق بالممكن فهو ممكن. ألا تراه لا يصحُّ أن يقال: إن استقرَّ مكانه، فسوف آكلُ وأشربُ وأعجِز وأجهَل، تعالى الله عن ذلك. ويوضح ما ذكرته (٢) من كونها في (٣) رؤية الدنيا أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، لم يكن جواباً لقوله: أرني في الآخرة، ولا لقوله (٤): هل أراك فيها، بدليل أنه يحسُنُ منه بعد ذلك أن يقول فهل أراك في الآخرة حين لم تُجبني إلى رؤيئك في الدنيا، فلا تعارض أنه (٥) رؤية الآخرة معارضة النصوص. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، لما نزل على سبب قول المشركين: إنهم قد كفروا وكذبوا، وزنوا، فأكثروا (٦) كانت خاصة بالمغفرة في الدنيا لمن تاب من الكافرين (٧)، ولمن شاء الله من غيرهم (٨). وحسنٌ أن يُقال في من مات (٩)

стр. 1828

كافراً: إنه لا يُغفر له بإجماع أهل العلم واللغة، أما أهل العلم، فظاهرٌ، وأمَّا أهل اللغة، فلأنهم لم يعدُّوه متناقضاً، لا مسلمهم ولا كافِرُهم، ولذلك قال ابن عبد البَرِّ: إنها في الدنيا، وقوله (١): ﴿ويَغفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في الآخرة جمعاً بينهما. ومن ذلك قول إبراهيم في النجم، ثم القمر، ثم الشمس ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وسيأتي تمام الكلام فيها (٢) عند الكلام على ما أورده الخصم مما يتعذَّر تأويله من الحديث. وقد اعترف الرازي في كتاب " الأربعين " بأن الكتب السماوية كلها جاءت بذلك في حق الله تعالى، كما جاءت بتحقيق المعاد، ونسب إلى الفلاسفة (٣) والباطنية المخالفة فيهما معاً، ونسب إلى المتكلمين تقرير ما جاءت به الشرائع في المعاد، وتأويل ما جاءت به في المبدأ، يعني به الرب سبحانه. الوجه الثالث: أن كلَّ من جادل من الأنبياء ﵈ عُبَّاد الأصنام وغيرهم، لم يحتجَّ بوجوب (٤) تعطيل المعبود عن الجهات كلها، بل قال النبي ﷺ للنصارى ألم يكن عيسى يأكُلُ ويشرب؟ قالوا: بلى. قال: فأين الشَّبه (٥)؟ وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، فاحتجَّ على بطلان ربوبيَّة العجل بأنه لا يتكلم، وهذا نقيضُ توحيد المعتزلة، فإنهم قطعوا بأن صدور الكلام عن الرب كفرٌ وتشبيهٌ، وكذلك الصحابة فيما بينهم، فإنهم اختلفوا: هل رأي محمدٌ ربَّه؟ وكان حَبْرُ الأمة وبحرُها بالاتفاق عبد الله بن عباس مِمَّن اشتهر عنه القول بأنه ﷺ رأي ربَّه، ونقل ذلك عنه المفسِّرون والمحدِّثون

стр. 1829

والحاكم على تشيُّعه وسائر أهل السنة (١)، ونفوا عن عائشة إنكار ذلك كما هو ثابتٌ عنها في " البخاري " و" مسلم " فلم ينقل أحد أنَّهم احتجوا على ابن عباس في التعطيل، ولا ألزموه في قوله الكفر والتشبيه وقد ناظر في ذلك هو وأصحابه، واحتجُّوا بظاهر الآيات في سورة النجم، ولم يكفِّرهم أحدٌ، ولا قال: إنَّ ظاهر تلك الآيات كفرٌ وتشبيه، وإنَّما احتجُّوا عليهم بالسمع. وفي الحديث السابع والثلاثين بعد المئة من مسند عائشة في " جامع " ابن الجوزي (٢) أن عائشة احتجت على مسروقٍ في أن النبي ﷺ ما رأي ربَّه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. فدل على أنها لم تذهب إلى أن الرُّؤية مستحيلةٌ غير مقدورةٍ لله تعالى، لاحتجاجها بهذه الآية، فإنه يدلُّ على أنها محكمة عندها، بل قد روت عائشة الرُّؤية في الآخرة عن رسول الله ﷺ كما سيأتي. وإن (٣) الحاكم أخرجه (٤) عنها في " المستدرك ". وهذا يدلُّ على أنها لم تعتقد الإحالة، وإنما أنكرت الرُّؤية في الدنيا لورود السمع بنفيها. وأوضحُ من ذلك أن الله تعالى ما احتج بالتعطيل قطُّ على عُبَّاد الأصنام، بل احتج بأنهم عبدوا ما لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يُبصر، ولا يسمع، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وقال: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: ٧١]. قال الزمخشري في تفسيرها (٥): وهذا دليلٌ قاطعٌ على أن أمره يعني عيسى عليه

стр. 1830

السلام مُنافٍ للرُّبوبيَّة، لأن صفة الرَّبِ أن يكون قادراً (١) على كل شيءٍ لا يخرج مقدورٌ عن قدرته. انتهى. وقال إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، ولما قال الكافرُ لإبراهيم الخليل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وبما حذَّر النبي ﷺ أمَّته من الدَّجال، جعل الفارق الجليَّ أنه أعورُ (٢)، وقال إبراهيم الخليل للمشركين: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦]. وكم جرى بين الأنبياء الكرام ﵈ وبين عُبَّاد الأصنام وعُبَّاد ذوي الأجسام من جدالٍ وخصامٍ، فما نُقِلَ في الكتب السماوية، ولا على ألسنة رواة الأخبار النبوية والإسرائيلية أن نبيَّاً قط احتجّ على أحدٍ من أولئك بوجوب تعطيل المعبود عن الجهات. ولا يجوز في عقل عاقل أن يكون هذا الأصل معروفاً معلوماً عند كل نبيٍّ، وبه يتميز الحق من الباطل، والموحِّدُ من المعطِّل، والمتشابهات من المحكمات، ولجهله يقع الخلائق في الجهالات والهلكات. ثم تنقضي أعمارُ الدنيا، وتفنى القرون والأمم وذلك غيرُ مذكورٍ ولا مشهورٍ، ولا سيَّما والأمر المناقضُ له مما شحنت به (٣) الكتب السماوية، بل صحَّ واشتهر تفسيره بظاهره كما مر في قوله: ﴿والسمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٤) وأمثالها. وتلقَّاه

стр. 1831

الخلف عن السلف (١) من غير نكيرٍ (٢). والعادة العقلية تقضي (٣) بوجوب رفع هذه الظواهر، لا سيَّما مع مطابقتها لما ذُكر في الفِطَرِ، وأن لا يهمل الخلق، فكيف يأتي رجلٌ من قرية جُبّة (٤) من سواد الكوفة، فيستنبط ذلك برأيه، ويقبلَ منه، ويردَّ به جميع ما اشتملت عليه الكتب السماوية وتكرَّر فيها وتلاوة (٥) السلف والخلف على جهة الحمد والمدح والثَّناء لربِّ العزَّة، . قالوا: ولم تكتف المعتزلة والأشعريَّةُ حتَّى جعلوا هذه الممادح الحميدة تقتضي بظاهرها سبَّ الربِّ الحميد المجيدِ وذمَّه، وجعلوا الإيمان الواجب بها كفراً ومُروقاً، والاستقامة على ذلك بَلَهاً وجُموداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. الوجه الرابع: أن الكل من المختلفين نقلوا عن الصحابة أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن رؤية ربه يوم القيامة، وإنما اختلف الناس في تأويل جوابه لهم أو تقريره (٦)، وهم بإجماع الفريقين - أصحُّ أذهاناً وأتمُّ إيماناً، وسؤالهم عن ذلك يدلُّ علي عدم اعتقادهم لتعطيل معبودهم عن الجهات كما زعمت المعتزلة والأشعرية، وكذلك كُلُّ ذي فطرةٍ سليمةٍ لم تمرَض بداء الكلام من جميع العقلاء من أهل الإسلام وغيرهم، والتجربة وامتحان العقلاء يصدق ذلك. فإن قيل: إن الصحابة كانوا أقربَ إلى البَلَهِ وعدم التحقيق في العقليَّات

стр. 1832

لعدم الممارسة في ذلك. فالجواب من وجوه: أحدها: أن ممارسة الكلام يُمَرِّضُ العقول، وتلجىء كثيراً منهم إلى مخالفة الفطرة الأوّلة، كالموسوسين في الطهارة، ولذلك لا يكون في أهل الفِطَرِ والجمل من يلزمُه جحدُ الضرورة، وفي كل طائفةٍ من المتكلمين من يلزمه ذلك، فإن ترك (١) الممارسة أصحُّ للعقل. وثانيها: أن الفلاسفة أئمة المدقِّقين، وقد تطابقوا على مطابقة السمع هنا من بعض الوجوه، وعضدوا السمع والفطرة، وقاوموا من خالفهما بمجرَّد التدقيق، قالوا: ولا شك أن رأي (٢) الجزم (٣)، وسبيل (٤) النجاة هو مذهب أهل السنة في مثل هذه المشكلات، لأنه أبعد من الكفر، وأقرب إلى الإيمان على قواعد الجميع. ألا ترى أن الجميع متفقون على أن الكفر هو مخالفة السمع الجليِّ (٥)، لا مخالفة المعقول الجليِّ، فإن من خالف ضرورة العقل التي لم يَرِدْ بها الشرعُ، فزعم أن بعض الأشربة الحُلوة مرَّة، وبعض الأدوية النافعة ضارة، لم يكفر بإجماع المسلمين؟ فكيف بمن (٦) خالف أدلَة المتكلمين التي في علمه الجواهر والأعراض مع دقَّتها، وطعن كثيرٌ منهم فيها، وتوقَّف بعضهم بَعْدَ طول النظر فيها (٧)؟.

стр. 1833

وثالثها: أن المخالفين للصَّحابة والسلف من أهل الكلام (١) اختلفوا في جميع القواعد التي بَنَوْا مخالفة السلف عليها، ونقض بعضهم على بعضٍ أشد النقض، حتَّى كَفَوْا (٢) أهل السنة مؤنة (٣) الرَّدِّ عليهم، حتى قال الشيخ أبو الحسين: إنه اكتفي في بطلان مذاهب البهاشمة بمجرد بيان مقاصدهم. وادَّعى أن وضوحها يكفي في معرفة بطلانها، وقد تقدم شيءٌ من ذلك، ومن أحبَّ معرفته فليقف عليه في كتاب " المجتبى " للشيخ مختار أحد أئمة الاعتزال من أصحاب أبي الحسين. فما سَلِمُوا من الوقوع (٤) في المحارات (٥) والمُحالات، والمعارضات والمناقضات مع البدعة، وأين من يعرف هذا؟ لم يبق من أهل الكلام إلاَّ من يقلِّدُ ويدَّعي، ولا ينظر إلاَّ في تواليف شُيوخه، وهذا هو الذي عابوا (٦) على أهل الجُمود، بل هو أقبحُ على زعمهم. فالله المستعان والمرجوُّ لمسامحة الجميع في الخطأ، فإن العصمة مرتفعةٌ، والسلامة من الخطأ على الدوام في كل الأمور عزيزةٌ والقصد المعاونة، لا المشاحنة، والمناصحة لا المجارحة. قال أهل السنة: وأما ردُّ الآيات والأخبار، فإنه (٧) موضع الخطر (٨)، فالمتكلِّم المعتزليُّ يتجاسر على أن يقول: إنه يكفر بربٍّ له يدٌ أو لهُ وجهٌ، أو استوى (٩) على العرش. كما قد سُمِعَ ذلك من بعض المجادلين ويسهل (١٠) عليه

стр. 1834

أن يقول (١): ليس لله يدٌ ولا وجهٌ، وهو يعلم بالضرورة إثبات القرآن لما نفاه، ويلزمه أن يقول: ليس الله رحمان على الحقيقة، كما ليس للذُّلِّ جناحٌ على الحقيقة، وهم يلتزمونه. فاعرض هذا على قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. قالوا: وأما ما يُشَنِّعون به من التشبيه والتمثيل، فقد أوضحنا أن خير ما يرجع إليه في ذلك كلام الله ورسوله، فما (٢) تمدَّح الله تعالى به ومدحه به رسوله وأصحابه (٣)، وتابِعُوهم، ولم يتأوَّلوه، ولم يُحَذِّرُوا منه، فليس بتشبيهٍ، ولو (٤) لم يرجع إلى هذا، لزم (٥) مذهب القرامطة، ولذلك عقّب الله تعالى نفي (٦) التشبيه بقوله: ﴿وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وتمدَّح بأن له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو الوصفُ الأعلى بأسمائه الحسنى، فكان المعنى ليس كمثله شيءٌ في كمال أسمائه ونفي النَّقص عنها، لا في تأويل حقائقها بالنفي المحض (٧) والمجاز الخياليِّ الذي استعمله الشُّعراء في تشبيه الخدود والقُدود، ونحو هذا (٨)، فلا ينزل (٩) قول النبي ﷺ : " إنَّ هذا الجَمَلَ شكا إليَّ (١٠) أنك تُجيعُه وتُدْئبُه " (١١) منزلة (١٢) قول الشاعر:

стр. 1835

شكا إليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى ... يا جملي ليس إلي المُشتكى (١)

стр. 1836

وقد حسبت القرامطة أن الإيمان المجازيَّ ينفعها، فآمنت بالمعاد والأسماء الحُسنى مجازاً، فكفرت بالإجماع، فإيَّاك أن تقنع بالإيمان بالرحمن الرحيم العليِّ العظيم مجازاً (١) مخافة أن تكون كمن آمن بالقدير العليم مجازاً. وبهذا تمَّ الكلام في الفصل الأول (٢). الفصل الثاني في أدلَّة أهل الحديث، ومن قالوا بقوله، وقال بقولهم على وقوع الرُّؤية في الآخرة. وقد يتخلَّل فيه اليسيرُ ممَّا يليق بالفصل الأول مما قد مضى. وقد تقدم (٣) جوابُ المانعين لذلك في الفصل الأول وجميع ما يتعلق به، ولم يبق لهم فيما أعلم هنا إلاَّ معارضة أدلة المخالفين بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وسوف يأتي الكلام عليها بما تراه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر السيد المرتضى في كتابه " الغرر " مثل كلام ابن تيمية الآتي فيها، وكذا قوله لموسى ﵇: ﴿لن تراني﴾، وقد احتجَّ الفريقان (٤) بها كما يأتي. والمُنْصِفُ لا ينظر إلى من قال، ولكن ينظرُ إلى ما قال وإلاَّ وقع في تقليد الرِّجال، وكان من دين الله على أعظم زوال. على أنَّ الناظر في هذا ينبغي له أن يُحقِّق النظر في كتب أئمة الاعتزال، ويتحقق ما لهم من المعارضات والاستدلال، ولا يكتفي بما نقلت عنهم، فإنما نقلت الذي علمت في وقت كتابتي هذا الجواب وعلى قدر علمي، وهذا (٥) أقوى ما تمسَّكوا به وأشهره. وكذلك ينبغي أن يُنظر في حافلات كتب المخالفين، فإني إنما نقلت ما في كتاب ابن قيم الجوزية (٦) منهم (٧). وفوق كل

стр. 1837

ذي علمٍ عليم. وهو كذلك أقوى أدلَّةِ أهل السنة، والله أعلم. فأقول -مع اختصارٍ يسيرٍ- ذكر الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب لأهل الحديث على ذلك أدلَّةً: الدليل الأوّل: أن الله قد أخبر عن أعلم الخلق (١) في زمانه، وهو كليمه ونَجِيُّه وصَفِيُّه من أهل الأرض أنه سأل ربَّه تعالى النظر إليه، فقال له ربُّه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبيان الأدلة (٢) من هذه الآية من وجوه عديدة: أحدها: أنه لا يُظنُّ بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوزُ عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المُحال، لأنه سأله النظر جازِماً بصحته، ولم يسأله عن صحته، ولا وقف سؤاله على شرط صحته، وإنما سأله على أمر جليٍّ عنده، لا (٣) ينبغي عنده الشك في إمكانه وتجويزه، كقول إبراهيم: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فلو كان يعتقد تعطيل الرب سبحانه، لقطع بفطرة عقله أن رؤيته ممتنعةٌ كما اعتقد ذلك من عطَّلهُ سبحانه، وهو عند فروخ اليونان (٤) والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مِمَّا يتعالى عنه. فيالله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عِمران، وبما يستحيلُ عليه ويجب له، وأشدَّ تنزيها له منه. الوجه الثاني: أن الله سبحانه لم يُنْكِرْ عليه سؤاله، ولو كان محالاً لأنكره

стр. 1838

عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربَّه تعالى أن يُرِيَه كيف يحيى الموتى، لم يُنكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء، لم ينكر عليه (١)، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّه نجاه ابنه، أنكر عليه سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦، ٤٧]. الوجه الثالث: أنه أجابه بقوله: ﴿لن تَرَاني﴾، ولم يقل: إنِّي لا أُرى، ولا: إني لست بمرئيٍّ، ولا يجوزُ رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئيٌّ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته (٢) في هذه الدَّار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه (٣) .... الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجلِّيه في هذه الدَّار، فكيف بالبشريِّ (٤) الضعيف الذي خُلِقَ من ضعفٍ. الوجه الخامس: أن الله سبحانه قادرٌ على أن يجعل الجبل مستقرَّاً مكانه، وليس هذا بممتنع (٥) في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علَّق به الرؤية، ولو كانت مُحالاً في ذاتها، لم يعلِّقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية مُحالاً، لكان ذلك نظير أن يقول: أن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواءٌ. الوجه السادس: قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا

стр. 1839

من أبين الدلالة على جواز رُؤيته ﵎، فإنه إذا جاز أن يتجلَّى للجبل الذي هو جمادٌ لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلَّى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته، ويُريَهم نفسه؟ وأعلم (١) سبحانه أن الجبل إذا لم يثبت (٢) لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. الوجه السابع: أن ربَّه سبحانه قد كلَّمه منه إليه، وخاطبه وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلُّم والتكليم، وأن يسمع مخاطِبُه كلامَه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتمُّ إنكار الرؤية إلاَّ بإنكار التكليم، وقد جَمَعَتْ هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، فأنكروا أن يُكَلم أحداً ويراه أحدٌ، ولهذا سأل موسى النظر إليه لمَّا أسمعه كلامه، وعلم من الله جواز رؤيته من وقوع خطابه (٣) وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجلِّيه. وأما قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ فإنه نزل (٤) على سبب طلب الرؤية في الحال، فكان نفياً لذلك المطلوب، كما صح حكمُ الصحابة بمثل ذلك في مواضع كثيرةٍ يوضحه أنه لا يقبُح أن يقول: فهل أراك في الآخرة؟ ويعارض من لم يقبل بيان السنة بظاهر سورة النجم، فإنه يقضي لرسول الله ﷺ بالرؤية كما صح عن ابن عباس الجزمُ به (٥). فإن رجعوا فيها إلى بيان السنة، وجب الرُّجوع إليه في الموضعين، كما وجب ذلك في جميع شرائع الإسلام الأركان الخمسة وغيرها يأتي بيان السنة بما ليس في القرآن. وأجمعت الأمة على اعتبار الأسباب في بعض المواضع كتفسير: ﴿الذين يفرحُون بمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] في

стр. 1840

اليهود (١) و" سوف ": قد تكون للقريب من المستقبل، كقوله تعالى حكايةً عن يعقوب: ﴿سَوْفَ أستغفِرُ لَكُمُ ربِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وعدهم لليلة الجمعة (٢)، وهو كثيرٌ، ولا خلاف (٣) فيه بقول سوف أفعل غداً بإجماع (٤) أهل العربية. وأما قولهم: إن " لن " تدلُّ على النفي في الاستقبال، فإن الاستقبال هُنا حاصلٌ، وهو مدَّةُ عمر موسى ﵇ في الدنيا، ولكن -مع هذا- لا بد من دخول نفي رؤيته في الحال، وإلاَّ خرج الجواب عن مطابقة السؤال، وذلك لا يجوز. وأيضا، فإنما يدلُّ على النفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النفي، ولو قيِّدت بالتَّأبيد، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدَاً﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله: ﴿ونادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ علينا ربُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فصل: الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا الله واعلَمُوا أنَّكُم مُلاقُوه﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُم يوم يلقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله: ﴿فمن كان يرجُو لِقَاء ربِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿قال الذِينَ يظُنُّونَ

стр. 1841

أنَّهُم مُلاقُوا الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وأجمع أهل الِّلسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحيِّ السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقِضُ هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضاً كما في " الصحيحين " في حديث التَّجلِّي يوم القيامة، وسَيَمرُّ بك عن قريبٍ إن شاء الله تعالى. وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة: أحدها: أنه لا يراه إلاَّ المؤمنون. والثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنُهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار، فلا يرونه بعد ذلك. والثالث: يراه المنافقون دون الكفار. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم. ولشيخنا في ذلك مصنَّفٌ مفردٌ حكى فيه الأقوال الثلاثة وحُجَجَ أصحابها (١). وكذا قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، إن عاد الضمير إلى العمل، فهو رؤيته في الكتاب مسطوراً مبيناً، وإن عاد على الرب تعالى، فهو لقاؤه الذي وعد به. فصل: الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥، ٢٦] فالحُسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، كدلك فسَّرها رسول الله

стр. 1842

- ﷺ الذي أنزل عليه القرآن والصحابة من بعده، كما روى (١) مسلم في " صحيحه " من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال قرأ رسول الله ﷺ : ﴿للذِينَ أحسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: " إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نادى منادٍ يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً، ويريدُ أن ينجزَكُموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا ويبيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُجِرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه " (٢)، وهي الزيادة " (٣). قال الحسن بن عرفة، حدثنا سلم (٤) بن سالم البلخي، عن نوح بن أبي مريم، عن ثابت، عن أنس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿للذِينَ أحسَنُوا الحُسنَى وزيادةٌ﴾ قال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى: وهي

стр. 1843

الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى" (١). وقال محمد بن جرير: حدثنا ابن حميد (٢)، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجْرَة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾، قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن ﷻ (٣). قلت: عطاءٌ هذا هو الخراساني، وليس بعطاء بن أبي رباح. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الرحيم (٤)، حدثنا عمر بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيراً .. وقال يعقوب بن سفيان (٥)، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثني من سَمِعَ أبا العالية الرّياحي، يحدث عن أبيّ بن كعب، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الزيادة في

стр. 1844

كتاب الله قوله (١) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله (٢). وقال أسدُ السُّنة: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبان، عن أبي تميمة (٣) الهُجيمي أنه سمع أبا موسى يحدِّث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " يبعث الله يوم القيامة منادياً يُنَادي أهل الجنة بصوتٍ يسمِعُ أوَّلهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحُسنى، والحُسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله " (٤). وقال ابن وهب أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي (٥)، أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله ﷺ : " أن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة بصوتٍ يسمع أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، الحسنى (٦): الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الرحمن (٧) ".

стр. 1845

وأما الصحابة، فقال ابن جرير (١)، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن مهدي- حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: النظر إلى وجه الله. وبهذا الإسناد عن أبي إسحاق، عن مسلم بن يزيد (٢)، عن حذيفة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: النظر إلى وجه ربهم ﵎ (٣). وحدثنا علي بن عيسى، حدثنا شبابة، حدثنا أبو بكر الهذليّ، قال: سمعت أبا (٤) تميمة الهجيمي (٥) يحدِّث عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا كان يوم القيامة، يبعث (٦) الله [إلى أهل الجنة] (٧) منادياً ينادي: هل أنجزكُمْ (٨) الله ما وَعَدَكُم؟ فينظرون ما أعدَّ الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم،

стр. 1846

فيقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، النظر إلى وجه الرحمن (١). وقال عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي، أخبرنا أبو تميمة، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب (٢) الناس في جامع البصرة، ويقول: إن الله يبعث يوم القيامة مَلكَاً إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة هل أنجز (٣) تعالى لكم (٤) ما وعدكم؟ فينظرون، فيرون الحليَّ والحُلل [والثمار] (٥) والأنهار (٦) والأزواج المطهَّرة، فيقولون: نعم، قد أنجز (٧) الله ما وعدنا، ثم يقول (٨) الملك: هل أنجزكم (٩) ما وعدكم ثلاث مرات، فلا يَفقدُون شيئاً مما وُعِدُوا، فيقولون: نعم. فيقول: قد بقي لكم شيءٌ إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، ألا إنَّ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله (١٠). وفي تفسير أسباط بن نصر (١١) عن إسماعيل السُّدّي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا

стр. 1847

الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، فقال: أما الحسنى: فالجنة وأما الزيادة: فالنظر إلى وجه الله، وأما القترُ: فالسواد (١). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي، والضَّحَّاك بن مُزاحم، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر (٢): الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى (٣). وقال غيرُ واحدٍ من السلف في الآية: ﴿ولا يَرهَقُ وُجُوهَهُم قترٌ ولا ذِلَّةٌ﴾، بعد النظر إليه. والأسانيد عنهم بذلك صحيحة. ولما عطف سبحانه الزيادة على الحسنى -التي هي الجنة- دل على أنها أمرٌ آخر وراء الجنة، وقدرٌ زائدٌ عليها، ومن فسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان، فهو من لوازم رؤية الرب تعالى. فصل: الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤، ١٥]. ووجه الاستدلال (٤) بها أنه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رويته وسماع كلامه، فلو لم يره المؤمنون، ولم يسمعوا كلامه، كانوا -أيضاً- محجوبين عنه.

стр. 1848

وقد احتجَّ بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكر الطبراني وغيره عن المُزنيِّ قال: سمعت الشافعي يقول في قوله : ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾؟ قال: فيها دلالة على أن أولياء الله يرون ربَّهم يوم القيامة، وقال الحاكم: حدثنا الأصمُّ، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾، فقال الشافعي: لما أن حَجَبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل (١) على أن أولياءه (٢) يرونه في الرضا. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله، وبه تقول؟ قال نعم، وبه أدين الله، لو لم يُوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله . ولعله يريد أن الجميع ممَّا ورد به السمع المعلوم عنده، وقد ذم الله تعالى من يُؤمِنُ ببعض الكتاب، ويكفر ببعض، فكان الإيمان بالجميع لازماً أو الترك. والله أعلم (٣). ورواه الطبراني في " شرح السنة " من طريق الأصم أيضاً. وقال أبو زرعة الرَّازي. سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سئل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: هل يرى الخلق كلُّهم ربَّهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراه إلاَّ المؤمنون. قال محمد (٤): وسئل الشافعي عن الرؤية، فقال: يقول الله تعالى: ﴿كلاَّ إنَّهم عن ربِّهِم يومئذٍ لمحجُوبُونَ﴾، ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يُحجبون عن الله .

стр. 1849

فصل: الدليل الخامس: قوله : ﴿لهُمْ ما يَشَاؤونَ فيها ولدينا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. قال الطبراني: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ، وقاله من التابعين زيد بن وهبٍ وغيره. فصل: الدليل السادس: قوله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ وهو يُدْرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والاستدلال بهذا عجيب (١)، فإنه من أدِلَّة النفاة. وقد قرَّر شيخنا وجه الاستدلال بة أحسن تقريرٍ وألطفه، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطلٌ بآيةٍ أو حديثٍ صحيحٍ على باطله إلاَّ وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي (٢) على جواز الرؤية أدلُّ منها على امتناعها، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون في الأوصاف (٣) الثبوتية، وأما العدم المحضُ، فليس بكمال، فلا يمدح (٤) به. وأما (٥) تمدُّحُ الرب بالعدم إذا تضمَّن أمراً وجوديّاً كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمِّن كمال القَيُّوميَّة، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي الُّلغُوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظِّهير المتضمن كمال ربوبيته (٦) وإلهيته وقوَّته، ونفي الأكل والشرب المتضمن لكمال صَمَدِيَّته وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعُزوب شيءٍ عن (٧) علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المِثْلِ المتضمِّن

стр. 1850

لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يتمدَّح بعدمٍ محضٍ لا يتضمن أمراً ثبوتياً، فإن المعدوم يُشارِكُ الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ﴾ أنه لا يُرى بحالٍ، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال (١) لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يرى، ولا تدركه الأبصار، والربُّ ﷻ يتعالى أن يُمْدَحَ بما يُشارِكُه فيه العدم المحضُ، فإذاً المعنى: أنه (٢) يُرى، ولا يُدرَكُ ولا يُحَاطُ به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيءٍ، وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا من لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]: أنَّه كامل القدرة، وفي قوله: ﴿ولا يَظلِمُ ربُّك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]: أنه كامل العدل، وفي قوله: ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أنه كامل القيومية، فقوله: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يدل على غاية عَظَمَتِه، وأنه أكبرُ من كل شيءٍ، وأنه لعظمته لا يُدرَكُ بحيث يُحاطُ به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائدٌ على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿َفلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فلم يَنفِ موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: إنا لمرئيون، فإن موسى - صلوات الله وسلامه عليه - نفي إدراكهم إيَّاهم بقوله: كلاَّ، وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دَرَكَهُم، بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] فالرؤية والإدراك كل منهما يُوجَدُ مع الآخر وبدونه. فالربُ تعالى يُرى ولا يُدرَكُ كما (٣) يُعلَمُ ولا يُحاطُ به، وهذا هو الذي فهمته الصحابة والأئمة من الآية. قال ابن عبَّاس: لا تدركه الأبصار: لا تُحيط به الأبصار (٤).

стр. 1851

وقال قتادة: هو أعظمُ من أن تُدرِكَهُ الأبصار (١). وقال عطية (٢): ينظرون إلى الله تعالى، ولا تُحِيطُ أبصارُهم به من عظمته، وبصره (٣) يحيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَار﴾ (٤) [الأنعام: ١٠٣] فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عِياناً، ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها (٥) لا تحيط به، إذ كان غير جائزٍ أن يُوصف الله بشيءٍ يُحيط به، وهو بكل شيءٍ محيطٌ. وهكذا يُسمعُ كلامه من شاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وهكذا (٦) يُعَلِّمُ الخلق ما علمهم، ولا يُحيطون بعلمه. ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿ليس كَمثلِهِ شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذا من أعظم الأدلة: على كثرة صفات كماله (٧) ونُعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مِثْلٌ فيها، وإلا فلو أراد بها نفي الصِّفات، لكان العدم المحضُ أولى بهذا المدح منه، مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلانٌ لا مِثْلَ لهُ، وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل (٨)، أنه قد تميَّز عن الناس بأوصافٍ ونعوتٍ لا يُشاركونه فيها، وكلَّما كثُرَت أوصافهُ ونعوته، فات أمثاله، وبَعُدَ عن مشابهة أضرابه. فقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ من أدلِّ شيءٍ على كثرة نعوته وصفاته، وقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدلِّ شيءٍ على أنه يُرى ولا يُدرَكُ. وقوله: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في

стр. 1852

سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] من أدلِّ (١) شيءٍ على مباينة الرب تعالى لخلقه، فإنه لم (٢) يخلقهم في ذاته، بل خارج عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هُمْ عليه، ويراهم وينفذهم ببصره (٣)، ويُحِيطُ بهم علماً وإرادةً وقدرةً وسمعاً وبصراً. فهذا معنى قوله (٤) سبحانه: ﴿هو مَعَهُم أينَمَا كانوا﴾، وتأمل حُسْنَ هذه المقالة لفظاً ومعنى، بين قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصارُ وتحيط به، ولِلُطفه وخبرته يدرك الأبصار، فلا تخفي عليه، فهو العظيم في لطفه، اللطيف في عظمته، العالي في قربه (٥)، القريب في عُلُوِّه، الذي ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. انتهى كلام الشيخ. ومنهم من احتجَّ بهذه الآية من وجهٍ آخر: وهو أن النفي إذا وجِّه إلى الشمول، فهم منه مخالفةُ البعض، ولم يُفدِ النفي عن كلِّ فرد، كما إذا قلت: ما جاء القوم. ليس فيه نفي مجيء البعض، بل إذا قلت: ما جاء عشرة رجال، لم يكن فيه نفي مجيء التِّسعة. هذا لو لم يَرِدْ لهذا العموم مخصِّصٌ من الكتاب والسنة، فأمَّا بعد قولِه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وتواترُ الأحاديث في ذلك -كما سيأتي- فلا شك في أنها أبين مِنْ هذه الآية، وأخصُّ على جميع القواعد، ولذلك أجمعنا على ثبوت الشفاعة الخاصة في الآخرة مع قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ

стр. 1853

وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ما ذلك إلاَّ لتقديم الخاص على العامِّ في مثل هذا. والخصوم لا يُخالفون في مثل هذا من هذه الجهة، وإنما حملهم على تأويل الأدلة الخاصَّة اعتقادهم لاستحالة الرؤية عقلاً، وقد مرَّ ما فيه، ولذلك احتالوا على استفادة العموم من هذه الآية من التَّمدُّح -ولا يمتنع أن يكون التمدُّح مخصوصاً- الراجع (١) إلى الذات دون التمدح (٢) الراجع إلى غير ذلك. كما سيأتي في كلامهم. والجواب عليهم من وجوه: الوجه الأول: أن حجَّتهم هذه وأكثر أدلتهم، راجعة إلى القطع بنفي ما لم يعلموا عليه دليلاً، وقد تقدم بطلانها. بيانه: أنه لا دليل لهم على (٣) أنه لا وجه للتمدح في علم الله إلاَّ ذلك، بحيث لا يصحُّ أن يُخبر به نبي صادق. الوجه الثاني: أنه قد ورد السمع بما يدل أنه تمدُّح راجعٌ إلى قدرته وعزَّته. وذلك ممكن عقلاً قبل ورود السمع. ومجرَّد التجويز يكفي أهل السنة، لأنه يمنع (٤) من وجوب تأويل الظواهر، كيف إلاَّ النصوص؟ وأما المعتزلة، فلا يكفيهم إلاَّ الأدلة القاطعة المانعة من تسليم الظواهر، أما أن التمدُّح بذلك ممكنٌ عقلاً، فضروريٌّ، وعلى مانعه الدليل يوضحه أن الله تعالى تمدح بذلك في قوله تعالى (٥): ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وتمدَّحه رسول الله ﷺ بأنه يقضي ولا يُقضى عليه (٦).

стр. 1854

وأما أنَّ الدليل السمعي قد دلَّ على تعليل عدم إدراكه بأمرٍ (١) يرجع إلى قدرته وعزته، فذلك كثيرٌ جداً في الكتاب والسنة. أمَّا القرآن، فقوله تعالى: ﴿أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والقرائن تضطر إلى أنه لا يصح تأويل (٢) تجليِّه سبحانه للجبل، لأنه لو كان مؤولاً، كان أجنبياً عن الرؤية. وأما السنة، فأكثرُ مِن أن تحصر (٣)، ولا تحتاج إلى ما فيها من ذكر الحُجْبِ بعد ورود نصوص (٤) الله تعالى بذلك. ولقد جاء ذلك من طريق زيد بن علي ﵇، كما رواه محمد بن منصور في " الجامع الكافي " على مذهب الزَّيدية. وهذا وجهٌ جليٌّ، لا غبار عليه، وإنما تكلَّفت (٥) المعتزلة على منعه بقيام الدليل العقلي عندهم على استحالة ذلك. وقد بيَّنَّا فيما تقدم أن أدلتهم العقلية كلها راجعةٌ إلى القطع بالنفي للشيء عند عدم العلم به، وأن ذلك باطلٌ.

стр. 1855

الوجه الثالث: أن نقول: إنه لا خلاف أنَّهم يحتاجون إلى دليلٍ قاطعٍ على منع هذا الاحتمال، وهو أن التمدُّح هنا راجع (١) إلى القدرة وكمال العزة، فإن رجعوا إلى الأدلة العقلية، فقد قدمنا الكلام فيها، ولم يزيدوا عليها (٢) هنا إلا دليلهم المعروف بأن الحواسَّ سليمةٌ، والمدرك موجودٌ، والموانع مرتفعة. وللأشعرية معارضاتٌ كثيرةٌ لذلك موجودةٌ في كتبهم الكلامية. وأما أهل السنة، فَيُنَازِعُون في أن الموانع مرتفعةٌ لورود نصوص الكتاب والسنة بمنع الحجب من ذلك على الوجه الذي لا يحيط بعلمه إلاَّ الله تعالى، كما تقدَّم تقريره في كلام ابن تيمية في نفيهم للكيفية عن ذات الله تعالى. وكل ما يتعلَّق بها، وإن رجعوا إلى الأدلة السمعية في منع رجوع التمدح إلى القدرة، فهي عليهم، لا لهم، كما تقدَّم. وإنما احتجَّ في الشرح بأمرين: أحدهما: أن هذا خلاف تفسير المفسِّرين، وهذا مردودٌ عليه (٣) ومُعَارضٌ بمثله وسيأتي ما في ذلك من تفاسير الصحابة والتابعين من نقل أئمة الحديث وراجعٌ إلى القطع بالنفي عند عدم العلم. وقد مرَّ بطلانه. وأما قوله: إنه خلاف الظاهر، فليس في الظاهر ذكر العلم في ذلك، لا بالذات -كما زعمت المعتزلة- ولا بالقدرة، وإنما أُخِذَت هذه العلة في التمدح من ذكر الحجاب في نصوص الكتاب والسنة، ومن النص على (٤) أن الله تعالى تجلَّى للجبل، فجعله دكّاً، وجعل ذلك عقيب سؤال موسى موعظة لموسى وتسليةً، لأنه بذلك عرف أنه سأل ما لا يقدرُ عليه، وكذلك قوله: إنه تمدُّحٌ راجعٌ إلى ذاته، ليس من الظاهر في شيءٍ، وإنما هو عند الخصوم بأدلةٍ عقلية خارجةٍ.

стр. 1856

وبالجملة، فتعليل المعتزلة بأن ذلك أمرٌ ذاتيٌ ليس في الآية (١)، كما أن تعليل المحدِّثين ليس فيها، وإنما هما أمران زائدان، كلُّ من أثبت أحدهما أثبته بدليلٍ منفصلٍ. والأمر الزائد لا يُقالُ فيه: إنه خلافُ الظاهر، بل يتوقف على الدليل الصحيح، وعلى تسليم أنه خلافه مشترك الإلزام، وهو جائزٌ وفاقاً، لكن كلام أهل الحديث أصح لثلاثة وجوهٍ: أحدها: أن التجويز يكفيهم كما تقدم، ولا يكفي المعتزلة إلاَّ القاطع. وثانيها: أن الأدلة السمعية دلت عليه. وثالثها: أن كلام المعتزلة يقتضي أن الله تعالى لا يَقْدِرُ يَرَى ذاته، ولا يقد يُريها أحداً من خلقه. وفي هذا معارضة قدرته على كل شيء، وما يدل على ذلك، ولا يمتنع أن يكون التمدح مخصوصاً (٢) بالعموم في جميع الأشخاص والأزمان، حيث لم يعارض العزة والكبرياء معارض الرحمة والمثوبة والإكرام،. كما أن الله تعالى ممدوحٌ عند الخصوم بأنه لا يُثيب (٣) الجميع ويعظمهم، وإنما يفعل ذلك لمن يستحقُّه، فلا يمتنع مثله هنا. قال الشيخ: (٤) فصل: الدليل السابع: قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وأنت إذا أجرت (٥) هذه الآية من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه، فيما (٦) أراد منها، وجدتها مناديةً نداءً

стр. 1857

صريحاً (١)، أن الله سبحانه يُرى عياناً بالأبصار يوم القيامة، وإن (٢) أبيت إلا تحريفها الذي يُسمِّيه المحرِّفون تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان (٣) والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كلِّ نص تضمَّنه القرآن والسنة كذلك. ولا يشاء مبطلٌ على وجه الأرض (٤) أن يؤوِّلَ النصوص، ويحرِّفَها عن مواضعها، إلاَّ وجد إلى ذلك مِنَ السبيل ما وجده متأوِّل مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا، وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محلُّه في هذه الآية، وتعديته بأداة (٥) " إلى " الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلُّ على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدَّى بـ " إلى " خلاف حقيقته. وموضوعه صريح (١)، في أن الله سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعدِّيه بنفسه (٦) فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فإنْ عُدِّيَ بـ " في "، فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن عُدِّيَ بـ " إلى "، فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله (٧): ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فكيف إذا أُضيف إلى الوجه الذي هو محلُّ النَّظر. وفي كلام الشيخ هنا نظرٌ من وجهين. أحدهما: أنه موهمٌ أن أهل السنة ينسِبُون المخالفين لهم في هذه المسألة

стр. 1858

إلى العناد والتَّعمدُّ، وليس كذلك، وهذا هو الذي نحن قاصدون لِردِّه. وقد اعتمد أئمة السنة على رواية الثقات من المعتزلة والشيعة كما أوضحته في هذا المصنف، وأوضحه جميع من تكلم في الرجال، وحسبك أن النسائي (١) من أئمة الشيعة، وقد فضلوه على مسلمٍ صاحب " الصحيح ". والوجه الثاني: أن النظر قد يُستعمل في غير الرؤية مُعَدّي بـ " إلى " (٢) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِم﴾ [آل عمران: ٧٧]، بل النظر في اللغة وعند أهل الكلام هو تقليب الحدقة الصحيحة في وجه (٣) المرئيِّ طلباً (٤) لرؤيته، وإن لم تحصل رؤية (٥)، وذلك لا يجوز على الله في كل مذهب، فلا يختص نفيه عمَّن ذكر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُون﴾ [الأعراف: ١٩٨] وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ كناية عن إهمالهم لا سوى. والله أعلم. والآية على هذا من الظواهر التي لا يجوز تأويلها إلاَّ بدليل، لا من النصوص الضرورية التي يكفر متأولها. قال الشيخ (٦): قال يزيد بن هارون: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: نَظَرَت إلى ربها، فَنَضُرَتْ بنوره (٧).

стр. 1859

فاسمع (١) الآن (٢) أيُّها السُّنِّي تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية: قال ابن مردويه في " تفسيره ". حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيدُ بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصَّباح، حدثنا مصعب بن المِقْدَام، حدثنا سفيان، عن ثور بن أبي فاخِتة، عن أبيه، في عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: من البهاء والحُسْنِ (٣) ﴿إلى ربِّها ناظِرَة﴾ قال: " في وجه الله " (٤). وقال عن ابن عباس: ﴿إلى ربها ناظرة﴾، قال: تنظر إلى وجه ربها (٥). وقال عكرمة: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة﴾ قال: من النعيم: ﴿إلى ربِّها ناظرة﴾ قال: تنظر إلى ربِّها نظراً، ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول كلِّ مفسِّرٍ من أهل السنة والحديث (٦). فصل: وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وجرير ابن عبد الله البَجَلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهُذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعريُّ، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أُمامة الباهلي، وزيد بن ثابث، وعمار بن ياسر، وعائشة

стр. 1860

أمُّ المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة (١) بن رُويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة ابن اليمان، وعبد الله بن عباس (٢)، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوفٌ، وأُبيُّ بن كعب، وكعبُ بن عُجرة، وفَضالة بن عبيد وحديثه موقوفٌ، ورجلٌ من أصحاب النبي ﷺ غير مسمَّى، فهاك سياق أحاديثهم من الصِّحاح والمسانيد والسُّنن، وتلقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العَطَن، ولا تكذِّب بها (٣)، فمن كذَّب بها لم يكن إلى وجه ربِّه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين. قلت: وقد ذكر الحاكم على (٤) تشيعه في كتابه " علوم الحديث " (٥) في النوع الموفي خمسين أنه قد جمع أخبار الرؤية في باب، وأن ذلك من الأبواب التي يجمعها أهل الحديث. انتهى. فصل: فأمَّا حديث أبي بكر الصديق . فقال الإمام أحمد (٦): حدثنا إبراهيمُ
следующие страницы →