← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وبالجملة، فتعليل المعتزلة بأن ذلك أمرٌ ذاتيٌ ليس في الآية (١)، كما أن تعليل المحدِّثين ليس فيها، وإنما هما أمران زائدان، كلُّ من أثبت أحدهما أثبته بدليلٍ منفصلٍ. والأمر الزائد لا يُقالُ فيه: إنه خلافُ الظاهر، بل يتوقف على الدليل الصحيح، وعلى تسليم أنه خلافه مشترك الإلزام، وهو جائزٌ وفاقاً، لكن كلام أهل الحديث أصح لثلاثة وجوهٍ: أحدها: أن التجويز يكفيهم كما تقدم، ولا يكفي المعتزلة إلاَّ القاطع. وثانيها: أن الأدلة السمعية دلت عليه. وثالثها: أن كلام المعتزلة يقتضي أن الله تعالى لا يَقْدِرُ يَرَى ذاته، ولا يقد يُريها أحداً من خلقه. وفي هذا معارضة قدرته على كل شيء، وما يدل على ذلك، ولا يمتنع أن يكون التمدح مخصوصاً (٢) بالعموم في جميع الأشخاص والأزمان، حيث لم يعارض العزة والكبرياء معارض الرحمة والمثوبة والإكرام،. كما أن الله تعالى ممدوحٌ عند الخصوم بأنه لا يُثيب (٣) الجميع ويعظمهم، وإنما يفعل ذلك لمن يستحقُّه، فلا يمتنع مثله هنا. قال الشيخ: (٤) فصل: الدليل السابع: قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وأنت إذا أجرت (٥) هذه الآية من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه، فيما (٦) أراد منها، وجدتها مناديةً نداءً

стр. 1857

صريحاً (١)، أن الله سبحانه يُرى عياناً بالأبصار يوم القيامة، وإن (٢) أبيت إلا تحريفها الذي يُسمِّيه المحرِّفون تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان (٣) والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كلِّ نص تضمَّنه القرآن والسنة كذلك. ولا يشاء مبطلٌ على وجه الأرض (٤) أن يؤوِّلَ النصوص، ويحرِّفَها عن مواضعها، إلاَّ وجد إلى ذلك مِنَ السبيل ما وجده متأوِّل مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا، وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محلُّه في هذه الآية، وتعديته بأداة (٥) " إلى " الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلُّ على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدَّى بـ " إلى " خلاف حقيقته. وموضوعه صريح (١)، في أن الله سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعدِّيه بنفسه (٦) فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فإنْ عُدِّيَ بـ " في "، فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن عُدِّيَ بـ " إلى "، فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله (٧): ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فكيف إذا أُضيف إلى الوجه الذي هو محلُّ النَّظر. وفي كلام الشيخ هنا نظرٌ من وجهين. أحدهما: أنه موهمٌ أن أهل السنة ينسِبُون المخالفين لهم في هذه المسألة

стр. 1858

إلى العناد والتَّعمدُّ، وليس كذلك، وهذا هو الذي نحن قاصدون لِردِّه. وقد اعتمد أئمة السنة على رواية الثقات من المعتزلة والشيعة كما أوضحته في هذا المصنف، وأوضحه جميع من تكلم في الرجال، وحسبك أن النسائي (١) من أئمة الشيعة، وقد فضلوه على مسلمٍ صاحب " الصحيح ". والوجه الثاني: أن النظر قد يُستعمل في غير الرؤية مُعَدّي بـ " إلى " (٢) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِم﴾ [آل عمران: ٧٧]، بل النظر في اللغة وعند أهل الكلام هو تقليب الحدقة الصحيحة في وجه (٣) المرئيِّ طلباً (٤) لرؤيته، وإن لم تحصل رؤية (٥)، وذلك لا يجوز على الله في كل مذهب، فلا يختص نفيه عمَّن ذكر، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُون﴾ [الأعراف: ١٩٨] وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ كناية عن إهمالهم لا سوى. والله أعلم. والآية على هذا من الظواهر التي لا يجوز تأويلها إلاَّ بدليل، لا من النصوص الضرورية التي يكفر متأولها. قال الشيخ (٦): قال يزيد بن هارون: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: نَظَرَت إلى ربها، فَنَضُرَتْ بنوره (٧).

стр. 1859

فاسمع (١) الآن (٢) أيُّها السُّنِّي تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية: قال ابن مردويه في " تفسيره ". حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد حدثنا يزيدُ بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصَّباح، حدثنا مصعب بن المِقْدَام، حدثنا سفيان، عن ثور بن أبي فاخِتة، عن أبيه، في عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: من البهاء والحُسْنِ (٣) ﴿إلى ربِّها ناظِرَة﴾ قال: " في وجه الله " (٤). وقال عن ابن عباس: ﴿إلى ربها ناظرة﴾، قال: تنظر إلى وجه ربها (٥). وقال عكرمة: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة﴾ قال: من النعيم: ﴿إلى ربِّها ناظرة﴾ قال: تنظر إلى ربِّها نظراً، ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول كلِّ مفسِّرٍ من أهل السنة والحديث (٦). فصل: وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وجرير ابن عبد الله البَجَلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهُذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعريُّ، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أُمامة الباهلي، وزيد بن ثابث، وعمار بن ياسر، وعائشة

стр. 1860

أمُّ المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة (١) بن رُويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة ابن اليمان، وعبد الله بن عباس (٢)، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوفٌ، وأُبيُّ بن كعب، وكعبُ بن عُجرة، وفَضالة بن عبيد وحديثه موقوفٌ، ورجلٌ من أصحاب النبي ﷺ غير مسمَّى، فهاك سياق أحاديثهم من الصِّحاح والمسانيد والسُّنن، وتلقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العَطَن، ولا تكذِّب بها (٣)، فمن كذَّب بها لم يكن إلى وجه ربِّه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين. قلت: وقد ذكر الحاكم على (٤) تشيعه في كتابه " علوم الحديث " (٥) في النوع الموفي خمسين أنه قد جمع أخبار الرؤية في باب، وأن ذلك من الأبواب التي يجمعها أهل الحديث. انتهى. فصل: فأمَّا حديث أبي بكر الصديق . فقال الإمام أحمد (٦): حدثنا إبراهيمُ

стр. 1861

ابن إسحاق الطالقاني: قال: حدثني النضر بن شُميل المازني، قال: حدثني أبو نعامة، قال: حدثني أبو هنيدة (١) البراء بن نوفل، عن والان (٢) العدوي، عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق. قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يومٍ، فصلَّى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضُّحى ضَحِكَ رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلَّى الأُولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم، حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله. فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنُه؟ صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط. قال (٣) فسأله (٤)، فقال: " نعم، عُرِضَ عليّ ما هو كائنٌ من أمر الدنيا والآخرة، فجُمِعَ الأوَّلون والآخرون في صعيدٍ واحدٍ، ففظعَ الناس بذلك حتَّى انطلقوا إلى آدم ﷺ والعَرَقُ يكاد يُلجِمُهُم (٥)، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله ، اشفع لنا الى ربك، قال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣] فقال (٦): فينطلقون إلى نوح ﷺ ، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين ديَّاراً. فيقول لهم: ليس ذلك عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ﷺ ، فإن الله اتخذه خليلاً، فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذلكم (٧) عندي. انطلقوا إلى

стр. 1862

موسى ﷺ ، فإن الله كلَّمه تكليماً، فيقول موسى ﷺ . ليس ذلك عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى بن مريم، فإنه كان (١) يبرىء الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذلكم (٢) عندي. انطلقوا إلى سيد ولد آدم، انطلقوا إلى محمدٍ ﷺ فليشفع لكما إلى ربكم ، قال: فينطلق فيأتي جبريل ربه (٣) ﵎، فيقول الله : ائذن لهُ، وبشِّره بالجنة، فينطلق به جبريل ﷺ فيخِرُّ ساجداً قدر جُمُعَةٍ، ويقول الله : ارفع رأسك، وقل تُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّع. قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه ، خرّ ساجداً قدر جمعة أخرى، فيقول الله : ارفع رأسك، وقل تُسمع واشفع تُشَفَّعْ. قال: فيذهبُ ليقع ساجداً، فيأخذ جبريل بِضَبْعَيه، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئاً (٤) لم يفتحه (٥) على بشرٍ قطُّ. فيقول: أي رب، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأوَّل من تنشقُ الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر (٦) حتى إنه لَيَردُ علي الحوض أكثر ما بين صنعاء وأيلَةَ، ثم يقال: ادع الصدِّيقين، ثم يقال: ادعُ الأنبياء، قال (٧) فيجيء النبي ومعه العِصابة، والنبي ومعه الخمسة؟ والستة، والنبيُّ وليس معه أحدٌ، ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول (٨) الله : أنا أرحم الراحمين، أدخلُوا الجنة (٩) من كان لا يُشرك بي شيئاً، قال: فيدخلون الجنة،

стр. 1863

قال: ثم يقول الله : انظروا في النار، هل تَلْقَوْنَ من أحدٍ عَمِلَ خيراً قطُّ، قال: فيجدون في النار رجلاً، فيقول له: هل عملت خيراً قط؟ فيقول لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله : اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثم يُخرجون من النار رجلاً، فيقول له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، غير أني قد أمرت ولدي إذا مِتُّ فاحروقوني بالنار، ثم اطحنوني (١)، حتى إذا كنت مثل الكُحْل، فاذهبوا بي إلى البحر، فاذروني في الرِّيح (٢)، فوالله لا يقدر عليَّ رب العالمين أبداً. فقال الله له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقول الله : انظر إلى مُلَكِ أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، قال: فيقول: أتسخرُ بي، وأنت الملك؟ قال: وذاك الذي ضحكتُ منه من الضحى. فصل: وأما حديث أبي هريرة، وأبي سعيدٍ ، ففي " الصحيحين " (٣)، و" الترمذي " (٤) عن أبي هريرة أن ناساً قالوا: يا رسول الله. هل نرى ربَّنا يوم

стр. 1864

القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : " هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحابٌ؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك ". يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعهُ: فيتَّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهيم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه. ويُضرَبُ الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمَّتي أول من (١) يُجيز، ولا يتكلم يومئذٍ إلاَّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوكِ السعدان، هل رأيتم السعدان "؟ قالوا (٢) نعم يا رسول الله. قال: " فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلاَّ الله ، تخطَفُ الناس بأعمالهم، فمنهم المُوثَقُ (٣) بعمله، ومنهم المُجازى حتى ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرج برجمته (٤) من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلاَّ الله، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم (٥) إلاَّ أثر السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتَحَشُوا (٦)، فيُصَبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة

стр. 1865

في حميل السيل (١). ثم يفرغ من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ مقبل بوجهه على النار وهو من آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، فيقول: أي ربِّ، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني (٢) ريحُها، وأحرقني ذَكَاؤُها، فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، فيعطي ربه من عهودٍ ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدِّمني إلى باب الجنة. فيقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك فيقول: أي ربِّ، فيدعو الله، حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتُك ذلك أن تسأل (٣) غيره؟ فيقول: لا وعزِّتِك، فيعطي ربه ما شاء من عهودٍ ومواثيق (٤)، فيقدمهُ إلى باب الجنة. فإذا قام على باب الجنة انفهقت (٥) له الجنة (٦)، فرأي ما فيها من الخير والسرور، فيسكت (٧) ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي ربِّ، أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألاَّ تسأل غير ما أُعطيت (٨)؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدَرَكَ! فيقول: أي ربِّ، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال

стр. 1866

يدعو الله حتى يضحك الله منه، فإذا ضَحِكَ منه، قال: ادخُل الجنة، فإذا دخلها، قال الله تعالى له: تَمَنَّهْ. فيسألُ ربه ويتمنى، حتى إن الله تعالى ليُذَكِّره يقول: من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله : ذلك لك ومثله معه. قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة ما يَرُدُّ عليه من حديثه شيئاً حتى إذا حدَّث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرَّجل: ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة: ما حفظت إلاَّ قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله (١) ذلك لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة (٢). وفي الصحيحين و" النسائي " (٣) أيضاً عن أبي سعيدٍ الخدري أن ناساً في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم هل تُضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة (٤) صَحْواً ليس معها سحاب "؟ قالوا: لا يا رسول الله، " وهل تُضارُّون في رؤية (٥) القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها (٦) سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: " ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلاَّ كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذِّنٌ ليتَّبِع كل أمة ما كانت تعبد (٧)، فلا يبقى أحدٌ

стр. 1867

كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلاَّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ وغُبَّر (١) أهل الكتاب، فيُدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ (٢) من صاحبٍ (٣) ولا ولدٍ، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربُّ فاسقنا، فيُشارُ إليهم: ألا تَرِدُون (٤)؟ فيُحشرون إلى النار كأنها سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضاً فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ماذا (٥) كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيقال ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا (٦) فاسقنا، قال: فتشار إليهم: ألا تردون (٧)، فيحشرون إلى جهنم كأنهم سرابٌ يحطم بعضُهم بعضاً، فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم رب العالمين في أدنى صورةٍ من التي رأوْهُ فيها، قال: فما تنتظرون (٨)؟ لتتبع (٩) كل أمةٍ ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشركُ بالله شيئاً -مرتين أو ثلاثاً- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية

стр. 1868

تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيُكشَفُ عن ساقٍ (١)، فلا يبقى من كان يسجد لله

стр. 1869

تعالى من تلقاء نفسه إلاَّ أذن الله له (١) بالسجود، ولا يبقى من كان يسجُدُ اتِّقاء ورياءً إلاَّ جعل الله ظهره طبقةً واحدةً، كلما أراد أن يسجد، خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في صورته (٢) التي رأوه فيها أول مرةٍ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربُّنا. ثم يُضرَبُ الجسر على جَهَنَّم، وتحُلُّ الشفاعة. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: " دحضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خطاطيف وكلاليبُ وحَسَكَةٌ تكون بنَجدٍ (٣) فيها شويكةٌ يقال لها: السعدان، فيمرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العين (٤)، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسلٌ، ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحدٍ منكم بأشدَّ مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويُصلُّون، ويحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتُحَرَّمُ صورهم على النار، فيُخرِجُون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى رُكبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ مِمَّن أمرتنا، فيقول: ارجعوا، فَمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتَنَا، ثم يقول: ارجِعُوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال (٥) نصف دينار من

стр. 1870

خيبر فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً. وكان (١) أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فيقول الله : شَفَعتِ الملائكة، وشفع النبيون، وشفع (٢) المؤمنون، ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حُمَماً، فيُلقيهم في نهرٍ في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرُجون كما تخرج الحِبَّة في حَميل السيل. ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر (٣)، وما يكون منها إلى الظِّلِّ يكون أبيض؟ " فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: " فيخرجُون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجَنَّة هؤلاء عُتَقَاء (٤) الله الذين أدخلهم الله الجنة (٥) بغير عملٍ عملوه، ولا خير قدَّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين. فيقول لكم عندي أفضلُ من هذا، فيقولون: ربنا، وأيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً " (٦).

стр. 1871

فصل: وأما حديث جرير (١) بن عبد الله، ففي " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه، قال: كنَّا جلوساً مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: " إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم عِياناً كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا "، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب﴾ (٢) [ق: ٣٩]. رواه عن إسماعيل بن أبي خالد (٣): عبد الله بن إدريس الأودي، ويحيى ابن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن محمد (٤) المحاربي، وجرير بن عبد الحميد، وعبيدة بن حميد، وهشيم (٥) بن بشير، وعليُّ بن عاصم، وسفيان بن

стр. 1872

عيينة، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة (١)، وعبد الله بن نُمير، ومحمد بن عُبَيْدٍ، وأخوه يعلى بن عبيد، وكيعُ بن الجَّراح، ومحمد بن فضيل (٢)، والطُّفاوي، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن أبي (٣) خالد، وعنبسة بن سعيد، والحسن بن صالح بن حيّ، وورقاء بن عمر، وعمَّار بن رُزيق (٤)، وأبو الأغر سعيد (٥) بن عبد الله، ونصر بن طريف، وعمار بن محمد، (٦) والحسن بن عياش أخو أبي بكر، ويزيد بن عطاء، وعيسى بن يونس، وشعبة بن الحجَّاج، وعبد الله بن المبارك، وأبو حمزة السُّكَّري، وحسين بن واقد، ومُعتَمِرُ (٧) بن سليمان، وجعفر بن زياد، وخداش بن المهاجر، وهُرَيْم (٨) بن سفيان، ومِنْدَلُ (٩) بن علي، وأخوه حِبَّان بن علي، وعمرو (١٠) بن مرثد، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن بشر الحريري، ومالك بن مغول، وعصام بن النعمان، وعلي بن القاسم الكندي، وعُبيدة بن الأسود الهمداني، وعبد الجبار بن المقياس، والمُعلَّى بن هلال، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والصباح بن محارب، ومحمد بن عيسى، وسعيد بن حازم، وأبان بن أرقم، وعمرو بن النعمان، ومسعود بن سعدٍ الجعفيُّ، وغنَّام بن علي، وحسن بن حبيب، وسنان بن هارون البُرجمي، ومحمد بن سعيد (١١) الواسطي، وعمرو بن هشام، ومحمد بن مروان، ويعلى بن

стр. 1873

الحارث المحاربي، وشعيب (١) بن راشد، والحسن بن دينار، وسلاَّم بن أبي مطيع، وداود بن الزِّبرِقان، وحمادُ بن أبي حنيفة، ويعقوب بن حبيب، وحَكَّام بن سلم، وأبو مقاتل بن حفص، ومسيب (٢) بن شريك، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وعمرو بن شمر الجُعفي، وعمرو بن عبد الغفار الفُقيمي (٣)، وسيف بن هارون البُرجميُّ أخو سنان، وعائذ بن حبيب، ومالك بن سعد (٤) بن الحسن، ويزيد بن عطاء مولى ابن عوانة، وخالد بن يزيد، وعُبيدُ (٥) الله بن موسى، وخالد بن عبد الله الطحان، وأبو كُدَيْنَة (٦) يحيى بن المهلَّب، ورَقَبَة بن مَصْقَلَة (٧)، ومَعْمَرُ بن سليمان الرَّقِّي، ومرَجَّى بن رجاء، وعمرو بن جرير، ويحيى بن هاشم السمسار، وإبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن عثمان - شريك شعبة- وعبد الله بن فرُّوخ، وزيد بن أبي أُنيسة، وجوَّده، فقال: " ستُعَاينُون ربكم كما تعاينون هذا القمر ". وأبو شهاب الحنَّاط، وقال: " سترون ربكم عِياناً "، وجارية (٨) ابن هرم، وعاصم بن حكيم، ومقاتل بن سليمان، وأبو جعفر الرازي، والحسن ابن أبي جعفر، والوليد بن عمرو، وأخوه عثمان بن عمرو (٩)، وعبد السلام [بن] (١٠) عبد الله بن قُرة (١١) العنبري، ويزيد بن

стр. 1874

عبد العزيز، وعلي بن صالح بن حي، وزُفَر بن الهذيل، والقاسمُ بن معنٍ. تابع إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس جماعة، منهم: بيان بن بشرٍ، ومُجالدُ بن سعيد، وطارق بن عبد الرحمن، وجرير بن يزيد بن جرير البَجَلِي، وعيسى بن المسيب، كلُّهم عن قيس بن أبي حازم. فكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن أبي (١) خالد، وشهد إسماعيل بن أبي خالد (٢)، على (٣) قيس بن أبي حازم، وشهد قيس (٤) بن أبي حازم (٥) على (٦) جرير بن عبد الله، وشهد جريرٌ على رسول الله ﷺ ، فكأنك تسمع رسول الله ﷺ (٧)، وهو يقوله ويبلِّغه لأمته، ولا شيء أقرُّ لأعينهم منه. فصل: وأما حديث صهيبٍ، فرواه مسلم في " صحيحه " من حديث حماد ابن سلمة عن ثابث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيبٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دَخَلَ أهل الجنة الجنة، يقول الله : تريدون شيئاً أزيدكم؟ يقولون: ألم تُبّيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنَجِّنا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم " ثم تلا هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وهذا حديث (٨) رواه الأئمة عن حماد، وتلقَّوه عن نبيهم بالقبول والتصديق. فصل: وأما حديث عبد الله بن مسعودٍ ، فقال الطبراني: حدثنا محمد بن

стр. 1875

النضر الأزدي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والحضرمي، قالوا: حدثنا إسماعيل (١) بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحرَّاني، عن أبي عبد الرحيم (٢)، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال بن عمرٍو، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ (٣): " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياماً أربعين سنة، شاخصةً أبصارُهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء ". قال (٤): " وينزل الله في ظُلَلٍ مِنَ الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي منادٍ: أيُّها الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً أن يُولِّي كلُّ ناس منكم ما كانوا يتولَّون ويعبُدون في الدنيا؟ أليس ذلك عدلاً من ربكم؟ قالوا: بلى. قال (٤): فينطلق كُلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولَّون في الدنيا، فينطلقون ويُمَثَّل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمَثَّل لمن كان يعبدُ عيسى شيطان عيسى، ويمثَّل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزيرٍ. ويبقى محمد ﷺ وأمَّته، فيأتيهم الرب ، فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهاً ما رأيناه بعد، فيقول: هل تعرفونه إذا (٥) رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إن (٦) رأيناها عرفناها، قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يُكشَفُ عن ساق فيخرُّون

стр. 1876

له (١) سُجَّداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدْعَوْنَ إلى السجود وهم سالمون. ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم، ويعطيهم نورهم على قدر (٢) أعمالهم، فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين يديه، ومنهم من يُعطى أصغر من ذلك، ومنهم من يُعطى نوراً مثل النخلة بيمينه (٣)، ومنهم من يعطى نوراً أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلاً يعطى نوره على إبهام قدمه يضيءُ مرُّة، ويُطفَأُ مرة، فإذا أضاء، قدَّم قدمه فمشى (٤)، وإذا طُفِىء، قام، والرَّبُّ ﵎ أمامهم، حتى يمرَّ في النار، فيبقى أثرٌ كحدِّ السيف، قال: ويقول: مرُّوا، فيمرون على قدر نورهم (٥). منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدِّ الفرس، ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرَّحل، حتى يمر الذي أُعطِيَ نوره على إبهام قدمه يحبو (٦) على وجهه ويديه ورجليه (٧) تَخِرُّ (٨) يدٌ وتَعْلَقُ يدٌ، وتخرُّ رجلٌ وتعلق رجلٌ، وتصيب جوانِبَهُ النار، فلا يزال كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَص، وقف عليها، وقال: الحمد لله، لقد أعطاني الله ما لم يُعطِ أحداً إذ نجَّاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غديرٍ عند باب الجنة فيغتسل (٩)، فيعود إليه

стр. 1877

ريحُ أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، قيقول: رب أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ له (١) اتسأل (٢) الجنة وقد نجَّيتُك من النار؟! فيقول: رب اجعل بيني وبينها حِجاباً لا أسمع حَسِيسَها، قال: فيدخل الجنة، قال: ويرى (٣) أو يُرفَعُ له منزلٌ أمام ذلك كأنما (٤) الذي هو فيه إليه حلمٌ، فيقول: ربِّ أعطني ذلك المنزل، فيقول: فلعلك إن أعطيتُكه (٥) تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه، فيعطاه (٦)، فينزلُه، قال ويرى أمام ذلك منزلاً آخر، كأنما هو فيه إليه حلمٌ، فيقول: أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﷻ : فلعلك إن أعطيتُكه (٧) تسأل غيره؟ قال: لا وعزَّتك، لا أسأل غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه؟ قال: فيعطى، فينزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزلٌ آخر، كأنما هو فيه إليه حُلُم، فيقول: أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﷻ : فلعلك إن أعطيتك إياه تسأل (٨) غيره؟ قال: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه قال: فيعطاه، فينزله (٩)، ثم يسكت، فيقول الله : مالك لا تسأل؟ فيقول: ربِّ، لقد سألتُك حتى استحييتُك، وأقسمتُ لك حتى استحييتُك، فيقول الله : ألا ترضى أن أعطيتك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها (١٠) إلى يوم أفنيتها

стр. 1878

وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزىء بي، وأنت ربُّ العِزة، فيضحك الرب من قوله. قال: فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان (١) من هذا الحديث ضَحِكَ. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث هذا (٢) الحديث مراراً، كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يحدِّث هذا الحديث مراراً، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرب : لا: ولكني على ذلك قادرٌ. سل. فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: الحق بالناس قال: فينطلق يرمُل في الجنة حتى إذا دنا (٣) من الناس، رُفِعَ له (٤) قصرٌ من دُرَّةٍ، فيخرُّ ساجداً، فيقال (٥) له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربي، أو تراءى لي ربي، فيقال له إنما هو منزلٌ مِنْ منازلك، قال: ثم يلقى رجلاً، فيتهيّأُ (٦) للسجود، فيقال له: مه، مالك؟ فيقول: رأيت أنك ملكٌ من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازنٌ من خُزَّانِك، عبدٌ من عبيدك، تحت يدي ألف قهرَمَانٍ على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى (٧) يفتح له القصر، قال: وهو في دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها، تستقبله جوهرةٌ خضراءُ مُبَطَّنَةٌ بحمراء، كل جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ فيها (٨) سبعون باباً، كل بابٍ يُفضي إلى جوهرة

стр. 1879

خضراء مُبطنةٍ بحمراء، كل جوهرةٍ (١) تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كل جوهرة سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائف، أدناهنَّ (٢) حوراء (٣) عيناء عليها سبعون حُلَّة، يُرَى مُخُّ ساقها من وراء حُلَلِهَا، كَبِدُها مرآتُه، وكبده مرآتُها، إذا أعرض عنها إعراضةً ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك، فيقول لها: والله لقد ازددتِ في عيني سبعين ضعفاً، وتقول له: والله وأنت (٤)، لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً، (٥) فيقال له: أشرف. قال: فيشرفُ، فيقال له: مُلكُكَ مسيرة مئة (٦) عام ينفده بصره (٧). قال فقال عمر: ألا تسمع إلى ما يحدِّثنا ابن أمِّ عبدٍ يا كعب عن أدنى أهلِ الجنة منزلاً، فكيف أعلاهم؟ قال كعبٌ: يا أمير المؤمنين (٨)، ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، إن الله تعالى جعل داراً فيها ما شاء (٩) من الأزواج والثمرات والأشربة، ثم أطبقها، فلم يرها أحدٌ من خلقه، لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال: وخلق دون ذلك جنتين، فزيَّنهما بما شاء، وأراهما من شاء (١٠) من خلقه، ثم قال: من كان في عِلِّيِّين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد، حتى إن

стр. 1880

الرجل من أهل عِلِّيِّين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمةٌ من خِيَمِ الجنة (١) إلا دخلها من ضوءِ وجههِ، فيستبشرون بريحه، فيقولون، واهاً لهذه الريح، هذا رجل من أهل عِلِّيِّين قد خرج يسير في ملكه. فقال: ويحك يا كعب، هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده، إنَّ لجهنم يوم القيامة لزفرةً ما يبقى من مَلَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسلٍ إلاَّ خرَّ لركبتبه (٢)، حتى إن إبراهيم خليل الله (٣) ﵇ يقول: ربِّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أنك لا تنجو (٤). هذا حديث كبيرٌ حسن رواه المصنِّفون في السنة كعبد الله بن أحمد (٥)، والطبراني، والدارقطني في كتاب (٦) " الرؤية ". رواه عن ابن صاعد، حدثنا

стр. 1881

محمد بن أبي (١) عبد الرحمن المقرىء، حدثنا أبي، حدثنا ورقاء بن عمر، حدثنا أبو طيبة، عن كُرز بن وَبْرَةَ، عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٢). ورواه من طريق عبد السلام بن حرب (٣)، حدثنا الدالاني، حدثنا المنهال ابن عمرو، عن أبي (٤) عبيدة (٥). ورواه من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة به. ومن طريق أحمد بن أبي طيبة عن كُرز بن وبرة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي عبيدة. فصل: وأما حديث علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، فقال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن المُصَفَّى (٦)، حدثنا سُويدُ بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن خالد، عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن جده، عن عليِّ بن أبي طالب ﵇، قال: قال رسول الله ﷺ : " يزور (٧) أهلُ الجنة الرب ﵎ في كل جُمعَة، وذكر ما يعطون. قال: " ثم يقول الله ﵎: اكشِفُوا حجاباً فيَكشِفُ حجاباً (٨)، ثم حجاباً، ثم يتجلى لهم ﵎ عن وجهه،

стр. 1882

فكأنهم لم يَرَوا نعيماً قبل ذلك. وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١) [ق: ٣٥]. فصل: وسيأتي في الآثار عنه ﵇ شاهدٌ لهذا من طريق ابن أبي حاتم. وتقدم له شاهدٌ عنه ﵇ في الدليل الخامس من طريق الطبراني، وله طريقٌ رابعةٌ عنه ﵇، وهو حديثٌ آخر أخرجه الثعلبي في تفسير قوله: ﴿يستبشِرُون بنعمةٍ من الله وفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧١]. ورواه عنه السيد صاحب الأصل المردود بكتاب " العواصم "، فقال السيد (٢) ما لفظه: وروى الثعلبي بإسناده إلى عليِّ بن موسى الرضى عن أبيه موسى بن جعفر لا عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵈، وقد سأله شابٌ وهو يخطب ويحثُّ على الجهاد، عن فضل الغُزاة، فقال ﵇: كنت رديفَ رسول الله ﷺ على ناقته العضباء، فسألته عما سألتني عنه، فقال ﷺ : " إن الغُزَاة إذا همُّوا بالغزاة، كتب الله لهم براءة من النار " ... وساق الحديث في فضلهم وختمه بقول: " فينظرون إلى الله تعالى بُكرةً وعَشِيّاً ". انتهى. وأقل أحوال هذه الطرق الأربع أن يمتنع دعوى العلم القاطع بإجماع أهل البيت، خصوصاً مع ما في " الجامع الكافي على مذهب الزيدية " من مخالفة الأوائل لمن تأخر في الاعتقاد عموماً، ثم مخالفة بعضُ أكابرهم في هذه المسألة خصوصاً. وهذا الكتاب (٣) الجامع الكافي " عمدة الزيدية في الكوفة،

стр. 1883

وموجودٌ في خزائن أئمتهم في اليمن كما ذكرته في الكلام على مسألة الأفعال، والذي أخرجه إلى اليمن السيد أحمد بن أمير الجيلى الزيدي الناصري العلامة الشهير، وخطُّه المعروف عليه بذلك مع ما يشهد (١) بمخالفة الأوائل لمتأخريهم في الاعتقاد مثل ما ذكره محمد بن منصور الزيدي، في كتابه " علوم آل محمد " في أول كتاب الحجِّ منه من (٢) حديث النزول، وقوله في تأويله إن الله تعالى لا يزول من (٣) مكانه، ونحو ذلك، قد ذكر مبسوطاً. فصل: وأما حديث أبي موسى، ففي " الصحيحين " عنه، عن النبي ﷺ ، قال: " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلاَّ رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ " (٤). وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن بن موسى وعفان، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيدٍ، عن عمارة، عن أبي بُردَة، عن أبي موسى، قال: قال (٦) رسول الله ﷺ : "يجمع الله الأمم في صعيدٍ واحدٍ يوم القيامة، فإذا بدا (٧)

стр. 1884

لله أن يصدع بين خلقه مثَّلَّ لكل قومٍ (١) ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحمونهم النار، ثم يأتينا ربنا ونحن في مكانٍ رفيعٍ، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا ، فيقول: وهل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم إنه لا عِدْلَ له، فيتجلى لنا ضاحكاً فيقول (٢): أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلاَّ جعلتُ في النار يهودياً أو نصرانياً مكانه ". وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: يتجلى لنا ربنا ﵎ ضاحكاً يوم القيامة (٣). وذكر الدارقطني من حديث أبان بن أبي عيَّاش، عن أبي تميمة الهُجيمي (٤)، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: " يبعث الله يوم القيامه منادياً بصوتٍ يسمعُه أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى (٥): الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله " (٦). فصل: وأما حديث عديِّ بن حاتم ، ففي " صحيح البخاري " (٧) قال: بينما

стр. 1885

أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجلٌ، فشكا (١) إليه الفاقة، ثم أتى إليه (٢) آخرٌ فشكا إليه قطع السبيل، فقال: " يا عديُّ، هل رأيت الحيرة؟ " فقلت: لم أرها، وقد أُنبِئتُ عنها. قال: " فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلاَّ الله "، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعَّار (٣) طيِّءٍ الذين سعَّروا البلاد؟ " ولئن طالت بك حياة لتُفتَحَنَّ كنوز كسرى ". قلت: كسرى (٤) بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الرجل يُخرِجُ ملءَ كفِّه من ذهبٍ أو فضةٍ يطلبُ من يقبله منه فلا يجد أحداُ يقبله منه، ولَيَلقيَنَّ الله أحدُكم يوم يلقاه (٥) وليس بينه وبينه حجاب ولا تُرجُمانٌ يُترجِمُ له، فليقولن (٦): ألم أبعث إليك رسولاً يبلِّغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أُعطِكَ مالاً وأفضِل عليك؟ فيقول بلى (٧)، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلاَّ جهَنَّم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلاَّ جهنم ". قال عدي: فسمعت النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شقَّ تمرةٍ، فبكلمةٍ طيبةٍ ". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحِلُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبي ﷺ .

стр. 1886

فصل: وأما حديث أنس بن مالك ، ففي " الصحيحين، من حديث سعيد ابن أبي (١) عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتَمُّون بذلك وفي لفظ فيُلهمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربنا حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُناكُم. فيذكر (٢) خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحاً أول رسولٍ بعثه الله . قال: فيأتون نوحاً، فيقول: لستُ هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها (٣)، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر (٤) خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها ولكن ائتوا موسى الذي كلَّمه الله تكليماً، وأعطاه التوراة، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله، وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن (٥) ائتوا محمداً ﷺ ، عبداً قد غفر الله له (٦) ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر ". قال رسول الله ﷺ : " فيأتوني، فأستأذنُ على ربي، فيؤذَنُ لي، فإذا أنا (٧) رأيته، فأقع ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمع، وسل تعطَه، واشفع تُشفَّعْ، فأرفعُ رأسي، فأحمد ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنيه

стр. 1887

ربِّي، فأشفع فيحُدُّ لي حدّاً، فأُخرِجُهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعودُ فأقع ساجداً، فيدعُني ما شاء أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد، وقُل (١) تُسمع، وسل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع، فأرفعُ رأسي، فأحمد ربي بتحميدٍ يعلِّمُنيه ربي، ثم أشفع فيحُدُّ لي حدّاً فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري في الثالثة أو في (٢) الرابعة. قال: فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلاَّ من حبسه القرآن، أي: وجب عليه الخلود (٣). وذكر ابن خزيمة عن ابن عبد الحكم عن أبيه وشعيب بن الليث عن الليث، حدثنا معتمر (٤) بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: " يلقى الناس يوم القيامة ما شاء الله أن يلقَوهُ من الحبس، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم فيشفع لنا إلى ربنا "، فذكر الحديث ... إلى إن قال: " فينطلقون إلى محمدٍ ﷺ ، فيقول: أنا لها، فأنطلِقُ حتى أستفتح باب الجنة، فيُفتح لي (٥)، فأدخلُ وربي على عرشه فأخرُّ ساجداً ... وذكر الحديث (٦).

стр. 1888

وقال أبو (١) عوانة وابن أبي عروبة وهمام وغيرهم عن أنس في هذا الحديث: " فاستأذِنُ على ربي، فإذا رأيتُه، وقعت ساجداً. وساقه ابن خزيمة بسياقٍ طويل، وقال فيه: فأستفتح، فإذا نظرت إلى الرحمن وقعت له ساجداً. ورؤية النبي ﷺ لربه في هذا المقام ثابتةٌ عنه ثبوتاً يقطع به أهل العلم بالحديث والسنة. وفي حديث أبي هريرة (٢): " أنا أول من تنشق عني الأرض يوم القيامة، ولا فخر، أنا (٣) سيد ولد آدم ولا فخرٌ، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، آخُذُ بحلقة باب الجنة، فيُؤذن لي، فيستقبلني وجهُ الجبَّار ﷻ ، فأخرُّ له ساجداً ". وقال الدارقطني: حدثنا محمد بن إبراهيم النسائي المعدَّل بمصر، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القاضي، حدثنا أبو بكر إبراهيم بن محمد، حدثنا الخليل بن عصر الأشجُّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النبي ﷺ في قولِ الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: النظر إلى وجه الله (٤).

стр. 1889

حدثنا أبو صالح عبد الرحمن بن سعيد بن هارون الأصبهاني، ومحمد بن جعفر بن أحمد الطبراني، ومحمد بن علي بن إسماعيل الأيلي، قالوا: حدثنا عبد الله بن روحٍ المدائني، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا ورقاءُ وإسرائيل وشعبة وجرير بن عبد الحميد، كلهم قالوا: حدثنا (١) ليثٌ عن عثمان بن أبي حُميد، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أتاني جبريل وفي كفِّه كالمرآة البيضاء يحملها، فيها كالنُّكتَة السوداء، فقلت: ما هذه التي في يدِكَ يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة، فقلت: وما الجُمعة؟ فقال: لكم فيها خيرٌ كبيرٌ. قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: تكون عيداً لك ولقومك من بعدك، ويكون اليهود والنصارى تبعاً لكم، قلت (٢): وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبدٌ فيها شيئاً هو له قسمٌ (٣) إلاَّ أعطاه إياه، أو ليس له بقسمٍ إلاَّ ادَّخر لهُ في آخرته ما هو أعظم له منه. قلت: ما هذه النكتة التي فيها؟ قال: هي الساعة، ونحن ندعوه (٤) يوم المزيد، قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال: إن ربك اتَّخذ في الجنة وادياً فيه كُثبانُ المسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلِّيِّين على كرسيه، فيُحَفُّ الكرسيُّ بكراسي من نورٍ، فيجيء النبيون حتى يجلسوا (٥) على تلك الكراسي، وتُحَفُّ الكراسي (٦) بمنابر من نورٍ ومن ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف من غُرفِهم حتى يجلسوا على تلك الكُثبان، ثم يتجلى لهم (٧) ، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت علكيم نعمتي،

стр. 1890

وهذا محل كرامتي، فسلوني. فيسألون حتَّى (١) ننتهي رغبتهم، فيُفتح لهم في ذلك (٢) ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وذلك بمقدار مُنْصرفِكُم من الجمعة. ثمَّ يرتفعُ على كرسيه . ويرتفع معه النبيون والصديقون، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء (٣) أو زبرجَدَةٌ خضراء، أو ياقوتةٌ حمراء، غُرفُها وأبوابها فيها، أنهارُها مُطَّرِدَةٌ فيها، وأزواجها وخدَّامها، وثمارُها متدلِّيَةٌ فيها، فليسوا إلى شيءٍ أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا نظراً إلى ربِّهم، ويزدادوا منه كرامة (٤).

стр. 1891

هذا حديثٌ كبيرٌ عظيم الشأن رواه أئمة السنة (١) وتلقَّوه بالقبول، وجَمَّلَ به الشافعي " مسنده " (٢). فرواه فيه عن إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني أبو الأزهر عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أنه سمع أنس بن مالك فذكره بنحوه. وقد تقدم لفظه. قال الشافعي (٣): أخبرنا إبراهيم، قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد، عن أنس شبيهاً به، وزاد فيه أشياء (٤). ورواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس، به. وقال فيه: " ثم يتجلى (٥) لهم ربُّهم حتى ينظروا إلى وجهه الكريم " .. وذكر (٦) باقي الحديث. ورواه عمر بن أبي قيسٍ (٧) عن أبي طيبة، عن عاصمٍ، عن عثمان بن عُميرٍ، عن (٨) أبي اليقظان، عن أنس وجوَّده وفيه: " فإذا كان يوم الجمعة، نزل على كرسيه، ثم حُفَّ الكرسى بمنابر من نور، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغُرَف حتى يجلسوا على الكُثُب، قال: ثم يتجلى لهم ربهم ﵎، فينظرون إليه، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محلُّ كرامتي، فسلُوني، فيسألونه الرِّضا، قال: رضاي أنزلكم داري، وأنالَكُم كرامتي، فسلوني (٩)، فيسألونه الرضا. قال: فيشهدهم

стр. 1892

بالرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم ... وذكر الحديث. ورواه علي بن حرب، حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا عنبسة بن سعيد، عن عثمان بن عُمَيْرٍ. ورواه الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد (١) ابن أخت سفيان الثوري، عن ليث ابن أبي سليم، عن عثمان، وقال فيه: " ثم يرتفع على كرسيِّه، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجِعُ أهل الغُرَف إلى غُرَفِهِم ". ورواه الدارقطني من طريق أخرى من حديث قتادة، عن أنس، قال: سمعته يقول: بينا نحن حول رسول الله ﷺ إذ (٢) قال: " أتاني جبريل في يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا يوم الجمعة يعرضه عليك ربك ليكون لك عيداً ولأُمَّتك من بعدك قال: قلت: يا جبريل، ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو سيد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد. قال: قلت (٣): يا جبريل ولِمَ تدعوه يوم المزيد. قال: إن الله اتخذ وادياً أفيح من مسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل ربُّنا على كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد خُفَّ العرش بمنابر من ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالجوهر، وقد حُفَّت تلك المنابر بكراسي من نورٍ، ثم يُؤذن لأهل الغرف، فيُقبلون يخوضون كثبان المسك إلى الرُّكَبِ، عليهم أسورة الذهب والفضة وثياب السندس والحرير، حتى ينتهو إلى ذلك الوادي. فإذا اطمأنوا فيه جلوساً، بعث الله عليهم ريحاً يقال لها: المُثيرة، فثارت (٤) ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم (٥)

стр. 1893

يومئذ جُرْدٌ، مُرْدٌ، مُكَحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين، على صورة آدم يوم خلقه ، فينادي ربُّ العزة ﵎ رضوان -وهو خازن الجنة- فيقول: يا رضوان، ارفع الحُجُب بيني وبين عبادي وزُوَّاري. فإذا رفع الحجب بينه وبينهم، فرأوا بهاءه ونوره هُيِّئوا (١) له بالسجود، فيناديهم ﵎ بصوته: ارفعوا رؤوسكم، فإنما كاذت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سلوني ما شئتم، فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فهذا محلُّ كرامتي، فسلوني ما شئتم، فيقولون: ربنا، وأيُّ خير لم تفعله بنا؟! ألستَ الذي أعنتنا على سكرات الموت، وآنست منا الوحشة في ظلمة القبور، وأمَّنت روعتنا عند (٢) النفخة في الصور؟ ألست (٣) أقلتنا عثراتنا (٤)، وسترت علينا القبيح من فعلنا، وثبَّتَّ على جسر جهنَّم أقدامنا؟ ألست الذي أدنيتنا من جوارك، وأسمعتنا لَذَاذَةَ منطقك، وتجلَّيت لنا بنورك؟ فأي خيرٍ لم تفعله بنا؟ فيعود الله ، فيناديهم بصوته، فيقول: أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فسلُوني، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: برضاي عليكم: أقلتُكُم عثراتكم، وسترتُ عليكم القبيح من أموركم، وأدنيتُ مني جواركم، وأسمعتكم لذاذة منطقي، وتجليت لكم بنوري، فهذا محل كرامتي، فسلوني، فيسألونه (٥) حتى تنتهي (٦) مسائلهم، ثم يقول : سلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يقول : سلوني، فيقولون: رضينا ربنا وسلَّمنا، فيُريهم من مشهد فضله وكرامته ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، ويكود ذلك مقدار تفريقهم (٧) من الجمعة.

стр. 1894

فقال أنسٌ: فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما مقدار تفرقهم؟ قال: كقدر الجُمعة إلى الجمعة (١) قال: ثم يحمل عرش ربنا ﵎ معهم الملائكة والنبيون، ثم يُؤذن لأهل الغرف، فيعودون إلى غرفهم، وهما غرفتان من زُمرُّدتين (٢) خضراوين، وليسوا في شيءٍ أشوق منهم إلى الجمعة لينظروا إلى ربهم ، وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته. قال أنس: سمعته من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحدٌ. ورواه الدارقطني أيضاً عن أبي بكر النيسابوري، قال: أخبرني العبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد (٣)، قال: أخبرني محمد بن شعيب، قال: أخبرني عمر مولى غُفرة، عن أنس (٤). ورواه محمد بن خالد بن خليّ (٥)، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا صفوان، قال: قال أنسٌ: قال رسول الله ﷺ (٦) ... ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث، عن عثمان بن عُمير (٧) عن أنس (٨) ...

стр. 1895

ورواه إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزيمة، عن زهير بن حرب، حدثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن عثمان بن حُميد، عن أنس ... ورواه عن الأسود بن عامر، قال: ذكر لي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس (١). ورواه ابن بطة (٢) في " الإبانة " من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة (٣) وسيأتي سياقه، وقد جمع ابن أبي داود طُرُقَهُ. فصل: وأما حديث بريدة بن الحصيب ، فقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن أبان القُرشي، حدثنا بشير (٤) بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحدٍ إلاَّ سيخلو الله به يوم القيامة ليس بينه وبينه حجاب ولا تَرْجُمان " (٥). فصل: وأما حديث أبي رزين العُقيلي ، فرواه الإمام أحمد من حديث شعبة
следующие страницы →