← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

فصل: وأما التابعون، ويَزَكُ الإسلام، وعصابة الإيمان منهم أئمة (١) الحديث والفقه والتفسير وأئمة التَّصوُّف، فأقوالهم (٢) أكثرُ من أن يُحيط بها إلاَّ الله . قال سعيد بن المسيب: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه مالك عن يحيى عنه (٣). وقال الحسن: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه ابن أبي حاتم عنه (٤). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: الزيادة: النظر إلى وجه الله. رواه حماد ابن زيد، عن ثابت، عنه (٥). وقاله عامر بن سعد البجلي، ذكره سفيان عن أبي إسحاق عنه (٦). وقاله عبد الرحمن بن سابط. رواه جرير، عن ليث، عنه (٧). وقاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وكعب (٨).

стр. 1927

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد، فإني أُوصيك بتقوى الله، ولزوم طاعته، والتَّمسُّك بأمره، والمُعاهدة على ما حمَّلك الله من دينه، واستحفظك مني كتابه. فإن بتقوى الله نجا أولياء الله من سخطه، وبها وافقوا أنبياءه، وبها نُضِّرت وجوههم، ونظروا إلى خالقهم، وهي عصمةٌ في الدنيا من الفتن، ومن كُرَب (١) يوم القيامة (٢). وقال الحسن: لو يعلم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابَتْ أنفُسُهم في الدنيا (٣). وقال الأعمش وسعيد بن جبير: إن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله ﵎ غُدوة وعشية (٤). وقال كعبٌ: ما نظر الله إلى الجنة قط إلاَّ قال: طيبي لأهلك، فزادت ضعفاً على ما كانت حتى يأتيها أهلها، وما من يوم كان لهم عيداً في الدنيا إلاَّ يخرجون في مقداره في رياض الجنة، فيبرُزُ لهم الرب ﵎، فينظرون إليه، وتسعى عليهم الرِّيح المِسْكُ، ولا يسألون الرب تعالى شيئاً إلا أعطاهم حتى يرجعوا وقد ازدادوا على ما كانوا من الحسن والجمال سبعين ضعفاً

стр. 1928

ثم يرجعون إلى أزواجهم وقد ازدَدْنَ مثل ذلك (١). وقال هشام بن حسان: إنَّ الله سبحانه يتجلَّى لأهل الجنة، فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة (٢). وقال طاووس: أصحاب المراء والمقاييس لا يزال بهم المِراء والمقاييس حتَّى يجحدوا الرؤية، ويُخالفوا السنة (٣). وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي (٤): الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن ﵎ (٥). وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، أُعطوا فيها ما شاؤوا، فيقول الله لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعطَوهُ، فيتجلَّى لهم ربَّهم، فلا يكون ما أُعطوا عند ذلك بشيءٍ، فالحسنى الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه ربهم . ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهمُ قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: بعد نظرهم إلى ربهم ﵎ (٦). وقال علي بن المديني: سألت عبد الله بن المبارك، عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، قال عبد الله، من أراد النظر إلى وجه خالقه، فليعمل عملاً صالحاً، ولا يخبر به أحداً (٧).

стр. 1929

قال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: ما حجب الله أحداً عنه إلاَّ عذبه. ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قال بالرؤية. ذكره ابن أبي الدنيا عن يعقوب بن إسحاق (١) عن نُعيم (٢). وقال عبَّاد بن العوَّام: قدم علينا شريك بن عبد الله منذ خمسين سنة، فقلت له (٣): يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا "، و" إن أهل الجنة يرون ربهم "، فحدثني بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: أما نحن، فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمن أخذوا؟ (٤). وقال عُقبة بن قبيصة (٥): أتينا أبا نعيم يوماً، فنزل إلينا من الدرجة التي في داره، فجلس وسطها (٦) كأنه مُغضبٌ، فقال: حدثنا سفيان بن سعيد، ومنذرٌ الثوري وزهير بن معاوية، وحدثنا حسن بن صالح بن حي، وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي وهؤلاء أبناء المهاجرين يُحدثوننا عن رسول الله ﷺ أن الله ﵎ يرى في الآخرة حتَّى جاء ابن يهودي صبَّاغ يزعم أن الله لا يُرى يعني بشراً المريسي. فصل: في المنقول عن الأئمة الأربعة، ونُظرائهم، وشيوخهم، وأتباعهم على طريقهم ومنهاجهم.

стр. 1930

ذكر قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس: قال أحمد بن صالح المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، قال: قال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة (١) بأعينهم. وقال الحارث بن مسكين، حدثنا أشهب، قال: سئل مالك عن قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] أتنظر إلى الله ؟ قال: نعم. فقلت: إن أقواماً يقولون: تنتظر ما عنده. قال: بل تنظر إليه نظراً، وقد قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ (٢)، [المطففين: ١٥]. وذكر الطبري (٣) وغيره أنه قيل لمالك: إنهم يزعمون أن الله لا يُرى، فقال مالك: السَّيفَ السَّيفَ (٤). ذكر قول ابن الماجَِشون: قال أبو حاتم الرازي: قال أبو صالح كاتب الليث أملى علي عبد العزيز بن أبي سلمة الماجَِشُون، وسألته عما تحدث (٥) الجهمية، فقال: لم يزل يُملي لهم الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقالوا: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي كرَّم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. فوربِّ السماء والأرض، ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثواباً لينضِّرَ بها وجوههم دون المجرمين، ويُفلج بها حجَّتهم على الجاحدين، وهم عن ربهم يومئذٍ محجوبون، لا يرونه كما زعموا

стр. 1931

أنه لا يُرى، ولا يُكلِّمهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليم (١). ذكر قول الأوزاعي: ذكر ابن أبي حاتم عنه، قال: إني لأرجو أن يَحجُبَ الله جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فجحد جهم (٢) وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه (٣). ذكر قول الليث بن سعدٍ: قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألتُ الأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: تُمَرُّ بلا كيفٍ (٤). قول سفيان بن عيينة: ذكر الطبري وغيره عنه أنه قال: من لم يقل: إن القرآن كلام الله، وإن الله يُرى في الجنة، فهو جهمي (٥). وذكر عنه ابن أبي حاتم أنه قال: لا يُصلِّى خلف الجهمي، والجهمي: الذي يقول: لا يرى ربه يوم القيامة (٦). قول جرير بن عبد الحميد: ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه ذكر له حديث (٧) ابن أسباط في الزيادة أنها النظر إلى وجه الله تعالى، فأنكره رجلٌ، فصاح به، فأخرجه من مجلسه (٨).

стр. 1932

قول عبد الله بن المبارك: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه أن رجلاً من الجهمية قال له: يا أبا عبد الرحمن، خدارابآن جهان جون بينند ومعناه: كيف نرى الله يوم القيامة؟ فقال: بالعين (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني يعقوب بن إسحاق، قال: سمعت نعيم بن حماد يقول (٢): سمعت ابن المبارك يقول: ما حجب الله عنه أحداً إلا عذَّبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧]. وقال ابن المبارك، بالرؤية (٣). قول وكيع بن الجَّراح: ذكر ابن أبي حاتم أنه (٤) قال: يراه المؤمنون في الجنة ولا يراه إلاَّ المؤمنون (٥). قول قتيبة بن سعيدٍ: ذكر ابن أبي حاتم عنه، قال: قول الأئمة المأخوذ به في الإسلام والسنة: الإيمان (٦) بالرؤية، والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ بالرؤية (٧). قول أبي عبيدٍ القاسم بن سلام: ذكر ابن بطة وغيره عنه أنه ذُكرَتْ عنده هذه الأحاديث التي في الرؤية، فقال: هي عندنا حق. رواها الثقات عن الثقات إلى أن صارت إلينا، إلاَّ أنا (٨)، إذا قيل لنا: فسِّروها، قلنا: لا نفسر منها شيئاً، ولكن

стр. 1933

نمضيها كما جاءت (١). قول أسود بن سالم شيخ الإمام أحمد: قال المروالروذي (٢)، حدثنا عبد الوهاب الوراق، قال: سألت أسود بن سالم عن أحاديث الرؤية، فقال: أحلف عليها بالطلاق وبالنبي (٣) أنها حق (٤). قول محمد بن إدريس الشافعي: قد تقدم رواية الربيع عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لما حُجِبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل أن أولياءه يرونه في الرضا. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم وبه أدين الله لو لم يُوقِنْ محمد بن إدريس أنه يرى ربه ما عبده (٥). وقال ابن بطة: حدثنا ابن الأنباري، حدثنا أبو القاسم الأنماطيُّ صاحب المزني، قال: قال الشافعي: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ على أن أولياءه يرونه يوم القيامة بأبصار وجوههم. قول إمام السنة أحمد بن حنبل: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: ربنا ﵎، يراه أهل الجنة أليس (٦) تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح. قال ابن منصور: وقال إسحاق بن راهويه: صحيح، ولا يدعهُ إلاَّ مبتدع، أو ضعيفُ الرأي.

стр. 1934

وقال الفضل بن زياد: سمعتُ أبا عبد الله يقول له: أتقول بالرؤية؟ فقال: مَنْ لم يقل بالرؤية فهو جهمي. وقال: وسمعت أبا عبد الله -وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله لا يُرى في الآخرة- فغضِبَ غضباً شديداً، ثم قال (١): من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، فقد كفر، عليه لعنةُ الله وغضبه من كان من الناس، أليس يقول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؟ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢). وقال أبو داود: سمعت أحمد وذُكِرَ له عن رجل شيءٌ في الرؤية فغضب، وقال: من قال: إن الله لا يُرى فهو كافرٌ (٣). قال أبو داود: وسمعت أحمد - وقيل له في رجل يحدِّث بحديثٍ عن رجلٍ عن أبي العطوف (٤) أن الله لا يُرى في الآخرة. فقال: لعن الله من يحدث بهذا الحديث اليوم، ثم قال: أخزى الله هذا. وقال أبو بكر المروزي: قيل لأبي عبد الله تعرف عن يزيد بن هارون، عن أبي العطوف عن أبي الزبير، عن جابرٍ: إن استقر الجبل فسوف تراني، وإن لم يستقر، فلا تراني، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؟ فغضب أبو عبد الله غضباً شديداً، حتى تبين في وجهه، وكان قاعداً والناس حوله، فأخذ نعله وانتعل، وقال: أخزى الله هذا، لا ينبغي أن يكتب، ودفع أن يكون يزيد بن هارون رواه أو حدَّث به، وقال: هذا جهميٌّ كافرٌ، خالف قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ

стр. 1935

نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أخزى الله هذا ... الحديث. وقال أبو طالب: قال أبو عبد الله: قوله : ﴿هل ينظرون إلاَّ أن يأتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وجاء ربُّك والمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ [الفجر: ٢٢] فمن قال: الله (١) لا يُرى، فقد كفر. وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: سمعت أبا عبد الله يقول: من لم يؤمن بالرؤية، فهو جهمي، والجهميُّ كافرٌ (٢). وقال يوسف بن موسى القَطَّان: قيل لأبي عبد الله: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ﵎، ويُكلِمونه ويكلِّمهم؟ قال: نعم ينظر (٣) إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه (٤) كيف شاؤوا إذا شاؤوا. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: القوم يرجعون إلى التعطيل في أقوالهم، يُنكرون الرؤية والآثار كلها، وما ظننت أنهم على هذا حتى سمعت مقالاتهم. قال حنبلٌ: سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يُرى، فقد ردَّ على الله وعلى الرَّسول، ومن زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، فقد كفر، وردَّ على الله قوله. قال أبو عبد الله: فنحن نؤمن بهذه الأحاديث، ونُقِرُّ بها، ونُمرُّها كما جاءت (٥).

стр. 1936

وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: فأمَّا من قال: إن الله (١) لا يُرى في الآخرة، فهو جهميٌّ. قال أبو عبد الله: وإنما تكلَّم من تكلم في رؤية الدنيا. وقال إبراهيم بن زياد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الرُّؤية مَنْ كذَّب بها، فهو زنديقٌ. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أدركنا الناس وما يُنكرون مِنْ هذه الأحاديث شيئاً -أحاديث الرؤية- وكانوا يُحدثون بها على الجملة يُمِرُّونَها على حالِها غير منكرين لذلك، ولا مرتابين. وقال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] فكلَّم الله موسى من وراء حجاب، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأخبر الله أن موسى يراه في الآخرة، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولا يكون حجابٌ (٢) إلاَّ لرؤية أخبر الله سبحانه أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفَّار لا يرونه. قال حنبل: وسمعتُ أبا عبد الله يقول: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، والأحاديث التي تُروى في النظر إلى وجه الله تعالى: حديث جرير بن عبد الله وغيره: " تنظُرُون إلى ربِّكم " .. أحاديث صحاح. وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظر إلى وجه الله تعالى، قال أبو عبد الله: نؤمن بها ونعلم أنها حق أحاديث الرؤية، ونؤمن أن الله يُرى، نرى ربنا (٣) يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب.

стр. 1937

قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لا يُرى في الآخرة، فقد كفر بالله، وكذَّب بالقرآن، ورد على الله أمره. يُستتابُ، فإن تاب، وإلا قُتِلَ. قال حنبل: قلت لأبي عبد الله في أحاديث الرؤية. فقال: هذه صحاح، نؤمن بها، ونُقِرُّ بها، وكل ما (١) رُوي عن النبي ﷺ إسناده جيِّدٌ أقررنا به. قال أبو عبد الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي ودفعناه، رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرسولُ فخُذُوهُ وما نهاكُمْ عنه فانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قول إسحاق بن راهويه: ذكر الحاكم وشيخ الإسلام وغيرهما عنه أن عبد الله بن طاهر أمير خراسان سأله، فقال: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تروونها في النُّزول والرؤية ما هي (٢)؟ فقال: رواها من روى الطهارة والغسل (٣) والصلاة والأحكام وذكر أشياء فإن يكونوا في هذه عُدولاً، وإلاَّ فقد ارتفعت، وبطل الشرع. فقال: شفاك الله كما شفيتني. أو كما قال. قول جميع أهل الإيمان: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه: إن المؤمنين لم يختلفوا أن جميع المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومن أنكر ذلك، فليس بمؤمنٍ عند المؤمنين. قول المزني: ذكر الطبري في " السنة " عن إبراهيم بن أبي (٤) داود المصري، قال كنا عند نعيم بن حمَّادٍ جلوساً، فقال نعيم، للمزني: ما تقول في القرآن؟ قال: أقول: إنه كلام الله. فقال: غير مخلوقٍ؟ فقال: غير مخلوقٍ. قال: وتقول: إن الله يرى يوم القيامة؟ قال: نعم. فلما افترق الناس، قام إليه المُزنيُّ، فقال: يا أبا عبد الله، شهَّرتني على رؤوس الناس (٥). فقال: إن الناس

стр. 1938

قد أكثروا فيك فأردت أن أُبرِّئك (١). قول جميع أهل اللغة. قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلباً يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] أجمع أهل اللغة أن اللقاء ها هنا لا يكون إلاَّ معاينةً ونظراً بالأبصار، وحسبُك بهذا الإسناد صحة (٢). واللقاء ثابتٌ بنصِّ القرآن كما تقدَّم، وبالتواتر عن النبي ﷺ ، وكلُّ أحاديث اللقاء صحيحة. فحديث أنسٍ في قصة بئر معونة: أنا قد لقينا ربَّنا، فرضيَ عنَّا وأرضانا (٣). وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعودٍ: " من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه " (٤).

стр. 1939

وحديث أنس: " إنكم ستلقون بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتَّى تلقوا الله ورسوله " (١). وحديث أبي ذرٍّ: " لو لقيتني بقِرابِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشرِكُ به شيئاً (٢) لقيتك بقرابها مغفرة ". وحديث أبي موسى. " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة " (٣). وغير ذلك من أحاديث اللقاء التي اطَّرَدَتْ كلها بلفظٍ واحدٍ. انتهى كلام هذه الطائفة منقولاً بحروفه من كتاب الشيخ ابن قيم الجوزية، والمقصود بنقله على طُولهِ بيان أنهم من أهل التأويل والتديُّن، وقبول أخبار ثقاتهم، كما هو مذهب أهل البيت والمنصوص في كتبهم المشهورة، حتى نجمت هذه البدعة البديعة، والعصبية الشنيعة في القول بأنهم مكذبون لله ورسوله (٤) على سبيل التَّعمُّد وقصد إضلال الخلق عما يعلمونه من الحق. فصل: ومن العدل بعد حكاية أدلتهم بعباراتهم أن نحكيَ أدلة المعتزلة

стр. 1940

ومتأخِّري الشيعة بعباراتهم أيضاً لوجهين: أحدهما: لكيلا يتوهَّم فينا (١) أنا قصدنا الحَيْفَ على (٢) المعتزلة بترك عباراتهم المختارة لنُصرة مذهبهم، وعدم الاستيعاب لما في كُتبهم. وثانيهما: ليظهر من (٣) تصرُّفاتهم العلم بمقصدنا الأول الذي هو الباعث على هذا التأليف، وهو أن المعتزلة خاضوا مع القوم في الاستدلال عليهم، والجواب عن أدلتهم، كما هو شأنُ المتأولين، ولم يقولوا: إنهم أنكروا الضرورة في مذاهبهم وأن عنادهم معلومٌ ببدائه العقول، مستغنٍ عن البيان كما ذكروا ذلك في السُّوفسطائية. فنقول: قال السيد العلامة المتكلِّمُ أحمد بن أبي هاشم الحسيني في كتابه " شرح الأصول الخمسة " (٤) لقاضي القضاة -رحمة الله عليهما- ما لفظه (٥). فصل في نفي الرُّؤية: ومما يجب نفيه عن الله تعالى: الرؤية، وهذه مسألة خلافٍ بين الناس، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنما يتحقَّق بيننا وبين هؤلاء الأشعرية الذين لا (٦) يكيِّفون الرؤية، فأمَّا المجسِّمة، فهم يُسَلِّمون لنا أنَّ

стр. 1941

الله تعالى لو لم يكن جسماً، لما صح أن يُرى، ونحن نسلِّم لهم أنه تعالى لو كان جسماً، لصحَّ أن يُرى، فالكلام معهم في هذه المسألة لغوٌ، ويمكن أن يُستدل علم هذه المسألة بالعقل والسمع جميعاً، لأن صحة السمع لا تقِفُ عليها، وكلُّ مسألةٍ لا تقف صحة السمع عليها، فالاستدلال عليها بالسمع ممكن، ولهذا جوَّزنا الاستدلال بالسمع على كونه تعالى حيَّاً لما لم تقف صحة السمع عليها. يُبَيِّن ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعاً حكيماً، وإن لم يخطُر بباله أنه هل يُرى أم لا؟ ولهذا لم نكفِّر (١) من خالفنا في هذه المسألة، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يُرى، لا يقتضي جهلاً بذاته ولا شيءٍ من صفاته، ولهذا جوَّزنا في قوله تعالى: ﴿ربِّ أرني أنظُر إليك﴾ أن يكون سؤال موسى ﵇، لأن المرئي ليس له (٢) -بكونه مرئياً- حالٌ وصفة، وعلى هذا لم نجهِّلْ شيخنا أبا عليِّ بالأكوان، حيث قال: إنها مُدرَكَةٌ بالبصر. إذا ثبتت هذه الجملة، فاعلم أنه ﵀ بدأ في الاستدلال على هذه المسألة بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ووجه الدلالة من الآية هو ما قد ثبت أن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية، وثبت (٣) أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، وتمدَّح بذلك تمدُّحاً راجعاً إلى ذاته، وما كان نفيه مدحاً راجعاً إلى ذاته، كان (٤) إثباته نقصاً، والنقائص (٥) غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال. فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية؟ (٦). قلنا: لأن الرائي ليس له بكونه رائياً حالةٌ زائدةٌ على كونه مدركاً، لأنه لو كان أمراً زائداً عليه، لصحَّ انفصال أحدهما عن الآخر على كونه مدركاً (٧)، إذ

стр. 1942

لا علاقة بينهما من وجهٍ معقول، والمعقول (١) خلافه. وبعد: فإن الإدراك إذا أُطلِقَ يحتمل معاني كثيرة. قد يُذكَرُ ويُراد به البلوغ، يقال: أدرك الغلام: إذا بلغ الحُلمَ، وقد يُذكر ويراد به النُّضج والإيناع، يقال (٢): أدرك الثَّمر: إذا أينع، فأمَّا إذا قُيِّدَ بالبصر، فإنه لا يحتمل إلاَّ الرؤية على ما ذكرناه، وصار الحال فيه كالحال في السُّكون، فإنه إذا قُرنَ بالنفس لا يحتمل إلاَّ العلم، وإن احتمل، بإطلاقه شيئاً آخر، تبين ما ذكرناه أنه لا فرق بين قولهم: أدركتُ ببصري هذا الشخص، وبين قولهم (٤): آنستُ (٥) ببصري هذا الشخص، ورأيت (٦) ببصري هذا الشخص، أو أبصرت ببصري هذا الشخص (٧)، حتى لو قال: أدركتُ ببصري وما رأيتُ، أو آنست وما أدركت، لعُدَّ مناقضاً. ومن علامة اتفاق اللفظين في الفائدة أن يُثْبَتا (٨) في الاستعمال معاً ويزولا معاً، حتى لو أثبت بأحدهما، ونفي بالآخر لتناقض الكلام. وبهذه الطريقة يُعلَمُ اتفاق الجلوس والقعودِ في الفائدة وغيرها من الأسامي. فإن قيل: كيف يصحُّ قولكم: إن من علامة اتفاق اللفظين في الفائدة أن يثبتا في الاستعمال معاً، ويزولا معاً؟ ومعلوم أن الإرادة والمحبة واحدٌ (٩)، ثم (١٠)

стр. 1943

يستعمل أحدُهما حيث لا يستعمل الآخر (١)، فيقال: أُحِبُّ جاريتي، ولا يقال: أريدُها؟ قلنا: كلامنا فيما إذا استُعملا حقيقةً، وهذا فقد استعمل مجازاً، وحقيقته " أُحِبُ " (٢): الاستمتاع بها، فلا جرم، يجوز أن نقول: أريد الاستمتاع بها، وصار الحال فيما ذكروه كالحال في الغائط، فإنه المكان المطمئن في الأصل، ثم يُتجوَّز به في الكناية عن قضاء الحاجة، ولا يُستعمل بدله (٣) المكان المطمئنُّ في الكناية عن قضاء تلك الحاجة لما كان ذلك الاستعمال على سبيل التَّوسُّع والمجاز، لا على وجه الحقيقة، كذلك ها هنا. فإن قيل: أليس أنهم يقولون: أدركتُ ببصري حرارة الميل، فكيف يصحُّ قولهم: إن الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية؟ قلنا: هذا ليس من اللغة في شيءٍ، وإنما اخترعه ابن أبي بشرٍ الأشعري ليصح (٤) مذهبه به، إذ لم يَرِدْ في كلامهم: لا المنظوم ولا المنثور، يبين ما ذكرناه، ويوضحه: أن هذه " الباء " إذا دخلت على الأسامي أفادت أنها آلةٌ فيما دخلت فيه كقولهم: مشيتُ برجلي، وكتبت بقلمي. والبصرُ ليس بآلةٍ في إدراك الحرارة، إذ الخيشوم يُشاركه في ذلك، فلو كان آلة فيه، لم يَجُزْ ذلك، ألا ترى أن البصر لما كان آلة في الرُّؤية، لم يُشاركه فيها آلة السمع وغيره من الحواس؟ كذلك كان يجب مثله في مسألتنا، على أنا لم نقل: إنَّ الإدراك إذا قُرِنَ بالبصر، وقُيِّدَ بالحرارة، فإنه لا يُفيدُ إلاَّ الرؤية، فمتى (٥) يكون هذا نقضاً لكلامنا؟ وإنما قلنا: إنه إذا قُرِنَ بالبصر، لم يحتمل إلاَّ الرُّؤية، فلا يتوجه هذا على ما قلناه.

стр. 1944

فإن قيل: ولم قلتم: إنَّ هذه الآية وردت مورد التمدُّح؟ قلنا: لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها، لأن جميعه في مدائح الله سبحانه، وغير جائزٍ من الحكيم أن يأتي بجملةٍ مشتملةٍ على المدح، ثم يخلِطُ بها ما ليس بمدح ألبتَّة. ألا ترى أنه لا يَحْسنُ أن نقول: فلانٌ وَرِعٌ، تقيٌّ، نقيُّ الجيب، مرضيُّ الطريقة، أسودُ، يأكل الخبز، يُصلِّي بالليل ويصوم بالنَّهار، لما لم يكن لكونه أسودَ، وأكله (١) الخبز تأثيرٌ في المدح؟ يبيِّنُ ذلك أنه تعالى لما بيَّن تميُّزه عمَّا عداه من سائر الأحياء (٢) بنفي الصاحبة والولد، بين أنه يتميز عن غيره من الذوات بأنه لا يُرى ويرى (٣). وبعد، فإن الأمة اتفقوا على أن الآية واردةٌ مورد المدح، وأنه لا (٤) كلام في ذلك، وإنما الكلام في جهة التَّمدح، فمنهم من قال: إن التمدح هو بأن القديم -تعالى- لا يُرى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة على ما يقوله، ومنهم من قال: إن التَّمدُّح هو أنه لا يرى في دار الدنيا، ومنهم من قال: إن التمدُّح في أنه لا يُرى بهذه الحواسِّ، وإن جاز أن يُرى بحاسَّةٍ أُخرى، فصحَّ أن الآية وردت مورد التمدح على ما ذكرناه، ولا تمدُّح إلاَّ من الجهة التي نقولها. فإن قيل: وأيُّ مدحٍ في أن لا يُرى القديمُ تعالى، وقد شاركه فيه المعدومات وكثيرٌ من الموجودات؟ قلنا: لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائياً، ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحاً، وعلى هذا لا مدح في نفي

стр. 1945

الصاحبة والولد مجرداً، ثمَّ بانضمامه إلى شيءٍ آخرَ يصيرُ مدحاً، ثم إذا انضمَّ إليه كونه حيّاً لا آفة به، صار مدحاً. وهكذا لا مدح في أنه لا أوَّل له، فإن المعدومات تشاركُه في ذلك، ثم يصيرُ مدحاً بانضمام شيء آخر إليه، وهو كونه قادراً، عالماً، حياً، سميعاً، بصيراً، موجوداً، كذلك في مسألتنا. وحاصل هذه الجملة أن التَّمدُّح إنما يقع بما به تقعُ البينونة بينه وبين غيره من الذوات، والبينونة لا تقع إلاَّ بما يقوله، لأن الذوات على أقسامٍ منها ما يُرى ويَرى كالواحد منَّا. ومنها ما لا يَرَى ولا يُرى كالمعدومات. ومنها ما صحّ ولا يرى كالجمادات. ومنها ما يَرَى ولا يُرى كالقديم تعالى، وعلى هذا صحَّ التَّمدُّح بقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]. فإن قيل: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ، كيف يصيرُ مدحاً؟. قيل له: لا مانع من ذلك، فمعلوم أن قوله : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ليس (١) بمدحٍ، ثم صار مدحاً بانضمامه إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ وكذلك قولنا في الله : إنه موجودٌ، ليس بمدحٍ، ثم إذا ضممنا إليه القول بأئه لا ابتداء له، صار مدحاً، ونظائر ذلك أكثرُ مِن أن تذكر، والمنكر له متجاهل. فإن قيل: لو جاز فيما ليس بمدحٍ أن يصير مدحاً بانضمامه إلى غيره، لكان لا يمتنع أن يصير الجهل مدحاً بانضمامه إلى الشجاعة وقوة القلب، حتى يحسُنَ أن يُمدَحَ الغير (٢) بأنه جاهلٌ، قويُّ القلب، شجاعٌ. قيل له: إن ما وُضع للنقص من الأوصاف، نحو قولنا: جاهلٌ، عاجزٌ، وما شاكلها، لا تختلف فائدته، ولا يتغير حاله بالانضمام (٣)، بل يقبل (٤) النقصَ

стр. 1946

بكل حالٍ، سواء ضُمَّ إلى غيره أو لم يضم، وليس كذلك سبيل ما (١) ليس بمدحٍ ولا نقصٍ، فإن ذلك مما لا يمتنعُ أن يصير مدحاً بغيره على ما ذكرناه. فإن قيل: فجوزوا أن يصير قولنا: " أسود " مدحاً بأن ينضم إليه قولنا: عالم، ومعلوم أن ذلك لا يصير مدحاً لما لم يكن مدحاً في نفسه، فإذا لم يَجُزْ أن يصير ذلك مدحاً، فكذلك لا يجوز في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبصَارُ﴾ أن يصير مدحاً بأن ينضمَّ إليه قوله: ﴿وهو يُدْرِكُ الأبصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. قيل: إنا لم نقل: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ صار مدحاً بكل حالٍ، بل قلنا: إن ما ليس بمدحٍ إذا انضمَّ إلى ما هو مدحٌ، وحصل بمجموعهما (٢) البينونةُ، صار مدحاً، ولا تحصُلُ البينونة بانضمام قولنا: " أسودُ " إلى قولنا " عالمٌ "، بخلاف مسألتنا، لأنه حصل ها هنا بينونةٌ على الوجه الذي ذكرناه. فإن قيل: ما وجه البينونة؟ قلنا: وجهُ البينونة: هو أنه يرى ولا يُرى. فإن قيل: هلاَّ جاز أن تكون جهةُ التمدُّح هو كونه قادراً على أن منعنا (٣) من رؤيته؟ قلنا: هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسِّرين. وما هذا سبيله من التأويلات يكون (٤) فاسداً.

стр. 1947

وبعد: فإن هذا حملٌ لخطاب الله تعالى على غير (١) ما تقتضيه حقيقة اللُّغة ومجازها، فلا يجوز. يُبيِّنُ ذلك أن أحدنا إذا قال: فلان لا يرى، فإنه لا يقتضي كونه قادراً على أن يمنع من رويته، لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، فكيف يصحُّ ما ذكرته؟ فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن هذا التمدُّح راجعٌ إلى الذات؟ قلنا: لأن المدح على ضربين: أحدهما: يرجع إلى الذات. والثاني: يرجعُ إلى الفعل. وما يرجع إلى الذات قسمان: أحدهما يرجع إلى الإثبات (٢)، نحو قولنا: قادرٌ، عالمٌ، حيٌّ، سميعٌ، بصيرٌ. والثاني: يرجع إلى النَّفي، وذلك نحو قولنا: لا يحتاج، ولا يتحرَّك ولا يسكن. وأما ما يرجع إلى الفعل، فعلى ضربين أيضاً (٣): أحدهما: يرجع إلى الإثبات، نحو قولنا: رازقٌ، ومحسنٌ، ومتفضِّلٌ. والثاني: يرجِعُ إلى النفي، وذلك نحو قولنا: لا يَظْلِمُ، ولا يكذِبُ. إذا ثبت هذا، فالواجبُ أن ننظر في قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ من أيِّ القبيلين هو؟ لا يجوز أن يكون من قبيل ما يرجع إلى الفعل، لأنه تعالى لم يفعل فعلاً حتى لا يُرى، وليس يجب في الشيء إذا لم ير أن يحصل منه فعل حتى لا يُرى، فإن كثيراً من الأشياء لا تُرى، وإن لم تفعل أمراً من الأمور كالمعدومات، وكثيرٍ من الأعراض، والشيء إذا لم يُرَ، فإنما لم يُرَ لما هو عليه

стр. 1948

في ذاته، لا لأنه يفعل أمراً من الأمور. وإذا كان الأمر كذلك، صح أن هذا الأمر يرجع إلى الذات على ما نقوله. فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن ما كان نفيهُ مدحاً راجعاً إلى ذاته، كان إثباته نقصاً. قيل له: لأنه لو لم يكن إثباته نقصاً، لم يكن نفيه مدحاً (١)، ألا ترى أن نفي السِّنَةِ والنوم لمَّا كان مدحاً، كان إثباته نقصاً؟ (٢) حتَّى لو قال أحدٌ: إنه تعالى ينام، كان هذا نقصاً. وبعد: فإنه تعالى إذا لم يُرَ إنما (٣) لم يُرَ لما هو عليه في ذاته (٤)، فلو رُئِيَ، لوجب أن يكون قد خرج عما هو عليه في ذاته، فكان نقصاً. فإن قيل: وأيُّ نقصٍ في أن يُرى القديم؟ وما وجه النقص؟ قلنا: لا يلزمنا أن نعلم ذلك مفصلاً، بل إذا علمنا على الجملة أنه تعالى تمدَّح بنفي الرؤية عن نفسه مدحاً راجعاً إلى ذاته، وعلمنا أن ما كان نفيه مدحاً راجعاً إلى الذات، كان إثباته نقصاً، كفى، وإذا أردت التفصيل، فلأن فيه انقلابه وخروجه عما هو عليه في ذاته. فإن قيل: ما أنكرتم أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُه الأبصارُ﴾، أي لا تحيط به الأبصار، ونحن هكذا نقول. قلنا: الإحاطة ليس هي بمعنى الإدراك، لا في حقيقة اللُّغة، ولا في مجازها، ألا ترى أنهم يقولون: السُّورُ أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها، ولا أدرك بها، وكذلك يقولون: عين الميت أحاطت بالكافور، ولا يقولون: أدركته.

стр. 1949

وبعد: فإن هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسرين، فلا يقبل على أنه كما لا تحيط به الأبصار، فكذلك لا يحيط هو (١) بالأبصار، لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحدٌ، فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة لهذه الوجوه. فإن قيل: لا تَعَلُّق لكم بالظاهر، لأن الذي يقتضيه الظاهر أن الأبصار لا تراه، ونحن كذلك نقول. قيل له: إن الله تعالى تمدَّح بنفي الرؤية عن نفسه، فلا بُدَّ أن يحمل على وجهٍ تقعُ فيه البينونة (٢) بينه وبين غيره من الذوات حتى يدخل في باب التَّمدُّح، ولا تقع البينونة بينه وبين غيره من الذوات (٣)، بهذا الذي ذكرتموه لأن الأبصار كما لا تراه فكذلك لا ترى غيره. وبعد، فإن المراد بالأبصار: المبصرون، إلاَّ أنه تعالى علَّق (٤) الإدراك بما هو آلةٌ فيه وعنى به الجملة. ألا ترى أنهم يقولون: مشتْ رجلي، وكتبتْ يدي، وسمعت أُذني، ويريدون الجملة، وعلى هذا المثل السائر: يداك أو كتا وفُوك نَفَخَ (٥). ثم إن لتعليق الشيء بما هو آلة فيه فائدةٌ ظاهرةٌ، لا تحصل تلك الفائدة إذا علقت بالجملة.

стр. 1950

بيان ذلك أن أحدنا إذا قال: كتبتُ (١)، يحتمل أن يكون قد كتبه بنفسه، ويحتمل أن يكون استكتب غيره، وليس كذلك إذا قال: كتبت يدي، ومشت رجلي، فإنه لا يحتمل ذلك. وبعد: فإن هذا تأويلٌ بخلاف تأويل المفسرين، فإن المفسرين من لدن الصحابة إلى يومنا هذا على أن المراد بالأبصار: المبصرون، إلاَّ أنهم اختلفوا، فمن قائل: لا يُدرِكُهُ المبصرون في دار الدُّنيا، ومِنْ قائل: لا يدركه المبصرون في حال من الأحوال، وكل تأويل يكون بخلاف تأويل المفسرين كفتوى (٢) تكون بخلاف فتوى المفتين. فإن قيل: لو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصارُ﴾ المبصرون، لوجب مثله في قوله: ﴿وهو يُدرِكُ الأبصارَ﴾ أن يكون المبصرين، ليكون النفي مطابقاً للإثبات، وهذا يقتضي أن يرى القديم نفسه، لأنه من المبصرين، وكل من قال: إنه تعالى يرى نفسه، قال: يراه غيره. قيل له: إنه تعالى -وإن كان مبصراً- فإنما يرى ما كان يدرك (٣) وتصِحُّ رؤيته، ونفسه يستحيل أن ترى لما قدمناه أنه تمدح بنفي الرؤية تمدُّحاً راجعاً إلى ذاته، وما كان نفيه مدحاً راجعاً إلى ذاته، كان إثباته نقصاً، والنقص لا يجوز على الله تعالى. وبعد: فإن المراد بقوله: ﴿لا تدركه الأبصارُ﴾ المبصرون بالأبصار، فكذلك في قوله: ﴿وهو يُدرك الأبصَار﴾، يجب أن يكون هذا هو المراد، ليكون النفي مطابقاً للإثبات، والله تعالى ليس من المُبْصِرين بالأبصار. فلا يلزم ما ذكرتموه.

стр. 1951

وبعدُ: فلا يجوز مِنَ الله تعالى أن يُجمَعَ بينه وبين غيره في الخطاب، بل يجب أن يُفرَدَ بالذكر تأديباً لنا، وتعليماً للتعظيم، وعلى هذا فإن أمير المؤمنين ﵇ لمَّا سمعَ خطيباً يقول: " مَنْ أطاع (١) الله ورسوله فقد رَشَدَ، ومن يَعْصِهما فقد غوى " فنهى عن الجمع بينَ الله ورسوله في الذِّكر إعظاماً وإجلالاً لله جلّ ذكره (٢). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأبصَارُ وهو يُدرِكُ الأبصار﴾ عامٌ في الدَّار (٣) الدنيا ودارِ الآخرة. وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] خالصٌّ في دار الآخرة، ومن حقِّ العامِّ أن يُبنى (٤) على الخاص، كما أن من حق المُطلق أن يُبنى على المقيَّد. ورُبما يستدلِّون بهذه الآية ابتداء على أنه تعالى يُرى في دار الآخرة. وجوابنا أن العام إنما يُبنى على الخاص إذا أمكن تخصيصه، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص، لأنه تعالى تمدَّح بنفي الرؤية تمدُّحاً يرجع إلى ذاته (٥)، وما كان نفيه مدحاً راجعاً إلى ذاته، كان إثباته نقصاً، والنَّقصُ لا يجوز على الله تعالى (٦). وبعد: فإن هذه الآية إنما تخصِّصُ تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يُرى (٧)

стр. 1952

في حالٍ من الأحوال، وليس في الآية ما يقتضي ذلك، لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية. هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه. فأمَّا إذا استدلُّوا به ابتداءً، فالجواب عليه أن يقال لهم: ما وجه الاستدلال بهذه الآية؟ فإن قالوا: إنه تعالى بيَّن أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه والنظر هو معنى الرؤية. قلنا: لا نسلِّم أن النظر بمعنى الرؤية، فما دليلُكم على ذلك؟ فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً. ثم يقال لهم: كيف يصح أن يكون النظر بمعنى الرؤية؟ ومعلومٌ أنهم يقولون: نظرت إلى الهلال، فلم أره، فلو كان أحدهما هو الآخر، لتناقض الكلام، وتنزَّل منزلة قول القائل: رأيتُ الهلال، وما رأيتُ، وذلك متناقضٌ (١) فاسدٌ. وبعد: فإنَّهم يجعلون الرُّؤية غايةً للنظر، فيقولون: نظرتُ حتى رأيت. فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان بمنزلة أن يُجعَلَ الشيء غايةً لنفسه، وذلك لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يُقال: رأيت حتى رأيت. وبعد: فإنهم يُعْقِبُونَ النظر بالرؤية، فيقولون: نظرت فرأيت، فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان في ذلك تعقيبُ الشيء بنفسه، ويُنزل (٢) منزلة قولك: رأيت فرأيت، وهذا لا يستقيم. وبعد: فإنهم يُنَوِّعُون النظر، فيقولون. نظرتُ نَظَرَ (٣) راضٍ، ونظرت نظر غضبان، ونظرت نظر شزْرٍ. وعلى هذا قول (٤) الشاعر: نظروا إليكَ بأعيُنٍ مُزْورَّةٍ ... نَظَرَ التُّيوسِ إلى شِفَارٍ الجَازِرِ

стр. 1953

خُزْرَ (١) الحواجِبِ ناكسي أذقانِهم (٢) ... نَظَرَ الذَّليلِ إلى العَزيزِ القَاهِرِ وقال آخر (٣): تُخَبِّرُني العَيْنَانِ ما الصَّدْرُ كَاتِمٌ ... وما جَنٌّ بالبغضاءِ والنَّظرِ الشَّزْر وأيضاً فإنهم يقولون في تفسير الأقبل -وهو الأحول- هو الذي إذا نظر إليك كأنه ينظر إلى غيرك، فلو كان النظر هو الرؤية، لكان تقديره هو الذي إذا رآك كأنه يرى غيرك، وهذا لا يستقيم. وبعد، فإنا نعلم ضرورة كون الجماعة ناظرين إلى الهلال، ولا نعلم كونهم رائين له ضرورة، ولهذا يَصِحُّ أن يسأل عن ذلك. فلو كان أحدهما هو الآخر، لم يَجُزْ ذلك. ويدلُّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وتراهُم ينظُرُون إليك وَهُم لا يُبْصِرُون﴾ [الأعراف: ١٩٨]، أثبث النظر، ونفي الرؤية. فلو كان أحدهما بمعنى الآخر، لتناقض الكلام، وتنزَّل منزلة قول القائل، يَرَوْنَك ولا يَرَوْنَكَ. وذلك خُلْفٌ من الكلام. فإن قيل: إن ذلك مجازٌ، لأنه ورد في شأن الأصنام. قلنا: إنه -وإن كان كذلك- إلاَّ أن المجاز كالحقيقة في أنه لا يصح التناقض. وحاصل هذه الجملة: أن النظر من الرؤية بمنزلة الإصغاء من السماع، والذوق من إدراك الطَّعم، والشَّمِّ من إدراك الرَّائحة. فإن قيل: النظر إذا أُطلِقَ يحتملُ معاني كثيرةً كما ذكرتموه، فأما إذا عُلِّق بالوجه، فلا يحتمل إلاَّ الرؤية، كما إذا عُلِّق بالقلب لا يحتمل إلاَّ الفكر، وربما

стр. 1954

يقولون: إن النظر إذا غُلِّق بالوجه وعُدِّي بـ " إلى "، لم يحتمل إلاَّ الرؤية. قلنا: ما ذكرتموه أولاً فممَّا لا نسلمه، فما دليلكم عليه؟. فإن قالوا: الدليل عليه هو أن الآلة التي يرى بها الشيء في الوجه، فيجب في النظر إذا عُلِّق به أن لا يحتمل إلاَّ الرؤية، لأنه لو لم يكن كذلك، لكان لا تثبت لتعليقه (١) به فائدة. قلنا: لو وجب صحة ما ذكرتموه من حيث إن الآلة التي يرى بها في الوجه، لوجب صحة أن يقول (٢) القائل: ذُقتُ بوجهي، ويريد به: أدركت الطعم، لأن آلة الذوق في الوجه. وهكذا في قوله: شممتُ بوجهي. وقد عُرِفَ خلافه. وأما ما قالوه من أن النظر إذا عُلق بالوجه، وعدي بـ " إلى " لم يحتمل إلا الرؤية، فسنتكلَّم عليه إن شاء الله تعالى. فإن قيل: النظر المذكور في الآية إذا لم يُفِدِ الرؤية، فما تأويل الآية؟ قيل له: قد قيل: إنَّ النظر المذكور ها هنا بمعنى الانتظار، فكأنه تعالى قال: وجوهٌ يومئذ ناضرة لثواب ربِّها منتظرة، والنظر بمعنى الانتظار قد ورد، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى ميسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: انتظار، وقال حاكياً عن بلقيس: ﴿فناظِرَةٌ بِمَ يرجِعُ المُرسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، أي منتظرة. وقال الشاعر: فإن يكُ صدرُ هذا اليوم وَلَّى ... فإنَّ غداً لِنَاظِرِهِ قريبُ (٣)

стр. 1955

وقال آخر: وإنَّ امرءاً يرجو السبيل إلى الغِنَى ... بغيرك عن حَدِّ الغِنَى جدُّ حَائر يراهُ (١) على قُربٍ وإن بَعُدَ المَدَى ... بأعيُنِ آمالٍ إليك نواظِرِ وقال آخر: وُجُوهٌ يومَ بدرٍ ناظراتٌ ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص (٢) وقال الخليل: تقول العرب: إنما أنظر إلى الله تعالى وإلى فلان من بين الخلائق، أي: أنتظر خيره، ثم خير فلان. فإن قيل: النظر إذا عُدِّي بـ " إلى " كيف يجوز أن يكون بمعنى الانتظار؟ قلنا: كما قال : ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. ذكر النظر، وعدَّاه بـ " إلى " وأراد به الانتظار، كما تقول العرب على ما قال الخليل. وقال الشاعر:

стр. 1956

إنِّي إليك لما وَعَدْتَ لَنَاظِرٌ ... نَظَرَ الفقيرِ إلى الغَنِيِّ المُوسِرِ (١) فإن قيل: إن النظر إذا عُلِّق بالوجه، وعدي بـ " إلى "، كيف يراد به الانتظار؟ قلنا: إن ذلك غير ممتنعٍ، وعلى هذا قول الشاعر: وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص على أن " إلى " في الآية -على ما قيل- ليس بحرف جرٍّ ولا حرف التعدية، وإنما، هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، نعمة (٢) ربها ناظرة أي منتظرة، ونِعمَه مترقِّبة. وقد أجاب شيخنا أبو عبد الله البصري بأن النظر إذا كان بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة تعدَّى بـ " إلى " وكذلك إذا كان بمعنى الانتظار، ولا يمتنعُ أن يُعدّى بـ " إلى "، لأن المجازات يُسلك بها مسلك الحقائق، وهذه إشارةٌ إلى أن النظر بمعنى الانتظار مجازٌ، وحقيقته (٣): تقليب الحَدَقَة الصحيحة، وليس كذلك، لأن النظر لفظةٌ مشتركةٌ بين معانٍ كثيرةٍ على ما مرّ. وبعد: فإذا جاز تعليق (٤) النظر بالعين، ويراد به الانتظار، جاز أن يُعلَّق بالوجه أيضاً، ويُراد به الانتظار. ومعلوم أنهم يعلقون (٥) النظر بالعين، ويُعدُّونه بـ " إلى "، ويريدون به (٦) الانتظار. وعلى هذا قال (٧) الشاعر: يَراه على قُرْبِ وإن بَعُدَ المدى ... بأعيُنِ آمالٍ إليك نَوَاظِرِ على أن الوجه ها هنا ليس بمقصودٍ، وأن المقصود صاحب الوجه، كما قال

стр. 1957

الله : ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤، ٢٥]. ومعلومٌ أن الوجوه لا تظُنُّ، وإنما أصحاب الوجوه يظنون، وهذا هو التَّأويلُ الأول، والكلام عليه. وأما التأويل الثاني، فهو أن النظر بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة، فكأنه قال تعالى: وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة. ذكر نفسه، وأراد غيره، كما قال في موضعٍ آخر: ﴿واسألِ القريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهل القرية. وقال: ﴿إني ذَاهبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى حيث أمرني ربي، وقال تعالى: ﴿وجاء ربُّك﴾ [الفجر: ٢٢] أي: أمر ربك. وقال الشاعر (١): هلاَّ سألتِ الخيلَ يا ابنة (٢) مالكٍ ... إن كُنْتِ جاهلة بما لم تعلمي (٣) أي: أرباب الخيل، وقال جميل: سَلِ الرَّبْعَ أنَّى يَمَّمَتْ أمُّ مالكٍ ... وهل عادةٌ للربع أن يَتَكَلَّما (٤) فكِلا التأويلين مرويَّان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وعن عبد الله بن العباس، وجماعةٍ من الصحابة ﵃. قالوا على التأويل الأول: هذه الآية وردت في شأن أهل الجنة، فكيف يجوز أن تكون بمعنى الانتظار؟! لأن الانتظار (٥) يورِثُ الغمَّ والمشقَّة، ويؤدي إلى التَّنغيص (٦) والتكدير، حتَّى يقال في المثل: الانتظارُ يُورِثُ الاصفرار،

стр. 1958

والانتظار الموت الأحمر، وهذه الحالة غير جائزةٍ على أهل الجنة. وجوابنا أن الانتظار لا يقتضي تنغيص العيش على كل حال، وإنما يوجب ذلك متى كان المنتظر لا يتيقَّن حصول ما ينتظره إليه، أو يكون في حبسٍ، ولا يدري متى يتخلص من ذلك، وهل يتخلص، أم لا؟ فإنه -والحال هذه- يكون في غمٍّ وحسرةٍ. فأمَّا إذا تيقَّن وصوله إليه، فلا يكون في غمٍّ وحسرةٍ، خاصة إذا كان حال انتظاره في أرغد عيشٍ وأهناه. ألا ترى أنَّ من كان على مائدة قومٍ، وعليها ألوان الأطعمة اللذيذة، يأكل منها ويلتذُّ بها، وينتظر لوناً آخر، ويتيقن وصوله، فإنه لا يكون في تنغيصٍ وتكدير، بل يكون في سرورٍ متضاعفٍ، حتى لو قُدِّم إليه الأطعمة كلها دفعة واحدة لتبرَّم بها، كذلك حال أهل الجنة لا يكونون في غمٍّ وتنغيص إذا كانوا يتيقنون وصولهم إلى ما ينتظرون على كل حال. وللقوم شُبَهُ في هذا الباب: من جملتها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قالوا: بين الله تعالى (١) أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه، وهذا يدل على كونه مرئيّاً على ما نقوله. والأصل في الكلام عليهم أن نمنعهم من الاستدلال بالسمع، لأن (٢) الاستدلال بالسمع ينبني على أنه تعالى عَدْلٌ، حكيم، لا يُظهر المُعْجِز على الكذابين، والقوم لا يقولون بهذا، فلا يمكنهم الاستدلال بالسمع أصلاً على شيءٍ، وعلى (٣) أنا قد بينا أن النظر ليس هو الرؤية. وتكلمنا عليه، فلا وجه لإعادته. ومما يتعلقون به: قوله تعالى: ﴿ربِّ أرني أنظُرْ إليكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قالوا: فهذا سؤالٌ، وقد سأل موسى الله الرؤية، فدلَّ على أنها جائزة على الله تعالى، فلو استحال ذلك، لم يجُزْ أن يسأله، والذي يدلُّ على أن

стр. 1959

السؤال سؤال موسى ﵇: وجهان: أحدهما أنه أضاف السؤال إلى نفسه. والثاني: أنه تاب، والتوبة لا تصحُّ إلاَّ من فعل النفس. وقد أجاب شيخنا أبو الهذيل عن هذا بأن الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولا اعتماد عليه، لأن الرؤية إنما تكون بمعنى العلم متى تجرَّدت، فأمَّا إذا قارنها النظر، فلا تكون بمعنى العلم. فالأولى ما ذكره غيره من مشايخنا، وهو أن السؤال لم يكن سؤال موسى ﵇، وإنما كان سؤالاً عن قومه، والذي يدلُّ عليه قوله تعالى لمحمَّد ﷺ : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فصرَّح الله تعالى بأن القوم الذين حملوه على هذا السؤال. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى حاكياً عن موسى عليه الكلام: ﴿أتُهلِكُنَا بما فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فبين أن السوال سؤالٌ عن قومه، وأن الذنب ذنبهم. فإن قيل: لولا أن الرؤية غير مستحيلةٍ على الله تعالى، وإلاَّ لما جاز أن يسأله (١) لا عن نفسه ولا عن قومه، كما لا يجوز أن يسأل الله الصاحبة والولد لما كان مستحيلاً عليه. قلنا: فرق بينهما، لأن مسألة الرؤية يمكن معرفتها بالسمع، فجاز أن يطلب فيها دلالة سمعية بخلاف مسألة الصاحبة والولد. وقد قيل: إنه علم أن الرؤية مستحيلة على الله جل وعز، ولكنه سأله عن ذلك، لأن الأمة لم يكن نَفَعَهُم (٢) جوابه، فسأل الله سبحانه لِيَردَ من جهته جوابٌ (٣) يُقْنِعُهُم. فأمَّا ما ذكروه

стр. 1960

في الصاحبة والولد، فلا يصح، لأنه إنما لم يسأل، لا لأن الصاحبة والولد مستحيلٌ على الله تعالى، والرؤية غير مستحيلةٍ، بل لأنهم لا يطلبون منه ذلك، حتى لو قدَّرنا أنهم طلبوا منه ذلك، وعَلِمَ أنه لا يُقنعهم، لجاز أن يسأل الله تعالى ذلك، وقد قيل: إن بين الموضعين فرقاً، لأن إحدى المسألتين لا يمكن أن يُستدلَّ عليها بالسمع والأخرى يُمكن ذلك فيها، ففارق أحدُهما الآخر. وأما ما ذكروه من أن السؤال سؤال موسى عليه التسلام، لأنه أضاف الرؤية (١) إلى نفسه بقوله: ﴿ربِّ أرني أنظُر إليك﴾، فلا يصح، لأنه غير ممتنع أن يكون السؤال سؤال قومه، ثم إنه يضيفه إلى نفسه، وهذا ظاهرٌ في الشاهد. ألا ترى أن الكبير منَّا إذا شَفَعَ لغيره في حاجةٍ، ربما يقول: اقضِ حاجتي، وأنْجِح طَلِبَتِي (٢)، وما جرى هذا المجرى، فيُضِيفُه إلى نفسه، وإن كانت الحاجة حاجة غيره. وأما ما قالوه من أن السؤال سؤال موسى، لأنه تاب من ذلك، والتوبة لا تصح إلاَّ من فعل نفسه، فلا تصح أيضاً، لأن توبته هو، لأنه سأل الله تعالى بحضرة القوم بغير إذنٍ، ولا يجوز من (٣) الأنبياء أن يسألوا الله تعالى بحضرة الأمة من غير إذنٍ سمعيّ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح في أن لا يُجابوا، فيكون ذلك تنفيراً عن قبول قوله. وأما الصاعقة، فلم يكن ذلك عقوبةً، وإنما كان امتحاناً وابتلاءً، كما امتحن الله غيره من الأنبياء، وهده الآية حجة لنا عليهم من وجهين: أحدهما هو أنه تعالى قال مُجيباً لسؤاله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾، و" لن " موضوعةٌ للتأبيد، فقد نفي أن يكون مرئياً ألبتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه.

стр. 1961

فإن قالوا: أليس أنه قال تعالى حاكياً عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: لا يتمنَّون الموت، ثم قال حاكياً عليهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فكيف يقال: إن " لن " موضوعٌ للتأبيد؟ قلنا: إن " لن " موضوعةٌ للتأبيد، ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلاَّ حقيقة، بل لا يمتنعُ أن يستعمل مجازاً، وصار الحال فيه كالحال في قولهم: أسدٌ، وخنزيرٌ، وحمارٌ، فكما أن موضوعها (١) وحقيقتها لحيوانات مخصوصةٍ، ثم يُستعمل في غيرها على سبيل التوسع والمجاز، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها، كذلك ها هنا. والوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية: هو أنه تعالى قال: ﴿لن تراني ولكن انظُر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني﴾ علَّق الرؤية باستقرار الجبل، فلا يخلو: إما أن يكون علَّق الرؤية باستقراره بعد تحرُّكه وتَدَكْدُكِهِ، أو علَّقها به حال تحرُّكه، لا يجوز أن تكون الرؤية قد علقها باستقرار الجبل بعد تحركه، لأن الجبل قد استقر، ولم ير موسى ربَّه، فيجب أن يكون قد علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه، دالاً بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه. ويكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وأشباهه. ومما يتعلقون به: قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يومَ يَلْقَوْنَهُ سلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها ذِكْرُ اللقاء، والأصل في الجواب (٢) عن ذلك أن اللقاء ليس (٣) هو بمعنى الرؤية، ولهذا استُعمل (٤) أحدهما حيث

стр. 1962

لا يُستعمل الآخر. وعلى هذا، فإن الأعمى يقول: لقيت فلاناً، وجلست بين يديه، وقرأت عليه، ولا يقول: رأيته. وكذلك يسأل أحدهم غيره: هل لقيت (١) المَلِكَ؟ فيقول: لا، ولكني رأيته على القصر، فلو كان أحدهما بمعنى الآخر، لم يَجُزْ ذلك، فثبت أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية، وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازاً. وإذا ثبت ذلك، فيجب أن تُحْمَلَ هذه الآية على وجهٍ (٢) يُوافِقُ دلالة العقل، فنقول: المراد بقوله تعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ [الأحزاب: ٤٤]، أي: يوم يلقون ملائكته، كما قال في موضع آخر: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وأما قوله جل وعز: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثواب ربه، ذكر نفسه وأراد غيره. كما قال في موضع آخر (٣): ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢]، أي: إلى طاعة العزيز الغفار (٤). وقال تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي (٥): إلى حيث أمرني ربي. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ ربُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء أمر ربك. ﴿واسألِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية. ونظائر هذا أكثر من أن تحصر. وبعد: فلو كانت هذه الآية دالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى، لوجب في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] أن (٦) يدل على أن المنافقين يرونه وهم لا يقولون (٧) بذلك، فليس إلاَّ أن الرؤية مستحيلةٌ على الله تعالى في كل حالٍ وأن لقاءه بهذه الآية محمولٌ على عقابه، كما في تلك الآية محمولٌ على لقاء ثوابه (٨) أو لقاء ملائكته، وفي الحكاية أن

стр. 1963

قاضياً من القضاة استدلَّ بقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] على أنه تعالى مرئيٌّ، فاعترض عليه ملاَّح فقال: إنه ليس اللقاء بمعنى الرؤية، لأن أحدهما يُستعمل حيث لا يستعمل الآخر، بل يثبت أحدهما وينفي الآخر، ولا يتناقض الكلام، وقال: فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية، لم يختلف الحال فيه بالمؤمنين والمنافقين، وقد قال الله : ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فيجب أن يدل على أن المنافقين يرونه. فقال له القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: من رجلٍ بالبصرة يقال له أبو علي بن عبد الوهاب الجُبَّائي. فقال: لعن الله ذلك الرجل، فقد بثَّ الاعتزال في الدنيا، حتى سلَّط الملاَّحين على القضاة. ومما يتعلَّقون به: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قالوا: بيَّن الله تعالى أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله تعالى، وهذا يدل على أن المؤمنين لا يُحجبون، وفي ذلك ما يقوله. والأصل في الجواب عن ذلك: أن هذا استدلالٌ بدليل الخطاب، وذلك لا يُعتمدُ في فروع الفقه، فكيف في أصول الدين؟ وبعد: فليس في ظاهر الآية ما يدلُّ علي أن الكفار يوم القيامة يحجبون عن رؤية الله تعالى، لأنه تعالى (١) قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولم يقل: عن رؤية (٢) ربهم. ومتى قالوا: المرادُ بقوله: عن ربهم: عن رؤية ربهم، قلنا: ليس كذلك، بل المراد: عن ثواب ربهم. لأنكم إذا عدلتم عن الظاهر، فلستم بالتأويل أولى منا فنحمله على وجه يُوافِقُ دلالة العقل. ومما يتعلقون به: إجماع الصحابة. قالوا: أتَّفقت الصحابة على أنه تعالى يُرى، وإجماعهم حجة، فيجب القضاء بأنه تعالى مرئيٌّ.

стр. 1964

قلنا: لا يمكن ادّعاء إجماع الصحابة على ذلك، فقد رُوِي عن عائشة لما سمِعَتْ قائلاً يقول: إن محمداً رأي ربه، فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت ثلاثاً من زعم أن محمداً رأي ربه، فقد أعظم الفِرْيَةَ على الله ثم تلت قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). وبعد، فمعلومٌ من حال أمير المؤمنين علي ﵇، وأكابر الصحابة أنهم كانوا ينفون الرؤية عن الله تعالى، وأنت إذا نظرت (٣) في خُطَب أمير المؤمنين، وجدتها مشحونةً بنفي الرؤية عن الله، فبطل ما قالوه، والحمد لله. ومما يتعلقون به: أخبارٌ مرويَّةٌ عن النبي ﷺ ، وأكثرها (٤) يتضمَّن الجبر (٥) والتشبيه، فيجب القطع بأنه ﷺ لم يقلهُ، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ، والراوي حذف الحكاية، ونقل الخبر من جملتها، وهو أسف (٦) ما يتعلقون به ما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: " سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " (٧). قلنا (٨): في الجواب عن هذا طرق ثلاث: أحدها: هو أن هذا الخبر يتضمن الجبر (٩) والتشبيه، لأنا لا نرى القمر إلا عالياً مُدَوَّرَاً مُنَوراً، ومعلوم أنه لا يجوز أن يُرى القديم على هذا الحدِّ، فيجب أن يُقطع أنه كذبٌ على النبي ﷺ لم يقله، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ

стр. 1965

على ما ذكرناه. والطريقة الثانية: هو أن هذا الخبر يُروى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليِّ، عن النبي ﷺ ، وقيسٌ هذا مطعونٌ من وجهين: أحدهما: أنه كان يرى (١) رأي الخوارج، يُروى أنه قال: منذ سمعت عليّاً على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب -يعني أهل النهروان- دخل بغضه قلبي، ومن دخل بغض أمير المؤمنين (٢) قلبه، فأقلُّ أحواله ألاَّ يُعتمد على قوله، ولا يُحتجَّ بخبره (٣). والثاني: قيل: إنه خُولِطَ في عقله آخر عمره، والكتبة يكتبون عنه -على عادتهم (٤) - في حال عدم التمييز، ولا ندري أن هذا الخبر رواه وهو صحيح العقل أم مختلط العقل (٥)، يُحكى عنه أنه قال لبعض الناس: اعطني درهما أشتري به عصاً أضرب بها الكلاب، وهذا من أفعال المجانين. ويقال (٦) أيضاً. إنه كان محبوساً في بيت، فكان يضرب بيده على الباب، فكلما طقطق، ضحك، فلا يمكن الاحتجاج (٨) بقوله، لأنَّ هذا دلالة الجنون عليه (٩). والطريقة الثالثة: أن يقال: إن صحَّ هذا الخبر، وسَلِمَ، فأكثرُ ما فيه أن
следующие страницы →