← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فإن قالوا: أليس أنه قال تعالى حاكياً عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: لا يتمنَّون الموت، ثم قال حاكياً عليهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فكيف يقال: إن " لن " موضوعٌ للتأبيد؟ قلنا: إن " لن " موضوعةٌ للتأبيد، ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلاَّ حقيقة، بل لا يمتنعُ أن يستعمل مجازاً، وصار الحال فيه كالحال في قولهم: أسدٌ، وخنزيرٌ، وحمارٌ، فكما أن موضوعها (١) وحقيقتها لحيوانات مخصوصةٍ، ثم يُستعمل في غيرها على سبيل التوسع والمجاز، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها، كذلك ها هنا. والوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية: هو أنه تعالى قال: ﴿لن تراني ولكن انظُر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني﴾ علَّق الرؤية باستقرار الجبل، فلا يخلو: إما أن يكون علَّق الرؤية باستقراره بعد تحرُّكه وتَدَكْدُكِهِ، أو علَّقها به حال تحرُّكه، لا يجوز أن تكون الرؤية قد علقها باستقرار الجبل بعد تحركه، لأن الجبل قد استقر، ولم ير موسى ربَّه، فيجب أن يكون قد علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه، دالاً بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه. ويكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وأشباهه. ومما يتعلقون به: قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يومَ يَلْقَوْنَهُ سلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها ذِكْرُ اللقاء، والأصل في الجواب (٢) عن ذلك أن اللقاء ليس (٣) هو بمعنى الرؤية، ولهذا استُعمل (٤) أحدهما حيث

стр. 1962

لا يُستعمل الآخر. وعلى هذا، فإن الأعمى يقول: لقيت فلاناً، وجلست بين يديه، وقرأت عليه، ولا يقول: رأيته. وكذلك يسأل أحدهم غيره: هل لقيت (١) المَلِكَ؟ فيقول: لا، ولكني رأيته على القصر، فلو كان أحدهما بمعنى الآخر، لم يَجُزْ ذلك، فثبت أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية، وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازاً. وإذا ثبت ذلك، فيجب أن تُحْمَلَ هذه الآية على وجهٍ (٢) يُوافِقُ دلالة العقل، فنقول: المراد بقوله تعالى: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ [الأحزاب: ٤٤]، أي: يوم يلقون ملائكته، كما قال في موضع آخر: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وأما قوله جل وعز: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثواب ربه، ذكر نفسه وأراد غيره. كما قال في موضع آخر (٣): ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢]، أي: إلى طاعة العزيز الغفار (٤). وقال تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي (٥): إلى حيث أمرني ربي. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ ربُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء أمر ربك. ﴿واسألِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية. ونظائر هذا أكثر من أن تحصر. وبعد: فلو كانت هذه الآية دالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى، لوجب في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] أن (٦) يدل على أن المنافقين يرونه وهم لا يقولون (٧) بذلك، فليس إلاَّ أن الرؤية مستحيلةٌ على الله تعالى في كل حالٍ وأن لقاءه بهذه الآية محمولٌ على عقابه، كما في تلك الآية محمولٌ على لقاء ثوابه (٨) أو لقاء ملائكته، وفي الحكاية أن

стр. 1963

قاضياً من القضاة استدلَّ بقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] على أنه تعالى مرئيٌّ، فاعترض عليه ملاَّح فقال: إنه ليس اللقاء بمعنى الرؤية، لأن أحدهما يُستعمل حيث لا يستعمل الآخر، بل يثبت أحدهما وينفي الآخر، ولا يتناقض الكلام، وقال: فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية، لم يختلف الحال فيه بالمؤمنين والمنافقين، وقد قال الله : ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، فيجب أن يدل على أن المنافقين يرونه. فقال له القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: من رجلٍ بالبصرة يقال له أبو علي بن عبد الوهاب الجُبَّائي. فقال: لعن الله ذلك الرجل، فقد بثَّ الاعتزال في الدنيا، حتى سلَّط الملاَّحين على القضاة. ومما يتعلَّقون به: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قالوا: بيَّن الله تعالى أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله تعالى، وهذا يدل على أن المؤمنين لا يُحجبون، وفي ذلك ما يقوله. والأصل في الجواب عن ذلك: أن هذا استدلالٌ بدليل الخطاب، وذلك لا يُعتمدُ في فروع الفقه، فكيف في أصول الدين؟ وبعد: فليس في ظاهر الآية ما يدلُّ علي أن الكفار يوم القيامة يحجبون عن رؤية الله تعالى، لأنه تعالى (١) قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ولم يقل: عن رؤية (٢) ربهم. ومتى قالوا: المرادُ بقوله: عن ربهم: عن رؤية ربهم، قلنا: ليس كذلك، بل المراد: عن ثواب ربهم. لأنكم إذا عدلتم عن الظاهر، فلستم بالتأويل أولى منا فنحمله على وجه يُوافِقُ دلالة العقل. ومما يتعلقون به: إجماع الصحابة. قالوا: أتَّفقت الصحابة على أنه تعالى يُرى، وإجماعهم حجة، فيجب القضاء بأنه تعالى مرئيٌّ.

стр. 1964

قلنا: لا يمكن ادّعاء إجماع الصحابة على ذلك، فقد رُوِي عن عائشة لما سمِعَتْ قائلاً يقول: إن محمداً رأي ربه، فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت ثلاثاً من زعم أن محمداً رأي ربه، فقد أعظم الفِرْيَةَ على الله ثم تلت قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٢). وبعد، فمعلومٌ من حال أمير المؤمنين علي ﵇، وأكابر الصحابة أنهم كانوا ينفون الرؤية عن الله تعالى، وأنت إذا نظرت (٣) في خُطَب أمير المؤمنين، وجدتها مشحونةً بنفي الرؤية عن الله، فبطل ما قالوه، والحمد لله. ومما يتعلقون به: أخبارٌ مرويَّةٌ عن النبي ﷺ ، وأكثرها (٤) يتضمَّن الجبر (٥) والتشبيه، فيجب القطع بأنه ﷺ لم يقلهُ، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ، والراوي حذف الحكاية، ونقل الخبر من جملتها، وهو أسف (٦) ما يتعلقون به ما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: " سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " (٧). قلنا (٨): في الجواب عن هذا طرق ثلاث: أحدها: هو أن هذا الخبر يتضمن الجبر (٩) والتشبيه، لأنا لا نرى القمر إلا عالياً مُدَوَّرَاً مُنَوراً، ومعلوم أنه لا يجوز أن يُرى القديم على هذا الحدِّ، فيجب أن يُقطع أنه كذبٌ على النبي ﷺ لم يقله، وإن قال، فإنما قال حكايةً عن قومٍ

стр. 1965

على ما ذكرناه. والطريقة الثانية: هو أن هذا الخبر يُروى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليِّ، عن النبي ﷺ ، وقيسٌ هذا مطعونٌ من وجهين: أحدهما: أنه كان يرى (١) رأي الخوارج، يُروى أنه قال: منذ سمعت عليّاً على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب -يعني أهل النهروان- دخل بغضه قلبي، ومن دخل بغض أمير المؤمنين (٢) قلبه، فأقلُّ أحواله ألاَّ يُعتمد على قوله، ولا يُحتجَّ بخبره (٣). والثاني: قيل: إنه خُولِطَ في عقله آخر عمره، والكتبة يكتبون عنه -على عادتهم (٤) - في حال عدم التمييز، ولا ندري أن هذا الخبر رواه وهو صحيح العقل أم مختلط العقل (٥)، يُحكى عنه أنه قال لبعض الناس: اعطني درهما أشتري به عصاً أضرب بها الكلاب، وهذا من أفعال المجانين. ويقال (٦) أيضاً. إنه كان محبوساً في بيت، فكان يضرب بيده على الباب، فكلما طقطق، ضحك، فلا يمكن الاحتجاج (٨) بقوله، لأنَّ هذا دلالة الجنون عليه (٩). والطريقة الثالثة: أن يقال: إن صحَّ هذا الخبر، وسَلِمَ، فأكثرُ ما فيه أن

стр. 1966

يكون خبراً من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يقتضي العلم، ومسألتنا طريقها القطع والثبات، وإذا صحت هذه الجملة، بطل ما يتعلقون به. ثم إن هذا الخبر مُعَارَضٌ بأخبارٍ رُوِيَت، منها ما روى أبو قِلابة، عن أبي ذرِّ قال: قلت للنبي ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: " نورٌ هو؟ أنَّى أراه " (١)، أي: أنورٌ هو؟ كيف أراه، فحذف همزة الاستفهام جرياً على طريقتهم في الاختصار، وعلى هذا قول الشاعر: فوالله ما أدري وإن كنتُ دارِياً ... بسبعٍ رَمَيْنَ الجمر أمْ بِثَمانِ (٢) وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله أنه قال: " لن يرى الله أحدٌ، لا في الدنيا ولا في الآخرة " (٣). وقد قيل لعليٍّ ﵇: هل رأيت ربك؟ فقال: ما كنت لأعبدَ شيئاً لم أره، فقيل: كيف رأيت؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، موصوفٌ بالآيات، معروفٌ بالدلالات هو الله الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم. ثم نتأوله على وجهٍ يُوافقُ دلالة العقل، فنقول: المرادُ به: سترون ربكم يوم القيامة، أي: ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر، وعلى هذا قال: " لا تضامون في رؤيته ": أي: لا تشكون فعقَّبه بالشكِّ. ولو كان

стр. 1967

بمعنى رؤية البصر، لم يَجُزْ ذلك، والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر (١). قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ إلى ربِّك كيفَ مَدَّ الظِّلّ﴾ [الفرقان: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وفي الشِّعر: رأيتُ الله إذ سمَّى نِزَارَا ... وأسْكَنَكُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنينَا أي: علمت. وقال حاتم طيىء: أماويُّ إن يُصبِحْ صَدَايَ بقَفرَةٍ (٢) ... مِنَ الأرضِ لا ماءٌ لَدَيَّ ولا خَمْرُ تري أن ما أنفقتُ لم يكُ ضَرَّني ... وأنَّ يَدِي مما بَخِلْتُ به صِفْرُ أمَاوِيُّ ما يُغْنِي الثراءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً، وضَاقَ بها الصَّدرُ (٣) [فإن] قالوا: النبي ﷺ أورد هذا الخبر مَوْرِدَ البشارة لأصحابه، وأيُّ بشارة في أن يعلموا الله تعالى في دار الآخرة؟ ومعلومٌ أنهم يعلمونه في دار الدنيا. قلنا: إنما بشَّرنا بالعلم الضروري. والعلم الضروري لا يثبت إلاَّ في دار الآخرة. فإن قال: أيُّ بشارة في أن يعلم الله تعالى ضرورة. قلنا: لئلا يلزم مؤنة (٤) النظر، وتعب الفكر. فإن قال: فيجوز (٥) على هذا أن يكون (٦) المنافقون والمؤمنون سواء، لأنهم

стр. 1968

يعرفون الله تعالى ضرورةً كالمؤمنين. قلنا: إن المنافقين والكفار إذا علموا الله تعالى ضرورةً، فلا يكون حالهم وحال المؤمنين سواءً، لأن المؤمنين إذا عرفوا الله تعالى ضرورة، وعلموا دوام ثوابهم، ازدادوا سروراً وفرحاً، ويكون عيشهم أهنأ وأرغد، وليس كذلك حال المنافقين، لأنهم إذا عرفوا الله تعالى ضرورة، وعلموا دوام عقابهم، ازدادوا غَمَّاً وحسرةً، وكانوا في عُقوبةٍ وعذابٍ. [فإن] قالوا: الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، نحو: رأيتُ فلاناً فاضلاً، ولا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليه إلاَّ إذا كانت بمعنى المشاهدة. قلنا: لا يمتنع أن يكون الأصل ما ذكرتموه، ثم نقتصر على أحد مفعوليه توسُّعاً ومجازاً، كما أن همزة التعدية إدا دخلت على (١) الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين يقتضي تعدِّيه إلى ثلاثة مفعولين، ثم قد يدخل على الفعل الذي هذه حاله، ويقتصر على مفعولين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، فأدخل الهمزة على الرؤية، واقتصر على مفعولين، على أن حال الرؤية إذا كان بمعنى العلم ليس بأكثر من حال العلم، ومعلوم أنهم يقتصرون في العلم على أحد مفعوليه، فيقولون ما أعلم ما (٢) في نفسك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. فإن قال: إن العلم هناك بمعنى المعرفة، فلهذا جاز أن يقتصر على أحد مفعولَيْهِ. قلنا: فَارْضَ مِنَّا بمثل هذا الجواب. فنقول: إنَّ الرؤية بمعنى المعرفة في

стр. 1969

الخبر، لأن المراد بقوله " سترون ربكم يوم القيامة "، أي ستعرفون ربكم يوم القيامة كما تعرفون القمر ليلة البدر، فلا يجبُ أن يتعدى إلى مفعولين (١). انتهى كلام المعتزلة، فمن أراد معرفة الحق في هذه المسألة، وكان من أهل الذكاء والفهم للأدلة الدقيقة المتعارضة نظر في كلام المعتزلة (٢) هذا وفي كلام أهل السنة السابق قبله، وجعل الفريقين كالخصمين، وكان كالحاكم بينهم بعد الجمع بين أطراف كلامهم والإنصاف في الحكم بينهم، ومن لم يكن كذلك، ولا كان أهلاً لذلك، فالإيمان بمراد الله تعالى على الجُملة يجزيه ويكفيه، والتَّعرُّض لما لا يُحسنُه يُطغيه ويُغويه، والله الهادي، وهو حسبنا ونعم الوكيل. الوهم السابع عشر: قال أيده الله: وأما الإجبار، فهو ظاهرٌ من مذاهبهم (٣) هذا محمد بن إسماعيل البخاري قال في " صحيحه " في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ما لفظه: ما خلقت أهل السعادة إلاَّ ليُوحِّدوني، وليس فيه حجة لأهل القدر (٤). انتهى.

стр. 1970

أقول: توهم (١) السيد أنه يمكنه الاحتجاج على أن البخاري جبريٌّ مما في " صحيحه "، وهذا لا يمكن السيد، لأنه قد سدَّ الطريق إلى صحة ما في " صحيح البخاري " عن البخاري، وذلك في أحاديث الفروع التي يكفي الظن في قبولها (٢)، فكيف بصحة ما (٣) في " البخاري " عنه في محل التكفير والتفسيق الذي يجب فيه التواتر عند السيد (٤)، فليرجع عن أحد المذهبين، فما يصح له الجمع بينهما. الوهم الثامن عشر: وَهِمَ السيد أن كلام البخاري هذا يدلُّ على الجبر، والجبر يستلزم الكفر، وهذا يستلزم أمرين: أحدهما (٥): القدح في الحديث بكون البخاري من رواته، وهذا كما تقدم في الوهم الخامس عشر في قدحه في الحديث برواية الإمام أحمد. وقد تقدم الجواب هناك، فراجعه. وخلاصته أنه من جهل الضروريات (٦) الذي لا دواء له إلاَّ سؤال أهل العلم وترك العناد، ونذكر هنا (٧) سيرة البخاري، وكلام العلماء فيه، أو يؤمر طالب الهداية (٨) بمطالعة ذلك، ومن مظانِّه كتاب " النبلاء " (٩). الأمر الثاني: رميُ المحدثين بالجبر، وهذا إغرابٌ عظيمٌ من مذهبهم، أو تحاملٌ شديدٌ عليهم، فإن أهل الحديث فرقةٌ غير الأشعرية، والأشعرية أربع فرقٍ، الجبرية منهم فرقةٌ واحدةٌ، والجبرية منهم أيضاً يقولون: بأن الاختيار إلى العبد أيضاً كما سيأتي بيانه في الوهم السابع والعشرين. وهذه الفرق الخمس

стр. 1971

مُجمعون على القول بصحة القدر، مع نفي أكثرهم للجبر، وتفسير أهل الجبر له بما يبقى معه الاختيار، فدل هذا على الفرق بين القدر والجبر عندهم وعند غيرهم. والفرقُ بينهما في غاية الوضوح لأهل العلم، وممن نصَّ على إثبات القَدَرِ ونفي الجبر: الخطَّابي في " معالم السنن " والنواوي في " شرح مسلم "، وأبو السَّعادات ابن الأثير في " جامع الأصول " وغيرهم. هذا في الكتب الموجودة في ديار الزيدية. وسيأتي في الوهم التاسع والعشرين ذكر أدلتهم على إبطال الجبر، بل ذكر دعواهم الضرورة في بُطلانه، بل تكفير جماعة منهم للقائل به. وبيان الوهم في كلام السيد أنه إمَّا أن يأخذ الجبر من قول (١) البخاري، " وليس فيه حجة لأهل القدر " أو من تأويل الآية، إن كان الأول، فهو لا يدلُّ على ما ذكره، وذلك لأن القدرية الخُلَّصَ عند المحدثين هم (٢) الذين يقولون: إن الله تعالي لا يعلمُ الغيب على ما ذكره النواوي في " شرح مسلم " والخطابي وغيرهما، لأنهم فسروا القدر بعلم الله السابق من غير إجبارٍ، وفسَّروا القدرية بمنكري ذلك (٣)، فصرَّحوا بذلك كلِّه. فالبخاري ردَّ على هؤلاء الذين يقولون: إن الله لا يعلم الغيب، وسمَّاهم أهل القدر (٤)، لأن الآية من أعظم شُبَهِهِم، لأنهم يقولون: لا يصحُّ من القديم (٥) إرادة ما يعلم أنه لا يحصل. والآية عندهم تدل على أن الله أراد العبادة من الكُفَّار، والضرورة تدل على أن العبادة ما حصلت (٦) منهم، فدلَّتِ الآية عندهم على أن الله ما علم أن الكفار يُصرُّون على الكفر، ويموتون عليه. ولما كانت طوائف الأشعرية الأربع، وأهل الحديث يُوافقون القدريَّة على أن الله لا يصحُّ أن يُريد ما يعلم أنه لا يقع، احتاجوا إلى تأويل الآية على معنى لا يلزم معه (٧) ما توهمَّت القدرية، فمنهم من قال

стр. 1972

بتخصيص الآية، ورجَّحوا التخصيص، لأنه لازمٌ على جميع المذاهب كما سيأتي بيانه، وهو الذي اختاره البخاريُّ. ومعنى التخصيص عند هذه الطائفة أن معنى الآية: ما خلقت أهل الإيمان من الجن والإنس إلاَّ لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: يشرب بها المقرَّبون من عباد الله، وكما تخصُّ المعتزلة والقدرية من ذلك الأطفال والمجانين من الأعيان، وأحوال النوم، والنسيان، وما بعد الموت من الأزمان، فعلى هذا التأويل يقول البخاري: ليس لمن قال: إن الله لا يعلم الغيب حجة في نفس الآية الذي (١) لا يحتمل (٢) التأويل، ويُنسب منكره إلى تكذيب السمع، والكفر بما قال، بل هي عمومٌ يجوزُ تخصيصه بالأدلة المنفصلة عنه من العقل والسمع، والقدرية ممن تُخصِّصُه (٣) كما تقدم، فليس فيه حجة لهم على من وافقهم من أهل السنة على أن الله لا يريد ما يعلم أنه لا يقع. ومن أهل السنة من اختار أن الآية على عمومها، ولكن التقدير فيها لطلب أن " يعبدون ". فإن الله طلب العبادة من الكفار، وأمرهم بها إجماعاً، وليس التقدير لإرادة أن " يعبدون ". ورجحوا هذا بوجهين: الأول: أنه لا يخرج الآية إلى التجويز (٤) بخلاف التخصيص، فإن إطلاق العامِّ على الخاصِّ مجازٌ. الثاني: أن حمل الآية على أمرٍ معلومٍ من الذين مُجْمَعٌ عليه عند فرق المسلمين (٥) أولى من أمرٍ على خلاف ذلك، وليس في هذا إلاَّ استعمال (٦) لام " كي " في موضع الطلب، وهو صحيحٌ لا مانع منه، لأنه يُستعمل في موضع الإرادة، والإرادة (٧) تُستعمل في الأمر عند شيوخ المعتزلة البغدادية، كما سيأتي

стр. 1973

تحقيقُه في مسألة الإرادة. وأما إن كان السيد إنما فَهِمَ الجبر من البخاريِّ من مجرد تأويله للآية، فهذه غفلةٌ عظيمةٌ، فإن تأويل الآية لازمٌ عند جميع الفرق، بل تأويلها يلزم على أصول المعتزلة في مواضع أكثر مما يلزم على أصول أهل السنة: الموضع الأول: التخصيص. كما تقدم بالنظر إلى الأطفال، والمجانين، والتقييد بالنظر إلى ما بعد الموت، وأوقات النوم والنسيان، بل المخصوص عند بعض المعتزلة لا يحتج به، لأنه قد علم أن ظاهره غير مرادٍ، فالتبس المراد منه. الموضوع الثاني: إن المعتزلة لا يجيزون (١) خلق الخلق لأجل العبادة، إذ العبادة ليست الغاية المقصودة (٢) التي ليس وراءها غايةٌ، بل العبادة من جملة الوسائل المقصود بها غيرها، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فَليَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، وإنما الغاية المقصودة: الثواب العظيم، والنعيم المقيم في دار البقاء، ومنزل أهل التُّقى (٣). ودخولُ لام الغاية على العبادة التي هي وسيلة محضةٌ غيرُ مرادةٍ لنفسها مجازٌ، وهو من إقامة الشيء مقام ما يؤول إليه، مثل تسمية أموال اليتامى ناراً في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. الموضع الثالث: مما يوجب تأويل الآية عند المعتزلة. أنها تقتضي حصر وسائل السعادة، وقصرها على العبادة بمجردها، وهي غير منحصرةٍ في ذلك، فإن معرفة الرب ﷻ ومعرفة صفاته وكماله، واستقرار ذلك في القلب بالبراهين واليقين التَّام أعظم وسائل السعادة الدائمة، وقد ورد التعليل بذلك في كتاب الله تعالى قال: سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ

стр. 1974

أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وخلقُ الجماد لأجل العلم يستلزم بالضرورة خلق العقلاء لأجل ذلك، فثبت أن الله خلقهم لأجل ذلك، فهذا في حقِّ المؤمنين، وفي خلق جميع المكلفين قوله تعالى في هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وتال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]. وكذلك رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: إن المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعرفون، وجعل المعرفة رأس العبادة ومعظمها (١). وسيأتي تحقيق ذلك وما تحتمله الآية من الوجوه المتفق عليها والمختلف فيها في تفسير هذه الآية في مسألة الإرادة إن شاء الله تعالى. وأما متكلِّمو الأشعرية، فتُصادِمُ الآية مذهبهم بقوة مفهومها لا نصِّها، فإنهم إن حاولوا تأويلها بلام العاقبة، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وكقول القائل: لِدُوا للموت وابنُوا للخرابِ (٢)

стр. 1975

لم يأخذ حظَّه من القوة والبلاغة لأنا متى مَحَوْنَا من الآية أثر التعليل، وأردنا بيان مجرد عاقبة الخلق أجمعين، لم تكن هي (١) العبادة لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل عاقبة الخلق هي دار الآخرة التي هي دارُ القرار. وأما الدنيا (٢) التي شبَّهها الله تعالى بعشيَّةٍ أو ضحاها، وسمَّاها لَعِبَاً ولهواً، فليست وما كان فيها عاقبة الخلق حقيقةً (٣) ولا مجازاً، أما الحقيقة، فظاهر، وأما المجاز، فلأن العبادة التي كانت فيها من أهل السعادة والكفر من أهل الشقاوة ليسا عند الأشعرية سبب الثواب والعقاب في دار الآخرة، فلا يصحُّ إقامة الأعمال مقام جزائها، ودخول لام العاقبة عليها على أصلهم، وذلك لأن مذهبهم أن أفعال الله كلها (٤) غيرُ معلَّلة بعلَّةٍ، ولا واقعة لغرضٍ، ولا لها سببٌ ولا داعٍ، ولا عليها حاملٌ ولا باعثٌ. وسوف يأتي بيان ركاكة هذا في العقل والسمع في الوهم الثامن والعشرين إن شاء الله تعالى. الوهم التاسع عشر: قال: وأما الإرجاء، فهو أنواعٌ: منه ما يقتضي الكفر. إن كان السيد قصد بها حكاية المذهب، فقد وَهِمَ في ذلك (٥)، والذي في كتب الزيدية غير ما ذكر. ففي " التذكرة " (٦) للقاضي شرف الدين حسن بن محمد النَّحوي التي هي

стр. 1976

مَدْرَسُ الزيدية الآن: إن الاختلاف في الإرجاء لا يقتضي كفراً ولا فسقاً ولا جرحاً، وجعله كالاختلاف في الأعواض، وكذلك قال (١) القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدوَّاري في كتاب " الدِّيباج النضير " (٢) وهما أرسخُ قدماً في معرفة المذهب منه أيده الله، فإن كان يتحقَّقُ غَلَطُهُمَا فيما نقلاه (٣) فليبيِّن وجه ذلك بذكر إسناده في نقله، وترجيحه على إسنادهما بطرق الترجيح المعروفة، ووجه القطع ببطلان نقلهما (٤). وإن كان السيد يريد أن ذلك مذهبٌ له اختاره، فقد وَهِمَ أن في إيراده بغير حُجَّةٍ فائدة في هذا الموضع، وليس له فيه فائدة ألبته، لأن أقصى ما في الباب أن نكون مقلِّدين للسيد، لكن هذه المسألة ليست من مسائل التقليد، فإن التكفير عند السيد يحتاج إلى دليلٍ قاطع، ولا يحلُّ العمل بالظَّنِّ فيه لمتبوع ولا تابع، فما باله يدُلُّ (٥) بالدعوى من غير دليلٍ ويُعَوِّلُ في دفع الخصم على ما ليس عليه تعويل. الوهم الموفي عشرين: حُكِيَ عن الرازي أنه قال: فإن قلت: فما تقول فيمن عَرَفَ الله بقلبه فقط، وما قال: لا إله إلاَّ الله أبداً لغيرِ عُذرٍ، ولا (٦) فعل شيئاً من الواجبات، ولا ترك شيئاً من المحظورات إلاَّ ارتكبه؟ قلت: أجيب بما أجاب به الغزاليُّ أنه مؤمنٌ، ويُدْخِلهُ الله الجنة إن شاء الله. انتهى بلفظه أو ما يقرب من لفظه إلى آخر كلام السيد. قال: وعلى أصلهم: إيمانُ هذا كإيمان أفضل المسلمين، وتجويزُ دخوله الجنة كتجويز دخول أفضل الصَّالحين.

стр. 1977

أقول: ما مرادُك بالإيمان الذي يُسوُّون فيه بين المؤمنين؟ هل التصديق والاعتقاد الذي في القلب من جنس العلم الاستدلالي؟ فإذا إجماعٌ، فإن اعتقاد الفاسق أن الله ربه مثل اعتقاد الصالح عند النظر في الأدلة، وإنما الخلاف في تسمية اعتقاد الفاسق إيماناً مع الكبائر على تسميته إيماناً (١) مع الصلاح والاستقامة، قال الله تعالى: ﴿إلاَّ من أُكْرِهَ وقلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. أو تريد أن من مذهبهم أنَّ من آمن بقلبه، وعصى بجوارحه، فمنزلته عند الله مثل منزلة من آمن بقلبه وأطاع بجوارحه، فهذا وهمٌ فاحشٌ، فإنهم لا يسوُّون بين المؤمنين في الإيمان. وقد بوَّب البخاريُّ باباً في " صحيحه " على زيادة الإيمان ونقصانه، واحتجَّ على ذلك بحُججٍ كثيرةٍ من القرآن (٢) والسنة (٣). وليس الفاسق يسمَّى عند أهل السنة مؤمناً على الإطلاق، وإنما يُسمّى مؤمناً بقلبه. قال ابن بطَّال (٤) في " شرح البخاري " ما لفظه: وكذلك لو أقرَّ بالله ورسوله، ولم يعمل الفرائض، لا يُسمى مؤمناً بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب قد يجوزُ أن يُسمى مؤمناً بالتصديق، فغير مستحقٍّ لذلك في حكم الله تعالى لقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فأخبر تعالى أن المومنين -على الحقيقة- من كانت هذه صفته، دون من قال ولم يعمل، وضيَّع ما أمر به (٥) وفرط. انتهى.

стр. 1978

وذكر القاضي: أبو بكر بن العربي المالكي (١) في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " اختلاف الناس في المسلم والمؤمن، وفي اشتقاق اسميهما، واختار أن المسلم من أسلم نفسه من عذاب الله، والمؤمن من أمَّنَ نفسه منه. وهذا يدلُّ على أن الفاسق لا يُسمَّى مؤمناً على الإطلاق عندهما، سلمنا أنه يسمى بهذا الاسم مؤمناً عندهم مطلقاً أو عند بعضهم، فإن من تُسمِّيه بذلك لا يعني أنه صالحٌ عَدْلٌ، ولا نُسَوِّي (٢) بينه وبين أهل العدالة والصِّيانة، ومن المعلوم بالضرورة أنهم يجرِّحُون الفاسق المصرِّح في الشهادة والرواية، وأنهم يفضِّلُون بعض المؤمنين على بعضٍ (٣) مثل تفضيلهم للخلفاء الراشدين على مَنْ بعدَهم. وبالجملة (٤): فلا حاجة إلى التطويل بذكر ما يدلُّ على مذهبهم في ذلك. فهو معلومٌ بالضرورة والتواتر، ومُنكرهُ لا يزيد على النداء الصريح على نفسه بأنه من جملة الخرَّاصين، وأفحش الكذابين، لأن أهل الكذب خَذَلهُمُ الله تعالى إنما يكذبون في المواضع الخفية التي تمضي فيها أقوالهم الفريَّة. وقد تقدَّم الجواب على مثل هذا في مسألة المتأوِّلين مستوفى، فخذه من هناك، فإني لم أقتصر على هذا القدر إلاَّ لأنِّي استوفيتُ الجواب هناك. الوهم الحادي والعشرون: قال: ومن سوَّى بين هذا الكافر وبين أفاضل المسلمين، أو قال: بأنه يدخل الجنة، فقد ردَّ ما هو معلومٌ ضروةً من الدين. أقول: أما التسوية بينهما، فالقوم قد صرحوا بأنهم ما سوَّوا بينهما، وذلك

стр. 1979

واضحٌ عنهم (١)، ولكنَّا نُورد نصَّ الغزالي الذي روى المعترض عنه من كتابٍ (٢) هو نسخةٌ للمعترض حتى يشهد بكذب النفس (٣) عليه شاهد حاضر لديه، فنقول: قال الغزالي في كتابه المعروف " بالتفرقة " في أواخره ما لفظه: واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبقُ الرحمة وشمولها بأسبابٍ ومكاشفاتٍ سوى ما سمعوه من الأخبار والآثار، ولكن ذِكْرُ ذلك يطول، فأبشر برحمة الله تعالى، وبالنجاة المطلقة إن جَمَعْتَ بين الإيمان وبين العمل الصالح، وبالهلاك المطلق إن خلوتَ عنهما جميعاً، وإن كنتَ صاحب يقينٍ في أصل التصديق، وصاحب خطأ في بعض التأويلات، أو صاحب شكٍّ فيها، أو صاحب خَلْطٍ في الأعمال، فلا تطمع في النجاة المطلقة، واعلم أنك بين أن تُعذَّبَ مرة ثم تُخلَّى، وبين أن يشفع فيك من تيقَّنت صدقه في جميع ما جاء به أو غيره. انتهى كلام الغزالي في كتاب " التفرقة بين أهل الإسلام والزندقة " (٤). واعلم أنهم يقطعون بدخول المطيع الجنة وسلامته من العذاب. ومستندهم في القطع ثلاث حُججٍ: الأولى: وعدُ الله تعالى الصادق، فالكذب عليه -سبحانه- عندهم لا يجوز. وثانيها (٥): علمه سبحانه السابق بأنهم من أهل الجنة، فالتغيير عندهم في معلومه لا يقع. وثالثها: إرادتُه سبحانه لهم ذلك وخلقُهم له، فمرادُه سبحانه عندهم لا يتخلَّف.

стр. 1980

وأما الفاسق، فيجوِّزون فيه الأمرين، ويكِلُون علمَه إلى عالم الغيب، لأنه سبحانه أجمل ذلك في قوله : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ثم إنهم لا يُسَوُّون بين أهل الجنة في مراتبهم، ولا بين أهل النار في دركاتهم، وكذلك جميع أهل الملة الإسلامية بل جميع الملل الإسلامية (١) والكفريَّه لا يساوون بين أهل الفضائل، ولا يُماثِلُون بهم أهل الرَّذائل، وما أحسن قول القائل: وَلَمْ أرَ أمثال الرِّجال تفاوُتاً ... لدى المَجْدِ حتَّى عُدَّ ألفٌ بواحدِ (٢) وقال ابن دريد: والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ ... وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنى (٣) وأما القول بأنَّ من آمن بقلبه، وعصى بجوارحه، فهو من أهل النار ضرورة من الدين، فهذا يقتضي أنه كافرٌ ضرورة من الدِّين، لكن لا دليل على ذلك، ولعل الصواب أن كفره معلومٌ بالضرورة من مذهب بعض أهل الكلام. ومن بنى (٤) التكفير على غير قاعدةٍ قطعيةٍ ولو كان كفره معلوماً بالضرورة، لاشترك (٥) العلماء في ذلك، ولوجب أن تكون طريقة معرفته النقل لا العقل، والطريق النقلية المفيدة للضرورة لها شروطٌ: أحدها: أن يُنقل نصٌّ جليٌّ لله تعالى، أو لرسوله ﷺ غير محتملٍ للتأويل في هذا المعنى مثل قوله: من آمن بقلبه ولم يُطِع، فهو كافرٌ، حكمةُ حكم

стр. 1981

المشركين بالله، وإيمانُه باطلٌ، فإن كان هذا لا يحتمل التأويل كفي، وإلاَّ وجب أن ينضمَّ إليه من القرائن ما يُوجب إرادة الظاهر، ويمنع التأويل قطعاً. الشرط الثاني: أن يُنقل هذا اللفظ أو ما (١) يقوم مقامه نقلاً متواتراً في الوسط والطرفين. الشرط الثالث: العلم القطعيُّ بعدم المعارضة وعدم النسخ. فإذا عرفت هذا، فمن المعلوم أنه ما حصل واحدٌ من الشروط، بل ما نُقِلَ في هذا لفظ صريحٌ ظنِّيٌّ آحادي. وأما القرآن فهو برىءٌ من النصِّ في هذه المسألة، ولهذا قال علماء الوعيدية: إن المخالف فيها لا يُكفر ولا يُفسق. الوهم الثاني والعشرون: قال: وقد قال ﷺ : " أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها " (٢)، فإن كان هذا الذي ذكراه مؤمناً، فكيف يُقاتله الرسول على الإيمان؟ أقول: غفلة السيد في هذا الكتاب ما وقفت على حدِّ، وكلامه في هذا

стр. 1982

الموضع مما كنت أظنه أرفع مكاناً من (١) أن يخفى عليه مثله هو ما عرف أن الرجلين لم يقولا: إن الإيمان هو ترك الشهادتين، حتى إذا قاتل النبي ﷺ على ذلك كان قد قاتل على الإيمان، إنما قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب، وعلى المؤمن بقلبه واجباتٌ أُخَرُ يستحق تاركها القتال بتركها، وإن كان مؤمناً، وهو النطق بالشهادتين وسائر أركان الإسلام الأربعة، وغيرها (٢) مما ورد الشرع بقتال تاركه، أو قتال مرتكبه، وليس يخالف في هذه الجملة أحد من أهل الإسلام، فكيف غفل السيد عن هذا؟ وكيف ظن أن الغزالي والرازي -مع تبحُّرهما في العلوم، وتوغُّلهما في الدقائق- يذهبان إلى أن الرسول ﷺ يقاتل من آمن بقلبه، ولم يَنْطِقْ بالإيمان على ما أضمر في قلبه من الإيمان بالله سبحانه، هو ما درى أن النطق بالشهادتين (٣) عندهما واجبٌ كالصلاة، والزكاة، والحج، وصوم شهر رمضان، هو ما عرف أنه يجوزُ عند جميع أهل الإسلام للرسول بل للإمام أن يقاتل من ترك أحد أركان الإسلام، وإن لم يكفر التارك لأحدها، أليس قد صرح الرازي في كلامه الذي حكى عنه السيد أن للدين واجباتٍ، وفيه محرمات، حتى تكلم في من آمن بقلبه، وترك جميع الواجبات، وارتكب جميع المحرمات؟ فهو يقول: النبي ﷺ قاتل تارك الشهادتين على ترك واجب من واجبات الإسلام التي، يكفر تاركها، لا على أنه آمن بقلبه، وكيف يكون القتال على ذلك؟ وهل يمكن أن يكون المطلوب بالقتال على الإيمان بالقلب إلاَّ اعتقاد الكفر بالقلب؟ وكيف ظن بهما هذا؟ وأي كلام لهما يقتضي هذا، والرسول (٤) ﷺ لم يُقاتل على ما في القلوب من الكفر، بل وَكَلَ الناس إلى ظواهرهم؟ فكيف يقاتل على ما في القلوب من الإيمان؟ الوهم الثالث والعشرون: ظن السيد أن الاحتجاج بالحديث يصح في آخر كتابه، ويمتنع في أوله، فإنه منع في أوله (٥) من الاحتجاج بالحديث النبوي لعدم

стр. 1983

صحته في إسناده، وعدم معرفة معناه لغةً، وعدم العلم بفقد المعارض والناسخ والمخصَّص، وشدّد في ذلك، وشرع في آخر كتابه يحتجُّ بالأحاديث، فإما أن يكون ظن أن بين أول كتابه وآخره فرقاً واضحاً، أو ظن أنه صالحٌ لذلك، وليس غيره صالحاً، أو حَسِبَ أن خصمه لا يجمع بين أطراف كلامه، ولا يدري بمناقضاته وأوهامه، أو (١) السيد لا يدري ما يخرج من رأسه، ولا يفرِّق بين أقواله وأنفاسه. ومَنْ جَهِلَتْ نفسُهُ قَدْرَه ... رأى غيرُه منه ما لا يَرَى (٢) الوهم الرابع والعشرون: قال: وأيضاً قوله: " فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم ". يقتضي (٣) أنها لا تكون معصومةً حتى يقولوها. أقول: قد توهَّم (٤) أن مذهبهما أن من آمن بقلبه، فقد عصم دمه وماله، ولم يقولا بما يقتضي ذلك بمنطوقٍ، ولا مفهومٍ، ولا قال بذلك أحدٌ، وإنما قال: إن هذه الأفعال الخمسة من أفعال الجوارح، والإيمان من أفعال القلوب، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقوله ﵇ في الحديث الصحيح وقد سئل عن الإسلام، فذكر الشهادتين وسائر الأركان الخمسة، وسئل عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ". خرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٥) - ونظير ذلك من

стр. 1984

عمومات السمع كثير (١)، وهو يوجد حتَّى في كلام الوعيدية. قال الحاكم المُحسِّن بن كرَّامة المعتزلي في تفسيره " التهذيب " في قوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] من المصدقين بالنبي ﷺ ودينه. وأما الدم والمال، فإنما (٢) يعصِمان بإقامة أركان الإسلام الظاهرة، وعليها يقعُ القتال دون ما حجبته الضمائر. ولهذا فإن المنافق الذي لم يؤمن بقلبه يعصم دمه وماله متى قام بأركان الإسلام الظاهرة، فهو كافرٌ في علم الله، وهو معصوم الدم والمال، وكذلك العكس، فقد يكون مؤمناً بقلبه في علم الله، وهو مباحُ الدم والمال، مستحق للعذاب بما ترك من الواجبات الظاهرة، وارتكب من المحرمات المعلومة. الوهم الخامس والعشرون: وهم السيد أن قولهما هذا من الإرجاء، بل قالي: هو من الإرجاء وأشنعه، وليس كما وَهِمَ، فإن الإرجاء يخالف مذهبهما من وجهين: أحدهما: أن المرجئة يقولون: الإرجاء قولٌ بلا عمل، ومنهم من يقول: ولا اعتقاد، وهما قالا: إنه اعتقادٌ من غير قولٍ ولا عملٍ، فأخرج (٣) القول من الإيمان الذي أجمعت المرجئة على (٤) أنه أساس الإيمان، ولهم (٥) على ذلك أدلَّةٌ كان يلزم المعترض ذكرها. والجواب عنها، أو (٦) الصَّمت عن ذلك كله. منها: أن الله تعالى وصف مؤمن آل فرعون بأنه يكتم إيمانه، ولم يبطل إيمانه بذلك، فيجب بيان دليلٍ قاطعٍ على أن شرط الإيمان المكتوم أن يكون منطوقاً.

стр. 1985

ومنها حديث عثمان عن النبي ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلاَّ الله دخل الجنة ". رواه مسلم والنسائي (١)، وفي " تلخيص " (٢) ابن حجر أنه من " المستدرك " رواه البخاري ومسلم. وفي " مسند " أحمد (٣) من حديثٍ عنه ﷺ " الإسلامُ علانيةٌ، والإيمان في القلب ". ومثله حديث عمر الذي في " صحيح " مسلم في تفسير الإسلام والإيمان والإحسان (٤)، فيجب ذكر ما يُعَارِضُ هذه، وبيان مناقضة ذلك المعارض، والقطع بتعذر الجمع بدليلٍ قاطع. وثانيهما: أن المرجئة يقولون: إن المؤمن العاصي لا يُعذَّب قطعاً، وهما يُجوِّزان أن يعذَّب، وأن يُعفى عنه، ورواية السيد عنهما تقتضي (٥) ذلك، وقد روى " الرَّصاص " (٦) في " خلاصته " -وهي (٧) مَدْرَسُكُم- حديثاً نصّاً أن الإرجاء هو القول بأن الإيمان قولٌ بلا عملٍ، وكذا نصَّ على ذلك محمد بن نشوان،

стр. 1986

وأبوه نشوان بن سعيد، ذكره في " الضياء "، وهما من المعتمدين في الُّلغة، وكأن السيد ما فرق بين الرَّجاء والإرجاء، والفرق بينهما معلوم عند أهل اللغة. قال الجوهري في " صحاحه " (١): أرجيت الأمر: أخَّرته. يُهمز ولا يُهمز، وقرىء: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) [التوبة: ١٠٦] و ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (٣) [الأعراف: ١١]، فإذا وصفت الرجل به، قلت: رجلٌ مُرْجٍ، وقوم مُرجية، والرجاء: الأمل، يقال: رجوت فلاناً رجواً ورجاءً ورَجَاوَةً،: يقال ما أتيتك إلا رَجَاوَةَ الخير، قال بشر يخاطب ابنته: فَرَجّي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القَارِظُ العَنَزِيُّ آبا (٤) انتهى (٥). وقد ورد في الحديث الحثُّ على الرجاء، والنهي عن الإرجاء، ففي

стр. 1987

الصحيح يقول الله تعالى: " أنا عند (١) ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء " (٢). وفي الترمذي " -وليس إسناده بذاك-: " صِنْفَانِ من أُمتي ليس لهما في الإسلام نصيبٌ: المرجِئَة والقدرية " (٣). وأحاديث الشفاعة الصِّحاح المتواترة المعنى قاضيةٌ بردِّ (٤) مذهب المرجئة، فإنهم يذهبون إلى أن أهل الإسلام لا (٥) يُعذبون. وفي أحاديث الشفاعة خروجُهم بها من النار، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، وإنما القصد بيان الفرق بين الرَّجاء والإرجاء، وقد فَهِمَ أهل الحديث هذا، وردُّوا على المرجئة في كتبهم. قال أبو داود في " السنن " باب ردِّ الإرجاء (٦). وروى في ردِّه، وفي زيادة الإيمان ونُقصانه أربعة عشر حديثاً، عن: أبي هريرة (٧) وجابر (٨) وابن عمر (٩) وابن عباس (١٠) وسعد بن أبي وقَّاص (١١) وأبي أُمامة (١٢) والزهري، موقوفاً (١٣). وكذلك سائرُ أهل الصحاح والسنن قد أفرد كل منهم باباً في رد الإرجاء وزيادة الإيمان ونقصانه. الوهم السادس والعشرون: وهم أنهم كفار تصريحٍ ، وأنهم يعلمون كفر

стр. 1988

أنفسهم، وإنما قصدُهُم إضلال العباد عن الدين، وتحريف شريعة ربِّ العالمين، وهذا عدوان على المسلمين ومخالف (١) لمذاهب المعتزلة والمتشيِّعين. وقد نصَّ في " اللُّمع " -التي هي مدرس الزيدية- على أن الجبر والتشبيه عندنا من جهة التأويل والتدين. وقد تقدم الجواب على هذا في مسألة المتأولين من وجوهٍ ثلاثة، فخذه من هنالك. فلولا خوف الإطالة لأعدته. الوهم السابع والعشرون: وهم أنهم أنكروا القدر الضروري في شكر المنعم ، لأنهم قالوا: شُكْرُ المنعم لا يجب عقلاً، وإنما يجبُ سمعاً، وليس كما وهم، فإنهم في تلك المسألة المرسومة في الأصول إنما نازعوا في معرفة العقل لوجوب شكر المنعم الذي هو الله ﷻ ، لأنه غنيٌّ عنه، لا يمكن أن ينتفع به، ولا يتضرر بتركه، مع أن الشكر قد يكون فيه مضرَّة على العبد ومشقَّةٌ، قالوا: فلو خُلينا وقضية العقل، لم نعلم بها وجوب ما هذه صفته. قال الجُويني في " البرهان " (٢) ما لفظه: والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه أن الشكر نعتٌ (٣) للشاكر بأجرٍ، ولا يُفيدُ المشكور شيئاً، فكيف يقضي العقل بوجوبه؟ وقد ردت عليهم ذلك الشيعة والمعتزلة بأن الوجه فيه: أن العبد يخاف مضرة العقاب من سيده على ترك الشكر، وليس هذا في محل الضرورة، ولا ادعت المعتزلة فيه الضرورة. ومن العجب أن الأشعرية عرفوا مذهب المعتزلة في ذلك، وما عرفه السيد، فإن المعتزلة لم تدَّع أن وجوب الشكر في حق الله تعالى ضروري. قال الجويني في هذه المسألة: وليس ذلك عند المخالفين واقعاً في قسم الضروريات، وإنما هو مُدرَكٌ بالنظر عقلاً، ومنوطٌ بمسلكٍ يوضحه.

стр. 1989

ثم قال في بيان هذا المسلك ما لفظه: وللخصوم مسلكان: أحدهما: التَّعلُّق بتغافل العُقلاء شاهداً، ويزعمون (١) أن الشكر واجبٌ شاهداً، ثمَّ يقضون بذلك على الغائب. انتهى (٢). فإن قلت: فقد خالفت الأشعرية في وجوب الشكر في الشاهد، وهو ضرويٌّ؟ قلت: لم يُخالفوا في القدر الضروري منه، وإن القدر الضروري منه ما نجده في نفوسنا من استحسان فعله، وقُبحِ تركه، وهم ما نازعوا في وجدان ذلك في النفوس، واستحكامه في الطِّباع، وإنما خالفوا في سببه وعلته، وقالوا: إنه يحتمل (٣) وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن يكون المرجع به إلى الشهوة والنُّفرة، فإن المُحسن في الشاهد لما كان يلتذُّ بالشكر، ويتألَّم بتركه، وقد جُبِلَت النفوس على حبِّ المحسن، وجب في الطبع شهوة ما يلتذُّ به والنفرة عما يتألَّم به، وهم لم ينازعوا في التحسين بالنظر إلى الشهوة، والتقبيح بالنظر إلى النُّفرَة. الوجه الثاني: أن يكون هذا مستنداً في العادة، مثل استقباح كشف العورة، ونكاح الأمَّهات قبل ورود الشرع وبعد ثبوت العادة، فإن الكفار يستقبحون كثيراً من القبائح الشرعية لأجل العادة. الوجه الثالث: أن يكون الشكر صفة كمالٍ كالعلم، وتركه صفة نقص كالجهل. وقد نص الرازي وغيره على أنهم لا يُخالفون في هذه الوجوه الثلاثة، قال:

стр. 1990

وإنما خلافنا في أن فاعل القبيح هل يستحقُّ لمجرَّد (١) العقل من غير شرع الذم عاجلاً والعقاب آجلاً؟ وهكذا في جميع ما يتعلَّقُ بالتحسين والتقبيح من المسائل، فإنهم لا يخالفون في هذه الأمور الثلاثة. وقد قال الرازي: إن أهم ما في هذه المسألة معرفة موضع الخلاف بين الفريقين، وقد صرح الرازي على أنهم لا يُجيزون على الله تعالى صِفَةَ نقصٍ من كذبٍ ونحوه. وكذلك قال قطب الدين الشيرازي (٢) في " شرح مختصر منتهى السُّول " في تقرير سؤال المعتزلة. وجوابه ما لفظه (٣): واعلم أن المشهور في تقرير المُلازمة هو أن الحسن لو كان شرعيّاً لَحَسُنَ مِنَ الله كلُّ شيءٍ، ولو حَسُنَ منه كل شيء، لجاز منه إظهارُ المعجزة على (٤) الكاذب. والجواب: منع الصُّغرى إن أُريد بقولهم: لحسُنَ (٥) منه كل شيءٍ، أن صدور كلِّ شيءٍ منه يحسن، ومنع الكبرى إن أريد به أن كلُّ شيء (٦) يصدر منه فهو حسن. انتهى كلامه، وفيه النصُّ أنهم لا يقضُون بحُسن جميع القبائح، حاشى الجلال المقدس من تقدير إضافتها إليه، ولكن خالفوا في مَدْرَكِ القبح، ومعناه كما قال قبل هذا الكلام، فإنه ذكر قبله أنهم لا يُخالفون في قُبح إظهار المعجزة على الكاذب عقلاً، ولكنهم يفسِّرون ذلك الاستقباح بالمُنافرة، وبكونه

стр. 1991

صفة نُقصانٍ - يعني والذي خالفوا فيه تفسير الاستقباح باستحقاق الذمِّ عاجلاً والعقاب آجلاً على فعل ما هو صفة نقصٍ بمجرد العقل، فتحقيق مذهبهم: أنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة في القطع بامتناع صفة النقص -كالكذب وتصديق الكاذب-، لكن اختلفوا في العلة، فعند المعتزلة: أن العلة استحقاق الذمِّ به عقلاً في حق الله تعالى لو قُدِّرَ صدوره عنه، وعند الأشعرية: العلة كونه صفة نقصٍ عقلاً، وصفة النقص مُحالة عليه، فلو فعله لم يستحق الذمَّ عقلاً عند الأشعرية، لكن فعله عليه محالٌ. ومستند الأشعرية في الوجوب وجوب كمال واجب الوجود، وكمال غناه لقدمه، وصفات (١) النقص إنما تكون بداعية الحاجة والافتقار، وهو محالٌ في حقِّ من سبق وجوده الموجودات غنياً عنها، وإذا قد ثبت باتفاق الفريقين أن وجود الرب متقدم تقدم وجوب على جميع الموجودات، وأنه في حال تقدُّمه هذا غنيٌّ عنها، فلا يصحُّ أن يكون وجودها بعد غناه عنها فيما لا نهاية له من القِدَمِ مُوجباً لحاجته إليها، لأن وجود الحوادث لا يُغيِّرُ القديم في ذاته ولا صفاته الواجبة، وإذا لم تُغَيِّر لم يغيِّر غناه عنها. ولعل هذا هو المدرك الآخرُ الذي أشار إليه ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ". وقد نقل الزركشي في " شرحه لجمع الجوامع " للسُّبكي عن قوم أنهم توسَّطوا. فقالوا: قبحُ القبائح ثابتٌ بالعقل، وكذلك الذمُّ عليها، وأما العقاب، فبالشرع. قال: وهو الذي ذكره سعد (٢) بن علي الزَّنْجَاني من الشافعية، وأبو الخطاب (٣) من الحنابلة، وذكرَتْهُ الحنفية، وحكوه عن أبي حنيفة، قال: وهو

стр. 1992

المنصور (١) لقوَّته من حيث الفطرة، وآيات القرآن المجيد، وسلامته من الوهن والتناقُض. وسيأتي تمام القول في هذه المسألة في الوهم الثاني والثلاثين، آخر المجلد الثالث إن شاء الله تعالى (٢). ومن أهل النظر من أهل السنة من احتج على أنَّ الله تعالى غنيٌّ عن الكذب بقدرته على كلِّ شيءٍ، لأن الكذب ليس بمشتهى لذاته بالضرورة، وإنما يتوصَّل إليه العاجز عند الاحتيال إلى دَرْكِ ما عَجَزَ عنه مع الصدق، وقد ثبت بالأدلة العقلية، واتفاق الفريقين أنه على كل شيء قدير، فيثبت (٣) غناه عن الكذب، فوجبَ صدقه عقلاً. وقد أخبرنا الصادق أنه غنيٌّ عن كل شيء، فصحَّ الاحتجاج بالسمع على مطلق الغنى بعد الاحتجاج بالعقل على الغنى الخاص عن الكذب وحده. وهذه طريقة صحيحة عند الفريقين من الأشعرية والمعتزلة، وعند فريق أهل السنة لجلائها وتنبيه السمع عليها، حيث نبَّه على امتناع ما لا داعي إليه بقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَق﴾ [المائدة: ١٨] وأمثالهما. وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في مسألة الدواعي. وقد مرَّ في الاحتجاج بالقرآن على أصول الدين شيءٌ منه، وهذا الذي خالفوا فيه مَدْرَكٌ خفيٌّ غير ضروري، سواءٌ كان الحق قولهم أو قول المعتزلة، فلا يقطع على المخالف فيه بالعناد وتعمُّد (٤) الباطل والفساد، كما توهَّم السيد (٥).

стр. 1993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1995

الوهم الثامن والعشرون: وَهِمَ وفَّقه الله أن أئمة السنة الأثبات يُنكرون أن لنا أفعالاً وتصرفاتٍ، واستخرج من ذلك أنهم كفار تصريحٍ لإنكارهم -في زعمه- العلوم الضروريات، وفَرَّعَ على ذلك تحريم ما استند إليهم من الروايات في علوم الديانات إلى سائر ما ذكره من الإلزامات. وهذا وهم شنيعٌ، وغلطٌ فاحشٌ فظيع، ولم يختصُّ به المعترض، بل قد شاركه فيه كثيرٌ من المعتزلة مع اعترافهم في بعض مصنفاتهم بخلاف ذلك في بعض المواضيع وقد تقدم ما يلزم المعترض بجرحه لأئمة الحديث والمتأوِّلين من

стр. 1996

الإلزامات الشنيعة، والجهالات الفظيعة، والإشكالات الوسيعة التي زادت على مئتي إشكالٍ مع ما تقدَّم له من التفريع على وصمِهم بالبَلَه، والكشف لهذا الخيال، ولم يبق هنا إلاَّ الذبُّ عنهم فيما نَسَبَ إليهم من الكفر الصريح، والجبر، وادَّعى عليهم من التصريح وعدم التأويل فيهما معاً. والجواب: أن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينةٍ، بل جحدٌ للمعلوم بالضرورة عند العارفين من نصوصهم البينة، والسبب في ذلك جهل العامة، وتجاهل بعض الخاصة لمراد أهل السنة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة، ونحن نُبين إن شاء الله تعالى مرادهم، فإنهم مع إطلاق ذلك مجمعون على إثبات الاختيار، ونفي الإجبار، وإن مذهب قدماء أهل البيت والزيدية في خلق الأفعال ونفي الجبر هو مذهبُ أهل السنة، ولنا في بيان ما ادعيناه طريقان. الطريق الأولى: طريق النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإن ذلك يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، مثل ما رواه عنهم السيد المتكلم أحمد بن أبي هاشم المعتزلي، الشيعي، مصنف (١) " شرح الأصول الخمسة " لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، وهذا الشرح عمدة الشيعة في بلاد الزيدية في اليمن، ولذلك اخترتُ النقل منه لعلم

стр. 1997

الخصم بما فيه. قال فيه مصنفه المذكور في أوائل الفصل الثاني في العدل: وقد احتج على ثبوت التحسين والتقبيح في العقل بأن أحدنا إذا خُيِّرَ بين الصدق والكذب، ولم يكن له داعٍ خاصٌّ إلى أحدهما اختار الصدق لا محالة. ثم قال بعد هذا المعنى ما لفظه: فإن قالوا هذا بناء على أن الواحد منا مخيرٌ في تصرفاته، ونحن لا نُسلِّمُ ذلك، فإن مذهبنا أنه مُجبرٌ عليه في هذه الأفعال، وأنها مخلوقة، ثم أجاب بأربعة أجوبة. قال في الثالث منها ما لفظه: وبعد، فلا خلاف بيننا وبينكم في أن هذه التصرفات محتاجةٌ إلينا، ومتعلِّقةٌ بنا، وأنا مختارون فيها، وإنما الخلاف في جهة التعلق أكسبٌ أم حدوثٌ، فعندنا أن جهة التعلُّق إنما هو الحدوث، وعندكم أن جهة التعلق إنما هو الكسب. انتهى لفظه. وهو رد صريح (١) لقول من يقول: إنهم ينكرون أن لنا أفعالاً وتصرفاتٍ، وقد توهَّم بعضُ مَنْ لا يعرفُ مذهبهم أن ظاهر كلام صاحب الشرح لا يصح، فتأوله بأن معنى قوله: إنه لا خلاف أنا مختارون في أفعالنا، أي لا خلاف في أنا مُريدون لها، وهذا التأويل باطلٌ لوجوه: الأول: أنه لا موجبَ له، وتجويز التأويل من غير موجب يفتح باب الجهالات، ويُبْطِلُ الانتفاع بنقل أهل المقالات. فإن قيل: الموجبُ له اختلاف النقل عنهم: فالجواب: أنه ليس بأولى من تأويل نقلِ من نقل نفي الاختيار عنهم، ثم إن الفِرَق فيهم كثيرة، وأهل السنة منهم أربعُ فِرَقٍ ليس منهم من ينفي الاختيار ألبتة (٢) كما يأتي بيان ذلك.

стр. 1998

وقد نقل الشيخ مختارٌ المعتزلي مذهبهم على الصواب في كتابه " المجتبى " لما كان تام المعرفة بمذهبهم، فقال ما لفظه: وذكر شيخنا صاحبُ " المعتمد " (١) أن جهمَ بن صَفْوان ذهب إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد فيهم وهم ليسوا بمحدثين ولا مكتسبين لها، وذهب النجارُ و (٢) الأشعري إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد، وهم يكتسبونها. قال: وهذا هو المشهور من مذهبهم، وبه قال أكثر أهل السنة، فنُفْرِد لكل واحدٍ من الجبرية الخالقية والكَسْبية مسألة على حدة. قال: والحاصل أن المخالفين بأسرهم قالوا بقدرة العبد، لكن الفلاسفة زعموا أن القدرة هي علة (٣) الفعل مع الداعي. والإسفرايينيُّ (٤) زعم (٥) أنها جزءُ علة الفعل لوجوده بالقدرتين. والباقلاني زعم أنَّها عِلَّةُ الكسب. والجهم زعم أنها معنى لا تأثير له في الفعل أصلاً لكنه يُوجدُ متعلقاً (٣) به. انتهى بحروفه. وسيأتي بيان تفاصيل هذا النقل، وتفاوت مراتب المبتدعة، وأن الخصم نسب قول الجهم إلى جميع أهل الكلام من الأشعرية: الإسفراييني والبَاقِلاَّني والجُويني وغيرهم، بل إلى أهل السنن والآثار المنكرين لعلم الكلام (٦). ولا شكَّ أن نسبة ذلك إليهم باطلةٌ بالضرورة بشهادة جميع أهل العلم بمقالات المختلفين.

стр. 1999

والنقل للجبر المحض صحيحٌ، ولكن عمن ليس له سلفٌ ولا خَلَفٌ، وأهل السنة أشدُّ نكيراً عليه من المعتزلة، وليس ينبغي أن يُطْرَحَ على السواد الأعظم من المسلمين قول من شذَّ عنهم، كما لا يُطرَحُ على المعتزلة قول من يقول: إن الله تعالى لا يعلم الغيب من نُفاة القدر، ولا يُطرَحُ على الزيدية قول (١) الحسينية: إن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله ﷺ ، وإنه حيٌّ (٢) لم يمت، ولا قولُ المطرفية في تأثير (٣) الطبائع وغير ذلك، ولا يطرح على الشيعة القول بالرفض، ولا على الروافض مذاهب الباطنية الملاحدة، ولا قول الإسحاقية بربوبية علي بن أبي طالب ﵇. وما أحسن قول الذهبي في " ميزانه " (٤) في ترجمة إمام هذه الطائفة (٥) المخذولة وهو إسحاق بن محمد النخعي الأحمر - قال الذهبي: كان يقول: إن علياً هو الله، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً، وإليه تنسب الإسحاقية بالمدائن. قال ابن الجوزي: كان من الغلاة في الرفض (٦). قال الذهبي: حاشا غُلاة الرفض أن يقولوا في علي هو الله، فمن وصل إلى هذا، فهو كافرٌ لعين من إخوان النصارى. انتهى كلام الذهبي. فما أحسن بالعلم أن لا يطرح على من يُبغِضُه ما لم يقله، ولا يتساهل في عباره تُوهِمُ ذلك.

стр. 2000

وقد ميَّزَ (١) القاضي أبو بكر بن العربي الفقيه المالكي بين الفِرقِ المجتمعة في الاسم، المفترقة في المعنى، وبيَّنها على التفصيل في كتاب " المشكلين "، وعلى التجميل في " عارضة الأحوذي في شرح (٢) الترمذي " (٣) فقال: إن الروافض عشرون فرقةً من النيف والسبعين، منهم فرقةٌ واحدةٌ ليست من فرق الإسلام، والقدرية عشرون فرقة، منهم فرقتان ليستا (٤) من فرق الإسلام. فثبت أنه لا موجب لتأويل كلام صاحب الشرح فيما (٥) نقل عن الأشعرية أنهم يُثبتون الاختيار للعباد، وهم أقرب فرق أهل السنة إلى الجبر كما يأتي، فكيف (٦) بغيرهم من أهل الحديث والآثار! الوجه الثاني: أن هذا التأويل الركيك يُبْطِل كون ما ذكره صاحب الشرح جواباً ثالثاً على الأشعرية غير الجوابين الأولين عليهم، فإنه أراد بهدا الجواب نقض قولهم: إنهم مُجْبَرُون لا فِعْلَ لهم، وردَّ دعواهم أن هذا مذهبهم إن فرضنا أنهم ادعوا ذلك، فلو كان غرضه أنا مريدون غير مختارين، لم يكن نقضاً لدعواهم المقدرة في أن مذهبهم الجبر، وهذا قاطعٌ جليٌّ لا يمكن المتأول دفعه، فإن إرادتنا من غير اختيارٍ لا تغني عنا شيئاً، فالمريض قد يريد العافية، ولا يقدر على تحصيلها باختياره، والهارب من السبع عند الاضطرار يريد الهرب ولا يقدر على تركه باختياره عند الجميع. الوجه الثالث: أن الاختيار والإرادة لفظان مختلفان، وقد ثبت أحدهما (٧) مع انتفاء الآخر كما ذكرنا في المُضْطَرِّ إلى الهرب من السبع، وسيأتي بيان ذلك على مذهب المعتزلة والأشعرية في المرتبة الخامسة في الفرقة الأولى.
следующие страницы →