← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الإلزامات الشنيعة، والجهالات الفظيعة، والإشكالات الوسيعة التي زادت على مئتي إشكالٍ مع ما تقدَّم له من التفريع على وصمِهم بالبَلَه، والكشف لهذا الخيال، ولم يبق هنا إلاَّ الذبُّ عنهم فيما نَسَبَ إليهم من الكفر الصريح، والجبر، وادَّعى عليهم من التصريح وعدم التأويل فيهما معاً. والجواب: أن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينةٍ، بل جحدٌ للمعلوم بالضرورة عند العارفين من نصوصهم البينة، والسبب في ذلك جهل العامة، وتجاهل بعض الخاصة لمراد أهل السنة في قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة، ونحن نُبين إن شاء الله تعالى مرادهم، فإنهم مع إطلاق ذلك مجمعون على إثبات الاختيار، ونفي الإجبار، وإن مذهب قدماء أهل البيت والزيدية في خلق الأفعال ونفي الجبر هو مذهبُ أهل السنة، ولنا في بيان ما ادعيناه طريقان. الطريق الأولى: طريق النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإن ذلك يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، مثل ما رواه عنهم السيد المتكلم أحمد بن أبي هاشم المعتزلي، الشيعي، مصنف (١) " شرح الأصول الخمسة " لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، وهذا الشرح عمدة الشيعة في بلاد الزيدية في اليمن، ولذلك اخترتُ النقل منه لعلم

стр. 1997

الخصم بما فيه. قال فيه مصنفه المذكور في أوائل الفصل الثاني في العدل: وقد احتج على ثبوت التحسين والتقبيح في العقل بأن أحدنا إذا خُيِّرَ بين الصدق والكذب، ولم يكن له داعٍ خاصٌّ إلى أحدهما اختار الصدق لا محالة. ثم قال بعد هذا المعنى ما لفظه: فإن قالوا هذا بناء على أن الواحد منا مخيرٌ في تصرفاته، ونحن لا نُسلِّمُ ذلك، فإن مذهبنا أنه مُجبرٌ عليه في هذه الأفعال، وأنها مخلوقة، ثم أجاب بأربعة أجوبة. قال في الثالث منها ما لفظه: وبعد، فلا خلاف بيننا وبينكم في أن هذه التصرفات محتاجةٌ إلينا، ومتعلِّقةٌ بنا، وأنا مختارون فيها، وإنما الخلاف في جهة التعلق أكسبٌ أم حدوثٌ، فعندنا أن جهة التعلُّق إنما هو الحدوث، وعندكم أن جهة التعلق إنما هو الكسب. انتهى لفظه. وهو رد صريح (١) لقول من يقول: إنهم ينكرون أن لنا أفعالاً وتصرفاتٍ، وقد توهَّم بعضُ مَنْ لا يعرفُ مذهبهم أن ظاهر كلام صاحب الشرح لا يصح، فتأوله بأن معنى قوله: إنه لا خلاف أنا مختارون في أفعالنا، أي لا خلاف في أنا مُريدون لها، وهذا التأويل باطلٌ لوجوه: الأول: أنه لا موجبَ له، وتجويز التأويل من غير موجب يفتح باب الجهالات، ويُبْطِلُ الانتفاع بنقل أهل المقالات. فإن قيل: الموجبُ له اختلاف النقل عنهم: فالجواب: أنه ليس بأولى من تأويل نقلِ من نقل نفي الاختيار عنهم، ثم إن الفِرَق فيهم كثيرة، وأهل السنة منهم أربعُ فِرَقٍ ليس منهم من ينفي الاختيار ألبتة (٢) كما يأتي بيان ذلك.

стр. 1998

وقد نقل الشيخ مختارٌ المعتزلي مذهبهم على الصواب في كتابه " المجتبى " لما كان تام المعرفة بمذهبهم، فقال ما لفظه: وذكر شيخنا صاحبُ " المعتمد " (١) أن جهمَ بن صَفْوان ذهب إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد فيهم وهم ليسوا بمحدثين ولا مكتسبين لها، وذهب النجارُ و (٢) الأشعري إلى أن الله خالقٌ لأفعال العبيد، وهم يكتسبونها. قال: وهذا هو المشهور من مذهبهم، وبه قال أكثر أهل السنة، فنُفْرِد لكل واحدٍ من الجبرية الخالقية والكَسْبية مسألة على حدة. قال: والحاصل أن المخالفين بأسرهم قالوا بقدرة العبد، لكن الفلاسفة زعموا أن القدرة هي علة (٣) الفعل مع الداعي. والإسفرايينيُّ (٤) زعم (٥) أنها جزءُ علة الفعل لوجوده بالقدرتين. والباقلاني زعم أنَّها عِلَّةُ الكسب. والجهم زعم أنها معنى لا تأثير له في الفعل أصلاً لكنه يُوجدُ متعلقاً (٣) به. انتهى بحروفه. وسيأتي بيان تفاصيل هذا النقل، وتفاوت مراتب المبتدعة، وأن الخصم نسب قول الجهم إلى جميع أهل الكلام من الأشعرية: الإسفراييني والبَاقِلاَّني والجُويني وغيرهم، بل إلى أهل السنن والآثار المنكرين لعلم الكلام (٦). ولا شكَّ أن نسبة ذلك إليهم باطلةٌ بالضرورة بشهادة جميع أهل العلم بمقالات المختلفين.

стр. 1999

والنقل للجبر المحض صحيحٌ، ولكن عمن ليس له سلفٌ ولا خَلَفٌ، وأهل السنة أشدُّ نكيراً عليه من المعتزلة، وليس ينبغي أن يُطْرَحَ على السواد الأعظم من المسلمين قول من شذَّ عنهم، كما لا يُطرَحُ على المعتزلة قول من يقول: إن الله تعالى لا يعلم الغيب من نُفاة القدر، ولا يُطرَحُ على الزيدية قول (١) الحسينية: إن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله ﷺ ، وإنه حيٌّ (٢) لم يمت، ولا قولُ المطرفية في تأثير (٣) الطبائع وغير ذلك، ولا يطرح على الشيعة القول بالرفض، ولا على الروافض مذاهب الباطنية الملاحدة، ولا قول الإسحاقية بربوبية علي بن أبي طالب ﵇. وما أحسن قول الذهبي في " ميزانه " (٤) في ترجمة إمام هذه الطائفة (٥) المخذولة وهو إسحاق بن محمد النخعي الأحمر - قال الذهبي: كان يقول: إن علياً هو الله، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً، وإليه تنسب الإسحاقية بالمدائن. قال ابن الجوزي: كان من الغلاة في الرفض (٦). قال الذهبي: حاشا غُلاة الرفض أن يقولوا في علي هو الله، فمن وصل إلى هذا، فهو كافرٌ لعين من إخوان النصارى. انتهى كلام الذهبي. فما أحسن بالعلم أن لا يطرح على من يُبغِضُه ما لم يقله، ولا يتساهل في عباره تُوهِمُ ذلك.

стр. 2000

وقد ميَّزَ (١) القاضي أبو بكر بن العربي الفقيه المالكي بين الفِرقِ المجتمعة في الاسم، المفترقة في المعنى، وبيَّنها على التفصيل في كتاب " المشكلين "، وعلى التجميل في " عارضة الأحوذي في شرح (٢) الترمذي " (٣) فقال: إن الروافض عشرون فرقةً من النيف والسبعين، منهم فرقةٌ واحدةٌ ليست من فرق الإسلام، والقدرية عشرون فرقة، منهم فرقتان ليستا (٤) من فرق الإسلام. فثبت أنه لا موجب لتأويل كلام صاحب الشرح فيما (٥) نقل عن الأشعرية أنهم يُثبتون الاختيار للعباد، وهم أقرب فرق أهل السنة إلى الجبر كما يأتي، فكيف (٦) بغيرهم من أهل الحديث والآثار! الوجه الثاني: أن هذا التأويل الركيك يُبْطِل كون ما ذكره صاحب الشرح جواباً ثالثاً على الأشعرية غير الجوابين الأولين عليهم، فإنه أراد بهدا الجواب نقض قولهم: إنهم مُجْبَرُون لا فِعْلَ لهم، وردَّ دعواهم أن هذا مذهبهم إن فرضنا أنهم ادعوا ذلك، فلو كان غرضه أنا مريدون غير مختارين، لم يكن نقضاً لدعواهم المقدرة في أن مذهبهم الجبر، وهذا قاطعٌ جليٌّ لا يمكن المتأول دفعه، فإن إرادتنا من غير اختيارٍ لا تغني عنا شيئاً، فالمريض قد يريد العافية، ولا يقدر على تحصيلها باختياره، والهارب من السبع عند الاضطرار يريد الهرب ولا يقدر على تركه باختياره عند الجميع. الوجه الثالث: أن الاختيار والإرادة لفظان مختلفان، وقد ثبت أحدهما (٧) مع انتفاء الآخر كما ذكرنا في المُضْطَرِّ إلى الهرب من السبع، وسيأتي بيان ذلك على مذهب المعتزلة والأشعرية في المرتبة الخامسة في الفرقة الأولى.

стр. 2001

الطريقة الثانية: النقل عن أهل السنة ومتكلميهم، وذكر نصوصهم المتواترة الصريحة من كتبهم الشهيرة. واعلم أن القدر المجمع عليه بينهم هو أن العبد غير فاعلٍ على سبيل الاستقلال والاستغناء عن ربه ، بل يقولون: إن الخلق (١) مُستمدٌّ والحق مستبدٌّ، ثم أطلقوا الخلق على أفعال العباد وعَنَوْا (٢) به أمرين: أحدهما: تقديرها في سابق علم الله وقضائه وقدره، وسيأتي تفسيرهما، وهو يُسمى خلقاً باتفاق أهل (٣) اللغة، وهذا هو القدرُ الذي أجمعوا عليه (٤). وثانيهما: قول كثير منهم، وهو إيجاد ذواتها التي تعتقد المعتزلة أنها ثابتة في الأزل، وأنها غير مقدرة (٥) لله تعالي، ولم يَعْنُوا خلق القدر المقابل بالجزاء من أفعال العباد على تفصيلٍ يأتي بيانه في ذلك في المرتبة الخامسة إن شاء الله تعالى. وفي غلاة المتكلمين من الأشعرية القليل (٦) يُطلقون الجبر في أفعال العباد، ويُفسِّرونه بوجوب وقوع الراجح مع بقاء الاختيار، كما تقولُه المعتزلة في وجوب اختيار الرب لفعل الواجب وترك القبيح، بل في وجوب اختيار جميع الخلق للصدق على الكذب عقلاً عند استواء الدواعي الزائدة على الداعي إلى الصدق والصارف عن الكذب كما يأتي في مسألة التحسين العقلي وغيرها إن شاء الله تعالى. وقد قبَّح أهلُ السنة عليهم تسمية ذلك جبراً، بل فيهم من يُطلِقُ الجبر ويُفسِّرُه بمعنىً مُتَّفَقٍ عليه، وهو الجبر الأول على أسباب التكليف وشروطه عند المعتزلة ..

стр. 2002

ونحن نتكلم على جميع مقاصدهم في ذلك، ونبدأ بما هو كالأساس للكلام في خلق الأفعال عندهم، وينحصر ذلك إن شاء الله تعالى في خمس مراتب: الأولى: تكليف المكلَّفين من غير اختيارهم للتكليف. الثانية: نفوذ (١) مشيئة الله تعالى في الكائنات. الثالثة: الكلام على الدواعي (٢) والصوارف. الرابعة: الكلام على القضاء والقدر والحكمة في ذلك. الخامسة منها: الكلام في مسألة الأفعال نفسها. المرتبة الأولى: المعنى الصحيح بالاتفاق، وإن اختلفت العبارة عنه، وذلك إقدار المكلفين وخلقهم مُمْتَحَنين عُقلاء مختارين. وقد صرَّح الشهرستاني في " نهاية الإقدام " بالجبر، وفسره بهذا المعنى (٣) كما سيأتي عند ذكر مذهب الجويني، وإنه إنما حمله عليه الفرار من ركاكة الجبر، وذلك في الكلام على الفرقة الرابعة في المرتبة الخامسة، وهذا معنى صحيح لكن فيه إيهام (٤) الجبر في الأفعال الاختيارية، فتسمية (٥) ذلك جبراً قبيحٌ، وإن كان قد اعترف الزمخشري (٦) وهو من رؤوس المعتزلة بصحة هذه العبارة، فقال في تفسير سورة (٧) الحشر في تفسير اسمه الجبّار جلَّ وعزّ أنه الذي جبر الخلق على ما أراد، ووافقه الخطابي على هذا التفسير، رواه البيهقي عن الخطابي في " الأسماء والصفات " (١) وأنه على وجه لا يُوهم الجبر في التكاليف الاختيارية، والخلق بهذا المعنى مجبورون مقهورون مربوبون مقسورون.

стр. 2003

ولا يرد عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فإن أقصى ما تدل عليه من هذا المعنى أنه خُيِّر في بعض صور التكليف كتحمُّل الأمانة بعد أن خُلِق مُكَلَّفاً مختاراً، فاختياره الأول الذي اختار به التكليف الخاصَّ جَبْرٌ لم يثبت باختياره، وإن سلمنا أن الآية تقتضي أنه خُيِّر في مطلق التكليف، فغير واردٍ لوجوه. الأول: أنه لا يصح منه اختيار التكليف حتى يخلق عاقلاً مختاراً من غير اختياره، وهذا هو الجبرُ الأول المتفق عليه. الثاني: أنها خاصةٌ بآدم ﵇، لأن المعلوم ضرورةً أن غيره غير مُخَيَّرٍ فيه. الوجه الثالث: أنه لا يحسُنُ من الرب عند المعتزلة التخيير في الدخول في التكليف، بل الرب عن قولهم غير مختار في إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات عندهم على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. فالآية عندهم متأولة، وتفسير الجبر بهذا المعنى أجنبيٌّ مما نحن فيه لولا إرادة التقصِّي لمعانيه في إطلاقاتهم وخشية أن يستدركه علي مستدركٌ ما ذكرته، وقد جعلته أوّل المراتب لوضوحه والاتفاق على معناه، وقلة الكلام فيه. المرتبة الثانية: إطلاقهم وجوب الأفعال بالنظر إلى نفوذ مشيئة الله تعالى مع بقاء الاختيار بالنظر إلي القدرة والمقدور، والأصل في ذلك أنها تواترت النصوص في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بعموم قدرة الله تعالى على كل شيء، وبنُفوذ إرادة الله ومشيئته في جميع الكائنات من غير موجب للتأويل ولا قرينةٍ ظنية، بل تَطَابَقَ العقل والنقل على صحة ذلك، وسيأتي (١) بيانه إن شاء الله تعالى مع ورود النصوص أيضاً بأن الله تعالى لا يحب الفساد، ولا يرضى (٢)

стр. 2004

لعباده الكفر، وأنه (١) يرضى الشكر، وقال تعالى بعد ذكر (٢) كثيرٍ من القبائح ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] وقد أجمعت (٣) الأمة على أن المعاصي تُسمى مكروهةً ومسخوطةً، ثم لم يرد شيء من الكتاب والسنة معارض لهذه الآيات في (٤) الجانبين مُعارضةً صريحةً (٥) تقتضي أن الله تعالى يريد ما يعلم أنه لا يكون، أو تقتضي أنه يحب شيئاً من القبائح، أو يكره شيئاً من الحسنات، فالمُتَّجه (٦) في الجمع بينهما أن ما أحبه الله من الأعمال، فإنما الواجب أن يقع منه ما أراد وقوعه عند أهل السنة كمن (٧) أحب من العاملين، وما كَرِهَ من الأعمال، فالواجب أن لا يقع منه ما أراد عدم وقوعه دون ما لم يُرِدِ العصمة عنه لحكمة، كمن سَخِطَ من العاملين، فإنه يلزم من إرادته وجودهم لحكمة أن يحبهم وأن لا يسخطهم، وسيأتي زيادة بيانٍ لذلك. فلذلك فرّق أهل الحديث والأثر وأتباع السنن بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضا، وقرَّروا النصوص في عموم نفوذ المشيئة والإرادة، وخصوص تعلُّق المحبة والرضا وهو الصواب كما يتضحُ إن شاء الله تعالى، ويتضح أن هذا كلمة إجماع بين أهل البيت ﵈ في القرون الثلاثة التي هي خيرُ القرون مع إجماع أهل السنة عليه من أهل البيت وغيرهم إلى الآن، ولا يزالون على ذلك إلى يوم القيامة، كما ورد في البُشرى (٨) النبوية الصادقة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

стр. 2005

وهذه جملةٌ صالحةٌ من النصوص المشار إليها، قال الله تعالى في نفوذ إرادته في هداية العُصاة وغيرها: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون﴾ [التوبة: ٥٥]. وقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقال تعالى: ﴿ولو شاءَ الله لجمعَهُمْ على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿ولوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرضِ كُلُّهم جميعاً﴾ [يونس: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربُّك لجعل الناسَ أمَّةً واحدةً﴾ [هود: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾

стр. 2006

[الأنعام: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿إنَّك لا تهدي من أحبتْتَ ولكِنَّ الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾ [الشورى: ٨]. وقال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]. وقال تعالى حاكياً عن موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقال تعالى: ﴿تُؤتي المُلكَ من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿يُؤتي الحكمة من يشاء﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال تعالى حاكياً عن يوسف ﵇: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) [الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿إن ربَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. وقاله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة﴾ [آل عمران: ١٧٦].

стр. 2007

وقال تعالى: ﴿إنْ كان اللهُ يُرِيدُ أن يُغوِيكُم﴾ [هود: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وما أصَابَكُم يوم التقى الجَمْعَانِ فبإذنِ الله﴾ [آل عمران: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿ومَا كان لِنَفْسٍ أن تُؤمِنَ إلاَّ بإذنِ اللهِ﴾ [يونس: ١٠٠]. وجاء مثل هذه النصوص في نسبة الهدى والضلال إلى الله تعالى، وأنَّه لا يهدي من يُضِلُّ، وبَيَّن الله سبحانه ما أجمله من ذلك كقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلا الفَاسِقينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وبقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]. وجاءت السنة النبوية المتواترة بنحو هذه الآيات ولا سبيل إلى استقصاء ما ورد من السنة في ذلك، ولا حاجة إلى ذكره مع هذه الآيات الكريمة، فدلَّ جميع ذلك مع الدلائل العقلية على قدرة الله تعالى على هداية الخلق أجمعين، وأنه سبحانه إنما لم يَهْدِ الأشقياء لحكمةٍ بالغةٍ وإن لم تدركها العقول. وسيأتي ذكر بعض الحكم التي دلَّّ عليها السمع في ذلك في المرتبة الثالثة في الدواعي، وفي المرتبة الرابعة في وجه تقدير الشرور، ويأتي في هذه المرتبة أيضاً شيء من ذلك. وخالفت المعتزلة في معنى الآيات، وزعمت إلاَّ القليل منهم أنه ليس في معلوم الله تعالى، ولا في مقدوره هداية عاصٍ في ذنب واحد على جهة الاختيار، وقالوا: إن المراد بالآيات أنه سبحانه لا يُكْرِهُ الخلق على الإيمان إكراهاً يبطُلُ معه التكليف، والذمُّ، والمدح، والأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، والابتلاء، وجعلوا هذا تفسير الهداية التي تمدح الله بقدرته عليها، ورَكِبُوا كُلَّ صعبٍ وذَلُول في تأويل القرآن، وتعسَّفوا في وجوهٍ التأويل تعسُّفاً يرُدُّه البرهان كما نُبين ذلك إن شاء الله تعالى أوضح بيان، ولا بُدَّ من إيراد

стр. 2008

أدلة (١) الطائفتين. فأمَّا أهل السنة، فأدلتهم على ذلك كثيرةٌ، والذي حَضَرني منها ثلاثة: الدليل الأول: أنه (٢) لا بد لله تعالى من حكمةٍ في خلق من عَلِمَ أنه من أهل النار عند الجميع كما يأتي إن شاء الله تعالى، والذي عيَّنته المعتزلة وجهاً للحكمة في ذلك هو إرادة الحكيم إلى تحصيل ما علم أنه لا يكون، وذلك يستلزِمُ توجيه إرادة الحكيم إلى تحصيل ما يمنع علمه الحق بالغيوب من إرادة حصوله، وذلك خلاف المعقول والمنقول كما سنوضِّح ذلك إن شاء الله تعالى، ونوضِّح ما اعتذر به بعضهم من توجيه إرادته تعالى إلى مجرد التعريض إلى تحصيل ما عَلِمَ أنه لا يحصُلُ، ويأتي بُطلان هذا العذر، فلا بد من الرجوع إلى الإيمان (٣) بأن لله تعالى حكمةً في ذلك، وإن لم تُدركها العقول، كما صرح بذلك حُذَّاقُهُم، منهم الزمخشري في " الكشاف " (٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تعلمُون﴾ [البقرة: ٣٠] فإنه قال ما لفظه: فإن قلت: هلاَّ بيَّن لهُم تلك المصالح؟ قلت: كفي العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمةٌ (٥)، وإن خَفِيَ عليهم وجهُ الحُسْنِ والحكمة. وأوضحُ من هذا وأصرحُ: ما ذكره الزمخشري (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِن﴾ [التغابن: ٢] فإنه قال فيه ما لفظه: فإن قلت: نعم إن العباد هم الفاعلون للكُفْرِ، ولكن قد سَبَقَ في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلاَّ الكفر، ولم يختاروا (٧) غيره، فماذا دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم، وهل خلقُ القبيح وخَلْقُ فاعل القبيح إلاَّ واحدٌ؟! وهل مثله إلاَّ مثل منْ وَهَبَ سيفاً باتراً لمن شُهِرَ بقطع السُّبل وقتل النفس

стр. 2009

المُحرَّمة، فقتل به مؤمناً، أما يُطْبِقُ العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه والدَّقِّ في فَرْوَتِه كما يذُمُّون القاتل، بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد. قلت: قد علمنا أن الله حكيمٌ عالمٌ بقُبح القبيح، عالمٌ بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كُلَّها حسنةٌ، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسناً، وأن يكون له وجه حسن، وعَدَمُ عِلْمِنِا لا يقدح في حُسِنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلُنا بداعي الحكمة إلى (١) خلقها. انتهى بحروفه (٢). وفي قوله: ما دعا الحكيم (٣) إلى خلقهم مع علمه بما (٤) يكون منهم، إشارةٌ إلى قول أهل السنة: إن الإرادة لا يَصِحُّ توجُّهُها إلى تحصيل ما منع منه علم الغيب من حصوله. فإن ادَّعت المعتزلة أن وجه الحكمة في خلق من سبق العلم بأنهم من أهل

стр. 2010

الكُفر جليٌّ، ظهر عنادهم. وإن تطلَّبوا له وجهاً خفياً لطيفاً كما يأتي أمكن مثلُه في الإرادة من غير تأويلٍ كما يأتي أيضاً. وإن خصُّوا ظواهر آيات المشيئة بالتقبيح مع تجويزهم مثل ما دلَّت عليه مما لا تقبله العقولُ من خلق من المعلوم من حال (١) أنه من أهل الكفر والفساد في الأرض، ومن أهل النار في الآخرة، وتمكينه من الكفر والفساد ليكون من أهل الصلاح عاجلاً، ومن أهل الجنة آجلاً (٢) مع العلم عند قصد الإحسان إليهم بذلك أنه لا يحصُلُ منهم إلاَّ نقيضه، ولا يَقَعُون إلاَّ في ضِدِّه، ثم قبَّحنا (٣) العفو عنهم مع قطعنا بأن الإحسان إليهم هو القصد الأول، وأن علم الغيب بما يقعُون (٤) فيه من المضَارِّ بسبب هذا (٥) والقصد (٦) سابقٌ له ومقارن، كنا قد وقعنا من مخالفة قضايا العقول في مثل ما مَنَعْنَاه من ظواهر آيات المشيئة كما يأتي مقرراً أوضح من هذا وأبسط. هذا الذي يؤمن به أهل السنة (٧) في الابتداء والانتهاء، ويمتنع (٨) منه أهل البدعة في الابتداء، ثم يرجعون إليه في الانتهاء، ولكن المبتدع لا يرجِعُ إلى الإيمان الجملي إلاَّ بعد الحكم بتقبيح أكثر الظواهر من الآيات والأخبار، والخبط في التأويل المتعسِّف بغير علم ولا موجبٍ صحيح، ثم يقعُ في مثل ما مَنَعَ، ويلتزم أرك مما أنكر في زعمه وأشنع، ويجعل (٩) إيمانه الجملي فيما انتهى إليه رأيه، وحار فيه عقله، ووقفته عليه شيوخه. والسُّنيُّ يؤمِنُ بآيات الله تعالى، وأحاديث رسول الله ﷺ من أول الأمر، ولا

стр. 2011

يقفُو ما ليس لَهُ به علمٌ من التأويل، ويجعلُ إيمانه الجملي في مواقع (١) النصوص الشرعية، وموافقة الآيات القرآنية. والسني (٢) آمن بكلام الله وإن أنكر العقل ظاهره لعلمه بثبوت حكمة الله تعالى في تأويله الباطن، ونعني بالتأويل ها هنا الحكمة في الشيء مع بقائه على ظاهره كتأويل استخلاف آدم وذريته في الأرض، وتأويل ما أنكره موسى من الخَضِرِ ﵉، ولم يَزَلْ ذلك سُنَّة المؤمنين، بل سنة المرسلين كما خرَّجه مسلمٌ في " الصحيح "، وأحمد في " المسند "، والترمذي من حديث ابن عبَّاس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ (٣) [البقرة: ٢٨٤]. وسببُ نزول آخر السورة خرجه أحمد من حديث عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس (٤) وهذا إسنادٌ على شرط الجماعة، وفي حُميدٍ الأعرج خلافٌ لا يضُرُّ (٥) خصوصاً، وقد خرَّج مسلمٌ وأحمد من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة (٦)

стр. 2012

نحو حديث ابن عباس. ولفظ ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٨٤] دخل في قلوبهم منها شيءٌ لم يدخل في قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : " قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا " (١) قال: وألقى الله (٢) الإيمان في قلوبهم (٣)، فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال: قد فعلتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: قد فعلتُ. أخرجه مسلم (٤). ولفظ حديث أبي هريرة: أنها لما نزلت أتوا رسول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، وقالوا: كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق ... وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقُها، قال: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فلما اقترأها القوم وذلَّت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك، نسخها الله، فأنزل : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم (٥) ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ قال: نعم.

стр. 2013

وخرَّج الترمذي (١) بعضه مختصراً من حديث علي ﵇. وخرجه البخاري (٢) كذلك مختصراً من حديث بعض (٣) أصحاب النبي ﷺ . والعَجَبُ من المعتزلة أن الذي حملهم على تأويل آيات المشيئة الفرار من الإيمان بالمتشابه في العقل إلى (٤) المحكم فيه، ثم زعموا أن الله تعالى ما خلق أهل النار إلاَّ للأصلح لهم في الأخرة، وليُحسن إليهم بالخلود في الجنة على أبلغِ الوجوهِ أو للتعريض لذلك، والتمكين منه. فالتعريض عندهم هو الغَرَضُ، والأصلح الذي هو ثمرته غرض الغرض كما سيأتي. لكن لم يكن في مقدوره تبليغهم ذلك على تلك الصفة البليغة مع اعترافهم أنه قادر على إدخالهم الجنة على حالٍ دون تلك الحال البليغة بأن يلْطُف بهم لُطفاً يختارون معه فعل الخير على حدِّ اختيار الربِّ ، وذلك بأن يُعرِّفَهم قُبحَ القبائح، ولا يجعل لهم إليها داعياً، وأنه لو فعل هذا، لاستحق الثناء العظيم استحقاقاً واجباً على أبلغ الوجوه كما يستحقُّه الرب تعالى، ولَسَلِمُوا من استحقاق الذمِّ والعقاب، ولَصَلَحوا مع ذلك للتفضُّل عليهم بالخلود في الجنة، وما فاتهم إلاَّ كونُ هذا الخلود غيرَ مستَحَقٍّ لهم بأعمالهم على جهة الوجوب على الله تعالى.

стр. 2014

وزعمت المعتزلة أن الأصلح لأهل النار من هذا كُلِّه خلقُ دواعٍ إلى القبائح بعلم الله تعالى علماً لا يقع خلافه ألبتة أنه (١) سبحانه متى (٢) خلقها لهم وقعت القبائح دون الطاعات، واستحقَّ فاعلوها العقاب الشديد الدائم والذم وأعظم المضار، ووفعوا في ذلك، وخُلِّدُوا فيه أبداً، وأن الله تعالى إنما فعل دواعي الشر هذه مع علمه الغيب بما يكون من عاقبة أهلها في العذاب الدائم إرادةً منه سبحانه لدخول أهل النار الجنة، وقصداً لما هو الأصلحُ في آخرتهم. بل قالت المعتزلة: إن الله تعالى قادرٌ على أن يبني الكفار والشياطين مثل بنية الملائكة والأنبياء، ولو فعل ذلك لآمنوا (٣) كما يأتي، ويأتي (٤) الدليل على صحته. ومع هذا قطعوا أن الله أراد بخلقهم على بِنيةٍ علم أن من خُلِقَ عليها يختارُ الكفر، ولا يقبل اللُّطف ألبتة أن يُؤمنوا ويَسْعَدُوا في الآخرة، ويكون ثوابهم في أعظم المراتب، أو لتعرضهم إلى ذلك بالتمكين (٥) كما سيأتي أنه يؤول إلى معنى واحدٍ. فيا عجباه إن أحكم الحاكمين، وأقدر القادرين أراد عندهم الإحسان إلى أهل النار بالجنة، أو ما يُصَيِّرُهم إليها على أتم الوجوه، فلم يَقْدِرْ على ذلك عندهم، ولا وَسِعَتْ قدرتُه وألطافُه أن تبلُغَ ذلك. ثم يا عجباه أحين عُلِمَ أن ذلك لا يدخُلُ تحت مقدوره عند المعتزلة مع أنه غاية مقصوده الذي خلق العوالم كلَّها له، كيف لم يعدل عن تحصيله على أتم الوجوه إلى تحصيله على أنقص من الأتَمِّ، فيدخلهم الجنة على أحد صور. إما بأن يخلقُهَم على بِنْيَةٍ مثل بنية المعصومين على قول من يقول منهم: إن الله قادر على ذلك، بل هو قولهم الجميع كما سيأتي.

стр. 2015

أو بأن لا يخلق لهم الدواعي إلى القبيح على ما تقدم. أو بمجرد (١) عفوه عن ظلمهم أنفسهم، فإنهم ما ظلموه ولكن ظلموا أنفسهم (٢) كما قال سبحانه، وقد علَّق الوعيد بشرط المشيئة في غير آية، وذلك يُخرجه عن الخُلْفِ والكذب. ولو قدرنا أن (٣) الوعيد قد ورد على صورةٍ يقبُحُ العفوُ منها (٤). فعلم الغيب السابق أن وعيد العُصاة يكون سبباً لقُبح العفو عنهم كان يقتضي عدم الوعيد على هذه الصورة المانعة من العفو، فإن من له إرادةٌ في الإحسان إلى غيره بأمر من الأمور، إن علم أنه لا يتمكن من ذلك الأمر (٥) على أبلغ الوجوه عَدَلَ إلى تحصيله بدون ذلك، وترك كُلَّ ما يعلم أنه سيكون سبباً في بطلان ما أراده، كما قيل: إن الكريم على الإحسان يحتالُ وكان ذلك (٦) أولى من فوات جميع مقصوده بالضرورة وفي الأمثال: إن للشرِّ خياراً (٧). وقالوا: حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضِ (٨)

стр. 2016

فأمَّا أنه أولى من حصول ضدِّ غاية مقصوده، ونقيض منتهى مراده فمما لا يختلف فيه، أفما كان علمه الغيب بما يصيرون إليه من عظيم المضارِّ الدائمة مع قصده زيادة الإحسان إليهم بخلق دواعي الشرور يكفيه صارفاً يقاوم داعي الإحسان إليهم بمجرد التعريض، ويعارضه حتى يَرُوحوا كَفَافاً لا لهم ولا عليهم. وما فائدة علم الغيب السابق إذا كان صاحبه يَقَعُ في نقيض مقصوده؟ تعالى الله عن ذلك. وقد قال تعالى حاكياً (١) عن رسوله ﷺ : ﴿لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] فاحتجَّ على انتفاء العجز بمجموع صفتي العلم والقدرة، لأن القادر متى كان جاهلاً، فقد يفوته مراده بسبب جهله، والعالم متى كان عاجزاً، فاته مراده بسبب عجزه، ومن جمع تمام العلم وتمام القدرة، استحال أن يفوته مراده قطعاً عقلاً وسمعاً. فدلَّ القرآن والبرهان على أن عالم الغيب كما لا يَمَسُّه السوء، كذلك لا يمسُّ من أراد نجاته من السوء، وكيف لا ينجو من السُّوء (٢) من أراد له عالم الغيب بلوغ أبلغ مراتب الفوز بالرضوان، والدوام في الجنان. ويرد على اعتذارهم عن ذلك بوجوب العذاب لوجوب الصدق في الوعيد مع ما تقدم في ذلك من وجهٍ آخر جيدٍ جداً، وذلك أن الوعيد (٣) لم يَصدُر حتى

стр. 2017

أراد الله عذاب العصاة، وأراد عدم العفو عنهم قبل الوعيد، وإرادته هذه على تقدير أنه مريدٌ بالتكليف لهم الإحسان إليهم يناقض ذلك، فإن العفو عنهم من غير تقدُّم إرادة الإحسان إليهم أفضل وأرجح، فكيف مع إرادة (١) الإحسان وإرادة المرجوح مرجوحة، والمرجوح وإرادته لا يصح أن يقعا من الحكيم العالم بأنه مرجوحٌ، الغني عنه لولا أن لله تعالى حكمة (٢) بالغة غير ما ذكروه، فتعيينهم لها في ذلك الوجه الضعيف جنايةٌ منهم على حكمة الله تعالى البالغة، وحجته الدامغة، وعلمه الغيوب، وحكمه الذي لا مُعَقِّب له ، وأعظم من هذا (٣) اعتقادُ المعتزلة لوجوب دوام تعذيب العباد على الرب الذي أوجبوا عليه في الابتداء إرادة الأصلح لهم في آخرتهم، فما أبعد ما أوجبوه في الابتداء من مناسبة ما أوجبوه في الانتهاء حتى قطعوا بتقبيح العفو من الرب الغنيِّ الحميد، وقَضَوْا باستحقاقه لو عفا عنهم - الذم واللائمة العظيمة. ولقد عظُمت غفلتُهم حين أوجبوا في الابتداء ما (٤) هو غيرُ مقصود لنفسه من التكليف بعد خلق العقول، بل مقصودٌ لتمام النعيم في الانتهاء، ثم أوجبوا بطلان المقصود لنفسه في الانتهاء، وهو تمام النعيم، بل أوجبوا ضده وهو العذاب الدائم. وأبعد من هذا وأفسد قول البغدادية من المعتزلة بوجوب دوام العذاب مُعلِّلين لذلك بأنه الأصلحُ للعباد، وعدم وجوب شيء من الثواب مع أنه أصلح لأهل الجنة. فإذا ضممت هذه الأقوال إلى ما عُلِمَ بالضرورة من العقلاء من أن المقصود في الأمور هو عواقبها لا سيما العواقب الدائمة، وأن الوسائل والمبادىء

стр. 2018

والمقدمات غيرُ مقصودة في أنفسها، وأن من علم عدم تمام أمرٍ لم يشرع في (١) مقدماته، ولا يشتغل بمبادئه وإن فعل ذلك مع علمه ببطلانِ مقصوده في العاقبة عُدَّ عابثاً، بل وجوب ذلك ممتنع عقلاً وشرعاً وإجماعاً عند (٢) العقلاء كما يأتي في مسألة الدواعي بيانه، فكيف بمَنْ علم أن مقصوده في العاقبة منعكس عليه. ويكفيك وضوحاً في بطلان قول المعتزلة في هذه المسألة أنه يستلزم أن الله تعالى عَمِلَ بغير علمه، بل عمل على ما يُضادُّ العمل بعلمه. وقد أجمع أهل العلم والعقل على ذم العمل بغير العلم، وعلى أن ثمرة العلم وسبب شَرَفِه وفضله هو العمل به، ولا سيما العلمُ بالعواقب، وما يتمُّ من المراد منها، وما لا يتم. وقد عبَّر الحكماء عن ذلك بقولهم: إن أول الفكرة آخرُ العمل، وبقولهم: إنَّ الخير هو المقصود الأول في فعل كل حكيم. وهذا هو المراد لنفسه، والشر لا يكون في فعل الحكيم إلاَّ وسيلةً إلى غيره كالحجامة وسيلة إلى العافية، والعافية هي المقصود الأول المراد لذاته، والحجامة وهي الشرُّ هي المقصود الثاني المراد لغيره، أي للخير، ولا يدخُلُ الشرُّ المحضُ في فعل الحكيم، ولا يريده لنفسه ألبتة. فوضَحَ بهذا أن المعتزلة حافظوا على رعايةِ التحسين العقلي حين أخلُّوا بصفة القدرة الربانية، وتأوَّلوا آيات المشيئة القرآنية، وانعكس عليهم مقصودهم في رعاية التحسين العقلي بالكلية مع سوء ما ارتكبوا في التوصل إليه من توهين (٣) القدرة والمشيئة. فما أقبح ما توصَّلوا به، وما أفسد ما انتهوا إليه، وأقبح من هذا قول من نفي

стр. 2019

حكمة الله تعالى ظاهراً وباطناً كما سيأتي بيانه مطوَّلاً مستقصىً. وإنما حكمة الله تعالى في الدنيا ما نصَّ عليه تعالى في كتابه من إقامة حجته وعدله عند العقاب، وظهور رحمته وفضله قبل ذلك، وغير ذلك من تمييز الخبيث من الطيب، وبلوى خلقه أيُّهم أحسن عملاً، ونصر المؤمنين، والانتقام للمظلومين، وما (١) لا يعلمه إلا هو كما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى. وقد عَلَّلَ الربُّ تعالى تركه بسط الرزق لكونه مفسدة لجميع المخلوقين عُموماً، فثبت أنه تعالى لا يفعل مفسدةً لهم، وأن أفعاله معلَّلَةٌ بالمصالح وإن خَفِيَتْ علينا كما سيأتي مبسوطاً. وربما استقبحوا هذه العبارة، فقالوا: إنما خلقهم ليعرضهم لذلك لا سوى، لا ليدخلوا الجنة، فيلزمُهم مذهبُ أهل السنة في امتناع تعلُّق الإرادة بما (٢) علم الله أنه لا يقع، إذ لا قُبْحَ في إرادة الإحسان إليهم بدخول الجنة، وإثابتهم بها عند استحقاقهم ذلك، واستجماع شرائط حسنةٍ كما يحسُنُ منه ذلك في خلق من عَلِمَ أنه يؤمن ويدخُلُها، ولا قُبْحَ في إرادة ذلك. وإنما يمتنع ذلك (٣) حيث يصادم العلم الإرادة، وقد غَلِطَ من ظَن (٤) تقدُّم الإرادة لذلك من قبيل تعظيم من لا يستحق التعظيم، لأن إرادة المقدمات فرع إرادة ما هي وسيلة إليه. ولذلك قيل: أول الفكرة آخر العمل، على أن التعريض لو سُلِّم أنه المراد، لما كان مُراداً لنفسه كما زعم المعتذر (٥) بذلك منهم، وإلا لما وَجَبَ اللطفُ، ولا قَبُحَتِ المفسدة، ولا حَسُنَ العقاب خصوصاً حيث لا ثمرة له تعودُ عليهم بالصلاح، كعقاب الآخرة الدائم، إنَّ التعريض قد حَصَلَ، ولا يستحقُّ العقابُ عقلاً بتركه.

стр. 2020

ولو سلمنا أن الانتفاع به حسنٌ لنفسه فذلك بشرط أن لا يعاقبه الله تعالى على عدم الانتفاع به، وأن لا يعلم فاعل التعريض وهو الله سبحانه أنه يكون سبباً في العذاب الأكبر. فمتى عَلِمَ ذلك، كان تركه أرجح بالنسبة إلى النظر لمن قصد (١) الإحسان إليه بذلك التعريض. وقد أحتجت المعتزلة على وجوب اللُّطف بأن تركه يدلُّ على مناقضة قصد تاركه لما دعاه إليه الداعي من الإحسان إلى الملطوف به، وكذلك يناقضه علمه بالعواقب المضادة لمراده. وقد ضَعَّفَ الشيخ مختار في كتابه " المجتبى " كلام أصحابه المعتزلة في الاعتذار بالتعريض، وقال ما لفظه: قوله: لا نُسَلِّمُ بأن غرضه استحقاق الجنة. قلنا: إنه غرضه أو غرض غرضه لأن الغرض من التمكين إنما هو الاستحقاق. انتهى بحروفه من المسألة التاسعة عشرة في زيادة شهوةٍ تلازمها المعصية (٢) في خاتمة أبواب العدل. ويدلُّ على ذلك من السمع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾ [الأنفال: ٢٣] وهي حجة واضحة على أن مجرد التعريض الذي سبق في العلم أنه لا يُقبل مما لا يُتشاغل به. وكذلك يدلُّ على حسن الإعراض عن طلب حصول ما سبق في العلم أنه لا يحصُلُ. وأما قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] فليس فيه أن المقصود من إنذار من كان مُسْرِفاً هو التعريض، بل

стр. 2021

الواجب (١) حملُه على ما صرَّح القرآن به من إقامة الحجة كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] فتأمَّل ذلك. وأيضاً فقد سَمَّى الله الرسل مُبَشِّرين ومنذرين، بل قَصَرَهُم على ذلك، ولم يُسَمِّهِم مُعَرِّضين، وذكر الابتلاء والإنذار والعُذْرَ، وعلَّل بها ولم يذكر التعريض ولا علَّل به، وهكذا المبتدعة يتركون المنصوص ويأتون بما يخالف العقل والسمع. ويعضُدُ ذلك من السمع مثل قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١٠ - ١١] الآية، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون﴾ [يونس: ١٠١] وما في هذا المعنى، وهو كثير، وهو واضحٌ في أن المراد إقامة الحجة عليهم لا وقوع المطلوب منهم، المعلوم أنه لا يَقَعُ. ويُشبه ذلك منعهم من الإضلال، تأويلُه بالخِذْلان ولا فرق في المعنى. وقد أخطأتِ المعتزلة في هذه المسألة وأمثالها في وجهين: الأول: القطع بتقبيح ظواهر القرآن والسنة من غير موجِبٍ، وترجيحُ ما لا يَحْتَمِلُ التأويل على ما يحتملُه. بيانه أنه دار الأمر بين عدم قدرة الرب عن ذلك- على هداية العُصاة، وبين إضلالهم، لكن أهل السنة رَأوْا قُبْحَ الإضلال يحتمل التأويل لخفاء وجه الحكمة، وكونه مُحتملاً عقلاً كما خَفِي على موسى تأويل الخَضِرِ، وهذا مجال مُتَّسِعٌ لأربابِ (٢) النظر، كيف لعلام الغيوب الذي تَقِلُّ البحار أن تكون مِداداً لكلماته؟!

стр. 2022

وأما نفي القدرة فإنه (١) صفة نقص لذاته، وليس يَحتمل أن يكون الله غير قادر لوجه حسن مثل ما يحتمل أن يكون (٢) مضلاًّ لوجهٍ حسن كما نبَّه عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها. وقد أجمعُوا على جواز المتشابه الذي يدخله التأويل دون صفات النقص المَحضَةِ التي لا يُمكنَ مثل ذلك فيها، على أنه سوف يقوم الدليل على قدرة الله تعالى على هداية العُصاة اختياراً على قواعد المعتزلة من جهة تغيير البِنْية وترك الأسباب المضلةِ الزائدة على أصل التكليف، وغير ذلك كما يأتي بيانه بعون الله. وثانيهما: تكلُّف تعيين ما أراده الله من ذلك بغير حجةٍ وذلك خطأ عقلاً وسمعاً. أما العقل، فلأن المتأوِّل إما أن يقطع على أن تأويله هو مراد الله (٣)، وأنه لا يَصِحُّ تأويل سواه، فهذا خطأ، لأنه لا دليل على نفي ما عداه من التأويل. وأقصى ما في الباب أنه طلب سواه فلم يَجِدْ، لكنَّ عدمَ وجدان الطالب لا يستلزم عدم المطلوب في نفس الأمر عند الله، وكم من طالبٍ لأمرٍ لا يجدُه المدة الطويلة، ثم يجدُه هو أو غيره، وإن لم يقطع على أن تأويله هو مراد الله، ولا على انتفاء غيره من التأويلات، فمجرد الاحتمال ليس بتفسير ولا معنى للظن في مسائل الاعتقاد الجازم لا سيما مع الموانع السمعية منه إلاَّ ما خصَّه الإجماع وغيره من العمل بالظن في غير مواضع القطع، ولأنهم تأوَّلوا آيات الإضلال والمشيئة بالتعجيز، وهو خطأ لوجهين: أحدهما: أن التعجيز شرٌّ منه كما مضى تقريره. وثانيهما: أنه لا يزول معه التقبيحُ العقلي، لأن العقل يستقبح طلب حصول ما

стр. 2023

المعلوم أنه لا يحصُلُ، وإن كان مقدوراً ويمنع من إمكان إرادته، فوَجَبَ الإيمان بحكمةٍ مجهولةٍ إلاَّ أن يدُلَّ السمعُ عليها. وأما السمع فقوله تعالى: ﴿ابتغاءَ الفِتنَةِ وابتغاءَ تأويلهِ﴾ إلى قوله: ﴿وما يعلَمُ تأويلَه إلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٧] ويأتي تقريرها إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وفي ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال في القرآن بغيرِ علمٍ، فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النَّار ". وفي رواية: " من قال في القرآن برأيه، فليتبوَّأ مقعده من النار ". أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسنٌ، والنسائي (١). قال المِزِّيُّ في " أطرافه " (٢). رواه الترمذي في التفسير عن محمود بن غَيْلانَ، عن بِشْر بن السري، عن سفيان عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس (٣).

стр. 2024

وعن سفيان بن وكيع، عن سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة. ورواه أبو داود في كتاب العلم عن مسددٍ عن (١) أبي عوانة (٢)، عن عبد الأعلى به. ورواه النسائي في " فضائل القرآن " عن عبد الحميد بن محمد، عن مخلد ابن يزيد. وعن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم ومحمد بن بِشْر. وعن بُندار، عن يحيى بن سعيد أربعتهم عن سفيان مثل الأول. وعبد الأعلى ضعيفٌ، ولكن يتقوى بحديث جُندب، وعموم القرآن والنظر، وشرط الترمذي فيما قال (٣): حسن، أن يأتيَ من غير وجهٍ (٤). وعن جندب أن رسول الله ﷺ قال: " من قال في كتاب (٥) الله برأيه فأصاب فقد أخطأ " أخرجه أبو داود والترمذي وقال: غريبٌ، والنسائي (٦).

стр. 2025

قال المزي (١): رواه أبو داود في العلم عن عبد الله بن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إسحاق الحَضْرمي (٢) المقرىء، عن سُهيل بن مِهْران -وهو ابن أبي حَزْم القُطَعي- عن عبد الملك بن حَبيب أبي (٣) عمران الجَوْني البصري، عن جُندب. ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حُميد، عن حَبَّان بن هلال، عن سُهيل به، وقال: غريبٌ. وقد تكلم بعض أهل العلم في سُهيل. والنسائيُّ في فضائل القرآن عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن يعقوب به. انتهى. قال ابن مَعينٍ في سُهيل: إنه صالح (٤)، وصحح له الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك ". وأما قول أبي بكر ﵁ في " الكلالة ": أقولُ فيها برأيي (٥)، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قال فيها بمقتضى لُغتهم في " الكلالة " كما قد صحَّ ذلك الذي قاله في النقل عن أهل اللغة، وليس ذلك هو المفهوم من الرأي في الأعصار الأخيرة، وإنما سماه رأياً على عادتهم في الورع من تفسير القرآن بغير النصوص النبوية لما يدخُلُ التفسير باللغة من احتمال الاشتراك والتخصيص

стр. 2026

والمجاز ونحو ذلك. ولذلك كَرِهَ عمر ﵁ السؤال (١) عن الأب (٢) مع أنه بحثٌ لغويٌّ مَحْضٌ. وكذلك تحرَّوْا في بعض الأخبار الآحاد، وطلبوا التوابع والشواهد حتى كاد عمر يستريبُ في حديث عمار في التيمُّم (٣)، كل ذلك طلباً للظنِّ الأقوى، أو العلم اليقين إن أمكن. وثانيهما: أن ذلك في العمليات، ولا نزاع فيها لمكان الضرورة. قال بعضهم: تجويز إرادة القبيح لحكمةٍ لا يعلمها إلاَّ الله يستلزم تجويز الكذب، وبعثه الكذابين بالمعجزات لحكمةٍ لا يعلمها إلاَّ الله سبحانه، فيجب تعيينها. قلنا: هذا ممنوعٌ من وجوهٍ: أولها: أن تجويز إرادة القبيح ممنوعٌ عند أهل السنة والأشعرية، وقد نصَّ الشهرستاني على ذلك في " نهاية الإقدام " واحتجَّ عليه وجوَّد الكلام كما يأتي قريباً، وما يوجد من خلاف ذلك في كلامهم، فإنه مجازٌ، حقيقته إرادة أفعال الله الحسنة المتعلقة بأفعال العباد القبيحة، بل منعوا من تعلُّق إرادته تعالى

стр. 2027

بطاعات العباد إلاَّ على تلك الصفة كما يأتي نصُّهم على ذلك وحجتهم فيه. وثانيها: أن ذلك إنما يجوز فيما تقبيحُ العقل له (١) ظاهرٌ ظنيٌّ، أو وهمٌ غَلَطي. وأما ما عُلِمَ قُبْحُه بضرورة العقل، فلا يجوز ذلك فيه، ولا شكَّ أن اختيار الكذب وبعثة الكذابين بالمعجزات على الصدق، وبعثة الصادقين مرجوحٌ قبيح على كُلِّ تقدير. أما إن لم يُجوَّزْ في ذلك خير ولا حكمة، فظاهر. وأما إن يُجَّوز (٢) فيه شيء من الخير النادر، فلا شك أن الصدق وبعثة الصادقين أكثر دفعاً للفساد والمفاسد وجلباً للصلاح والمصالح، وتجويز خلاف ذلك يؤدي إلى أن لا يوثَقَ لله تعالى بكلامٍ، ولا لأحدٍ من رسله الكرام لا في دينٍ، ولا في دنيا، ولا جِدٍّ، ولا هَزْلٍ، ولا وعدٍ، ولا وعيدٍ، ولا حلالٍ، ولا حرامٍ، ولا عهدٍ، ولا عَقْدٍ، ولا [يوجد] أعظم فساداً مما يؤدي إليه هذا بالضرورة. ونحن لم نقل بتجويز جهل العقل والعقلاء لمثل هذه الأمور الضروريات الجليات، وإنما جوَّزنا جهله للحِكم الخفيات، ولا شك أن المملكة لا يصلُحُ أهلها مع كثرتهم، واختلاف طبائعهم إلاَّ بأن يكون الملك عزيزاً مهيباً كريماً حليماً تُخافُ وقائعُه، وتُرجى (٣) صنائعه، له السطواتُ والبأسُ الشديد، والجُودُ العام لجميع الرعايا والعبيد، فهو مرجوٌّ مخوفٌ ودودٌ رؤوفٌ، فكيف يُنْكَرُ أن يكون لمالك الملوك والممالك، ورب العوالم من هذا الكمال أعظمه، ولن يكون كذلك إلا بالوعد والوعيد، والترغيب والتهديد، وجهل العبيد لخواتمهم، وتواضعهم لمكان علمهم بجهلهم وعجزهم.

стр. 2028

وكيف يُجعَلُ وجود الشر والأشرار مع ذلك خليّاً عن الحكمة الخفية، والغايات الحميدة؟! أو كيف يُنظم مثل ذلك في سلك (١) القبائح الضرورية، والمفاسد الجلية، وكم بين الحق والباطل، والظلمات والنور. وإنما لو عَلِمَ الخلق بالحكمة في خلق الأشقياء على التفصيل، لفسدوا، كما أنه لو بسط الرزق، لفسدوا، أو رفعه هلكوا، ولو قنطُوا، أو قَطَعُوا بالأمان لفسدوا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقد تشوَّفَ رسول الله ﷺ إلى رؤية جبريل على خِلْقَتِه، فرآه كذلك فخرَّ مغشيّاً عليه (٢)، بل قال الله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وصحَّ في الحديث " أن الكافر لو يعلم بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار " (٣). وقد اعترفت المعتزلة بأن التقبيح العقلي ينقسم إلى ضروري عقلي كتقبيح الكذب الضار، واستدلاليٍّ كتقبيح الكذب النافع، فهذا الاستدلاليُّ يقع فيه

стр. 2029

الوهم والخطأ، والصحيح والسقيم، والخلاف بين العقلاء (١) كسائر الاستدلاليات، ولا شكَّ بأن المنفعة التي تُحسنُه عند بعض العقلاء هي المنفعة الراجحة الخالية عن المعارض الراجح. وأما لو نَزُرَتِ المنفعة وعَظُمت المفسدة، كان من القسم الأول القبيح بالضرورة، مثالة: من يعرفُ أنه إذا كذب حصل له درهمٌ، وضُرِبَتْ عُنُقُهُ، أو (٢) هُتِكَتْ حُرْمتُه. وثالثهما: أن قُبْحَ ذلك ضروري إن لم يُتَوَسَّل به إلى غرضٍ راجح على ما فيه من المفاسد غير مقدور عليه إلاَّ بواسطة الكذب، وبعثة الكذابين. وقد ثبت أن الله على كل شيء قدير عقلاً وسمعاً وإجماعاً، فكيف يجوز عليه أن يتوسَّل إلى مرادٍ له بما لم تُجَوِّز المعتزلة على أحد من العقلاء؟! فإنهم قطعوا على كل عاقل أنه يختار الصدق ويُرجحه إذا قيل له: إن صدقت فلك درهم، وإن كذبتَ فلك درهم، بل عَقَلَتِ العربُ ذلك في جاهليتها (٣) وأنشد علماء المعاني فيما يدل على ذلك: والعيشُ خيرٌ في ظِلا ... لِ الجهلِ ممَّن عاشَ كَدّا أي: مع العقل ليقع التعارض الخفي الذي يحسن الخير عنده (٤) والاختبار، فأما تفضيل (٥) العيش والعقل مجتمعين على الجهل والكَدِّ مجتمعين فلا يحسن الخبر به والاختبار، لأنه بمنزلة الخبر بأن الكل أكثر من البعض. فاعرف ذلك. ولا شكَّ (٦) أن المُهَوِّنَ لقبح القبائح هو العجز وتحقق الضرورة أو مقارنتها،

стр. 2030

ولهذا (١) كان أبغض الناس إلى الله ثلاثة: أحدهم: الملك الكذَّاب كما ورد ذلك في الحديث الصحيح (٢)، وذلك لاستغنائه بالقدرة عن الحيلة بالكذب، فكيف يجوز ذلك على ملك الملوك، ورب الأرباب الذي إذا أراد شيئاً، فإنما يقول له: كن فيكون. وخرج الطبراني في " أوسط معاجمه " من حديث الفضل بن عيسى الرَّقاشي، عن الحسن البصري، قال: خطبنا أبو هريرة على منبر رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليَعذِرَنَّ الله إلى آدم يوم القيامة ثلاث معاذير، يقول: يا آدم لولا أني لعنتُ الكذابين، وأبغضتُ الكذب والحَلِفَ وأوعدتُ عليه لرَحِمْتُ اليوم ولدك أجمعين " (٣). ورابعها: أن العلم بقصد تصديق (٤) الرسول عَقِبَ (٥) المعجز ضروري عند الأشعرية كما هو مقرَّرٌ في كتبهم، بل المعارف كلُّها ضرورية عند جماعة من شيوخ الاعتزال، وكثير من أهل السنة كما مرَّ تقرير ذلك، وذكر الأدلة عليه في الوهم الخامس عشر من هذا الكتاب.

стр. 2031

وخامسها: أنه يلزَمُهم استحالة أن يكون الربُّ أعلم بالحكم، والمصالح، والمُرَجِّحات الخفية، وقد علم تفاضل علماء النظر في ذلك إلى شأوٍ بعيدٍ، فكيف بالملك الحميد المجيد؟! بل العالم يعلم اختلاف أحوال نفسه في ذلك، ومَنْ فوقه ومَنْ دونه. وسادسها: أن قصة الخَضِرِ وموسى مانعةٌ ما (١) ذكروه منعاً قاطعاً، لأن موسى ﵇ لم يعلم وجهاً مُحسناً لما فعله الخضِرُ لا جُملةً ولا تفصيلاً، ولذلك سماه أمراً نُكراً، وقد علم الله من وجوه الحكمة في ذلك ما لم يعلمه موسى ﵇، بل علم الخضر فيه (٢) ما لم يعلم موسى ﵉، بل قال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلاَّ كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر (٣). بل قال الله تعالى: ﴿فلا تَضْرِبُوا لله الأمثالَ إنَّ الله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وهي من أنفع آية في هذا المعنى. وسابعها: قصة الملائكة حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا قاطع بأنهم ما عرفوا وجه الحكمة في ذلك على التفصيل، بل ولا أعلمهم الله في جوابه عليهم بالكلية حيث قال: ﴿إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]. فيا عجباً للمعتزلي كيف لم يقنع بما قنعتْ به الأنبياء والملائكة، ومن لم يقنع بما قنعوا كيف يقنع بكلام أئمة السنة، ويُنَاظِرُ مناظرة السلف الصالح، وهو جديرٌ بأن يلحق بالذين قالوا لجوارحهم يوم القيامة: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وثامنها: أنهم لم يجدوا وجهاً تفصيلياً (٤) صحيحاً مُرضياً في هذه المسألة كما مر بيانه.

стр. 2032

وقد صرح الزمخشري في " كشافه " بصحة العلم الجملي في هذا الباب، واضطر إلى ذلك، وهو من أئمة الاعتزال، ولم ينقِم ذلك عليه أحدٌ مع كثرة رجوعهم إلى تفسيره، وتعظيمهم له. وكذلك الشيخ مختار المعتزلي العلامة اختار ذلك في " المجتبى " وأورد السؤال المقدم بتحريرٍ آخر، وجوّد الجواب عنه، فقال في السؤال: فإن قيل على الوجه الإجمالي: لو كان هذا التكليف حكمة، فإما أن تكون (١) موافقةً للعقل، أو مخالفة للعقل. فإن كانت مخالفة للعقل لا تكون حكمة، وتكون واجبة الرد. ولو كانت موافقة للعقل، لعقلناه عند التأمل والتفكر كسائر العلوم العقلية. وقال في الجواب بعد منع الحصر: لا نُسلِّمُ أنها إذا كانت موافقة للعقل عقلناها، وكم من أشياء توافق العقل ولا يعقلها العقلاء إلاَّ بعد التعريف، ألا ترى أن خرق الخضر السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار كانت موافقة للعقل، ولم يعقلها موسى ﵇ إلاَّ بعد التعريف. وكذا خلق الخليفة في الأرض كان مُوافقاً للعقل، ولم تعقله الملائكة ﵈. وكذا الأعمال الهندسية والحسابية، ودقائق أكثر الحِرَفِ، والصناعات وأفاعيل الأغذية والأدوية. وكذلك خلقُ مَنِ المعلوم منه أنه يكفُرُ أو يفسق يشتمل على حكمةٍ توافق العقل لو علمها العقلاء بدلالة صدوره من الحكيم. ثم أورد الشُّبه التي في الباب والجواب عنها، ثم عقَّب ذلك بقوله: ثم

стр. 2033

اعلموا أن هنا أصلاً جليلاً لو تحققه العاقل سَهُلَ عليه حل أمثال هذه الشبه، وهو أن من الأفعال والأحكام ما يَنْفِرُ (١) عنه الطبع وينكره العقل أشدَّ الإنكار في الظاهر، فإذا ظَفِرَ بالحكمة ووجه المصلحة، عاد إنكاره استحباباً، واستقباحه استحساناً. ألا ترى أن كليم الله موسى مع كمال فطنته، ووفور علمه أنكر خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار أشد الإنكار، فلما علم الحكمة الخفية فيها استحسنها ... إلى قوله: - فإذا جاز أمثال هذا في من استُهدِفَ للخطأ والنسيان ألا يجوز في أفعال أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين حِكَمٌ كامنة، ومصالح باطنة، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠] جواباً لقول الملائكة: ﴿أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ﴾ ... إلى قوله: - وايمُ الله إن هذه الشُّبَه كانت تُقلِقُني في شبابي، فلما تحقَّقتُ هذا الأصل الجليل، اطمأن قلبي، وأضحى في مواطن (٢) الحكم ومجازاتها مكيناً رصيناً حتى لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً. انتهى بحروفه. فدل على أنهم يعترفون بمذهب أهل السنة عند حاجتهم إليه. وكذلك قال ابن الملاحمي في كتابه " الفائق ": إن الله خلق الكفار على بِنْيَةٍ يعلم أنه لا لُطف لمن خُلِقَ عليها، مع قدرته على أن يخلقهم على بِنيةٍ قابلةٍ للُّطفِ، بل على مثل بِنية الأنبياء والأولياء لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو، وهو من كبار شيوخ الاعتزال. وقد تقدم كلام الزمخشري منقولاً بلفظه، وسيأتي كلام ابن الملاحمي. الدليل الثاني: وهو المعتمد أن كثرة هذه النصوص، وتَرْداد تلاوتها بين السلف (٣)

стр. 2034

من غير سماع تأويلٍ لها، ولا تحذير جاهلٍ عن اعتقاد ظاهرها، ولا تنبيهٍ على ذلك حتى انقضى عصر النبوة والصحابة، يقضي بالضرورة العادية أنها غير متأولة، وإلى هذا الوجه أشار قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الأحقاف: ٤] ويا لها من حجة قاطعة للمبتدعة لمن تأملها في هذا الموضع، وفي الكلام في الصفات وفي أمثال ذلك، لأنه لا يجوز في العادة أن يمضي الدهر الطويل على إظهار ما يقتضي بظاهره نسبة القبيح إلى الله وسبَّه ونفي حكمته على زعم المعتزلة، وله تأويلٌ حسن، فلا يذكر تأويله ألبتة، وسواءٌ كان ذكره واجباً أو مباحاً، بل العادة تقتضي أنه لو كان حراماً (١) وإليه داعٍ لفعله بعض الناس كما يُعلم ضرورة أنه لا يكون في المستقبل عصرٌ لا يوجد فيه عاصٍ في دار التكليف والابتلاء ما دامت أحوال المكلفين على ما هي عليه، ولا سيما إذا كان الأمر المسكوت عن تأويله من المحارات مثل هذه المشكلة عند المخالف، فإنه يلزمه أن العادة تقضي بالخوض فيها ضرورة، ولذلك كثُر خوضهم في مسألة الأقدار التي مسألة المشيئة إحدى أركانها، وتواتر كثرة سؤالهم عن ذلك لعظم إشكاله، وتواتر أن رسول الله ﷺ ألزمهم العمل والإيمان بالقدر. وقد ذكرت في هذا فيما يأتي أكثر من مئتي حديث مع ما ذكرت فيه من الآيات الكريمة، وفي جميع تلك الأحاديث لم يُذكر في ذلك تأويل ألبتة. وقد ذكر الرازي بحثاً طويلاً في اللغات من كتاب " المحصول " (٢) في المنع من إفادة السمع القطع بسبب ما يَعْرضُ في (٣) الألفاظ المفردة ثم في تراكيبها من الاحتمالات التي وردت بها اللغة مثل الاشتراك والمجاز والحذف ونحوها، وذكر أنه لا دليل على عدمها إلاَّ عدم الوِجدان بعد الطلب وأنه دليل ظني، وذكر

стр. 2035

كثرة الاختلاف في المحذوف من (١) " بسم الله الرحمن الرحيم "، ثم أجاب بما محصوله أن المعَوَّل عليه في مواضع (٢) القطع في الكتاب والسنة هو القرائن التي يضطر إلى قصد المتكلم مع تواتر معاني الألفاظ في المواضع القطعية. وكلامه هذا يدلُّ على مثل (٣) ما ذكرت في معنى آيات المشيئة، ولولا ذلك لتمكنت الملاحدة، وأعداء الإسلام من التشويش على المسلمين أجمعين في كثير من عقائدهم السمعية القطعية. ويؤيد هذا قول بعض المعتزلة (٤) المحققين: إن كل قطعي سمعي ضروري (٥)، وله وجهٌ جيد، ليس هذا موضع ذكره. و قول المعتزلة: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ عظيمةٌ على كتاب الله تعالى ، فإنه لا يشكُّ منصفٌ أنه جاء في كتاب الله تعالى على جهة التمدح من الله تعالى بكمال قُدرته، ونفوذ مشيئته، فجاءت المعتزلة بالداهية العُظمى، فجعلوا ما تمدح الرب به سبحانه يقتضي بظاهره غاية الذم والسب، ونفي الحكمة، فتعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً. وليس يرضى بمثل هذا عاقل أن يكثر التمدح مما ظاهره النقصُ لنفسه، والقدح في عرضه، كيف الملك الحميد الذي صح عن أعلم الخلق به أنه لا أحد أحب إليه المدح منه (٦) سبحانه؟ من أجل ذلك مدح نفسه. فكيف يكون أظهر المعاني من كلامه، وكلام رسله (٧) الذي المقصود منه هو التمدُّح يقتضي نقيض المقصود مع أنه أبلغ الكلام، والبلاغة تقتضي بلوغ المتكلم لمراده (٨) على أبلغ الوجوه؟!
следующие страницы →