← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وخامسها: أنه يلزَمُهم استحالة أن يكون الربُّ أعلم بالحكم، والمصالح، والمُرَجِّحات الخفية، وقد علم تفاضل علماء النظر في ذلك إلى شأوٍ بعيدٍ، فكيف بالملك الحميد المجيد؟! بل العالم يعلم اختلاف أحوال نفسه في ذلك، ومَنْ فوقه ومَنْ دونه. وسادسها: أن قصة الخَضِرِ وموسى مانعةٌ ما (١) ذكروه منعاً قاطعاً، لأن موسى ﵇ لم يعلم وجهاً مُحسناً لما فعله الخضِرُ لا جُملةً ولا تفصيلاً، ولذلك سماه أمراً نُكراً، وقد علم الله من وجوه الحكمة في ذلك ما لم يعلمه موسى ﵇، بل علم الخضر فيه (٢) ما لم يعلم موسى ﵉، بل قال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلاَّ كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر (٣). بل قال الله تعالى: ﴿فلا تَضْرِبُوا لله الأمثالَ إنَّ الله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وهي من أنفع آية في هذا المعنى. وسابعها: قصة الملائكة حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا قاطع بأنهم ما عرفوا وجه الحكمة في ذلك على التفصيل، بل ولا أعلمهم الله في جوابه عليهم بالكلية حيث قال: ﴿إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]. فيا عجباً للمعتزلي كيف لم يقنع بما قنعتْ به الأنبياء والملائكة، ومن لم يقنع بما قنعوا كيف يقنع بكلام أئمة السنة، ويُنَاظِرُ مناظرة السلف الصالح، وهو جديرٌ بأن يلحق بالذين قالوا لجوارحهم يوم القيامة: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وثامنها: أنهم لم يجدوا وجهاً تفصيلياً (٤) صحيحاً مُرضياً في هذه المسألة كما مر بيانه.

стр. 2032

وقد صرح الزمخشري في " كشافه " بصحة العلم الجملي في هذا الباب، واضطر إلى ذلك، وهو من أئمة الاعتزال، ولم ينقِم ذلك عليه أحدٌ مع كثرة رجوعهم إلى تفسيره، وتعظيمهم له. وكذلك الشيخ مختار المعتزلي العلامة اختار ذلك في " المجتبى " وأورد السؤال المقدم بتحريرٍ آخر، وجوّد الجواب عنه، فقال في السؤال: فإن قيل على الوجه الإجمالي: لو كان هذا التكليف حكمة، فإما أن تكون (١) موافقةً للعقل، أو مخالفة للعقل. فإن كانت مخالفة للعقل لا تكون حكمة، وتكون واجبة الرد. ولو كانت موافقة للعقل، لعقلناه عند التأمل والتفكر كسائر العلوم العقلية. وقال في الجواب بعد منع الحصر: لا نُسلِّمُ أنها إذا كانت موافقة للعقل عقلناها، وكم من أشياء توافق العقل ولا يعقلها العقلاء إلاَّ بعد التعريف، ألا ترى أن خرق الخضر السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار كانت موافقة للعقل، ولم يعقلها موسى ﵇ إلاَّ بعد التعريف. وكذا خلق الخليفة في الأرض كان مُوافقاً للعقل، ولم تعقله الملائكة ﵈. وكذا الأعمال الهندسية والحسابية، ودقائق أكثر الحِرَفِ، والصناعات وأفاعيل الأغذية والأدوية. وكذلك خلقُ مَنِ المعلوم منه أنه يكفُرُ أو يفسق يشتمل على حكمةٍ توافق العقل لو علمها العقلاء بدلالة صدوره من الحكيم. ثم أورد الشُّبه التي في الباب والجواب عنها، ثم عقَّب ذلك بقوله: ثم

стр. 2033

اعلموا أن هنا أصلاً جليلاً لو تحققه العاقل سَهُلَ عليه حل أمثال هذه الشبه، وهو أن من الأفعال والأحكام ما يَنْفِرُ (١) عنه الطبع وينكره العقل أشدَّ الإنكار في الظاهر، فإذا ظَفِرَ بالحكمة ووجه المصلحة، عاد إنكاره استحباباً، واستقباحه استحساناً. ألا ترى أن كليم الله موسى مع كمال فطنته، ووفور علمه أنكر خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار أشد الإنكار، فلما علم الحكمة الخفية فيها استحسنها ... إلى قوله: - فإذا جاز أمثال هذا في من استُهدِفَ للخطأ والنسيان ألا يجوز في أفعال أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين حِكَمٌ كامنة، ومصالح باطنة، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠] جواباً لقول الملائكة: ﴿أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ﴾ ... إلى قوله: - وايمُ الله إن هذه الشُّبَه كانت تُقلِقُني في شبابي، فلما تحقَّقتُ هذا الأصل الجليل، اطمأن قلبي، وأضحى في مواطن (٢) الحكم ومجازاتها مكيناً رصيناً حتى لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً. انتهى بحروفه. فدل على أنهم يعترفون بمذهب أهل السنة عند حاجتهم إليه. وكذلك قال ابن الملاحمي في كتابه " الفائق ": إن الله خلق الكفار على بِنْيَةٍ يعلم أنه لا لُطف لمن خُلِقَ عليها، مع قدرته على أن يخلقهم على بِنيةٍ قابلةٍ للُّطفِ، بل على مثل بِنية الأنبياء والأولياء لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو، وهو من كبار شيوخ الاعتزال. وقد تقدم كلام الزمخشري منقولاً بلفظه، وسيأتي كلام ابن الملاحمي. الدليل الثاني: وهو المعتمد أن كثرة هذه النصوص، وتَرْداد تلاوتها بين السلف (٣)

стр. 2034

من غير سماع تأويلٍ لها، ولا تحذير جاهلٍ عن اعتقاد ظاهرها، ولا تنبيهٍ على ذلك حتى انقضى عصر النبوة والصحابة، يقضي بالضرورة العادية أنها غير متأولة، وإلى هذا الوجه أشار قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [الأحقاف: ٤] ويا لها من حجة قاطعة للمبتدعة لمن تأملها في هذا الموضع، وفي الكلام في الصفات وفي أمثال ذلك، لأنه لا يجوز في العادة أن يمضي الدهر الطويل على إظهار ما يقتضي بظاهره نسبة القبيح إلى الله وسبَّه ونفي حكمته على زعم المعتزلة، وله تأويلٌ حسن، فلا يذكر تأويله ألبتة، وسواءٌ كان ذكره واجباً أو مباحاً، بل العادة تقتضي أنه لو كان حراماً (١) وإليه داعٍ لفعله بعض الناس كما يُعلم ضرورة أنه لا يكون في المستقبل عصرٌ لا يوجد فيه عاصٍ في دار التكليف والابتلاء ما دامت أحوال المكلفين على ما هي عليه، ولا سيما إذا كان الأمر المسكوت عن تأويله من المحارات مثل هذه المشكلة عند المخالف، فإنه يلزمه أن العادة تقضي بالخوض فيها ضرورة، ولذلك كثُر خوضهم في مسألة الأقدار التي مسألة المشيئة إحدى أركانها، وتواتر كثرة سؤالهم عن ذلك لعظم إشكاله، وتواتر أن رسول الله ﷺ ألزمهم العمل والإيمان بالقدر. وقد ذكرت في هذا فيما يأتي أكثر من مئتي حديث مع ما ذكرت فيه من الآيات الكريمة، وفي جميع تلك الأحاديث لم يُذكر في ذلك تأويل ألبتة. وقد ذكر الرازي بحثاً طويلاً في اللغات من كتاب " المحصول " (٢) في المنع من إفادة السمع القطع بسبب ما يَعْرضُ في (٣) الألفاظ المفردة ثم في تراكيبها من الاحتمالات التي وردت بها اللغة مثل الاشتراك والمجاز والحذف ونحوها، وذكر أنه لا دليل على عدمها إلاَّ عدم الوِجدان بعد الطلب وأنه دليل ظني، وذكر

стр. 2035

كثرة الاختلاف في المحذوف من (١) " بسم الله الرحمن الرحيم "، ثم أجاب بما محصوله أن المعَوَّل عليه في مواضع (٢) القطع في الكتاب والسنة هو القرائن التي يضطر إلى قصد المتكلم مع تواتر معاني الألفاظ في المواضع القطعية. وكلامه هذا يدلُّ على مثل (٣) ما ذكرت في معنى آيات المشيئة، ولولا ذلك لتمكنت الملاحدة، وأعداء الإسلام من التشويش على المسلمين أجمعين في كثير من عقائدهم السمعية القطعية. ويؤيد هذا قول بعض المعتزلة (٤) المحققين: إن كل قطعي سمعي ضروري (٥)، وله وجهٌ جيد، ليس هذا موضع ذكره. و قول المعتزلة: إن ظاهر هذه الآيات قبيحٌ، جنايةٌ عظيمةٌ على كتاب الله تعالى ، فإنه لا يشكُّ منصفٌ أنه جاء في كتاب الله تعالى على جهة التمدح من الله تعالى بكمال قُدرته، ونفوذ مشيئته، فجاءت المعتزلة بالداهية العُظمى، فجعلوا ما تمدح الرب به سبحانه يقتضي بظاهره غاية الذم والسب، ونفي الحكمة، فتعالى الله عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً. وليس يرضى بمثل هذا عاقل أن يكثر التمدح مما ظاهره النقصُ لنفسه، والقدح في عرضه، كيف الملك الحميد الذي صح عن أعلم الخلق به أنه لا أحد أحب إليه المدح منه (٦) سبحانه؟ من أجل ذلك مدح نفسه. فكيف يكون أظهر المعاني من كلامه، وكلام رسله (٧) الذي المقصود منه هو التمدُّح يقتضي نقيض المقصود مع أنه أبلغ الكلام، والبلاغة تقتضي بلوغ المتكلم لمراده (٨) على أبلغ الوجوه؟!

стр. 2036

فكيف يستكثرُ من لا أحد أحبُّ إليه المدح منه مما ظاهره الذم ويكون ما ذلك (١) ظاهره متلوّاً في الصلوات الخمس (٢) ومحافل الجماعات؟! وقولهم: إن الداعي إلى ذلك ما زعموه من تعريض المكلفين إلى درك الثواب العظيم بالنظر في تأويله، مردودٌ بوجوهٍ: أولها: ما تقدم من أن ذلك لو كان هو المقصود لكان رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعوهم بإحسان هم السابقين إلى تأويله كما سبقوا إلى كل خير، وسكوتهم جميعاً عن (٣) التأويل في المُدَدِ (٤) الطويلة يقضي عادة باعتقاد الظواهر. وثانيها: أن هذا الداعي الذي زعموه لا يصح تقريره فيما مورده إظهار المحامد، وبيان الممادح، لأنه يُغيِّر وجوه محاسنها، ويُكَدِّر ورود مشارعها، وإنما يكون مثل ذلك في موضع الابتلاء مثل: آيات الأوامر والتكاليف، كأمر بني إسرائيل بذبح بقرة حين سألوا (٥) عن تعيين قاتل صاحبهم، ونحو ذلك. وثالثها: أنه لو كان المقصود ما ذكروه، لورد السمع بما ظهره القبح الضروري المجمع عليه من نسبة الظلم، والولد، والشريك وسائر النقائص في الظاهر، ولها معانٍ حسنة يُثاب أهل النظر بتأملها، فإنه يُمكن تكلف التجوز والعلائق المجازية في هذه الأشياء مثل ما تكلفوه في تلك كما زعم الزمخشري (٦) أن ظاهر قوله تعالى: ﴿أمرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها﴾ [الإسراء: ١٦] الأمر بالفسق، وجَعَلَهُ من المجاز، وغَلِطَ في ذلك كما سيأتي. فإن قيل: وجود المعارض يغني عن الخوض في التأويل، وهو موجود كما يأتي في شبه المعتزلة، فالجواب من وجهين:

стр. 2037

أحدهما: أنه غير موجود كما يأتي في الجواب عن شبههم. وثانيهما: أن وجوده لو سُلِّم، لا يغني عن الخوض في ذلك خاصة من عامتهم بل يزيد الدواعي قوةً إلى البحث، والخوض الكثير كما هو معلومٌ بالضرورة من عادات العقلاء، فعدم خوضهم في ذلك أدلُّ على عدم التعارض عندهم، وعند من بعدهم إلى أوان البدع، ولو سلَّم الجميع، فلا معارض بالضرورة في عموم قدرة الله وأنه على كل شيءٍ قدير. ومذهبُ المعتزلة يستلزم أن لذلك معارضاً ويقتضي أنه تعالى غير قادر على هداية العصاة تعالى عن ذلك، وسيأتي تقرير ذلك، ونقض شُبَهِهِم فيه. فإن قيل: فهل القرآن كله محكمه ومتشابهه عندكم على ظاهره ما لم يُنقَل تأويله بنصٍّ صحيح أو إجماع. قلنا: إن عنيتم بظاهره ما فَهِمَ السلف وأهل السنة من تنزيل ذلك على ما يقتضي المدح والثناء والكمال، وعلى قوله: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهو كله على ظاهره إلاَّ ما خصَّه نصٌّ صحيحٌ أو إجماع. وإن عنيتم بظاهره ما ظننتم من أن ظاهره قبيحٌ، وسبٌّ لله تعالى وكفر به، فليس على ظاهره، لكنا نمنع من كون ذلك ظاهره، وقد مر ذلك مُحقَّقاً في الصفات ولله الحمد. فإن قيل: فما الفرق بين المحكم والمتشابه؟ قلنا: إن المحكم ما لا تأويل له محجوبٌ عن العقول، والمتشابه ما له تأويل لا يعلمه إلا الله، وإنما نقول ما حكاه الله عن الراسخين: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]. فهذه قرائن نضطر إلى أن المراد منها ما ظهر وفَهِمَه السلف والخلف، ومن لم يُغَيِّر فطرته التي فطره الله عليها.

стр. 2038

ولذلك كان اعتقاد جميع المسلمين حتَّى المعتزلة والشيعة إلاَّ مَنْ تَلَقَّن الكلام، ومَرِضَ قلبه بدائه أن مشيئة الله نافذة، وأنه سبحانه لا يشاء أمراً من هداية عاص أو غيرها إلاَّ وقع مراده على ما أراده، ومن شك في هذا فليختبر، وليُجَرِّب، وليسأل كل مسلم لم يعرف علم الكلام عن ذلك، وهذا دليل بثبوت ذلك متواتراً ينقله (١) الخلف عن السلف، وفي كلام أهل البيت ﵈ لتقرير ذلك نصوصٌ خاصة لا يمكن تأويلها وعمومات ظاهرة. أما النصوص، ففي موضعين: الموضع الأول في تراجم قدمائهم في كتب الرجال، والثاني: في تصانيف سائر علمائهم المخالفين لأهل الاعتزال. أما الموضع الأول فكثير ممن روى ذلك عنهم الإمام العلامة جمال الدين المِزِّي في كتاب " تهذيب الكمال في معرفة الرجال " (٢)، ولو تتبع ذلك لطال، ولنقتصر مما في كتب الرجال على المنقول عن الإمام المقَلَّد المقتدى به منهم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، فقد روى عنه المزي المذكور، والذهبي في " تذهيب التهذيب " (٣) كلاهما من طريق مُطَّلِب بن زياد الكوفي، وقد وثَّقه أحمد بن حنبل، وأبو داود (٤)، وابن معين، قال: جاء رجلٌ إلى زيد بن علي، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله تعالى أراد أن يُعْصَى؟ فقال زيد بن علي: أفَيُعْصى عُنْوةً؟!

стр. 2039

فهذا صريح مذهب (١) أهل السنة، وكلامه هذا وإن كانت المعتزلة والزيدية المتأخرون (٢) يتأولونه، ولا يمكنهم تأويله، فإنه لا تُساعدهم قرينة الحال، فإنه أورده جواباً على من أنكر صريح مذهب أهل السنة. وليس يستطيع من يدعي أنه على مذهبه من متأخري الزيدية أن ينقل عنه ما يعارض هذا النقل، بل منتهى حاصلهم الاشتغال بتكذيب النقل الثابت من غير موجبٍ، بل ولا مسوِّغٍ. فقد صحَّ النهي عن تكذيب اليهود فيما نقلوه من المحتملات أو التأويل لذلك من غير موجب أيضاً (٣)، فإنه إن كان صواباً فتأويله حرام وِفاقاً، وإن كان خطأ، فهو كذلك على الصحيح، إذ لو جاز تأويل كلام من أخطأ من المختلفين لم يصح نقل المقالات عن أهلها، ولم تكن الزيدية بتأويل نصوص أئمة أهل البيت ﵈ على ما يوافقهم أولى من غيرهم. فتأمل ذلك. وأما ما نقله محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر المعروف بالشهرستاني في كتابه " الملل والنحل " (٤) من كون زيد بن علي ﵇ قلَّد واصل بن عطاء،

стр. 2040

وأخذ عنه مذهب الاعتزال تقليداً، وكانت بينه وبين أخيه الباقر ﵉ مناظراتٌ في ذلك، فهذا من الأباطيل بغير شكٍّ، ولعله من أكاذيب (١) الروافض، ولم يورد له الشهرستاني سنداً ولا شاهداً من رواية الزيدية القدماء، ولا من رواية علماء التاريخ، ولا الشهرستاني ممن يُوثَقُ به في النقل، وكم قد روى في كتابه هذا من الأباطيل المعلوم بطلانها عند أئمة هذا الشأن؟ وكيف يُقَلِّده زيد مع أن زيداً أكبر منه قدراً وسناً، فإن واصلاً وُلِدَ سنة ثمانين، وزيد ﵇ تُوفي سنة مئة؟! ولو كان الشهرستاني كامل الصرفة والإنصاف لذكر مع ما ذكره ما هو أشهر منه في كتب الرجال، وتواريخ العلماء، وأئمة السنة، وفي " الجامع الكافي " ثم ذكر الراجح من النقلين، وقواه بوجوه الترجيح. والظاهر أنه اقتصر على نقل كلام بعض الروافض ولم يشعر بغيره. والله أعلم. ومما يدل على عدم تحقيقه في معرفة الرجال أنه عدَّ زيد بن علي من أتباع المعتزلة، ثم ذكر بعد ذكر الإمامية جماعةً جِلَّة من أئمة السنة ورواة الصحاح (٢)، وعدَّهم من أتباع زيد بن علي، وسمَّاهم زيدية، بل عدَّهم من مصنفي كتب الزيدية منهم: شعبة (٣)، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومنصور بن الأسود، وهارون بن سعد (٤) العِجْلي، وعُبيد الله (٥) بن موسى، والفضل بن دُكَين، وعلي بن صالح، ويزيد (٦) بن هارون، والعلاء بن راشد، وهُشَيْمُ بن بَشير (٧)، والعَوَّام بن حَوْشَب، ومُسْتَلِم بن سعيد، وجعلهم كلهم مثل أبي خالد الواسطي في الدعاء إلى مذهب الزيدية، والتأليف فيه (٨).

стр. 2041

فكيف يصح مع هذا أن يكون مذهب زيد والزيدية هو مذهب المعتزلة، وفي هؤلاء رؤوس خصوم المعتزلة لولا عدم معرفته وتحقيقه في أحوال الرجال؟ وقد شرط الذهبي على نفسه (١) أن يذكر في " الميزان " من قُدِحَ عليه (٢) بحقٍّ أو باطل، فذكر واصل بن عطاء، ولم يذكر فيه زيد بن علي ﵇ لبراءة ساحته من ذلك (٣). ويدل على ما ذكرتُه من بطلان ذلك أنه ذكره الشهرستاني على وجهٍ يستلزم الانتقاص لزيد ﵇ حتى جعله مُقَلِّداً لواصل، لا مُوافِقاً بالنظر والاستدلال، وحتى أشار إلى أن الذي حمله على ذلك إرادة الصلاحية للخلافة وحبُّ الرئاسة، وحتى عاب عليه تقليد واصل مع قدحِ واصل في جدِّه علي بن أبي طالب ﵇. وأما الموضع الثاني: فكثيرٌ أيضاً، وفي كلام القاسم ﵇ في الجواب على الملحد ما يدل على اعتقاده لنفوذ مشيئة الله تعالى ولله الحمد. وقد ذكر السيد الشريف الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني العلوي في كتابه " الجامع الكافي " (٤) في مذهب الزيدية عن قُدماء أهل البيت ﵈ ما يدل على إجماع قدماء أهل البيت ﵈ في المئة الأولى والثانية وأكثر الثالثة، وهي القرن الثالث على صريح مذهب أهل السنة والحمد لله على وجود ذلك في كتب الزيدية، وخزائن أئمتهم، ورواية ثقاتهم. وقد نقلت ذلك من نسخة الإمامين اللذَيْن عاصرتهما: الناصر محمد بن علي، والمنصور علي بن محمد ﵉، وهي النسخة التي أخرجها السيد الشريف العالم أحمد بن أمير الجيلاني إلى اليمن، وعليها خطه

стр. 2042

المعروف وقفها (١) للهِ تعالى، وعليها صفات السماع، والتصحيح الكثير على عادة حفاظ الحديث المتقنين، والإجازات من كثير من أهل البيت ﵈ وشيعتهم، وهي في الخزانة الإمامية إلى (٢) الآن، حرسها الله تعالى. وقد ذكر الإمام المؤيد بالله ﵇ هذا الكتاب المسمى " بالجامع " باسمه، ذكره في كتابه " الإفادة " في أواخره، فلله الحمد والمنة، في ذكر: حي على خير العمل، فإنه روى الحديث في ذلك، وقال: رواه محمد بن منصور الكوفي في كتاب " الجامع " بسنده، وقد عدت تصانيف محمد بن منصور ثلاثين مصنفاً في أول هذا الكتاب، وليس فيها ما يسمى الجامع فيشتبه بهذا والله أعلم. قال مصنفه ﵀ في المجلد السادس منه في كتاب " الزيادات " (٣) باب القدر والمشيئة والإرادة، قال محمد، يعني ابن منصور في كتاب أحمد: قلت لأبي عبد الله أحمد بن عيسى (٤): هل (٥) المعاصي بقضاء وقدر، قال: نعم، حكم الله أن سيكون ما سبق في علمه من أفعال العباد، وكان أحمد يثبت القدر خيره وشره، ويقول: الإيمان من منة الله تعالى على أوليائه وتوفيق وعصمة لتصديق علمه السابق الذي لا يبطل بعد الحجة بصحة العقل، وبما مثله تفهم المخاطبة، فإن لم يفهم، فهو مقطوع العذر لكمال خلقته وسلامتها من الآفات المانعة. قال محمد: قلت لأحمد بن عيسى: إن قوماً يزعمون أن علم الله لا يضر ولا ينفع، فقال: بلى والله، إن علم الله السابق ليضر وينفع، وذكر فيه كلاماً، وشرحاً لم أحفظه، وذكر فيه آيات من القرآن ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وذكر النبي ﷺ واختيار الله إياه.

стр. 2043

وقال أحمد فيما حدثنا علي، عن أبي هارون، عن سعدان، عن محمد، قال: سألت أحمد بن عيسى عن القدر الذي نُهِيَ عنه ما هو؟ فقال: من زعم أن المشيئةَ إليه. وقد سُئِلَ علي عن ذلك، فقال: من زعم أن الله شاء (١) لعباده الطاعة فلم تنفذ مشيئة الله، وشاء لهم إبليس المعصية فنفذت مشيئةُ إبليس، فقد وهَّنَ الله في مُلكه، وجوَّره في حكمه، وبَرِئْنا إلى الله منه يوم القيامة. وقرأت في كتاب إبراهيم ومحمد ابني فرات وسماعهما من محمد بن منصور، قال: كان أحمد بن عيسى يُثْبت القدر خيره وشرَّه، ويقول: لا يقال: شاء للعباد فيكون شِبْهَ اختيار، ولكن شاء أن يَعْصُوه. وقال الحسن بن يحيى: أجمع آل رسول الله ﷺ أنه من أحسن، فلله عليه المِنَّة، ومن أساء، فلله عليه الحجة في إساءته، وغير معذور في معصيته، ولن يخرج الخلق من قدرة الله وتدبيره وملكه. وقال الحسن ومحمد: إن الله سبحانه خلق العباد، وعَلِمَ ما هم عاملون قبل أن يعملوا، وعرَّفهم طاعته، وأمرهم بها، وأعانهم عليها، وعرَّفهم معصيته، ونهاهم عنها، وأغناهم عنها. قال الحسن: فليس أحدٌ يصير إلى طاعة الله إلاَّ بنعمة الله وفضله ورحمته، وليس أحدٌ يصير إلى المعصية إلاَّ بنعمة الله، والحجة لله على المطيع وعلى العاصي. وقال محمد في موضعٍ آخر: إن الله خلق العباد جميعاً لعبادته، وأمرهم بطاعته، وأعانهم عليها، ومدحهم عليها، ونهاهم عن معصيته، وأغناهم عنها، وذمَّهم على فعلها، وجعل لهم السمع، والأبصار، والأفئدة، والجوارح السليمة

стр. 2044

من الآفات، وأقام عليهم الحجة، وندبهم إلى المَحَجَّة بما أنزل في القرآن، وجعل فيه من البيان، وركَّب فيهم من الجوارح التي بها يعملون، وبها يحاسبون ويُسألون، ثم أخذ بجميع نواصي العباد فلم يدع شيئاً من مشيئتهم وإرادتهم إلا بمشيئته وإرادته استدلالاً على الربوبية، وتعبُّداً للخلائق بالقدرة، فإذا نوى عبد من عبيده خيراً اختار عليه في نيته، فإن شاء أمضاه له بعدله وتوفيقه، وإن شاء حال بينه وبينه ببعض بلائه، وما دعا الله إليه، فقد جعل له سبيلاً، وما نهى عنه، فقد جَعَلَ منه بُدَّاً، فمن تم منه الإقرار، وأحسن في الأعمال كان في أهل الجنة، ومن تم منه الإقرار، وأساء في الأعمال، حَكَمَ عليه الدَّيَّان في أفعاله، إن غفر له فبفضله، وإن عذبه فبذنبه، وما الله بظلاَّمٍ للعبيد. قال محمد: فمن عَلِمَ الله منه الطاعة، وقبول أمره، والإنابة إليه، فله من الله الهداية والمنُّ والتوفيق. وقال محمد في موضعٍ آخر: فمن قبل أمر الله، وآثر طاعته، وعَلِمَ اللهُ منه صدق النية في ذلك كله، كان له من الله العون، والمنُّ الزائد، والتوفيق الزائد، وبذلك سعد، ومن علم الله منه المعصية، وركوب ما نهاه عنه، وإيثار هواه على طاعة الله، استوجب من الله الخذلان والترك، وبذلك شَقِيَ، ولم يكن له على الله هدايةٌ ولا منٌّ ولا توفيق. قال: ولله أن يَمُنَّ على من يشاء من عباده، ويتفضل عليه بتوفيقه ويهديه، قال الله : ﴿ولو عَلِمَ الله فيهم خيراً لأسمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء﴾ [آل عمران: ٧٤]، وقال: ﴿ولولا فَضْلُ الله عليكم ورحمتُه لكنتم من الخاسرين﴾ [البقره ٦٤٠]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء﴾ [النور: ٢١]، وقال الله : ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]،

стр. 2045

وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ [الإسراء: ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فأخبر لا شريك له أنه خلق العباد جميعاً لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وقد تقدم الكلام في مثل هذا. قال الحسن ومحمد في كتاب " الجملة ": فليس أحد ينال طاعة الله إلا يبدي امتنانه وفضله ورحمته، وليس أحدٌ أعلى عند الله منزلةً من نبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ لا أملِكُ لنفسي نَفْعاً ولا ضَرَّاً إلاَّ ما شَاءَ الله﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقال شُعيبٌ: ﴿وما توفيقي إلاَّ بالله﴾ [هود: ٨٨]، وقال نوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]، وقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال أهل الجنة: ﴿وما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هَدَانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]. قال الحسن بن يحيى: وقال أهل النار: ﴿ربَّنا غَلَبتْ علينا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، وقالوا: ﴿لو هدانا الله لَهَدَيْنَاكُم﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، وقال الله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ [الحجر: ٤٢]. وقال محمد: وقد نَسَبَ الله الأعمال إلى العباد، فقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقد أقدرهم عليها بالآلة والأداة، وتسليم الجوارح.

стр. 2046

وقال الحسن ومحمد: وللعباد أفعالٌ وإرادات نسبها الله إليهم، وعِلْمُ الله وإرادته ومشيئته محيطٌ بإرادتهم، ومشيئتهم، فلا يكون منهم إلاَّ ما أراد وعلم أنه كائنٌ منهم، وقد أراد خلقهم، وخَلَقَهم بعد علمه بما هو كائنٌ منهم، وأنه لا يكون منهم إلاَّ الذي كان، وقد سبق في علمه أنه يكون منهم مؤمن وكافر، ومُطيع وعاصٍ، وشقيٌّ وسعيد، وفريق في الجنة، وفريق في السعير، وقد أراد أن يتم كون ما علم أنه كائن، وقد أراد ﵎ أن تكون الدنيا دار بلوى واختبار. قال محمد: وقد شاء الله أن يَسْعَدَ أهلُ طاعته، ويشقى أهلُ معصيته، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وليس ما سبق في علم الله بعذرٍ لأحد في ترك ما أمر به، وركوب ما نهى عنه. قال الحسن ومحمد: فمِنَ العباد من أوجب الله له الجنة والنار بسبب البلوى والاختبار، ومنهم من أراد أن يدخله الجنة بسابق علمه فيهم بلا بلوى ولا اختبار كمَنْ لم يلزمه من الله حجة نحو المعاتيه والبُلْهِ والأطفال. قال الحسن: وكذلك حورُ العين منّاً منه وفضلاً ورحمة، فمن منَّ الله عليه بالعقل، والسمع، والبصر، والسلامة، والفهم، لما جاءت به الرسل، فقد وَجَبَت عليه الحجة، واتباع ما جاءت به الرسل. قال محمد: ومن ألزمه الله بالعقل، والفهم والسمع، والبصر، والقوة، والسلامة من الآفات المانعة لقبول ما جاءت به الرسل، فذلك المحجوب لا عُذْرَ له في إضاعة شيءٍ مما كَلَّفه الله، قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيم﴾ إلى قوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم (١)

стр. 2047

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [القصص: ٦٨]. وقال الحسن: وقد أدخل الله النار ولدان المشركين الذين سبق في علمه أنهم لا يؤمنون (١)، فقال لنوحٍ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَن﴾ [هود:

стр. 2048

٣٦]، فقال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]. وأهلك الولدان في زمان عاد بالصيحة، ولا ذنب لهم ولم يبلُغوا الحُلُم والاختيار. وقتل الخَضِرُ الغلام ولم يبلُغُ الحُلُم، فبلغنا في الحديث أنه وُجِدَ في كَتِفِه: كافرٌ خِلْقَةٌ (١)، ولله أن يُضِلَّ من شاء من عباده، ولا يظلمهم لأنهم عبيده، وملكه، يفعل فيهم ما يشاء بسبب البلوى والاختبار، وبغير سبب البلوى والاختبار كما يشاء، ثم لا يكون ذلك ظلماً منه لعبده، بل له أن يفعل ما يشاء، وليس لأحدٍ أن يدخل على الله في علمه، ولا يسأله عما يفعل وهم يُسألون. وقال محمد في كتابه " الجملة ": والعباد عباد الله جميعاً في مَلَكَتِه ومشيئته وقدرته وسلطانه يُفضل بعضهم على بعض كما يشاء، وكيف يشاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقال لا شريك له: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]، وقالت الرسل: ﴿إنْ نحنُ إلاَّ بَشَرٌ مثلكُم ولكنَّ الله

стр. 2049

يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [إبراهيم: ١١]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أي: يجعل فيه نوراً يقبل به الإسلام، ويُحَبِّبُه إليه ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فمن لم يكن له من الله نورٌ فما له من نورٍ، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأنعام: ١١٠] يقال في التفسير: نقلِّبُ أفئدتهم وأبصارهم على الكفر عقوبة كما لم يؤمنوا به أوَّل مرة. وقال محمد في المسائل: إن الله خلق الخلق بقدرته، وجعل بينهم التفاضل بعلمه، وجعل منهم عباداً اختارهم لنفسه ليحتجَّ بهم على خلقه، قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿ولقدِ اختَرنَاهُم على عِلْمٍ على العَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، وقال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ [الأحزاب: ٧] وكان فضل الله عليهم ورحمته قبل طاعتِهم إيَّاه. وقال الحسن ومحمد في وقتٍ آخر: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فيُحَبِّب إليه الإيمان، ويجعل في قلبه نوراً يقبل به الإسلام، ويُخْطِرْ على قلبه الخير، ويُزَيِّن في قلبه التقوى مَنَّاً منه على عباده ورحمةً وفضلاً، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّد في السماء فمن لم يكن له من الله نورٌ فما له من نُور، قال الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأنعام: ١١٠]. قال الحسن: وقال سبحانه: ﴿ولو أنَّنا نَزَّلنا إليهم الملائكةَ وكلَّمهم الموتى

стр. 2050

وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُون﴾ [الأنعام: ١١١]. وقال الحسن في موضعٍ آخر: فإذا أراد الله بعبدٍ إرادةً في الامتنان والتوفيق، ألهمه التقوى، وحبَّب إليه الإيمان، وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ووفَّقَه للعمل الصالح منَّاً من الله ورحمة يختص بها من يشاء من عباده، ويُفَضِّلُ بعضهم على بعض كيف يشاء من غير استحقاق، وأعطى الأنبياء من خزائن رحمته وتفضُّله ومَنِّه وتوفيقه، وخصَّهم برسالته، ورفعهم على خلقه منَّاً منه ورحمةً وفضلاً، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولله ملك السماوت والأرض وما فيهما، فهم في ملكَتِه، والقدرة محيطة بهم، يفعل في عبيده ما يشاء، ويملك حياتهم، وموتهم، وأرزاقهم، وحركتهم، ومنطقهم، وشهوتهم، وقلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، فليس يتحرك متحركٌ، ولا يطرِفُ طارفٌ ولا ينطِقُ ناطقٌ إلاَّ وهو في ملكته والقدرة محيطة بهم، وعلم الله وتقديره ومشيئته سابقة فيهم قبل خلقهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] فالحجة من الله على المطيع والعاصي، وما يتفَضَّل به على العباد من العفو أكثرُ من العقوبة، قال الله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّة﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿ويَعْفُو عن كثيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤]. وليس للعباد على الله سبحانه أن يخلقهم، ولا لهم عليه أن يَهْدِيَهم، فكُلُّ خيرٍ ناله العباد من الله، فإنما هو بمنِّ الله وفضله، وإنما خلق الله العباد عبيداً مماليك يملِكُهم، ويملِكُ جميع ما حولهم، وبالخلق إلى الله الحاجة في كل وقت، والله الغني عنهم وهم الفقراء إليه، وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ [الأنبياء: ٢٣].

стр. 2051

وسُئل الحسنُ عن السعيد والشقي متى يكون سعيداً وشقياً؟ فقال: السعيد في علم الغيب عند الله سعيد قبل أن يُخلق، ولا يكون من فعل العبد، وما يُختم له به إلاَّ بعمل السعادة حتى يجعله الله سعيداً بعمله برحمةِ الله له، ويكون فعله موافقاً لما سبق في علم الغيب فيه. والشقيُّ في علم الله شقيٌّ قبل أن يُخلق، ولا يكون من فعله وخاتمة عمله إلا عمل الأشقياء حتى يكون عمله وما يختم له به موافقاً لما سبق في علم الله أنه شقي. نسأل الله أن يَمُنَّ علينا بالسعادة ولا يجعلنا من الأشقياء برحمته، فإنه ولي ذلك، والقادر عليه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾ [يونس: ٩٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] أي: للرحمة، وقال: ﴿ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْس﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وقال: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبين حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] فأخبر الله سبحانه أنه لم يُعَذِّبْ من عصاه إلاَّ بعد البيان والحجة، والإعذار إليهم، فكان عذابه لهم عقوبةً إذْ عصوه. وقال محمد في المسائل: وسألتَ عمَّن يقول: إن الله لم يخلق شقيّاً ولا سعيداً. فإنا نقول: قد خلق الله الشقيَّ والسعيد، فلن يزول عن الشقي أن يكون شقيّاً، ولا عن السعيد أن يكون سعيداً، وهو الذي سبق في علم الله أن يُسْعِدَ

стр. 2052

أولياءه، ويُشقي أعداءه. قال الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨]. قال الحسن فيما رواه ابن صباح عنه، وهو قول محمد في المسائل وسُئلا عن القدر، ومن قال: وإن الله خلق شقياً وسعيداً، وإن القضاء قد سبق؟ فإنا نقول في ذلك بجمل من الكتاب، وآثارٍ بَلَغَتْنا عن رسول الله ﷺ لا نتجاوزُ ذلك إلى غيره: إن الله خلق العباد وعلم أعمالهم قبل أن يعملوها، وعلم ما هم صائرون إليه، وقد عرَّفهم الطاعة وأمرهم بها، وعرَّفهم المعصية ونهاهم عنها بعد علمه بما يعملون من ذلك ويختارون، فما كان للعباد من طاعة فلله فيها المِنَّة، وما كان منهم من معصيةٍ، فلله فيها الحجة، فهذا ما أجمع عليه المختلفون من أمة محمد ﷺ ، وهو مؤدٍّ إلى الله . وقد أمر الله بالألفة والاجتماع، ومدح أهلها عليها، ونهى عن الفُرقة والاختلاف وذم أهلها عليها، قال الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال الحسن ومحمد: ومن قال: إن الله لم يُقَدِّر في خيرٍ ولا شرٍّ فإن قوله هذا جُرأة على الله وبدعة وجهل ومن قال بالإجبار وحمل ذنوبه على الله وما تنزَّه الله عنه، وذمه في الكتاب، فإنه جريء جاهل، ولا يقول بواحدة من المقالتين، يعني: الجبر ونفي القدر. قال محمد: ومن قال: إن الله لم يُقَدِّر في خير ولا شر فإنا ننسبه إلى الغلو في القدر الذي نهى عنه، ونقول: إن الله قد قدَّر الخير والشر على ما أراد، فجعل الخير خيراً، وجعل الشرَّ شراً، ومشيئة الله محيطة بمشيئة العباد. قال الحسن ومحمد في كتاب " الجملة ": وبلغنا عن علي صلى الله عليه،

стр. 2053

أن رجلاً سأله عن القدر؟ فقال: طريقٌ مظلم فلا تسلُكْه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ فقال: بحرٌ عميق فلا تَلِجْهُ، قال: فسكت الرجل ساعة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ فقال: سِرُّ الله فلا تُفْشِه. قال الحسن بن يحيى: ثم إن أمير المؤمنين صلى الله عليه قام فأحدث طهوراً، ثم قال: أين السائل عن القدر؟ فقال الرجل: أنا يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين: أخبرني عنك، أخلقك الله كما شاء أن يخلقك أو كما شئت؟ قال: كما شاء، قال: فأخبرني عما تأتي به يوم القيامة من عملٍ بما شاء الله أو بما شئت؟ قال: بما شاء الله، قال: فأخبرني عما تصير إليه يوم القيامة إلى ما شاء الله أو إلى ما شئت؟ قال: إلى ما شاء، قال: فهل ترى لأحدٍ شيئاً من المشيئة؟! وروى محمد بإسناده إلى النبي ﷺ أنه قال: " أعمال العباد كلُّها على مشيئة الله وإرادته " (١). وعن النبي ﷺ أنه قال في خطبته: " إنَّ الله حَدَّ حُدوداً فلا تعتدُوها، وفرض أشياء، فلا تُضيعوها، وحرَّم محارم فلا تَنْتَهِكُوها، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نِسياناً، فلا تكلفُوها رحمةً من الله فاقبلُوا " (٢).

стр. 2054

قال الحسن ومحمد: " ومن كان له جارٌ قدريٌّ، أومن ينادي بذلك ويمتحن عليه الناس، ويُعادى على ذلك فلا حقَّ له كحرمة المسلم، وإن كان إنما يومىءُ إليه بذلك ولا ينادي به، فله ما للمسلمين في الجملة. قال محمد: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١)، قال: حدثنا عمر أبو حفص القَزَّاز، عن جعفرٍ، عن أبيه، عن أبائه ﵈، عن عليٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ (٢): " سبق العلم، وجفَّ القلم، ومضى القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وما العباد عاملون، وبالسعادة من الله لمن آمن واتقى، وبالشقاء من الله لمن كذَّب وكَفَر، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالبراءة من المشركين ". ثم قال رسول الله ﷺ : "أروي حديثي عن الله سبحانه، قال الله ﵎: و (٣) بمشيئتي كنتَ أنتَ (٣) الذي تشاء لنفسك ما تشاء (٤) وبإرادتي كنتَ أنت الذي تُريدُ لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي قَوِيتَ على معصيتي، وبعصمتي وبعافيتي وبقوتي أدَّيْتَ إليّ فرائضي، أنا أولى بإحسانك منك، وأنت أولى بذنبك مني، لأن الخير بما أوليتُك مني بدّاً (٥)، والشرَّ مني بما جَنَيْتَ حدّاً، وبكثير من تسليطي انطويت على طاعتي، وبسوء ظنِّك بي قنطْتَ من رحمتي، لي الحمد والحجة عليك بالبيان، ولي السبيل عليك بالعصيان، ولك الجزاء الحسن عندي بالإحسان، يا ابن آدم لم أدَعْ تحذيرك، ولم آخُذْك عند غِرَّتِك، ولم أُكَلِّفْكَ فوق طاقتك، ولم أُحَمِّلْكَ من

стр. 2055

الأمانة إلاَّ ما أقررتَ على نفسك، ورضايَ لنفسي منك ما رضيتَ لنفسك مني" (١). وروى الحسن بن يحيى بعض هذا الحديث بلا إسنادٍ، وقال: قال أميرُ المؤمنين: ألا إن أبغض خلق الله إلى الله عبدٌ وَكَلَهُ الله إلى نفسه (٢). وروى محمد، عن علي بن الحسين أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقال له ابنه أبو جعفر ﵈: يا أبتاه تبكي وقد طلبت الله طلباً (٣) ما طلبه أحد؟ قال: يا بُني إنه ليس أحدٌ يشهَدُ القيامة إلاَّ وله زَلَّةٌ لله فيه المشيئة إن شاء رَحِمَه، وإنْ شاء عَذَّبَه. وسُئل محمد عمن يقول: كل شيءٍ بمشيئة الله، فلولا مشيئة الله ما قَدِرَ أحدٌ أن يفعل شيئاً؟ يقول: (٤) بلغنا عن النبي ﷺ قال: يقول الله سبحانه: " يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء " وذكر الحديث. مسألة: قال محمد في المسائل: سألت القاسم بن إبراهيم (٥) يعني. عمَّنْ يقول: من قُتِلَ مات بلا أجلٍ ولو لم يُقتل ما مات، وذكرتُ له قول من يقول: إنه لما قتله، قَطَعَ أجله؟ فعاب القاسم هذا القول، وأقدم على من يقول به المكروه (٦). وسألته عمن يقول به؟ فقال: هالكٌ.

стр. 2056

وقال الحسن: وأما ما سألت عنه من قولهم: إنَّ من قتل إنساناً فلا يكون ملكُ (١) الموت قابضاً لروحه، فقد ردُّوا قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّلَ بكم﴾ [السجدة: ١١]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ الموتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْت﴾ [الزمر: ٤٢]. فقد أخبرنا الله أنه يتوفي الأنفس حين موتها، وأن ملك الموت يتوفَّى عن أمره، وقال: قال الله : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وقد قال في يحيى بن زكريا: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] وإنما قُتل يحيى بن زكريا قتلاً. وقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] وإنما كان الموت بالقتل. وسألت عمَّن يقول: إن الذئب إذا وثَبَ على الشاة فأخذها إنه هو الذي رزق نفسه، وليس خالقه الذي رزقه؟ فهذا القول ردّ حكم [آيات] الكتاب البينة المنصوصة، قال الله: ﴿وما مِنْ دابةٍ في الأرضِ إلاَّ على اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ [العنكبوت: ٦٠]، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ [فاطر: ٣]، وقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات﴾ [الزخرف: ٣٢] فجعل بعضهم أقوى من بعض، وبعضهم يُحسن صناعة لا يُحسنها غيره، حتى

стр. 2057

إن الكنَّاس -وهو أدناهم منزلةً في الدنيا- ليأخُذُ رزقه من أعلاهم منزلةً في الدنيا، لأن الله سبحانه جعل ذلك سبباً من أسباب أرزاقهم لا يمتنعون منه، ولو كان اكتسابُ الرزق إلى العباد، لكان الشديدُ البطش، الكاملُ العقل، البارعُ البيان والحجة أكثرَ رزقاً من الأحمق الضعيف، ولكن الله سبحانه احتج على عباده أنه المُنَزِّلُ لأرزاقهم، المالك لخلقهم وأمورهم، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال محمد في المسائل: وسألت عمن يقول: من قُتِلَ مات بلا أجلٍ، ولو لم يُقتل ما مات؟ وهذا قول سوءٍ سيِّءٌ رديءٌ، ولكنه وافق أجله وقت القتل، ولو لم يقتله مات في ذلك الوقت (١) وقد سُئل الحسن البصري عن ذلك، فقال: يا لُكَع (٢) فمن يأكُلُ رِزْقَه! وسألت عمن يقول: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يؤمن بالخير والشر، فمعناه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكُن لِيُخطِئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وسألت عمن يقول: إن الله قد خلق الأشياء، وفرغ من جميع خلقه وأحكمه؟ فإن كان يريد بقوله: إن الله خلق الأشياء، وأحكم خلقها، يريد علمها، وأتقن علمها (٣)، فهو كما قال. وأما قوله: " خلق " فإن الله قد خلق ما أراد خلقه، وهو خالقٌ ما يريد خلقه.

стр. 2058

وسألت عمن يقول: إن الله شاء لخلقه (١) أن يكونوا عالمين بأمر الله، ولكن تركوا ذلك بقول: لو شاء الله أن يجعلهم مجبولين على ذلك لفعل، ولم يخرجوا عن (٢) ذلك، ولكن شاء جلّ وعزَّ أن يأمرَهُم بعد البيان، واتخاذ الحجة أن يكونوا عالمين عاملين بأمر الله، والمنُّ والتوفيق من الله لمن قَبِلَ أمره، قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقال لا شريك له: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فقد شاء أن يكونوا قوَّامين بالقسط شهداء (٣). قلت: يعني: بمشيئة الأمر كما يدل عليه أول كلماته (٤) وآخرها، وكما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ ليَعْبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال ﵇: وقد قال سبحانه: ﴿ولو شِئنا لآتينا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿لو يشاءُ الله لهَدَى الناسَ جميعاً﴾ [الرعد: ٣١]، وقال: ﴿وَلَوْ شاء ربُّك لآمَنَ مَنْ في الأرضِ كلُّهم جميعاً﴾ [يونس: ٩٩]، وقال: ﴿ولَوْ شاءَ الله لَجَمَعَهُم على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وهو كما قال ، ولكن الله شاء أن يأمُرَهُم وينهاهم بعد البيان ليتخذ عليهم الحجة. وقال: ﴿وما كُنَّا مُعذِّبينَ حتَّى نبعثَ رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] شاء الله أن يُكرم أهلَ طاعته، ويُهينَ أهلَ معصيته. وسُئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِه﴾ [فاطر: ٢]، فقال: ذلك المطر يُغاثُ به العباد، فهو من رحمة الله تعالى لا مُرْسِلَ له غيره، وإن يُمْسِك، فلا مرسل له غيره. وكذلك كل ما أنعم الله به على خلقه، فعلى هذا السبيل.

стр. 2059

وسُئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِه﴾ [يونس: ١٠٧]، فقال: هو حسب (١) ما أجبت به في المسألة التي قبلها. وسُئل عن قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني يقول: خلقنا لها كثيراً من الجن والإنس، وهم أهل الكفر (٢) والضلال. وسألت عن قوله تعالى: ﴿وما تَشاؤون إلاَّ أنْ يشاءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩] بلغنا أنها (٣) لما نزلت ﴿إنَّ هذه تذكرةٌ فمنْ شاءَ اتَّخَذَ إلى ربِّه سبيلاً﴾ [الإنسان: ٢٩]، قال أبو جهل: قد جعل الله المشيئة إلينا، فنزلت ﴿وما تشاؤون إلاَّ أنْ يشاءَ الله﴾ [الإنسان: ٣٠]. وسُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿وإذا أرادَ اللهُ بقَوْمٍ سُوءاً﴾ [الرعد: ١١] في الدنيا مِن نكالٍ أو قتلٍ أو عقوبات، فلا رادَّ لأمر الله، وكذلك في الآخرة إذا أراد الله بأعدائه العذاب والعقاب فلا رادَّ لأمر الله. وسألت عن قوله: ﴿وتُعِزُّ مَنْ تشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] شاء الله أن يُعِزَّ أهل طاعته، ويُذِلَّ أهل معصيته. وسألت عن قوله: ﴿تُؤتي المُلكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] هذا كما قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك﴾ [البقرة: ٢٥٨] هذا على الإقدار والتمكين. قال محمد: وسُئِلَ عن حَدِّ الخير والشرِّ؟ فقال: حدُّ الخير: كلُّ ما قرَّبَ إلى الله، وحدُّ الشر: كل ما باعد من الله، والحق: كل ما أمر الله به ونَدَبَ إليه، والباطل: كل ما نهى عنه وذم عليه. انتهى ما نقلته بحروفه من " الجامع الكافي "

стр. 2060

في هذه المسألة العظمى، وقد مَرَّ في مسألة القرآن في آخر الكلام في الصفات في الوهم الخامس عشر مثلُ هذا في موافقة السلف وأهل علم الأثر، والحث على الجمل، والنهي عن الخوض في علم الكلام (١). وصنَّف محمد بن منصور ﵀ في ذلك كتاب " الجملة والأُلفة " وسيأتي في مسألة الأفعال في المرتبة الخامسة من جواب هذا الوهم طرفٌ منه، وكذلك في مسألة الأطفال. وذكر السيد المرتضى (٢) في كتابه " الغُرَر " مثل كلام هؤلاء الأئمة في تقرير المشيئة والقدر على ما وَرَدَ به السمع عن أبي القاسم البَلْخي، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وسيأتي ذكره بلفظه في القدر. وخالف المعتزلة في أيجاب كل لطفٍ عَلِمَه الله غير من ذكرنا من أهل البيت، ودانوا بقدرته سبحانه على هداية من يشاء اختياراً منهم: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة (٣)، ذكره في " التمهيد " في أوائل الباب السابع في النبوات،

стр. 2061

واحتبئ عليه وأطال وأجاد، وسيأتي كلامه بحروفه. ومنهم: الإمام الناصر (١) ﵇ ذكر ما يدل عليه في كتابه الذي جمعه في شرح التوابع، وموضعه منه شرح قول الزمخشري: لم يبق في الناس وَدَكٌ شرٌّ من الضحاك ووَدَك (٢).

стр. 2062

ومنهم: الإمام المنصور بالله (١) ﵇ سمعتُه منه غير مرةٍ، فهذا ما عرفته مع قلة معرفتي من نصوص أئمة أهل البيت الخاصة. وأما ما يوجدُ من كلام أهل البيت ﵈ من العمومات الدالة بظواهرها على موافقة ظواهر القرآن والسنة، ومذهب السلف وأهل الأثر، وربما كانت قاطعة بتعليلها وقرينة الحال فيها، فذلك مثل ما أجمعوا عليه من الاحتجاج على فضلهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] لولا نفوذ إرادته قطعاً لم يكن ذلك حجة، فعند المعتزلة أن الله إنما يريد مثل ذلك من جميع العصاة، لكن العُصاة امتنعوا من فعل ما أراد الله سبحانه. فإن قيل: إنما صح الاحتجاج بها، لأن إخباره بذلك يدل على أنه عَلِمَ أنهم يقبلون هدايته لهم، ولطفه بهم في الهداية. قلنا: لا يصح ذلك لوجهين. أحدهما: أنه لا ملازمة بين خبر الله عن مراده، وبين علمه بوقوع مراده على أصولهم، ولا بين الإخبار بإرادته والإخبار بعلمه على أصول الجميع، لأن خبره

стр. 2063

عن إرادته لذلك لا يستلزم وقوعه عند المعتزلة، كما في قوله تعالى: ﴿وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ ليعبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإنها عندهم مثلها، ولا يستلزم وقوع ذلك عندهم، فحجَّتُهُم على التأويل هي غير مذهبهم المدعى، وتأويلهم يحاول صرف الآية عن معناها، وذلك أنها واردةٌ في تخصيصهم بالإرادة المتعلقة بتطهيرهم (١) المنسوب إلى الله ، وهم يريدون أن يكون معناها الخبر عن علم الغيب بما يكون منهم في المستقبل منسوباً إليهم. وهذان أمران متباعدان يزيده بياناً أنهم إما أن يلتزموا أن الإرادة من الله تعالى لا (٢) تَعَلَّقُ بخلاف معلومه أو لا؟ الأول: هو مذهب أهل السنة الذي فرُّوا منه، وهو الذى يتمشى عليه تأويلُهم على رِكَّتِه على كل مذهب. والثاني: يرفع السؤال. وثانيهما: أنه يؤدي إلى أنه لا أثَرَ لإرادة الله تعالى في تطهيرهم، ولو كان كذلك لم يكن لتعليق إرادة الله بتطهيرهم (٣) معنىً، لأنَّ الإرادة لا تَعَلَّقُ إلا (٤) بفعل المريد، كما يأتي بيانه بخلاف المحبة. ولو كانوا كما قالوا لنُسِب التطهير إليهم لا إليه، ولما كان لهم مَزيَّةٌ على سائر المتقين، والقطع بقبح ظاهر هذه الآية، وتعيين مراد الله في الخبر (٥) عما عَلِمَ أنه يكون منهم، والقطع على أهل البيت أنهم أرادوا ذلك بالاحتجاج بها قَطْعٌ بغير تقدير، وجنايةٌ على الكتاب المنير، على أنه لا عُذرَ لهم على أصولهم في تأويل احتجاج آحاد الأئمة، فإن أصولهم تقضي بتحريم تأويل كلام الآحاد من الأئمة، لا سيما والقرينةُ قائمةٌ على ذلك.

стр. 2064

فإن الأئمة ﵈ لو استشعروا أن الآية بظاهرها تخالف مذهبهم في أُصول الدين، وأن احتجاجهم بها يلزمهم في الظاهر نقضُ أصولهم، لأشاروا إلى ذلك ولم تَقْصُرْ عنه أفهامهم ولا عباراتهم، ولكنَّ المتأخرين من كل فرقة يُغلُون غُلُوَّاً لا يناسب مقالاتِ أوائلهم كما ذكره الخطابي عن المعتزلة، وكما يعلمُه من قرأ كتب أئمة أهل البيت ﵈ القدماء مثل: " علوم آل محمد ﷺ " المعروف بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، وهو تأليف محمد بن منصور الكوفي المُرادي الشيعي. وأبسط منه وأجمع وأنفع منه وأمتع كتاب " الجامع الكافي على مذهب الزيدية " (١) تأليف السيد العلامة أبي عبد الله الحسني ﵀. وبهذا يُعرف أنه قد كَثُرَ من المبتدعة محاولة جَحْدِ المعلومات، ورفع الضرورات والمتواترات عن سلف الأمة عموماً، وعن (٢) أسلافهم خصوصاً. وهذه المسألة، وهي نفوذ مراد الله تعالى من أشهر أصول دين الإسلام، بل هي مما اتَّفق عليه جميع الأديان. قال الحافظ البيهقي في كتابه في " الأسماء والصفات (٣) ": حدثنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا محمد بن يزيد (٤) السلمي، حدثنا المُؤمَّل (٥) بن إسماعيل البصري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو سنان، سمعت وهب بن مُنبه يقول: كنت أقول بالقدر (٦)، حتى قرأت بضعاً وسبعين من

стр. 2065

كُتُبِ الأنبياء في كلِّها: من جعل شيئاً من المشيئة إلى نفسه، فقد كفر، فتركتُ قولي. وأخبرنا أبو محمد (١) بن يوسف الأصبهاني، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى الزهري القاضي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مَيْسرة، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصَّنْعاني، حدثنا عبد الصَّمد بن مَعْقِلٍ، قال: سمعت وهب بن مُنَبِّه يقول: قرأت لله تعالى سبعين كتاباً، كلها نزل (٢) من السماء، في كل كتاب منها: من أضاف إلى نفسه شيئاً من المشيئة، كفر. وعن ابن عباس قال: لما بُعِثَ موسى ﵇ وكلَّمه ربُّه، قال: اللهم إنك ربٌّ عظيم لو شئتَ أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئتَ أن لا تُعْصى ما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تُعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: ﴿لا يُسألُ عمَّا يَفْعَلُ وهُم يُسْألُونَ﴾ فانتهى موسى. رواه البيهقي والطبراني (٣)

стр. 2066

وزاد فيه زيادةً يأتي ذكرها عند ذكر أسانيده قريباً بهذه المسألة (١). الدليل الثالث: ما يأتي من تعذُّر (٢) تأويل كثير من آيات المشيئة مع مراعاة قرائن (٣) القوانين العربية والنظرية حين نذكُرُ الدليل على قدرة الرب على هداية من شاء من الخلق أجميعن إن شاء الله تعالى، على أن التأويل الممكن في هذه المسألة، وترك الظواهر حرامٌ قطعاً، إذ لا موجب له من السمع ولا مِنَ العقل، لأن العقل يمنع من تعلُّق الإرادة بخلاف المعلوم كما مرَّ وكما يأتي. واعلم أنه لا شك في حُسن القول بنفوذ مشيئة الله تعالى بالنظر إلى التمدح لكمال القدرة وتمام العزة، وإنما حمل المعتزلة على المخالفة (٤) في ذلك ظنهم أن ذلك يُناقضُ ما تقرر في العقل والسمع من قُبح إرادة الشر لنفسه، أي لكونه شرّاً لا حكمة (٥) فيه. قالوا: وكونُ العذاب هو مراد الله الأول بأهله يستلزم إرادة الشر لنفسه، وهذا ينفي قواعد معلومةً من ضرورة العقل والدين، أو من مجموعهما. منها: كون الله (٦) أرحم الرحمين. ومنها: كونه تعالى أحكم الحاكمين. ومنها: كونه سبحانه أكرم الأكرمين.

стр. 2067

وقد عظَّم حقَّ المساكين في كتابه الكريم، وقرَنَه بالإيمان به، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] ومَدَح على إطعام الأسير وهو كافرٌ، وأمثال ذلك مما لا يُحصى. ولقد تنزَّه الربُّ سبحانه غاية التنزه من العَبَث، ونصَّ على نزاهته منه في كتابه العزيز، والعبثُ: اسم لما لا نفع فيه ولا ضرر، بل قال تعالى فيمن جوَّز ذلك عليه: ﴿ذلك ظَنُّ الذين كَفَروا﴾ [ص: ٢٧] فكيف بإرادة تعذيب أكثر الخلائق أبدَ الأبدين من غير حاجةٍ ولا حكمةٍِ فيه. والجواب عليهم أن ما ذكروه من سَعَةِ رحمة الله، وبالغ حكمته، ونزاهته عن العبث وكل نقصٍ في الصفات والأسماء والأفعال حقٌّ لا ريب فيه ولا شكَّ، ولكنهم وهموا في أمرين جليَّين: أحدهما: وهموا أن مذهبهم سالمٌ من المناقضة في ذلك. وثانيهما: وهموا أن مذهب أهل السنة يستلزم نفي ذلك، وليس كما وهموا في الجانبين جميعاً (١)، ووهمُهم في ذلك يتبينُ بذكر أربعة وجوهٍ تشتمل على معارضةٍ جدلية، وموعظةٍ خطابية، وحجةٍ جُملية بُرهانية إجماعية، ونافلةٍ تفصيلية خلافية. أما الوجه الأول. وهو المعارضة الجدلية فبأمرين: أحدهما: أنهم لم ينفصلوا من الاعتراض الذي حسبُوه لازماً لأهل السنة إلا بالتزام (٢) أشدَّ منه في البطلان كما مر تقريره. وذلك أنهم زعموا أن المراد تحصيل ما عَلِمَ الله أنه لا يحصل، أو التعريض لذلك، وهذا لا يَصِحُّ عقلاً وسمعاً كما مرَّ بعضُه ويأتي بقيته، وإن

стр. 2068

صح، فلا يفيد شيئاً قطعاً، فالتشاغُل به هو من العبث الذى لا يجوز على الله تعالى، خصوصاً متى كان القصد بذلك هو الإحسان في العاقبة الدائمة إلى من علم أنه يخلُدُ في العذاب الدائم بسبب تعريضه (١) لذلك الإحسان، والقاطع بالعلم (٢) بقبح هذا عقلاً أنه يعلم بالضرورة من كل عاقلٍ أنه لا يختار بنفسه، ولا لمن يُحبُّه، ولا لمن (٣) يحب الإحسان إليه والرفق به. وثانيهما: أن مذهبهم أن عذاب الآخرة من الله تعالى بمنزلة المباح منَّا، الذي ليس فعلُه أرجح من تركه، وهذا هو العبث الذي لا يجوز على الله تعالى، بل قال الفقيه حميد (٤)، من متأخري متكلمي الزيدية: إنه من الله بمنزلة المكروه، لأن العفو أفضل، وهذا كله خطأ وقبيحٌ ممَّن قاله كما سيأتي وجهه (٥) عند إبطال قول من ذهب إليه من غُلاة الأشعرية في الوهم الثلاثين، وقد مرَّ قريباً شيءٌ من بيان مناقضاتهم في ذلك. الوجه الثاني: الموعظة الخطابية، وذلك أن منشأ هذه الإشكالات (٦) هو مجموعٌ جهالاتٍ وضلالاتٍ. منها: عُجْبُ أهل الكلام بعلومهم، وعقولهم، وآرائهم (٧)، ولو أنصفوا، أو نظروا في نسبة ما علموا إلى ما جَهِلُوا لانحسمَتْ هذه المادة بالكلية، ولو أن

стр. 2069

العبد علم نصف معلومات الله، لجُوز أن يكون حكمة الله في هذه الأشياء في النصف الأخير، كيف والله يقول: ﴿وَمَا أُوتيتُم مِنَ العلم إلاَّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، والملائكة تقول: ﴿لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢]. وقد صح أن علم موسى والخضر ﵉، وعلم جميع الخلائق في علم الله كما أخذه طائرٌ بمنقاره (١). وما أحسن أدبَ البُوني حيث يقول: إن نسبة عِلمنا إلى علم الله كنسبة لا شيءَ إلى ما لا نهاية له. ومنها: الشَّرَهُ في العلم، ومع أهل كُلِّ فنٍّ منه طَرَفٌ، ومعظمه وأضرُّه مع عُلماء الكلام، وذلك أن مِنْ طبع البشر حب العلم، وحب الممنوع، ولذلك يختلفون في دقائق صفات الرب سبحانه وغير ذلك اختلاف من لا يعلم، ويحتجُّ كل منهم بما لا يفيد العلم، ويقدح كلٌُّ منهم بما يُبطِلُ قول خصمه، ويُطَوِّلون في ذلك حيث لا حاجة إليه كتطويلهم في الروح ونحوه. وقد نقل الرازي عن الفلاسفة الاعتراف بأن كلامهم في الإلهيات مُجرَّد ظنٍّ، لأنهم لم يروا الربَّ ﷻ ولم يروا شبيهاً له، فيحكموا عليه بالقياس. وإذا نظرت في كلِّ الفنون وجدت في كل منها علوماً جَلِيَّاتٍ (٢) صحاحاً، ودعاوى خفيَّات ضِعافاً. وأمارةُ ما ذكرته أن الجليات مواضعُ الإجماع، والخفيات مواضع الخلاف، وهذا موجودٌ حتى في كتب الحديث إذا لم يجدوا في الباب حديثاً في أرفع مراتب الصحة المُتَّفق عليها رووا فيه الموجود، وإنْ نَزَلَ عن شرطهم.

стр. 2070

وقد يُصَرِّحُ بعضهم بذلك حتى يتفاحش ضَعْفُ ما رَوَوْه، لكنهم أحسن الناس حالاً في ذلك لأنهم يُبينون (١) تلك الطريق الضعيفة، ولا يخفى ضعفها على صاحب البصيرة، ويفعلون ذلك للاحتياط في العمل الذي يُحتَاجُ إليه، لورود التكليف به، ولذلك كان السلف أقل الناس خوضاً في المشكلات لِكمالِ علمهم، لا لنقصانه كما ظنه بعض المتأخرين. وما أحسن قول العلامة ابن عبد السلام في كتابه " القواعد ": إن العالم هو من يَعْرِفُ البَيِّنَ والشُّبْهَة، وليس في مقدوره أن يجعل الشُبْهَة من البينات، والبينات من المتشابهات. ولا شكَّ أن تَطَلُّب علم ما لا يُعْلَمُ، والشَّرَهَ في ذلك وتحكيم بادىء الرأي فيه، وتقديمه على النصوص هو أساس كلِّ فسادٍ، ولذلك نسبه الله في القرآن إلى السُّفهاء، فقال تعالى: ﴿سيقولُ السفهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُم عَنْ قِبلتِهمُ الَّتي كانُوا عَليْها﴾ إلى قوله: ﴿وإنْ كانتْ لكبيرةً إلاَّ على الذينَ هَدى الله﴾ [البقرة: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢] ونحوها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].
следующие страницы →