← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وزاد فيه زيادةً يأتي ذكرها عند ذكر أسانيده قريباً بهذه المسألة (١). الدليل الثالث: ما يأتي من تعذُّر (٢) تأويل كثير من آيات المشيئة مع مراعاة قرائن (٣) القوانين العربية والنظرية حين نذكُرُ الدليل على قدرة الرب على هداية من شاء من الخلق أجميعن إن شاء الله تعالى، على أن التأويل الممكن في هذه المسألة، وترك الظواهر حرامٌ قطعاً، إذ لا موجب له من السمع ولا مِنَ العقل، لأن العقل يمنع من تعلُّق الإرادة بخلاف المعلوم كما مرَّ وكما يأتي. واعلم أنه لا شك في حُسن القول بنفوذ مشيئة الله تعالى بالنظر إلى التمدح لكمال القدرة وتمام العزة، وإنما حمل المعتزلة على المخالفة (٤) في ذلك ظنهم أن ذلك يُناقضُ ما تقرر في العقل والسمع من قُبح إرادة الشر لنفسه، أي لكونه شرّاً لا حكمة (٥) فيه. قالوا: وكونُ العذاب هو مراد الله الأول بأهله يستلزم إرادة الشر لنفسه، وهذا ينفي قواعد معلومةً من ضرورة العقل والدين، أو من مجموعهما. منها: كون الله (٦) أرحم الرحمين. ومنها: كونه تعالى أحكم الحاكمين. ومنها: كونه سبحانه أكرم الأكرمين.

стр. 2067

وقد عظَّم حقَّ المساكين في كتابه الكريم، وقرَنَه بالإيمان به، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] ومَدَح على إطعام الأسير وهو كافرٌ، وأمثال ذلك مما لا يُحصى. ولقد تنزَّه الربُّ سبحانه غاية التنزه من العَبَث، ونصَّ على نزاهته منه في كتابه العزيز، والعبثُ: اسم لما لا نفع فيه ولا ضرر، بل قال تعالى فيمن جوَّز ذلك عليه: ﴿ذلك ظَنُّ الذين كَفَروا﴾ [ص: ٢٧] فكيف بإرادة تعذيب أكثر الخلائق أبدَ الأبدين من غير حاجةٍ ولا حكمةٍِ فيه. والجواب عليهم أن ما ذكروه من سَعَةِ رحمة الله، وبالغ حكمته، ونزاهته عن العبث وكل نقصٍ في الصفات والأسماء والأفعال حقٌّ لا ريب فيه ولا شكَّ، ولكنهم وهموا في أمرين جليَّين: أحدهما: وهموا أن مذهبهم سالمٌ من المناقضة في ذلك. وثانيهما: وهموا أن مذهب أهل السنة يستلزم نفي ذلك، وليس كما وهموا في الجانبين جميعاً (١)، ووهمُهم في ذلك يتبينُ بذكر أربعة وجوهٍ تشتمل على معارضةٍ جدلية، وموعظةٍ خطابية، وحجةٍ جُملية بُرهانية إجماعية، ونافلةٍ تفصيلية خلافية. أما الوجه الأول. وهو المعارضة الجدلية فبأمرين: أحدهما: أنهم لم ينفصلوا من الاعتراض الذي حسبُوه لازماً لأهل السنة إلا بالتزام (٢) أشدَّ منه في البطلان كما مر تقريره. وذلك أنهم زعموا أن المراد تحصيل ما عَلِمَ الله أنه لا يحصل، أو التعريض لذلك، وهذا لا يَصِحُّ عقلاً وسمعاً كما مرَّ بعضُه ويأتي بقيته، وإن

стр. 2068

صح، فلا يفيد شيئاً قطعاً، فالتشاغُل به هو من العبث الذى لا يجوز على الله تعالى، خصوصاً متى كان القصد بذلك هو الإحسان في العاقبة الدائمة إلى من علم أنه يخلُدُ في العذاب الدائم بسبب تعريضه (١) لذلك الإحسان، والقاطع بالعلم (٢) بقبح هذا عقلاً أنه يعلم بالضرورة من كل عاقلٍ أنه لا يختار بنفسه، ولا لمن يُحبُّه، ولا لمن (٣) يحب الإحسان إليه والرفق به. وثانيهما: أن مذهبهم أن عذاب الآخرة من الله تعالى بمنزلة المباح منَّا، الذي ليس فعلُه أرجح من تركه، وهذا هو العبث الذي لا يجوز على الله تعالى، بل قال الفقيه حميد (٤)، من متأخري متكلمي الزيدية: إنه من الله بمنزلة المكروه، لأن العفو أفضل، وهذا كله خطأ وقبيحٌ ممَّن قاله كما سيأتي وجهه (٥) عند إبطال قول من ذهب إليه من غُلاة الأشعرية في الوهم الثلاثين، وقد مرَّ قريباً شيءٌ من بيان مناقضاتهم في ذلك. الوجه الثاني: الموعظة الخطابية، وذلك أن منشأ هذه الإشكالات (٦) هو مجموعٌ جهالاتٍ وضلالاتٍ. منها: عُجْبُ أهل الكلام بعلومهم، وعقولهم، وآرائهم (٧)، ولو أنصفوا، أو نظروا في نسبة ما علموا إلى ما جَهِلُوا لانحسمَتْ هذه المادة بالكلية، ولو أن

стр. 2069

العبد علم نصف معلومات الله، لجُوز أن يكون حكمة الله في هذه الأشياء في النصف الأخير، كيف والله يقول: ﴿وَمَا أُوتيتُم مِنَ العلم إلاَّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، والملائكة تقول: ﴿لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢]. وقد صح أن علم موسى والخضر ﵉، وعلم جميع الخلائق في علم الله كما أخذه طائرٌ بمنقاره (١). وما أحسن أدبَ البُوني حيث يقول: إن نسبة عِلمنا إلى علم الله كنسبة لا شيءَ إلى ما لا نهاية له. ومنها: الشَّرَهُ في العلم، ومع أهل كُلِّ فنٍّ منه طَرَفٌ، ومعظمه وأضرُّه مع عُلماء الكلام، وذلك أن مِنْ طبع البشر حب العلم، وحب الممنوع، ولذلك يختلفون في دقائق صفات الرب سبحانه وغير ذلك اختلاف من لا يعلم، ويحتجُّ كل منهم بما لا يفيد العلم، ويقدح كلٌُّ منهم بما يُبطِلُ قول خصمه، ويُطَوِّلون في ذلك حيث لا حاجة إليه كتطويلهم في الروح ونحوه. وقد نقل الرازي عن الفلاسفة الاعتراف بأن كلامهم في الإلهيات مُجرَّد ظنٍّ، لأنهم لم يروا الربَّ ﷻ ولم يروا شبيهاً له، فيحكموا عليه بالقياس. وإذا نظرت في كلِّ الفنون وجدت في كل منها علوماً جَلِيَّاتٍ (٢) صحاحاً، ودعاوى خفيَّات ضِعافاً. وأمارةُ ما ذكرته أن الجليات مواضعُ الإجماع، والخفيات مواضع الخلاف، وهذا موجودٌ حتى في كتب الحديث إذا لم يجدوا في الباب حديثاً في أرفع مراتب الصحة المُتَّفق عليها رووا فيه الموجود، وإنْ نَزَلَ عن شرطهم.

стр. 2070

وقد يُصَرِّحُ بعضهم بذلك حتى يتفاحش ضَعْفُ ما رَوَوْه، لكنهم أحسن الناس حالاً في ذلك لأنهم يُبينون (١) تلك الطريق الضعيفة، ولا يخفى ضعفها على صاحب البصيرة، ويفعلون ذلك للاحتياط في العمل الذي يُحتَاجُ إليه، لورود التكليف به، ولذلك كان السلف أقل الناس خوضاً في المشكلات لِكمالِ علمهم، لا لنقصانه كما ظنه بعض المتأخرين. وما أحسن قول العلامة ابن عبد السلام في كتابه " القواعد ": إن العالم هو من يَعْرِفُ البَيِّنَ والشُّبْهَة، وليس في مقدوره أن يجعل الشُبْهَة من البينات، والبينات من المتشابهات. ولا شكَّ أن تَطَلُّب علم ما لا يُعْلَمُ، والشَّرَهَ في ذلك وتحكيم بادىء الرأي فيه، وتقديمه على النصوص هو أساس كلِّ فسادٍ، ولذلك نسبه الله في القرآن إلى السُّفهاء، فقال تعالى: ﴿سيقولُ السفهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُم عَنْ قِبلتِهمُ الَّتي كانُوا عَليْها﴾ إلى قوله: ﴿وإنْ كانتْ لكبيرةً إلاَّ على الذينَ هَدى الله﴾ [البقرة: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢] ونحوها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 2071

وفي " الصحيحين " من طرقٍ كثيرة عن أنس (١) وأبي موسى (٢) أنهم سألوا النبي ﷺ حتى أحْفَوْهُ، فصَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: " لا تسألوني عن شيءٍ إلاَّ بَيَّنْتُه لكم " فلما سمعوا ذلك أرمُّوا ورَهِبُوا أن يكون ذلك بين يدي أمرٍ قد حَضرَ. قال أنس: فجعلتُ أنظر، فإذا كلُّ رجلٍ لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي. وفي لفظ: فلما أكثروا عليه غَضِبَ، ثم قال: " سلوني عمَّا شِئْتُم ". فثبت أن السؤال عن كثيرٍ من الأمور من بواعث غضب الله ورسوله، وموجبات العقوبة أو التشديد، ومن ثَمَّ قال الله: ﴿لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] فلو كان بيان الجميع محتاجاً إليه ما أخَّر البيان عن وقت الحاجة، فذلك لا يجوز إجماعاً، فثبت أن المبتدعة يتعلمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ويتطلَّبُون ذلك أجارنا الله منه. وعن ابن عباس مما خرجه الحاكم في " المستدرك " (٣) في سبب نزول قوله

стр. 2072

تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] قال ابن عباس: قال ناسٌ من المُتَكَلِّفين: هي رِجْسٌ، وهي في بطن فلانٍ قُتِلَ يوم بدر، وفلان قُتِلَ يوم أحد. وخرَّج الحاكم (١) أيضاً عن ابن مسعود، أن الذين قالوا ذلك اليهود، وقال: صحيح الإسناد. وفي هذا بيان المذمومين بابتغاء تأويل المتشابه الذي نص الله على ذمهم بذلك (٢) بعينه في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فجعل ابتغاء تأويل المتشابه على العقول كابتغاء الفتنة، وسَمَّى الذي يُنقِّرون عنه سُفهاء. وفيه بيان أن الراسخين في العلم هم أهل الجُملِ الذين علموا مقادير عقولهم كما وصفهم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ كما تقدم في الصفات.

стр. 2073

ولذلك قرأ ابن عباس: ﴿ويقولُ الرَّاسِخُون في العلمِ آمَنَّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ رواه الحاكم وصححه (١). ورواه الزمخشري (٢) عن أُبَيِّ بن كعبٍ سيد (٣) القراء. وروى الزمخشري (٤) عن ابن مسعود نحو ذلك بغير لفظه، ولم يُضعِّفهما، بل رواهُما معاً بصيغة الجزم قراءتين لا من جهة التأويل. وقد أوضحتُ الحجة في أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه في غير هذا الموضع، وكفي في ذلك حجة بأن موسى الكليم الوجيه المقرَّب ﵇ ما علم تأويل المتشابه في علم الخضر، وكان سبب إنكاره لأفعال الخضر زيادة علم الخضر على علمه، فكيف بعلم الله وكلماته التي نصَّ على أن البِحار تَقِلُّ أن تكون مِداداً لها؟! ويوضح ذلك ما عُلِمَ بالضرورة من أن الكفَّ عن الخوض في هذا هو حال خيار المؤمنين كما تقدم في تفسير ﴿آمن الرسولُ بما أُنزِلَ إليه من ربِّهِ والمُؤمنونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وما ورد في سبب نزولها. بل هذا هو حالُ الأنبياء كما ذكرتُه في قصة موسى والخضر، وحال الملائكة كما حكى الله عنهم في سؤالهم عن الحكمة في خلق آدم وذريته.

стр. 2074

وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : " اتركُوني ما تركتُكُم، فإنما أهلَكَ من كان قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " (١). وفيهما من حديث عائشة عنه ﷺ : " فإذا رأيتم الذين يَتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذرُوهم " (٢). وقد بَسَطْتُ الأدلة على أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه في كتاب " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان " وجوَّدتُ القول بحمد الله، فليراجع من موضعه (٣). ومنها: الإعراض عن تدبُّر كتاب الله، والرجوع إليه، والاكتفاء بمجرد الخيالات الكلية، والتعادي والتكاذب، وقد نقم الله ذلك على من كان قبلنا في كتابنا فلم تعتبر به (٤) المبتدعة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣] فنبَّه بقوله: ﴿وهُم يتْلُونَ الكتابَ﴾ على ذمِّهم حيث لم يرجعوا إليه، وخوَّفهم حين تركوا ذلك بما وعد به من الحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. وقد تقدم في الصفات كيفيةُ جدال الأنبياء، ورجوعهم (٥) إلى ما أنزل إليهم من ربهم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما اختلفَ الَّذين أُوتوا

стр. 2075

الكتابَ إلاَّ مِنْ بعدِ ما جاءَهُم العلمُ بغْياً بيْنَهُم﴾ [آل عمران: ١٩] وأراد بالعلم ما بيَّنه (١) لهم في الكتاب، ولذلك وصفَه بالمجيء. ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٩ - ٢٠]. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات﴾ [آل عمران: ١٠٥] ولذلك خصَّ الله الذين أُوتوا الكتاب بالاختلاف بعد العلم بأنهم اختلفوا بغياً بينهم بخلاف من لم يعرف كتاباً، فإن اختلافهم قبل العلم، وقبل البَيِّنات، يوضحه قوله تعالى: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥] وأمثال ذلك. الوجه الثالث: الحجة الجملية البرهانية، وذلك أنه لم يَرِدْ في كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولا إجماع أهل السنة أنَّ عذاب أهل النار هو مراد الله الأول، ولا أنه مرادٌ لنفسه، وإنما الذي ورد في هذه الأصول أن العذاب مراد لله (٢) متوقِّفٌ على مشيئته، وأنه تعالى غير مغلوبٍ عليه، ولا على أسبابه، وأن له فيه الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، وأنه تعالى يعلم ما لا يعلم، وأنه لا يُطلعُنا على الغيب، ومن اعترف بحكمة الله تعالى في الجملة، كيف يلزمه نفيها إذا أقرَّ بقُصور علمه عن معرفة تعيُّنِها كما أقرَّت بذلك الملائكة حيث قالت: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾. بل قال الله تعالى في المتشابه: ﴿وما يَعْلَمُ تأويلَه إلاَّ اللهُ﴾ فبطل وهم المعتزلة أن مذهب أهل السنة يؤدي إلى أن الله تعالى يريد الشر لنفسه، فلا مانع عندهم من أن العذاب مرادٌ لحكمةٍ بالغة خفيَّة هي تأويل المتشابه المحجوب عن الخلق، لا لكونه شرّاً، وتلك الحكمة هي المسماة بالمراد الأول

стр. 2076

عند أهل العقليات، والعذاب وسيلة إليها، فالعذاب مراد الله لأجل الحكمة، لا لكونه شراً محضاً، وهذه الأولية في الرتبة (١) دون الزمان على قول من يعتقد بِقِدَمِ الإرادة الإلهية. وأما من يُجيز حدوثها فإنه يجيز أن تكون الأولية هنا في الزمان، ومعنى الأولية في الرتبة دون الزمان (٢) مثل سبق الذات للصفات في الرتبة مع عدم حدوث الجميع، ومثل سبق حركة الأصبع لحركة الخاتم في الحوادث. ولقد رَجَعَتِ المعتزلة إلى مثل هذا الإيمان الجملي بحكمة الله تعالى بعد الخبط في التأويل، وإنكار الآثار، ومخالفة السلف كما تقدم بيانه بياناً شافياً. وتلخيص الجواب في هذا الوجه: أن الله خلق الكفار لحكمٍ كثيرة شاهدة له سبحانه بالنزاهة من الظلم والعَبَثِ، بل شاهدة له سبحانه بالحكمة البالغة، والنعمة السابغة، والحجة الدامغة، فمن قال: إن الله خلق (٣) الكُفَّار للعذاب دون غيره أو كانت عبارتُه تُوهِمُ ذلك، فما أصاب الحق، ومن أراد إصابة الحق على التفصيل تتبَّع متفرقات الحكم والنصوص وجمعها، والذي حضرني منها سبعة أمور خلق الله الكفار لها، منها: لفظية منصوصة، ومنها: معنوية معقولة، وإن رجَعَ المجموع إلى أقل من ذلك، فتأمل في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وواضحات (٤) أدلة العقول التي لم تعارضها النصوص السمعية. فأقول وبالله التوفيق: إن الله سبحانه خلق الكفار لعبادته بالنظر إلى أمره ومحبته كما أوضحتُه في الكتاب في تفسير قوله: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ ليَعْبُدونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والابتلاء بالنظر إلى عدله وحجته كما أوضحتُه

стр. 2077

أيضاً في (١) تفسير قوله تعالى: ﴿ليبلُوَكُمْ أيُّكُم أحْسَنُ عملاً﴾ [تبارك: ٢]، ولما يوجب عليهم شكره على سابق (٢) مواهبه بالنظر إلى تكليفهم بشكر نعمته، وللعذاب على كفر نعمته، وجحد حُجته بالنظر إلى علمه، وجبره، وقدره (٣)، وكتابته، وللحكمة المرجِّحة فيهم لعقابه التي هي تأويل المتشابه بالنظر إلى حكمته ومشيئته وإرادته، ولما شاء مطلقاً بالنظر إلى ملكه وقدرته، ولما لا يحيط بجميعه إلاَّ هو سبحانه بالنظر إلى سعة علمه ورحمته. فصل: وقد قيل على هذا الجواب الجملي: إنه يمكن أنَّ الله تعالى علم أن في تعذيب أهل النار مصالح، وغاياتٍ حميدةً إمكاناً لا يقطع به، ولا يقبح العذاب دونه كما سيأتي ذكره، وكما وَقَعَ في تأويل الخضر للشرور التي أنكر موسى ﵇ ظاهرها الذي هو شرٌّ، ولم يعلم تأويلها الذي هو خيرٌ، حتى لو وقع أهلُ النار في تلك الآلام التي فيها بغير ذنوبٍ ألبتة، لكان ذلك حَسَناً، كما أجمع المسلمون على تحسين ذلك في آلام الأطفال والبهائم، ومَنْ يُبتلى من الأنبياء والأولياء من غير عقوبة. كما صح مثله في البرزخ كضَمَّة اللحد الذي لا ينجو منها أحدٌ، فقد ضُمَّ سعد بن مُعاذ الذي صحَّ وتواتر أن العرش اهتزَّ لموته (٤)، وصح أن الله أهبطَ

стр. 2078

لموته سبعين ألفاً من الملائكة (١)، وصح أنه ﷺ قال: " لو نجا أحدٌ من ضَمَّةِ القبر لنجا منها هذا العبدُ الصالح " (٢). وسيأتي في مسألة الأطفال، وعذاب الميت ببكاء أهله عليه (٣) ما ورد في الحديث من ذلك، وذكر إجماع أهل السنة أنه يجوز وقوع الامتحان في البرزخ كما يقع في الدنيا. وقد جاء في الحديث: " أن رجلاً عبدَ الله في جزيرةٍ في البحر خمس مئة سنة، فإذا كان يومُ القيامة، قال الله تعالى: أدْخِلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقولُ العبد: بل بِعَمَلي، فيقول الله: حاسِبُوا بيني وبينَ عبدي فلا تَفِي عبادتُه بنعمة البَصَرِ، ويبقى (٤) عليه شكرُ بقيةِ نعمه، فيقول الله تعالى: اذهَبُوا بعبدي إلى النار حتى يقول العبد: يا ربِّ أدْخِلْني الجنة برحمتك، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فنعم العبدُ كان ". أو كما ورد.

стр. 2079

وهذا مختصر من قصته وحديثه، وهو أطول من هذا، خرجه الحاكم في " المستدرك " (١) وصححه. وهو يشهد لجواز ما ذكرته، إذ لم يذكر في الأمر بتعذيبه أنه على ذنبٍ غير التقصير في الشكر إلاَّ أن يكون ذنبه هو قوله: " بعملي يا رب "، وإلا فقد صحَّ أن كل أحد يَرِدُ القيامة وله ذنبٌ إن شاء الله عذَّبه عليه كما تقدم من غير وجه، وما شَهِدَ له من القرآن، والله سبحانه أعلم. وبالجملة فالمسلمون مجمعون (٢) على حسن ذلك من الرب بغير ذنب لحكمةٍ وإن خفيَتْ في كل ألمٍ منقطع في دار الإمتحان، بل العقلاء من المسلمين وغيرهم مُجمعون على حُسن تحمُّل كثير من الشرور لدفع أعظم منها، بل لجلب منافع في فواتها شرورٌ أعظم مما تحمَّلُوه، وما أعلم أن أحداً من العقلاء قبَّح النكاح عقلاً لما يؤول إليه من ألم الولادة وسوابقها وتوابعها لا في حق النساء لِعِظَم مضرَّتهن بذلك، ولا في حق الرجال لكونهم الوسيلة إليه، فيمكن في آلام أهل النار وعذابهم مثل ذلك. ولكن الله علم أن وقوع تلك الآلام على جهة العقوبة المستحقة بالمعاصي الاختيارية أكثر صلاحاً، فقدَّر مقادير تقع (٣) معها تلك الاختيارات على وجهٍ يستحقُّ معه العقاب، وتقومُ معه الحجة، وينقطع معه عذر العبد

стр. 2080

العاصي، فلذلك سمَّى رسول الله ﷺ إنزال الكتاب، وإرسال الرسل عُذْراً إلى الخلق، حيث قال في الحديث الصحيح: " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل ". رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأصله في " الصحيحين " معاً (١). ولهما من حديث المُغيرة نحوه، ولفظه: " من أجل ذلك بعث الله المنذرين والمبشرين " (١). وقال الله تعالى في مثل ذلك: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أو نُذْراً﴾ [المرسلات: ٥ - ٦]، وقال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]. وحكى الله عن صالحي بني إسرائيل أنَّهم سَمَّوْا نهيهم لمن لا ينتهي معذرةً إلى ربِّهم، ألا تراهم ما سموها معذرةً إلاَّ حيث كانت غير نافعةٍ لهم، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ [يس: ١٠] وإنما أُنْذِرُوا عذراً إليهم وحجة عليهم، ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١] أي: الإنذار النافع المراد به النفع (٢) لمن بلغه. ومثل ذلك في المعنى وإن لم يَرِدْ بلفظ العذر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة﴾ [البقرة: ١٥٠] وذلك أن اليهود كانوا فرحوا بكون رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس في أول الأمر (٣)، وهو قبلتهم

стр. 2081

واحتجُّوا عليه بذلك، ومَوَّهوا به على جهلة المشركين، فجعل الله تعالى في نسخ ذلك باستقبال الكعبة قطع حجتهم مع ما كان فيه من امتحان الناس، وظهور نفاق المنافقين، فسمَّى ذلك حجة لكون اليهود احتجوا به، وليس بحجةٍ على الحقيقة. فكذلك ما قطع الله يوم القيامة من حُجَج المُبطلين إنما هي أعذار منهم كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]. وفي حديث الحسن عن أبي هريرة وأبي موسى عن النبي ﷺ : " يُعرضُ الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمَّا عرْضتان فجِدالٌ ومعاذيرُ " (١) رواه

стр. 2082

الترمذي (١). وقال أحمد في " المسند " حدثنا ابن نُميرٍ، قال حدثنا عبيد الله، عن عبد الله بن عبد الله (٢) بن معمر الأنصاري، عن نَهارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْري، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أحدَكم ليُسْألُ يوم القيامة حتى يكون فيما يُسألُ عنه أن يقال: ما مَنَعَكَ أن تُنْكِرَ المُنْكَرَ إذْ رأيتَه قال: فمن كفاه الله حُجَّته، قال: ربِّ رَجَوْتُك وخِفْتُ الناس " (٣). ورواه العلامة القرطبي في " تذكرته "، وهو الحديث الثالث عشر من مسند أبي سعيد الخدري من " جامع المسانيد " لابن الجوزي، وفي " طبقات الذهبي " (٤): نهار العبدي، عن أبي سعيد الخدري: ثقة، وفي " الميزان " (٥): تابعي مدني صدوق، ولم أجد عبد الله بن عبد الله بن معمر الأنصاري (٦) في " الميزان " ولا في رجال الكتب الستة، وخلوُّ الميزان منه أمارةُ صلاحه.

стр. 2083

وروى الطبراني من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي في " أوسط معاجمه " (١) عن الحسن أيضاً قال: خطبنا أبو هريرة على منبر رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَيَعْذِرَنَّ الله تعالى يوم القيامة إلى آدم ثلاث معاذير، يقول الله تعالى: يا آدم لولا أني لعنت الكاذبين، وأبغضت الكذب والخُلْف، وأوعدتُ عليه لرحِمْتُ اليوم ولدَكَ أجمعين من شِدَّة ما أعددت (٢) لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لِئِنْ كُذِّبَتْ رُسُلي، وعُصِيَ أمري لأملانَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ويقول الله : يا آدم، لا أُدخِلُ النار أحداً، ولا أعَذِّب منهم أحداً إلاَّ من (٣) علمت بعلمي أني لو رددته إلى الدنيا، لعاد إلى أشرِّ ما كان فيه، لم يرجع ولم يَعْتَبْ، ويقول الله تعالى : يا آدم قد جعلتك حكماً بيني وبين ذُريتك، قُم عند الميزان فانظر ما يُرفعُ إليك من أعمالهم، فمن رَجَحَ منهم خيره شره مثقال ذرَّةٍ، فله الجنة حتى تعلم أني لا أُدخلُ النار منهم إلاَّ ظالماً ". ويأتي حديث أنس وأبي هريرة في هذا المعنى، وكلاهما في الصحيح، فقد أعدَّ الله تعالى بعد علمه الحق بحكمته الراجحة في العذاب لهذه المعاذير الباطلة ما يُقابِلُها من أعذار الحق والحُجج الصحيحة، وذلك لحكمته البالغة، وكمال عَدْله في الباطن والظاهر، فالباطق بعلمه الحق، والظاهر بقدره الحق. فقد ذَكَرَ أهل اللغة أن المُعتَذِرَ يكون مُحقاً وغير مُحقٍّ، ممن ذكره ابن الأثير في " نهايته " (٤) فعلى هذا كل عذر من الله فهو حق، وكل عذر من الخلق، فقد يكون حَقّاً، وقد يكون باطلاً، فتلخَّص أن يكون لله تعالى في عذاب المستحقين حجتان، ويحتمل أن كُلَّ واحدةٍ (٥) منهما محسنة للعذاب، ولكن الجمع بينهما أقوى في التحسين وأولى.

стр. 2084

إحداهما: ما يناسب عقول البشر وعاداتهم من أعذار الحقِّ التي يعتقدون براءة المُعتذر بها من الملامة، وصحتها واضحة على أصول الجميع. أما أهل السنة، فلورود السمع بذلك. وأما المعتزلة فلوجوب إزاحة الأعذار عقلاً (١) عندُهم مع ورود السمع بذلك، ولا شكَّ أن ما لا يتمُّ الأمر (٢) والمقصود إلاَّ به يكون له حكمُه في اللزوم، وهذه الحجة المجمع عليها لا تتمُّ إلاَّ بتقدير اختيار العباد لأعمالهم، وتقدير أسباب الاختيارات فلذلك كان القول بسبق القدر مقتضى العقل والسمع عند التحقيق، وهذه الحجةُ وقاعدتها هي ما قدره الله تعالى من اختيار العباد لأعمالهم التي مكنهم منها بإقداره لهم عليها غير مجبورين مع كثرة الأعذار، وتطاوُل الإمهال، والزيادة في البيان. وفي الحديث: " لقد أعذَرَ الله إلى من بلغ به في العمر ستين سنة " ذكره ابن الأثير في " نهايته " (٣)، وقد أخرجه البخاري في " الصحيح " من حديث أبي هريرة مرفوعاً " أعذَرَ الله إلى رجلٍ أخَّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة " (٤). وقال ابن الأثير: لم يُبْقِ له موضعاً للإعذار (٥). وهذه (٦) أعذارُ حَق وإن جاز أن يكون للهِ حكمةٌ باطنة أحقُّ منها.

стр. 2085

مثال ذلك ما خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث فضيل، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: " هل تدرون مما أضحك "؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا ربِّ ألم تُجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقولُ: إني لا أُجيزُ اليوم على نفسي شاهداً إلاَّ مني، فيقول: كفي بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالملائكة الكرام عليك شهوداً، فيُختم على فيه، ويُقالُ لأركانه: انطقى، فتنطق بأعماله، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لَكنَّ وسُحقاً فعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ " (١). فهذا عذرٌ حَقُّ من الله يقابل العذر الباطل من العبد، وإلا فعلم العبد الضروري بأنه كاذبٌ أقوى حجة في باطن الأمر، وعلم الرب أقوى من علم العبد الضروري. وهذا الحديث وإن كان حديثاً واحداً، فالقرآن يشهد له حيث قال حاكياً عنهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء﴾ [فصلت: ٢١] مع أن الحديث الظني في هذا المقام من أرفع ما يحتج به، لأن القصد في هذا المقام بيان مجرد احتمال الحكمة، وقطع قول من أحالها فيه، أو عيَّنها في وجهٍ باطل. وقد وَرَدَ من الحديث الصحيح نحو هذا، وصُرِّح فيه بلفظ العذر عن أبي هريرة في بعض رواياته في حديث الرؤية، قال: " فيلقى العبد فيقول: أيْ فُلْ: ألم أُكرمك وأسوِّدْك؟ فيقول: بلى، فيقول: أظننتَ أنك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني ... إلى قوله في المنافق: "فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرُسُلِك، وصُمْتُ، وتَصَدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ها هنا إذاً، قال: فيقال: الآن نبعثُ شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه من الذي يشهدُ عليَّ، فيُختَمُ على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمه

стр. 2086

وعظامُه، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه" لفظ مسلم عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١). وثانيهما: ما يختص الرب سبحانه بعلمه في ثلاثة أشياء: أولها: داعي الحكمة الأول الداعي إلى تقدير خلق الأشقياء وإقامة الحجة عليهم، وقطع أعذارهم. وثانيها: الداعي إلى تكليف السعداء، والمن عليهم بالهداية والمغفرة، وبيان المِنَّة لهم باختصاصهم بذلك، وتقرير السنة عليهم بالعفو بعد الحساب على الصغيرة والكبير، وترجيح ذلك على الإحسان إليهم بذلك ابتداءً، وتعريفهم بالمنة من غير هذه الوسائط. وسيأتي في مرتبة الدواعي الإشارة إلى ما تفهمه العقول، وما أشارت إليه الآيات والأخبار في هذين الأمرين، ويأتي طرفٌ منه في ذكر الحكمة في تقدير الشرور في مرتبة (٢) الأقدار. وثالثها: تأويل ما اشتبه على العقول من تفاصيل الحكمة في ترجيح العقوبة على العفو في بعض الذنوب، والأشخاص، والأزمان دون بعض، ومن تأويل الاستثناء من دوام العذاب، فربما كان إعلامهم بذلك مفسدةً لهم أو لبعضهم، أو لم يكونوا يحتملونه أو بعضهم.

стр. 2087

وقد قال تعالى في تكثير القليل: ﴿تَرَوْنَهُم (١) مِثْلَيْهم رأيَ العينِ﴾ [آل عمران: ١٣] الخطاب فيهما لليهود. رواه أبو داود عن ابن عباس (٢). وقال تعالى في تقليل الكثير: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] فترك الله تعالى إراءَتَهم كثرة عدوِّهم (٣) وكتَمَ ذلك عنهم (٣)، وهو حقٌّ لما عَلِمَ فيه من المفسدة، وشبَّههم لهم قلةً، كما شبَّه لقتلة عيسى في زعمهم شِبْه عيسى حتى قتلوه، وكل ذلك في اليقظة كما نصَّ عليه القرآن، وسيأتي وجهه وبيانه في القدر، وبين قوله (٤): ﴿يتعلمون ما يضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهم﴾ [البقرة: ١٠٢]، أن من العلوم ما

стр. 2088

يضر البشر ولا ينفعهم. ويوضح ذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] ولم يقل: لظلمناهم. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] فقد تقدمت إرادته هلاكهم المستحق بعلمِه الحق قبل بعث الرسل المعبَّر عنه بقوله: ﴿أمَرْنا مُتْرَفيها﴾، وتقدَّمت فسقهم الواقع بعد الأمر المُوَجَّه عذابهم إليه دون الموجب للإرادة السابق لها في الحكم، سواء سبق في الزمان، كقول المعتزلة، أو لم يسبق فيه، كقول الأشعرية، فلا شكَّ في أنه سابق في الرتبة والحكم، كسبق حركة الأصبع لحركة الخاتم. وأما ما تقدم الأمر من كفرهم، فالعقوبة غير مُوجَهَّة إليه لقوله تعالى في أول هذه الآية: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبين حتَّى نَبْعَثَ رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] فلو كان سبب الإرادة سابقاً لها على زعمِ المعتزلة، لكانت العقوبة قد وَقَعَتْ عليه قبل بعثة الرسل. وقد ثبت أنهم غير معاقبين في تلك الحال لكمال فضل الله وعدله في الظاهر والباطن، ويشهدُ لذلك حديث أنس المُخرَّج في " صحيح مسلم " وفيه: " ألمْ تُجِرُني يا ربِّ من الظُّلْم " كما تقدم قريباً، فسمَّاه ظُلماً وأقر على ذلك، وأُقيمت عليه الحجة بشهادة أركانه عليه، وهذا شاهدٌ حسنٌ لهذا الوجه، ولله الحمد. وأما قوله تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩]، فليس فيه أن الظلم بترك الذكرى بالنصوصية (١)، ونظيرُها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم

стр. 2089

وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ [الروم: ٩]، ولو سُلِّم، فالظلم غير متعيَّن في هذا المعنى الاصطلاحي، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]. وفي " ضياء الحلوم " (١) أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، يقال: أخذوا في الطريق، فما ظلموه يميناً ولا شمالاً، أي: لم يعدلوا عنه. ويقال: من أشبه أباهُ فما ظلم. ويقال: ظَلَمَ الوادي إذا بلغ سيلُه موضعاً لم يكن بلغه من قبلُ. وظلم القوم إذا سقاهم اللبن قبل أن يروبَ. وظلم الرجل سقاءه إذا سقى منه قبل أن يروبَ. وقال: وصاحب صدقٍ لم تَنْلني شكاتُه ... ظلمتُ ولي في ظلْمِه عامداً أجرُ (٢) يريد سقاء سَقَى أصحابه منه قبل أن يَرُوب. والأرض المظلومة التي لم تكُنْ حُفرتْ قطُّ فحُفرتْ. وظلم البعير إذا نَحَرَه من غير داءٍ. قال: أبو الظلامة ظلاَّمون للجُزُرِ (٣)

стр. 2090

انتهى بحروفه من " الضياء " وهو من كتب الخصوم في علم اللغة، وهذا معنى مشهور. وقد ذكر ابن الأثير في " النهاية " (١) ما ورد فيه من الحديث والآثار. وليس الظلم بهذا المعنى من صفات النقص القبيحة عقلاً وشرعاً كالكذب، فيجوز أن تعذيب (٢) من لا ذنبَ له لحكمةٍ خَفِيَتْ عليه مما يُسميه الجاهل بالحكمة ظُلماً، وتنزَّه الرب عن ذلك، وإن لم يكن قبيحاً عقلاً كما يتزَّه من خلف الوعيد من غير تأويل لِشَبهِه بخُلف الوعد مع أنه في الوعيد يُسمَّى حسناً عقلاً، وانعقد الإجماع على استحبابه شرعاً فيمن حلف على (٣) يمين، فرأي غيرها خيراً منها، وقد قرَّرت ذلك في غير هذا الموضع. ولو سلم، فمفهوم (٤) ممكن حمله على عوائدهم وتسميتهم ذلك ظلماً في أفعال أمثالهم ممن لم يتميَّز بعلم غيبٍ ولا زيادة حكمة، ألا تراه لا يُسَمَّى ظالماً بإيلام من لا ذنب له من الصغار والبهائم، وله المثل الأعلى. ويوضحه قوله: ﴿وما كُنَّا مُهلِكي القُرى إلاَّ وأهْلُها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩] وهذا في هلاكها في الدنيا والذي (٥) يحسن من الله تعالى بغير ذنب بالإجماع. فدلَّ على أن الله يحبُّ زيادة الحجة والعذر في الأمر الحسن ليزيده حُسْناً في عُرف الخلق، ويقطع به أعذار الجاهلين. وأوضح منها في هذا المعنى وأصرح قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْض

стр. 2091

وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ألا ترى أن الصيحة تحسن من الله بغير ذنب عند الخصوم كالنفخ في الصور المُفزع، بل المهلك لأهل السماوات والأرض إلاَّ من شاء لله. وكذلك الغَرَقُ في الماء قد (١) يقع فيه من لا ذنب له من الطير والبهائم، ومن هو مرضيٌّ عنه من عباد الله، ويمكن أنما سمَّاه ظلماً كما سمَّى استقبال بيت المقدس حجة في قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يكُونَ للنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]. كما مر تقريره والله أعلم. ومثلها: ﴿لئلاَّ يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥] يمكن أن المراد معاذير يجادلون بها جمعاً بين الأدلة والله أعلم. ويوضح ما ذكرناه ما سيأتي في مسألة الأطفال من أنهم يُكَلَّفون يوم القيامة ويمتحنون بما يقطع به عذرهم (٢) كما فعل الله مع البالغين في الدنيا. وقد رد الله تعالى على المشركين قولهم: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُون﴾ [السجدة: ١٢]، بحجتيه (٣) معاً وبدأ بالحجة السابقة المشتملة على الحكمة الباطنة وهي قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ [السجدة: ١٣] ثم أردفها بالحجة الثانية (٤) الظاهرة المناسبة لعقولهم، فقال: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [السجدة: ١٤]. وإنما بدأ بالحجة السابقة والحكمة الباطنة لما في عباراتهم من الإشعار باعتراض الحجة الظاهرة حيث ظنوا أن المراد بخلقهم هدايتهم إلى العمل

стр. 2092

الصالح، وهذا غرضٌ مستدرك، فأخبرهم بما معناه أنه لم يَعْجَزْ عن هذا في الابتداء حتى يستدركه في الانتهاء، ولكنه حق منه القول في الابتداء بدخولهم النار لحكمةٍ راجحةٍ، ثم ضمَّ إليها الحجة بالعمل زيادة في العذر والعدل، كما كتب الأعمال، وأشهد الملائكة، ونصب الموازين، وعلمه الحق ثم علمهم مغنٍّ عن جميع ذلك. وقد كرر الله حجته الباطنة، وأكدها في الابتداء كثيراً، وفي الانتهاء بنحو ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، وكذلك ما تقدم من الآيات التي في سورة الإسراء إذا تأمَّلتها من أولها وجدتها جامعةً للحجتين، حيث قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: ما عَمِلَ من خيرٍ أو شرٍّ، وقيل: حظه المقضي له من خير أو شر، وهذا هو القدر، وهو الحجة الأولى السابقة، ووجه الاحتجاج به أنه فعل حُكمه (١)، ثم أتبعه بالحجة الظاهرة، فقال: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٥] ثم بين الحكمة في الرسل في حق من علم هلاكه، فعقَّب ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. ثم بيَّن بعد هذا (٢) أن علمه بذنوب عباده أبلغ كافٍ لكنه زاد ذلك لقطع العُذر وزيادة الحجة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]. والجمع بين الحجتين كثيرٌ في كتاب الله تعالى لمن تأمله فلله الحمد والمشيئة والحكمة والحجة. وقد كنت أظن أنه لم يسبقني أحدٌ إلى ذكر (٣) هاتين الحجتين، لأني لم أزلْ

стр. 2093

أطلب ذلك في مقدار أربعين سنة، فما وقفتُ عليه مع طولِ الطلبِ حتى جاوزت الستين سنة، وراجعتُ شابّاً لم تَنْبُتْ لحيتُه من أهل حضرمَوْت في مسألة الأفعال، وجعلت أفهمه مذهب الأشعرية، والفرق بينه وبين مذهب الجبرية خوفاً عليه من اعتقاد الجبرية، وأنا أظنُّ فيه بُعد الفَهم، فجاءني بهذه اللطيفة، وقال: إنهم يذكرون أن لله تعالى حُجتين: حجة باطنة، وحجة ظاهرة، فالباطنة في الأقدار، والظاهرة في الأعمال. فعجبت من ذلك كثيراً وعَلِمتُ (١) أن الفضل بيد الله يُؤتيه من يشاء. ومما يوضح ذلك ما ثبت من تقديره تعالى لمقادير وقع معها (٢) خروج آدم من الجنة على جهة العقوبة بذنبه (٣) الذي اختاره، ولا عُذْر له فيه، وإنما خرج لما (٤) لله تعالى في خروجه بذنبه من الحِكمة، وإلا فذنوب الأنبياء صغائر مغفورة، وقد تاب آدم، وتاب الله عليه مع كون ذنبه صغيراً قبل التوبة مع أن الله تعالى قد كان قدَّر أن آدم خليفة في الأرض، وخلقه لذلك، كما أخبر به الملائكة في نص القرآن. يوضحه أن الذنوب لا تصلُحُ على انفرادها في العقل [أن تكون] موجبة للعذاب في حق الرب سبحانه، وإن كان يصلح لذلك في حق غيره، كما هو مذهب البغدادية من المعتزلة، لأن حسن العذاب عليها من قبيل (٥) الإباحة المستوية الطرفين، بل المرجوحة إذا خَلَتْ عن الحكمة، لأن العفو أفضل بضرورتي المعقول والمنقول، فلولا أن فيه حكمةً بالغة سابقة لتقدير الذنوب ما فعله أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين بمجرد كونه مستحقاً مُباحاً مع تطابق شرائعه وأوامره على ترجيح العفو والصبر، وكظم الغيظ، وتلك الحكمة هي التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ الله.

стр. 2094

وأما غضبُه تعالى على الكافرين وعداوته لهم، فذلك أبعد من قواعد المعتزلة، ولا بُدَّ من تأويله عندهم، وفي الإجادة في ذلك ما ليس في غيرها، ومما في ذلك (١). وجمهورهُم قد أوَّلُوه لأنه ... أذىً مُؤلِمٌ والربُّ ليس بآلمِ ولستُ أرى التأويل فيه بقائمٍ ... ولا ألمَ المعبود فيه بلازمِ ولكن له منه الكمالُ بلا أذى ... وليس لأوصافِ الوَرَى بملائِمِ كذا كُلُّ الأسماء نصُّها وخفيُّها ... كمُحكمِها حتى قديرٍ وعالمِ وهذا الجواب الحقُّ عن كلِّ محكمٍ ... ومشتبهٍ في الله ربِّ العوالمِ فمن قال فيه: مستوٍ كاستوائنا ... كمَنْ قال فيه: عالمٌ مثل عالمِ كذلك أفعالُ الإله نُصِحُّها ... بلا حركاتٍ في الجهات لوازمِ لذلك نزَّهناه في الذات ثم في ... الصفات (٢) وفي الأفعال ربِّ العوالمِ ولم نجعل الفَعَّال في حقِّ ربنا ... مجازاً كذا في سُخْطِهِ والمراحمِ ومحتملٌ تقديرُ موجب سُخْطِه ... ليحلمَ حُبّاً لاجتلاب المكارم وتعجيزه عن أن يُقَدر موجباً ... لذلك للتعظيم غيرُ ملائمٍ ومن ثمرات السُّخط خوفُ جَلالِه ... ونَعْتُ الجلال من أجل اللوازمِ فسبحان من حاز الكمال ولم يُحِطْ ... به حائزٌ في نعتِه المتقادمِ وذكر ابن قيم الجوزية أن للناس في غضب الله قولين: أحدهما: أنه فعلٌ له قائم به كسائر أفعاله. وثانيهما: أنه مفعولٌ منفصل عنه، وفي هذا إشارةٌ إلى الإجماع على تأويله، وأنه ليس بصفةٍ له كالرحمة، والذي يدلُّ على ذلك أن ما كان صفة له كان ذاتياً دائما سابقاً قديماً، ولا قائل بقدم غضبه. والله سبحانه أعلم.

стр. 2095

ولما ضعف ذلك المعنى في حق المؤمنين لاعترافهم بفضل الله وعدله وحكمتِه، صرح رسول الله ﷺ بذلك في حقِّ جزاء أعمالهم، وأخبرهم أنهم لا يدخلون الجنة إلاَّ برحمة الله، وهي الحكمة السابقة، وقطع بنفي تأثير أعمالهم في ذلك في حقيقة الأمر، كما اتفق أهل علم الحديث على صحته، وشهد له من القرآن آياتٌ كثيرة، كما يأتي في آخر هذه المباحث في الوهم الثلاثين. وبالغ رسول الله ﷺ في هذا المعنى حتى صرح أنه ﵊ لا يدخل الجنة بعمله إلاَّ أن يتغمَّدَه الله برحمته (١). ومن ثم (٢) جاءت أحاديث (٣) كثيرة مصرحة بأن كل أحد يأتي يوم القيامة وله ذَنْبٌ، إن شاء الله عذبه، وإن شاء عَفي عنه. سيأتي ذكرها وطرقها قريباً. ويشهد له ما في حديث الشفاعة في " الصحيحين " من غير وجهٍ أن كل نبي غير رسول الله ﷺ يعتذر بذنبه، ويخاف على نفسه، ويقول: نفسي نفسي إلا رسول الله ﷺ لِمَا ثبت من الغُفران المطلق له فيما تقدَّم وتأخر (٤). ويشهد لذلك حديث عائشة عنه ﷺ : " من حُوسِبَ عُذِّبَ " أخرجاه (٥).

стр. 2096

وكذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون﴾ [النحل: ٦١]. وكذا قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه﴾ [عبس: ٢٣]. وكذلك حكايته لذنوب أشرف الأنبياء في القرآن، وإن خصَّتهم (١) فإنها تدل على موم البلوى بالذنوب عقلاً. وفي هذا المقام سؤالٌ دقيقٌ مفيد، وسيأتي إن شاء الله تعالى مبسوطاً في مرتبة الدواعي في مسألة الأطفال، وهذه هي سر العمل مع القدر (٢) كما ستأتي الإشارة إليه في فائدة مستقلة في القدر. وقد جوَّد الغزالي الكلام في هذا المعنى، وقطع على أن الله تعالى لا يريد أن يريد الشر لنفسه، أي لكونه شراً فحسب، وعلى أنه لا يجوز أن يكون الشر هو مراد الله الأول، لأنه يستلزم أن يريد الشر لنفسه، واحتج بالحديث المتفق على صحته في سبق رحمة الله لغضبه، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، وبما ثبت في القرآن الكريم من كون الرب سبحانه أرحم

стр. 2097

الراحمين، ذكر معنى ذلك في شرح (الرحمن الرحيم) من كتاب " المقصد الأسْنى في شرح الأسماء الحسنى " (١) وذكر بعد ذلك أن تحته سراً لم يأذن الشرع بإفشائه. قلت: وفي كلامه هذا البحث نظر لم أذكره لعدم الحاجة إلى ذكره (٢). الوجه الرابع: وهو النافلة التفصيلية الخلافية بعد أنواع الأجوبة الثلاثة المعروفة عند أهل هذا الشأن، وذلك أن كثيراً من علماء الإسلام قد خاضوا هذه الغمرة، وذكروا في تفصيل الحكمة في العذاب ما هو داخلٌ في الإمكان على قدر عقول البشر وقُواهم، وتقريب ذلك لبيان (٣) بطلان ظن من حسب أن وجود الحكمة في عذاب الآخرة في العقول من قبيل المحالات لا من قبيل المحارات (٤). وسيأتي ذكر ذلك مجملاً مختصراً، ومفصلاً ومطولاً في مجلد مفرد موضعه من هذا الكتاب في الفائدة الخامسة في آخر المرتبة الرابعة التي في ذكر القضاء والقدر، وبيانه ما ورد في السمع من حكمة الله تعالى في تقدير الشرور، ولا ينبغي إيراد القليل (٥) من ذلك هنا لأجل الحاجة إليه، إنه لا يكفي، ولا يفي بالمقصود، ولا يشفي، فتأخيره إلى موضع البسط أولى، والله الموفق. فتلخَّص أن المعتزلة فرُّوا في نفوذ (٦) مشيئة الله تعالى مما ظاهره القُبح العقلي، وليس كذلك، وباطنه الحق الذي تأويله حسنٌ عقلاً على سبيل الإجمال على الصحيح، وشرعاً على سبيل التفصيل عند الله فوقعُوا فيما ظاهره وباطنُه القبح عَقْلاً وشرعاً وهو أمران: أحدهما: تعجيز الربِّ عن هداية عاصٍ واحد من جميع خلقه، والعجز صفة

стр. 2098

نقصٍ لذاته، ولا يُمكنُ أن يحسُنَ العجز لوجه حكمةٍ خفي، وهذه رتبة يرتفع عنها أكثر الوُعَّاظ من العباد العجزة، كيف القادر على كل شيء الذي إذا أراد إيجاد أعظم المخلوقات، فإنما يقول له: كن فيكون، فكيف يعجز عن تقليب قلوب عباده؟! وقد صح أنه يقلِّبُها كيف شاء، حتى استعاذ رسول الله ﷺ من تقليب قلبه الكريم، وكان يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (١). فيا عجباه كيف أمكن تقليب خير القلوب إلى الشر الذي هو ضِدُّ الفطرة التي فُطِرَ الناس عليها، ولا يمكن تقليبها إلى الفطرة، وأيُّ عقل أو سمع دل على هذا دلالة قاطعة، أو أشار إليها إشارةً خفية، فالله المستعان. وما أشبه اعتذار المعتزلة للرب بتعجيزه تعالى عن ذلك باعتذار القدرية للرب بتجهيله عما يقولون عُلُوَّاً كبيراً، وكان يلزم المعتزلة مثل مقال القدرية، نعوذ بالله من الخذلان. وثانيهما: إيجاب إرادة حصول ما علم الله أنه لا يحصُلُ علماً قاطعاً، ومن جَوَّز هذا على الرب الحكيم لزمه أن يجوز عليه الأماني التي أجمع المسلمون على أنها لا تجوز على الله تعالى لأنها عبارةٌ عن إرادة ما يعلم أنه لا يكون. وقد أجمع العقلاء على ذمِّ التشاغُلِ بها، وسمَّوها بضائع الحمقى. وقال الحكيم: مَنْ كان مَرْعَى عَزْمِه وهُمُومِه ... رَوْضَ الأماني لم يَزَلْ مَهْزُولا (٢) بل هذا أقبحُ من الأماني، لأن المتمني قد عصمه عقله من الطمع في حصول مُناه، فكيف إذا تضرَّر بسببه سواه؟! وحصل بسببه نقيض رجواه؟! وكان ذلك كله معلوماً له فأصبحوا كما قيل:

стр. 2099

كالمستجير من الرَّمضاء بالنار (١). لا بل كالمستبدل الظلماتِ بالنور، والمشتري الضلالةَ بالهُدى. وتلَخص أيضاً أنهم حافظوا على تعيين وجه الحكمة في المتشابه، ولم يرد الشرعُ بالأمر بذلك، بل لم يأذن فيه، بل ذم متبعيه كما يأتي في آخر الأقدار. وأهل السنة حافظوا على أمرٍ ورد الشرع بتعظيم المحافظة (٢) عليه، وهو

стр. 2100

الإيمان بعموم قدرة الرب ، ولا أعظم في الدلالة على ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤]. كل هذه الآيات استدلالٌ على عظيم قدرته وعمومها ليدخُلَ في ذلك ما شك فيه المشركون من قدرته على الإعادة، كما احتجَّ بهذه الأشياء في آخر سورة يس على ذلك، فأمَّا حكمة الله في الجملة، فلم تَخْتَص المعتزلة بالمحافظة عليها. فصل: ولما تواترت هذه النصوص الشرعية كما مر، وكما يأتي في مسألة الأقدار، افترق أهل الملة ثلاث فِرَقٍ. الفرقة الأولى: الذين أقروا بالآيات والأخبار على ما وردت، ولم يتأوَّلُوا ما وصف الله به نفسه من المحبة والرضا، ولا من نفوذ الإرادة والمشيئة، وقضوا بأنه سبحانه يحب الطاعات كلها، محبة حكمةٍ لا شهوة، ولذلك لا يقع منها إلا ما دعتِ الحكمة إلى وقوعه، وأنه تعالى يكره المعاصي كلها كراهة حكمة بالنظر إلى الوجه الذي قَبُحتْ من جهته، لا كراهة عجزٍ بالنظر إلى الوجه الذي لو شاء لمنعها، ولطف بأهلها من جهته، ولذلك لم (١) يقع منها ما لم يُرِدْ سبحانه هداية فاعله الخاصة لما سيأتي ذكره من حكمه التي بين منها كثيراً، واختص منها (٢) بعلم ما شاء.

стр. 2101

وقد تستعمل الإرادة في موضع المحبة والعكس، وقد يصح ذلك مجازاً فيحتاج إلى القرينة، أو حقيقة عرفية فلا يحتاج إلى القرينة، وقد لا يصح ذلك بحسب المتعلقات وسياق الكلام، بل قد تُعَلق المحبة والكراهة بالشيء الواحد فيكون محبوباً مكروهاً باعتبار الجهتين، كما أجمع الكل عليه في اليمين الغموس الكاذبة حين تَجِبُ على المنكر شرعاً، فيحسُنُ من صاحب الحق والقاضي إرادتها من حيث أنها حق للمدعي على المنكر، ويجب على المدعي من حيث يعلم أنها زور كراهتها من حيث هي معصية مع إرادته لها من حيث هي واجبة. وسيأتي ذلك مع نظائره. وفي هذا المقام الدقيق تختلف عبارات أهل السنة وربما لزم من ظاهر بعضها ما لم يقصده قائله (١)، كما يكون ذلك في كلام كل فرقة. فقد رأينا العلماء والبُلغاء متى أرادوا تحقيق أمرٍ واحد (٢) وتمييزه عن غيره قَلَّ من يُصيب المقصود من ذلك على ما ينبغي، وكثُرتِ الإشكالات على مَنِ ادَّعى تجويد الحدِّ، وتحقيق التمييز. هذا مع استشعارهم للحذر مِنَ (٣) الغلط في ذلك، وبذل الجهد في ترك فَضَلاتِ الكلام، والتجوُّز في العبارات، لأن ذلك كله معيبٌ في الحدود. ولقد اشتد خلاف الأذكياء في حدِّ العلم. فقال بعضهم: لا يُحَدُّ لجلائه (٤). وقال بعضهم. لا يُحَدُّ لعسره. وقالت طائفة: لا بد من تحديده. ثم اختلفوا في حدِّه أشد الاختلاف، فهذا مع أن العلم هو الذي تُعْرَفُ به الدقائق والجليات، وهو مُدْرَكٌ بالفطرة،

стр. 2102

إذ هو من الأمور الوجدانيات كالألم والجوع والغضب والرضا، فكيف بالتعبير في محارات العقول في (١) مسألتي المشيئة والأقدار متى وقع ممَّن لم (٢) يتدرب في الحدود والجَدَل، ولا أشعر نفسه الحزم من النقاد والحَذَرَ مما لا يكاد يُصيب شاكلة الرمي ويطبقُ مَفْصِلَ الإجادة إلاَّ من (٣) مَلَّكَه الله أزمة الإصابة والسعادة. و حاصل مذهب أهل السنة على التقريب ، وإن أخطأته عبارة بعضهم هو ما ذكرته من تعميم نفوذ (٤) مشيئة الله تعالى بما تعلقت به تعظيماً لقدرته ﷻ من القصور عن كل مقصود (٥) ومقدور مع اختصاص محبته بالطاعات، وكراهته بالمعاصي المُقَبِّحات. وفي مقام التعبير عن الكتاب والسنة والآثار تَزِلُّ الأقدام، وتفاوت الأفهام، ويتصعَّب المرام، وقلَّ من ينجو بسلام، والذي أحبُّه وأرتضيه للسني ترك العبارات المولدة والتكلُّفات (٦) الحادثة، وإن نطق بها بعض أهل السنة ظنّاً منه بأنه يترجم (٧) بها عن القرآن والحديث، ولو تَفَطَّن لم يُجاوِزْ عبارات القرآن والحديث، فإنها أفصحُ الكلام، وأصحُّه وأبينه، وأوضحه ولم يرد إلاَّ بما يقتضي كمال قدرة الله تعالى، وهو التمدح بنفوذ (٨) مشيئة الله في كل شيءٍ. وهذا وصفٌ جليل جميل يختصُّ به الرب سبحانه، ويليق بجلاله، ويعجز عنه كل قادرٍ سواه بخلاف مجرد إرادة القبيح الذي ظن بعض أهل السنة أنها مرادفة لذلك الوصف الجليل الجميل، وكيف يُرادِفُه وهو من خصائص ربِّ العزة ﷻ ؟ وإرادة القبيح مجرّدةً عن ذلك صفةٌ عريَّةٌ عن الثناء بالمرة يقع من

стр. 2103

الضعيف، والعاجز، والخبيث، والأحمق، وسائر الشياطين وأعداء ربِّ العالمين. ومتى تعلَّقتْ بالقبيح لأجل الوجه الذي قُبِّحَ منه، وجب تنزيه الربِّ سبحانه منها بالمرة كما يتنزَّه عن كل عيب وذم، كما قال تعالى: ﴿وما اللهُ يُريدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وفي آيةٍ ﴿للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨] كما سيأتي بيانه واختصت بشرار خلقه، ﴿ولله الأسماءُ الحُسنى فادعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وما أحسن عبارة موسى كليم الله سبحانه، حيث قال: " اللهم إنك ربٌّ عظيم لو شئت أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعصى ما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب ". وسيأتي تحقيق الفرق بين العبارات الربانية والنبوية، وبين العبارت المحدثة المبتدعة في الدعوى الثانية وقبلها، ثم في الجواب عن أدلة المعتزلة. وقد شَغَبَ أهل الكلام على أهل الأثر في تجويز المحبة والغضب على الله بأمورٍ سهلة تقدم بيانها في الصفات. الفرقة الثانية: المعتزلة وغالب مذهبهم مشهورٌ لم يغلط عليهم فيه، وسيأتي ذكر أدلتهم والجواب عنها في الفرقة الثالثة. وفيهم طائفة يَنفُون إرادة الله تعالى، ولا يُثبتون معنىً زائداً على كونه عالماً، ويتأولون كونه مُريداً بكونه فاعلاً، وهو عالم غير ساهٍ ولا مُكْرَهٍ، ومعنى إرادته لأفعال غيره عندهم أمره بها، حكاه الزمخشري (١) في تفسير: ﴿ماذَا أرادَ اللهُ بهذا مثلاً﴾ [البقرة: ٢٦] وأهل المقالات يروُون ذلك عن البغدادية منهم. الفرقة الثالثة: الأشعرية، ولم تُحَرِّر المعتزلة نقل مذهبهما على الصواب،

стр. 2104

فرأيت نقله من كُتُبِهم محققاً، ويدخل في ضمن كلامهم تحقيق مذهب المعتزلة. قال الشهرستاني في كتابه " نهاية الأقدار ": قالت المعتزلة: كلُّ آمر بالشيء، فهو مريدٌ له، والباري آمرٌ عباده بالطاعة، فهو مريدٌ لها، إذ من المستحيل أن يأمُرَ عباده بها، ثم لا يريدها، والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهة وقوعها جمعٌ بين (١) نقيضين، وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة، إذ لا فرق بين قول القائل: آمرُك (٢) بكذا وكرهُ منك فعله، وبين قوله: آمرُك بكذا، وأنْهاك عن فعله، وإذا كان الآمرُ بالشيء مريداً له، كان الناهي عنه كارهاً له. والذي يحقِّقُ ذلك أن الأمر يقتضي من المأمور حصول الفعل، والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود، ومن المُحال اقتضاء الحصول لشيء، (٣) واقتضاء ضد ذلك منه. ويخرج على هذه القاعدة أستر وأحكم إلى العلم، فإنه يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم، لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب، وإنما يتعلق بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة، فإنها مقتضية، فيرد الأمر على خلاف العلم، ولا يَرِدُ على خلاف الإرادة. قالت الأشعرية: لسنا نُسَلِّم أن كُلَّ آمر بالشيء مريدٌ لحصوله، بل نقول: كل آمر بالشيء عالمٌ بحصوله، أو مجوِّز، فهو مريدٌ له حصولاً، وكل آمر بشيء يعلم حصول ضده لا يكون مريداً لحصوله، فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة، وتغيير لأخصِّ وصفها، وقد بينا أن أخص وصفها التخصيص، وحكمُها أنها إنما تتعلق بالمتجدد من المقدورات أو من المتخصص منها.

стр. 2105

فإذا عَلِمَ الآمرُ بأن المأمور به لا يحصلُ قطعاً، ولا يتجدَّدُ ولا يتخصص، فيستحيل أن يُريده، فإنها تُوجد حينئذٍ ولا متعلق بالممكن (١) لها، وتتعلق ولا أثر لتعلقها، وذلك مُحالٌ، ولو كانت الإرادة من خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة، لكان جائزاً أن تتعلق بخلاف المعلوم. ومن العجب أنَّ متعلق القدرة أعمُّ من متعلق الإرادة، فإن الممكن الجائز هو (٢) جائز متعلق بالقدرة، والمتجدد من جملة الممكنات متعلق الإرادة، والمتجددُ أخصُّ من الممكن. قلت: بيان ذلك أن الأصل أن يكون الأمر غير مخالف للعلم ولا للإرادة، لكن قد ورد بخلاف العلم إجماعاً، وهو خلاف الأصل. فإن قيل: فما الوجه في وروده على خلافِ الأصل حيث يكون على خلاف العلم والإرادة؟ قلت: الوجه أن الأمر في الغالب يكون طلباً لحصول المأمور به كأمر من عَلِمَ الله تعالى أنه يمتثل فيجب أن يكون على وَفْقِ العلم والإرادة، وقد يكون الأمرُ (٣) على جهة الابتلاء وإقامةِ الحجة، وهو نوعان: أحدهما: وهو الأقل أمر من علم الله أنه يُطيعُ ليبتلى بالعزم على ذلك لا (٤) ليفعله، مثل أمر الخليل ﵇ بذبح ولده ﵇ على أصحِّ القولين، وهو مقرَّرٌ في الأصول. وقد قيل: إن منه أمر النبي ﷺ ليلة الإسراء (٥) بخمسين صلاة، ونُسخَ ذلك عنه قبل التمكُّن من فعله.
следующие страницы →