← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فهذا ما حضرني في هذه الفائدة، ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاءُ العقلاء لا يكون إلاَّ مصحوباً بحُسْنِ النية وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقُّف على القول بغير درايةٍ، والفكرِ الطويل، وتحرِّي الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها، وتطلُّبِ المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلَّت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصُرُ فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة. وقد روى ابن الأثير في " جامع الأصول " (١) عن مالكٍ الإمام أنه قيل لإياس: ما رأيك في القدر؟ قال: رأيُ ابنتي، يريد لا يعلم سِرَّهُ إلاَّ الله تعالى، وبه كان يُضْرَبُ المثل في الفهم. وقد حُكي أن يحيى بن آدم ذكر أثر عبد الله بن عباس المقدم الموقوف لعبد الله بن المبارك، فقال ابن المبارك: فيسكت الإنسان على الجهل وهو إشارةٌ من ابن المبارك إلى ما ورد من الحثِّ على العلم، وما فيه من الخير، والتحذير من الجهل، وما فيه من الشرِّ، وأن هذه القاعدة المعلومة لا تُترك إلا بتحريمٍ متَّفَقٍ على صحته. وأقول: إن الإنسان بالضرورة يسكت على الجهل حيث لا طريقَ إلى العلم، وأقصى مَرامِ الخائضين في القدر أمور: أحدها: العلمُ بالعجز عن درك السرِّ فيه، وفائدة العلم بذلك سكون النفس عن المطالبة بالمعرفة والذوق لا بمجرد التقليد. وثانيها: معرفة ما يمكنُ معرفته من الوارد في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، والجُمَلِ العقلية، وحكم أئمة الإسلام والأولياء.

стр. 2347

وثالثها: التحذيرُ من طرائق المبتدعة، وتقديمهم الرأي على الآثار في هذه القاعدة العظمى. الفائدة الثانية: في ذكر ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القدر والقضاء على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (١) ما لفظه: لم يَتَّفِقْ لي وجدان البيان للقدر (٢) على التحقيق، فتكلفتُه حتى دفع الله تعالى بفضله عني كُلفتَه، وحقيقته وجودٌ في وقتٍ واحد، وعلى حالٍ يُوافق العلم والإرادة والقول عن القدرة، فصارت القاف والدال والراء تدل بوضعها على القُدرة والمقدور الكائن بالعلم، ويتضمَّن الإرادة عقلاً والقول نقلاً. قلت: وكلامه هذا لا يخلو من تساهُلٍ في العبارة، فإنه جعل القدر مشروطاً بموافقة مجموع العلم والإرادة والقول، ولم يدل على ذلك دليلٌ، وموافقةُ أحدها يكفي في تسمية الموجود المتأخر مقدَّراً مقدوراً، وتسمية السابق لها قدراً أيضاً، فإنه لا معنى لكون الحادث مقدَّراً بقَدَرٍ سابقٍ إلاَّ مطابقته في الوجود، وصفاته سابقةٌ له متعلقة (٣) به تعلُّقاً صحيحاً يستلزم فرض بطلانه المحال. وسواءٌ كان ذلك السابق علم الله وحده، أو قوله أو كتابته، أو إرادته أو غير ذلك، لأنه ترك ذكره للكتابة والتيسير، وقد ورد ما يقتضي تسميتها قَدَراً، كالقولِ -كما يأتي- في أحاديث الأقدار، بل في القرآن الكريم. وأيضاً فإنه جعل الوجود هو القدر، وهو المُقَدَّر، وإنما القدر السابق هو

стр. 2348

التعليقُ، ثم جعل دِلالة القدر على الإرادة، والقول دلالة تضمُّنٍ دون العلم والقدرة والمقدور، وجعل دلالته على هذه الثلاثة مطابقةً، وفيه نَظَرٌ، لأن دلالة المطابقة هي الوضعية اللغوية كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق دلالة التضمُّن، كدلالة الإنسان على النطق وحده، ودلالة الالتزام (١) على ما يستلزمه، مثل حاجته إلى الأكل والشرب. وأقول والله الموفق: إن القدر تعلُّق أمر متقدم من صفات الله تعالى كعلمه، أو من فعلِه ككتابته بأمرٍ متأخِّرٍ صادر عن فاعله بسبب اختياره وتمكينه، وصدور اختيار أسبابه عن الحكيم القادر المُقَدِّر. وسواءٌ كانت تلك الأسباب أسباب القدر المؤثرة فيه كالقدرة أو غير المؤثرة كالدواعي تعلُّقاً يَرْبِطُ الممكن بالواجب ربطاً يستلزم فرض بُطلانه المحال مع بقاء إمكانه باعتبار الجهتين. وهذا على جهة التقريب الرسمي دون التحديد الحقيقي كما يعرف ذلك أهل هذا الشأن، ولذلك لم ألتزم فيه شروطهم. وقولنا: " من صفات الله كعلمه أو من فعله كالكتابة والتيسير "، وإنما قيل: " من فاعله " ليدخل الرب تعالى، وإنما قيل: " بسبب صدور أسبابه عن القادر الحكيم المقدِّر سبحانه " ليخرج على المخلوقين، فإنه واجب المطابقة، ولا يسمى قدراً في اللغة لعدم خلقهم لأسباب المقدر، وإلا لزم أن يكون علمهم بالفقه قدراً. وإنما قيل: " الحكيمُ " احترازاً من قول من يقول: بنفي الحكمة في سبق الأقدار، فإنها لم تكن سدىً، بل لا بُدَّ أن تكون مشتملةً على الغايات الحميدة.

стр. 2349

وإنما قيل: " يستلزم فرض بطلانه المحال " لأنه الدليل على وجوب وقوع المقدَّر بالعلم، أو القول، أو الكتابة، أو الإرادة ووقوع المُيَسَّر بالدواعي كما يأتي بيانه. ألا ترى أن فرض وقوع المرجوح من الله عند المعتزلة يؤدي إلى المحال، وليس فيه إلاَّ مخالفة الدواعي الراجحة مع صفة الله تعالى بالقدرة والاختيار. وقوله: " باعتبار الجهتين " إشارة إلى أن القدر لا يُحيل الذوات عن صفاتها، ولذلك كان الله تعالى مختاراً عند الجميع مع تعلُّق القدر بأفعاله سبحانه ﴿كانَ على رَبِّك حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١]. وقيل: تعلُّق أمرٍ بأمرٍ ليَعُمَّ الشيء الحقيقي والإضافي. وقال الخَطَّابي: قد يَحسِبُ كثير من الناس أن معنى القَدَر من الله، والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدَّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن قدرٍ منه خيرها وشرها. والقدر: اسمٌ لما صدر مقدَّراً على فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض، اسم لما يصدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قَدَرتُ الشيء، وقدَّرت، خفيفةً وثقيلة، والقضاء في هذا معناه: الخلق كقوله تعالى: ﴿فقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. فإذا كان كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصدٍ وتعمُّدٍ وتقدير إرادة اختيار، والحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلزمهم عليها. وجماعُ القول في هذا أنهما (١) أمران لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، لأن

стр. 2350

أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هَدْمَ البناء ونقضه. انتهى كلامه. وتلخيصه: أن العلم سبق باختيار العباد لأفعالهم، وقدَّر الله وقضى أن يكونوا مختارين، وأراد بذلك ويَسَّرَه لهم، فلو أبطلنا اختيارهم، أبطلنا العلم والقدر والقضاء، وجعلناها غير مطابقة، وهي الأساس، ولو أبطلناها أبطلنا صفات الربوبية الواجبة، فيلزم إثبات الأمرين. والله أعلم. وفي " الصحيحين "، و" موطأ مالك "، و" سنن أبي داود "، و" سنن النسائي " من حديث ابن عباس، وذكر الطاعون أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتي إذا كان بسَرْغَ (١) لقيَهُ أُمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام .. ، وساق الحديث إلى قوله: فنادى عمرُ في الناس: إني مُصبحٌ (٢) على ظَهْرٍ (٣)، فأصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِراراً من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة -وكان يكرهُ خلافه- نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ فهبطت بها وادياً له عُدوتان، إحداهما خَصِبَةٌ (٤)، والأخرى جَدِبَةٌ، أليس إن رعيت الخَصِبَة (٥) رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله. انتهى (٦). وفيه إجماعهم على صحة القدر، وعلى أنه لا يستلزم الجبر، لأنه لم ينكر ذلك مُنكرٌ، وهم في أكثر ما كانوا جمعاً. وقال ابن الأثير في " النهاية " (٧): هو عبارة عما قضاه الله وحكم به من

стр. 2351

الأمور، وهو مصدر: قَدَرَ يَقْدِرُ [قَدَراً]، وقد تُسَكَّن دالهُ، ومنه حديث الاستخارة " فاقدُرْهُ لي ويَسِّرْه " (١) أي: اقضِ لي به وهيِّئْهُ. وقال الزمخشري (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]: القَدَرُ والقَدْرُ: التقدير، وقُرىء بهما (٣) [أي:] إنا خلقنا كل شيءٍ مقدراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدراً مكتوباً في اللوح معلوماً قبل كونه، وقد علمنا حاله وزمانه. وقال الزمخشري (٤) أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وإنَّه لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨]: يعني: علمه أن الحذر لا يُغني عن القدر (٥). وقال أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري في " صحاحه " (٦): القدر والقدر ما يُقَدِّره الله من القضاء.

стр. 2352

وأنشدَ الأخفش: ألا يا لَقَوْمي لِلنَّوائِب والقَدر ... وللأمْرِ يأتي المَرْءَ من حيث لا يدري (١) والمَقْدِرَةُ: من القدرة، بالحركات الثلاث، وهي القضاء والقدر بالفتح لا غير. قال الهُذلي: وما يَبْقَى على الأيَّام شيءٌ ... فيا عَجَباً لمَقْدرة الكتاب (٢) وقَدَرْتُ الشيء: أقْدُرُهُ وأقْدِرُه قدراً من التقدير.

стр. 2353

قال الشاعر (١): كِلا ثَقَلَيْنا طامع (٢) بِغَنيمةٍ ... وَقَدْ قَدَرَ الرحمن ما هو قادر انتهى كلام الجوهري. وفي كتب الكلام أن القدر يكون بمعنى الكتابة، وأنشدوا فيه: واعلم بأنَّ ذا الجلال قد قَدَرْ ... في الصُّحفِ الأولى التي كان سَطَرْ أمرَكَ هذا فاجْتَنِبْ منه النَّتَرْ (٣) وهذا معنىً صحيحٌ تشهد له الأحاديث الصحاح كما يأتي. وأما القضاء فقال الجوهري (٤): هو الحكم، وقضى: حكم، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَقَضَى ربُّك ألاَّ تَعْبُدوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقد يكونُ بمعنى الفراغ، تقول: قضيتُ حاجتي، وقد يكونُ بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيتُ دَيْني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَني إسرائيل في الكِتاب﴾ [الإسراء: ٤]، وقوله: ﴿وَقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أي: أدَّيناه إليه وأبلغناه ذلك. وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، وقال أبو ذُؤَيب:

стр. 2354

وعَلَيْهما مَسْرُودَتانِ قَضَاهُما ... داود أو صنع السَّوابِغ تُبَّعُ (١) ويقال: قضاه أي: صنعه وقدره، ومنه قوله يعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. ومنه القضاء والقدر ... إلى قوله: وقَضَّوا بينهم منايا بالتشديد، أي: أنفذوها (٢). وقال القاضي عياض في " المشارق " (٣): قضى صلاته، أي: فرغ منها، ومنه: فلما قضينا مناسكنا، وقضى الله حَجَّنا ... ، إلى قوله: قال الأزهريُّ (٤) قضى في اللغة يرجِعُ إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه، يقال: قضى بمعنى حتم، ومنه: قضى أجلاً، أي: أتَمَّه وحَتَمه، ومنه: " فإن الله قضى على نفسه سمع الله لمن حمده "، أي: حتم ذلك وحكم بسابق قضائه بإجابة قائله. ويأتي بمعنى الأمر: ﴿وقَضَيْنا إليهِ ذلك الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]. وبمعنى الفصل في الحكم، ومنه: ﴿يَقْضِي بينهم﴾ [في آيات منها: يونس: ٩٣] ومنه: قضى الحاكم، وقضى دينه، وكلُّ ما أُحْكِمَ عمله، فقد

стр. 2355

قُضِي، ومنه: إذا قضى أمراً، أي: أحكمه، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، ومنه: فلمَّا قضى قراءته أي: فرغ، وقُضِيَ الشيء: تمَّ. وبمعنى أنفَذَ وأمضى، ومنه: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]. وبمعنى الانفصال والخروج عن الشيء، ومنه: قضى دينه. وقال الزمخشري (١): في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]: أوحينا إليهم وحياً مَقْضِيّاً، أي: مقطوعاً مبتوتاً بأنهم مفسدون لا محالة (٢). وقال الزمخشري (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]: قُطِعَ وتمَّ ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما. فقد حصل مِنْ مجموع كلام العلماء ونَقَلَةِ اللغة، وأدلة المعقول والمنقول على ما مَضَى منه اليسير، ويأتي منه الكثير ما يدلُّ على أن القدر واجبٌ، والمُقَدَّر ممكن، وهذا هو الوجه في دقة الكلام فيه، فإن اجتماع الوجوب والإمكان مُحالٌ، فمن ثمَّ تباينت فيه أقوال أهل الكلام والجدل في الظاهر مع اتفاقها في المعنى. فمن نظر إلى وجوب القدر، قال: لا حيلة في مخالفته، ومن نظر إلى إمكان المقدر في ذاته، قال: لا يخرُجُ الممكن عن صفته الذاتية بسبب تعلُّقِ ما ليس من الموثِّرات. وكلُّ واحدٍ من الخصمين يُورِدُ على الآخر ما يُفحمُه ويُلْقِمُه الحجر.

стр. 2356

وسببه أن اجتماع الوجوب والإمكان في القدر لا يمكن جَحْدُه، ومن جحده، عطَّل (١) العقل والنقل، وبقي أن يُقال: فكيف ثبت اجتماع الوجوب والإمكان بالضرورة، وهل هذا إلاَّ بمنزلة ثبوت المحال بالضرورة. والجواب: أن ذلك لا يكون (٢) مُحالاً باعتبار الجهتين، ولو كان مُحالاً، ما جمعه الله تعالى، وقد جمعه سبحانه كثيراً، فما استنكر ذلك أحدٌ لا من المؤمنين ولا من غيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. وقد تقدَّم بطلان تأويلها بالإكراه في آخر مسألة الإرادة وهو كقولِ المعتزلة: إن صدور القبيح مُمتنعٌ من الله تعالى، مؤدٍ إلى المُحال، مقطوعٌ بامتناعه وجوباً مع بقاء الاختيار والإمكان بالنظر إلى القدرة والمقدور. والتحقيقُ في ذلك كله: أن الإحالة إنما تكون في صدق النقيضين معاً، وذلك لا يلزم إلاَّ حيث يتَّحِدُ المَنْفي والمُثبت من جميع الوجوه، فتكون الذات المسند إليها ثبوت الوجوب اللازم لنفي الإمكان، وثبوتُ الإمكان اللازم لنفي الوجوب واحدةً، والجهة التي أُسند (٣) إليها الوجوب والإمكان واحدة. وكذلك الزمان والمكان، والحقيقة والإضافة، والبعض والكل، والقوة، والفعل، والشرط، والعموم والخصوص، فإذا قلت: زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بكاتب، لم يصح القطع بكذب أحدهما متى جاز أن يختلفا بالذات، فيكون زيدٌ الموصوف بأنه كاتب غير زيدٍ الموصوف بأنه غير كاتب، أو يختلفا في جهة الوصف بالكُلية (٤)، وإن كان زيد واحداً فيكون كاتباً بالقوة، كما يقال: الخمر

стр. 2357

مسكر قبل شُربه بالقوة، غير كاتبٍ بالفعل، كما يقال: الخمر غير مُسكرٍ قبل شربه بالفعل. وكذلك قولنا: زيدٌ أبٌ غير أب قد يصدُقُ كله، أي: أبٌ بالإضافة إلى أولاده، غير أبٍ بالإضافة إلى غير أولاده. وكذلك الزِّنجي أسود بالإضافة إلى أكثره، غير أسود بالإضافة إلى جميعه، ففيه أسنانه بيض. وكذلك زيدٌ عالم بالنظر إلى علوم العقل الضرورية، ومن هنا خُوطب الكفار بنحو قوله: ﴿لعلَّكم تعقِلون﴾، ﴿وأنتم تعلمون﴾ ليس بعالم بالنظر إلى خصوص كثيرٍ من العلوم، ولذلك خُوطِبَ الخلق كلهم بنحو قوله تعالى: ﴿والله يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وتبين تخصيص هذا العموم بنحو قوله : ﴿وَمَا أُوتيتم من العِلْمِ إلاَّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢]. وبالجملة فالجمع بين النقائض شهيرٌ بين العامة والخاصة على هذا الاعتبار، ولذلك لم يلتبس عليهم ما جاء من ذلك في القرآن الكريم من نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]. وقد جاء ذلك مُستفيضاً في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، ولو لم يكن فيه إلاَّ ما في الأسماء الحسنى من نحو: المُعِزِّ المُذِلِّ، الضارِّ النافع، المقدِّم المؤخِّر، المُحْيي المُميت، المبدي المُعيد، الباسط القابض. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الإمكان والوجوب في أفعال العباد مختلفان في الذات والجهة معاً. أمَّا الوجوب، فإنه من صفات القدر السابق، والإمكان من صفات المقدور الحادث المتأخِّر الممكن في ذاته.

стр. 2358

وأما الجهة، فإن الحادث بنفسه إن وصفناه بالوجوب والإمكان لم نجعل جهتهما واحدة في ذلك، بل نصفه بالإمكان بالنظر إلى ذاته واختيار فاعله، وبالوجوب بالنظر إلى تعلق الواجب به تعلُّقاً غير مؤثِّر في وجوده. وقد أجمعت المعتزلة مع الأمة على جواز التكليف بالممتنع لغيره كطلب الإيمان ممن عَلِمَ الله أنه لا يُؤْمِنُ. وكذلك صحَّ الأمر والنهي، والمدح والذم على ذلك، وهو بينَ العقلاء شائعٌ مستحسنٌ ضروري، من أنكره لم يُراجع إلاَّ بالفعل، فيضرب ضرباً شديداً، فإن أحسَّ في نفسه وِجْدان اللوم للضارب، فقد اعترف، وهذا كما قال تعالى: ﴿أفَسِحْرٌ هذا﴾ [الطور: ١٥]، وقال تعالى: ﴿هذه النارُ الَّتي كُنتُم بها تُكَذِّبونَ﴾ [الطور: ١٤]. فإن قيل: إن الوجوب المختصَّ بجهة، وجوبٌ خاص، والخاص يستلزم العام، فإن وجود الإنسان يستلزم وجود الحيوان بخلاف العكس، فالجواب من وجهين. الأول: أن هذا خيالٌ باطل، ضلَّ بسبب الغلط فيه خلقٌ كثير، وبَنَوْا عليه من البِدَعِ ما لا يُحصى. وبيانه: أن الجنس العام مجرَّد لفظٍ لا وجود له في حال عمومه ألبتة، ووجوده عاماً مع عدم جميع أنواعه مُحالٌ، وأهل المنطق يُسمُّونه العرض العام، والوصف العرضي، والاشتراك فيه اشتراكٌ في مجرد عبارة لا سوى، ولذلك قال المحققون: إن ذوات المخلوقات لم تُشارك ذات الرب في شيءٍ حقيقي، ثم تميزت ذات الرب بعد المشاركة. وقالت المعتزلة: إن العباد قد شاركوا الربَّ في الذاتية، أي: في كونهم أشياء، وهو سبحانه شيءٌ، ومن ها هنا عَطَّل المُعَطِّلَةُ.

стр. 2359

وقالت الباطنية والإسماعيلية: لا يوصف سبحانه بصفةٍ قط، فيكون مثل من وُصِفَ بها مِنَّا، فلا يوصف بأنه شيءٌ، ولا موجود ولا عالم ولا قادر. وقد رد الجويني (١) بهذا على من زعم من الكُلاَّبية أن القرآن الكريم كان كلاماً في القِدَمِ غير أمرٍ ولا نهي ولا خبر ولا خطاب. الوجه الثاني: أنه لو استلزم الوجوب الخاصُّ الإمكان العام المطلق، كان ذلك (٢) يستلزِمُ نفي الاختيار، وليس للمعتزلي أن يحتج بهذا الإمكان الخاص على نفي ذلك الوجوب الخاص. ولا للجَبْري أن يحتجَّ بذلك الوجوب الخاص على نفي ذلك الإمكان الخاص، لأنا إن جعلنا لكلِّ واحدٍ منهما أن يحتج بذلك على الآخر أدى إلى صحة النقيضين وهو محالٌ. وإن جعلنا الحجة لأحدهما دون الآخر، أدَّى إلى تناقض المثلين، وهو مُحالٌ. ومن جَهِلَ هذا التحقيق، نسب إلى أهل السنة ما لا يليق، وتوهَّم من بعض عباراتهم نفي الاختيار، وإثبات الإجبار والاضطرار، ومن عدم النظر إليه حارَتِ الأفكار، وعَثَرَ فرسانُ النُّظَّار في مسائل الأقدار. الفائدة الثالثة: التنبيه على الجمل، وبعض التفاصيل مما حَضَرني مما يدلُّ على القَدَر من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . أمَّا كتاب الله تعالى، فهو محفوظٌ معلومٌ، لكن نتبرَّك بإحضارِ بعض آياته المباركة للواقف على هذا الكتاب (٣).

стр. 2360

واعلم أن الوارد فيه أنواع كثيرة، وبالجملة فكُلُّ آيةٍ فيها دِلالةٌ على أن للرب (١) سبحانه أثراً ما في فعلٍ من الأفعال، فهو مما يصلُحُ إيراده هنا من سؤاله الهداية والإعانة كما في فاتحة الكتاب التي يقرأُ بها كلُّ مُصَلٍّ من المسلمين. وكذلك المِنَّةُ بنعمة الإيمان كما في الفاتحة أيضاً في قوله: ﴿صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فإن نعمة الإيمان مرادةٌ هنا بالإجماع، فهذه ثلاث حُجَجٍ من فاتحة الكتاب وحدها. وكذلك الاستعاذة من الشيطان التي يبدأ بها كل قارىء. وكذلك الاستعاذة بالله من الضلالة، يدلُّ على ذلك مثل ما حكى الله تعالى عن الراسخين في قولهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنا﴾ [آل عمران: ٨]. وكذلك كل آية فيها نسبة الهدى والضلال إلى الله . وكذلك ما هو في معنى ذلك من التيسير لليُسرى والعُسرى وجميع ما تقدم من آيات المشيئة. وما لو أفردناه لطال، وفي الإشارة إليه كفايةٌ، فهذه جملة نبَّهتُ طالب الحق عليها. وأما التفاصيل: فمنها قوله تعالى: ﴿إلاَّ امرأَتَه قَدَّرْناها مِنَ الغَابرينَ﴾ [النمل: ٥٧]، وفي آية: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغَابرينَ﴾ [الحجر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وأهلَكَ إلاَّ مَنِ سَبَقَ عليه القولُ﴾ [هود: ٤٠]، وقال: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣]، فحذف مفعول قدَّر وهدى لعمومها: قدَّر كل شيءٍ، ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وهدى كُلَّ أحد ﴿إنَّا هَدَيْناهُ السبيلَ إمَّا شاكراً وإمَّا كَفوراً﴾ [الإنسان: ٣]، وقال: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عندَهُ بمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، وقال: ﴿ما

стр. 2361

أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وأكثرُ المصائب من أفعال العباد في تعادي بعضهم بعضاً وتظالمهم وتحاسُدِهم وجناياتهم، وقد تكونُ معصيةً، فتكون مكروهة من حيث قَبُحَتْ لا من حيث قُدِّرَتْ، كيمين الزور الغموس التي يحكم بسببها بحقِّ الغير، وقد لا تكون معصيةً ألبتة كفعل الخَضِر ﵇ في قتل الغُلام، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبنا إلاَّ ما كَتَبَ الله لنا﴾ [التوبة: ٥١]. وقال في تقدير أفعال العباد خُصوصاً: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] كما تقدم مع آيات المشيئة المتقدمة جميعها. وقال: ﴿كذلك كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: ٦٩]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] وليس هو (١) إلزام الأمر لعمومه، وخصوص هذا بالمؤمنين. ومنه قراءة أُبي: ﴿وأتبعناهُم ذُرِّيَّاتِهم بإيمانٍ﴾ (٢). ومنه التيسير لليُسرى والعسرى وما فيهما من آياتِ الهدى والضلال مثوبةً وعقوبةً كما مضى.

стр. 2362

ومثل قوله: ﴿وفي ذلكم بلاءٌ مِنْ رَبِّكُم عَظيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] بعد قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقال: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥]. وقال في تقدير المعاصي خُصوصاً: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]. وقال في هود وفي السجدة: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، [السجدة: ١٣]. وقال على جهة التعيين لواحد مخصوص: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٧ - ١٢]. وقال في تقدير أفعال العباد: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. وقال حكاية عن نبيه يعقوب ﵇. ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (١) [يوسف: ٦٧ - ٦٨]. وقال في يحيى بن زكريا: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] وعيسى

стр. 2363

كذلك، وهو في يحيى أوضح، لأنه لم يقل أحد: إنه كان كامل العقل يومئذ، وذلك دليل على سبق القدر للعمل. وقال: ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] فعلَّلَ نجاتهم من العذاب بسبق الكتاب، وهو عين ما يمنع منه الخصوم. وعن سعد بن أبي وقَّاص: أرجو أن تكون رحمةٌ من الله سبقت لنا. رواه الحاكم (١) وقال: على شرط الشيخين. وقال: ﴿إنَّ الذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وجاء بتعليل أفعال الله، وهي اختياريةٌ بكلماته الواجبة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. وكذلك تعليلُ أفعال العباد الاختيارية، كقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] هذا مع قوله تعالى: ﴿لا تبديلَ لِكلماتِ الله﴾ [يونس: ٦٤] وليس المراد به إلاَّ هذه. أما كلمات كتبه الشرعية، فقد نصَّ على تبديلها، قال تعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيةً مَكانَ آيةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وفي معناها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣]، وقال: ﴿والله

стр. 2364

يحكمُ لا مُعَقِّبَ لحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]. وقال في تأثير أفعال العباد الاختيارية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، [الفتح: ٢٤]، وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، وقال: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لك فَتْحَاً مُبيناً﴾ إلى ﴿ويُعَذِّبَ المنافقين﴾ [الفتح: ١ - ٦] الآية. وفي معناها: ﴿إنَّا عَرَضْنا الأمانة﴾ إلى آخر السورة: [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢] وقال: ﴿إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [المعارج: ١٩] الآية، وقال: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾ [المعارج: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٦ - ٣٧]، وقال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وفيه جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وقال: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. وقال في يحيى بن زكريا: ﴿وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وفي عيسى بن مريم مثل ذلك.

стр. 2365

وذلك مثلُ حديث " السعيد من سَعِدَ في بطن أمِّه " (١) على أنه مُفسَّرٌ بحديث ابن مسعود المتفق على صحته كما يأتي في الأخبار، وليس كما تظُنُّه الجبرية. وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩]. وقوله في آخر هذه: ﴿فمِنْ نَفْسِكَ﴾ محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله: ﴿ما أصابَكَ﴾ ولو كان معصية لقال: ما أصَبْتَ كما ذلك معروف، فهو كقوله تعالى: ﴿ما أصابَ من مُصيبةٍ إلاَّ بإذنِ اللهِ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وفي ذلِكُمْ بَلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ﴾ بعد قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقوله: ﴿وليس بِضارِّهم شيئاً إلاَّ بإذنِ الله﴾ [المجادلة: ١٠] وإنما نسبه إلى العبد، لأنه حدث من العبد فعل سببه واختياره. ونظيره قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٥ - ١٦٧]. فجمعت هذه الآية مذاهب أهل السنة في تقدير أفعال العباد الاختيارية بقوله: ﴿مِنْ عندِ أنفُسِكم﴾ وسبق تقديرها من الله تعالى بقوله: ﴿فبإذن الله﴾.

стр. 2366

وبيانُ تعليل القدر بالحكمة في قوله: ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ يدل على أن الإذن هنا الإرادة بدليل هذا التعليل، فإن الإذن لا يُعَلَّلُ، فدلَّ على أن الإذن ليس بمعنى العلم. وقد بيَّنه الله في قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عنهم لِيبتلِيَكُم﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ومثلها: ﴿هُوَ الَّذي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عنكُم وأيديَكُم عنهم﴾ [الفتح: ٢٤]. وفي " الضياء " ما يدلُّ على أن الإذن إذا كان من العلم كان بفتح الهمزة، وفتح الذال المعجمة (١)، ويُقَوِّيه: أن عادتهم التفريق بين المصادر التي أفعالها متماثلة مشتبهة. وقوله: ﴿وجعلناهُم أئمةً يَدْعُونَ إلى النَّار﴾ [القصص: ٤١] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقوله: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠١]، وقال: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] إلى آخر

стр. 2367

السُّورة، وقال: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ١ - ٦]، وقال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣]، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٣]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، ونوره هنا يتعلق بأفعال المؤمنين من الهدى، وذلك يتوقف على اختيارهم مع أن تمامه منسوب إلى الله تعالى على جهة القطع. ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، وقال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، وقال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وهي من أوضح الأدلة على مذهب أهل السنة في صحة الجمع بين نفوذ القضاء ونفي الجبر، لأنه لا يصح الجبر في حق الرب سبحانه إجماعاً. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦]، وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ

стр. 2368

مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. ومثل آخرها: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية [السجدة: ١٣] والإشارة بذلك إلى الاختلاف بدليل أول الآية وآخرها وسائر نصوص كتاب (١) الله البينة. وقال الله تعالى: ﴿ولَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُم على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿ولا يزالُونَ مُختلفين﴾ [هود: ١١٨]، ولأن وقوعه هو المعلوم ضرورةً. وقد ثبت أن ما أراده الله وقع، وقد جوَّزه الإمام المنصور بالله ﵇ في " المجموع المنصوري "، وذكر فيه وجهاً لطيفاً، وهو أن يكون المراد: خلق أولياءه لمخالفة أعدائه، وشرط في صحة هذا أن تكون " إلاَّ " بمعنى (٢) الواو. ويُقوِّي الوجه اللطيف الذي ذكره ما ذكرتُه في هذا الكتاب في مرتبة الدواعي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكم أحسنُ عملاً﴾ [الملك: ٢]، وكذا ذكر الزمخشري في " كشَّافه " (٣): إشارة إلى ما دل ﵇ الأول وتضمنه، يعني: ولذلك التمكين والاختيار الذي كان فيه الاختلاف خلقهم ليُثيب مختار الحق بحُسْنِ اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره. انتهى. وقد ألمَّ هذا الموضع بمذهب الأشعرية في صرف إرادة الله المتعلقة بأفعال العباد إلى (٤) تعليقها بأفعال الله تعالى على ما مر تقريره في مسألة الإرادة. وفي قوله تعالى: ﴿وتمَّتْ كلمةُ ربِّكَ لأَمْلأنَّ﴾ [هود: ١١٩] لقوله في غيرها: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣] دليلٌ واضح

стр. 2369

على أن هذا مراد لله (١) تعالى أصيلٌ اقتضته حكمةٌ بالغة حتى حقَّ به قوله الحق، وتمت (٢) به كلمته الصدق، ولا تبديل لقوله، ولا مُعَقِّب لحكمه. ولو كان أمراً مضادّاً لمراده تعالى، ما حَسُنَ في لغة العرب وروده بهذه الصيغ، ولكن نعلم قطعاً أنه لا يريد الشر لكونه شراً، بل يُريده لخيرٍ وحكمةٍ، وذلك هو تأويله الذي لا يعلمه إلاَّ هو سبحانه، أو من شاء أن يخُصَّه من خلقه . ويدل على القول الأول ما ذكره الله من جعله لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن، وسائر ما تقدم من أنه لو شاء، لهدى الناس جميعاًً، ومِنْ جعلِهم أمة واحدة ونحو ذلك. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. فقوله: ﴿بإذنه﴾ يتعلق بـ " اختلفوا "، والضمير فيه يرجع إلى غير المؤمنين، والقرائن واضحةٌ في ذلك، وهذا الحق هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. فدلَّ ذلك، على أن الحق التوحيد وعبادة الله وحده، والإشاره بالاختلاف إلى من خالف في شيءٍ من ذلك.

стр. 2370

ونحو (١) ما تقدم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيات. وعن ابن عباس: كانوا على الإيمان (٢). قال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": رواه أبو يَعْلى والطبراني ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. انتهى. وجعله الزمخشري (٣) المختار من الوجهين. والوجه الثاني: أن المراد كانوا على الكُفْرِ (٤).

стр. 2371

قلت: والذي يوضح الأول قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] بعد قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وفي اختلاف بني إسرائيل آيةٌ أصرح منها. وأيضاً فلن يجتمع الناس مع بقاء كثرتهم واختلاف فِطَنِهم وطبائعهم وإسلامهم على كُفرٍ ولا إسلام. وقد حكى الله اختلاف الملائكة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩]. وجاء في الحديث الصحيح: اختلافهم في الذي قتل مئة نفسٍ ثم تاب (١). واختلف الخَضِرُ وموسى (٢)، وسليمان وداود (٣)، وآدم وموسى (٤)، بل قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وأمثالها. فدلَّ على أن الاختلاف من لوازم الاختيار فيما يوجب الاجتماع عادةً، ولا يقع غير ذلك عادةً، كما لا يجتمعون على مأكولٍ واحد دون سائر الأطعمة، ولا على اختيار بلد ولا صناعة إلاَّ أن يشاء الله، لكن قد أخبر الله أنه لا يُريدُ جمعهم على الكُفْر، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. الآية.

стр. 2372

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. وكيف يُخلي الله الخلق من عباده الصالحين، وهم ثمرة خلق العالمين، ولذلك تقوم القيامة عند فقدهم كلهم كما ورد مرفوعاً، ولولاهم ما خلق الخلق بدليل قوله للملائكة بعد ظهور صلاح آدم لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] فإنه نقض عليهم بذلك ما ظنُّوا من فساد جميع الآدميين الذي هو شرٌّ محض لا خير فيه، وهو القبيح عقلاً، أما وجود شر لخير فيه ذلك (١) الخير هو المقصود من ذلك الشر، فلا قُبْحَ فيه على ما أوضحته في تفسير قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، كما تقدم بيان مذهب الأشعرية في المشيئة. وأيضاً فلم يجتمع الخلق على الكفر قطُّ لوجود الأنبياء في المتقدمين وكثرتهم، فقد جاء في الحديث " أنهم مئة وعشرون ألف نبيٍّ " صلوات الله عليهم وسلامه (٢).

стр. 2373

ويشهد بذلك قوله في الآية: ﴿وما اختلَفَ فيه إلاَّ الذينَ أُوتوه﴾ [البقرة: ٢١٣] والضمير في قوله: ﴿فيه﴾ راجعٌ إلى الحق.

стр. 2374

وقد قُصِرَ الاختلاف فيه على الذين أوتوا الكتاب فدلَّ بمفهومه على نفي الاختلاف في الحق عمَّن قبلهم، وكذا مفهومُ قوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]. ولعل ذلك الاجتماع إنما كان بسبب الابتلاء، فلما نزل الكتاب بالابتلاء، وقع الاختلاف بسبب الابتلاء (١)، لا بسبب نزول الكتاب، ألا ترى أن الملائكة غيرُ مختلفين بسبب عدم الابتلاء بدليل قصة هاروت وماروت. ولو سلمنا أن الإشارة في قوله: ﴿ولذلك خَلَقَهم﴾ [هود: ١١٩] إلى الرحمة لَزِمَ منه أن الضمير في خلقهم راجع إلى من رَحِمَ لا إلى المختلفين ولا إلى الجميع. كما أنه إذا صح أن الإشارة فيه إلى الاختلاف كان الضمير راجعاً إلى المختلفين، لا إلى المرحومين الذين استثناهم الله تعالى. وبالجملة فالضمير لا يرجع إلى جميع المذكورين قبل الاستثناء وبعده، لأن حكمهم مختلف، فالضمير ليس من ألفاظ العموم، والأمور المقدرة يجب الاقتصار فيها على الضرورة، ولا يُضْمَرُ أكثر من الحاجة، فتأمل ذلك، فإنه مفيدٌ ولله الحمد. وعلى هذا التقدير يزولُ الإشكالُ على كل تقديرٍ، ولا يلزم أن الله تعالى أراد خلاف ما علم، لأنه إذا عاد الضمير إلى المرحومين، ووقعت الإشارةُ إليهم، فقد علم الله أنهم من أهل الرحمة وخلقهم لذلك، ولا بُدَّ (٢) من حكمة الله تعالى في الجميع، في خلق السعداء للرحمة جليةً، وفي خلق الكفار للاختلاف خفيَّةً، وما أحسن كلام المنصور بالله ﵇ المقدم في ذلك، ويمكن أن

стр. 2375

تكون الإشارةُ إلى الجميع، أعني: الرحمة والاختلاف، والضمير للجميع أي: خلق المرحومين للرحمة وغيرهم للاختلاف. ومما يُصادِمُ مذهب المعتزلة مصادمة النصوص الصريحة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. والمعتزلة تأوَّلوا جميع هذا تارة بأن الإضلال بمعنى العقاب وتارة بمعنى الحكم، وتارةً بما فيه تعسُّفٌ. والجواب من وجوه: الأول: النزاع في المُوجِبِ للتأويل من الأصل. والثاني: دعوى العلم الضروري لمن بحث عن أحوال السلف أنهم كانوا لا يتأولون شيئاً من ذلك، وبيان هذا يحصُلُ بتأويل ما يأتي من الأخبار المتواترة الآن. الثالث: أن تأويلاتهم وإن تَمَشَّتْ في بعض المواضع فإنها لا تمشي في كثيرٍ منها إلاَّ بتعسُّفٍ معلوم البطلان، كما تقدم بيانه في مرتبة الإرادة، وكذلك تقدم إيضاح الوجه الأول والثاني فيها ولله الحمد. أما الأحاديث وآثار الصحابة والسلف في الإيمان بالقدر، فلا سبيل إلى استقصائها، وهي على كثرتها تنحصِرُ في قسمين: أحدهما: ما يدلُّ على ثبوت القدر وصحته. وثانيها: ما يدلُّ على وجوب الإيمان به، وذمِّ من كذَّب به، وأنا أُورد في كل قسمٍ ما تيسَّر لي وقت تعليق هذا الجواب من غير إسهاب ولا استيعاب، وأتركُ الكلام على أسانيد ما نقلته من الكتب الستة لشهرتها، وأُنَبِّهُ على ما في

стр. 2376

إسناد الحديث الذي من غيرها ليتمكَّن من البحث عنه في كتب الرجال من كان أهلاً لذلك. وجملة ما تيسَّر لي تعليقه في هذا مئتا حديثٍ، بل أكثر من مئتين كما تراه، فمنها في القسم الأول مئة ونَيِّفٌ وخمسون وفي القسم الثاني سبعون، وهذا زائدٌ على التواتر، فللهِ الحمد والمنة. القسم الأول: ما يدلُّ على صحته على جهة الاستظهار وإلا فقد تقدم من قواطع القرآن والبرهان ما يُغني عن الزيادة في البيان. الحديث الأول: عن عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: كنا في جنارةٍ في بقيع الغَرْقَد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرَةٌ فنكَّس وجعل يَنْكُتُ بمِخصرتِه، ثم قال: " ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتِب مقعدُه من النار، ومقعده من الجنة " فقالوا: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا؟ فقال: " اعملوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١). رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "، والأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث، والمعنى متقاربٌ، ورواه النسائي. ذكرها المزي في " أطرافه " (٢)، ولم يذكرها أبو القاسم بن عساكر.

стр. 2377

ولعليٍّ ﵇ ستة أحاديث في إثبات القدر على مذهب السلف وأهل السنة تأتي متفرقة، وإنما نَبَّهْتُ على ذلك لدعوى المعتزلة أنهم على مذهبه ﵇، وسيأتي تطابق الروايات عند تبيين ذلك من طريق أهل البيت وطريق أهل الحديث كما مر مثل ذلك في المشيئة، فقد تواتر عنهم براءته من رأيهم ولله الحمد والمنة. الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، قال: جاء سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله بيِّنْ لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن، فِيمَ العمل اليوم؟ قال: " بما جَفَّتْ به الأقلام وجرت به المقادير " قال: ففيم العمل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وكل عاملٍ بعمله " أخرجه مسلم في " الصحيح " (١). الثالث: عن عمران بن الحصين ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم "، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: " كل ميسر لما خلق له ". أخرجه مسلم وأبو داود. وفي رواية البخاري نحوه، وزاد أن النبي ﷺ تلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] (٢). الرابع: عن ابن عمر ﵄، قال عمر يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، فيه أمرٌ مُبتدأ، أو فيما قد فُرِغَ منه؟ فقال: "فيما قد فُرِغ يا ابن الخطاب، وكل مُيَسَّرٌ، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من

стр. 2378

أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاوة" (١). وفي رواية قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] سألتُ رسول الله ﷺ فقلت: فعلام نعمل؟ وساق نحو الأولى (٢). خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. قال: وفي الباب عن علي، وحذيفة بن أسيد، وعمران بن حصين، وأنس ﵃. وخرج أبو داود معنى الأول من حديث ابن عمر، عن أبيه عمر ﵄ في حديث جبريل ﵇ في الإيمان بالقدر خيره وشره (٣). الخامس: عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه مَلَكاً بأربع كلمات، بِكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلاَّ ذراعٌ، فيَسْبِق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلاَّ ذراعٌ، فيسبق

стр. 2379

عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود (١). ويقارب معناه من كتاب الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ [النبأ: ٢٩] كما في التفسير في قوله تعالى في لقمان: ﴿وما تَدْري نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: ٣٤] وأما آيات الأقدار فقد مضت والله سبحانه أعلم. السادس: عن عامر بن واثلة، عن النبي ﷺ نحوه. خرجه مسلم (٢). السابع: عن عمر ﵁ بحديث نحو هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ ربُّك مِنْ بَني آدمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وابن حبان في " صحيحه " عن مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أن [عبد الحميد بن] الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسارٍ الجهني، أن عمر سأل عن هذه الآية ﴿وإذْ أخَذَ ربُّك﴾ [الأعراف: ١٧٢] الحديث بطوله كما يأتي في مسألة الأطفال. وفيه مرفوعاً: " إذا خلق الله العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة يُدخله به، وإذا خلقه للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيدخله به النار " (٣).

стр. 2380

هكذا هو في " الموطأ "، وقال الترمذي: حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نُعيم بن ربيعة (١). وكذلك رواه أبو داود من طريق عمر بن خَثْعم، فأدخل بينهما نعيم بن ربيعة (٢). قال الدارقطني وتابع عمر بن خثعم على ذلك أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك (٣).

стр. 2381

الثامن: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " وكَّل الله بالرَّحم مَلَكاً يقول: أي ربِّ نُطفةٌ، أي ربِّ عَلَقةٌ، أي ربِّ مُضْغَةٌ، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ وكتب ذلك في بطن أمه ". أخرجه البخاري ومسلم (١). التاسع: عن طاووسٍ قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيءٍ بقَدَرٍ، وسمعتُ ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " كل شيء بقدر حتى العجز والكَيْسُ " (٢). خرجه مالك ومسلم في " الصحيح " (٣).

стр. 2382

العاشر: عن عامر بن واثلة أنه سمع ابن مسعودٍ يقول: الشقيُّ من شقي في بَطْنِ أُمِّه، والسعيد من وُعِظَ بغيره، وسمع من حُذيفة بن أسيدٍ الغِفاري نحو ذلك (١). أخرجه مسلم في أول الحديث (٢)، وقد أشرت إليه بعد حديث ابن مسعود. الحادي عشر: عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله " فقال: كيف يستعمله؟ قال: " يُوَفِّقُه لعملٍ صالحٍ قبل الموت ". أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح (٣). الثاني عشر: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل الزمن

стр. 2383

الطويلَ بعمل أهل الجنة، ثم يُخْتَمُ له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة ". أخرجه مسلم (١). الثالث عشر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله خلق خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القلم على علم الله ". أخرجه الترمذي، وأحمد، والبيهقي، والبزار، والطبراني (٢). وقال الهيثمي (٣): أحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. الرابع عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف وأحب إلى الله، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن (٤) بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء (٥) فعل، فإن " لو" تفتح عمل الشيطان ". أخرجه مسلم (٦).

стр. 2384

الخامس عشر: عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : " من سعادة المرء رضاه بما قضى الله، ومن شقاوته سَخَطُه بما قضى ". أخرجه الترمذي، وقال: غريب (١). السادس عشر: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " حاجَّ آدمُ موسى، قال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمرٍ كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدَّره علي قبل أن يخلقني "، قال رسول الله ﷺ : " فحجَّ آدمُ موسى " (٢). أخرجه البخاري، ومسلم، ومالك في " الموطأ "، والترمذي، وقال: حسن غريب من حديث سليمان التيمي، عن الأعمش، وفي الباب عن عمر وجندب،

стр. 2385

وقد روى بعضُ أصحاب الأعمش هذا عنه، عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ (١). وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عنه ﷺ (٢). وبوَّب (٣) عليه باب حجاج آدم وموسى. فقوله: وفي الباب عن عمر وجُندب يدل على عدم تفرُّد أبي هريرة بهذا الحديث. وذكر ابن كثير في الأول من " البداية والنهاية " (٤): أنه متواتر عن أبي هريرة، وذكر من طرقه الجمة ما يُصدِّقُ ذلك، ثم ذكر له شواهد عن غير أبي هريرة. ولا حجة لنفاة القدر في مَلام موسى لآدم، لأنه كان في ذلك كالناسي الغافل عن تذكُّر القدر، لا أنه جاحدٌ له، ولذلك لما ذكَّرَه آدم لم ينكره. وقد تقدم أن وجهه أنه لامه على خروجه من الجنة وإخراج ذريته، وكل ذلك من فعل الله تعالى لا ذنب فيه له، لأنه عقوبة ذنبه، ولو شاء الله ما عاقبه لا سيما وذنوب الأنبياء صغائر، ولا حجة للعصاة في القدر إجماعاًً والله أعلم. السابع عشر: ذكر الهيثمي من شواهد حديث أبي هريرة حديث جندب مرفوعاً بنحوه. قال: رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه، والطبراني ورجاله رجال الصحيح (٥).
следующие страницы →