← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ظنه أنهما كان يَعجِزَانِ عن معرفة حكم الماءِ إذا تغيَّر بالزعفرانِ، هل يكونُ طاهراً مطهراً أو يكون طاهراً غير مطهر، وهل الدم والقيء من نواقض الوضوء، أو ليسا مِن نواقضه؟ وهل يجبُ استقبالُ عينِ الكعبة، أو يجبُ استقبال الجِهَةِ؟ وهل الاعتدالُ بعدَ الركوع والسجود واجبٌ أو مسنون؟ وهل القصرُ في السفر واجب أو رخصة؟ ونحو ذلك من المسائل الفروعية، أو أنهما كانا لا يعرفانِ كيفيةَ الترجيح عند تعارضِ الأدِلَّةِ، ونحو ذلك من المسائل الأصولية، فهو بَهيمِيُّ الفَهْمِ بلا شك. وإذا كان الاجتهادُ متعسِّراً على صاحبِ " الملخص "، و" المحصل " و" المحصول " الذي يتلبَّد في فهم معانيه (١) كثيرٌ من كُبرَاء علمِ المعقول، فكيف يسهل الاجتهادُ لأبي بكر، وعمر، وعثمانَ بن عفان، وعثمان بن مظعون، والمقدادِ، وجابرِ بنِ سَمُرة، وعائشة، وأمثالهم ممن نقِلَتْ عنه الفُتيا من الصحابة الذين لم يرتاضوا على النظرِ، ولا تدرَّبوا في ترتيب الأدلة، وتمهيد القواعد، وتهذيبِ الكلام في شرائط القياس، وكيفيةِ الاستدلال؟ ومن نظر إلى كلامِ كثيرٍ من الصحابة في القياس في مسائل

стр. 527

الفرائض، وتردُّدِهم في ذلك، علم أن الخوضَ في تلك الأمورِ أسهلُ على أهل الدِّرْيَةِ بعلوم النظر، والمهارة في البحث عن الغوامض. فإن قلتَ: فإذا كانا متمكنينِ من الاجتهاد، فَلِمَ تركاه واختارا التقليد؟ قلت: جوابُ هذا غيرُ متجه، لأن مَنْ ترك شيئاً من الفضائل، لم يجب القطعُ بعجزه عنه، ولا يجبُ على من ادَّعى أنَّه يظن قدرتَه على ذلك إظهارُ الدليل على الوجه في تركِ ذلك الفعل، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة والعرب لم يكونوا مجتهدينَ مع تمكُّنِهِم من ذلك وسهولته عليهم، وهذا مما لا يحتاجُ إلى مناظرة. فأما الاحتمالاتُ، فهي كثيرة، فمنها أن يتركا ذلك، لأن التقليدَ أسهلُ، وقد رأينا من يختارُ التقليدَ لذلك، فقد حدثني الفقيه علي بنُ عبد الله بن أبي الخير ﵀ أنَّه يكره النظرَ في كتب أدلةِ الأحكام، قال ﵀: لأنَّه إذا عَرَفَ الدليلَ اعتقد أنَّه يجبُ عليه العمل به، ويَحْرُمُ عليه التقليدُ، وهو يُحِبُّ أن يبقى في سَعَةٍ، ولا شكَّ أن هذَا الاختيارَ جائز عقلاً وشرعاً، وإن كان فيه قصورٌ في الهِمَّة، ومخالفة للاقتداء (١) بخير هذه الأمة. ويلتحق بهذا فائدة: وهي أنَّه لا شك أن هذين الرجلين مِن كبار أهلِ العلومِ العقلية النظرية (٢)، ورؤوسِ الطائفة الأشعريَّةِ، ولهما الباعُ الطويلُ في التمكن من إيرادِ الشبه العويصة على جميعِ الطوائف حتَّى على

стр. 528

أصحابهما الأشاعرة، ولكن بركات العِلم أدركتهما، فإنا نرجو صحة ما رُوِيَ من توبتهما، فقد صرَّح الغزالي في " المنقذ مِن الضلال " (١) برجوعه عن الخوض في علم الكلام إلى مثل كلام أهلِ التصوف في الإقبال على الله تعالى بالكلية، وحصولِ اليقين بذلك، وفي خطبة " المَقْصِد الأسْنى " ما يقتضي أنَّه مُتَّقٍ في إظهار الحقِّ في بعض الأمور، وروى الإمامُ المهدي محمد بن مُطْهر، والأميرُ الحسين بن محمد عن الغَزّالي أنَّه تابَ مِن مذهبه، وترحَّما عليه، وترحم عليه حميدُ المحلي، وحكى نحو ما تقدَّم من توبته. وأما الرازي، فصرحَ في وصيته بالرجوع عن (٢) جميع ما أودعه مصنفاتِه إلا ما نطق به القرآنُ والسنةُ المُجْمَعُ على صحتها، وأنه يدينُ الله تعالى بما دانه به رسولُه (٣) ﷺ ، وفي شعره ما يُلِمُّ بهذه العقيدة الجميلة كقوله: العِلْمُ لِلرّحْمَانِ ﷻ ... وسِوَاهُ في جَهَلاتِهِ يَتَغَمْغَمُ (٤) مَا لِلتُّرَابِ ولِلعُلُومِ وَإنَّمَا ... يسْعَى ليعْلَمَ أنّهُ لا يَعْلَمُ

стр. 529

وقولِه في أبياتٍ له: نِهَايَةُ إقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ ... وَأكْثَرُ سَعْيِ العَالمينَ ضَلاَلُ (١) وفي معنى البيتينِ الأوَّلَيْنِ قولُ الآخر: وَكَمْ في البَرِيَّةِ مِنْ عَالِمٍ ... قَوِيِّ الجِدَالِ شَدِيدِ الكَلِمْ سَعَى في العُلُومِ فلما يُفِدْ ... سِوى عِلْمِهِ أنَّهُ ما عَلِمْ وهذا مِنْ بَرَكاتِ العِلْمِ وخاتِمَةِ الخيرِ. والله أعلم. قال: وذكر بعضُ فقهاء الشافعية تعسُّرَ الاجتهادِ حتى قال: وقد كانوا يرون أن درجة الاجتهاد في زمانهم مفقودة، يعني أصحاب الشافعي المتقدِّمين، وذكر منهم القَفَّالَ، وأبا حامدٍ الإسفَراييني، وأبا إسحاقَ الإِسفراييني، وأبا إسحاق المروزي، والجُويني قال: وقال الرافعيُّ: القومُ كالمجمعين على أنَّه لا مجتهدَ اليومَ، وحُكِيَ عن المحاملي أنَّه قال: ما أعلمُ على وجهِ الأرض مجتهداً. زادنا اللهُ هدى، وجعلنا ممن يتجنَّبُ الرَّدى، ولا يُزكِّي على الله أحداً، كما جاء في الحديث مسنداً. أقول: هذه الروايات عن بعض أصحابِ الشافعي قد جعلها السَّيدُ لِكلامه تماماً، ولاحتجاجه ختاماً، وقد استملح هذه الحكاياتِ، واستروح إلى هذه الرواياتِ حِرصاً على توعيرِ مسالك العلمِ، وسدِّ أبوابِ

стр. 530

الاجتهاد، ولم يُبَال السَّيِّدُ بما تَحتَها من الغوائل والمناكير من تجهيل العلماء الأفاضل، والأئمة المشاهير، وما كنتُ أظُنُّ الغُلُوَّ ينتهي بالسيدِ -أيَّدَهُ الله- إلى هذه الغاية، ولا يتجاوَزُ به إلى هذا المقدار، وكيف تجاسَرَ السيدُ على إطلاقِ القول بأن أصحاب الشافعي المتقدمين قضَوْا بفقدِ مرتبة الاجتهاد، مستَرْوحاً بهذا القول المعلوم الفساد، محتجّاً به على الاستعسارِ للعلم والاستبعاد؟! فأقول: ما شاءَ اللهُ، لا قوةَ إلا بالله، إن كان ذهَبَ العلمُ بالأدلة، فأين الحياءُ من العُلماء الجِلَّة؟! أين ذهب التوقيرُ لأئمة العِترة ﵈؟ إلامَ صار التعظيمُ لعلماء الإسلام؟ كأنَّك ما عرفتَ أنَّ قدماءَ أصحابِ الشافعي قبلَ الهادي، والقاسم، ولا دَرَيْتَ أن كلامك يقضي بتجهيل عوالِمَ من أولادهما الأكارِمِ، أما علمتَ أن بحارَ العلوم الإسلامية. ما تَموَّرت إلا بعدَ أصحاب الشّافعي؟ أتُرَجَّحُ تجهيلَ أقمارِ الهُدى لِروايةٍ حُكِيَتْ عن المَرْزِي، والرّافِعِي؟ ما هذه العصبية؟ إنها لَمِنْ أعظم البلية. وقبل الجواب على السيد -أيَّده الله- نذكر بحثاً حسناً في قوله: " ولا نُزكِّي على الله أحداً " كما جاء في الحديث مسنداً. فنقول: أخبرني مِن أيِن جاءَ هذا الحديثُ مسنداً؟ فإن قلت: إنه جاء مسنداً مِن طريق المحدثين، فما لك مرتكباً ما نَهَيْت عنه، وفاعلاً ما حذَّرْت منه؟! وقد قيل: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه ... عَارٌ عَليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)

стр. 531

وإن كنت تعرِفُه مسنداً من غير طريقهم، فأخبِرْنا بذلك الإسناد؟ وكيف تيسرت لك معرفتُه بعدَ الإنكارِ لها، والاستبعاد؟ وإن كنتَ لا تعْرِفُ له سنداً إلا مِن طريق رجالِ الحديث وأئمة الأثرِ، فكُفَّ عن القوم غَرْبَ لِسانِك، واجعل شُكْرَكَ لهم بدلاً عن شَنآنِكَ، وما أحسنَ قول بعضهم (١): أقِلُّوا عَلَيهِمْ لا أَبَا لأِبِيْكُمُ ... مِنَ اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكانَ الذِي سَدُّوا هذا ولا بُدَّ من التعرض لوجوه تكشف النِّقاب عن وجهِ الصواب وإن كانت هذه الشبهة مما لا تحتمِلُ الجواب. الوجه الأول: أن الشافعيَّ ﵁ مِن قُدماء العلماء، ورجال المئة الثانية من الهجرة النبوبة، وعلى رأسِها توفي سنة أربع ومئتين، وقد كان القدماءُ مِن أصحابه متقدمين لِمن لا يأتي عليه العَد مِن أئمة الإِسلام من أهلِ البيت ﵈، وسائر العلماء الأعلام، فهذا البُويطي (٢) صاحبُ الشافعي المشهور توفي سنةَ إحدى وثلاثين ومئتين، والقاسم ﵇ توفي سنةَ ست وأربعين ومئتين، فوفاةُ البُويطيِّ صاحب الشافعي

стр. 532

متقدِّمةٌ على وفاة القاسم ﵇ بخمسَ عشرة سنة، والقاسم ﵇ مِن أول أئمة المذهب، وأنبلِ مَنْ في طِرَازِ الأئمة المُذْهَبِ (١)، وهو الذي تفجَّرت منه بحارُ العلوم إفادةً وولادة، وخضعت رقابُ الخصومِ لمناقبه من العلم والزَّهادة والمجد والإجادة، فأما الإمام الهادي يحيى بن الحسين، والناصر الحسن بن علي ﵉، فالبويطي متقدِّم لهما في الوفاة بقدرِ سبعين سنة تَنْقُصُ شيئاً يسيراً، وكذلك الربيعُ (٢) والمزنيُّ (٣) صاحبا الشافعي، فإنهما عاصرا القاسم ﵇، وتقدما الهادي بكثيرٍ منَ الأعوام، وأما السيدان الإمامان الناطق بالحق أبو طالب، والمؤيَّدُ بالله ومَنْ بعدهما كالمُتوكِّلِ على اللهِ أحمدَ بنِ سليمان، والمنصور بالله عبد الله بن حَمْزَة، وسائِرِ أئمة الهُدَى، ومصابيحِ الدُّجى مِن عِترةِ المصطفي صلَّى اللهُ عليه وعلى آله، وسائِرِ علماء العِترة، وساداتهم، وكُبراءِ المسلمين وجِلَّتِهِم، فكلام السيد -أيَّدَه اللهُ- وكلامُ بعضِ أصحابِ الشافعي قاضٍ أنهم مِن جُملَةِ أهلِ الدعاوي الباطلة، مُفْصِحٌ بأنَّ وجوهَ دعاويهم للعلم عن حِلية الصِّدْقِ عاطِلَة، فحسبُك ما أدَّى إليه عِظَمُ غُلُوِّك

стр. 533

مِن تجهيل أئمةِ الأمة، والعِترة في مقدار ست مئة سنة، ومِن لَدُنِ القاسم بن إبراهيم ﵇ إلى يومِ النَّاسِ هذا، على أنَّ هذه المدة قد اشتملت على أقمارِ الهُدى، وبحارِ المعارف، وجبالِ العلوم، وأئمة الإسلام، وأركان الإيمان. ولا بد من تشريف هذا الجواب بذكر جماعةٍ من عيونهم، والتماس نزولِ البركة بذكر جملة مختصرة من أسمائهم إذ التعرضُ لاستقصاء ذلك مما يفتقِرُ إلى تأليف كتابٍ، ولا يحتمِلُ أن يدخُلَ في ضمن هذا الجواب. ولما لم يكن بد من الاقتصار كان ذِكْرُ من يخفى على كثيرٍ من أهل هذه الأعصار أهَمَّ مِن ذكر مَنْ لا يخفى على أحدٍ من الأئمة الكبار، وقد ذكرنا من أئمة أهلِ البيت مَنْ لا زيادة عليه، ومن يَصْغُرُ كُلُّ كبير بالنظر إليهم، فلنذكر بعدهم معرفتين. المعرفة الأولى: في ذكر جماعة من علماء سادات العِترة ﵈ ممن لا يعرفهم كثيرٌ من أهل العصر. فمنهم الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈، ذكره في " الجامع الكافي " (١) إمامٌ مجتهد متكلم في الفقه. ذكر محمد بن منصور أنه ممن اجتمعت عليه الفِرَقُ. ومنهم السَّيِّدُ الإمامُ العلاَّمَةُ محيي السُّنة سَيِّدُ الحفَّاظ أبو الحسن محمدُ بنُ الحسين العلوي الحسيني أحدُ أئمة الحديث، عَقَدَ مجلسَ الإملاء بعدَ الامتناع منه رغبةً في الخُمول، فكان يَحْضُرُ مجلسَه ألفُ

стр. 534

مِحبرة. قال ابن الصَّلاح: وتوفي في شعبان سنةَ ثلاث وسبعين وثلاث مئة (١). " ومنهم أخوه السيدُ العلاَّمةُ أبو علي محمدُ بنُ الحسين، قال الإسنويُّ: كان من أعيانِ العُلماءِ، ولم أقِفْ على تاريخ وفاته (٢). قلت: لكنَّهُ توفي بعدَ وفاةِ أخيه، فإنَّه الذي صلى عليه، وقد حَصَل الغَرَضُ بهذا، إذ هو ممن تُوفي بعدَ القدماء من أصحابِ الشافعي. ومنهم السيدُ أبو الحسن عليُّ بن أحمدَ بنِ محمد بن عمر العلوي الحسني الزَّيْدِي. كانَ مِن العلماء المصنِّفِينَ، وكان رأساً في الزَّهَادَةِ والصلاح، حمل عنه شيوخُه وأقرانُه تبركاً به، توفي سَنةَ خمسٍ وسبعين -أظنُّه- وثلاث مئة (٣). ومنهم أبو القاسم عليُّ بنُ المظفر، كان مِنْ أوعيةِ العلمِ، إماماً في الفقه، والأصول، واللغة، والنحو، والمناظرة، حسنَ الخَلْقِ، والخُلُق،

стр. 535

فصيحاً جَواداً، كثيرَ المحاسن. قال الاسْنَوِيُّ: كان قُطباً في الاجتهاد، وتوفي سنة اثنتين وثمانين (١) وأربع مئة. ومنهم السَّيِّدُ الكبيرُ شمسُ الدين محمدُ بنُ الحسين بنِ محمدٍ العلوِيُّ الحسيني. كان إماماً، فقيهاً، محدثاً، أصولياً، نظاراً، توفي سنةَ خمسين وست مئة (٢). ومنهم السيِّدُ العلامة عُمَر بن إبراهيم العلوي الزَّيْدِي الكوفي الشيعيُّ المعتزليُّ، هكذا نسبَه إلى التشيع والاعتزال الذهبي في " الميزان "، وقال: وُلدَ سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة، وتوفي سنةَ تسعٍ وثلاثين وخمس مئة عن سبع وثمانين سنة. أجاز له محمد بن علي بن عبد الرحمان العلوي، وسمع أبا القاسم بن المِسْوَرِ الجُهني، وأبا بكر الخطيب، وجماعة، وسكن الشامَ في شبيبَتِهِ مدةً، وبرع في العربيةِ، والفضائل، وكان مشاركاً في علومٍ، وهو فقيرٌ متقنِّع خيِّرٌ دين [على بدعته]، وهو مفتي الكوفة، كان يقول: أفتي بمذهب أبي حنيفة ظاهراً، وبمذهبِ زيد تديُّناً. روى عنه: ابنُ السمعاني، وابنُ عساكر، وأبو موسى المديني،

стр. 536

ذكر ذلك كُلَّه الذهبيُّ (١). قلتُ: وهو الذي روى عنه حُفَّاظُ الإسلامِ في عصرهم. ومنهم أبو السَّعَادَاتِ هِبةُ الله عليُّ بنُ محمد بن حمزة العلوي الحسني (٢) المعروف بابنِ الشَّجري البغدادي. قال الذهبي في كتاب " المشتبه " (٣): نحويُّ العِرَاق. وقال ابنُ خَلِّكَانَ في حرف الهاءِ في " تاريخه " (٤): كان كامِلَ الفضائِل، متضلِّعاً من الآداب، صنَّف عدةَ تصانيف منها كتاب " الأمالي " (٥) وهو أكبرُ تواليفه، وأكثرُها إفادةً، أملاه في أربعة وثمانين مجلساً، وهو مِن الكُتُُُبِ الممتعة، ولما فَرَغَ من إملائه حضر إليه أبو محمد عبدُ الله بن أحمد بن راجح بن أحمد المعروف بابنِ الخشَّاب، والتمسَ منه سماعَه، فلم يُجِبْهُ، فعاداه، وردَّ عليه في مواضِعَ مِن الكتاب، فوقَفَ عليه، فردَّ عليه في رده، وبَيَّنَ وجوهَ غَلَطِه، وجمعه كتاباً سماه " الانتصار "، وهو مع صِغَر حجمه مفيدٌ جدّاً، وسمعه عليه الناسُ، وجمع أيضاًً كتاباً سماه " الحماسة " (٦) ضاهى به حماسةَ أبي تمام الطائي، وهو كتابٌ مليح غريبٌ أحْسَنَ فيه، وله في النحوِ عِدَّةُ تصانيف.

стр. 537

ولما قَدِمَ الزمَخْشَرِيُّ بغدادَ حاجّاً قَصَدَهُ للزيارة، فلما اجتمع به، أنشد أبو السعادات قولَ المتنبي: وأسْتَكْبِرُ الأخْبَارَ قَبْلَ لِقَائِهِ ... فَلمّا الْتَقَيْنَا صَغَّرَ الخَبَرَ الخُبْرُ (١) فقال الزمَخْشَريُّ: رُوي عنِ النبي ﷺ أنَّه لما قَدِمَ عليه زيدُ الخيل، قال له: يا زيدُ ما وُصِفَ لي أحدٌ في الجاهلية فرأيتُه في الإسلام إلا رأيتُه دونَ ما وُصِفَ لي غيرك (٢). انتهي بألفاظ ابن خلكان. توفي سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة عن اثنتين وتسعين سنة. ومنهم السَّيِّدُ العلامةُ برهانُ الدين عُبيد الله الحسيني (٣) المعروف بالعِبْرِي، كان أحدَ الأعلام في عِلْمِ الكلامِ والمعقولاتِ، ذا حظٍّ وافِرٍ من باقي العلوم، وله التصانيف المشهورة، منها كتابُ " شرح المنهاج "، وكتابُ " المصباح "، وكتابُ " الطوالع "، وَكُتُبُه الغايةُ القصوى في الفقه. توفي ثالث عشر رجب سنةَ ثلاث وأربعين وسبع مئة، وخلَّف ولداً فصيحاً فاضلاً في العُلُوم العقليةِ.

стр. 538

ومنهم السيِّدُ العالم أبو القاسم منصورُ بنُ محمد العلوي الفقيه، تُوفِّيَ سنةَ أربعٍ وأربعينَ وأربعِ مئة. ومنهم العَلاَّمة المُحَدِّث المرتضى محمَّدُ بن محمد بن الإمام زيدِ بن علي، ﵉ صاحبُ التصانيف النافعة، توفي سنةَ ثمانين وأربع مئة (١). والسَّيِّد النسيبُ العلامةُ المحدِّث المصنِّفُ، توفي سنة ثمان وخمس مئة (٢). والسيِّدُ الإمامُ العلامةُ شيخُ الشيعة محي الدين بن عدنان الحُسَيْني، توفي بعدَ سبع المئة. ومنهم جماعةٌ وافِرة، أئمة دُعاة، وسادةٌ علماء ممن سكن الغربَ لا يُعرفونَ، ذكرهم ابن حَزْم في كتابه " جَمْهَرَة النّسب ". ومنهم جماعة علماء، ورواة ذكرهم المِزِّيُّ في " تهذيبه "، وغيرُه ممن جَمَع رجالَ الكُتُبِ الستة: البخاري، ومسلم، والأربعة. ولنذكر جماعة ممن ذكر ابنُ حزم في " جمهرته " فنقول: قال ابنُ حَزْم في ذكر عيونِ أولادِ الحسنِ بنِ علي ﵈.

стр. 539

منهم الحسنُ بنُ زيدِ (١) بنِ الحسن بنِ علي ﵇ أمير المدينة للمنصور، ولدُه ثمانية، منهم إبراهيمُ، ولإبراهيم هذا محمدٌ، ومِنْ وَلَدِ محمد هذا حفيدُه محمدُ بنُ الحسن بنِ محمدٍ القائم بالمدينة، والنقيبُ محمدُ بنُ الحسن الملقب بالدَّاعي الصغير القائم بالري، وطَبَرِسْتَان، وكان بينه وبين الأُطْرُوشِ الحسيني (٢) حروبٌ، والحسنُ ومحمدٌ ابنا زيدٍ الداعيانِ، وعقب محمد منهما إسماعيل بن المهدي بن زيد بنِ محمد المذكور، وعمُّهُما أحمد بن محمد القائم بالحجاز، المحاربُ لبني جعفر بن أبي طالب، ومِن وَلَدِ الحسنِ بنِ زيد: أميركا، وكباكي ابنا طاهر بن أحمد بنِ محمد بن جعفر الشَّجَوي (٣)، وابن أخيه سراهيك (٤) بنُ أحمد بن الحسن بن محمد بن جعفر تَسَمَّوْا بأسماءِ الدَّيْلَمِ لمداخلتهم. ومحمدُ بنُ علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن قام بخُراسان فقتل أيامَ المهدي، ومحمدُ بنُ سليمان بنِ داود بنِ الحسن بن الحسن بنِ علي ﵇ القائم بالمدينة [وله عقب] (٥) عظيم جدّاً يتجاوزُ المئتين، ولهم بالحجاز ثورة (٦) وجموع، ومحمدُ بنُ إِبراهيم أخو القاسم قامَ مَعَ أبي السَّرايا، وللقاسِم أولادٌ منهم النقيبانِ أحمدُ، وإبراهيمُ ابنا محمدٍ النقيب بن إسماعيل بن القاسم.

стр. 540

ومنهم القائمون بصَعْدَة، منهم جعفر الملقب بالرشيد، والحسن المنتخب، والقاسم المختار، ومحمد المهتدي بنو أحمد الناصر، ولهم أخٌ يُسَمَّى عبدَ الله، لكن أُمَّه أمُّ ولد وهو اليماني القائم بماردة المقتول يومَ البركة بالزهراء سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ولهم إخوة منهم سليمانُ، ويحيى، وإبراهيمُ، وهارونُ، وداودُ الساكن بمصر، وحمزة، وعبد الله، وأبو الغَطَمس (١)، وأبو الجحَّاف، وطارق بنو أحمد الناصر، ولداودَ منهم الساكِنِ بمصر ابنُ يُسَمَّى هاشماً. ومنهم الشاعر الأصبَهَاني محمد بنُ أحمدَ بنِ محمد بن إبراهيم بن طَبَاطَبَا، ولهذا الشاعِرِ ابنانِ عليٌّ والحَسَنُ، ومن أولاد الحسن بن جعفر بن الحسن جماعة عجم بناحية متيجة (٢) وسوق حمزة، ومنهم زهيرٌ، وعليٌّ ابنا محمدِ بنِ جعفر، كانت لهما أعمالٌ بالغربِ في جهة سُوقِ حمزة. وأولاد عبد الله بن الحسن محمد القائم بالمدينة، وإبراهيم القائم بالبصرة، ويحيى القائم بالدَّيْلَمِ، وإدريسُ الأصغرُ القائمُ بالغرب، وسليمانُ وموسى، وعقب هؤلاء الثلاثة كثيرٌ جدّاً. وَلمُحمد بنِ عبدِ اللهِ -ويلقب الأرْقَطَ- عبدَ اللهِ الأشتر قُتِلَ بَكابُل، وله ولدٌ يُسَمَّى محمداً، والعقبُ فيه، وللأشترِ عَقِبٌ ببغداد وغيرها يُعْرَفُون ببني الأشتر.

стр. 541

ومحمدُ بنُ إبراهيم بنِ موسى بنِ عبد الله بنِ الحسن صاحبُ اليمامة القائم بها، وهم باليمامة ودارُ ملكهم بها، وهم بها قائمٌ بَعْدَ قائمٍ، وعبدُ الرحمان بنُ الفاتك عبدِ الله بنِ داود بنِ سُليمانَ بنِ عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن له اثنان وعشرون ذكراً بالغون سكنوا كلُُّهُم أذَنَةَ (١) إِلا ثلاثة منهم سكنوا أمَجَ بقرب مكة (٢). ومنهم جعفرُ بنُ محمدٍ غَلَب على مكةَ أيامَ الإخْشِيدِيَةِ وولدُه إِلى اليومِ ولاةُ مكة، وهو ابنُ محمدِ بنِ الحسن بنِ محمد بنِ موسى بنِ عبد الله بنِ موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليه (٣) السلام، ولسليمانَ بنِ عبد الله بن الحسن وَلَدٌ -وهو محمد القائمُ بالمغرب- وله عَقِبٌ، منهم أبو العيش عيسى بن إدريس صاحب جُراوة (٤)، وابنُه الحسن سكن قُرْطُبَةَ، وإدريسُ بنُ إبراهيم صاحبُ

стр. 542

آرسقُول (١)، وكان منقطعاً إلى الناصِرِ صاحِبِ الأندلس، وأحمدُ بنُ عيسى صاحبُ سوق إبراهيم، والحَكَم، وعبدُ الرحمان ابنا عليِّ بنِ يحيى سكنا قُرطبة، وأعقبا بها، وأولادُ يحيى بنِ محمد بن إبراهيم كُلّهم، وكان سليمانُ منهم رئيساً في تلك الناحيةِ. ومنهم القاسمُ بن محمد صاحب تِلِمْسَان. ومنهم بطُوس بنُ حنابش (٢) بنِ الحسنِ بنِ محمد بن سليمان وهم بالمغرب كثيرٌ جداً، وكانت لهم بها ممالك عده. ومنهم جُنُون (٣) أحمد، ومحمد ابنا أبي العيش عيسى بن جُنُّون كانا ملكين بالمغرب، وإبراهيم لقبه أبو غبرة، كان [أيضاًً] ملكاً بالمغرب وكان لجنون منهم عشرون ذكراً، منهم القاسم الأصغر جُنُّون بن جُنُّون القائم بالمغرب، وأخوه علي الأصغر القائم بعده، ومحمدُ بنُ جُنُّون القائم على أبيه بالبصرة. ومنهم الحسنُ بنُ محمد بنِ القاسِمِ الحجَّام سُمِّي بذلك لكثرة سفكهِ للدِّماء، ومِن ولدِه القاسمُ بنُ محمد بن الحسن الفقيه الشافعي بالقيروان المعروف بابن بنت الزبدي (٤). ومنهم إبراهيمُ بنُ القاسم صاحبُ البَصْرَةِ، كان عُمَرُ بنُ حفصون يَخْطُبُ له.

стр. 543

ومنهم المسمَّى بالمأمون، وعلي المسمَّى بالناصر تسمَّيا بالخِلافة بالأندلس، ومحمدُ بنُ القاسم صاحبُ الجزيرة (١) تسمَّى بالخلافة، وولي الجزيرة بعدَه ابنُه (٢) القاسم، ولم يَتَسمَّ بالخلافةِ، وكان حصوراً لا يَقْرَبُ النساءَ، وأخوه الحسن تَنَسَّكَ، وَلَبِسَ الصوفَ، وحج، وولد الناصر يحيى وإدريس تسمَّيا بالخِلافة بالأندلس، ومحمدُ بنُ إدريس خليفة تسمَّى بالمهدي، وحاربَ ابنَ عمه إِدريسَ بنَ يحيى، وكلاهما تَسَمَّى بالخِلافة، وكان بَدْءُ أمرهم سنةَ أربع مئة، وبقي أمرُهم ثمانيةً وأربعين، ومنهم صاحبُ تَامْدُلْتَ (٣)، وصاحبُ صنهاجة الرِّمال، وصاحبُ مِكْنَاسَةَ. ومِن أولادِ الحُسين ﵇ عبدُ الله بن علي بن الحسين الأرْقَط، له ولدانِ: إسحاقُ، ومحمدٌ، لهما عَقِبٌ كثير، منهم الكَوْكَبِيُّ اسمُه الحسين، وأحمد بنُ محمد بن إسماعيل كان مِن قُوَّاد الحسن بن زيد بِطَبَرِسْتَان، ومن أولادِ عمر بنِ علي بنِ الحسين محمدُ بنُ القاسم بن علي بنِ عمر، وكان فاضلاً في دينه يميلُ إلى الاعتزال، قام بالطَّالَقَانِ (٤)، فلما رأى الأمرَ لا يَتِمُّ له إلا بسفك الدماء، هَرَبَ، واستتر إلى أن مات. ومنهم زيدٌ، وجعفر، ومحمدُ بنو الحسن الأطروش الذي أسلمَ الدَّيْلَمُ على يديه، وهو ابنُ علي بنِ الحسن بنِ علي بن عمر (٥)، وكان

стр. 544

للحسن الأُطروش من الإِخوة جعفرٌ، ومحمدٌ، وأحمدُ المكنى بأبي هاشم وهو المعروفُ بالصوفي، والحسينُ المحدث يروي عنه ابنُ الأحمر وغيرُه، وكان هذا الأُطروش فاضلاً، حسنَ المذهب، عدلاً في أحكامه، وكان الحسن بنُ محمد بنِ علي -وهو ابن أخي الأُطروش- قد قام بطبَرِستَان، وقتله جيوش بها سنةَ ستَّ عشرةَ وثلاث مئة. أولادُ الحسين بن علي بن الحسين ستة كُلُّهم أعقب عَقِبَاً عظيماً، منهم عبدُ الله يعرف بالعَقِيْقِيِّ، ومِنْ ولده الذي قتلهُ الحسنُ بنُ زيد صاحب طَبَرِستَانَ، ومنهم جعفرُ بن عُبيد الله بن الحسين بن علي بن علي بن الحسين كانت له شِيعةٌ يُسَمُّونَه حُجَّةَ الله. ومنهم حمزةُ بنُ الحسن مَلَكَ هان (١) في المغرب، وملك قطيعاً مِن صنهاجة، وإليه يُنسب سوقُ حمزة وَوَلَدُه بها كثيرٌ، وكذلك ولد إخوته في تلك الجهة، وكان عمُّه الحسينُ بنُ سليمان مِن قواد الحسنِ بنِ زيد، وهو الذي غزا له الرَّيَّ، وكان شاعراً. ومنهم المحدثُ المشهور بمصر، وهو ميمونُ بنُ حمزة بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن حمزة. ومنهم المُلَقَّبُ بمسلم أبو مسلم الذي كان يُرِيدُ مصر أيامَ كافور، واسمُهُ محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث، وابنُ عمه طاهر ابن الحسين الدي مدحه المتنبي بقوله: أعيدُوا صَبَاحِي فَهْوَ عِنْدَ الكَوَاعِبِ (٢).

стр. 545

وأبو مسلم هذا قام بالشَّام بعدَ كافور، وتسمَّى بالمهدي، واستنصر بالقرامِطَةِ، والحسنُ بنُ محمد بن يحيى المحدث المذكور تجاوز تسعينَ، وكان بالكوفة حُمِلَ عنه العِلْمُ. ومنهم محمدُ بن عبيد الله [كان له قدر] بالكوفة ومَنْزِلَةٌ بالدَّيالِمَةِ (١) يُعارض بها منزلةَ بني عمر العلويينَ بالكُوفة، وهو الذي مدحه المُتَنَبّي بقوله: أهْلاً بِدَارٍ سَبَاك أغْيَدُهَا (٢) ومنهم عليُّ بن إبراهيم كان مِن العُبَّادِ بالكوفة حُمِلَ عنه العِلْمُ، كان عالماً بالنسب. انتهي المختارُ نقلُه من بني الحسن والحسين ولله الحمد (٣). وغيرُ هؤلاء ممن لا يأتي عليه العَدُّ مِن سادات العِترَة الطاهرةِ ممن كان في مرتبة الإمامة في علم الحديثِ وغيرِه من علومِ الاجتهاد، ولو حضرني كتابُ مِن كُتُبِ الرجال وقت كتابة هذا الجواب (٤)، لاستكثرتُ من ذِكرهم، فمن استكثر منه، فقد استكثرَ مِن طيِّب، وإنما رغبتُ إلى ذكرهم لجهلِ كثيرٍ من الناسِ لهم، واعتقادِهم أنَّه ليس في أهل البيت عليهم

стр. 546

السلامُ أحدٌ مِن أهلِ العلمِ إلا هؤلاءِ الأئمة المشاهير في اليمن والحجاز، والجبل، والكوفة ﵈. فلقد قلَّلُوا كثيراً، وجَهِلُوا كبيراً، وأهلُ البيت ﵈ في جميع أقطارِ الإِسلام، وإمصارِه، وأعصارِه، هُمْ سُفُنُ العلم وبحورُه، وشموسُ الهدى وبدورُه، وكلامُ بعضِ أصحاب الشافعيِّ إِذا اقتضى تجهيلَ هؤلاء السادةِ، والدعاة الأئمة من العِترة الطاهرة، وأضعافهم ممن لم يُذكر وأكثر منهم مِن الأئمة السابقين ضربنا به وَجْهَ قائِلِه، وقلنا كما قال أبو الطيب: وَهَبْك تَقُولُ هذا الصُّبْحُ لَيْلٌ ... أيَعْمَى العَالِمونَ عَنِ الضِّيَاءِ (١) وما أقربَ هذا القولَ من قول من زعم أنَّ أهلَ البيتِ ﵈ قد ماتوا، ولم يبقَ منهم أحدٌ، بل هذا القولُ أقبحُ، لأنَّ ذلك نَسَب إليهم الموت الذي يجوز على الملائكةِ والأنبياء، والعلماءِ، وهو خروجُ الأرواح من الأبدانِ الذي لا نقصَ فيه على أحد، ولا غضاضةَ فيه على مخلوق، وهذا نسب إليهم الموت الذي هو موْتُ المعارفِ دونَ الأبدان، وعمى البصائر دونَ الأبصار، وكفي شاهداً على أنَّ موتَ الجهلِ أقبحُ من موت الأبدانِ، وعمى البصائر أقبحُ مِن عمى الأبصارِ، قولُ الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فكيف تجاسر السيدُ -أيَّدَهُ الله- على نسبة الجهلِ إِلى جميع العِترة الطاهرة، ونجوم العلم الزاهرة؟. واحتجَّ على ذلِكَ بما لَعلَّهُ لا يَصِحُّ عن بعضِ

стр. 547

أصحاب الشافعيِّ، وقد أجمع أئمة العِترة ﵈ وشيعتُهم على أنه لا يجوز خُلُوُّ عصرٍ من الأعصارِ إلى يومِ القيامة من عالمٍ مجتهدٍ مِن أهل البيت ﵈، فكيف يسوغُ القولُ بخلوِّ هذه الأعصارِ كُلِّها عن ذلك، من رأسِ مئتي سنةٍ إلى هذه الساعة، بل إلى قيامِ الساعة، وما المُوجِبُ لهذا القولِ؟ وما المُلْجِىء إلى هذا الاختيار؟ كل هذا حتى لا يُسَلَّمَ لمحمدِ بنِ إبراهيم أنَّه قد عرف أدِلَّةَ التأمينِ، وإمساك الشمالِ باليمين، وكأنَّ توجيه التجهيل إلى محمد بن إبراهيم بالنصِّ دونَ التلويح أقل ذنباً وأحمدُ عُقبى من نسبة الجهلِ إلى جميع ذوي القربى. المعرفة الثانية: في ذكر بعض مَنْ كان بعدَ المتقدمين من أصحابِ الشافعي من العلماء الجِلّة، وكان أئمةُ الملة من غير أهلِ البيت ﵈ مثل عبدِ الملك بن حبيب، وقتيبة، وسُحنونَ، وأبي ثور، وأحمدَ، وإسحاق، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والزعْفَراني، ومسلمِ بنِ الحجاج القُشيْرِيِّ، وداودَ بنِ علي الفقيه، وبقيِّ بن مَخْلَدٍ الكبير العلامة صاحب المسند، والتفسيرِ اللذَيْنِ لم يُصَنَّفْ مثلُهما، وأبي قِلابَةَ، والتِّرْمذيِّ، وأبي القاسم عثمانَ بن سعد بن سيّار (١) الفقيه، ومن لا يُحصى مِن أهل هذه الطبقة، وبعدَهم في الطبقة الثانية خلائق أيضاً لا يأتي عليهم العَدُّ بذكر اليسير مِن عيونهم على جهة التمثيل دون التفصيل مثل الشيخ أبي علي الجُبائي شيخ الاعتزال، وابن سُرَيْج، وابن سفيان (٢) الفقيه، ومحمدِ بن جريرٍ الطبَرِيّ العلامة، وإمامِ الأئمة ابنِ خُزَيْمة، وإمامِ الحنفية الطحاوي، وإمامِ الكلام أبي هاشم بن أبي علي، والفقيه

стр. 548

أبي إسحاق المرْوَزِي، والعلامة قاسم بن أصبغ، وشيخ الحنفية أبي الحسن الكَرْخي، وأبي علي بنِ أبي هُريرهَ الفقيه، وأبي بكر عبد العزيز الفقيه، وأبي الحسن محمد بن علي الماسَرْجِسي الفقيه، والحافظِ الدارقطني، والعلامة أبي سليمان الخطابي، وعلي بن عمر بن القَصار المالِكي. ثم بعدَ أربع المئة أبو بكر محمد بن موسى الخُوارزْمي شيخ الحنفية، وأبو حامد شيخ الحنابلة، وأبو علي الدقاقُ، وعبدُ الغني الحافظ، والعلامة قاضي القضاة عبدُ الجبار، والعلامةُ شيخُ الاعتزال أبو الحسين البَصري، وأبو محمد علي بنُ أحمد الفارسي المعروف بابن حَزْم، والحافظ البيهقي، وأبو القاسم بن فُوران (١) الفقيه، والحافظ أبو بكر الخطيب، وأبو نصر بن الصَّباغ، وأبو علي بن الوليد المغربي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيلَ، وأبو بكر محمد بن علي الشاشي الفقيه، وشيخ الإسلام أبو الحسن الهَكَّاري، والحافظُ الكبير الحُمَيْدي، ونصرٌ الفقيه، ومَنْ لا يأتي عليه العدُّ مِن أهل هذه الطبقة. ثم بعد خمس المئة العلامةُ البحر شيخُ الحنابلة أولاً، ثم شيخُ الاعتزال (٢) آخراً ابنُ عَقيلٍ المعتزلي صاحب كتاب " الفنون " الذي يأتي في

стр. 549

أزيدَ من أربع مئة مجلد كبار، ومحيي السنة البغَوِي، والعلامةُ الزمَخشري، والعلامةُ عِياضُ اليَحْصُبي القاضي المالكي، وأبو بكر بن العربي، وأبو سعد محمد بن يحيى الفقيه، وطبقتهم. ثم بعدَ الخمسين وخمسِ المئة العلامة ابنُ ناصر (١)، وأبو الحسنُ الفقيه العلامة، وأبو سعد السمعانِي، والحافظُ الكبير ابنُ عساكر، والحافظُ السلَفي، والفقيهُ يونسُ بنُ محمد، والحافظ أبو موسى المدِيني، والحافظُ النقَاد أبو بكر الحازمي، والعلامةُ ابنُ الجوْزي، وطبقتهُم. ثم بعدَ ست المئةِ الحافظ عبد الغني، والعلامةُ عبد الحق (٢)، وعالم الشام ابنُ الصَّلاح. ثم بعدَ خمسينَ وست المئة العلامةُ ابن تَيمية (٣)، وأبو بكر ابنُ سيد الناس (٤)، وابنُ عبد السلام، والعلامة النواوِيْ، والمحبُّ الطبَريْ وطبقتُهم.

стр. 550

ثم بعدَ سبع المئة الشيْخُ العلامة أبو الفتح محمدُ بن علي بن وهب القُشيري إمامُ المعقول والمنقول، وشمسُ الدين السُروجي عالم الحنفية، وأبو الوليد (١) إمام المالكية، وشيخ الحِلَّة العلامةُ الكبيرُ جمال الدين حسنُ ابن المطهر (٢) المعتزِلي، وشيخُ الشافعية برهان الدين ابن التاج (٣)، وشيخا الحنابلة مجدُ الدين (٤)، وتقي الدين (٥)، وشيخ بلد الخليل البرهان الجعبْري المقرىء (٦)، وقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الكناني (٧)، والعلامةُ الحافظُ ابن سيدِ الناس، والعلامةُ زينُ الدين عمر الكتاني (٨)

стр. 551

وطبقتهم. وبعدَ هؤلاءِ على رأسِ ثماني مئة سنة شيخُ الإسلام البلقيني، والعلامة سِراج الدين ابنُ النحوي الأنصاري، وحافظُ العصرِ زينُ الدينِ العراقي العلامة، وطبقتُهم. فهؤلاءِ وأضعافُهم مِن أهل هذه الطبقاتِ، ومنْ هو أَجَلُّ منهم ممن لم نذْكُرْهُ مِن الأئمة والسادات كُلُّهُمَ قد غَمَصهُمْ السَيدُ -أيدَهُ اللهُ- تصديقاً لبعض الشافعية، وحرصاً على توعير المسالك العلمية. والعجبُ أنَّ السَّيِّدَ منع الاجتهاد بعدَ مئتي سنةٍ من الهِجرة، وإنما تمهدَت قواعد الاجتهاد، واشتهر التحقيقُ والانتقادُ بعدَ هذا التاريخ، فإنها تمكنتْ بعدَ ذلك مملكة الإسلام، ونشأ فيها العلماءُ الأعلام حتى كان المجلسُ الواحدُ بعدَ خمسين ومئتين من الهجرة يَجتَمِع فيه قدرُ مئتي إمام قد بَرَزوا، وتأهلُوا للفُتيا، هكذا نقلَه أهلُ المعرفة بعلم الرِّجال والدِّرية في التاريخ، ولقد صنَّفَ الحافظُ المِزِّي كتابه " تهذيب الكمال " في مئتي جزء، وخمسين جزءاً (١)، وصنَّفَ الفَلَكِيُّ (٢) في هذا العلم ألف جزءٍ، وصنف غير واحد من الحفاظ ما لا يأتي عليه العَد من المصنفاتِ البسيطةِ والمختصرة في نقدِ الرجال، والتعريفِ بأحوالهم، وتفاوتهم في مراتب العلم، والفضل، لئلا يلتبِسَ الفاضلُ بالمفضول، ويختلِطَ الخبيثُ

стр. 552

بالطيب، والذُّنابى بالقَوادمِ، والأئمة بالعامة. فمن طالع كُتُبَ الانتقاد، وَأنِسَ بعلم الرجالِ، عَلِمَ أن الله تعالى لم يُخْلِ العبادَ والبلاد من حُجَةٍ لله تعالى من العِترة الطاهرةِ، وأشياعِهم نجوم العلم الزاهرة، وسائر العلماء الأعلام في جميع مملكة الإسلام. الوجه الثاني: مِن الجواب على توعير السيد -أيَّدهُ الله- لمسالك العلم بقول بعض أصحاب الشافعي أن نقول: إما أن يكونَ الذي حمل هؤلاء على هذا القول هو أنَّهم نظروا إلى ما اختُص به الإمامُ الشافعي من التبحُّر في الفقه، والتضلُّع في العلم، وسائر ما وهب الله له مِن الكثيرِ الطيب من المناقبِ العزيزةِ، والمعارف الغزيرة، وهذا مُسلَّم لهم، فإنَّ الشافعي ﵀ إمامُ الإسلام بلا مُدافعةٍ، وَحَبْر الأمة بلا منازعةٍ، لكنهم لما رأوْا كثيراً ممن بعدَه مِن الفقهاء، أو ظنُوا أن جميعُ منْ بعده من العلماء لا يلحقون بشأوه في سَعَة العلم، وحُسن الفهم، قضَوْا بتعذُّرِ الاجتهاد بعده ظناً منهم أن من لم يَكُنْ مثلَه ﵀، فليس بمجتهد، فهذا غلطٌ عظيم، ووَهْمٌ فاحش، فإنه لا يلزمُ -إذا فضل اللهُ الشافعي على كثير من خلقه، وأعطاه من العلم أكثر من القدر الواجب في حقِّ المجتهد- أن يُحَرم الاجتهادُ على العلماء من بعده، ألا ترى أنا نقول: إنَّ عليّاً ﵇ أعلمُ الأمة على الإِطلاق، ولم يلزم أنَّه لا مجتهدَ بعده. وتلخيصُ هذا الوجه: أن للعلم شروطاً محصورةً، ورسوماً معروفة، من جمعها كان عالماً، ومن حازها، صار مجتهداً، وإن كان علي ﵇، والهادي ﵇، والقاسم أعلم منه، والشافعي، ومالكٌ، وأبو حنيفه أفقه منه. وإنما يَصحُّ كلامُهم لو قد ورد نص شرعي، أو إجماعٌ قطعي أن شرط الاجتهاد أن يكونَ المجتهدُ مثل

стр. 553

الشافعي في علمه وفِطنته، ونظيرَه في مهارته، وبراعته، وهذا ما لا يقولُ به منصِفٌ، ولا يَرْتَضي عاقلٌ أن يُنْسَبَ إِليه، وقد أجاد من قال في هذا المعنى: كُنْ عَيْنَ عَصْرِكَ أَو كُنْ مِنْ عُيُونِهُم ... وَعَدِّ عَنْ زَمَنٍ بالأمْسِ مَطْمُوسِ وَمَا عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تَرْقَ مَرْتَبتَيْ ... أَبي حنيفة والحبر ابنِ إدرِيْس وأما إن قالوا: إن ذلك متعذِّر لمثل ما قاله السَّيِّد مِن تهويل شأنِ الاجتهاد، والاستنكارِ لحصوله، والاستبعادِ، فإنا نقول لهم: بَيَنُوا لنا هذا الأمرَ العظيمَ الذي تعذَّرَ بعدَ الشافعي على جميع أمةِ الرسول ﵇ مِن جميع طوائف الإسلام من العلماءِ الأعلام، وشُعَلِ الذكاءِ المتَّقدة، وَنُقَّادِ النظار مِن كل فِرقة في مقدارِ ستة قرون، وهل شرائط الاجتهادِ بعدَ صِحة الإسلام إلاّ قراءة ثلاثةِ فنون: اللغة العربية لفظاً وإعراباً ومعانيَ، والأصولِ، والحديثِ، وجمعُ قدرِ مئتي آية، ومسائلِ الإجماع في كُرّاس أو اثنتين، فإن عَرَضَتْ مسألةٌ دقيقة، وحادثةٌ عويصة راجع المجتهدُ فيها المبرِّزينَ من العلماء، والكُتُبَ الحافِلة من المصنَّفات، كما لم يَزَلْ أهل العلم يفعلون، فإن عَرَفَها، وإلا توقَّفَ فيها كما توقَّف خلق من العلماء (١) في كثيرٍ من المسائل، ولا بُد مِن قراءةِ كتابٍ حافل في كُلِّ فَنٍ من هذه الفنونِ قراءةَ بحثٍ وإتقانٍ، وأصعبُها علمُ العربية، وقد تقدَّمَ بيانُ المحتاج إليه منه، والاستدلالُ على ذلك، وبقيةُ الفنون بعدَه في غاية السُّهُولَةِ على أهل الفِطنة والرغبة، وما أعلم أنَّ أحداً مِن جماهير العلماء نصَّ على أكثر من هذا في شرائط الاجتهاد، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، ولا مِن المُيَسيرينَ، ولا مِن المعسِّرينَ. وهذه مصنفاتُ

стр. 554

العلماء موجودةٌ بِحَمْدِ اللهِ، من ادَّعى أنهم نصُوا على أكثرَ من هذا، فليُوقِفْنَا عليه، وأما ما يُطوِّلُونَ بذكره من معرفةِ الناسخِ والمنسوخ، والعمومِ والخصوصِ، ونحو ذلك، فذلك كُلُّه داخلٌ فيما ذكرتُه مِن قراءة تلك الكتب. الوجه الثالث: إذا ادَّعى جماعةٌ من أصحابِ الشافعي جهلَ الأمَّة والعِترة، فقد ادَّعى العلمَ غيرُهم من أئمة العِترة وعلماء الأمة، فتعارضَ كلامُهم، فنظرنا في الترجيح، فوجدنا تصديقَ أئمةِ العِترة، وعلماء الأمة أرجحَ لوجهين: الأول: أن هؤلاء الأئمة ادَّعوا العلمَ، وقولُ العدل المرضي: إنه مجتهدٌ مقبول إجماعاً، وهو أحدُ الطرق إلى معرفة اجتهادِ العالم. وأما دعوى بعضِ الناسِ لجهل العلماء مع إنكارِ العلماء لذلك، فلا يُقْبَلُ إِجماعاً، لأنَّه ليس لنا أن نُصدِّق من ادعى على مسلم ما يُدخِل عليه النقص مِن غير بينة ولا حجة، وذلك المسلم منكرٌ لتلك الدعوى، سواء كان المدعي عدلاً أو مجروحاً، معروفاً أو مجهولاً، وهذا إجماع. الثاني: أن بعضَ أصحاب الشافعي نَفَوْا الاجتهاد، وأئمة العِترة وعلماء الأمة أثْبَتُوه، والمثبت أولى من النافي، وهذا واضح على أن في أصحابِ الشافعي ﵏ من ردَّ على هؤلاء المتشددين مثل الإمام يحيى بن أبي الخير العمْراني (١)، فإنَّه حكى ما قالُوا، وردَّ ذلك بسهولة العلم بعدَ تدوينه في الكتب. الوجه الرابع: الدليلُ قائم على غَلَطِ منْ قال بذلك ووهمه ، والسيدُ أيده الله لا يزالُ يُقرىء أنَّه لا يجوز خُلُوُّ الزمان مِن مجتهد يَصْلُح للإمامة،

стр. 555

فكيف يُصدِّقُ بعضَ أصحاب الشافعي، وهُو لا يزالُ يُقرِىء (١) ما يقتضي بطلانَ قولهم عنده، أيدَه اللهُ. الوجه الخامس: قد ثَبَث أنَّ الأمةَ معصومةٌ، وأن إجماعَها حُجَّةٌ إلى يومِ القيامة، وأن المعتبر في الإجماع هُمُ العلماء، وهذه دعوى لجهلِ الأمة تَقْتَضي عدمَ العِصمة، وبطلانَ كونِ الإجماع حجة، وذلك لأنَّه لو لم يكن فيهم مجتهدٌ، وَحَدَثَتْ حادثة ليس فيها ما يَصِحُّ رجوعُهم إليه مِن دون الاجتهاد، فإما أن يُجْمِعُوا أو يختلِفُوا، وعلى كلا الطريقين يلزمُ إما اجتماعُهم على الضلالة، أو خَبْطُهم عند الاختلاف في الجهالة، وذلك لأنَّ كلامهم إما أن يكون بالجُزاف (٢) والتَّبخيت، وهذا لا يجوز، أو بالاستدلال وهو لا يجوز أيضاًً بعدَ فرضِ جهلهم - صانهم اللهُ عن ذلك. الوجه السادس: أنا نعلمُ أنَّ المدعي لجهل الأمةِ والأئمةِ متهوِّرٌ مجازِف، وذلك لأنَّه لا سبيلَ له إلى المعرفةِ بجهل الأمة والأئمة مع كثرة العلماءِ والمتعلمينَ في جميع الأوساطِ والأطرافِ من المملكة الإسلامية في الشام ومصر والغرب، والعراقَيْنِ، واليمن، والجزيرة. ومنتهي الأمرِ أنَّه طلب فلم يَجِدْ، فعَدَمُ الوِجدانِ لا يَدُلُّ على عدمِ الوجود، والعجبُ من الرَّازِي أنَّه ادَّعى ذلك مع أنَّه لا يزال يستدِلُّ بهذا الدليل. والعجبُ منه أيضاًً أنَّه قال: العلم بإجماع المتأخرين محالٌ مع فُشُوِّ

стр. 556

الإسلام، وتباعُدِ أقطاره، وكثرة أمصاره، وتفرقِ العلماء في أنجاده وأغوارِه، وادَّعى أن العلمَ بأعيانهم محالٌ، ومعرفة أقوالهم فرعٌ على معرفة أعيانهم، وفرعُ المحالِ محال، فنقول له: وكذلك معرفةُ أعيانِ الأمة أكثرُ إحالةً من معرفة أعيان علمائهم، والحكم عليهم بالجهل فرعٌ على معرفة أعيانهم، وفرعُ المحال محالٌ. الوجه السابع: أن في الحديثِ الصحيحِ أن رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الكِبْر، فقال: " هو بَطرُ الحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاس " (١) والقولُ بتجهيل أكثر الناسِ، وتكذيبهم في دعواهم للاجتهاد مِن غَمْصِ الناس، فثبت أنَّه حرام، وما ثبت أنَّه حرامٌ، بَطَلَ أن يكونَ حجة. الوجه الثامن: أن هؤلاء الذين ادعوا أن لا مجتهدَ قد أقرُّوا على أنفسهم بالجهلِ، فلا طريق لهم إلى نفيِ وجود العلماء، لأنَّه لا يَعْرِفُ العلماءَ إلاَّ مَنْ هو منهم، وكذلك لا يَعْرِفُ الفضل لأهل الفضل إلاَّ ذوو الفضلِ، والمرءُ عدوُّ ما جَهِله، فربما أنهم لجهلهم بالعلم والعلماء اعتقدوا في أهل العلم أنهم من أهل الجهل، وآفةُ التِّبْرِ ضعْفُ منتقدِه، وما أحسنَ، قولَ شيخ المعرة:

стр. 557

والنجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصَارُ رُؤْيَتَهُ ... والذنْبُ لِلطَّرْفِ لا لِلنَّجْم في الصِّغَرِ (١) وليسَ هذا الاعتقادُ بضائرٍ لعلماء الأُمَّة، فالدُّرُّ دُرٌّ برغم من جهِلَه. وبتمامِ هذا الوجه، تمَّ الكلام على المسألة الأولى، وهي الكلامُ على سُهُولَةِ ترقِّي مرتبة الاجتهاد. ثم إنَّ السَّيِّدَ أيَّده الله أردفها بالمسألة الثانية في القَدْحِ في كتب الحديثِ المشهورة. ولما أردتُ الجوابَ عليه، تأمّلْتُ كلامَه، فإذا أكثرُه مبني على الِقدح بالتأويل، ومتركّب عليه في الإجمالِ والتفصيل. فرأيتُ تقديمَ الكلام على هذه المسألة الثالثة صالحاً، وتمهيد هذه القاعدة قبل التفريع عليها راجِحاً، وذلك، لأنَّ السَّيِّد خَلّل ذِكْرَ هذه المسألة في غُضون كلامه، وهي مسألة كبيرة لا يُمكِنُ التعرض لها في ضِمنِ غيرها، ولا بُدَّ من إفرادها، والسيدُ قد أفردها في رسالته، ولكنه أخَّرها، وما يليق تأخيرها، لأنها أساسُ المسألة الثانية، والذي يليقُ في الترتيب تقديمُ الأساسِ، والقواعدِ على ما يتفرع عليها من الفوائد، فلنذكر كلامَ السيد أيَّده الله بلفظه، ثم نتبعه الجوابَ كما قدمنا. قال: المسألة الثالثة: في رواية كُفَّارِ التأويل وفسَّاقه وقد قدمنا أن قاضي القضاة روى الإجماعَ على ردِّ رواتهم، وتأول كلامَ الفقهاء. أقول: الكلام في هذه المسألة يَتِمُّ -إن شاء اللهُ تعالى- في

стр. 558

فصلين، أحدُهما: في تَتَبُّعِ كلامِ السيد، وذكر ما يَرِدُ عليه من الإشكالات، والثاني: في ذكر الأدلةِ على قَبول المتأوِّلين. أما الفصل الأول: فاعلم أنَّه يَرِدُ على كلامه إشكالات كثيرة جداً تبلُغ مئتي إشكال، أو تزيدُ على ذلك، وسوف أُبيِّنُها مقسمة على فصولِ كلامه، فمنها على هذا الفصل المقدم عشرةُ إشكالات: الإشكال الأول: أن السَّيِّد قال: قد قمنا أن قاضي القضاة روى الإجماعَ على ردَّ روايتهم، والسيد إنما قدَّم رواية قاضي القضاة (١) في حقِّ كُفَارِ التأويل فقط، وقد جعلها هنا في حق كفار التأويل وفُساقه، وهذا سَهْوٌ من السيد، إن شاء الله تعالى. الإشكال الثاني: أنَّ السَّيِّد قد أثبتَ قاعدة كبيرة، وهي أن كُلَّ من كذب متأوِلاً، فهو غيرُ مقبول قياساً على الخَطابِية كما سيأتي كلامُه في ذلك، وقاضي القضاة على أصل السَّيِّد من جملة منْ كذب متأولاً لخلافه في مسائل الإمامة، فما بالُ السَّيِّد نقض ما بناه مِن تلك القاعدة، وروى عن مَنْ يعتقِدُ أنَّه من الكذابين. الإشكال الثالث: أن السَّيِّد أيَّده الله قال في حق ابنِ الصلاح لما اعتقد أنه (٢) روى الإجماع على صحة " صحيحي " البخاري ومسلم ما لفظه: وليت شعري كيف كان هذا الإجماع (٣)؟ أكان بأن طافَ هذا السائلُ جميع البقاع، أم بأن جُمِعَ له علماء الأمة في صعيدٍ واحد؟.

стр. 559

فنقول للسيد: ليت شعري كيف كان هذا الإجماعُ الذي رواه قاضي القضاة؟ هل بأن طافَ جميعَ البقَاع، أم بأن جُمِعَ له علماءُ الأمة في صعيدٍ واحد؟ فإنَّ السَّيِّد باعتراضه هذا على ابنِ الصلاح قد لزِمَة ألا يَصحَّ إجماع إلاَّ ممن طاف جميعَ البقاع، أو جُمِعَتْ له الأمة في صعيد واحد، وفي هذا الكلام سؤال وجواب سوف يأتيانِ -إن شاء الله- عند ذكر (١) كلام ابن الصلاح. الإشكالُ الرابع: أن السَّيِّد روى هذا عن أبي الحسين عن قاضي القُضاةِ مع أنَّه قد روى عن أبي الحُسين أنَّه يقبلُ كفارَ التأويلِ وفساقه، فلا يأمن أن أبا الحسين روى هذا عن أحدٍ منهم عن قاضي القضاة، وقد ألزمنا السيد فيما احتمل مثل ذلك أن لا يرويه إِلاَّ بعدَ تبرئةٍ صحيحةٍ، فكان يلزمُ السيدَ أَن يُبَيِّنَ تبرئةَ أبي الحسين عن ذلك إن كان يعلمُها وإن لم يكن يعلمُها، لزمه أن لا يرويَ عنه. الإشكال الخامس: أنَّه قال: إنَّ الرواية عن المتأوِّلين ركونٌ إليهم، وإن الله تعالى قد قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، ثم إنَّه روى عن أبي الحسين، وقاضي القضاة مع أنَّه قد رُوِيَ عنهما أنهما يقبلان المتأوِّلين، وذلك عنده ركونٌ إلى الظالمين، واتِّباعٌ للمُفسدين، وقد توعُّد اللهُ تعالى على ذلك بالنَّارِ، ومذهبُ الزيديةِ أن كلَّ معصيةٍ توعَّد الله عليها، فإنها كبيرة، وردُّ المتأولين عند السيد قطعي لا يعذر المخالص فيه، فيلزمُك ردُّ رواية أبي الحسين، وقاضي القضاة، وتفسيقهما على مقتضى كلامِك مع البقاءِ على مذهب الزَّيْدِيّة.

стр. 560

الإِشكال السادس: أنَّ المعتزلة بأنفسهم مِن جملة الَّذيْنَ ظلموا، لخلافهم لأهل البيت في الإِمامة، واعتقادهم أن أهلَ البيت اجتمعوا على الضلالة في مسألة قطعية، وغير ذلك. ولا شكَّ أنَّ ذلك عندَ أهل البيت معصيةٌ قطعاً، محتملة للكِبر يُطلق على صاحبها اسمُ العصيان والظلم، وأنت قد قلتَ: إنَّ الله قال لنبيه (١): ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وقلت: وفيها مِنَ الوعيد ما ترى، وقد قلَّلَ الركونَ بقوله: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾، هذا لفظُك، وهو حجةٌ عليكَ لأنك رويتَ عنهم، وركنت إليهم على مقتضى كلامِك. فإن قلت: الإجماع دلَّ على قبول من لم تبلغ بدعتُه الكفْرَ، والفسْقَ، فيجبُ أن يُخَصُّوا مِن تلك العمومات؟. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّه لا طريق لك إلى معرفة الإجماعِ، لأنك قد اشترطت أن يكون راوِيه طافَ جميع البقاع، أو جُمِعَتْ له الأمةُ في صعيدٍ واحدٍ إِلَّا أن يُقصَر هذا الشرطُ على ابن الصلاح، فأنت محتاج إلى دليل على تخصيصه بذلك. الثاني: أنَّا نُعارضُك بمثل كلامك، فنقولُ في جميع المتأولين: قد ثبت الإجماعُ على قبولِهم من طُرُقٍ لا تنحصرُ سوف نذكُرُ منها عشرَ طُرُقٍ في الفصل الثاني، إن شاءَ اللهُ تعالى. فنحن أيضاً نُخْرِجُ المتأوِّلين، ونخصُّهم من تلك العمومات، فما لك والتهويل بذكرِ العمومات المخصوصة، والظواهر الظنية؟ وهلاَّ سلكت مسالِكَ العلماء في ذكر

стр. 561

الخلافِ، والدليل مِن غير تعريض بالتأثيم والتضليل. الإشكال السابع: أنك قد حَكَيْتَ عن قاضي القضاة أنَّه يقبلُ فُسَّاقَ التأويل ، ثم احتججتَ بالإجماعِ الذي رواه، فما أمنك أنَّه استند في معرفة الإجماع إلى فُسَّاقِ التأويل (١) فَقَبِلَ روايَتهم أو (٢) نظر في تواريخهم ومصنفاتهم في أخبارِ الصحابة فاعتقد (٣) ذلكِ تصديقاً لهم لا سيما وقد نصَّ القاضي على جوازِ الخبرِ بالظنِّ مع تجويز الكذب كما قدمنا في الكلام على الوِجادة. الإشكال الثامن: أنك ساويتَ بين المتعمِّدِ للمعصية والمتأوِّلِ في ردِّ حديثهما، كما قررتَ ذلك في المسألة الثانية، وللمعتزلة معاصٍ لوْ تعمَّدُوها، وتعمَّدُوا الإصرارَ عليها، قدح ذلك في عدالتهم، وأوجبَ ردَّ روايتهم، لأن مَنْ فعل الذنبَ الملتبس، وأصرَّ عليه، وامتنعَ مِن التوبة، لم يُقبل عند أهل المذهب، والسيد مقلِّد لهم، متبرئٌ من الاجتهاد، فيلزمه أن لا يقبلَ رواية المعتزلة. فإن اعتذر بالإجماع على قبولِ مَنْ لم تبلغ بدعته الكفر أو الفسق. قلنا: فدل الإجماعُ على بطلان دليلك، حيثُ ساويتَ بينَ المتعمد والمتأوِّل، والإجماع قد فرَّقَ بينهما. ثم الجوابانِ المتقدِّمان في الإشكال السادس يَرِدَانِ ها هنا. الإشكالُ التاسع: أن السَّيد قد منعَ من الرواية عن العلماء إلا بعدَ تحصيلِ إسنادٍ صحيحٍ حتى منع رواية الصحاح عن مصنفيها، فهو أيضاً

стр. 562

يحتاج في رواية هذا الإجماع إلى إسناد (١) صحيح رجاله عدول عدَّلَهُمْ عُدول، وثبت تعديلُ العدول لهم بإسناد صحيح كذلك، كما ألزمنا، فإن كان هذا حَصَلَ له، وتيسَّرَ، فلعل الذي يَسَّرَهُ له يُيَسِّرُهُ لنا في رواية الصحاح عن أهلها، وإن لم يكن تيسَّر له، فما يليقُ منه أن يرتكِبَ ما يعتقد أنَّه حرامٌ. الإشكال العاشر: أن رواية القاضي معارضَةٌ بأرجح منها ، وذلك من وجهين، أحدهما: أن جماعة من أهلِ البيت، ﵈ قد رَووا الإجماع على قبول الكُفارِ المتأولين منهم السَيدُ المؤيَّد بالله، والإمام المنصور بالله، والإمامُ المؤيدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵈، وكذلك القاضي زيدٌ، والفقيهُ عبدُ الله بنُ زيد، وسيأتي بيانُ رواياتِهم في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى. وقد قال السيد: إن روايةَ العدل المتنزه من البدع مقدمة على رواية المبتدع بالإجماع، وقاضي القضاة مبتدع عند الجميع، لمخالفته لأهل البيت ﵈ في مسائل قطعية فوجب ترجيحهم عليه، فكان يلزم السيد ذكر هذا إن كان يعرفه. وثانيهما: معارضة القاضي برواية الخلاف، فقد رواه عددٌ كثير، وجمٌّ غفير، وسوف يأتي الكلامُ على هذا في الفصل الثاني. وقد أشار السيد إلى هذا الوجه الثاني، ورجَّحَ رواية القاضي بما يأتي بيانُه، والجوابُ عليه، إن شاء الله. قال: وكذلك السَيدُ أبو طالب حكى الإجماع في كفار التأويل.

стр. 563

أقول: يَرِدُ على هذه الدعوى للإجماع من طريق أبي طالب ﵇ إشكالات: الإشكالُ الأوَّل: أن السَّيِّد قد أقرُّ في آخر كتابه في المسألهَ الثانية أنَّ الشيخَ أحمد روى عن أبي طالب قريباً من الإجماع. هكذا نصَّ السيدُ في كتابه، ثم لما وصل إلى هذا المكان جعله إجماعاً، ولا شكَّ أن بَيْنَ الشيء وبَيْن ما هو قريبٌ منه فرقاً ظاهراً، لأن الشيء غيرُ ما هو قريبٌ منه بالضرورة، فكيف استحل السيدُ أن يرويَ عن أبي طالب أنَّه روى الإجماع على الإطلاق مع إقرار السَّيِّد أنَّه ما روى إلا قريباً من الإجماع؟! وكيف لو لم يتقدم مِن كلام السيدِ ما يَشْهَد ببُطلانِ دعواه هذه، ألم يكن الواقفُ عليها يغترُّ بها، ويبني عليها حُكماً شرعياً. وليت شعري ما حدُّ مقاربة الإجماع، فهذه عبارة غريبة ما علمتُ ذكرها أحد من العلماء، ويُقوي ذلك أن السيدَ أبا طالب شَحَن كتابه " الأمالي " بالرواية عن أئمة الحديث المخالفين في الاعتقاد كالحافظِ أبي أحمد عبدِ الله بن عدي شيخِ أبي طالب روى عنه في " أماليه " مشافهةً قدرَ تسعين حديثاًً، وخرَّج فيه حديثَ أبي داود، وابنِ ماجة، وابنِ السُّني، وأحمدَ بنِ حنبل، وابنِهِ عبدِ الله بن أحمد بن حنبل، ومالكٍ، وعبدِ الرحمانِ بنِ أبي حاتِم، والحسنِ بن سفيان النَّسوي، والحارثِ بن محمد بن أبي أسامة، والأنباري وهو محمد ابن القاسم (١) كذا وجدته بخطي، قال ابن الأثير في " الجامع ": وهو

стр. 564

محمد بن سليمان (١)، فلعلَّهما اثنان فيُنظر ويحيى القطان، والحسين بن إسماعيل المحامِلي، ومحمد بن يونس الكُديمي، وأحمد بن عبد الله البَرْقي، والزهري وأمثالهم بأسانيدِهم، فلو كان يعتقِدُ اعتقادَ السيد من كفر هؤلاء الأعلامِ، والقَطعِ بتحريم الرواية عنهم، ما استكثر مِن حديثهم، وقوَّلَ رسولَ اللهِ ﷺ ما لم يَقُلْهُ لأجل روايتهم، ولعل السيدَ لا يعْرِفُ مَن هولاء، ولا ما مذهبُهم. وبالجملة فالسيدُ مُظْهِرٌ لنُصرة مذهبِ الزيدية، لأنَّه معترف بالجهل، مانع من وجود من يُمكنُهُ الاجتهاد، ولا بُدَّ لمن تعصَّب لمذهبِ قوم من معرفة مذهبهم أوَّلاً، ثم العصبية ثانياً، والسيد بدأ بالعصبية قبل إتقان المذهب، وهو إلى الإشارة عليه بالبحث عن مذهب الزيدية أحوجُ منه إلى المناظرة على مذهبهم، نسأل الله الهداية. وليت السيدَ يعرفُ رجال " أمالي " أبي طالب، و" أمالي " أحمد بن عيسى، فإنه لو عرفهم، ما لام مَن اعتمد حديث البخاري ومسلم على كُلِّ مذهب، ولكنه ... ولو وقف على أسماءِ الرُّواة في كُتُب الزيدية ربَّما جوَّزَ أنهم كُلَّهم من نُقاوة الشيعة وثقاتهم، وهذا عندَ أهلِ المعرفة كالبدوي يعتقِدُ أن الأئمة أنبياء، وأن الأنبياء ليسوا مِن البشر، ومن بلغ إلى هذا المبلغ، ثم ينتفِعْ بالحُجة، ولم ينتهِج المحجَّة، لطف اللهُ بالجميع. الإشكال الثاني: أن السيد روى هذا الإجماعَ في كتابه عن الشيخ أحمد بنِ محمد الرَّصَّاص، عن أبي طالب ﵇، والشيخ أحمد باغٍ على الإمام أحمد بن الحسين، وقد حرَّم السَّيِّد الرواية عن البُغاة

стр. 565

المتأولين، وعدَّها من الرُّكون إلى الظالمين، فما بالُه يستحل أن ينسِبَ إلى الإمامِ الناطق بالحقِّ دعوى كبيرة تنبني عليها مِن الشريعة أحكامٌ كثيرة، ويجعل طريقَه إلى ذلك الركون إلى الظالمين، واتباع سبيل المفسدين. الإشكال الثالث: أن السَّيد قد أصَّل أصلاً في إلزامه لابنِ الصَّلاحِ المتقدِّمِ، وهو يُوجِبُ عليه أن لا يقبلَ الإجماعَ إلا ممن طاف جميع البقاع، أو جمعت له الأمَّةُ في صعيدٍ واحدٍ كما لزِمَ ذلك ابنَ الصلاح. الإشكال الرابع: أنَّه يحتاج في إسناد هذا إلى أبي طالب إلى إسنادٍ صحيح رجاله عدول بتعديلِ عدول معدِّلين حتى ينتَهي إلى زمانه كما ألزمنا. الإشكال الخامس: لو قدرنا أن الشيخ أحمد لم يكن باغياً على الإمام أحمدَ بنِ الحسين ﵇، وأنه تاب وصحَّت توبتُه، فالسيد يحتاج إلى تعديله، وتعديلِ المعدل له، وإلى ثبوتِ ذلك التعديلِ عن المعدل بإسناد صحيح، رجالُه عدول كما ألزمنا، فإن مجردَ انتفاءِ البغي عنه لا يُوجِبُ كونَه عدلاً. الإشكال السادس: ما تقدَّم في الِإشكال العاشر على تقديرِ صِحة هذا عن أبي طالب، وإلا فالظاهر أن السَيدَ مُقِرٌّ بعدمِ صحته، وإنما قاله سهواً. والله أعلم. قال: وكذلك ابن الحاجب. أقول: يَرِدُ على كلامِهِ هذا إشكالات: الإشكال الأول: أنَّ السَّيِّد قد قال: إن علماءَ الأشعرية كفارُ
следующие страницы →