← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الخلافِ، والدليل مِن غير تعريض بالتأثيم والتضليل. الإشكال السابع: أنك قد حَكَيْتَ عن قاضي القضاة أنَّه يقبلُ فُسَّاقَ التأويل ، ثم احتججتَ بالإجماعِ الذي رواه، فما أمنك أنَّه استند في معرفة الإجماع إلى فُسَّاقِ التأويل (١) فَقَبِلَ روايَتهم أو (٢) نظر في تواريخهم ومصنفاتهم في أخبارِ الصحابة فاعتقد (٣) ذلكِ تصديقاً لهم لا سيما وقد نصَّ القاضي على جوازِ الخبرِ بالظنِّ مع تجويز الكذب كما قدمنا في الكلام على الوِجادة. الإشكال الثامن: أنك ساويتَ بين المتعمِّدِ للمعصية والمتأوِّلِ في ردِّ حديثهما، كما قررتَ ذلك في المسألة الثانية، وللمعتزلة معاصٍ لوْ تعمَّدُوها، وتعمَّدُوا الإصرارَ عليها، قدح ذلك في عدالتهم، وأوجبَ ردَّ روايتهم، لأن مَنْ فعل الذنبَ الملتبس، وأصرَّ عليه، وامتنعَ مِن التوبة، لم يُقبل عند أهل المذهب، والسيد مقلِّد لهم، متبرئٌ من الاجتهاد، فيلزمه أن لا يقبلَ رواية المعتزلة. فإن اعتذر بالإجماع على قبولِ مَنْ لم تبلغ بدعته الكفر أو الفسق. قلنا: فدل الإجماعُ على بطلان دليلك، حيثُ ساويتَ بينَ المتعمد والمتأوِّل، والإجماع قد فرَّقَ بينهما. ثم الجوابانِ المتقدِّمان في الإشكال السادس يَرِدَانِ ها هنا. الإشكالُ التاسع: أن السَّيد قد منعَ من الرواية عن العلماء إلا بعدَ تحصيلِ إسنادٍ صحيحٍ حتى منع رواية الصحاح عن مصنفيها، فهو أيضاً

стр. 562

يحتاج في رواية هذا الإجماع إلى إسناد (١) صحيح رجاله عدول عدَّلَهُمْ عُدول، وثبت تعديلُ العدول لهم بإسناد صحيح كذلك، كما ألزمنا، فإن كان هذا حَصَلَ له، وتيسَّرَ، فلعل الذي يَسَّرَهُ له يُيَسِّرُهُ لنا في رواية الصحاح عن أهلها، وإن لم يكن تيسَّر له، فما يليقُ منه أن يرتكِبَ ما يعتقد أنَّه حرامٌ. الإشكال العاشر: أن رواية القاضي معارضَةٌ بأرجح منها ، وذلك من وجهين، أحدهما: أن جماعة من أهلِ البيت، ﵈ قد رَووا الإجماع على قبول الكُفارِ المتأولين منهم السَيدُ المؤيَّد بالله، والإمام المنصور بالله، والإمامُ المؤيدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵈، وكذلك القاضي زيدٌ، والفقيهُ عبدُ الله بنُ زيد، وسيأتي بيانُ رواياتِهم في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى. وقد قال السيد: إن روايةَ العدل المتنزه من البدع مقدمة على رواية المبتدع بالإجماع، وقاضي القضاة مبتدع عند الجميع، لمخالفته لأهل البيت ﵈ في مسائل قطعية فوجب ترجيحهم عليه، فكان يلزم السيد ذكر هذا إن كان يعرفه. وثانيهما: معارضة القاضي برواية الخلاف، فقد رواه عددٌ كثير، وجمٌّ غفير، وسوف يأتي الكلامُ على هذا في الفصل الثاني. وقد أشار السيد إلى هذا الوجه الثاني، ورجَّحَ رواية القاضي بما يأتي بيانُه، والجوابُ عليه، إن شاء الله. قال: وكذلك السَيدُ أبو طالب حكى الإجماع في كفار التأويل.

стр. 563

أقول: يَرِدُ على هذه الدعوى للإجماع من طريق أبي طالب ﵇ إشكالات: الإشكالُ الأوَّل: أن السَّيِّد قد أقرُّ في آخر كتابه في المسألهَ الثانية أنَّ الشيخَ أحمد روى عن أبي طالب قريباً من الإجماع. هكذا نصَّ السيدُ في كتابه، ثم لما وصل إلى هذا المكان جعله إجماعاً، ولا شكَّ أن بَيْنَ الشيء وبَيْن ما هو قريبٌ منه فرقاً ظاهراً، لأن الشيء غيرُ ما هو قريبٌ منه بالضرورة، فكيف استحل السيدُ أن يرويَ عن أبي طالب أنَّه روى الإجماع على الإطلاق مع إقرار السَّيِّد أنَّه ما روى إلا قريباً من الإجماع؟! وكيف لو لم يتقدم مِن كلام السيدِ ما يَشْهَد ببُطلانِ دعواه هذه، ألم يكن الواقفُ عليها يغترُّ بها، ويبني عليها حُكماً شرعياً. وليت شعري ما حدُّ مقاربة الإجماع، فهذه عبارة غريبة ما علمتُ ذكرها أحد من العلماء، ويُقوي ذلك أن السيدَ أبا طالب شَحَن كتابه " الأمالي " بالرواية عن أئمة الحديث المخالفين في الاعتقاد كالحافظِ أبي أحمد عبدِ الله بن عدي شيخِ أبي طالب روى عنه في " أماليه " مشافهةً قدرَ تسعين حديثاًً، وخرَّج فيه حديثَ أبي داود، وابنِ ماجة، وابنِ السُّني، وأحمدَ بنِ حنبل، وابنِهِ عبدِ الله بن أحمد بن حنبل، ومالكٍ، وعبدِ الرحمانِ بنِ أبي حاتِم، والحسنِ بن سفيان النَّسوي، والحارثِ بن محمد بن أبي أسامة، والأنباري وهو محمد ابن القاسم (١) كذا وجدته بخطي، قال ابن الأثير في " الجامع ": وهو

стр. 564

محمد بن سليمان (١)، فلعلَّهما اثنان فيُنظر ويحيى القطان، والحسين بن إسماعيل المحامِلي، ومحمد بن يونس الكُديمي، وأحمد بن عبد الله البَرْقي، والزهري وأمثالهم بأسانيدِهم، فلو كان يعتقِدُ اعتقادَ السيد من كفر هؤلاء الأعلامِ، والقَطعِ بتحريم الرواية عنهم، ما استكثر مِن حديثهم، وقوَّلَ رسولَ اللهِ ﷺ ما لم يَقُلْهُ لأجل روايتهم، ولعل السيدَ لا يعْرِفُ مَن هولاء، ولا ما مذهبُهم. وبالجملة فالسيدُ مُظْهِرٌ لنُصرة مذهبِ الزيدية، لأنَّه معترف بالجهل، مانع من وجود من يُمكنُهُ الاجتهاد، ولا بُدَّ لمن تعصَّب لمذهبِ قوم من معرفة مذهبهم أوَّلاً، ثم العصبية ثانياً، والسيد بدأ بالعصبية قبل إتقان المذهب، وهو إلى الإشارة عليه بالبحث عن مذهب الزيدية أحوجُ منه إلى المناظرة على مذهبهم، نسأل الله الهداية. وليت السيدَ يعرفُ رجال " أمالي " أبي طالب، و" أمالي " أحمد بن عيسى، فإنه لو عرفهم، ما لام مَن اعتمد حديث البخاري ومسلم على كُلِّ مذهب، ولكنه ... ولو وقف على أسماءِ الرُّواة في كُتُب الزيدية ربَّما جوَّزَ أنهم كُلَّهم من نُقاوة الشيعة وثقاتهم، وهذا عندَ أهلِ المعرفة كالبدوي يعتقِدُ أن الأئمة أنبياء، وأن الأنبياء ليسوا مِن البشر، ومن بلغ إلى هذا المبلغ، ثم ينتفِعْ بالحُجة، ولم ينتهِج المحجَّة، لطف اللهُ بالجميع. الإشكال الثاني: أن السيد روى هذا الإجماعَ في كتابه عن الشيخ أحمد بنِ محمد الرَّصَّاص، عن أبي طالب ﵇، والشيخ أحمد باغٍ على الإمام أحمد بن الحسين، وقد حرَّم السَّيِّد الرواية عن البُغاة

стр. 565

المتأولين، وعدَّها من الرُّكون إلى الظالمين، فما بالُه يستحل أن ينسِبَ إلى الإمامِ الناطق بالحقِّ دعوى كبيرة تنبني عليها مِن الشريعة أحكامٌ كثيرة، ويجعل طريقَه إلى ذلك الركون إلى الظالمين، واتباع سبيل المفسدين. الإشكال الثالث: أن السَّيد قد أصَّل أصلاً في إلزامه لابنِ الصَّلاحِ المتقدِّمِ، وهو يُوجِبُ عليه أن لا يقبلَ الإجماعَ إلا ممن طاف جميع البقاع، أو جمعت له الأمَّةُ في صعيدٍ واحدٍ كما لزِمَ ذلك ابنَ الصلاح. الإشكال الرابع: أنَّه يحتاج في إسناد هذا إلى أبي طالب إلى إسنادٍ صحيح رجاله عدول بتعديلِ عدول معدِّلين حتى ينتَهي إلى زمانه كما ألزمنا. الإشكال الخامس: لو قدرنا أن الشيخ أحمد لم يكن باغياً على الإمام أحمدَ بنِ الحسين ﵇، وأنه تاب وصحَّت توبتُه، فالسيد يحتاج إلى تعديله، وتعديلِ المعدل له، وإلى ثبوتِ ذلك التعديلِ عن المعدل بإسناد صحيح، رجالُه عدول كما ألزمنا، فإن مجردَ انتفاءِ البغي عنه لا يُوجِبُ كونَه عدلاً. الإشكال السادس: ما تقدَّم في الِإشكال العاشر على تقديرِ صِحة هذا عن أبي طالب، وإلا فالظاهر أن السَيدَ مُقِرٌّ بعدمِ صحته، وإنما قاله سهواً. والله أعلم. قال: وكذلك ابن الحاجب. أقول: يَرِدُ على كلامِهِ هذا إشكالات: الإشكال الأول: أنَّ السَّيِّد قد قال: إن علماءَ الأشعرية كفارُ

стр. 566

تصريح، وإن الرواية عنهم ركونٌ إليهم، فكيف يروي عن المصرحين بالكفر، ويمنعُنَا الروايةَ عن المتأولين، فإن تأوَّل في ذلك لنفسه، وتطلَّب محملاً حسناً، فهلاَّ يَطْلُبُ لغيره مثل ما يطلُبُ لنفسه، فإنَّ حمل المسلمين على السلامة مشروع، وإن منع مطلق الرواية، فقد وقع فيما منع، وارتكب ما أنكر. الإشكال الثاني: سلمنا أنَّ ابنَ الحاجب غيرُ معلومِ الكفر عنده، فِمنْ أين أنهُ عدل مأمون بتعديل عدلٍ، واتصال ذلك بإسناد صحيح كما ألزمنا. الإشكال الثالث: أن السيد قد أقر -فيما تقدم- أن ابن الحاجب لم يرو الإجماعَ على ردِّ كفار التأويل ، وإنما قال ابن الحاجب ما لفظه: والمبتدع بما يتضمِّنُ التكفيرَ كالكافر عند المكفر. فأقول: ليس ينبغي مِن العالم إذا توهَّم شيئاً أو استخرجه من كلام غيره أن ينسِبَ ذلك القول الذي استخرجه إلى غيره كما لا يحل له (١) أن ينسب إلى النبي ﷺ ما استخرج من كلامه، وكذلك من استخرج مِن القرآن حكماً أو معنى لم يَحِلَّ له أن يقول فيما استخرجه: قال الله، والعِلةُ في ذلك أنَّه كذب لا غير، والكذب مُحَرَّمٌ على الله تعالى، وعلى رسوله، وعلى كل أحدٍ، وقد يستخرج العالم أمراً ويُخالفه غيرُه، ألا ترى أن أبا طالب والمؤيد يختلفان فيما يُخرجانه للهادي ﵇ وكُلُ واحدٍ منهما يعلم اللفظ الذي خرَّج منه صاحبه، ولا يرتضي ذلك التخريجَ، ولا يُساعد صاحِبَه على ما فَهِمَ منه، فكذلك كان يجبُ أن يُبيِّنَ السيدُ لفظ ابنِ الحاجب، ولا يُوهم أنَّه نصَّ على ذلك.

стр. 567

الإشكال الرابع: أنا نُبيِّن للسَّيِّد أيَّده الله ضعفَ مأخذه مِن كلام ابنِ الحاجب، فنقول: نصَّ ابنُ الحاجب على أن المبتدع بما يتضمنُ التكفيرَ كالكافر عند المُكَفرِ (١). ولكن المُكَفَرَ بعضُ الأمة، فلم يلزم أن تُجْمِعَ الأمَّةُ على ردِّه. فإن قلت: كلامُهُ يقتضي أن الذين لم يكفروه لو كفَّرُوه لردُّوا روايتَه. قلتُ: ليسَ كلامُه يقتضي هذا لوجهين: أحدهما: أنَّ الذي لم يُكَفِّرْ لا يُسمَّى مكفراً لا حقيقةً، ولا مجازاً، وابنُ الحاجب إنما روى عمن يكفر. فأما قولُهُم في العَازم على فعل الشيء: إنَّه يُطلق عليه اسمُ الفاعل في مثل قولنا: زيد مسافر غداً، فإنما سَمَّوْهُ بذلك لعزمه على السفر، وأجمعوا على أن هذه التسمية مجازية لا حقيقة، وأما مَنْ ليس بعازمٍ ولا في حكم العازِمِ، فلا يُسَمَّى باسمِ ما لم يَفْعَلْهُ ألبتَّةَ، فإذا ثبت أنَّه لا يُسمَّى مكفراً، وثبت أن الأمَّةَ غيرُ مجمعة على التفكير، فقد تعذَّر أن يكونَ الإجماعُ مأخوذاً مِن نَصِّ ابنِ الحاجب، ولم يبقَ إلا المفهوم، وللمفهومِ أقسامٌ معلومة، وشروطٌ مذكورة، فأخْبِرْنَا مِن أيِّ أقسام المفهوم. فإن قلتَ: هو من مفهوم الصفة، لأن المكفّر صفة. قلت: إنَّ مفهوم الصفة هو مِن مفهوم المخالفة، لا من مفهوم الموافقة، وإذا كان كذلك وجب أن يكونَ المفهومُ أنَّه كالكافر عند المكفر لو قدَّرْنَا أنَّه كفر، وهذا ليس مِن المفهوم في شيء. الوجه الثاني: أن زُبْدَةَ الكلامِ أن السيِّدَ توهَّم من ابن الحاجب أنَّه

стр. 568

قال: إن الذين لم يكفروا لو كفروا، لما قبلُوا من كفروه، وهذا ليس بدعوى للإجماعِ ألبتة، بل هذا دعوى على أهلِ الإجماع، وفرْقٌ بَينَ دعوى إجماع الأمة، وبينَ دعوى الإجماع على الأمة، فإن ابن الحاجب لو نص على هذا مَا صَدَقَ ولا صُدِّقَ، لأن هذا من قبيل علم الغيب فمن أينَ له أن الذين لم يُكفِّروا المتأولين لو كفَّروهم، لردوا روايتَهم، وما أمِنه أنهم يكفرونهم مع أنهم يقبلونهم، كما قد قال بذلك الشيخُ أبو الحسين وغيرُه. فبان بهذا أن السَّيِّد ما أصاب بنسبته لدعوى الإجماع إلى ابن الحاجب. الإشكال الخامسُ: من أين حَصل للسيد أيده الله إسناد صحيح إِلى ابن الحاجب، ولعل إسناد كِتاب (١) البخاري إليه أسهل مِن إسناد هذه الإجماعات التي رواها السيدُ إلى أربابها لِشدة العناية بسماع البخاري، فما بال السَّيِّد شَدَّدَ علينا في ذلك، ثم رخَّصَ لنفسه. الإشكال السادس: مثل العاشر المقدم. الإشكال السابع: مثل الإشكال الواردِ على ابن الصلاح، وقد مر تقريره. قال: ومن روى الإجماع قُبِلتْ روايته، لأنها مثبتة، وتشهد بخلاف الأصلِ، فتكون أرجحَ. أقول: لما فرغ السيدُ من دعوى الإجماع، وهو مقر بأن الخلاف مشهور في هذه المسألة، رأى ذلك متعارضاً، فأراد أن يُزيلَ التَعَارُضَ بترجيح رواية الإجماع على رواية الخلاف، ويرد على كلامه إشكالات: الإشكال الأول: قال: ومن روى الإجماعَ، قُبِلَتْ روايتُهُ، لأنها

стр. 569

مثبتة، وهذا ترجيحٌ للإثبات على النفي. فنقول له: الترجيحُ إنما يَصِح بعدَ ثبوتِ الرواية، لكنا نُنازِعُك فيها مِن وجهين: أحدُهما: جملي وهو عدم الطريق الصحيحة إلى هؤلاء الذين رويتَ عنهم أنهم روَوُا الإجماع كما تقدم. ثانيهما: تفصيلي وهو القدحُ في كُلِّ طريق من طرق الإجماع كما تقدم، أما أبو طالب، فالراوي عنه بإقرارك أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص، وهو فاسقُ تأويل، وأما ابنُ الحاجب، فهو عندك كافر تصريح، وأما قاضي القضاة، فهو عندك ممن استحل الكَذِبَ متأولاً، فوجب ردُّه قياساً على الخطابية، وهو ممن يَقْبَلُ فساق التأويل، فلا يؤمن أن يكون إسناده في: الإجماع إليهم. الإشكال الثاني. أن السَّيِّد توهم أن راوي الإجماع مثبت، وراوي الخلاف نافٍ ، وبنى على هذا ترجيحَ رواية الإجماع على رواية الخلاف، وهذا خطأ لا يخفي مثلُه على مَنْ دونَ السَّيد، فإن راويَ الخلاف مثبت للخلاف، كما أن راوي الإجماعِ مثبت للإِجماع، ومثل هذا لا يخفى على مَنْ له أدنى ذوقٍ. فإن قال: إن راويَ الخلافِ نافٍ للإجماع. قلما: ذلك أمر آخر غير الذي أثبته، وكذلك راوي الإجماع نافٍ للخلاف، فما لك لم تجعله نافياً؟! وكذلك كُل مثبت، فإنه ناف بالنظر إلى غيرِ ما أثبته، فمن شَهِدَ بالمالِ لزيد، فقد نفاه عن عمرو، وهذه غفلةٌ عظيمة.

стр. 570

الإشكال الثالث: أن السيدَ رجح روايةَ الإجماع لمخالفتها للأصل، لأن الأصلَ الإجماع، وتوهم أن رواية الخلاف ليست كذلك، وهذا وهم أيضاً، فإن الأصلَ أن لا إجماع وأن لا خلاف، فروايةُ الخلاف أيضاًً مخالفةٌ للأصل، وهذا أيضاًً لا يخفى مثلُه. فإن قلتَ: إنِّي أرِيدُ أن الأصلَ قبولُهم في العقل، فرواية الإجماع ناقلة. قلنا: قد قررتَ في كتابك في هذه المسألة بعينها أن الأصل في العقل أن لا يقبلوا. الإشكال الرابع: أنَّه رَجَّح بمخالفة الأصل، والترجيحُ بها مختلف فيه بين العلماءِ، وهو محتجٌّ على غيرِه، وليس بمحتجِّ لنفسه، ومِنْ حق المحتج على الغير أن لا يحتج عليه بمختلَفٍ فيه مِن غير دليل، بل لا بُد من دليل يُلزمُ ذلك الغيرَ الموافقةَ، وهذا لا يخفي مثله على مَنْ لَهُ معرفة بأساليبِ الجدل والمناظرات. فنقول: بل ما وافق الأصلَ، فهو أولى لِوجهين: الوجه الأول: أن الاستصحابَ -وهو البقاء على الأصل- حُجَّةٌ عند كثيرٍ من العلماء (١)، ومما يَدُلُّ على ذلكَ ما ثبت عن رسولِ الله ﷺ من قوله " إنَّ اللهَ فرض فَرَائِضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُوداً فلا تَعْتَدُوها، وسَكت عنْ أشْياءَ رَحْمةً لَكُمْ مِن غيْر نسْيَانٍ، فلا تَتَعَرَّضوا لهَا ". رواه ابن ماجة (٢).

стр. 571

وقال النواوي: هو حديثٌ حسن، وله شواهد من الصحيح. واستيفاءُ الحُجَجِ في هذه المسألة مقررٌ في الأصول، وقد أخذ العلماءُ بهذا في مسائل كثيرة. منها مَنْ شَكَّ في انتقاض طهارته بقي على الأصْلِ. ومنها يومُ الشك في أول رمضان لا يجبُ صومُهُ لأن الأصلَ شعبان، ويوم الشك في آخر رمضان يجبُ صومُه، لأن الأصل رمضان، ونحو ذلك مما يكثر تعداده.

стр. 572

فإن قلتَ: كيف تحتجُّ على الخصمِ بما يُنَازِعُك في صحته مِن حديث ابن ماجة؟ قلتُ: سيأتي الدليلُ على صِحته في الفصلِ الثاني إن شاء اللهُ تعالى، والدليلُ يوجبُ على الخصم الموافقة، كما أنا نحتج بإجماع أهلِ البيت على مَنْ يَقول: إنَّه ليس بحجة بعد أن يُقيمَ الدليلَ على أنَّه حجة. إذا ثبتَ هذا فنقول: البقاءُ على الأصل حُجة، ورواية الثقة حجة، ولم يَقُلْ أحدٌ من الخلق: إن مخالفة الأصل حجة، ويجب ترجيح البقاءِ على الأصل، لأن حجتين أقوى مِن حُجة، فرواية العدل يعارضها روايةُ عدل مثلِه، ولم يُعَارِضِ الاستصحابَ شيء وهو إما حجة -كما هو رأيُ جماعة-، وإما محتمل أنَّه حجة، إذ الدليلُ على أنَّه ليس بحُجةٍ، ليسَ بقاطع، وهذا وجه ترجيح. الوجه الثاني: أن نقول: قد ثبت أن الأصلَ لا يُخَالَف إلا بحجة إجماعاً من القائلين بأن الاستصحاب حجة، والقائلين بأنه ليس بحجة، وثبت الإجماع على أن ما يخالِفُ الأصلَ، لا يُقال به إلا بحجة، والذي لا يُنْتَقلُ عنه إلا بحجة أقوى من الذي لا يُقال به إلا بحجة. الإشكال الخامس: أنَّه قد روى الإجماع على قبولهما ثلاثةٌ من أئمة الزيدية، واثنان من عُلمائهم، وهم المؤيدُ والمنصورُ، ويحيى بنُ حمزة ﵈، والقاضي زيد، وعبدُ الله بن زيد ﵄، وسيأتي في الفصل الثاني بيانُ روايتهم إِن شاء الله، وهُمْ أرجحُ مِن قاضي القضاة. قال: وقال آخرون: الخلافُ في كفار التأويل واقع كما هو واقع في فسَّاق التأويل.

стр. 573

وقال الرازي: لا يُعتبر كفارُ التأويل في الإجماع، وُيعتبرون في الرواية، وقد رُوي الخلافُ في فُساق التأويل عن الفقهاء قالوا: تُقْبَلُ روايتُهم، وهو مروي من أئمتنا عن المؤيدِ. أقول: في كلامِه هذا إِشكالات: الإشكال الأولُ: أن السَّيِّدَ ذكر في كتابه أنَّه لا يجوزُ للإنسان أن يُقْدِمَ على ما لا يأمَنُ كونَه كذباً، وشدَّدَ في رواية كُتُبِ الحديثِ عن مُصَنِّفِيها. فنقول: مِنْ أينَ للسَّيِّد أيده اللهُ روايةُ صحيحةٌ بإسناد رجالُه ثقات إلى الفقهاء، وإلى الرازي، وإلى المؤيَّد بالله ﵇، فإنه كما لا يجوزُ الكذِبُ على رسول الله ﷺ في نسبةِ الحديثِ إليه، فكذلك لا يجوزُ الكذبُ (١) على العلماء في نسبة المذاهبِ إليهم إلا بعدَ ثبوتِ طريق صحيحة. الإشكال الثاني: أنَّ السيدَ قال: فهو مروي مِن أئمتنا عن المؤيَّد باللهِ موهما أنَّه ما روِيَ إلا عنه، وهذا تحاملٌ عظيمٌ، ونزوح عن الإنصاف إلى مكانٍ سحيقٍ، ولو كان خلافاً يخفى، لحملنا السَّيِّد على جهلِه، ولكنه منصوصٌ في " اللُّمَع " يُقرئه السيدُ كُلِّ عامٍ أن المؤيدَ بالله ﵇ روى قبولَ كفار التأويل فضلاً عن فساقه عن جميعِ أصحابنا، وقد ذكر السيدُ في كتابه أن لفظَ أصحابنا يُفيد الإجماع، وأما الروايةُ في غير " اللمع "، فهي كثيرةٌ جداً، ولا لومَ على السَّيِّد في تركها، فلعلَّه لم يعرِفْها، وسيأتي بيانُ ذلك في الفصلِ الثاني إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 574

الإشكال الثالث: أن نقولَ للسَّيِّد أيدَهُ اللهُ: إذا كنتَ مقرّاً أنَّ المؤيَّدَ بالله ﵇ خالف في هذه المسألة، فإما أن تقول: إن الخلافَ فيها حرام أم لا، إن قلت: إنَه حرام كنتَ قد نسبت المؤيَّدَ بالله ﵇ إلى ما لا يجوزُ من غير دليل، وإن قلتَ: إن الخلافَ شائع، فما لك والترسل على محمدِ بنِ إبراهيم في أمرٍ مباحٍ أو مندوبٍ. قال: وأما الهادي ﵇، والقاسمُ ﵇، فروى الشيخُ أبو جعفر عنهما إنهم لا يقبلون، وقال أبو مضر عنهما: إنهم يقبلُون، وروايةُ الشيخ أبي جعفر أولى وأحرى على أصولِهما. أقول: يَرِدُ على كلامه هذا إشكالات: الإِشكالُ الأوَّلُ: أنا نقول: لما تعارضتِ الروايتانِ عن القاسم ويحيى ﵉، شرع السيدُ يرفع التعارضَ بالترجيح، فرجح روايةَ أبي جعفر وهو نافٍ على روايةِ أبي مُضر وهو مثبت، وقد قدَّمَ قبل هذا بنحوٍ من أربعة أسطرٍ أو ثلاثة أن المثبت أولى من النافي حيث ظنَّ أن راويَ الإجماع مثبت، وراوي الخلاف نافٍ، وليس كذلك، بل هما مثبتانِ كما بيناه آنفاً، فلما وَصَلَ إلى النافي والمثبت على الحقيقة، قَدَّمَ النافي على المثبت، وهذا عجيبٌ، فلا أدري ما عُذْرُهُ. الإشكال الثاني: أنَّه احتج لرواية أبي جعفر بأنَّها تُوافِقُ أصولَ الهادي والقاسم ﵉، وقد قدمنا أنَّ هذا معيبٌ عند النظار، لأن خصم السيِد -أيده اللهُ- ليس ملتزماً لما ترجَّحَ للسَّيِّد على جهةِ التقليد له، إذاً لكان تابعاً لا منازعاً، فكان يجبُ عليه أن يُبيِّنَ أصولَ القاسم والهادي ﵉ هذه التي ادعى عليها أنَّها توجِبُ رد قبولِ المتأولين، فإنا نخاف أن يكون السَّيِّدُ -أيَّده الله- استخرج ذلك لهما من وجه ضعيف.

стр. 575

الإشكال الثالثُ: أنا نبين للسيِّدِ أيَّده الله أن للهادي والقاسم أصولاً تُوجِبُ قبولَهم، ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن السَّيِّد المؤيَد باللهِ ﵇ خرج للهادي ﵇ أنَّه يَقْبَلُهُمْ، رواه عنه الفقيه علي بن يحيى الوشلي (١) في " تعليقه " بلفظ التخريج، ورواه عنه القاضي شرفُ الدين حسنُ بنُ محمد النَّحوي ﵀ في " تذكرته " (٢) بلفظ التحصيلِ، ولم يختلِفِ الرُّواةُ في ذلك عن المؤيَّد ﵇. وثانيهما: أن السيدَ أبا طالب نَسَبَ ذلك إلى الهادي ﵇ في أحدِ تخريجَيْه رواه الفقيهُ علي بنُ يحيى الوشلي في " تعليقه " ونص في " اللمع " على ذلك فقال: قال السَّيِّد أبو طالب ﵇: وأما شهادة أهل الأهواءِ من البُغاة والخوارج، فإن جوازَ شهادَتِهم لا يمتنِعُ أن تُخرج على اعتبارِه ﵇ أن تكونَ الملةُ واحدة، لأن هؤلاء كُلَّهم من أهلِ مِلةِ الإسلام، هذا لفظُه في " اللمع " فكيف رجَّحَ السيدُ روايةَ أبي جعفر لمجرَّدِ موافقتها لأصولهما موهماً أن ليسَ لهما أصولٌ تُوافِقُ روايةَ أبي مُضر، وهو يقرىء هذا في " اللمع " كُلَّ عام، فما أبعد هذا عن الإنصاف، وهذان السيدان الأخوان ﵉ هما إماما مذهبِ الهادي

стр. 576

عليه السلامُ، فقد تطابقا على تخريج قبولِه المتأولينَ ﵇، ولم يتطابقا على تخريج ردِّه لهم، بل انفردَ بهذا أبو طالب. فثبت بهذا ترجيحُ تخريج قبولِه لهم، لأن ما اجتمعا عليه أرجحُ مما اختلفا فيه. الإِشكالُ الرابع: سلمنا أن تخريجَ القبول مساوٍ لتخريج الرَّدِّ غيرُ راجح عليه، فالقبولُ أولى لرواية جماعةٍ من أئمة المذهب أن قبولَهم إجماعٌ، كالقاضي زيدٍ، والمنصورِ بالله، ويحيى بنِ حمزة، وعبدِ الله بن زيد، والمؤيَّدِ بالله، ولا شك أن دعوى الإِجماعِ من هولاءِ الثقات تَناولُ مذهمبَ القاسم، ويحيى ﵉ خاصةً، لأنهما عمودُ الإجماع عند هؤلاء، إذ هُمْ من المشاهير بتعظيم أقوالهما، فلا ينبغي أن يتوهَّمَ فيهم أنهم جازفوا بدعوى الإجماع قبلَ معرفة مذهبهما خصوصاًً. فاختلافُ السيدينِ في التخريج إنما هو في الشَّهادة، فأما الروايةُ فالإجماع فيها حاصل، والنقل فيها غيرُ متعارض، كما ذكره القاضي زيد في شرحه، وسيأتي إيضاحُ ذلك في الفصل الثاني إن شاء الله. الإشكالُ الخامسُ: أن القاضيَ أبا مضر من أئمةِ مذهب الزيدية الجلَّة، وقد روى عن الهادي والقاسم ﵉ قبول المتأولين رواية غير تخريج، ولا معارض لروايته مثبت، ولا وجْهَ على أصول الزيدية لطرحها، ولا أقل من أن تكون مرجحة للتخريج الذي تطابق عليه السيدان كما سيأتي. الإشكال السادس: أنَّ السيدَ أيده الله يحتاج في نِسبة هذا التخريِج إلى أبي جعفر إسناداً صحيحاً متصِلاً به، رجالُه معدِّلُون على الصفة التي ألزمنا، وكذلك رواية أبي مضر حتى يصحَّ له الترجيحُ بينهما، إذ هو فَرْعُ الصحة.

стр. 577

قال: وقال الشيخانِ: أبو علي، وأبو هاشم -وهو قولُ الناصر، والسيد أبي طالب-: إنهم لا يقبلون. وقال قاضي القضاة: تُقْبَلُ روايةُ فساق التأويل، ولا تُقبلُ رواية كفارِ التأويل، والشيخ أبو الحسين، والرازي، قالا: تُقبل كقول الفقهاء. قال الشيخ أبو الحسين، والرازي: والخلافُ في مَن كان غيرَ معاند، فأما من عَرَفَ الحقَّ وعاند، فليس بمتأولٍ وهذا صحيح، فإنه إنما أظهر التأويلَ، وليس بمتأول عندَ نفسه، وفي باطن أمره. أقول: في كلامه هذا إشكالات: الإشكال الأولُ: أنَّه ذكر أنَّه لا يقبل منْ عرف أنَّه عاند، وأظهر التأويلَ، وأشار بذلك إلى ما صرَّح به في غير هذا الموضع من أنَّه قد عَرَفَ أن علماء الأشعرية كفارُ تصريح، وأنهم معانِدون، وفي رواة الحديث منهم خلق كثيرٌ، بل أئمة الحديث عنده أشعرية فسبحانَ اللهِ العظيم كيف عَسَّرَ السيد أيده الله علينا المعرفةَ بروايتهم التي نطقوا بها؟ وما زالوا يُظهرونها مُدَّةَ أعمارهم، وَيحْرِصُون على ظهورها عنهم، فلم يجعل لنا طريقاً صحيحة إلى معرفة صدورها عنهم مع التصريحِ منهم بذلك، وتكرارِه مدة الأعمارِ، ونقل الخلق لألفاظهم في ذلك، ثم إنَّه تيسَّر للسيد أيَّده اللهُ معرفةُ ما انطوت عليه ضمائرُهم، وحجبته سرائرُهم مِنْ تعمُّدِ الكفر، وقصد الكذب على الله تعالى، وعلى رسولِه ﵇ مع ما ظهر عليهم مِن القرائن الدَّالةِ على خلاف ما فَهِمَ السيدُ بحيث إنَّ الذي حَمَل الأئمةَ والعلماءَ المكفرين لهم على قبولِهم مع اعتقادِ كفرِهم هو ما ظهر عليهم مِنَ الخوفِ العظيمِ من عذابِ الله، والمحافظةِ على طاعته، وتَحَمُّلِ مشاقِّ التكليفِ العظيمة مِن قيامِ الليْلِ، وصومِ النهار، والورع

стр. 578

عن الشبهات، وكثرةِ البُكاء مِن خوف الله حتى إن الترمِذِيَّ عَمِيَ مِن كثرة البُكاءِ في ما رُوِيَ عنه (١). ومن وقف على تراجمهم، عَلِمَ أنَّهم كانوا متحمِّلِينَ للمشاقِّ العظيمةِ في طلب ثواب الله، والخوفِ من عقابه بحيثُ إنَّه يعْلَمُ ذلك بالتواتُرِ عنهم، والقرائنِ القوية. فكيف تهيَّأ للسَّيِّد -أيَّده الله- أن يعلم ما في بواطنهِمِ من التَّعَمُّدِ الذي هو من أعمال القلوب، ولم يتهيأ لنا أن نَعْلَم ما ظهر منهم مِن القول المسموع بالآذان المنقولِ عنهم بِكُلِّ لسان. ثم إِنَّ رسولَ الله ﷺ قد تعذَّر عليه معرفةُ ما في بواطن المنافقين إلا بالوحي، وفي الحديث أنَّه جاءه رجلٌ من الأنصار يُسَارُّه صلى الله عليه في قتلِ رجلٍ من المنافقين، فَجَهَرَ ﷺ وقال: " ألَيْس يشْهدُ أنْ لَا إلهَ إِلا الله "؟ قال الأنصاري: بلى، قال: " ألَيْسَ يَشْهَدُ أنِّي رسُول اللهِ "؟ قال: بلى، قال: " أليْسَ يُقِيمُ الصلاةَ "، قال: بلى، قال: " فأولئِكَ الَّذِين نهَانِي اللهُ عَنْ قَتْلهمْ " (٢)، قال الأنصاري: إنهُ منافق يا رَسُولَ اللهِ،

стр. 579

فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إني لَمْ أُوْمَرْ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ". فقولُه ﵇: " إِني لم أُومَرْ أن أشُق عن قلوبِ الناس " كناية لطيفة منادية بالتنبيه على أنَّه لا طريقَ إلى العلم بالبواطنِ، وذلك أنَّه ﵇ أشار إلى أن الغايةَ القُصوى في البحث عما في الصدور هو شَقُّ القلوب، وقد علمنا أنَّ شَقَّ القلب غيرُ مفيد للعلم بما كان فيه قبل أن يُشَقَّ فإذا كان هذا لا يفيدُ مع أنه الغاية القصوى في البحث عن ضمائر القلوب، وسرائرِ النفوس، فكيف بما عداه؟ وقد أجمعتِ الأمة إجماعاً ضرورياًً أنه لا يُكّفرُ أحدٌ ولا يُفَسَّقُ لمجرد الفهمِ والحَدْسِ (١) ولا يجري بذلك حُكْم مِن أحْكَامِ الشريعة النبوية. تنبيه: غيرُ خافٍ على أهل النظر أن أهلَ العلوم العقلية قد ذكروا في

стр. 580

الأمور الوُجْدَانية أنَّا قد نعلمُها مِن الغَيْرِ (١) بالقرائن كجوعِ الجائِع، وفرَحِ الفرِحِ، وغمِّ المغموم، ولكن ذلك بشرطين: أحدُهما: أن يكونَ ذلك مشاهداً لنا غيرَ غائب عنا، لأنَّ القرائنَ الدالة على ذلك الباطن هي ما يُشَاهَد بالعيان مِن ضعف الجائع، وتقلُّص شفتيه، وتغيرِ لونه ونحوِ ذلك من الأمور التي يُعْلَمُ بالضرورة أنَّه لا يُمكنه التصنعُ فيها، وكذلك سائرُ مَنْ يُعلَمُ حالُه بالقرائن. ثانيهما: ألا تظهر قرائنُ تُعارِضُ تلك القرائنَ، فإن التعارض يمنع حصولَ العلم الضروري، وهؤلاء المخالفون لنا في الاعتقاداتِ قد ظهرت على عُدُولهم قرائنُ تفيدُ عدمَ التعمُّدِ للباطلِ، ولهم شُبَهٌ عويصةٌ يتبلَّدُ فيها كثيرٌ من الفُطَنَاءِ، فأينَ حصولُ العلم الضروري مع هذا!! الإشكال الثاني: أن السيِّد -أيده الله- أوهم أن الشيخ أبا الحسين، والرازي يقولان بمثل مقالته مِن الحكم بالتعمد للعناد على من أظهر التأويلَ

стр. 581

مِن عدول المتأولين بمجرد القرائن، ولم يقولا بما يقتضي ذلك، إنما قالا: إِنَّ مَن عَرَفَ الحقَّ، وعاند فليس بمتأوِّل، وبينَ هذهِ العبارةِ التي نَصَّا عليها، وبينَ قَوْلِ القائل: من أظهر التأويلَ، ودلَّت القرائنُ على أنه متعمِّدٌ حكم عليه بالتعمد، سواء كان عدلاً في مذهبه أوْ لا، فرقٌ عظيم، وبَوْنٌ بعيد! فإن قلت: إِن (١) لم يقولا بهذا، لم يَبْقَ لكلامهما فائدة، ولا لِمذهبهما ثَمَرَةٌ. قلتُ: بل ثمرةُ مذهبهما تظهر في صورتين: إحداهما (٢): في مَنْ أقرَّ من المخالفين أنَّه يعلم الحق، ويتعمَّد الباطلَ كما رُويَ هذا عن غيرِ واحد من المخالفين (٣). والأخرى: حيث يكون المتأول غيرَ عدل في مذهبه. فإن قلت: ما الفرق بين العدلِ وغيرِ العدل؟ قلتُ: الفرقُ أن العدلَ ظهرت عليه قرائنُ تدل على عدم العمد، وهي تَحَمُّلُهُ لمشاق التكليف، وصبرُه على مجانبة المحرمات وغير ذلك من المحافظة على النوافل، وسائرِ القرائن المرجحة لِظَنٍّ تأوله بحيث لا يَصِحُّ معها العِلْمُ بعناده. الإشكال الثالث: أن العلمَ بالأمورِ الوُجدانيات المتولِّد عَن القرائنِ مما لا يصح أن يحتج به أحدٌ الخصمين على الآخر، لأن إقامةَ البراهين

стр. 582

عليه غيرُ متصوَّرة ولا معقولة، وليس مما يشتركُ فيه جميعُ العقلاء، فالسيد -أيده الله- غلط في إيراده، لأنَّه إما أن يدعي أنَّ كل عاقل يعلم عناد الأشعرية بالضرورة أو لا، إن لم يدَّع ذلك، لم يصح استدلالهُ على خصمه بأنه يعلم ذلك، لأنَّه ليسَ يَلْزمُ الخصمَ أن يعمل بعلم السَّيِّد أيده الله، فإن ادَّعى السيدُ أن العلمَ بعنادهم مما يشترك فيه العقلاءُ، فهو مردود بوجهين: الوجه الأول: أنا لا نجِدُ ذلك من أنفسنا، ولا دليلَ للسَّيِّد على ما يَدَّعيهِ علينا من وجدانه في أنفُسنا، فإذا اختلفنا نحن والسيدُ فيما حجبته ضمائرُنا، فنحنُ أعلمُ منه بذلك، وإخبارُنا عن ما في أنفسنا أرجحُ من إخبارِه بغير شك. الوجه الثاني: أن الظاهرَ من أحوال السَّيِّد أنَّه لا ينسبُ أهل البيت ﵈ أو الجماهير منهم إلى العِناد، وجَحْدِ الضرورة، وهم ممن لم يقل بأن الجبرية كفارُ تصريح، لأنهم ما زالوا يمثِّلونَ كفارَ التأويل بالجبرية والمشبهة مِن غير مناكرةٍ في ذلك، وقد نص على ذلك في " اللمع " (١) الذي هو مدْرسُ (٢) الزيدية منذ أعصارٍ عديدة. قال في " اللمع " ما لفظه: وفي تعليق الإفادة: ومن بلغ إلى حد الكفر والفسق متأوِّلاً، فالعلماء مختلفون فيه، والأظهرُ عند أصحابنا أن شهادَته جائزة إلى قوله: وهذا كالخوارج والمجبرة. إِلى قوله: فعلى هذا

стр. 583

تكون شهادة المجبرة والمشبهة مقبولةً عنده قَدَّسَ الله روحه وكذلك عند الهادي، والقاسم، يدل عليه أن الجبر والتشبيه من جهة التأويل والتدين، فوجب قبولُ شهادتهم. فهذا نصُّ " اللمع " كما ترى في الإفصاح بأنهم من أهل التأويل والتدين. ولم يزل هذا النص مقروءاً منذ صنف كتاب " اللمع "، بل مِن قبله بدهرٍ طويل في محافل العلماء والفضلاء، ومساجدِ الزيدية، ومدارسها، ما أنكره أحد، ولا اعترض عليه، ولا شكَّكَ فيه، ولا عُرِفَ في تأويلهم خلاف ألبتة حتى جاء السيد -أيده الله- فرَضيَ لنفسه ما لا يرضاه له صديق مِن مخالفة عادات العلماء، والغلو في التَّعنُّتِ والتشديد، وإنما خلاف المتقدمين والمتأخرين في أن الجبرية كفارُ تأويل أم لا، وفي أنهم يُقْتَلُونَ أولاً، وأما أنهم كفارُ تصريح، فما صَرَّحَ بالخلافِ في هذا أحدٌ قبل السيدِ -أيده الله- فيما نعلم، والذي جَهِلْنا أكثرُ مما علمنا بغير شك، فإن كان السيد يعرف منْ صرَّحَ مِن أهل البيت بأنهم كفار تصريح فليُفِدْنا ذلك، فغير منكر أن يعلمَ -أيده الله- ما لم نعلم، فهذا الوجه ذكرتُه، لأن القسمة العقلية تحتمِلُه، وما أظُنُّ السيدَ يقول إلا بالوجه الأول وهو أن العلمَ بعنادهم مما لا يجب اشتراكُ العقلاء فيه، لكن إذا كان مما لا يجب اشتراكُ العقلاء فيه فكيف غَفَلَ السيد، واحتج على الخصم بذلك؟ الإشكال الرابع: أن العلمَ بتعمُّد الباطل والظن لذلك مما يستندُ إلى الأمارات، والأمارات مما لا يختص بالكفار، وكذلك تَعَمُّدُ لباطِل ممكنٌ في حقِّ الكفار والمسلمين، وسواءٌ كان ذلك الباطل كفراً أو فسقاً، أو معصية ملتبسة، فيلزم السيد -أيده الله- أن يجيز الاحتجاجَ على الخصوم بالجرح المستند إلى فهم تعمد الباطل في حقِّ أهل العدل والتوحيد

стр. 584

وغيرهم، فيلزمه أن يُسَوِّغَ للقائل أن يقول: إن أبا حنيفة متعمِّد للباطل، لقوله: إن القياسَ مُقدَّم على الخبر (١)، بل لما هو أعظمُ من هذا مثل قوله: إِن النهي يقتضي الصِّحَّةَ (٢) وغيرُ ذلك من المسائل الضعيفة، ومثل قول أبي يوسف، وأبي العباس ﵇: إن الماء المستعمل (٣) نجس، لأن المعلومَ أن النبي ﷺ لم يكن يَحْترِزُ مما يترشَّشُ منه كما يحترِزُ من البول، ولأنه يَبْعُدُ في النظر أن يكون الوجهُ طاهِراً، والماءُ طاهراً، فإذا التقيا كانا حَالَ الالتقاء طاهرَيْنِ، فإذا انفصلَ الماءُ الطاهر من الوجه الطاهر إلى الهواء الطاهر صارَ الماءُ كالبول وأمثال هذا. فقد رُوِيَ عن ابن مسعود

стр. 585

أنه قال: إن التيمُّم غيرُ مشروع للجنب، ورُوجِعَ في هذا، واحْتُجَّ عليه بالحديثِ والآية، فقال: لَوْ رخَّصنا لهم في هذا لكان يوشِكُ أن يتيمم أحَدُهُم مِن بردِ الماء (١). فكان يلزم على كلام السَّيِّد أن يكون للمُتَعَنِّت سبيلٌ إلى جرح كثيرٍ من الثقات لمجرد سُوءِ الظن، والهجوم بغيرِ علم، وأنه يلزمنا أن نسكت لمن قال ذلك، لأنَّه أخبر عن علم ضروري أو عن ظنٍّ حَصَلَ بقرينة صحيحة، وأبو حنيفة، وأبو العباس وابنُ مسعود وغيرُهم غيرُ معصومين مِن تَعَمُّدِ الباطل، وكذلك يمكن المتعسف على أصله أن ينسب إلى المعتزلة والفقهاء تَعَمُّدَ الباطل حيث أنكروا تقديمَ علي ﵇ في الإمامة، واختصاصه بها مع ما لهم مِن الذكاءِ العظيم، ومع مخالطتهم لكثيرٍ من أهل البيت، وبيان أهل البيت للأدلة، ومضي الزمان الطويل على ذلك، بل يُمكن تكلفُ تعمد الباطل لأكثر العلماء، فمن الذي لم يُنْقَدْ عليه قولٌ ضعيف، ولِهذا قيل: كُلُّ أحدٍ يؤْخَذُ من قوله وُيتْرَكُ إلا رسولَ الله

стр. 586

- ﷺ (١) وقد طوَّل السيدُ الكلامَ في هذا في المسألة الثانية (٢)، وسيأتي هنالك مزيدُ بيانٍ لهذا الفصل، إن شاء الله تعالى. قال: وأما الدليلُ، فقد احتج القائلون بوجهين: أحدُهما: أنَّ الظن يَحْصُلُ بصدقه، لأنَّه متدين يخافُ العقابَ على كذبه، ويرجو الثوابَ على صدقه. والثاني: أن الصحابة قَبِلُوا رواية قتلة عثمان، وقَبِلَ بعضُهم روايةَ بعض بعدَ ظهور الفتن. أقولُ: كلامُ السَّيِّد هذا دالٌّ على أن القائلين ما احتجُّوا إلا بحجتين وهو مفهومٌ ظاهر، وهو المسمَّى بمفهوم العدد أحدِ أقسام المفهوم المعروفة في الأصول، وهذا لا ينبغي مِن السَّيِّد أيده الله مع كثرة اطلاعه وسَعةِ معرفته، وسوف يأتي في الفصل الثاني -إن شاء الله- ذِكْرُ بعضِ ما احتجُّوا به مما عرفت أنَّه يحتح لهم به على قِلَّة معرفتي، فقد ذكرتُ في هذا الجواب خمساً وثلاثين حُجة أضعفُها لا تَقْصُرُ عن مساواة بعضِ حجج السيدِ التي احتج بها على ردِّ المتأولين، كما سيأتي بيانُ ذلك كُلِّهِ. قال: واحتج الرادون بوجوه: الأول: قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

стр. 587

أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ [الحجرات: ٦] وهذا في معنى العموم، كأنه قال: إن جاءكم فاسق، أيَّ فاسِقٍ كان، كقولك: إن جاءك رجل فأكرمه، فإنه يقتضي إكرام أيِّ رجل جاء، وإن لم يتناول مجموع الرجال، ولأنه عَلَّق الحكمَ على صفة تقتضي التعليلَ، وكأنَّه قال: إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا أن تصيبُوا قوماً لأجل فسقه، فيقتضي العمومَ مِن هذا الوجه. أقول: كلامُ السَّيِّد أيَّده الله في الاحتجاج بهذه الآية يحتمل إيرادَ إشكالات كثيرة، نذكر منها ما حَضَرَ: الإشكال الأول: أن نقول: احتجاجُ السَّيِّد بهذه الآية ينبني على أنه لم يكن يَسْبِقُ إلى الأفهام عندَ إطلاق لفظ الفاسق على عهد رسول الله ﷺ إلا على مرتكب الكبيرة تأويلاً وتصريحاً، فكان ينبغي منه أن يذكُرَ الدليل على هذا، فإنه قاعدةُ دليلِهِ، ويجب عليه أن يبين على ذلك دليلاً قاطعاً، وإلا لم يمنع خصمه من الخلاف والمنازعة وقد نسي السيدُ هذا، ولا يصِحُّ له الاستدلالُ إلا به، ونحن ننازِعُه في ذلك من طريقين: الطريق الأولى: أنَّه قد ورد في السمع ما يَدُلُّ على أن الفاسق كان في ذلك الزمان يُطلق على الكافر كثيراً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُون﴾ [البقرة: ٩٩]، وقولِه في المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون﴾ [التوبة: ٨٤]، وقولِه تعالى فيهم أيضاً: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ (١)

стр. 588

رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون﴾ [السجدة: ٢٠] وقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾ [الحشر: ٥]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [الحشر: ١٩] وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ [المنافقون: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] إلى غير ذلك مما يطولُ تعدادُه. إذا عرفتَ هذا فلا شك في أمرين: أحدهما: أن هذه الآياتِ دالةٌ على أن الفاسق في العُرف الأول يُطلق على الكافر ويَسْبِقُ إلى الفهم. وثانيهما: أن العرف المتأخِّرَ هو أنَّ الفاسق مقصورٌ على مُرتكبِ الكبيرة التي ليست بكفرٍ، ولا يَسْبِقُ إلى الفهم في هذا العُرف المتأخر إلا ذلك فاختلف العُرْفانِ، فلا يجوز أن نُفَسِّرَ القرآنَ بالعُرف المتأخر، لأن الله تعالى لا يُخاطبُ الناس إلا بما يسْبِقُ إلى أفهامهم، وهو القِسْمُ المعروف بالمبين في الأصول، أو بما لا يُفهم منه شيء ثم يُبينه وهو المُجْمَلُ. فإن قلت: هذا خلافُ مذهب أهلِ البيت ﵈. قلتُ: ليس كذلك، لأنَّ أهل البيت لم يتكلَّمُوا على أنَّه لم يكن الكافرُ يسمَّى فاسقاً في وقت النبي ﷺ بحيث يسبِقُ إلى الفهم عند ذكر الفاسق أنه الكافر، وإنما تكلموا على أن مرتكب الكبيرة يُسَمَّى فاسقاً، ولسنا نُنازِعُ

стр. 589

في ذلك، فإنا نقول: إنَّه يسَمَّى فاسقاً في وقت النبي ﷺ ، وفي الوقت المتأخر لكنِ التسميتان مفترقتانِ فالمتقدمة في زمانه ﵇ لغوية غيرُ سابقة إلى الأفهام إلا بقرينةٍ، والتسميةُ المتأخرة في زماننا عُرفية سابقة من غير قرينة، وهذا شيء لم ينصَّ أهلُ البيت على خلافه. فإن قلتَ: فقد ورد في القرآن الفسقُ لغيرِ الكفر في مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَان﴾ [الحجرات: ١١] وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ [الحجرات: ٧]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْق﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالجواب: أنا لم نَدَّع أن الفسقَ لم يرد في الكفر بل قلنا: إِنه فيه حقيقة عرفيةٌ سابقةٌ إلى الأفْهام مِن غير قرينة وهو في غيره حقيقةٌ لغوية، وذلك مثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح: " إنَّ النِّسَاءَ كَوَافِرٌ " قَالُوا: يا رسولَ اللهِ يكفرن بالله؟ قال: " لا، يَكْفُرْنَ العَشِيرَ " (١)، فلم يكن هذا مانعاً مِن كون الكفر في ذلك الزمان اسماً عرفياً لما يخَالِفُ الإِسلامَ، وفي الحديث من هذا القبيل شيء كثير. فإن قلتَ: فهذا يقتضي أن الفِسقَ يَشْمَلُ الكفرَ وسائرَ الكبائر، وأن دخولها في هذه الآيةِ على السواء (٢)، فلم قلتَ: إن إطلاقه في ذلك الزمان على الكافر كان أسبقَ إلى الأفهام؟

стр. 590

قلتُ: لأن القرآن قد دلَّ على اسم الفاسق والفاسقين مما يختصُّ بالكفار، كقوله تعالى. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [التوبة: ٦٧] فأفاد قصرَ الفاسقين على المنافقين كما هو معروف في علم المعاني، فلو كان كما ذكرت، لكان يكون الحقيقة أن المنافقين هم بعضُ الفاسقين، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة: ٢٠] إِلى قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، والدلالات في هذه الآيات ظاهرة، وهذا هو الأكثرُ من النصوص القرآنية، وقد جاء في القرآن ما يَدلُّ على اختصاص أهلِ الكبائر بهذا الاسم، ولكِن مجيئاً قليلاً، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فهذا ظاهِرُه متعارض، ولا بُدَّ من العدول عن الظاهر إما من الحقيقة العُرفية إلى اللغوية، وإما من الحقيقة إلى المجاز، وكلاهما لا يجوزُ إلا لضرورة، والتجوزُ فيما ورد قليلاً نادراً أولى مِن التجوُّز في الأكثريِّ المستمِر. فإن قلت: فقد ورد اسمُ الفسق لغير الكفر كثيراً غير نادر كما قدمناه آنفاً. قلت: على تسليم التساوي في الكثرة، فليس هذا موضع النزاع، فإنا إنما نازعنا في الفاسق والفاسقين ونحو ذلك مما ورد بصيغة فاعل، وذلك لأنَّه إذا ثبت في اسم الفاعل عُرْفٌ لم يلزم في المصدر كالدَّابة والدَّبيب، فإن الدابة في العرف للبهيمة المعروفة، والدَّبيب لا يختص بها، سلمنا أنَّه لا يكونُ التجوز في النادر أولى، فنحن نقول: أحدهما مجاز، والآخرُ حقيقة، فدل بدليل قاطع على أن المجاز هو إطلاق الفسق

стр. 591

على الكفار، وإنما (١) اشترطنا أن يكونَ دليلُك قاطعاً، لأنَّك ادعيتَ أن المسألةَ قطعية، وحَرَّمْتَ الخلافَ على خصمك، وله أن يُنَازِعَك ما لم يكن دليلُك قاطعاً، لأن أقصى ما في الباب أن سؤالَنَا غيرُ راجح ولا ظاهر، لكنه محتمل مرجوح أو مساوٍ، فعليك دفعُ الاحتمال. الطريق الثانية: سلمنا لك أنَّ النصوص القرآنية لم تدل على أنَّ الفاسق يختصُّ في عُرف أهلِ ذلك الزمان بالكافر، لكن قد حَصَلَ لنا منها ما يقتضي القطعَ بأن العُرف في الفاسق في زمان النبي ﷺ غيرُ العرف في وقتنا مثل قوله تعالى في الكفار: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله تعالى في المشركين: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ومثل قوله في اليهود: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) [المائدة: ٥٩] وقوله فيهم: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] فَهذِهِ النصوص -كما ترى- دالةٌ على أن في الكفار المصرحين من لا يستحِقُّ أن يُسَمَّى فاسقاً، فدلَّ ذلِكَ على أن ثَمَّ عُرفاً في اسم الفاسق غيرَ هذا العرفِ الذي اصطلح عليه المتأخرون، وغير الحقيقة اللغوية. الإشكالُ الثاني: أنا نقول: قد ورد في اللغة ما يَدُلُّ على أن الفسق تعمدُ المعصية، وأن الفاسقَ المُتَعَمِّدُ ، فبطل احتجاجُ السَّيِّد بالآية على المتأوِّلين، وإنما قلنا: إن ذلك قد ورد في اللغة، لأن الزمخشري قال في تفسير قولِه تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: متمردون خُلَعَاءُ لا مُرُوءَةَ تَزَعُهُم، ولا شمائِل مَرْضِيَّة تردعهم، كما يُوجد ذلك في بعض الكفرة مِن التَّفادِي

стр. 592

عن الكذب، والنَّكْثِ والتَّعفف عما يثْلِمُ العِرضَ، وَيَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السوء (١). فهذا تصريح بتفسير الفاسقين بمن لا يتفادى عن الكذب والنَّكث، وبأنَّهم أهلُ الخلاعة الذين لا مروءة لهم ولا حياء، وهؤلاء مردودون بالإجماع، وإن لم يكن لهم معصيةٌ إلا مجرد الخلاعةِ وقلة الحياء، ولهذا عَدَّ العلماء كثيراً من المباحات التي لا يفعلُها إلا الخلعاءُ من الجرح في العدالة وإن لم يكن فاعلُها يستحقُّ العقاب، لما كانت دالة في العادة على أن فاعلها يجترىءُ على الكَذِبِ والمعاصي. وقال المؤيَّدُ بالله في " الزيادات " -وقد ذكر قولَ الهادي ﵇: مَنْ نكَثَ بَيْعةَ إمَامِهِ طُرِحَتْ شهَادَتُه- نقول: مَنْ أنكر إمامته لأجل الفسوق والتهتك لا لأجل النظر في أمره، والتفكر في أحواله. وقال المؤيَّد بالله مرةً: لعله -يعني الهادي ﵇ قال ذلك اجتهاداً، ولكنه يضعفُ عندي إذا كان مستقيمَ الطريقة في سائر أحواله، فإن عُرِفَ منه الفسوقُ بما يقوله، فإني لا أقبلها. انتهي كلامُه ﵇. وهو ظاهرٌ في أنَّه أراد بالفسوقِ تَعَمُّدَ المعصية، وإلا فالنَّاكث لبيعة إمامِ الحق فاسقٌ في العرف المتأخر، سواء كان متأولاً أو متعمداً. وقال عبدُ الصمد في تفسير هذه الآية: وسمَّى الله الوليدَ فاسقاً، لكذبه الذي وَقَعَ به الإغراء. وقال القرطبي في هذه الآية في تفسيره: وسُمِّي الوَلِيدُ فاسقاً، أي

стр. 593

كاذباً. وقال العلماء (١): الفاسقُ: الكذَّاب. وقيل: الذي لا يستحي من الله. وقال الزمخشري في موضعٍ آخر: والمرادُ بالفسق: التمرُّدُ والعُتُوُّ. وقال في " الضياء " (٢): العتو: هو الاستكبارُ، يقال عتا عُتُوّاً: إذا استكبر وعصى. وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ ﷺ أنَّه فسر الكبْر بغَمْصِ الناس وَبَطرِ الحق (٣)، ولا شكَّ أن هذا التفسير النبوي يَدُلُّ على أن بَطَرَ الحق: هو دفعُه على جهة التعمد والأنَفَةِ من القول به (٤) لأنَّه لا مناسبة بين الكِبْرِ والجهل بالحق من غير تعمُّدٍ لدفعه، ولا أنفةٍ من قبوله، ومنه حديثُ حُذَيْفَةَ قال في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾: إنَّه ما بقي مِنْهُم إِلاَّ ثلاثة، ولا مِنَ المُنَافقِينَ إلا أرْبَعَة، فقال أعرابي: إنَّكُمْ -أصْحَابَ مُحَمَّدٍ-

стр. 594

تُخْبِرُونَنَا (١) فلا نَدْرِي، فما بالُ هؤلاء الذين يَبْقرونَ (٢) بُيُوتَنَا، ويسرِقُون أعْلاقَنَا (٣) قال: أولئِك الفساق (٤) -أجَلْ- لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلا أربعةٌ أحدهم شيخ كبير لو شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ لما وَجَدَ بَرْدَهُ (٥). رواه البخاري (٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة في تفسير قولِه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]. فدلَّ ذلك على أن الفسقَ في اللغة، هو التمردُ والتكبر، والأنَفَة من قبول الحق، والتعمد للباطل، وذلك لا يتناولُ المتأوِّلَ المتديِّنَ المتواضِعَ المتخَشِّعَ الذي يَغْلِبُ على الظن صدقه، أقصى ما في الباب أن هذا السؤال غيرُ راجح ولا ظاهر، لكنه محتمل، إما مساوٍ، وإما مرجوح، وعليك إبطالُ ذلك، ورفعُ الاحتمال بدليلٍ قاطع، لأنَّك ادَّعَيْتَ أن المسألة قطعية، ومنعت المنازعةَ فيها. الإِشكال الثالث: أنَّ المتأوِّلين كانوا غيرَ موجودين في ذلك الزمان، وما كان غيرَ موجودٍ لم يسبق الفهمُ إلى إرادته، وما لم يسبق الفهمُ إلى إرادته لندوره، وقلةِ حضوره في الذهن، فقد اختلف العلماءُ هل يتناولُه العمومُ مع وجوده، ومع صريحِ العموم؟ كيف، وهو في مسألتنا غيرُ

стр. 595

موجود بالمرة، والعمومُ غيرُ صريح، فإن السَّيِّد أقر أن الآيةَ في معنى العموم. ومثالُ ذلك أن الرجلَ لو قال لغيره: وكَّلْتُكَ أن تشتري لحماً بهذه الدراهمِ، وكان العُرف السابقُ إلى الأفهام في بلدهم أن المرادَ باللحم لحمُ البقر والغنم ونحوها من الأنعام، فشرى له لحمَ حوتٍ أو صيدٍ أو طيرٍ، أو لحمَ ضَبُعٍ أو ثعلبٍ إن كانوا يَرَوْنَ جَوازَ ذلك وغير ذلك، وكذا لو وَكَّلَه أن يشتريَ له حَبّاً والعُرَف معهم في الحَبِّ للبُر والشعير، فاشترى له دُخناً أو نحوه، وكذا لو باعَ منه ثوبَه بمدٍّ أو صاع، ولم يُعين أيَّ نوع، انصرف إلى العُرف، كما في زماننا: لو أقر بزبدي (١) لم يكن زبدي حلبةٍ ولا ملح ولا حِلْف (٢) ولا نحو ذلك، إذا تقرر هذا، فقد قال بعضُ العلماء: إن لفظَ النبي ﷺ كذلك لا يتناولُ إلا الموجوداتِ المستعملاتِ، وكأن هذا ذهب إلى أن استعمالَ اللفظ في الموجود المستعمل كثيراً قد صار عرفاً، وطَرَّد الباب وهذا صحيح إذا صحت هذه القاعدة، فإنه لا خلاف أن الشيء -إذا كان له حقيقتان عُرفية ولُغوية- إن العُرفية هي المعمولُ عليها، المصروفُ إليها كلامُ الله تعالى، وكلام رسوله ﵇. إذا تَقرَّرَ هذا فاعلم أن المتأوِّلين في زمان رسول الله ﷺ بالنظر إلى الفُساقِ كلحم الصيد والطيرِ بالنظر إلى اللحوم المستعملة، بل لحمُ الصيد والطير أعرفُ في زماننا، لأنَّه موجود كثير، ولكن استعمال غيره أكثرُ، فكان حملُ اللفظ على الأكثر هو الواجب، فكيف والمتأوِّل معدوم في زمانه ﷺ وقتَ نزولِ هذه الآية؟ أليس يكونُ حملُ اللفظ على الموجود دونَ

стр. 596

المعدوم أولى من حمله على الأكثرِ دونَ الموجود الكثير على هذا الأصلِ؟ لا سيما وليس العموم بصريحٍ فكان يجبُ على السَّيِّد -أيَّده الله- أن يُبطل هذا القول. الإشكال الرابع: أنها جاءت أدلةٌ على أن المتأوِّل في الكبيرة التي ليست بكفرٍ يُسمَّى مسلماً بنصِّ النبي ﷺ مثل ما يُسَمَّى مُوَحِّداً (١)، ومِن أهل الملة، ومِن أهل القبلة، والمسلم مقبول. أمَّا المقدمة الأولى -وهو أنَّه يُسمَّى مسلماً وإن كان عاصياً باغياً- فكقولِ النبي ﷺ في حديث الحسن: " إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ وسيُصْلِح اللهُ به بَيْن طائفتيْنِ عظيمتين من المُسلمين " (٢)، وهذا حديثٌ صحيح مشهورٌ متلقىً بالقبول روته الزيديةُ، وعلماءُ الحديث، وكلُّ من تكلَّم في فضائل الحسنِ بنِ علي ﵉ غالباً. وقال الحافظ ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (٣) في مناقب الحسن ﵇: رواه اثنا عشر صحابياً.

стр. 597

وليس يدخل فيه من عَلِمْنَا بالقرائنِ أنَّه معاندٌ مجترىءٌ غير متأوِّل منهم، ولا مَنْ صحَّ في الحديث أنَّه منافق أو نحو ذلك، لأن حكم الواحدِ المخصوص لا يتعدَّى إلى الجماعة، ولا يلزمُ مِن خروج الخصوصِ بطلان العموم. وفي " صحيح مسلم " عن عمَرَ بنِ الخطاب ﵁ أن جبريلَ ﵇ سأل النبيَّ ﷺ عن الإسلام، فقال: " شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمَّداً رسولُ الله، وإقَام الصَلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحجُّ البَيْتِ، وصَوْمُ رمضان " (١). وفي الحديثِ من هذا القبيل ما يطولُ ذكرُه، والمتأولون ممن ليس بكافر قائمون بهذه الأركان، وقد سمَّى رسول الله ﷺ أصحاب معاوية مسلمين في حديث الحسن ﵇ (٢)، وهو خاصٌّ لا يُعَارَضُ بالعمومات، وكذلك ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أن أصحابَ معاوية بُغَاة كما جاء في حديث عمار: " تقْتُلكَ يَا عَمَّارُ الفِئَة البَاغِيَةُ " (٣) خرجه

стр. 598

أهل الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ وجميع أهل البيت وأهل الحديث والشيعة، وحكم علماء الحديث بتواتره، منهم الذهبي ذكره في " النبلاء " (١) في ترجمة عمار ﵁، وهو مذهبُ أئمة الفقهاء، ومذهبُ أهلِ الحديث كما نقله عنهم العلامة القُرطبي في أواخر كتابه " التذكرة في التعريف بأحوالِ الآخرة " (٢) كما سيأتي بيان ذلك مبسوطاًً في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. فلا يخلو، إما أن يُثبت أن أصحابه يسَمَّوْنَ فسقةً في ذلك الزمان بنصٍ صحيح مثل ما ثبت أنهم يُسمَّوْنَ مسلمينَ وبغاةً، أو لا، إن لم يثبت ذلك لم تَنَاوَلْهمُ الآية الكريمة، وإن ثبت ذلك، فقد تناولهم اسمُ الفسق الذي يرد أهله، واسم الإسلام الذي يقبل أهله، فتعارضَ دليلُ قبولهم، ودليلُ ردِّهم، ولم يكونوا كالذين يُسمَّوْنَ فساقاً فقط، ولا يُسمون مسلمين ألبتة. فلا تدُلُّ الآيةُ الكريمة على مقصودِ السَّيِّد حتى يرتفِعَ هذا الاحتمالُ، فإنَّه إما راجحٌ، أو مساوٍ، أو مرجوحٌ محتمل، يوضِّحُ ذلك إن التفسيرَ للآية بذلك هو المشهور في كتب أهل البيت ﵈ كما ذكره صاحب (٣) " شفاء الأوام " وادَّعى الإجماع عليه، فإنه قال في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: وقولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ [الحجرات: ٦] تدل على المنع من الإيصاء إلى الفاسق، وقولنا: إن الوصية لا تجوزُ إلى الفاسق نريدُ الفاسق المجاهر، فأما الفاسقُ

стр. 599

مِن جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءته في النكاح كما تقدَّم، ونقبلُ خبره الذي نجعلُهُ أصلاً في الأحكام الشرعية لإِجماع الصحابة ﵃ على قبول أخبارِ البُغاة على أمير المؤمنين ﵇، وإجماعُهم حجة. انتهي كلامُه ﵇. فإن قلتَ: الدليلُ على أنهم لا يُسَمَّوْنَ مسلمين إجماع أهل البيت ﵈. فالجوابُ أنَّ أهلَ البيت ﵈ لم يتكلموا في هذه المسألة، وإنما أجمعوا في صورتين لم نُخالفهم في واحدة منهما (١): إحداهُما: أجمعوا أن حُكْمَ الفاسق في الآخرة غيرُ حكمِ المسلمين القائمين بالواجبات، المجتنبين للمحرمات، ونحن لا نُخالفهم في هذه الصورة (٢). الصورةُ الثانية: أجمعوا أنَّه لا يُسمى مؤمناً ولا مسلماً ولا كافراً في هذه الأعصار الأخيرة، لأنها قد صارت هذه الأسماء في هذا العرف الأخير تُفيد معانيَ مختلفةً يترتَّبُ عليها أحكام شرعية، وللعرف تأثير في تحريم إطلاقِ الألفاظ، ألا ترى أنَّه قد ورَد في الحديث تسميةُ كثير من المعاصي بالكفر (٣)، ولا يجوز أن يُسَمَّى فاعِلُها اليوم كافراً. وتلخيصُ هذا الوجه أن

стр. 600

المسلم والمؤمن لم يكن معلوماً أنَّه يفهم من إطلاق أهل العلم لهما في ذلك الزمان، أنهما يُفيدان عدمَ فسق التأويل، ولا ثبوتَه، وأما اليومَ، فقد صار العارفُ لا يُطْلِقُ هذه اللفظة على فاسقِ التأويل، فلو قال العارف اليوم في فاسق التأويل: إنَّه مسلم كان تزكيةً له من فسق التأويل، ولو قال ذلك قائلٌ في الصدر الأول، جاز أن لا يكون تزكيةً من فِسْقِ التأويل. ويدُلُّ على هذه التفرقة بين الأزمان في جواز إطلاق الأسماء وعدمه أن أهل البيت ﵈ لا يُجيزون أن يُسمَّى الكافِرُ فاسقاً في الزمان الأخير، لأن تسميته بذلك تُفيد أنَّه ليس بكافر وقد ثبت بالنصوص المتقدمة أنه كان يُسمى فاسقاً في الزمان الأول، وهذا دليل واضح. فإن قلت: كيف يجوز أن يُسمى مسلماً في ذلك الزمان وهو اسمُ مدح، والفاسقُ لا يستحق المدحَ؟ قلتُ: كما يجوزُ أن يسمى مُوحِّداً ومصلياً وحاجّاً، وذلك لأن هذه أسماء فاعلين، وكُل من فعل فعلاً حسناً أو قبيحاً، اشتق له منه اسم، وإذا فعَل الفاسِقُ ما يستحِق أن يُمدح به، مُدِحَ بما فعل، كما يُوصَفُ حاتِم بالكرم، وعنترةُ بالشجاعة ولا مانع من هذا، وإنما يمتنع مدحُه على فسقه أو مدحُه على الإطلاق، فإن قدرنا إنَّه منع من هذا مانعٌ، لم يمنع من مجرد التسمية، فقد تصِحُّ التسميةُ من غير مدح، ويكون الوجه أن المدح لا يستحق إلا مع عدم الإِحباط، وأما مع الإحباط، فلا يكون مدحاً ولكن ليس بلازم إذا حَبط الثواب أن يَبْطُلَ اشتقاق اسم الفاعل، ودليلُه تسميةُ الفاسق موحِّداً، وأما المقدمة الثانية -وهو أن المسلم مقبول- فسوف يأتي الدليلُ عليها في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →