يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) [آل عمران: ٣٧] وقوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) [المائدة: ٢٤ - ٢٥] إلى غير ذلك من الآيات التي تحكي قصص الأولين، أو تصف أحوال القيامة واليوم الآخر، ولما كانت هذه الأحاديث والأحوال لم تمر بالرسول قطعا فهي لم تختزن بالتالي في المخ لتثيرها نوبات صرعية فيتذكرها، وبذلك يقرر الطب الحديث في أحدث اكتشافاته بالنسبة للصرع أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يكون هناك أدنى شبهة في إصابته بالصرع إطلاقا، وأن ما كان يعتريه إنما هي حالة نفسية وجسدية لتلقي وحي الله ، هذا الوحي الذي أخبره الله فيه عما مضى، وعما يستقبل (١).
٦ - ثم ما رأي هؤلاء الطاعنين وفيهم من ينتمي إلى بعض الأديان في أنهم لا ينالون من نبينا محمد ﷺ وحده، وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف أوحي بها من عند الله سبحانه فهل تطيب نفوس المقرين بالأديان منهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم وما رأيهم فيما جاء في كتب العهد القديم والجديد من إيحاءات ونبوءات وهل يقولون في وحي نبي الله موسى وعيسى- ﵉ ما يقولون في وحي نبينا محمد رسول الله ﷺ
اللهم إن هذا الطعن لا يفوه به إلا أحد رجلين: إما رجل مخرّف، وإما رجل مخرّب مدمر يريد هدم الأديان.
إن الرسول ﷺ ليس ببدع من الرسل في باب الوحي، وإنه أوحي إليه كما أوحي إليهم وصدق الحق ﵎ حيث يقول:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ
المبحث الثالث: أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه
[فوائد هذا المبحث]
هذا المبحث .. المدار فيه على النقل عن الصحابة والتابعين، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة، أو الجمع بين ما ظاهره التعارض منها، ويترتب على العلم بأول ما نزل، وآخر ما نزل فوائد منها:
١ - معرفة الناسخ والمنسوخ: فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضوع واحد، وحكم إحداهما يغاير الأخرى تغايرا لا يمكن معه الجمع، فنعرف أن المتأخر منها ناسخ للمتقدم.
٢ - معرفة تاريخ التشريع الإسلامي: وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي نزلت في فرضية الصلاة بمكة، قبل الهجرة، وأن الآيات التي نزلت في فرض الزكاة (١) والصوم كانت في السنة الثانية بعد الهجرة .. وأن الآيات التي نزلت في فرض الحج كانت في السنة السادسة، على ما هو الراجح، أمكننا أن نرتبها ترتيبا تشريعيّا، فنقول: إن أول ما فرض الصلاة، ثم الصوم ثم الزكاة، ثم الحج.
ومثل ما إذا عرفنا: أن آية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...
[سورة الحج: ٢٨] نزلت بالمدينة في السنة الثانية، علمنا: أن تشريع الجهاد كان بالمدينة، بالسنة الثانية وهكذا بقية التشريعات.
٣ - معرفة التدرج في التشريع، فتوصل إلى حكمة الله- سبحانه- العالية في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما
стр. 109
إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن تحريم الخمر، وقد ذكرنا ذلك آنفا، ومثل ما إذا عرفنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد نزلت أولا، وأن الآيات التي نزلت في التشريعات التفصيلية، والأحكام العملية نزلت بعدها، أدركنا أسرار الله في التربية والتشريع، فما لم تعرف الأصول، وتطمئن إليها القلوب، لا يسهل الأخذ بالفروع.
الأولية والآخرية إما مطلقة وإما مقيدة:
ثم إن أولية النزول وآخريته تارة تكون على الإطلاق أي بالنسبة للقرآن كله، وتارة تكون مقيدة؛ إما بالنسبة لموضوع معين، وذلك مثل أول ما نزل في الجهاد، وآخر ما نزل فيه، وإما بالنسبة لمكان خاص مثل أول ما نزل بمكة، وآخر ما نزل بها، وأول ما نزل بالمدينة وآخر ما نزل بها، وإما بالنسبة لسورة ما؛ مثل أول ما نزل من سورة كذا وآخر ما نزل منها.
أما الأولية والآخرية المطلقتان، فسأتناولهما بالتفصيل، وأما المقيدتان فسأكتفي بضرب بعض الأمثلة؛ لأن استيعابها يحتاج إلى مؤلف خاص.
ولنبدأ بأول ما نزل وآخر ما نزل على الإطلاق.
٢ - أول ما نزل من القرآن
اختلف العلماء في هذا على أقوال أربعة:
القول الأول:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق ١ - ٥]، ويدل لذلك ما يأتي:
أ- روى البخاري ومسلم- واللفظ للبخاري- بسندهما عن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو
стр. 110
التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع (١) إلى أهله، ويتزود لذلك (٢)، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني (٣) حتى بلغ مني الجهد (٤) ثم أرسلني»، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق: ١ - ٥] فرجع بها إلى خديجة يرتجف فؤاده، فقال: «زملوني» (٥)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر- «لقد خشيت على نفسي» (٦)، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (٧)، وتكسب المعدوم وتقري الضيف ... » الحديث (٨) وقد سقت الحديث بطوله، وشرحته في كتابي «السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة» وعائشة، وإن لم تعاين القصة وتشاهدها، إلا أنه يحتمل أن تكون سمعتها من النبي بعد، أو حدثها بها صحابي سمعها من النبي، وأيّا كان الأمر فهو حديث متصل مرفوع، ولذلك أجمعوا على أن مراسيل الصحابة حجة.
ب- وروى الحاكم في «مستدركه» والبيهقي في «دلائل النبوة» وصححاه عن عائشة أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ومرادها
стр. 111
بالسورة صدرها، وإلا فباقيها نزل بعد، كما تدل على ذلك رواية الصحيحين.
ج- وروى الطبراني في «المعجم الكبير» - بسند على شرط الصحيح- عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى- يعني الأشعري- يقرئنا فيجلسنا حلقا، عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) قال: هذه أول سورة أنزلت على محمد ﷺ .
د- وأخرج ابن أشتة في كتاب «المصاحف» عن عبيد بن عمير قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ بنمط فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فيرون أنها أول سورة أنزلت من السماء.
وأخرج أيضا عن الزهري أن النبي ﷺ كان بحراء، إذ أتى ملك بنمط من ديباج (١) فيه مكتوب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) إلى ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق ١ - ٥]
ولعل هذا- إن صح- يفسر لنا الأمر بالقراءة في رواية الصحيحين؛ أي اقرأ ما في هذا النمط إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها الإمام السيوطي في الإتقان وهذا القول هو الصحيح، وعليه جمهور العلماء سلفا، وخلفا.
القول الثاني:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر: ١ - ٥] وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ويدل لهذا ما رواه الشيخان- واللفظ للبخاري- عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة عبد الرحمن: أي القرآن أنزل أول فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) فقلت: أنبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) وفي رواية يقولون: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١). فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) فقلت: نبئت أنه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١). فقال: لا أخبرك
стр. 112
إلا بما قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله: «جاورت في حراء (١)، فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فإذا هو (٢) جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: «دثروني» وصبوا علي ماء باردا، وأنزل علي يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤).
وقد أجاب القائلون بالأول عن هذا بأجوبة أحسنها وأخلقها بالقبول:
١ - أن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما «اقرأ» فهي أول ما نزل على الإطلاق.
ويؤيد هذا التأويل ويقويه ما رواه الشيخان أيضا من طريق الزهري- واللفظ للبخاري (٣) - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا» (٤)، فقلت: «زملوني، زملوني، فدثروني»، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) - قبل أن تفرض الصلاة- وهي الأوثان» (٥).
فقوله: وهو يحدث عن فترة الوحي (٦) نص على أن ذلك كان بعد فترة
стр. 113
الوحي، فهي أولية مقيدة لا مطلقة.
وكذلك قوله ﷺ : «فإذا الملك الذي جاءني بحراء .. » يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء، التي نزل فيها: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١).
على أننا نلاحظ أن جابرا استنبط ذلك باجتهاده، على حسب علمه من روايته، ولذلك لما روجع لم يجد بدّا من ذكر ما سمعه، ولم يقطع برأي، ثم لما تبين له الأمر، وتذكر الرواية التي فيها أن ذلك كان بعد فترة الوحي، ذكر ذلك صراحة كما في طريق الزهري بخلاف حديث عائشة فالمتيقن أنه من روايتها لا من اجتهادها.
ومن الأجوبة التي أجيب بها:
٢ - أن أول سورة «المدثر» مقيد بما نزل متعلقا بالإنذار، ولذلك دعا النبي بعدها إلى الله، بخلاف صدر سورة العلق، فهو مطلق غير مقيد بشيء خاص.
٣ - أن سورة «المدثر» أول سورة نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة «اقرأ» فإنها أول ما نزل منها صدرها (١).
أقول هذا الجواب غير مسلم، فقد ذكرت آنفا رواية الصحيحين عن جابر، وفيها «فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)».
فكيف يدعي مدع، أو يقول قائل: إن المدثر أول سورة نزلت بتمامها! فالحق أنه لا يصلح أن يكون جوابا.
ولذلك لما تعرض الحافظ ابن حجر في «الفتح» للتوفيق بين الحديثين- حديث عائشة، وحديث جابر- لم يذكر هذا الوجه (٢)، وإنما ذكره صاحب الإتقان.
стр. 114
القول الثالث:
إن أول ما نزل سورة «الفاتحة» وقد عزا هذا القول الزمخشري في «كشافه» إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر: بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل، وإلى هذا الرأي مال الأستاذ الإمام الشيخ: محمد عبده في تفسير سورة «الفاتحة».
وقد استدل الذاهبون إليه بما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» والواحدي بسنده عن أبي ميسرة- عمرو بن شرحبيل- أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد- والله- خشيت أن يكون هذا أمرا» (١) فقالت: معاذ الله! ما كان الله ليفعل بك (٢)، فو الله: إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت: اذهب مع محمد إلى «ورقة» - يعني ابن نوفل- فانطلقا، فقصا عليه، فقال: «إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي: يا محمد، يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق»!! فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني، فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ .. الحديث.
ويجاب عن هذا القول: بأنه حديث مرسل، وإن كان رجاله ثقات فلا يعارض حديث عائشة المرفوع، فالراجح هو الأول.
أقول: وليس فيه التنصيص على أن الفاتحة أول ما نزلت، فيجوز- على فرض صحة هذا المرسل أن تكون من أوائل ما نزل، وإلى هذا ذهب البيهقي قال: وإن كان- أي المرسل- محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه «اقرأ» و «المدثر» (٣) والظاهر أن الفاتحة من أوائل
стр. 115
السور نزولا كما يفهم ذلك من صنيع المرتبين للسور، على حسب نزولها.
القول الرابع:
إن أول ما نزل هو قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ واستند القائل بهذا إلى ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن، قالا: أول ما نزل من القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وأول سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأخرج ابن جرير، وغيره عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على النبي ﷺ قال: يا محمد، استعذ، ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقد أجاب السيوطي عن هذا القول، فقال: وعندي أن هذا لا يعد قولا برأسه، فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها، فهي أول آية نزلت على الإطلاق (١).
أقول: وهذا الجواب غير مسلم فالأحاديث الصحيحة في بدء الوحي كحديث عائشة وغيره لم تذكر قط نزول البسملة مع صدرها، والظاهر أنها نزلت بعد. عند نزول تمام السورة.
وقد ذكر «ابن عطية» في مقدمة تفسيره- عند حكاية هذا القول- أن في بعض طرق حديث خديجة، وحملها رسول الله ﷺ إلى ورقة بن نوفل أن جبريل قال للنبي ﷺ قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقالها، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ (٢)، فإذا ثبت هذا يكون مؤيدا لما أجاب به السيوطي.
نعم هذه الآثار والأحاديث لا تنهض لمعارضة حديث عائشة المرفوع الذي اتفق عليه صاحبا الصحيحين، فهو في أعلى درجات الصحة.
«إزالة إشكال»: لكن يشكل على الوجه الذي رجحناه، ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: «إن أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار؛ حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام؛ لأنه ليس
стр. 116
في صدر سورة اقرأ ذكر الجنة والنار، بل ولا في السورة كلها.
والجواب: أن «من» مقدرة في الكلام «أي» من أول ما نزل ...
ومرادها- ﵂ سورة المدثر، فإنها أول ما نزل بعد فترة الوحي، وفي آخرها ذكر الجنة والنار، فلعل آخرها نزل قبل نزول بقية «اقرأ» وبهذا يزول هذا الإشكال.
٣ - آخر ما نزل من القرآن
ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وإنما هي آثار مروية عن بعض الصحابة، والتابعين، استنتجوها مما شاهدوه من نزول الوحي، وملابسات الأحوال، وقد يسمع أحدهم ما لا يسمعه الآخر ويرى ما لا يرى الآخر، فمن ثم كثر الاختلاف بين السلف والعلماء، في آخر ما نزل وتعددت الأقوال وتشعبت الآراء، وإليك تفصيل القول في هذا.
القول الأول:
إن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى في آخر سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨) [البقرة:
٢٨١] والدليل على ذلك:
١ - روى النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية.
٢ - وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية.
٣ - وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية، ومن طريق الضحاك عنه مثله.
٤ - وأخرج ابن أبي حاتم بسنده، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية، وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين، لليلتين خلتا من شهر
стр. 117
ربيع الأول.
وأخرج ابن جرير في تفسيره مثله عن ابن جريج.
٥ - وذكر البغوي في تفسيره عند هذه الآية عن ابن عباس- ﵄ قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ ، فقال له جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين، من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله ﷺ واحدا وعشرين يوما- وقال ابن جريج: تسع ليال وقال سعيد بن جبير: سبع ليال.
٦ - وذكر الإمام الآلوسي في تفسيره عند هذه الآية، روي أنه قال- يعني رسول الله-: «اجعلوها بين آية الربا، وآية الدين» وفي رواية أخرى أنه ﷺ ، قال: «جاءني جبريل فقال: اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة».
وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال، وهو الذي تركن إليه النفس بعد النظر في هذه الأحاديث أو الآثار وذلك لما يأتي:
أ- لم يحظ قول من الأقوال التي سنذكرها بجملة من الآثار، وأقوال أئمة التفسير مثل ما حظي به هذا القول.
ب- ما تشير إليه هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر، والرجوع إلى الله ليوفّي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام.
ج- ما ظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها، وبين وفاة النبي ﷺ ولم يظفر قول غيره بمثل هذا التحديد، ولا يضر الاختلاف في تحديد المدة، فالروايات التي حددت المدة بينها قدر مشترك، وهو بيان قرب نزول هذه الآية من وفاة النبي ﷺ .
القول الثاني:
أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧٨) [البقرة: الآية ٢٧٨].
ويدل لذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على
стр. 118
النبي ﷺ آية الربا، وأخرج البيهقي عن عمر مثله، والمراد بآية الربا الآية التي ذكرناها.
والحق هو الأول ويجاب عن هذا القول: إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما بأن المراد أنها من أواخر الآيات نزولا.
ويؤيد هذا الجواب الأخير، وأنها ليست آخر آية على الإطلاق، ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، عن عمر نفسه قال: «من آخر ما نزل آية الربا». وما ذكره ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر فقال: «إن من آخر القرآن نزولا آية الربا».
والظاهر أن هذا هو مراد ابن عباس أيضا في روايته، وهذا التعبير له نظائر في اللغة العربية.
ويرى بعض العلماء (١) أن المراد بقول ابن عباس «آية الربا» أي الآية التي ختمت بها آيات الربا وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... وعلى هذا تكون رواية البخاري مؤيدة لما ذكرناه عن ابن عباس في القول الأول.
القول الثالث:
إن آخر آية نزلت آية الدين، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... الآية [البقرة: ٢٨٢] وهي أطول آية في القرآن. أخرج أبو عبيد في كتاب «فضائل القرآن» عن ابن شهاب الزهري قال: «آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا، وآية الدين» وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيب: «أنه بلغه أن آخر القرآن عهدا بالعرش آية الدين» مرسل، صحيح الإسناد.
ويجاب عن هذا القول: بأن هذه الآية آخر ما نزل في باب «المعاملات» فهي آخرية مقيدة، لا مطلقة كالآية الأولى.
стр. 119
وقد جمع السيوطي بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: «ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية وَاتَّقُوا يَوْماً ... وآية الدين لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، ولأنها قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح (١). ومقتضى هذا الجمع من الإمام السيوطي أن آية الدين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق.
ولكني أقول: إن في النفس من هذا التوفيق شيئا، وما ذكره غير مسلم له، فقد سمعت آنفا قول الفاروق عمر- ﵁ في أن آية الربا من أواخر الآيات، لا آخرها؛ واستدلال السيوطي بأن الآيات الثلاث في قصة واحدة- غير مسلم فالآية الأولى في ترك ما بقي من الربا عند المدينين بعد نزول آية التحريم، والثانية في التذكير باليوم الآخر، وما فيه من جزاء، والثالثة في أحكام تتعلق بالدين، فكيف يقال إذا إنها في قصة واحدة!!
ومما يضعف هذا الطريق في الجمع أيضا، أن آية الربا نزلت (٢) لما أسلمت ثقيف وأرادوا أن يستمروا على رباهم؛ فاشتكى بنو المغيرة- وكانوا مدينين لهم- إلى عامل رسول الله ﷺ فأنزل الله الآية آمرة لهم أن يتركوا ما بقي لهم من رباهم قبل التحريم، وإلا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله، وثقيف إنما كان إسلامهم في رمضان في السنة التاسعة، والظاهر أن هذه القصة كانت بعد إسلامهم، وأين زمن إسلامهم من زمن اختتام القرآن قبيل وفاة الرسول!
وقد ذهب الحافظ ابن حجر في «الفتح» إلى نحو ما ذكرت، ورجح أن آية وَاتَّقُوا يَوْماً ... هي الأليق بالختام فقال: طريق الجمع بين القولين:
القول بآية الربا، والقول بآية وَاتَّقُوا يَوْماً ... أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء: «آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ
стр. 120
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ... الآية. فيجمع بينه وبين قول ابن عباس، بأن الآيتين نزلتا جميعا، فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداها، ويحتمل أن تكون الآخرية في سورة النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه (١) والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول، وحكى ابن عبد السلام أن النبي ﷺ عاش بعد نزول الآية المذكورة- يعني آية البقرة- أحدا وعشرين يوما، وقيل: سبعا (٢).
وبعد هذا التحقيق يتبين لنا أن الصحيح أن آخر ما نزل على الإطلاق هي آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... لما حف بها من دلائل وقرائن.
القول الرابع:
إن آخر ما نزل هو قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ (٣) [سورة النساء: ١٧٦]، وآخر ما نزل من السور «براءة».
ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال:
آخر سورة نزلت «براءة» وآخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ....
ويجاب عن هذا بأن سورة براءة آخر ما نزل في شأن القتال والجهاد، أو أن في الكلام تقديرا؛ أي من أواخر السور نزولا سورة براءة وأن آية الكلالة آخر ما نزل في شأن المواريث، وقد سمعت آنفا قول الحافظ ابن حجر في هذا.
стр. 121
القول الخامس:
إن آخر ما نزل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) [النساء: ٩٣].
واستدل صاحب هذا القول بما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس.
قال: نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها هي آخر ما نزل وما نسخها شيء (١).
ويجاب عن هذا القول: بأنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدا فهي آخرية مقيدة، ويؤيد هذا قوله في الحديث: «وما نسخها شيء» فهو يدل على نزول شيء بعدها ولكن ليس بناسخ لها، وقوله في حديث النضر- عند مسلم- عن ابن عباس قال: «إنها لمن آخر ما أنزلت» (٢) وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عنه: «لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء» (٣).
القول السادس:
إن آخر ما نزل هو قوله تعالى في خاتمة سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) [سورة التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].
والدليل على ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال:
«آخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... إلى آخر السورة».
وروى ابن مردويه عن أبي أيضا قال: «آخر القرآن عهدا بالله هاتان
стр. 122
الآيتان: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... إلى قوله: وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) [سورة التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].
ويجاب عنه: بأنهما آخر ما نزل من سورة براءة، أو أنه أخبر بذلك بحسب ظنه واجتهاده.
القول السابع:
إن آخر ما نزل سورة المائدة، واستند صاحب هذا القول إلى ما رواه الترمذي، والحاكم عن عائشة- ﵂ قالت: «آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه».
ويجاب عن هذا القول: بأنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام، ولم ينسخ فيها شيء، ويشير إلى هذا آخر الحديث.
القول الثامن:
إن آخر سورة نزلت هي: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... (١)
السورة، روى هذا مسلم في صحيحه عن ابن عباس، ورواه النسائي أيضا عنه.
ويجاب عن هذا القول: بأنها آخر سورة نزلت بتمامها في حجة الوداع، فلا ينافي نزول آية أو آيات بعدها.
أو أنها آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبي- صلوات الله وسلامه عليه- ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس حين سأله عمر- ﵁ بمحضر من الصحابة عنها، فقال: «أجل، أو مثل ضرب لمحمد ﷺ نعيت إليه نفسه» (١) وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن عباس: «هو أجل
стр. 123
رسول الله ﷺ أعلمه إياه» (١).
فقال عمر- ﵁ ما أعلم منها إلا ما تقول، وروى أبو يعلى عن ابن عمر: «أن هذه السورة نزلت في حجة الوداع، في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع».
القول التاسع:
أن آخر ما نزل هو قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ... [آل عمران: ١٩٥] الآية. فقد أخرج ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ... والظاهر أن مرادها آخر آية نزلت في شأن النساء؛ فقد روي عنها أنها قالت: يا رسول الله، أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فأنزل الله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... [النساء: ٣٢]، وأنزل الله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب:
٣٥]، وأنزل الله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فهذه الآية آخر الثلاثة نزولا.
هذا وقد أوصل السيوطي في الإتقان الأقوال إلى عشرة (٢).
وقد عرفت أن القول الأول هو الصحيح الراجح، وعرفت الإجابة عما ورد مخالفا له، وأن المراد أواخر مقيدة، لا مطلقة وهذه الطريقة في التوفيق بين النصوص المتعارضة في هذا الباب هي أعدل الطرق، وهو المنهج الذي سلكه المحققون من العلماء، ولكن القاضي أبا بكر الباقلاني في كتابه «الانتصار» يذهب مذهبا آخر في التوفيق فيقول:
هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكل قال ما قاله بضرب من الاجتهاد، وغلبة الظن ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن
стр. 124
لم يسمعه هو.
ويحتمل أيضا: أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك؛ فيظن أنها آخر ما نزل في الترتيب.
ومرد هذا التوفيق بين الأقوال إلى غلبة الظن، والاجتهاد من القائل بناء على ما سمعه أو شاهده من قرائن، وقد لا يوافق الظن والاجتهاد الواقع ونفس الأمر، وقد تركنا صاحب هذا الرأي بين جملة من الاحتمالات، من غير أن يقطع برأي.
ويقرب من هذا الرأي في التوفيق ما ذهب إليه «البيهقي» أيضا حيث قال: «يجمع بين هذه الاختلافات- إن صحت- بأن كل واحد أجاب بما عنده».
٤ - التنبيه إلى خطأ مشهور
من الأخطاء المشهورة على ألسنة العامة، وبعض الخاصة (١) ما يزعمونه من أن قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (٣) [المائدة: ٣] هي آخر ما نزل من القرآن، فإنها تدل على إكمال الدين، في ذلك اليوم المشهود، الذي نزلت فيه، وهو يوم «عرفة» في حجة الوداع، وكان يوم جمعة، ففهموا منه أن إكمال الدين لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن الكريم.
والحق: أن هذا الزعم غير صحيح، ولم يقل أحد قط من العلماء إنها آخر ما نزل من القرآن، والإمام السيوطي، وهو الباقعة الذي لا يخفى عليه قول، سرد الأقوال في آخر ما نزل، ولم ينقل عن أحد مثل هذا القول بل نبه على خطئه، وزيفه (٢).
стр. 125
وقد رأيت في الآثار السابقة التي ذكرناها آنفا، أن آية الربا، وآية الكلالة من أواخر القرآن نزولا، بل آية وَاتَّقُوا يَوْماً ... نزلت بعد الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بأكثر من شهرين، فقد حددت رواية ابن أبي حاتم، أن نزولها كان قبل وفاة النبي ﷺ بتسع ليال مما يجعلنا نقطع بأن الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ليس آخر القرآن نزولا، وأن هذا الزعم لا نصيب له من الصحة.
بم يفسر الإكمال في الآية
وقد يقول لي قائل: «وإذا كان الأمر كما ذكرت، فبم تفسر إذا إكمال الدين وإتمام النعمة.
والجواب أن للعلماء المفسرين في فهم الآية رأيين:
الأول: أن المراد بإكمال الدين يومئذ، هو إنجاحه، وإقراره، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون، بفتح مكة، وإتمام حجهم الأكبر ولا شك أن الإسلام في حجة الوداع كان قد ظهرت شوكته وعلت كلمته، وأذل الشرك وأهله، وأجلي المشركون عن البلد الحرام، وانفرد المسلمون بالحج، والطواف بالبيت لم يشاركهم فيهما مشرك، فأي كمال بعد هذا وأي نعمة بعد تلك النعمة وإلى هذا الرأي ذهب العلامة ابن جرير الطبري في تفسيره حيث قال: «الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم، بإقرارهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، حتى حجه المسلمون، لا يشاركهم المشركون»، ثم أيده بما رواه بسنده عن ابن عباس قال: «كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت «براءة» نفي المشركون من البيت، وحج المسلمون، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان من تمام النعمة وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وهذا الرأي في تفسير الآية لا ينفي نزول آيات بعدها في الحلال والحرام والوعظ والتذكير.
الثاني: أن المراد بإكمال الدين إكمال الأحكام، والحلال، والحرام
стр. 126
فلم ينزل بعدها شيء من الفرائض، والتحليل والتحريم روي هذا عن السدي، وجماعة.
وعلى هذا الرأي فلا مانع من نزول آيات بعدها ليست منشئة لأحكام جديدة، بل مقررة لما سبق من الأحكام كآية الربا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨).
وذلك عند من يرى أنها آخر آية نزلت من القرآن (١) فإنها ليست منشئة لتحريم الربا إذ التحريم مستفاد قبل ذلك من آية آل عمران: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا
أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(١٣٠) وآية البقرة التي هي قبل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وإنما جاءت هذه مقررة ومؤكدة للحرمة.
وكآيات التذكير بالآخرة والوعظ والترغيب والترهيب وذلك مثل قوله:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... فإنها للتذكير باليوم الآخر والترغيب والترهيب.
ومن ثم يتبين لنا أن الآية كيفما فهمناها وحملناها لا تدل على أنها آخر القرآن نزولا، وهو ما قاله ثقات المفسرين، وأجمع عليه علماء علوم القرآن.
٥ - أمثلة لأوائل وأواخر مقيدة
هذا الذي قدمناه في البحثين السابقين إنما أريد به الأوائل والأواخر المطلقة، وإن كان التحقيق العلمي دعانا إلى تنزيل بعضها على أنها أوائل وأواخر مقيدة، وكما بحث العلماء في النوع الأول، بحثوا في الأوائل والأواخر المقيدة بمحرم خاص، أو بموضوع خاص، أو بسورة خاصة، أو ببلد معين وقد ذكروا لذلك أمثلة كثيرة منها:
[أول ما نزل فى الخمر وآخر ما نزل فيها]
١ - فمن ذلك الآيات التي نزلت في الخمر، فأول آية نزلت فيها هي
стр. 127
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] وآخر ما نزل في التحريم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠] فحرمت الخمر تحريما باتّا، وأراق الناس ما عندهم حتى سالت طرق المدينة.
[أول ما نزل فى الجهاد وآخر ما نزل فيها]
٢ - الجهاد: قيل أول ما نزل فيه قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) [الحج: ٣٩ - ٤١].
روى هذا الحاكم في المستدرك عن ابن عباس:
وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال: أول ما نزل في القتال بالمدينة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة: ١٩٠].
وقيل: إن أول ما نزل في القتال قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) [التوبة: ١١١] ذكره الحاكم في «الإكليل».
والذي تركن إليه النفس هو الأول؛ إذ فيه التصريح بمبررات الجهاد وبيان حكمته في الإسلام، وأن الغرض منه رد الظلم الواقع عليهم من المشركين، ودفعه وتأمين العقيدة حتى تجد سبيلها إلى القلوب، وتأمين أهلها، ومعتنقيها، وتأمين الدعوة إلى الله حتى لا يطغى الباطل على الحق، والكفر على الإيمان، والشر على الخير، وذكر المبررات،
стр. 128
والحكم هو الأليق ببدء التشريع.
أما الآية الثانية فقد ذكر أنها نزلت عام عمرة القضاء (١)، لما خاف المسلمون أن يباغتهم المشركون، فأنزل الله الآية مبينة لهم حلّ الدفاع عن النفس، والقتال في هذا الموطن، وتشريع الجهاد كان في السنة الثانية وبينهما بضع سنوات.
وأما الآية الثالثة فيبعد كونها أول آية؛ لأن سورة «براءة» من أواخر القرآن نزولا كما رواه البخاري عن البراء بن عازب، وهي إلى الترغيب في الجهاد أقرب منها إلى بدء التشريع.
وآخر آية نزلت في شأن الجهاد قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٣٦].
٣ - [أول ما نزل فى شأن القتل وآخر ما نزل فيها]
أول ما نزل في شأن القتل آية الإسراء، وهي قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) [الإسراء: ٣٣].
رواه ابن جرير عن الضحاك.
وآخر آية نزلت فيه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) [سورة النساء: ٩].
[أول ما نزل فى الأطعمة وآخر ما نزل فيها]
٤ - أول آية نزلت في «الأطعمة» بمكة: آية «الأنعام» وهي قوله تعالى:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [سورة الأنعام:
١٤٥].
ثم آيتا «النحل»: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ... [النحل: ١١٤ - ١١٥] الآيتين.
وبالمدينة: آية «البقرة»: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
стр. 129
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) [البقرة: ١٧٣] ثم نزلت آية «المائدة»: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ (٣) [المائدة: ٣].
[أول ما نزل من سورة التوبة وآخر ما نزل فيها]
٥ - روي عن مجاهد أنه قال: أول ما نزل من سورة «التوبة» قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ... [التوبة: ٢٦ - ٢٨] الآيات.
وعن مسروق، عن أبي الضحى (١): إن أول ما نزل من «براءة»:
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... الآية ثم أنزل الله أولها- أي السورة (٢) - ثم أنزل أخرها.
والآيات الأولى نزلت بعد حنين، وأما الآية الثانية، فالظاهر أنها نزلت في «تبوك» وحنين متقدمة على تبوك، فالراجح هو الأول.
وآخر ما نزل من «التوبة» هو قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ... الآيتان، وقد ورد أنهما آخر ما نزل من القرآن وأولنا ذلك: بأنهما آخر ما نزل من براءة.
[أول سورة نزلت بمكة وآخر سورة نزل فيها]
٦ - أول سورة نزلت ب «بمكة»: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي صدرها إلى ما لَمْ يَعْلَمْ وآخر سورة نزلت بها «المؤمنون» ويقال «العنكبوت».
٧ - وأول سورة نزلت بالمدينة
سورة «البقرة»، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» الاتفاق على ذلك، لكن في دعوى الاتفاق نظر، فقد نقل
стр. 130
«الواحدي» عن علي بن الحسين أن أول سورة نزلت بالمدينة وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١).
[آخر سورة نزلت بالمدينة]
وآخر سورة نزلت «براءة»، وقيل: سورة «المائدة»، وقيل: «سورة النصر»، أقول: والظاهر أن آخر سورة نزلت بالمدينة بتمامها هي سورة:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) ... فقد روي أنها نزلت في حجة الوداع في أوسط أيام التشريق على النبي ﷺ أما «براءة» و «المائدة» فهما من أواخر السور نزولا، ولم تنزلا دفعة واحدة.
***
стр. 131
المبحث الرابع أسباب النزول
ينقسم القرآن الكريم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين:
١ - ما نزل ابتداء من غير سبق سبب نزول خاص، وهو كثير في القرآن الكريم، وذلك مثل الآيات التي اشتملت على الأحكام والآداب، التي قصد بها ابتداء هداية الخلق
وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
٢ - ما نزل مرتبطا بسبب من الأسباب الخاصة، وهو موضوع بحثنا الآن، وليس من قصدنا في هذا المبحث استيعاب آيات القرآن، التي نزلت لأسباب خاصة وذكر أسبابها، إنما قصدنا ذكر مباحث كلية تعين على تفسير كتاب الله، ومعرفة القواعد والاصطلاحات في هذا الباب.
وقد ألف في أسباب النزول على سبيل التفصيل جماعة، منهم «علي ابن المديني» شيخ البخاري، ومنهم «الواحدي» و «ابن حجر» و «السيوطي» وله في ذلك كتاب حافل سماه «لباب النقول في أسباب النزول»، وهو مطبوع على هامش تفسير الجلالين.
ما هو سبب النزول
سبب النزول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمه أيام وقوعه.
والمعنى: أن حادثة وقعت، أو سؤالا وجه إلى النبي ﷺ فنزل الوحي بتبيان ما يتصل بهذه الحادثة، أو بجواب هذا السؤال، وذلك مثل حادثة «خولة بنت ثعلبة» التي ظاهر منها زوجها «أوس بن الصامت» فنزلت بسببها آيات الظهار (١)، ومثل ما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة، بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل عقبها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 132
آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) ... [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٣] الآيات.
وسواء أكان هذا السؤال يتعلق بأمر مضى مثل قوله تعالى في سورة الكهف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) [الآية ٨٣ وما بعدها]، أم يتصل بحاضر؛ مثل قوله تعالى في سورة «الإسراء»:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [الإسراء: ٨٥]، أم يتصل بمستقبل؛ وذلك مثل قوله تعالى في سورة «الأعراف»: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ... [الأعراف: ١٨٧].
والمراد بأيام وقوعه أن تنزل بعده مباشرة، أو بعد ذلك بقليل، مثل الآيات المتعلقة بقصة «أهل الكهف» و «ذي القرنين»، فقد نزلت بعد خمسة عشر يوما من سؤالهم النبي ﷺ (١)، ومثل حادثة الإفك، فقد نزلت الآيات المتعلقة بذلك بعد شهر (٢).
وهذا القيد في التعريف: يخرج الآيات التي تنزل ابتداء، بينما هي تتحدث عن قصص الأنبياء، وأحوال الأمم معهم، أو عن بعض الحوادث الماضية، كسورة «الفيل» مثلا، أو تتحدث عن مستقبل كاليوم الآخر وما فيه من نعيم أو عقاب؛ فإن هذه القصص والأحداث لا تعتبر أسباب نزول فتنبه لذلك، ولا تغلط فيه كما غلط بعض العلماء (٣).
طريق معرفة سبب النزول
لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح، ولا مجال للعقل فيه إلا بالتمحيص والترجيح؛ قال الواحدي في كتاب «أسباب النزول»: «لا
стр. 133
يحل القول في أسباب نزول القرآن إلا بالرواية والسماع، ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدوا في الطّلاب» أي بالغوا في طلب العلم.
فالمعول عليه في أسباب النزول: هم الصحابة، ومن أخذ عنهم من التابعين.
ومعرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا، وكثيرا ما يجزم بعضهم بالسبب، وربما لم يجزم بعضهم؛ فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما قال «الزبير» في قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... الآية.
روى الشيخان في صحيحيهما عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة (١) التي يسقون منها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن (٢) كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير: «يا زبير احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر (٣)» فقال الزبير: والله إني لأحسب هذا الآية نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ زاد البخاري «فاستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير رأيا أي أراد سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك (٤).
стр. 134
حكم قول الصحابي في سبب النزول:
وقول الصحابي في سبب النزول، له حكم المرفوع، كما نبه على ذلك الحاكم وابن الصلاح وغيرهما من أئمة علوم الحديث؛ لأنه قول فيما لا مجال للرأي فيه، ويبعد كل البعد أن يقول ذلك من تلقاء نفسه، فهو محمول على السماع أو المشاهدة.
وقول التابعي في سبب النزول، له حكم المرفوع إلا أنه مرسل، فقد يقبل إذا صح السند إليه، وكان من أئمة التفسير، الآخذين عن الصحابة، كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير؛ أو اعتضد بمرسل آخر، ونحو ذلك.
وممن كان عالما بذلك من الصحابة «عبد الله بن مسعود» ﵁ روى البخاري في صحيحه عنه قال: «والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلّا وأنا أعلم أين نزلت (١)، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت (٢) ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه».
التثبت في القول في سبب النزول:
وينبغي التثبت في سبب النزول، وإلّا دخل القائل تحت قوله ﷺ :
«واتقوا الحديث عليّ إلا ما علمتم فإن من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن- بغير علم- فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود.
وكان السلف الصالح يتحرجون من القول في سبب النزول بغير علم، قال محمد بن سيرين: «سألت عبيدة (٣) عن آية من القرآن، فقال:
стр. 135
اتق الله، وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن».
فوائد معرفة سبب النزول
لمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة منها:
الفائدة الأولى
: الاستعانة على فهم الآية، وإزالة الإشكال عنها، قال الواحدي في كتاب «أسباب النزول»: لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها، وبيان نزولها.
وقال ابن دقيق العيد: معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ... ولذلك أمثلة كثيرة منها:
أ- أنه أشكل على «عروة بن الزبير» ﵄ أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة من قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨] الآية، وذلك لأن الآية نفت (الجناح) ونفي الجناح لا يدل على الفرضية، حتى سأل خالته السيدة (عائشة) ﵂ عن ذلك، فأفهمته، أن نفي الجناح ليس نفيا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذ من التحرج والتأثم من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من عمل الجاهلية.
وقد روي في سبب هذا التحرج: أنه كان على الصفا صنم يقال له:
(إساف) وعلى المروة صنم يقال له: (نائلة)، وكان المشركون إذا سعوا تمسحوا بهما، فلما ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك ولأن الله لم يذكر السعي بين الصفا والمروة في القرآن كما ذكر الطواف بالبيت في قوله سبحانه: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ؛ فنزلت الآية لنفي هذا الحرج.
стр. 136
وقيل السبب أن بعض الأنصار كانوا يهلون ل «مناة» (١) الطاغية عند «المشلل»، فكان من أهل منهم لمناة: يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، تعظيما لها، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن هذا التحرج، فأنزل الله الآية لرفع التحرج.
وقد جاء بهذا وذاك الروايات الصحيحة في الصحيحين عن عائشة- ﵂ ولا منافاة بين الروايات، لأن فريقا منهم كان يطوف بينهما في الجاهلية فلما جاء الإسلام تحرج من ذلك، وبعضهم ما كان يطوف بينهما، ويتحرج من ذلك في الجاهلية، تعظيما لصنمهم، فلما جاء الإسلام استمروا على تحرجهم واستفهموا عن هذا،
فأنزل الله هذه الآية مزيلة لحرج الفريقين (٢).
وأيّا ما كان الأمر، فالآية لا تنافي الفرضية، كما قالت السيدة عائشة العالمة، ولو أراد الله ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت في ردها على ابن أختها وقد تأكدت فرضية السعي بين الصفا والمروة بفعله ﷺ وقوله: «خذوا عني مناسككم»، وقالت عائشة- أيضا- قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ومعنى «سن» شرع أو فرض، بدليل من السنة، لا من الكتاب، فلولا معرفة سبب النزول لما زال الإشكال ولفهم البعض الآية على غير وجهها.
ب- ومن ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ... [سورة الطلاق: ٤] فقد أشكل معنى هذا
стр. 137
الشرط على بعض الأئمة، حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد أزال هذا الإشكال سبب النزول، ذلك أنه لما نزلت الآية التي في سورة «البقرة» في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد- بفتح العين من- عدد- بكسر العين- النساء لم يذكرن: الصغار والكبار، فنزلت الآية، أخرجه الحاكم، عن أبيّ، فعلم بهذا: أن الآية خطاب لمن لم يعلم: ما حكمهن في العدة وارتاب: أعليهن عدة أم لا وأ عدّتهن كاللائي في سورة البقرة أم لا فظهر بهذا أن المعنى: إن ارتبتم- أي إن أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدون- فهذا حكمهن.
ج- ومن هذا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥].
فلو تركت على ظاهرها لاقتضت أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة، سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع.
فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو نزلت في الرد على اليهود الذي سفهوا على النبي والمسلمين بسبب تحويل القبلة إلى الكعبة، أو في من صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ، على اختلاف الروايات في ذلك (١)، فلولا معرفة السبب لبقيت الآية مشكلة.
د- ما حكي عن قدامة بن مظعون (٢) وعمرو بن معديكرب أنهما كانا
стр. 138
يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) [المائدة: ٩٣]، ولو أنهما علما سبب النزول لما قالا ذلك، ولكن خفي عليهما، فوقعا في هذا الرأي الشاذ، فقد روي: أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر: «كيف بمن قتلوا في سبيل الله، وماتوا، وكانوا يشربون الخمر، وهي رجس فنزلت».
رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
فدل سبب النزول على أن ذلك كان قبل التحريم، وأن الآية لا تصلح دليلا لذلك، وأيضا فكيف تجامع التقوى شرب الخمر، ولذلك لما حاج سيدنا عمر قدامة وصاحبه قال: «كيف يجامع شرب الخمر التقوى»!
هـ- ومن ذلك ما روي في الصحيح عن مروان بن الحكم (١) أنه أشكل
стр. 139
عليه قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)(١) [آل عمران:
١٨٨] فبعث إلى ابن عباس فسأله: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون!! فقال ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، رواه الشيخان، ومقتضى جواب ابن عباس أن اللفظ وإن كان عامّا إلا أنه أريد به خاص.
وقد علق بعض العلماء على جواب ابن عباس- ﵄ ما بين موافق ومخالف، قال الزركشي في البرهان: لا يخفى عن ابن عباس- ﵁ أن اللفظ أعم من السبب، لكن بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبي ﷺ الظلم بالشرك (٢) في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ....
وقال بعض العلماء: هذا الجواب مشكل لأن اللفظ أعم من السبب، ويشهد له قوله ﷺ : «المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين، وهما الفرح وحب الحمد، لا عليهما أنفسهما، إذ هما من الأمور الطبيعية التي لا يعلّق بها التكليف أمرا ونهيا، وقال الخازن في تفسيره: وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في اليهود أو المنافقين خاصة، فإن حكمها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل
стр. 140
من الخير والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك (١).
أقول: ولعل القول بالعموم أولى ليشملهم، وكل من على شاكلتهم إلى يوم القيامة، وليس من شك في أن من فرح بما فعل من إنكار الحق، ومحاولته ستره وجحوده، أو بما أعطى فرح بطر وأشر، وحبه أن يحمد بما لم يفعل، وبما ليس فيه من الصفات- ليس بمنجاة من عذاب الله؛ لأنها من الرذائل الخلقية التي لا يرضاها الإسلام.
ومن قال: إن هاتين الرذيلتين اللتين تضمنتهما الآية لا يسلم منهما إنسان أنا لا أوافق مروان على هذا، ولا سيما في العصور الأولى الفاضلة، فقد كان معظم المسلمين ممن تأبى أخلاقهم هذا، أما ما رآه ابن عباس فهو اجتهاد منه، وكأنه رأى في سبب النزول صارفا للفظ عن عمومه استقطاعا لما استفظعه مروان، ولا حجر في الإسلام على الاجتهاد، ولكل وجهة هو موليها.
الفائدة الثانية:
أنه يعين على فهم الحكمة، التي يشتمل عليها التشريع، وفي ذلك فائدة للمؤمن، وغير المؤمن؛ أما المؤمن فيزداد إيمانا وبصيرة بحكمة الله في تشريعه فيدعوه ذلك إلى شدة التمسك بها، وأما غير المؤمن فيعلم أن الشرع قام على رعاية المصلحة، وجلب المنفعة، ودفع المضرة، فيدعوه ذلك إن كان منصفا إلى الدخول في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا سبب تحريم الخمر، عرفنا الحكمة في التحريم؛ إذ أنها توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتذهب العقل والوقار، وتضر بالصحة، وتفني الأموال في غير طائل.
الفائدة الثالثة:
رفع توهم الحصر: قال الشافعي- ما معناه- في قوله تعالى:
стр. 141
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... [الأنعام: ١٤٥] الآية، إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة، والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى، فنقول له: لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض: المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة؛ فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.
ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد: إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين (١): «وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات، فيما ذكرته الآية، وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل».
الفائدة الرابعة:
معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وتعيين المبهم فيها، وفي ذلك إسناد الفضل لأهله، ونفي التهمة عن البريء الذي ألصق به ما هو براء منه، وذلك مثل ما روي عن السيدة عائشة- ﵂ أنها ردت على «مروان بن الحكم» حينما اتهم أخاها «عبد الرحمن بن أبي بكر» بأنه الذي نزل فيه قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ... [الأحقاف: ١٧] الآية، وقالت:
«والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته» (٢) رواه البخاري.
ومثل ما إذا عرفنا سبب النزول في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) [سورة البقرة: ٢٠٧]
стр. 142
عرفنا أن صاحب الفضل هو سيدنا «صهيب بن سنان» الرومي- ﵁ (١) - وكذا إذا عرفنا سبب نزول قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ... [الأحزاب: ٣٧] الآية، علمنا أن المنعم عليه هو سيدنا «زيد بن حارثة» ﵁ والآية وإن جاء فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ولكنها لم تبين من هو زيد هذا فبين سبب النزول أنه زيد بن حارثة.
الفائدة الخامسة:
معرفة أن سبب النزول غير خارج من حكم الآية فيما إذا كان لفظ الآية عامّا، وورد مخصص لها؛ فبمعرفة السبب يكون التخصيص قاصرا على ما عداه لقيام الإجماع على دخول صورة السبب، ولو لم نعرف السبب لجاز أن يكون مما خرج بالتخصيص، مع أنه لا يجوز.
الفائدة السادسة:
تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؛ فعند هؤلاء ما لم يعرف السبب لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه، وتبقى الآية معطلة خالية من الفائدة.
الفائدة السابعة:
تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية، إذا عرف سببها؛ وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص، والأزمنة والأمكنة، كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء؛ وانتقاشها في الذهن، وسهولة استذكارها عند تذكر ما يقارنها، وذلك هو فيما يعرف في علم النفس بقانون «تداعي المعاني».
стр. 143
التعبير عن سبب النزول
للعلماء في ذلك طريقتان، استفيدتا من تتبع عباراتهم في هذا المقام:
الأولى: قولهم: سبب نزول هذه الآية كذا، وهذه العبارة نص في بيان السبب، ولا تحتمل غيرها ومثل هذه العبارة أن يذكر الراوي سؤالا أو حادثة ثم يقول: فأنزل الله كذا، فهذه نص أيضا، وقد لا يصرح بالإنزال، ولكن يفهم من فحوى القصة أن هذه الآيات أو الآية نزلت بسبب هذا السؤال أو الحادثة، وذلك مثل رواية «ابن مسعود» الآتية في سبب نزول آية الروح.
الثانية: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، وهذه العبارة ليست نصا في السببية، بل تحتمل السببية، وتحتمل بيان المعنى، وما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.
قال العلامة «تقي الدين ابن تيمية»: «قولهم: نزلت الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عني بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند
فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد، وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه الآية، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند».
وهذا الذي ذكره ابن تيمية وغيره من أن الآثار التي ذكر فيها سبب النزول صراحة لها حكم المسند المرفوع هو الذي ذهب أئمة علوم الحديث إليه، قال الحاكم في «علوم
الحديث»: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره من أئمة الفن، قال ابن الصلاح في مقدمته:
«وما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق
стр. 144
بسبب نزول آية يخبر بها الصحابي أو نحو ذلك».
وقال «الزركشي» في البرهان: «قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع».
قول التابعي في سبب النزول:
قد علمت مما تقدم من أن قول الصحابي في سبب النزول له حكم المسند المرفوع، وأما قول التابعي في أسباب النزول فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل لحذف الصحابي، وقد يقبل إذا صح السند إليه، وكان الراوي من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر، أو نحو ذلك.
تفريع على ما تقدم: وعلى هذا إذا وردت روايتان أو أكثر، وكانت إحداهما نصّا في بيان سبب النزول والثانية ليست نصّا فيه، أخذنا في السببية بما هو نص، وحملنا الأخرى على بيان المعنى؛ مثل ذلك ما أخرجه «مسلم» في صحيحه عن جابر قال: «كانت اليهود تقول من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله سبحانه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٢] الآية» أي من أي جهة شئتم، أو على أي حال شئتم، فأنى للكيفية، والحال، لا للمكان.
وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... في إتيان النساء في أدبارهن، يعني في تحريم ذلك.
فالمعتمد عليه في بيان السبب هي رواية «جابر» لكونها نصّا في ذلك، أما رواية «ابن عمر» فتحمل على بيان المعنى، وحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم، استنباطا منه، وهذا هو اللائق بالصحابي؛ القول بالتحريم.
стр. 145
وأما إن قال- كل من الراويين أو الرواة-: نزلت هذه الآية في كذا فهذه العبارة ليست نصّا في السببية كما ذكرنا، بل تحتمل بيان التفسير والمعنى، فإن كان اللفظ يحتمل قول كل حمل على الجميع، وإلا ترجح ما يقتضيه اللفظ أو يشهد له السمع، أو تؤيده الأدلة.
وأما إذا كانت كل من الروايتين أو الروايات نصّا في بيان السبب، فهنا يكون البحث والنظر، ولنفرد لذلك عنوانا، فنقول:
تعدد الأسباب، والمنزل واحد
إذا ذكر كل من الراويين أو الرواة عبارة هي نص في السببية، فلذلك أحوال أربعة، لأنها:
١ - إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة.
٢ - إما أن تكون كل منهما صحيحة، ولكن يمكن الترجيح.
٣ - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولكن يمكن نزول الآية عقبها.
٤ - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولا نزول الآية عقبها.
وإليك حكم كل حالة من هذه الحالات، وذكر أمثلتها:
الحالة الأولى:
أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة، فالمعتمد عليه في السبب: هي الصحيحة وترك الأخرى غير الصحيحة، مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما، عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة، أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك.
فأنزل الله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣).
وما أخرجه الطبراني، وابن أبي شيبة في مسنده، والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميسرة، عن أمه، عن أمها- وكانت