قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... [الأنعام: ١٤٥] الآية، إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة، والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى، فنقول له: لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض: المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة؛ فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به.
ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد: إثبات التحريم لا إثبات الحل، قال إمام الحرمين (١): «وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات، فيما ذكرته الآية، وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل».
الفائدة الرابعة:
معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وتعيين المبهم فيها، وفي ذلك إسناد الفضل لأهله، ونفي التهمة عن البريء الذي ألصق به ما هو براء منه، وذلك مثل ما روي عن السيدة عائشة- ﵂ أنها ردت على «مروان بن الحكم» حينما اتهم أخاها «عبد الرحمن بن أبي بكر» بأنه الذي نزل فيه قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ... [الأحقاف: ١٧] الآية، وقالت:
«والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته» (٢) رواه البخاري.
ومثل ما إذا عرفنا سبب النزول في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) [سورة البقرة: ٢٠٧]
стр. 142
عرفنا أن صاحب الفضل هو سيدنا «صهيب بن سنان» الرومي- ﵁ (١) - وكذا إذا عرفنا سبب نزول قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ... [الأحزاب: ٣٧] الآية، علمنا أن المنعم عليه هو سيدنا «زيد بن حارثة» ﵁ والآية وإن جاء فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ولكنها لم تبين من هو زيد هذا فبين سبب النزول أنه زيد بن حارثة.
الفائدة الخامسة:
معرفة أن سبب النزول غير خارج من حكم الآية فيما إذا كان لفظ الآية عامّا، وورد مخصص لها؛ فبمعرفة السبب يكون التخصيص قاصرا على ما عداه لقيام الإجماع على دخول صورة السبب، ولو لم نعرف السبب لجاز أن يكون مما خرج بالتخصيص، مع أنه لا يجوز.
الفائدة السادسة:
تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؛ فعند هؤلاء ما لم يعرف السبب لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه، وتبقى الآية معطلة خالية من الفائدة.
الفائدة السابعة:
تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية، إذا عرف سببها؛ وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص، والأزمنة والأمكنة، كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء؛ وانتقاشها في الذهن، وسهولة استذكارها عند تذكر ما يقارنها، وذلك هو فيما يعرف في علم النفس بقانون «تداعي المعاني».
стр. 143
التعبير عن سبب النزول
للعلماء في ذلك طريقتان، استفيدتا من تتبع عباراتهم في هذا المقام:
الأولى: قولهم: سبب نزول هذه الآية كذا، وهذه العبارة نص في بيان السبب، ولا تحتمل غيرها ومثل هذه العبارة أن يذكر الراوي سؤالا أو حادثة ثم يقول: فأنزل الله كذا، فهذه نص أيضا، وقد لا يصرح بالإنزال، ولكن يفهم من فحوى القصة أن هذه الآيات أو الآية نزلت بسبب هذا السؤال أو الحادثة، وذلك مثل رواية «ابن مسعود» الآتية في سبب نزول آية الروح.
الثانية: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، وهذه العبارة ليست نصا في السببية، بل تحتمل السببية، وتحتمل بيان المعنى، وما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.
قال العلامة «تقي الدين ابن تيمية»: «قولهم: نزلت الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عني بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند
فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد، وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه الآية، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند».
وهذا الذي ذكره ابن تيمية وغيره من أن الآثار التي ذكر فيها سبب النزول صراحة لها حكم المسند المرفوع هو الذي ذهب أئمة علوم الحديث إليه، قال الحاكم في «علوم
الحديث»: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره من أئمة الفن، قال ابن الصلاح في مقدمته:
«وما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق
стр. 144
بسبب نزول آية يخبر بها الصحابي أو نحو ذلك».
وقال «الزركشي» في البرهان: «قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع».
قول التابعي في سبب النزول:
قد علمت مما تقدم من أن قول الصحابي في سبب النزول له حكم المسند المرفوع، وأما قول التابعي في أسباب النزول فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل لحذف الصحابي، وقد يقبل إذا صح السند إليه، وكان الراوي من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر، أو نحو ذلك.
تفريع على ما تقدم: وعلى هذا إذا وردت روايتان أو أكثر، وكانت إحداهما نصّا في بيان سبب النزول والثانية ليست نصّا فيه، أخذنا في السببية بما هو نص، وحملنا الأخرى على بيان المعنى؛ مثل ذلك ما أخرجه «مسلم» في صحيحه عن جابر قال: «كانت اليهود تقول من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله سبحانه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٢] الآية» أي من أي جهة شئتم، أو على أي حال شئتم، فأنى للكيفية، والحال، لا للمكان.
وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... في إتيان النساء في أدبارهن، يعني في تحريم ذلك.
فالمعتمد عليه في بيان السبب هي رواية «جابر» لكونها نصّا في ذلك، أما رواية «ابن عمر» فتحمل على بيان المعنى، وحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم، استنباطا منه، وهذا هو اللائق بالصحابي؛ القول بالتحريم.
стр. 145
وأما إن قال- كل من الراويين أو الرواة-: نزلت هذه الآية في كذا فهذه العبارة ليست نصّا في السببية كما ذكرنا، بل تحتمل بيان التفسير والمعنى، فإن كان اللفظ يحتمل قول كل حمل على الجميع، وإلا ترجح ما يقتضيه اللفظ أو يشهد له السمع، أو تؤيده الأدلة.
وأما إذا كانت كل من الروايتين أو الروايات نصّا في بيان السبب، فهنا يكون البحث والنظر، ولنفرد لذلك عنوانا، فنقول:
تعدد الأسباب، والمنزل واحد
إذا ذكر كل من الراويين أو الرواة عبارة هي نص في السببية، فلذلك أحوال أربعة، لأنها:
١ - إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة.
٢ - إما أن تكون كل منهما صحيحة، ولكن يمكن الترجيح.
٣ - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولكن يمكن نزول الآية عقبها.
٤ - وإما أن تكون كل منهما صحيحة، ولا يمكن الترجيح، ولا نزول الآية عقبها.
وإليك حكم كل حالة من هذه الحالات، وذكر أمثلتها:
الحالة الأولى:
أن تكون إحدى الروايتين صحيحة، والأخرى غير صحيحة، فالمعتمد عليه في السبب: هي الصحيحة وترك الأخرى غير الصحيحة، مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما، عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة، أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك.
فأنزل الله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣).
وما أخرجه الطبراني، وابن أبي شيبة في مسنده، والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميسرة، عن أمه، عن أمها- وكانت
стр. 146
خادم رسول الله ﷺ أن جروا دخل بيت النبي، فدخل تحت السرير، فمات فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله جبريل لا يأتيني فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترتعد لحيته (١) - وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فأنزل الله وَالضُّحى (١) ... إلى قوله: فَتَرْضى.
فالمعتمد عليه هو الرواية الأولى؛ لأنها صحيحة، أما الثانية ففي إسنادها من لا يعرف، قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب بل شاذ مردود، وفي إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح» (٢).
الحالة الثانية:
أن تكون كلتا الروايتين صحيحة، ولإحداهما مرجح؛ لكون إحدى الروايتين أصح من الأخرى، أو لكون الراوي حاضر القصة، أو نحو ذلك من وجوه الترجيح، فالحكم أن
نأخذ في السبب بالرواية الراجحة، دون المرجوحة.
مثال ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة، ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال (٣): قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
стр. 147
رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
وأخرج الترمذي، وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود:
أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل- يريدون النبي ﷺ فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... [الإسراء: ٨٥] الآية.
فالأولى تدل على أن السائل اليهود، وأن نزولها بالمدينة، والثانية تدل على أن السائل الكفار، وأنها نزلت بمكة، والأولى أرجح لأمرين:
١ - أنها من رواية البخاري، وهي أصح من رواية الترمذي.
٢ - أن الراوي في الأولى، وهو ابن مسعود كان حاضر القصة، ومشاهدا لها، أما الثانية فليس فيها أن الراوي لها- وهو ابن عباس- كان مشاهدا لها، ولا شك أن للمشاهدة قوة في التحمل (١).
الحالة الثالثة:
أن تكون كل من الروايتين أو الروايات صحيحة ولا يمكن الترجيح، ولكن يمكن نزول الآية أو الآيات عقب السببين أو الأسباب، لعدم العلم بالتباعد، فيحمل ذلك على تعدد السبب والمنزل واحد.
مثال ذلك ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء (٢) فقال النبي ﷺ : «البينة، أو حدّ في ظهرك»، فقال: يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة، أو حد في ظهرك»، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما
стр. 148
يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل الله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ ...
فقرأ حتى بلغ: إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١).
وروى مسلم في صحيحه بسنده، عن أنس بن مالك قال: «إن هلال بن أمية، قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا للبراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لا عن في الإسلام .. » الحديث (٢).
وهذه الرواية تدل أيضا- لكن لا بطريق التصريح- على أن الآية نزلت بسبب «هلال».
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: «جاء (عويمر) إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع به فسأل عاصم رسول الله، فكره رسول الله المسائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتاه فسأله، فقال: «إنه قد أنزل الله فيك، وفي صاحبتك القرآن ... » الحديث.
فهاتان الروايتان صحيحتان، ولا مرجح لأحدهما، ويمكن الجمع بينهما بأن أول من سأل «هلال بن أمية» ثم سأل «عويمر» أيضا قبل الإجابة، فأنزل الله آيات اللعان، إجابة لهما معا.
وهذا التوفيق بين الروايتين أولى من ردهما، إذ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، أو الأخذ بإحداهما دون الأخرى، لما فيه من الترجيح بلا مرجح وهو غير جائز.
وإلى هذا جنح الإمام النووي، فقال: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما (٣).
стр. 149
وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد. وهذا ما رجحه السيوطي في الإتقان، وأسباب النزول.
وإذا انضم إلى هاتين الروايتين ما رواه البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «لو رأيت مع أم رومان رجلا، ما كنت فاعلا به» قال:
شرّا، قال: «فأنت يا عمر» قال: كنت أقول لعن الله الأعجز، وإنه لخبيث، فنزلت.
وعلى هذا تكون الآيات نزلت عقب هذه الأسباب كلها، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: لا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول.
الحالة الرابعة:
استواء الروايتين أو الروايات في الصحة، ولا مرجح لأحدهما، ومع عدم إمكان نزول الآية عقبهما، لتباعد الزمان، فالحكم، أن يحمل الأمر على تكرر النزول، ولا مانع من تكرر النزول؛ بل له حكم، قال «ابن الحصار»: «قد يتكرر نزول الآية تذكيرا وموعظة»، وقال «الزركشي» في
стр. 150
البرهان: «قد ينزل الشيء مرتين؛ تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه، وخوف نسيانه».
ومثال ذلك، ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به، فقال: «لأمثلن بسبعين منهم مكانك» فنزل جبريل- والنبي واقف- بخواتيم سورة «النحل» وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة.
وأخرج الترمذي، والحاكم، عن أبيّ بن كعب قال: «لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ...
[النحل: ١٢٦ - ١٢٨].
فالأولى: تفيد أن الآيات نزلت عقب أحد.
والثانية: تفيد أنها نزلت يوم الفتح، وبين أحد والفتح حوالي خمس سنين، فيبعد نزول الآيات عقبهما، مع التباعد في الزمن، وإذا، فلا مناص من القول، بتعدد النزول مرة يوم أحد ومرة يوم الفتح.
وهذا على أن سورة «النحل» مكية إلا خواتيمها كما روي.
وقد ذهب البعض إلى أن سورة «النحل» كلها مكية بما فيها هذه الآيات، وعلى هذا الرأي تكون نزلت ثلاث مرات، مرة بمكة، ومرة ثانية عقب أحد، ومرة ثالثة يوم الفتح.
وفي هذا التكرار تذكير الله لعباده بما اشتملت عليه الآيات من الإرشادات والآداب العالية، وهي: تحري العدالة والإنصاف عند الانتصار للنفس، وكبح جماح شهوة التشفي والإسراف في الانتقام عند النصر والظفر بالأعداء، وضبط النفس عند الغضب، والتذرع بالصبر عند وقوع المكروه، والتحلي بسعة الصدر، وجمال التقوى في جميع الحالات.
وقد جعل «ابن كثير» و «ابن حجر» من هذا القسم آية الروح، وكأنهما لا
стр. 151
يريان الجمع بين الروايتين بالترجيح كما بينا، ويريان الجمع بينهما بتكرر النزول.
ومما ذكر من هذا القبيل سورة «الإخلاص» فقد روي أنها نزلت جوابا للمشركين، وروي أنها نزلت جوابا لأهل الكتاب بالمدينة، فحمل على تكرر النزول.
ومن ذلك سورة «الفاتحة» فقد ذكروا أنها نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وقد أنكر بعض العلماء كون شيء من القرآن تكرر نزوله، وعلله بأن تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه، وهو مردود بما ذكرنا من الفوائد والحكم (١).
تنبيه مهم
قد يكون في إحدى القصتين: فتلا رسول الله ﷺ كذا، فيغلط الراوي فيقول: فنزل كذا، فيظن أن ذلك سبب للنزول وليس كذلك، فينبغي التنبه لذلك، وتحرير لفظ الرواية، وبذلك يسهل علينا الوصول إلى الحق والصواب في أسباب النزول.
مثاله: ما أخرجه الترمذي وصححه، عن ابن عباس قال: «مر يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا «أبا القاسم» إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، فأنزل الله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: ٦٧] وقد وهم الراوي في قوله: «فأنزل» والحديث ورد في الصحيح بلفظ: «فتلا رسول الله ﷺ » وهو الصواب، ومما يؤيد هذا أن الآية مكية لا مدنية.
ومن أمثلته: ما أخرجه البخاري، عن أنس قال: «سمع عبد الله ابن
стр. 152
سلام بمقدم رسول الله ﷺ فأتاه، فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي:
١ - ما أول أشراط الساعة
٢ - وما أول طعام أهل الجنة
٣ - وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه
قال: «أخبرني بهن جبريل- ﵇ آنفا»، قال: جبريل قال:
«نعم» قال: ذلك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ... الآية، قال «ابن حجر» في شرح البخاري: ظاهر السياق أن النبي ﷺ قرأ الآية ردّا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا هو المعتمد، فقد صح في سبب نزول الآية قصة غير قصة «ابن سلام» (١).
وهكذا يتبين لنا أن «فتلا كذا» أو «فقرأ كذا» لا تدل على أنها نزلت حينئذ ويكون ذكرها عقب القصة، للاستشهاد كما في الأولى، أو للرد كما في الثانية.
تعدد المنزل، والسبب واحد
قد يكون الأمر الواحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة متفرقة، وذلك عكس ما تقدم، ولا إشكال في ذلك، ولا بعد؛ فقد ينزل في الوقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى، تبيانا وإرشادا للخلق، وإقناعا للسائل.
١ - من أمثلة ذلك- السبب الواحد تنزل فيه الآيتان- ما أخرجه البخاري من حديث زيد بن ثابت: «أن رسول الله ﷺ أملى عليه لّا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله ... ، فجاء ابن أم مكتوم وقال:
يا رسول الله؛ لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى- فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
стр. 153
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن ثابت أيضا قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمر بالقتال فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف لي يا رسول الله وأنا أعمى، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) [التوبة: ٩١].
٢ - ومن أمثلته أيضا- السبب الواحد تنزل فيه أكثر من آيتين- ما أخرجه الترمذي والحاكم، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ... [آل عمران:
١٩٥].
وأخرج الحاكم عنها- أيضا- قالت: قلت: يا رسول الله، تذكر الرجال ولا تذكر النساء، فأنزل الله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... [الأحزاب: ٣٥]، وأنزلت: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ... الآية.
وأخرج أيضا عنها أنها قالت: تغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله سبحانه: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النساء: ٣٢] وأنزل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... الآية.
فالظاهر أن واقعة السؤال واحدة، وأن الآيات الثلاث نزلت بعد هذا السؤال؛ ولا يبعد هذا اختلاف صيغة السؤال؛ لجواز أن يكون سؤالها عامّا شاملا لكل ما روي، ولكن الراوي اقتصر على بعض السؤال دون بعض، أو تذكر بعضه ونسي البعض.
٣ - ومن أمثلته ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل حجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان، فطلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ وقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك»، فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ... [التوبة: ٧٤].
стр. 154
وأخرجه أحمد والحاكم بهذا اللفظ، وآخره: فأنزل الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ... [المجادلة: ١٨].
وهذا البحث الذي حرره الإمام السيوطي واستخرجه بفكره من صنيع الأئمة ومتفرقات كلامهم من الحسن بمكان.
عموم اللفظ وخصوص السبب
هذا الموضوع من الموضوعات التي عني بها الأصوليون في كتبهم؛ وذلك لأنهم ينظرون في حال الأدلة من حيث إفادتها للأحكام من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ونحو ذلك، وقد يكون الدليل عامّا مع خصوص السبب فيحتاج الأصولي إلى بيان حال الدليل من حيث كونه يتخصص بسببه أو يعم باعتبار لفظه، ولا نظر للسبب إلا من حيث أن الأفراد التي بتناولها الدليل العام تكون من نوع ذلك السبب، وهو مع كونه من مباحث علم الأصول، فهو بسبب وثيق من مباحث أسباب النزول الذي هو من أنواع «علوم القرآن».
وقبل أن نفصل الخلاف في هذا الموضوع نذكر أحوال كل من السبب واللفظ النازل عليه من عموم وخصوص فنقول: القسمة العقلية تقتضي أربع صور وهي:
١ - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه خاصّا.
٢ - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه عامّا.
وهذان القسمان ليسا محل خلاف بين العلماء؛ لأن المطابقة حاصلة بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال وبين اللفظ المنزل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له.
٣ - أن يكون السبب عامّا واللفظ النازل عليه خاصّا وهذا القسم وإن صح عقلا لكنه لا يجوز بلاغه لعدم وجود التطابق بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال واللفظ النازل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له فيكون بمنزلة من يقول هل للمسلمين أن يفعلوا كذا فيجاب بأن لفلان أن يفعل كذا ويترك حال
стр. 155
الباقين، ومن ثم لم يقع هذا في الكلام البليغ كالقرآن والسنة.
٤ - أن يكون السبب خاصّا واللفظ النازل عليه عامّا، وهذا القسم جائز عقلا وواقع فعلا إذ لا ضير فيه ولا خلل بل هو أتم وأوفى بالمقصود قال الزمخشري في تفسيره سورة «الهمزة»: يجوز أن يكون السبب خاصّا والوعيد عامّا ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض.
وهذا القسم هو محط اختلاف العلماء، فذهب الجمهور من العلماء إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فحادثة «خولة بنت ثعلبة» التي ظاهر منها زوجها «أوس بن الصامت» كانت سببا لنزول آيات الظهار، وهي قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ [المجادلة:
٢ - ٤]، فاللفظ النازل عام: لأنه اسم موصول، وهو من صيغ العموم ويدخل تحت هذا العموم خولة ومن كان على شاكلتها ممن يظاهر منهن، وحادثة هلال بن أمية الذي رمى امرأته بشريك بن سحماء قد نزل بسببها آيات اللعان هي وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ [سورة النور: ٦ - ٩] الآيات، فاللفظ النازل عام وهو شامل لمن نزلت فيه الآية ولغيره ممن هو على شاكلته، هذا هو رأي الجمهور.
وذهب غير الجمهور إلى أن العبرة بخصوص السبب يعني: أن لفظ الآية يكون قاصرا على من نزلت بسببه الآية، فآيات الظهار مثلا لفظها خاص بخولة بنت ثعلبة ومظاهرة زوجها منها.
وآيات اللعان لفظها خاص بهلال بن أمية، أما حكم غيرهما ممن يشبههما فلا يكون مستفادا من لفظ الآية إنما يستفاد بطريق القياس أو بالاجتهاد لدخوله تحت القاعدة المعروفة عند الأصوليين وهي: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة (١).
стр. 156
تنبيهات:
١ - ينبغي أن يلاحظ أن هذا الخلاف القائم بين الجمهور وغيرهم محله إذا لم تقم قرينة على تخصيص لفظ الآية العام بسبب نزوله أما إذا قامت تلك القرينة فإن الحكم يكون مقصورا على سببه لا محالة بإجماع العلماء.
٢ - لا يتوهمن متوهم أن غير الجمهور يقولون بعدم عموم أحكام الآيات النازلة على أسباب خاصة فالكل من الجمهور وغيرهم متفقون على عموم أحكام هذه الآيات غير أن الجمهور يقولون: إن العموم مستفاد من اللفظ أما غير الجمهور فيقولون: إن صورة السبب معلومة من اللفظ قطعا أما غير صورة السبب فحكمها مستفاد بالقياس أو الاستدلال كما ذكرنا.
قال الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية في «أصول التفسير» (١) ما ملخصه:
قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إذا كان المذكور شخصا.
كقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس بن شماس (٢)، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن آية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ نزلت في بني قريظة والنضير ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم
стр. 157
من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال:
إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كان أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته.
[ثمرة الخلاف بين الجمهور وغيرهم]
وثمرة هذا الخلاف ترجع إلى أمرين:
١ - أن الحكم على أفراد غير السبب مدلول عليه بالنص النازل فيه عند الجمهور، وذلك النص قطعي الثبوت اتفاقا، وقد يكون مع هذا قطعي الدلالة أما غير الجمهور فالحكم عندهم على غير أفراد السبب ليس مدلولا عليه بالنص بل بالقياس أو الاستدلال بالكلمة المعروفة عند الأصوليين وكلاهما غير قطعي.
٢ - أن أفراد غير السبب يتناولها الحكم عند الجمهور ما دام اللفظ قد تناولها، أما غير الجمهور فلا يسحبون الحكم إلا على ما استوفى شروط القياس دون سواه إن أخذوا فيه بالقياس.
أدلة الجمهور
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأدلة نكتفي منها بما يأتي:
الدليل الأول: احتجاج الصحابة وغيرهم من الأئمة المجتهدين في جميع الأعصار في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير لفظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومن ذلك احتجاجهم بآية السرقة في قطع يد كل سارق مع نزولها في حادثة خاصة وهي سرقة المجن أو رداء صفوان واحتجاجهم بآيات حد
стр. 158
القذف على حد كل قاذف مع أنها نزلت بسبب الذين رموا السيدة الحصان عائشة- ﵂ بالإفك؛ وكذلك بآيات اللعان وبآيات الظهار مع نزولها على أسباب خاصة على ما ذكرت لك آنفا وهكذا.
ومما يدل على اعتبار الصحابة ومن بعدهم للعموم ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ أخاص هو أم عام قال: عام.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن معقل بن مقرن التابعي الجليل قال: جلست إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة كما في حديث آخر- فسألته عن الفدية- يعني في قوله تعالى:
فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة (١).
وروى ابن جرير بسنده عن أبي معشر نجيح (٢) قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي فقال سعيد: إن في بعض كتب الله: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين يجترون الدنيا بالدين قال الله تعالى:
أعليّ يجترئون وبي يغترون وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب القرظي: هذا في كتاب الله، فقال سعيد:
وأين هو من كتاب الله قال قول الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٣)(٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي
الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
[البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] الآية، فقال سعيد:
стр. 159
فقد عرفت فيمن أنزلت فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
قال ابن كثير (١): وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
الدليل الثاني: قالوا لو لم تكن العبرة بعموم اللفظ للزم استعمال العام في الخاص، وفي هذا صرف له عما وضع له بغير قرينة مانعة من العموم، واللازم باطل فبطل ما أدى إليه، وثبت نقيضه وهو أن العبرة بعموم اللفظ.
فإن قال قائل: إن خصوص السبب مانع من حمل اللفظ على العموم فهو قرينة صارفة.
قلنا: إن خصوص السبب لا يستلزم إخراج غير السبب من متناول اللفظ فلا يصلح إذا أن يكون صارفا عن استعمال العام في معناه الموضوع له وهو أفراده التي منها صورة السبب وغيره.
وبهذا ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أدلة غير الجمهور
استدل غير الجمهور بأدلة نكتفي منها بما يأتي:
الأول: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لجاز إخراج صورة السبب بالتخصيص، لكن التالي باطل فبطل ما أدى إليه وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب.
أما وجه الملازمة فإن اللفظ العام يجوز إخراج أي صورة منه بالتخصيص فتكون صورة السبب كغيرها في جواز إخراجها من اللفظ العام، وأما وجه بطلان التالي فلأن الإجماع منعقد على عدم جواز إخراج صورة السبب من
стр. 160
اللفظ العام، وأجيب عن هذا الدليل بأن عدم جواز إخراج صورة السبب إنما جاء من دليل آخر وهو الإجماع لا من جهة كونه غير عام، ودليلهم إنما يتم لهم الاستدلال به لو أن عدم الجواز جاء من جهة كون اللفظ غير عام وليس الأمر كذلك وعلى هذا فالملازمة غير مسلمة، وباطلة وثبت أن هذا الدليل لا ينهض للاحتجاج به فلا تثبت به الدعوى.
الثاني: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لما كان لذكر السبب فائدة لكن التالي- وهو عدم الفائدة- باطل فبطل ما أدى إليه- وهو ما فرضناه من أن العبرة بعموم اللفظ- وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
وأجيب عن هذا بأننا لا نسلم لكم انتفاء الفائدة مطلقا، إذ لا يلزم من نفي الفائدة المعينة وهي تخصيص الحكم بالسبب نفي الفائدة المطلقة، بل هناك فوائد كثيرة غير هذه، وقد تعرضنا للكثير منها في صدر البحث وبهذا لا يصلح هذا الدليل للاحتجاج فلا تثبت به الدعوى.
الثالث: قالوا لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكان اللفظ الذي هو بمنزلة الجواب غير مطابق للسبب الذي هو بمنزلة السؤال، لكن عدم المطابقة باطلة؛ لأنه ينافي كون القرآن في أعلى درجات البلاغة، فبطل ما أدى إليه وثبت نقيضه وهو أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ وقد أجيب عن هذا بمنع الملازمة، وهي عدم المطابقة؛ إذ المطابقة حاصلة، وزيادة الجواب عن السؤال لا تخرجه عن المطابقة؛ لأنه اشتمل على المقصود وزاد عليه، ومثل هذا الأسلوب لا ضير فيه ولا يخل بالبلاغة بحال من الأحوال، وإنما يخل بها لو كان الجواب خاصّا والسؤال عامّا لعدم المطابقة حينئذ، وعلى هذا فلا يصح هذا الدليل فلا تثبت به دعواكم.
وإذ قد بطلت أدلة غير الجمهور وبقيت أدلة الجمهور قوية سالمة من البطلان كان رأيهم هو المعول عليه.
стр. 161
مثال للفظ خاص نزل على سبب خاص
ما ذكرنا من خلاف بين الجمهور وغيرهم إنما هو في لفظ له عموم ونزل على سبب خاص أما إذا كانت آية نزلت بسبب خاص ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا وقد مثل الإمام السيوطي في الإتقان (١) لذلك بقوله تعالى:
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) [الليل: ١٧ - ١٨] فإنها نزلت في أبي بكر الصديق- ﵁ بالإجماع (٢) قال: وقد استدل بها الإمام فخر الدين
الرازي مع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ على أنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، ووهم من ظن أن الآية في كل من عمل عمله إجراء له على القاعدة وهذا غلط، فإن هذه الآية ليست فيها صيغة عموم إذ الألف واللام- يعني قوله «الأتقى» - إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع، زاد قوم: أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في «الأتقى» ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليس جمعا بل هو مفرد، والعهد موجود خصوصا مع ما يفيده صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة فبطل القول بالعموم، وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه ﵁.
وبعض المفسرين يرى احتمال الآية للعموم مع قولهم: إنها نزلت في الصديق ﵁ فتكون له ولغيره ممن هو على شاكلته وفسروا الأتقى بالتقي كما فسروا «الأشقى» وهو أمية بن خلف بالشقي فتشمله وتشمل غيره ممن يعمل بمثل عمله، ومن هو على صفته واستدلوا لقولهم هذا بقول طرفة ابن العبد:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
стр. 162
أي واحد ووحيد، وتوضع أفعل موضع فعيل نحو قولهم: الله أكبر بمعنى كبير وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي هين (١) وممن يحمل الآية على العموم العلامة ابن كثير في تفسيره قال (٢): وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق- ﵁ حتى أن بعضهم (٣) حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ عموم وهو قوله: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقا تقيّا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ؛ فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل.
وأيّا ما كان المراد من لفظ الأتقى فالآيات نص في الدلالة على فضل الصديق الأكبر- ﵁ وأرضاه-؛ لأن السبب يدخل في الآية دخولا أوليّا.
شبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام
قد تنزل بعض الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق وتناسب الآيات فيكون ذلك الخاص قريبا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام، وقد اختار الإمام ابن السبكي في «جمع الجوامع» أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق التجرد، ومثاله قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ
стр. 163
الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) [النساء: ٥١ - ٥٢].
فقد نزلت هاتان الآيتان في كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة بعد بدر (١) ليحرضوا قريشا على قتال النبي ﷺ والأخذ بالثأر فنزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان بن حرب فأحسن مثواه ونزل بقية اليهود دور قريش فقال سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، أينا أهدى طريقا نحن أم محمد فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فذكر له أبو سفيان بعض فضائلهم فقال كعب أنتم- والله- أهدى سبيلا مما عليه محمد وأصحابه
قال هذا مع علمه هو ومن معه من اليهود بما في كتابهم التوراة من نعت النبي الأمي العربي المبعوث في آخر الزمان، وأخذ المواثيق عليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ولا يكتموا أوصافه، فكان هذا أمانة لازمة لهم وعليهم أن يؤدوها، وكان قول كعب بن الأشرف ومن وافقه خيانة لهذه الأمانة التي ائتمنوا عليها وأمروا بأدائها إذا حان وقتها، وقد وبخهم الله على خيانتهم هذه ولعنهم وتوعدهم عليها، وقد اقتضى هذا التوعد واللعن الأمر بمقابل خيانتهم، وهو أداء الأمانة الخاصة التي هي بيان صفة النبي ﷺ الذي كانوا يجدون نعته عندهم مكتوبا في التوراة، ويعرفونه كما
стр. 164
يعرفون أبناءهم بل أشد، ثم جاء بعده الأمر بأداء الأمانات عامة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) [النساء: ٥٨].
فكانت المناسبة رائعة حقّا، والاتصال وثيقا، والانتقال في غاية الحسن والجمال، إذ أن آية الأمانة عامة في كل أمانة، وما تقدم كان في أمانة خاصة، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول، وهذه المناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام دخولا أوليّا، فهو كسبب في كونه قطعي الدخول في اللفظ النازل بسببه ولا يجوز خروجه بالإجماع.
وقد اعتبر الإمام ابن السبكي هذا النوع مرتبة متوسطة دون السبب وفوق التجرد؛ أما كونه دون السبب فلأن الأولى ليست سببا في الثانية اصطلاحا وأما كونه فوق التجرد فلهذه المناسبة القوية بين الخاص والعام ودخول الأول في الثاني.
ولا يرد على ما ذكرناه تأخر الآية الثانية عن الأولى بنحو ست سنين؛ لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع الآية في الموضع الذي يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي ﷺ بوضعها في المواضع التي علم من الله أنها مواضعها، وهذا الكلام الذي قاله ابن السبكي ونقله عنه السيوطي في الإتقان من الحسن بمكان، وقد نبه إلى هذه المناسبة البديعة بين الآيات الإمام القرطبي في تفسيره (١) حيث قال: وجه النظم بما تقدم أنه- تعالى- أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد ﷺ وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات.
...
стр. 165
المبحث الخامس نزول القرآن على سبعة أحرف
هذا المبحث من المباحث التي تناولها العلماء في تآليفهم، بل وأفردها بعضهم بالتأليف.
وقد اختلفت فيه آراؤهم وأنظارهم اختلافا كثيرا، وكثرت فيه الأقوال كثرة ظاهرة، حتى لقد بلغ بها «السيوطي» في الإتقان- نقلا عن ابن حبان، خمسة وثلاثين قولا.
وليس من شك في أن هذا البحث شائك، ودحض مزلة (١)، والباحث فيه يحتاج إلى شيء غير قليل من البصر بموضع قدمه، ومن الأناة والصبر، ولا تعجب إذا خفي المراد على بعض العلماء فعد الحديث مشكلا، وتوقف عن بيان المراد منه، وبعضهم جعل حقيقة العدد غير مقصودة، وأن المراد التكثير من غير حصر، وأتى بعضهم بآراء ما أنزل الله بها من سلطان، ولكي نصل إلى بيان الحق والصواب، نرى لزاما علينا ذكر الروايات الثابتة في هذا المعنى بشيء من التفصيل كي تكون لنا نبراسا نهتدي على ضوئه لمعرفة المراد.
الحديث متواتر:
ويحسن أن ننبه قبل هذا التفصيل إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، ورد من رواية جمع كثير من الصحابة، حتى نص الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام على تواتره، فقد رواه من الصحابة: (١) أبيّ ابن كعب، (٢) وأنس بن مالك، (٣) وحذيفة بن اليمان، (٤) وزيد بن أرقم، (٥) وسمرة بن جندب، (٦) وسليمان بن صرد، (٧) وابن عباس، (٨) وابن مسعود، (٩) وعبد الرحمن بن عوف، (١٠) وعثمان بن عفان، (١١)
стр. 166
وعمر بن الخطاب، (١٢) وعمر بن أبي سلمة، (١٣) وعمرو بن العاص، (١٤) ومعاذ بن جبل، (١٥) وهشام بن حكيم، (١٦) وأبو بكرة، (١٧) وأبو جهيم (١)، (١٨) وأبو سعيد الخدري، (١٩) وأبو طلحة الأنصاري، (٢٠) وأبو هريرة، (٢١) وأم أيوب الأنصارية- امرأة أبي أيوب الأنصاري- ﵃ أجمعين-؛ فهؤلاء أحد وعشرون صحابيّا (٢).
وأخرج الحافظ «أبو يعلى» في مسنده: أن عثمان قال على المنبر: أذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها كاف شاف» لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معكم. وهذا يدل على أن الحديث كان معروفا مشهورا غاية الشهرة في زمن الصحابة ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر هذا ما يحتاج إلى إثبات، وإلا فغاية أمره أنه مشهور.
الروايات الواردة
١ - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، بسنديهما عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل
أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» زاد مسلم في روايته، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام (٣)، يريد أن المعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ.
стр. 167
٢ - روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن ابن عبد القاري (١) أخبراه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم (٢) يقرأ سورة «الفرقان» في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته؛ فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله؛ فكدت أساوره (٣) في الصلاة فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت:
كذبت (٤)؛ فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به، أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ؛ فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت»، ثم قال:
اقرأ يا عمر؛ فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت؛ إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» (٥).
٣ - وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ كان عند أضاة (٦) بني غفار، قال: فأتاه جبريل- ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ
стр. 168
أمتك القرآن على حرفين، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك»، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف؛ فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
٤ - وروى مسلم بسنده، عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه؛ ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسن النبي ﷺ شأنهما؛ فسقط في نفسي من التكذيب (١) ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله- فرقا فقال لي: «يا أبيّ، أرسل إليّ: أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه: أن هون على أمتي»، فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين؛ فرددت إليه: «أن هون على أمتي»، فرد إليّ الثالثة (٢): اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل
стр. 169
ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم- ﷺ .
وقد بين الطبري في روايته: أن المقروء كان من سورة «النحل».
٥ - وروى البخاري في صحيحه (١) بسنده عن النّزّال بن سبرة عن عبد الله ابن مسعود: «أنه سمع رجلا يقرأ آية، سمع النبي ﷺ قرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال: «كلاكما محسن، فاقرءا».
قال شعبة- راوي الحديث-: أكبر علمي قال: «فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكوا».
وقد روى هذا الحديث بأوسع من هذا اللفظ ابن حبان والحاكم، وفيه: وإن هذه الآية من سورة من ال «حم» وفي المبهمات للخطيب أنها «الأحقاف» (٢).
٦ - وروى الترمذي بسنده عن أبيّ بن كعب قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: «يا جبريل؛ إني بعثت إلى أمة أمية، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط»، فقال لي: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» قال: هذا حديث صحيح.
٧ - وروى أحمد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو:
أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم
стр. 170
أصبتم، فلا تماروا فيه» (١) إسناده حسن.
٨ - وروى النسائي، وابن جرير الطبري- واللفظ له- بسنديهما عن أبيّ ابن كعب، وفي حديثه أن النبي ﷺ قال: «إن جبريل وميكائيل- ﵉ أتياني فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، وقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف وكل شاف كاف» (٢)، وفي رواية لأبي بكرة: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة» (٣).
٩ - وروى أحمد والطبراني، من حديث أبي بكرة قال: «يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، قال: كل شاف ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل، وهلم، واذهب، وأسرع، وعجل».
قال السيوطي: هذا اللفظ رواية أحمد، وإسناده جيد، وأخرج أحمد والطبراني أيضا، عن ابن مسعود نحوه، وروى الطبراني عن أبي بكرة نحوه مقتصرا على قوله: «هلم، وتعال»، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام.
ما يستخلص من الروايات
نستخلص من الروايات السابقة الأصول الآتية:
[التيسير على الامة]
١ - لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية؛ فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لا يسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية، فلا عجب أن حرص النبي ﷺ على الاستزادة من الحروف حتى بلغت سبعة أحرف، يدل على هذا قوله- في حديث أبيّ-: ثلاث مرات «أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي
стр. 171
لا تطيق ذلك»، وقوله- في حديث الترمذي-: «إني بعثت إلى أمة أمية ... » الحديث.
فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف، رفعا للحرج، وتيسيرا لقراءته وحفظه، وفهمه وتدبره.
[التوسعة فى الالفاظ لا فى المعانى]
٢ - أن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة؛ بدليل أن النبي ﷺ أقرّ كلّا من المختلفين على قراءته، بل واستحسان قراءة كل بقوله «كلاكما محسن».
وغير معقول أن يكون اختلافهم في المعاني والأحكام، ثم يوافق النبي كلا على قراءته ويستحسنها.
[التوسعة فى حدود المنزل من الله لا بالهوى والتشهى]
٣ - أن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود ما نزل به «جبريل»، وما سمعوه من النبي ﷺ ؛ وذلك بدليل أن كلّا من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله، وأن النبي كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: «هكذا أنزلت» كما في حديث «عمر وهشام» وما يفيده لفظ الإنزال الذي جاءت به جميع روايات الحديث، وليس ذلك إلا التوقيف بالسماع من الرسول، وسماع الرسول من جبريل.
ولا يتوهمن متوهم أن التوسعة إنما كانت باتباع الهوى والتشهي، فذلك ما لا يليق أن يفهمه عاقل، فضلا عن مسلم؛ إذ الروايات الواردة ترده وتبطله، ولو كان لكل أحد أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي ﷺ وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن، ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد حتى يصير غير الذي نزل من عند الله، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) واللوازم كلها باطلة، فبطل ما أدى إليها، وثبت نقيضه وهو أن التوسعة كانت في حدود ما أنزل الله.
стр. 172
وكيف يتفق هذا الوهم الباطل، وقول الحق ﵎: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [سورة يونس: ١٥ - ١٦].
٤ - أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها
من غير إلزام بواحد منها، وأن من قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، بدليل قوله ﷺ في حديث «عمر»: «فاقرءوا ما تيسر منه»، وقول جبريل- ﵇ في حديث المراجعة: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
وأيضا فالنبي ﷺ قد أقر كلّا من المختلفين على قراءته، ولم يرجح قراءة واحد على الآخر، بل استحسن قراءة كل.
[التوسعة كانت بعد الهجرة]
٥ - أن التوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة، بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش، فكانت الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل، وتلك التوسعة، يشهد لهذا حديث مسلم: «أن النبي كان عند أضاة بني غفار ... » الحديث وهي بالمدينة النبوية، كما ذكرنا آنفا (١).
٦ - أن هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة، فلا ينبغي أن تكون مصدر اختلاف ونقمة: أو أن تكون مثيرة للشك، أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من الاختلاف، كما في حديث «ابن مسعود»، ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو ابن العاص فلا تماروا فيه، وفي رواية لابن جرير الطبري، من حديث أبي جهيم «فلا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر».
٧ - حرص الصحابة- رضوان الله عليهم- البالغ على القرآن الكريم، وغاية تحوطهم في المحافظة عليه، ونفي الريب والتغيير والتبديل عنه؛
стр. 173
وبحسبك شاهدا على هذا ما كان من الفاروق «عمر» ﵁ مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة، وما كان من «أبي» و «ابن مسعود»، و «عمرو بن العاص» مع غيرهم، وأن الصحابة إنما اختلفوا وتنازعوا في قراءة بعض الألفاظ، ورفعوا الأمر إلى رسول الله ﷺ قبل أن يعلموا: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلما علموا بهذه الحقيقة اطمأنوا، وقطع بينهم دابر الشقاق والمراء.
الأقوال في المراد من الأحرف السبعة
اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة، وقد أوصلها «ابن حبان» إلى خمسة وثلاثين قولا، ونقلها عنه «السيوطي» في الإتقان، وسنذكر أشهر هذه الأقوال وأهمها، ونناقش كل قول مناقشة موضوعية خالية من التعصب لقول، أو التحيف على آخر، على ضوء ما قدمنا من روايات، وما استنتجناه من أصول، ومن غير نظر إلى قائله ومنزلته، والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ومن الله نستمد التوفيق والعصمة من الزلل.
القول الأول
إن الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق في لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة، فهو مشترك لفظي لا يدرى أي معانيه هو المراد.
وهذا القول نسب إلى «أبي جعفر محمد بن سعدان النحوي» ونحا نحوه الحافظ السيوطي في شرحه (١) على سنن النسائي حيث قال- بعد ذكر الحديث-: في المراد به أكثر
من ثلاثين قولا، حكيتها في الإتقان، والمختار عندي: أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله.
وهذا الرأي بمعزل عن التحقيق؛ فإن مجرد كون اللفظ مشتركا لفظيّا لا يلزم منه الإشكال ولا التوقف، وإنما يكون ذلك لو لم تقم قرينة تعين بعض
стр. 174
المعاني، أو ترجح بعضها على بعض، وهنا قامت القرينة التي تعين المراد؛ إذ لا يصح إرادة حرف الهجاء؛ لأنه مركب من جميع حروف الهجاء، ولا يصح إرادة الكلمات لأن كلماته تعد بالألوف، ولا يصح إرادة المعنى، لأن معانيه تزيد عن سبعة فتعين أن يكون المراد: الجهة، والجهة تأتي بمعنى الوجه (١)، ويشهد لهذا الاستعمال: مجيء الحرف بمعنى الوجه قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فقد قال بعض المفسرين فيه: على ضعف من العبادة، أو على وجه واحد: وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، كما في تفسير القرطبي.
وإذا كان معنى الحرف غير مشكل فليبحث عن المراد منه في حدود المنقول والمعقول.
القول الثاني
وهو أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتوسعة، ولفظة «السبعة» يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين.
وهذا الرأي أيضا بعيد من الصواب؛ إذ لا تشهد له رواية من الروايات التي أسلفناها، ويرده ما ورد في حديث الصحيحين: «فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
وحديث النسائي وفيه: فقال ميكائيل: «استزده حتى بلغ سبعة أحرف» وفي حديث أبي بكرة: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة» فهذه الروايات صريحة في أن المراد الحقيقة وانحصار الحروف في سبعة.
стр. 175
القول الثالث
أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وإن شئت فقل: سبع لغات من لغات العرب المشهورة في كلمة واحدة، تختلف فيها الألفاظ والمباني مع اتفاق المعاني، أو تقاربها، وعدم اختلافها وتناقضها، وذلك مثل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، ونحوي، وقصدي، وقربي، فإن هذه ألفاظ سبعة مختلفة يعبر بها عن معنى واحد، وهو طلب الإقبال.
وليس معنى هذا أن كل كلمة كانت تقرأ بسبعة ألفاظ من سبع لغات، بل المراد: أن غاية ما ينتهي إليه الاختلاف في تأدية المعنى هو سبع، فالمعنى الذي تتفق فيه اللغات في التعبير عنه بلفظ واحد يعبر عنه بهذا اللفظ فحسب، والذي يختلف التعبير عنه بلفظين، وتدعو الضرورة إلى التوسعة يعبر عنه بلفظين، وهكذا إلى سبع.
ومن أمثلة ذلك من القرآن قوله تعالى: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: ٢٩] وقد قرأ ابن مسعود: إلا زقية واحدة.
وقوله: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قد قرأ عمر بن الخطاب- ﵁: فامضوا إلى ذكر الله (١)، ومثل ما روى ورقاء عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أنه كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا، «للذين آمنوا أمهلونا»، «للذين آمنوا أخّرونا»، «للذين آمنوا ارقبونا»؛ وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، «سعوا فيه» (٢).
ولا يقال: إن بعض هذه الحروف لا يقرأ بها اليوم؛ لأنا نقول: إن هذا هو معنى الأحرف السبعة، ونحن لا ندعي بقاءها كلها إلى اليوم كما ستعلم عن قريب.
стр. 176
وهذا الرأي يتفق هو والروايات السابقة الدالة على اختلاف الصحابة في كلمات من القرآن، وتنازعهم، ورفع الأمر إلى رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- ثم إقرار الرسول كلا على قراءته، ويوافق الأصول التي استنتجناها من هذه الروايات؛ فالغرض من النزول على سبعة أحرف التيسير، ورفع الحرج عن الأمة بالتوسعة في الألفاظ ما دام المعنى واحدا، فقد كانوا أمة أمية، وكانت لغاتهم متعددة، وكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة،
ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وتغيير للعادة، فمن ثم جعل الله لهم متسعا في اللغات بقراءة المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
وقد استمر الأمر على هذا حتى كثر فيهم من يقرأ ويكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ وهو لسان قريش، ولا سيما بعد أن صارت لقريش السيادة الدينية والدنيوية معا، وقدروا على النطق بلغة قريش، التي هي أعذب اللغات وأسهلها وأطوعها للألسنة؛ فلم يسعهم أن يقرءوا بخلافها، ولا سيما وقد زالت الضرورة وأصبحت التوسعة في القراءة بالأحرف السبعة مثار اختلاف وتنازع، فقد حدث في عهد الخليفة الثالث «عثمان» ﵁ أن اجتمع أهل الشام مع أهل العراق في غزوة «أرمينية» وكانت قراءاتهم مختلفة، فصار يخطّئ بعضهم بعضا، ويقول كل منهم: حرفي الذي أقرأ به خير من حرفك، فجاء حذيفة بن اليمان إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا في كتابهم اختلاف اليهود والنصارى، وحدث أيضا: أن كان المعلم يعلم قراءة الرجل، والآخر يعلم قراءة رجل آخر، فصار الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع هذا الخلاف إلى المعلمين، وكاد أن يكفر بعضهم بعضا، فقال عثمان: أأنتم عندي تختلفون فمن نأى من الأمصار كان أشد اختلافا، فرأى الخليفة الراشد عثمان- ونعم ما رأى- على ملأ من الصحابة، ومشورة من أهل الرأي منهم أن يجمع الناس على حرف واحد، حتى تضيق
стр. 177
شقة الخلاف، ويقل التنازع فجمع المصحف، وكتبه على حرف واحد وهو حرف قريش، ونسخ منه نسخا أرسل بها إلى الأمصار، وحرق ما عدا هذا المصحف الذي أمر بجمعه، وعزم على كل من كان عنده مصحف يغاير المصاحف العثمانية أن يحرقه، فاستوثقت له الأمة بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فالتزمت القراءة بحرف قريش؛ وتركت القراءة بالأحرف الستة الباقية، التي عزم عليها إمامها العادل الراشد أن تتركها امتثالا لأمر الإسلام، في طاعة أولي الأمر، ورعاية منهم لمصلحتهم ومصلحة الأمة ممن يأتي بعدهم حتى درست معرفة هذه الأحرف الستة من الأمة وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفاء آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الباقية (١).
وإلى هذا الرأي ذهب الجماهير من سلف الأمة وخلفها فذهب إليه الأئمة سفيان بن عيينة، وابن جرير الطبري، ودافع عنه دفاعا حارّا في مقدمة تفسيره والطحاوي، وابن وهب، وخلائق كثيرون، واختاره القرطبي، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء، وهذا الرأي هو الذي أختاره وأميل إليه.
ولكي يخلص لنا هذا الرأي ممحصا مصفى، سنذكر بعض التوضيحات له، والشبه التي أثيرت حوله، ونجيب عليها، حتى يتبين لنا أنه الرأي المروي والمختار (٢).
الشبهة الأولى:
إن قال قائل: في أي موضوع من القرآن نجد حرفا واحدا مقروءا بسبع
стр. 178
لغات مختلفات الألفاظ، متفقات المعاني، حتى يصح لنا أن نفسر الحروف السبعة بوجوه ولغات سبع
والجواب: أننا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما قلنا: هذا هو معنى الحديث، ثم جدّت ظروف وضرورات اضطرت الأمة بسببها أن تقتصر على حرف واحد منها، وهو حرف قريش.
وإنما لم أقل في الجواب إن في القرآن ما يقرأ على سبعة أوجه مثل:
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ و «جبريل»، لأن الاختلاف في هذه اختلاف قراءات: وهو أداء اللفظ الواحد بطرق مختلفة الأداء، وليس اختلاف حروف، أي ألفاظ وكلمات على ما بينا في المذهب المختار، والقراءات الثابتة على اختلافها وتنوعها ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف قريش، الذي جمع عثمان عليه المصاحف.
الشبهة الثانية:
إن قيل: أين ذهبت الأحرف الستة الباقية مع أن رسول الله ﷺ قرأ بها، وأمرهم بقراءتها، وأنزلهن الله من عنده على نبيّه أنسخت هذه الأحرف الستة الباقية فرفعت وإذا كان، فما الدليل على نسخها ورفعها
والجواب: أن الأحرف الستة الباقية لم تنسخ ولم ترفع، ولم تضيعها الأمة وإنما الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في حفظه وقراءته بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا حنثت في يمين وهي موسرة: أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمعت الأمة جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظر ما عداها كانت مصيبة؛ مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، ووصفت بأنها مطيعة لا عاصية فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيرت في قراءاته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، وترك ما عداه.
стр. 179
فإن قيل، فما العلة قلنا: هي ما قدمنا من أن الأحرف السبعة، التي جعلت للتيسير، ورفع الحرج أضحت سببا للنزاع والاختلاف، بل والتكفير على نحو ما قلنا آنفا.
الشبهة الثالثة:
إن قيل: كيف يلتئم هذا الرأي الذي اخترتموه في تأويل الحديث مع ما أثر عن عثمان- ﵁ أنه قال للرهط القرشيين الذين كانوا مع «زيد بن ثابت» في نسخ المصاحف: «ما اختلفتم فيه- أنتم وزيد- فاكتبوه بلسان قريش! فإنما نزل بلسانهم».
قلنا في الجواب: إن قول عثمان محمول على ابتداء نزوله، وهو الحرف الأول الذي نزل به جبريل، وطلب النبي ﷺ الزيادة عليه؛ فقد نزل جبريل بهذا الحرف أولا، ثم كان يأتي بالحروف في عرضاته القرآن مع النبي كل عام في رمضان، فكان ينزل الله- سبحانه- في هذه العرضات ما شاء أن ينزل من ألفاظ اللغات الأخرى، التي تدعو إليها الحاجة، ثم كان أن استقر الأمر آخرا بعد زوال الضرورة على هذا الحرف، وهو لغة قريش.
أو يكون مراد عثمان: أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش.
نقل الإمام «أبو شامة» عن بعض الشيوخ أنه قال: «أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغة إلى أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله كلا منهم».
قال الحافظ «ابن حجر» معلقا: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل واحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ﷺ ويشير إلى ذلك قول كل
стр. 180
من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأني النبي ﷺ (١).
الشبهة الرابعة:
قالوا: لو كانت الحروف السبعة هي لغات سبع من لغات العرب المشهورة، فكيف اختلفت قراءة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم- ﵄ وهما قرشيان، ولغتهما واحدة
والجواب: أن العبرة في القراءة بالحروف هو السماع من النبي ﷺ لا أن يقرأ كل واحد بهواه، على حسب ما يتسهل له من لغته، وإنكار بعضهم على الآخر لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس من لغته فأنكره، وإنما كان لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي ﷺ وجائز جدّا، أن يكون أحدهما سمع من النبي ﷺ حروفا بغير لغة قريش فحفظها، وسمع الآخر حروفا بلغة قريش فحفظها، وثبت كل واحد منهما على ما سمع من النبي، فمن ثم اختلفا مع كونهما قرشيين، وكون بعض الناس يعرف غير لغته الأصلية، ويتسهل له، وينطق بها كما ينطق بها أهلها أمر مشاهد معروف، وهل قال أحد:
إن كل واحد من العرب كان يلتزم القراءة بلغته دون غيرها حتى يستشكل ذلك
ولو كان الأمر كذلك لقال عمر لهشام: لقد قرأت بغير لغة قومك، ولكنه لم يحدث، وإنما أنكر عليه حروفا لم يقرئه إياها رسول الله ﷺ .
الشبهة الخامسة:
كيف تقولون: إن الحرف الذي استقر عليه الأمر آخرا هو حرف قريش مع أن في القرآن كثيرا من الكلمات بغير لغة قريش مثل: الْأَرائِكِ فقد قيل: إنها بلغة اليمن.
ومثل: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أي: أفلم يعلموا بلغة هوازن، ومُراغَماً أي متفسحا بلغة هذيل إلى غير ذلك من الكلمات.