وهذا الرأي يتفق هو والروايات السابقة الدالة على اختلاف الصحابة في كلمات من القرآن، وتنازعهم، ورفع الأمر إلى رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- ثم إقرار الرسول كلا على قراءته، ويوافق الأصول التي استنتجناها من هذه الروايات؛ فالغرض من النزول على سبعة أحرف التيسير، ورفع الحرج عن الأمة بالتوسعة في الألفاظ ما دام المعنى واحدا، فقد كانوا أمة أمية، وكانت لغاتهم متعددة، وكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة،
ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وتغيير للعادة، فمن ثم جعل الله لهم متسعا في اللغات بقراءة المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
وقد استمر الأمر على هذا حتى كثر فيهم من يقرأ ويكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ وهو لسان قريش، ولا سيما بعد أن صارت لقريش السيادة الدينية والدنيوية معا، وقدروا على النطق بلغة قريش، التي هي أعذب اللغات وأسهلها وأطوعها للألسنة؛ فلم يسعهم أن يقرءوا بخلافها، ولا سيما وقد زالت الضرورة وأصبحت التوسعة في القراءة بالأحرف السبعة مثار اختلاف وتنازع، فقد حدث في عهد الخليفة الثالث «عثمان» ﵁ أن اجتمع أهل الشام مع أهل العراق في غزوة «أرمينية» وكانت قراءاتهم مختلفة، فصار يخطّئ بعضهم بعضا، ويقول كل منهم: حرفي الذي أقرأ به خير من حرفك، فجاء حذيفة بن اليمان إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا في كتابهم اختلاف اليهود والنصارى، وحدث أيضا: أن كان المعلم يعلم قراءة الرجل، والآخر يعلم قراءة رجل آخر، فصار الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع هذا الخلاف إلى المعلمين، وكاد أن يكفر بعضهم بعضا، فقال عثمان: أأنتم عندي تختلفون فمن نأى من الأمصار كان أشد اختلافا، فرأى الخليفة الراشد عثمان- ونعم ما رأى- على ملأ من الصحابة، ومشورة من أهل الرأي منهم أن يجمع الناس على حرف واحد، حتى تضيق
стр. 177
شقة الخلاف، ويقل التنازع فجمع المصحف، وكتبه على حرف واحد وهو حرف قريش، ونسخ منه نسخا أرسل بها إلى الأمصار، وحرق ما عدا هذا المصحف الذي أمر بجمعه، وعزم على كل من كان عنده مصحف يغاير المصاحف العثمانية أن يحرقه، فاستوثقت له الأمة بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فالتزمت القراءة بحرف قريش؛ وتركت القراءة بالأحرف الستة الباقية، التي عزم عليها إمامها العادل الراشد أن تتركها امتثالا لأمر الإسلام، في طاعة أولي الأمر، ورعاية منهم لمصلحتهم ومصلحة الأمة ممن يأتي بعدهم حتى درست معرفة هذه الأحرف الستة من الأمة وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفاء آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الباقية (١).
وإلى هذا الرأي ذهب الجماهير من سلف الأمة وخلفها فذهب إليه الأئمة سفيان بن عيينة، وابن جرير الطبري، ودافع عنه دفاعا حارّا في مقدمة تفسيره والطحاوي، وابن وهب، وخلائق كثيرون، واختاره القرطبي، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء، وهذا الرأي هو الذي أختاره وأميل إليه.
ولكي يخلص لنا هذا الرأي ممحصا مصفى، سنذكر بعض التوضيحات له، والشبه التي أثيرت حوله، ونجيب عليها، حتى يتبين لنا أنه الرأي المروي والمختار (٢).
الشبهة الأولى:
إن قال قائل: في أي موضوع من القرآن نجد حرفا واحدا مقروءا بسبع
стр. 178
لغات مختلفات الألفاظ، متفقات المعاني، حتى يصح لنا أن نفسر الحروف السبعة بوجوه ولغات سبع
والجواب: أننا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما قلنا: هذا هو معنى الحديث، ثم جدّت ظروف وضرورات اضطرت الأمة بسببها أن تقتصر على حرف واحد منها، وهو حرف قريش.
وإنما لم أقل في الجواب إن في القرآن ما يقرأ على سبعة أوجه مثل:
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ و «جبريل»، لأن الاختلاف في هذه اختلاف قراءات: وهو أداء اللفظ الواحد بطرق مختلفة الأداء، وليس اختلاف حروف، أي ألفاظ وكلمات على ما بينا في المذهب المختار، والقراءات الثابتة على اختلافها وتنوعها ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف قريش، الذي جمع عثمان عليه المصاحف.
الشبهة الثانية:
إن قيل: أين ذهبت الأحرف الستة الباقية مع أن رسول الله ﷺ قرأ بها، وأمرهم بقراءتها، وأنزلهن الله من عنده على نبيّه أنسخت هذه الأحرف الستة الباقية فرفعت وإذا كان، فما الدليل على نسخها ورفعها
والجواب: أن الأحرف الستة الباقية لم تنسخ ولم ترفع، ولم تضيعها الأمة وإنما الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في حفظه وقراءته بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا حنثت في يمين وهي موسرة: أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة، فلو أجمعت الأمة جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حظر ما عداها كانت مصيبة؛ مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، ووصفت بأنها مطيعة لا عاصية فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيرت في قراءاته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، وترك ما عداه.
стр. 179
فإن قيل، فما العلة قلنا: هي ما قدمنا من أن الأحرف السبعة، التي جعلت للتيسير، ورفع الحرج أضحت سببا للنزاع والاختلاف، بل والتكفير على نحو ما قلنا آنفا.
الشبهة الثالثة:
إن قيل: كيف يلتئم هذا الرأي الذي اخترتموه في تأويل الحديث مع ما أثر عن عثمان- ﵁ أنه قال للرهط القرشيين الذين كانوا مع «زيد بن ثابت» في نسخ المصاحف: «ما اختلفتم فيه- أنتم وزيد- فاكتبوه بلسان قريش! فإنما نزل بلسانهم».
قلنا في الجواب: إن قول عثمان محمول على ابتداء نزوله، وهو الحرف الأول الذي نزل به جبريل، وطلب النبي ﷺ الزيادة عليه؛ فقد نزل جبريل بهذا الحرف أولا، ثم كان يأتي بالحروف في عرضاته القرآن مع النبي كل عام في رمضان، فكان ينزل الله- سبحانه- في هذه العرضات ما شاء أن ينزل من ألفاظ اللغات الأخرى، التي تدعو إليها الحاجة، ثم كان أن استقر الأمر آخرا بعد زوال الضرورة على هذا الحرف، وهو لغة قريش.
أو يكون مراد عثمان: أن معظمه وأكثره نزل بلغة قريش.
نقل الإمام «أبو شامة» عن بعض الشيوخ أنه قال: «أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغة إلى أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله كلا منهم».
قال الحافظ «ابن حجر» معلقا: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل واحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ﷺ ويشير إلى ذلك قول كل
стр. 180
من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأني النبي ﷺ (١).
الشبهة الرابعة:
قالوا: لو كانت الحروف السبعة هي لغات سبع من لغات العرب المشهورة، فكيف اختلفت قراءة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم- ﵄ وهما قرشيان، ولغتهما واحدة
والجواب: أن العبرة في القراءة بالحروف هو السماع من النبي ﷺ لا أن يقرأ كل واحد بهواه، على حسب ما يتسهل له من لغته، وإنكار بعضهم على الآخر لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس من لغته فأنكره، وإنما كان لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي ﷺ وجائز جدّا، أن يكون أحدهما سمع من النبي ﷺ حروفا بغير لغة قريش فحفظها، وسمع الآخر حروفا بلغة قريش فحفظها، وثبت كل واحد منهما على ما سمع من النبي، فمن ثم اختلفا مع كونهما قرشيين، وكون بعض الناس يعرف غير لغته الأصلية، ويتسهل له، وينطق بها كما ينطق بها أهلها أمر مشاهد معروف، وهل قال أحد:
إن كل واحد من العرب كان يلتزم القراءة بلغته دون غيرها حتى يستشكل ذلك
ولو كان الأمر كذلك لقال عمر لهشام: لقد قرأت بغير لغة قومك، ولكنه لم يحدث، وإنما أنكر عليه حروفا لم يقرئه إياها رسول الله ﷺ .
الشبهة الخامسة:
كيف تقولون: إن الحرف الذي استقر عليه الأمر آخرا هو حرف قريش مع أن في القرآن كثيرا من الكلمات بغير لغة قريش مثل: الْأَرائِكِ فقد قيل: إنها بلغة اليمن.
ومثل: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أي: أفلم يعلموا بلغة هوازن، ومُراغَماً أي متفسحا بلغة هذيل إلى غير ذلك من الكلمات.
стр. 181
وقد ذكر السيوطي في الإتقان في النوع السادس والثلاثين الكثير من ذلك (١).
والجواب عن هذا: أ) أن ما ورد من هذه الألفاظ، وإن كانت في الأصل من غير لغة قريش لكن قريشا أخذتها واستعملتها حتى صارت قرشية بالاستعمال، ومعروف أن مركز قريش هيأ لها أن تأخذ من اللغات الأخرى أعذبها وأسلسها.
ب) أن هذه الكلمات التي ذكرتموها مما توافقت فيه لغة قريش وغيرها إلا أنها عند غير قريش أشهر وأعرف، وتوافق اللغات في بعض الكلمات أمر غير مستنكر ولا مستغرب.
وأيا كان الحال فوجود هذه الكلمات في القرآن لا ينافي كون القرآن بلغة قريش.
ومثل هذه الكلمات التي جاءت في القرآن، وقيل إنها غير عربية في الأصل كالمشكاة والقسطاس، وإستبرق ونحوها، فإنها إمّا صارت عربية بالاستعمال أو أنها مما توافقت فيها لغة العرب وغيرهم، ولم يطعن وجودها في كون القرآن عربيّا مبينا.
الشبهة السادسة:
إن قيل: ما هي اللغات السبعة التي نزل بها القرآن ومن أي ألسن العرب كانت
قلنا: لا حاجة بنا اليوم إلى معرفة الألسن الستة الأخرى، ولا إلى القراءة بها بعد أن اندرست وعفت آثارها، وبحسبنا هذا اللسان الباقي وهو لغة قريش وقد قيل: إن خمسة منها بلسان العجر من هوازن، واثنين لقريش وخزاعة، روي ذلك عن ابن عباس؛ إلا أنه لا يصح عنه (٢).
стр. 182
وكل ما قيل في تعيين اللغات السبع لم يثبت بطريق صحيح.
وقد اختلف في تعيينها اختلافا كثيرا، ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى الإتقان (١).
والذي نراه: أنه كان نزل على سبع لغات من لغات العرب المشهورة وأفصحها وليس في البحث عن تحديدها كبير غناء ما دام أن الحرف الباقي وهو حرف قريش أفصحها وأعذبها وأسلسها، وما دامت الأحرف الأخرى قد اندرست، ولم يبق منها شيء.
منزلة اللغة القرشية بين لغات العرب
ولكي تزداد يقينا بأن قريشا أفصح العرب، ولسانهم أفصح الألسنة وأعذبها ننقل لك بعض ما قاله الأئمة في هذا المقام:
قال ابن فارس في فقه اللغة، عن إسماعيل بن أبي عبيد الله، قال (٢):
أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وذلك أن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم نبي الرحمة محمدا ﷺ فجعل قريشا قطان حرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم، وتحكم بينهم، ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم وتسميتها أهل الله؛ لأنهم الصريح من ولد إسماعيل- ﵇ لم تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلة من الله- جل ثناؤه- لهم وتشريفا، إذ جعلهم رهط بيته الأدنين، وعترته الصالحين.
وكانت قريش مع فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى
стр. 183
كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب، ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفة قيس ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة (١) ولا الكسر تسمعه من أسد وقيس، مثل «تعلمون» - بكسر التاء- و «ونعلم» - بكسر النون- ومثل «شعير وبعير» - بكسر الأول منهما.
وقال الفراء:
كانت العرب تحضر الموسم في كل عام؛ وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ.
وقال أبو نصر الفارابي، في أول كتابه المسمى «الألفاظ والحروف»:
كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس، والذين عنهم نقلت العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
وبالجملة: فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا
стр. 184
من بكر؛ لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد قيس، وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة ولا من بني حنيفة، وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب- قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.
والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء، وأثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب (١).
القول الرابع
إن الأحرف السبعة هي لغات سبع متفرقة في القرآن كله، وهذه السبع قيل: إنها من لغات العرب كلها، وقيل: من لغات مضر.
وليس معنى هذا القول: أن يكون في المعنى الواحد سبع لغات بألفاظ مختلفة كالرأي السابق، بل هذه اللغات متفرقة في القرآن كله، فبعضه بلغة وبعضه بلغة أخرى، وهكذا ... إلى سبع، فيكون المنزل لفظا واحدا لمعنى واحد من لغات متفرقة، وقد استند القائلون بهذا الرأي إلى ما يأتي:
١ - وجود ألفاظ في القرآن المقروء اليوم بغير لغة قريش.
٢ - ما روي عن ابن عباس وعمر- ﵄ من عدم فهمهما لبعض الكلمات القرآنية، فقد خفي على ابن عباس معنى قوله تعالى:
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما:
أنا فطرتها، أي ابتدأتها، فعلم معناها وكذلك خفي عليه معنى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ حتى سمع بنت ذي يزن تقول:
تعالى أفاتحك، تريد أقاضيك وأخاصمك فعلم معناها، وكذلك خفي على الفاروق معنى تَخَوُّفٍ في قوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ والمراد ب «الأب»
стр. 185
في قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مع أنهما قرشيان، فدل ذلك على أن القرآن فيه ألفاظ بغير لغة قريش.
وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وثعلب، وأبو حاتم السجستاني واختاره ابن عطية (١) وقال الأزهري في «التهذيب»: إنه المختار، وقد ذكر «السيوطي» أن الزهري ممن قال بهذا: وهو غير صحيح، فظاهر مقالة الزهري المروية في صحيح مسلم تشهد لاختياره للقول السابق الذي رجحناه (٢)، قال الإمام النووي أثناء ذكره لأقوال العلماء في السبعة الأحرف: وقال آخرون: هي الألفاظ والحروف، وإليه أشار ابن شهاب بما رواه عنه مسلم في الكتاب.
وإليك ما قال أبو عبيد في تحرير هذا القول: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع متفرقة فيه، فبعض بلغة قريش، وبعض بلغة هذيل، وبعض بلغة هوازن، وبعض بلغة اليمن وغيرهم، وبعض اللغات أسعد به من بعض، وأكثر نصيبا.
وبهذا التحرير يتبين لنا فرق ما بين هذا القول والقول السابق.
وقد اختلف القائلون بهذا في بيان اللغات السبع، فقيل: إنها متخيرة من لغات أحياء العرب كلها، وقيل: كانت في (مضر) خاصة، وقيل:
في قريش، قال الحافظ في الفتح: قيل: نزل بلغة مضر خاصة، لقول عمر: نزل القرآن بلغة مضر، وعين بعضهم- فيما حكاه ابن عبد البر- السبع من مضر، إنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات.
وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
стр. 186
فعلى هذا تكون اللغات السبع في بطون قريش وبذلك جزم أبو علي الأهوازي.
وهكذا نرى أن بعض العلماء يرى أن اللغات السبع في العرب كلها، وقيل: في مضر، وقيل: في قريش، وأنهم اختلفوا في تعيين السبعة، مما يدل على أنه ليس في هذا نقل صحيح تطمئن إليه النفس وما احتج به «ابن قتيبة» لقوله غير مسلم؛ فقومه هم العرب لا قريش خاصة والله قال:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ولم يقل: قرشيّا.
وهذا القول- الرابع- مردود بما يأتي:
١ - أن هذا القول بعيد غاية البعد عن الروايات التي ذكرناها في صدر البحث، كما أنه لا يتفق هو والأصول التي استنتجناها منها، لأنه يقتضي أن القرآن أبعاض؛ كل بعض بلغة وهذا لا يتأتى فيه رفع الحرج والمشقة، والتيسير والتسهيل، إذ كل قبيلة مكلفة شرعا بقراءة القرآن جميعه، وفهمه والعمل به، فهو لا يحقق الغرض الذي لأجله نزل القرآن على سبعة أحرف.
٢ - وأيضا فلو كانت الحروف السبعة على ما ذكروا لما تأتى اختلاف بين الصحابة في الألفاظ على ما جاءت به الروايات من اختلاف عمر وهشام وأبيّ بن كعب وابن مسعود وعمرو بن العاص مع آخرين.
وكيف يتأتى اختلاف إذا كان المنزل لفظا واحدا والمقروء واحدا
فهذا القول يلزم منه رد كل الروايات الصحيحة الواردة في هذا الباب، ودون ذلك خرط القتاد وصعود السماء!
٣ - ما استند إليه القائلون به من أن القرآن يشتمل على ألفاظ غير لغة قريش لا يصلح أن يكون دليلا؛ لأننا كما قلنا سابقا إن هذه الكلمات مما تخيرتها قريش من لغات
غيرها واستعملتها، فصارت بالاستعمال قرشية، أو أن هذه الألفاظ مما توافقت فيها لغة قريش ولغة غيرهم.
٤ - ما استندوا إليه من عدم فهم ابن عباس وعمر لبعض الألفاظ القرآنية
стр. 187
لا يصلح دليلا لهم أيضا؛ إذ اللغة واسعة وليس بلازم أن يحيط الإنسان بكل معاني لغته وألفاظها، وقد قال الإمام الشافعي في «الرسالة»: لا يحيط باللغة إلا نبي (١).
على أننا قد ذكرنا أن في القرآن ألفاظا كانت في الأصل غير قرشية، ثم صارت قرشية بالاستعمال فجائز جدّا أن تكون بعض الألفاظ ليست كثيرة الاستعمال عند قريش، وليست معروفة لبعضهم فمن ثم خفيت على بعضهم دون بعض.
القول الخامس
إن المراد بالسبعة الأحرف: الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات وقد ورد في هذا آراء متقاربة لأربعة من العلماء، وسنعرض هذه الآراء الأربعة ثم نناقشها بمرة؛ إذ جميعها تجمعها رابطة قوية، ووشيجة متشابكة.
قال ابن قتيبة (٢) في أول تفسير «مشكل القرآن» (٣): وقد تدبرت وجوه الاختلاف في القراءات فوجدتها سبعة:
الأول: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ بفتح الراء وضمها (٤).
الثاني: ما يتغير بتغير الفعل مثل قوله تعالى: ربنا بعّد بين أسفارنا ورَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا الأول بصيغة الطلب، والثاني بصيغة الماضي.
الثالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ثم ننشرها
стр. 188
ونُنْشِزُها الأول بالراء المهملة والثاني بالزاي (١).
الرابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج من الآخر مثل: طَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وطلع منضود.
الخامس: ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وو جاءت سكرة الحق بالموت.
السادس: ما يتغير بالزيادة والنقصان مثل: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) والذَّكَرَ وَالْأُنْثى.
السابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وكالصوف المنفوش.
قال ابن قتيبة: وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسول الله ﷺ .
قال ابن الجزري (٢): وهو حسن إلا أنه قد فاته- كما فات غيره- أكثر أصول القراءات كالإدغام والإظهار، والإخفاء والإمالة والتفخيم، والمد والقصر وغير ذلك مما هو من اختلاف القراءات، وتغاير الألفاظ، وقد اختلف فيه أئمة القراء، وقد كانوا يترافعون بدون ذلك إلى النبي ﷺ ويرد بعضهم على بعض.
ولكن يمكن أن يكون هذا من القسم الأول، فيشمل الأوجه السبعة على ما قررناه.
القول السادس
ما قاله في بيان وجوه الاختلاف الإمام أبو الفضل الرازي (٣) في كتاب
стр. 189
«اللوائح»، قال: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، أو تذكير وتأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع وأمر.
الثالث: وجوه الإعراب.
الرابع: النقص والزيادة.
الخامس: التقديم والتأخير.
السادس: الإبدال، ويدخل تحته إبدال حرف بآخر، وإبدال كلمة بأخرى.
السابع: اختلاف اللغات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإدغام والإظهار ونحو ذلك.
قال الحافظ في «الفتح»: وقد أخذ- الرازي- كلام ابن قتيبة ونقحه.
القول السابع
قول القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (١) المتوفي سنة ٤٠٣ هـ قال (٢): تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا:
الأول: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ- بضم الراء وفتحها (٣).
الثاني: ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا بإسكان الدال وفتحها، الأول فعل أمر والثاني فعل ماض.
الثالث: ما تتغير صورته ومعناه باختلاف الحروف مثل قوله:
стр. 190
نُنْشِزُها وننشرها.
الرابع: ما تتغير صورته ويبقى معناه مثل: ك كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ والصوف المنفوش (١).
الخامس: ما تتغير صورته ومعناه مثل: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وو طلع منضود (٢).
السادس: التقديم والتأخير كقوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وو جاءت سكرة الحق بالموت.
السابع: الزيادة والنقصان مثل قوله: تسع وتسعون نعجة أنثى وتِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً.
وهذا القول متفق في الجوهر مع قول ابن قتيبة.
القول الثامن
قال ابن الجزري (٣): قد تتبعت صحيح القراءات، وشاذها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه، لا يخرج عنها، وذلك:
١ - إما باختلاف في الحركات، بلا تغير في المعنى والصورة، نحو قَرْحٌ بفتح القاف وضمها.
٢ - أو في الحركات بتغير في المعنى فقط، نحو: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ برفع كلمات ونصبها، أي على أنها فاعل، أو مفعول (٤).
стр. 191
٣ - أو في الحروف بتغير في المعنى لا الصورة نحو: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ قرئ: تَبْلُوا وتتلوا وهما سبعيتان.
٤ - أو عكس ذلك: أي يتغير في الصورة لا المعنى نحو الصِّراطَ والسراط.
٥ - أو بتغيرهما: أي المعنى والصورة نحو: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وقرئ فامضوا.
٦ - وإما بالتقديم والتأخير نحو فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ الأولى بفتح الياء على البناء للفاعل والثانية بضم الياء للمفعول، وبالعكس.
٧ - وإما بالزيادة والنقصان نحو: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ وقرئ وأوصى فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها: قال: وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإشمام والتفخيم والترقيق والنقل؛ فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه في اللفظ والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا؛ ولئن فرض فيكون من الوجه الأول الذي لا تتغير فيه الصورة والمعنى.
وقد رجح هذا القول بعض كبار العلماء، وأئمة الفتوى، وهو المغفور له الشيخ محمد بخيت المطيعي، وسوى بينه وبين مذهب ابن قتيبة، بل حاول جاهدا أن يرجع معظم الأقوال التي ذكرها السيوطي في الإتقان، وذكرناها هنا- إليه (١) وهو تكلف لا نوافقه عليه.
كما رجح هذا القول أيضا بعض الباحثين، وأرجع إليه الأقوال الثلاثة الأخرى (٢)، وبين أنها جميعها ترجع إلى رأي واحد، ولعله تابع الشيخ في قوله.
стр. 192
ورجح رأي الرازي بعض أجلة العلماء (١)، وبالغ في الانتصار له، وبيّن ما بين رأي الرازي وغيره من الآراء الثلاثة من فروق.
ولكني مع هذا ... لم أركن إلى واحد من هذه الآراء، ولا أرى أنها المقصودة بالحديث وأضع بين يدي القارئ هذه النقود.
نقد هذه الآراء
يمكننا إجمال النقد فيما يأتي:
١ - إن القائلين بهذا الرأي- على اختلاف أقوالهم- لم يذكر واحد منهم دليلا، إلا أنه تتبع وجوه الاختلاف في القراءة فوجدها لا تخرج عن سبع.
وهذا التتبع لا يصلح أن يكون دليلا على أن المراد بالأحرف السبعة الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات.
ولا يقال: كيف لا يعتبر التتبع، وهو لا يخرج عن كونه استقراء
لأنا نقول: إنه استقراء ناقص، بدليل أن طريق تتبع ابن الجزري مخالف لطريق تتبع ابن قتيبة وابن الطيب والرازي، وليس أدل على ذلك من أن الرازي ذكر الوجه السابع، ولم يذكره واحد من الثلاثة الآخرين، بل برر ابن الجزري إهماله، مما يدل على أنه يمكن الزيادة على سبع، وأن الوجه الأول عند الرازي؛ والثاني والسادس ترجع ثلاثتها إلى الوجه الخامس عند ابن الجزري (٢)، مما يدل على أن هذه الوجوه يمكن أن يتداخل بعضها في بعض، وأن تعينها إنما هو بطريق الاتفاق لا الاستقراء الصحيح.
وعلى هذا يكون الحصر في الوجوه السبعة غير مجزوم به، ولا متعين، فهو مبني على الظن والتخمين.
٢ - إن الغرض من الأحرف السبعة إنما هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة، والتيسير والتسهيل عليها، والمشقة غير ظاهرة في إبدال الفعل
стр. 193
المبني للمعلوم بالفعل المبني للمجهول، أو العكس، ولا في إبدال فتحة بضمة، أو حرف بآخر، أو تقديم كلمة أو تأخيرها، أو زيادة كلمة أو نقصانها، فإن القراءة بإحداهما دون الأخرى لا توجب مشقة يسأل النبي ﷺ منها المعافاة، وأن أمته لا تطيق ذلك، ويراجع جبريل مرارا، ويطلب التيسير فيجاب بإبدال حركة بأخرى، أو تقديم كلمة وتأخيرها.
فالحق: أنه مستبعد أن يكون هذا هو المراد بالأحرف السبعة.
٣ - إن أصحاب هذه الأقوال اشتبه عليهم القراءات بالأحرف، فالقراءات غير الأحرف لا محالة وإن كانت مندرجة تحتها، وراجعة إليها.
القول التاسع
إن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات.
وإننا لنناقش هؤلاء فنقول لهم: إن أردتم أن كل كلمة تقرأ بقراءات سبع، قلنا لكم: إن ذلك نادر وقليل جدّا.
وإن أردتم أن بعض الكلمات تقرأ بوجه، وبعضها بوجهين، وبعضها بثلاث ... وهكذا إلى سبع، فذلك مردود أيضا بما يأتي:
١ - إن بعض الكلمات تقرأ على أكثر من سبعة أوجه؛ قال في «منار الهدى في الوقف والابتداء»: قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة أوجه، وعشرة أوجه ك مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) وفي «البحر»: أن في قوله:
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ اثنتين وعشرين قراءة، وفي أُفٍّ لغات أوصلها «الرماني» إلى سبع وثلاثين لغة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر: بأن غالب ذلك؛ إما لأنه لا تثبت الزيادة؛ وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوها.
والحق: إنه جواب لا يدفع الإشكال، لأن دعوى: أنه لا يثبت الزيادة على السبع مكابرة بعد ما نقلناه عن أئمة القراء، وكونه من قبيل الاختلاف في الأداء لا يمنع أنه من القراءات التي تثبت بها الزيادة على سبع، إذ لا
стр. 194
فرق بين ما ذكر وبين الاختلاف في وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ وفَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فجعل هذا الاختلاف من القراءات دون الاختلاف في الأداء كالمد والإمالة تحكم ظاهر (١).
٢ - إن هذا القول مبني على أن القراءات هي الأحرف، والحق- كما قلنا آنفا-: أنها ترجع إليها، وليست ذاتها، ولا حقيقتها.
الأحرف السبعة ليست القراءات السبع
وأشد من هذا القول بطلانا من يزعم: أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع المشهورة، وهو غاية الجهل، قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
ولذلك لام كثير من العلماء «ابن مجاهد» (٢) على اقتصاره على السبعة؛ لأنه أوقع من لا يعلم في هذا الوهم، قال أبو العباس بن عمار: لقد فعل مسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي، فأشكل الأمر على العامة، بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الحديث، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة ووقع له في اقتصاره من كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر.
وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم.
وكذا قال غير واحد منهم: مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء (٣).
стр. 195
وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ... ، ثم قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما (١).
وقال القرطبي في تفسيره (٢): قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من هذه السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره.
ومن هذه النقول يتبين لنا: أن القراءات الثابتة المتواترة ليست منحصرة في السبع المشهورة وأنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون مرادة من الحديث وكيف يمكن أن تكون القراءات السبع المشهورة هي المرادة من الحديث وهي إنما عرف كونها سبعا من قبل أن رواتها المشهورين سبعة، وهذا شيء علم بعد زمن النبي ﷺ بثلاثة قرون تقريبا، على يد «ابن مجاهد» فغير معقول أن يخبر النبي ﷺ بنزول القرآن على حروف لم تعرف، ولم تشتهر إلا بعده بقرون.
وقد علمت: أن حصر القراءات الثابتة في سبع إنما كان أمرا اتفاقيّا فحسب.
القول العاشر
ذهب البعض إلى أن المراد بالأحرف السبعة: سبعة أصناف من الكلام، وقد اختلف القائلون به في تعيين هذه السبعة، فقيل: إنها أمر، ونهي، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
واحتجوا بما أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود، عن النبي
стр. 196
صلى الله عليه وسلم قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا».
وهذا الرأي مردود من جهة الرواية والدراية والعقل بما يأتي:
١ - أن هذا الحديث غير ثابت، فلا يصح الاحتجاج به، قال الإمام أبو عمر بن عبد البر: «هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود».
وقال الحافظ في «الفتح» (١): وقد صحح الحديث المذكور (ابن حبان، والحاكم) وفي تصحيحه نظر؛ لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود.
ومعروف أن المنقطع من قبيل الضعيف، فلا يحتج به في مثل هذا مما يتعلق بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم.
٢ - لو سلمنا جدلا أن الحديث ثابت، فليس تأويله كما قال هؤلاء، وإنما له تأويلات أخر:
أ- وذلك إما أن يكون قوله في الحديث: زاجر، وأمر ... إلخ استئناف كلام وليس بيانا للأحرف، قال أبو العلاء الهمداني، وأبو عليّ الأهواني: إن قوله: زاجر وآمر استئناف كلام آخر، أي هو زاجر- القرآن- ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق في العدد.
ويؤيده أنه جاء في بعض طرقه: زاجرا، وآمرا- بالنصب- أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة.
ب- وإما أن تكون بيانا للأبواب السبعة لا للأحرف السبعة، قال العلامة
стр. 197
أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف السبعة أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب.
وعلى هذه التأويلات لا يكون الحديث صالحا للاحتجاج به على ما ذهب إليه هؤلاء.
ج- وقال البيهقي: المراد بالسبعة الأحرف هنا: الأنواع التي نزل عليها والمراد بها في تلك الأحاديث: اللغات التي يقرأ بها، وكذلك قال القاضي أبو بكر الباقلاني، فكأن البيهقي يسلم أنها بيان للأحرف السبعة في هذا الحديث، لكن على معنى آخر مغاير للمعنى الذي أريد من حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، وهي المعاني أي المقاصد.
٣ - هذه الأنواع لا تصلح أن تكون تفسيرا للأحرف السبعة لأن الغرض منها كان التوسعة على الأمة والتيسير بالتعبير في القراءة بأي حرف منها، وما ذكروه من الأنواع لا يتأتى فيه البتة التوسعة والتيسير لأن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا في تحريم حلال، ولا في إبدال أمر بنهي ولا نهي بأمر ولا محكم بمتشابه ولا عكسه ... وهكذا.
فكل هذا مما أجمع العلماء قاطبة على أنه لا يجوز، قال ابن عطية (١):
هذا القول ضعيف، لأن هذه لا تسمى أحرفا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال ولا تحليل حرام ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة.
ولعلك على ذكر من مقالة الإمام الزهري التي ذكرناها في صدر البحث من حديث مسلم.
٤ - هذا القول يلزم منه رد كل الأحاديث الصحيحة التي قدمناها في صدر المبحث والتي تدل على اختلاف الصحابة، ورفع الأمر إلى الرسول، وإقرار كل واحد على قراءته وحرفه، إذ مستحيل أن يقر النبي ﷺ من قرأ
стр. 198
الأمر نهيا، أو النهي أمرا، أو قرأ بدل الأمثال أحكاما، ومن قرأ بدل الأحكام أمثالا، وهكذا، وهو أمر ننزه عنه أي عاقل، فضلا عن أعقل العقلاء.
ورد كل هذه الروايات الصحيحة الموثوق بها لأجل رواية ضعيفة ليس من قواعد البحث العلمي الصحيح في شيء، ولعل في حمل هذا الحديث على ما ذهب إليه البيهقي، والقاضي الباقلاني ما يربأ بالقائلين بهذا القول عن هذه السقطة التي لا لعا لهم منها (١)، وهو ما يليق بحالهم كعقلاء، فإذا كان هذا مقصدهم فقد كفانا الله وإياهم شر الجدال والنزاع.
أقوال أخرى
وهناك أقوال أخرى في بيان الأصناف السبعة وإليك بعضها، فقيل:
وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج، وقيل: محكم، ومتشابه، وناسخ، ومنسوخ، وخصوص، وعموم، وقصص، وقيل: إظهار الربوبية، وإثبات الوحدانية، وتعظيم الألوهية، والتعبد لله، ومجانبة الإشراك، والترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب.
وقيل: إنها من أسماء الرب مثل: الغفور الرحيم، السميع العليم، العليم الحكيم، وهكذا ... يعني في إبدال بعضها ببعض.
وكلها أقوال باطلة وليس عليها أثارة من علم أو برهان، ومردودة بما رددنا به القول العاشر.
وإن لنا لوقفة عند هذا الرأي الأخير والمجوز لتبديل فواصل الآي بعضها ببعض مما هو من صفات الرب، فإن هذا خلاف الإجماع، ويؤدي إلى ذهاب بعض الإعجاز، فإن من إعجاز القرآن هذا التناسب والترابط بين الآية وخاتمتها، فلو جاز إبدال خاتمة بأخرى لعاد بالخلل على إعجاز القرآن.
стр. 199
قال القاضي عياض- نقلا عن المازري- قال: وقول من قال: المراد خواتيم الآي فيجعل مكان «غفور رحيم» «سميع بصير» فاسد أيضا للإجماع على منع تغيير القرآن للناس (١).
إزالة شبهة في هذا المقام:
فإن قيل: فما تقول فيما ذكره السيوطي في الإتقان (٢)، حيث قال:
وعند أبي داود (٣) عن أبيّ قلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب.
وعند أحمد من حديث أبي هريرة: «أنزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما، غفورا رحيما» وعنده أيضا من حديث عمر: «بأن القرآن كله صواب، ما لم تجعل مغفرة عذابا، وعذابا مغفرة» قال: أسانيدها جياد.
قلت في الجواب: إن هذه الروايات مهما بلغت من الجودة في الإسناد- على حسب ما زعم السيوطي- فهي مردودة لمخالفتها لما جاء به القرآن من أنه لا يجوز إبدال كلمة بأخرى، قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا الآية، وقال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) الآية، ولمخالفتها لما أجمع عليه العلماء، وأجمعت عليه الأمة من أنه لا يجوز وضع فاصلة ولا رأس آية مكان أخرى؛ لأن موافقة أواخر الآيات لصدورها من أسرار إعجاز القرآن الكريم، وهذا النظم الكريم الذي جاء في
стр. 200
المصاحف قد أجمع عليه العلماء، وثبت بالتواتر المفيد للقطع واليقين، فلا تعارضه روايات آحادية مهما بلغت أسانيدها من الصحة أو من الحسن أو الجودة، لأن الآحادي لا يعارض التواتر ولا يقوى على مناهضته.
وعلى فرض تسليم ثبوت هذه الروايات قد تأول العلماء هذه الأحاديث على غير ظاهرها؛ لوجود الصارف لها، وهو ما قدمناه من الإجماع على عدم جواز ذلك.
قال الإمام ابن عبد البر- في رواية أبي داود-: إنما أراد ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها (١)، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: وهذه أيضا سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق، وغير السبعة التي هي قراءات وتوسع فيها، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله تعالى. وإذا ثبتت هذه الرواية- رواية أبي- حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا أسماء الله في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه (٢)، وهو تأويل كما ترى.
وشكك في صحتها بعض العلماء فقال صاحب التبيان (٣): وكأن بعض الحفاظ ينكر صحة هذه الرواية، فإنه قال- في إثبات ما ذهب إليه من عدم جواز الرواية بالمعنى- وبرهان ذلك: أن النبي ﷺ علّم «البراء بن عازب» دعاء، وفيه «ونبيك الذي أرسلت» فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي ﷺ قال: «ورسولك الذي أرسلت» فأمره- ﵇ أن لا يضع «رسول» في موضع لفظة «نبي» وذلك حق لا يحيل معنى وهو- ﵊ رسول ونبي، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا:
стр. 201
إنه- ﵊ كان يجيز أن يوضع في القرآن مكان «عزيز حكيم»، «غفور رحيم» أو «سميع عليم»، وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا، والله يقول- مخبرا عن نبيه-: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ولا تبديل أكثر من وضع كلمة موضع أخرى!
أقول: ومما ينبغي أن يعلم أن مخالفة المروي للقرآن أو لما اشتهر من السنة أو لإجماع العلماء مما يقلل الثقة بالرواية ويجعلها في عداد الروايات الواهية التي لا يحتج بها.
وأما رواية أبي هريرة فليس فيها ما يدل على وضع أحدهما مكان الآخر.
والظاهر: أن المراد بالحرف في هذا الحديث غيره في حديث نزول القرآن على سبعة أحرف المشهور، فالمراد به هنا: سبعة أوجه من أسماء الله تعالى، وبمثل هذا قال القاضي الباقلاني في الحديث السابق.
وأما حديث «عمر» فليس فيه ما يدل على جواز إبدال فاصلة بأخرى، ومراد النبي بقوله: «إن القرآن كله صواب» يعني في حدود المنزل من عند الله على نبيه، وما تلقاه المسلمون عن النبي فهو مثل قوله ﷺ في الرواية الأخرى: «فأي حرف قرءوا عليه، فقد أصابوا».
والدليل على أن هذا التأويل هو المتعين في حديث «عمر» هي القصة التي ورد بسببها هذا القول، ذلك أن «عمر» (١) اختصم مع آخر بسبب قراءة كلمة من القرآن فذهبا إلى النبي، فصوب قراءتيهما، وبين أن الكل من عند الله، فدخل قلب «عمر» من ذلك شيء، فضرب النبي في صدره وقال: «أبعد شيطانا» ثم قال: «يا عمر، القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابا ... إلخ» ويكون المقصود بقوله: «ما لم تجعل ... إلخ» النهي عن وضع شيء ما موضع آخر من غير نظر إلى تخصيص ذلك بالرحمة والعذاب.
стр. 202
إزالة شبهة أخرى:
فإن قال قائل: لقد ذكرت في صدر المبحث استنتاجا من الروايات الحديثية: أن التوسعة في الأحرف إنما كانت في حدود المسموع عن رسول الله ﷺ وأكثرت من تثبيت هذا المعنى في تضاعيف كلامك ... فما تقول فيما ورد من آثار ظاهرها يفيد جواز إبدال اللفظ القرآني بآخر- وإن لم يسمع- ما دام المعنى واحدا مثل ما روي عن ابن مسعود: أنه علّم رجلا قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) [الدخان: ٤٣ - ٤٤] فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه ابن مسعود الصواب، وأعاد الرجل الخطأ؛ فلما رأى ابن مسعود أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام الفاجر قال: بلى، قال فافعل، رواه أبو عبيد في فضائله وابن المنذر.
وروي عن أبي الدرداء مثل ذلك، روى ابن جرير في تفسيره قال:
حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام ابن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا ... إلخ الأثر. ورواه الحاكم وصححه، وما رواه الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا [المزمل: ٦] فقيل له: إنها وَأَقْوَمُ قِيلًا فقال: أقوم، وأصوب، وأهيأ، واحد.
رواه أبو يعلى قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية ... الأثر.
وكذلك روى أن أبا سوار الغنوي كان يقرأ: فحاسوا خلال الديار [الإسراء: ٥]- بالحاء غير المعجمة- فقيل له: إنما هي فَجاسُوا فقال:
حاسوا وجاسوا واحد.
والجواب: إن هذه الروايات وما شابهها مصروفة عن ظاهرها لا محالة؛ لوجود الأدلة القطعية من القرآن والسنة الصحيحة على عدم جواز تبديل كلمة بأخرى في معناها، من غير توقيف وسماع.
стр. 203
وأيضا فقد أجمع علماء الأمة على هذا، وإن شذ عن هذا الإجماع مفسر (١)، ونحوي (٢) فاغترا بظاهر الروايات، وهو قول ساقط عن الاعتبار إذا قيس بإجماع العلماء المحققين الجامعين بين المعقول والمنقول.
وكأني بك تقول: إذا كانت الروايات مصروفة عن ظاهرها لا محالة ... فما المراد منها إذا
قلت: لك في ذلك طريقان، وإليك البيان:
١ - إما أن نقول: إن هذه كانت أحرف يقرأ بها، وكانت منزلة من عند الله للتوسعة على العرب في أول الأمر، ثم نسخت فيها نسخ في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي ﷺ ولم يعلم القارئ بها أنها نسخت.
أو أنها تنوسيت واندثرت فيما تنوسي واندثر من الأحرف الستة، غير حرف قريش الذي جمع عليه عثمان المصاحف وعلى هذا يكون ابن مسعود قد سمع القراءتين عن النبي ﷺ فلما تعذر على الرجل أحدهما أقرأه الأخرى، وكذلك «أنس» سمع كلا من الألفاظ الثلاثة، وأبو سوار الغنوي سمع كلا من اللفظين.
وقد قرأ فحاسوا- بالحاء أبو السّمّال، وطلحة بن مصرف مما يدل على أنها منزلة وليست بالهوى.
٢ - وإما أن نقول: إن ما جاءت به الروايات تفسير وتوضيح للفظ القرآن، فابن مسعود لم يرد إقراء الرجل لفظ القرآن، وإنما أراد توضيح المعنى له؛ كي يكون ذلك وسيلة إلى النطق بالصواب، وهو اللفظ القرآني المتلقى عن الرسول، وذلك أن ابن مسعود بين أمرين، إما أن يدعه يقرأ
стр. 204
لفظ «اليتيم» فيكون في ذلك إخلال باللفظ وإفساد للمعنى، وفي ذلك ضرران محققان، وأمران محظوران؛ وإما أن يقرئه المعنى بلفظ يستقيم به لسانه؛ فيستقيم المعنى، ويبقى الإخلال باللفظ ريثما يتسهل له النطق بالأصل ففيه ضرر واحد. ولا شك أن ارتكاب أخف الضررين، وأهون المحظورين- عند الضرورة- أولى من ارتكابهما معا.
قال القرطبي في تفسيره (١) - نقلا عن أبي بكر الأنباري-: ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره؛ لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبا للمتعلم، وتوطئة له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق، والتكلم بالحرف على إنزال الله، وحكاية رسول الله ﷺ .
وقال صاحب الانتصاف تعقيبا على قول الزمخشري: قال أحمد (٢):
لا دليل لذلك وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المعنى، ليكون وضوح المعنى عند المتعلم عونا على أن يأتي بالقراءة كما أنزل ... على هذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب «الانتصار» وهو الوجه.
وكذلك أنس- ﵁ لم يرد أن هذا قرآنا، وإنما أراد توضيح المعنى، وتفسير لفظ القرآن، قال الإمام الرازي في تفسيره (٣) بعد أن ذكر رواية أنس، استدلال ابن جني بها على الجواز: وأنا أقول: يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر تفسيرا للفظ القرآن، لا على أنه جعله نفس القرآن، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ابن جنّي لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ولجوزنا أن كل أحد عبر عن المعنى بلفظ رآه مطابقا لذلك المعنى، ثم ربما أصاب في ذلك الاعتقاد، وربما أخطأ، وهذا يجر إلى الطعن في القرآن،
стр. 205
فثبت أنه يجب حمل ذلك على ما ذكرنا.
ومثل ذلك يقال في فحاسوا فهي تفسير للفظ القرآن فَجاسُوا وربما كانوا يفعلون ذلك في القرآن: اعتمادا على أن اللفظ القرآني معروف ومتحقق، ولا يأتي فيه الالتباس والاشتباه، على أن أثر أنس منقطع فلا يحتج به ولا سيما فيما يتعلق بالقرآن وقراءاته.
وقال ابن الأنباري (١) - بعد أن ذكر رواية الأعمش، عن أنس-: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن، فهو مصيب إذا لم يخالف معنى، ولم يأت بغير ما أراد الله، وقصد له، واحتجوا بقول أنس، وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله ... إلى أن قال: والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصح عن أحد من أهل العلم؛ لأنه مبني على رواية الأعمش، عن أنس، فهو مقطوع (٢) ليس بمتصل، فيؤخذ به من قبل أن الأعمش رأى أنسا، ولم يسمع منه.
ولعلك بعد هذا البيان الشافي ازددت يقينا واطمئنانا إلى أن الإجازة في أحرف القرآن وقراءاته، إنما كانت في حدود المسموع، المتلقّى عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن رب العزة- جل وعلا- وأن هذا إجماع من العلماء المحققين المتثبتين.
زعم باطل لبلاشير. ورده
وقد تلقف بعض المستشرقين هذه الروايات الباطلة التي عرضنا لها، والروايات التي لها محامل صحيحة، ولكنهم حرفوا معانيها إلى محامل باطلة فزعموا أنها تدل على جواز قراءة القرآن بالمعنى، وهذه سمة معظم المستشرقين: أنهم يصححون الموضوع، ويحرفون الصحيح عن معناه كي
стр. 206
تساعدهم على أغراضهم من الطعن في القرآن الكريم.
ومن هؤلاء «بلاشير» في كتابه «المدخل إلى القرآن» وفي ترجمته للقرآن التي أقحم فيها على النص القرآني بعض الآيات الموضوعات (١)، وها هو بلاشير يعرض زعمه في موضوع القراءة بالمعنى، قال: خلال الفترة التي تبدأ من مبايعة عليّ عام ٣٥ هـ حتى مبايعة الخليفة الأموي الخامس «عبد الملك» عام ٦٥ هـ كانت جميع الاتجاهات تتواجه، فالمصحف العثماني قد نشر نفوذه في كل البلاد إذ كان مؤيدا بنفوذ من شاركوا في عمله، وقد كانوا يشغلون مناصب مهمة في الشام وربما كان هذا هو الوقت الذي نشأت فيه نظرية معينة، تدل على أن إصلاح عثمان كان قد أصبح ضروريا فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم وإنما روحه، ومن هنا ظل اختيار الوجه (الحرف) في القراءات التي تقوم على الترادف المحض أمرا لا بأس به ولا يثير الاهتمام، هذه النظرية التي يطلق عليها القراءة بالمعنى كانت دون شك من أخطر النظريات إذ كانت تكل تحديد النص إلى هوى كل إنسان (٢).
ومن الغريب والمؤسف حقا أن يجيء بعد «بلاشير» رجل مسلم وهو الدكتور «مصطفى مندور» فيتابع أستاذه «بلاشير» على رأيه، بل ويزيد الطين بلّة بما أضاف من تخرّصات أخرى فعقد فصلا في رسالة «الشواذ» - وهي رسالة تكميلية لنيل درجة دكتوراة الدولة من كلية الآداب بجامعة باريس-
стр. 207
بعنوان «القراءة بحسب المعنى» قال فيه: هنالك على الأخص نقطة وقع عليها اتفاق كثيرين، هي أن القرآن ربما قرئ بأوجه كثيرة، ولكن الأساس هو أن يحترم المعنى، وقد أيدت نصوص كثيرة هذه الفكرة فينسب إلى عمر قوله: القرآن كله صواب ما لم تجعل عذابا مغفرة أو مغفرة عذابا، ثم ذكر نصوصا لا تشهد لما ادعاه ثم قال: من هذه الوجوه التفسيرية نشأت فكرة القراءة بحسب المعنى، وهنالك أمثلة ترينا إلى أي حد تبع المؤمنون كلام الله بحرفه ... ثم يسوق أخبارا يستدل بها على انتشار هذه النظرية في المجتمع الإسلامي فيقول: وقد علم عمر بن عبد العزيز أن رجلا كان يقرأ القرآن فيقلب نظام الآيات فلما قوطع في قراءته ادعى أنه لا ذنب في هذا ولا جريرة ما دام يذكر كل النص، في أي نظام، كما روى أن مسلما آخر استبدل بعض الكلمات بمرادفاتها، ثم ذكر مرجعا له كتاب الأغاني (ج ٣ ص ٦١)، وما هو فيه، ولعله اعتمد فيما نقله على بعض كتب الأدب ككتاب «محاضرات الأدباء» وأمثاله من الكتب (١) التي لا اعتداد بها في باب الرواية عند العلماء المحدثين الأصلاء في النقد، والذين إليهم المرجع في معرفة الغث من السمين والصحيح من الضعيف من الموضوع المختلق على النبي ﷺ وعلى الصحابة رضوان الله عليهم.
الرد على هذه المزاعم
وإليك الرد على هذه المزاعم التي زعمها بلاشير ومتابعه مندور:
١ - هذه الروايات لا تثبت أمام النقد العلمي النزيه، ومعظمها روايات باطلة المعنى واهية الإسناد، والاعتماد على أمثال هذه الروايات التي ليس لها زمام ولا خطام تجن على العلم وعلى الحقيقة، ولو لم يكن في نقد هذه
стр. 208
المرويات إلا أنها مخالفة للمعقول وما صح من المنقول، وما أجمع عليه المسلمون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا مما هو منقول نقلا متواترا، لا يتطرق إليه الشك والارتياب، لكفى فما بالك وهي معلولة الأسانيد وصدق ابن الجوزي الناقد حيث قال: ما أحسن قول القائل: كل حديث رأيته تخالفه العقول، وتناقضه الأصول، وتباينه النقول فاعلم أنه موضوع، وقد عرضنا لهذه المرويات آنفا، وبينا أن معظمها لا يصلح للاحتجاج به، وبعضها على تسليم صحته له مخارج صحيحة.
٢ - إن مثل هذه البحوث التي تتعلق بكتاب الله، الذي توفرت له كل وسائل الثبوت واليقين والتحوط البالغ لسلامة النص من التحريف والتبديل والتغيير، لا يجوز ولا يليق بباحث أن يعتمد فيها على روايات تذكر في كتب الأدب أو التاريخ، أو يتندر بها بعض الناس في مجالسهم من غير أن يكون لها أسانيد ثابتة، ولكن المستشرقين وأبواقهم في سبيل تحقيق مزاعمهم يصححون الضعيف، ويعتمدون على المكذوب، على حين نجدهم يضعفون الصحيح من الأحاديث ولا حامل لهم في هذا وذاك إلا الهوى والتشهي والتجني الآثم على النبي ﷺ وعلى القرآن الكريم.
٣ - إن هذه التوسعة في الحروف السبعة لم تكن بالهوى والتشهي وإنما كانت في حدود المنزّل من عند الله بدليل قول النبي ﷺ عقب سماعه قراءة كل من المختلفين «هكذا أنزلت»، وقد نبهت على ذلك آنفا فكن على ذكر منه.
٤ - إن البحث العلمي الصحيح الذي يكون القصد منه إصابة الحق والصواب يلزم الباحث النزيه فيما إذا وردت روايات متعارضة أن ينقدها من ناحية السند- النقد الخارجي- ومن ناحية المتن- النقد الداخلي- ولا يزال يمحص الروايات، ويوازن بينها مع ملاحظة ما يوافق البيئة منها، وما لا يوافق، حتى يهتدي إلى الحق والرشاد، أما أن يأخذ ما يشاء على حسب هواه فتلك خيانة للبحث العلمي الصحيح، ثم إن جاز هذا من باحث متعصب ك «بلاشير» فكيف جاز ذلك من باحث مسلم كمصطفى مندور!!
стр. 209
٥ - إن المعوّل عليه في حفظ القرآن الكريم هو التلقي الشفاهي فعن النبي ﷺ تلقاه ألوف الصحابة العدول الضابطين، وعن الصحابة تلقاه ألوف الألوف من التابعين ولم يكن المعول عليه في الحفظ الصحف أو المصاحف وإنما كانت الكتابة في الصحف والمصاحف لزيادة التوثق والاطمئنان ولا يزال الاعتماد في حفظ القرآن على الشيوخ الحافظين المتقنين إلى يومنا هذا، وهذا القرآن المكتوب في المصاحف ثبت بحفظ الألوف الذين لا يحصيهم العد وأجمع عليه المسلمون في كل عصر وقطر، فكل ما جاء من روايات مخالفة له مخالفة صريحة أو ضمنية فاضرب بهذه الروايات عرض الحائط، وارم بهما دبر أذنيك فإنها لا تساوي المداد الذي تكتب به، والروايات الآحادية وإن صحت لا تعارض ما ثبت بالتواتر، فما بالك إذا كانت الروايات الآحادية ضعيفة
٦ - في كلام بلاشير ومتابعه (مندور)، تناقض ودعاوى وافتراضات لم يقم عليها دليل فمن ذلك ما ذكر بلاشير من أن مصحف عثمان قد بسط نفوذه ... فكيف يتفق هذا وقوله: فبالنسبة إلى بعض المؤمنين لم يكن نص القرآن بحرفه هو المهم! ثم كيف ضرب عن الروايات الصحيحة المتكاثرة صفحا وزعم أن نظرية القراءة بالمعنى كانت تكل
تحديد النص إلى (هوى كل إنسان)!
ثم ما قيمة التخمينات والافتراضات في بحث يتصل بكتاب يعتبر عند المنصفين خير الكتب السماوية وأفضلها بله الأرضية ثم أين النصوص الكثيرة التي أيدت فرية «قراءة القرآن بالمعنى» يا دكتور مندور وما ذكرت إلا بضعة نصوص ضعيفة متهالكة متهافتة وقعت عليها في كتب الأدب ونحوها التي لا اعتبار لها في موازين أهل النقد والرواية! ثم من هم الكثيرون الذين زعمت أنهم اتفقوا على جواز القراءة بالمعنى! وصدق القائل:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بيّ ... نات أبناؤها أدعياء
стр. 210
جملة الأقوال في الأحرف السبعة
وقد بلغ بها «السيوطي» - نقلا عن ابن حبان- إلى خمسة وثلاثين قولا ثم قال: قال ابن حبان: فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضا، وكلها محتملة ويحتمل غيرها.
وقال أبو العباس المرسي: هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر، مع أنها كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص؛ ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم، الذي في الصحيح؛ فإنهما لم يختلفا في تفسيره، ولا أحكامه وإنما اختلفا في قراءة حروفه، وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح.
أما ما استشكله من حديث عمر وهشام فقد بينا مفصل الحق فيه بما يزيل الإشكال ويطمئن القلب، وبحسبنا ما ذكرنا من الأقوال في هذا المقام فقد أعرضنا عن القشور، واكتفينا باللباب.
موقف الشيعة من حديث الأحرف السبعة
أما موقف الشيعة من حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف» فكانوا على فريقين فمنهم من يرى صحة الحديث، ولم يطعن فيه، وذكر بعض الوجوه في تأويله، ويمثل هذا الفريق الأستاذ الشيخ أبو عبد الله بن الميرزا نصر الله الزنجاني- ﵀ في كتابه «تاريخ القرآن» فقد ذكر بعض الأحاديث التي رواها البخاري وغيره في هذا الباب، ثم قال: دلت هذه الروايات على أن النبي ﷺ كان يقرئ القرآن بعض عظماء الصحابة، ويهتم بأن يحفظوه حتى قال لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ... » ودلت أيضا على أن الصحابة كانوا يهتمون بحفظ نصوص الآيات بحيث كان زيادة حرف «واو» ونقصيتها أمرا مهتما به مع أن ذلك لا يغير المعنى كثيرا.
وكذلك عرض لبيان المراد بالأحرف السبعة، ومال إلى ما رآه الإمام
стр. 211
محمد بن جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (١) وهو ما رجحناه آنفا.
ويمثل الفريق الثاني- وهم الأكثر- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» (٢)، فقد عرض لبعض الروايات الثابتة الصحيحة التي ذكرناها في صدر البحث وقد حاول أن يثبت أنها أحاديث مضطربة متناقضة وأنها ضعيفة الأسانيد من غير أن يقيم على ذلك بينة غير أنها واردة من طرق أهل السنة فهي مرفوضة في نظره وهي أيضا مخالفة لصحيحة زرارة بن أعين (٣) عن أبي جعفر قال: إن القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة، وأن الصادق ﵇ حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس «نزل القرآن على سبعة أحرف» وقال: «ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».
ولا أدري كيف يستسيغ إخواننا الشيعة أن يردوا حديثا متواترا عن النبي ﷺ برواية واحد وعشرين صحابيّا عدولا ضابطين، بروايات مقطوعة (٤) على التابعين ومن بعدهم، وليس مرفوعة إلى النبي ﷺ ، ولا موقوفة (٥) على الصحابي ومهما بلغ شأن التابعي أو تابع التابعي فلن تبلغ روايته مبلغ الرواية المسندة إلى النبي ﷺ ولا تصلح أن تكون معارضة لها بل لو وردت
стр. 212
رواية عن بعض الصحابة، وورد عن النبي ما يخالفها أخذنا بالرواية المرفوعة ورفضنا الموقوفة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف فيه شيعي أو سني وهذا هو المنهج العلمي الصحيح الذي وضعه أئمة هذا العلم النبوي في كل عصر ومصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
وماذا نملك للشيعة ما دام مذهبهم رفض كل المرويات التي رويت في كتب أهل السنة مهما بلغت من الصحة، وثقات رواتها! إذا عارضت ما روي عن أهل البيت.
يقول السيد الخوئي: ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم (أي عن أهل البيت) ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات، وهذا أول شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجية (١) وهذا المبدأ أبعد ما يكون عن المنطق والصواب فأي راو مهما بلغ من العلم أو النسب غير معصوم، وما دام الأمر كذلك فلتوزن هذه الروايات وغيرها بالميزان الذي وضعه أئمة الجرح والتعديل، وليتعرف صحيحها من سقيمها من موضوعها بالقواعد التي وضعها أئمة أصول الحديث، والتي تعتبر ميزان المنقول، كما اعتبر المنطق ميزان المعقول، ولكي تكون على بينة مما ذكره السيد الخوئي ومنزلته من الحق والصواب أذكر لك بعض المثل مما انتقد به المرويات:
يقول: فمن التناقض أن بعض الروايات دل على أن جبريل أقرأ النبي على حرف فاستزاده النبي- فزاده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وهذا يدل على أن الزيادة كانت بالتدريج، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة وفي بعضها أن الله أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، وكان الأمر بقراءة سبع في المرة الرابعة.
وفي الحق أن هذا لا يعد تناقضا ولا اضطرابا ترد به الروايات لأن إمكان الجمع بينها سهل يسير لجواز أن لا تكون هذه الأحاديث في قصة واحدة بل
стр. 213
تكون في قصص ولقاءات متعددة، ففي بعضها أخبر جبريل النبي ﷺ في المرة الرابعة، وفي بعضها أخبره في المرة الثالثة، أو بالعكس، أو تكون في قصة واحدة ولكن النبي ﷺ ذكرها في أوقات متعددة ففي وقت اكتفى النبي بالإجمال، وفي وقت آخر سلك مسلك التفصيل فجاء الرواة فرووها كما سمعوها أو أن ذلك يرجع إلى أن بعض الرواة قد يقتصر على بعض المرات، والبعض يستوفي المرات، وقد علق العلماء على الروايات فيما سبق بنحو ذلك على أن هذه الأمور اليسيرة السهلة لا تطعن في صحة الحديث نفسه ما دامت الروايات كلها في النهاية تتفق على ذلك، وكل ما ذكره من تناقض أو اختلاف فهو أهون شأنا من هذا.
أما الطعن في هذا الحديث بأن الزيادة على الحرف الواحد إنما جاءت من الرواة، فلا أدري أنصدقه فيما زعم، ونرفض ما رواه الأئمة العدول الضابطون، وما يكاد تجمع عليه الأمة سلفها وخلفها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا! وفيه الصحابة الأجلاء، والأئمة العلماء الذين حكموا بتواتر هذا الحديث، ومعروف أن الحديث المتواتر يفيد القطع واليقين في نسبته إلى قائله!! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولا أدري كيف نرجح ما جاء في «صحيحة» زرارة بن أعين المنقطعة بقول إمامين كبيرين، وهما سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة على أحاديث مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ تفيد بمجموعها التواتر المعنوي!
بل كيف نرجح ما يوجد في كتاب رجل حكم عليه جعفر بن محمد الباقر بأنه من أهل النار أحبّ من علماء الشيعة أن يراجعوا أنفسهم في مثل هذا الكلام الذي لا يشهد له عقل، ولا نقل صحيح، وإنما هي ظنون وتخرصات لا تغني عن الحق شيئا!!.
стр. 214
هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف ...
اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة:
١ - ما ذهب إليه الطبري، ومن وافقه على رأيه في الأحرف السبعة من أن المصاحف تشتمل على حرف واحد منها، وهو حرف قريش الذي جمع عثمان عليه المصاحف؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو المعتمد.
وهذا الرأي هو الذي يوافق ما ذهب إليه الطبري وموافقوه في الأحرف السبعة، وبسطناه فيما سبق غاية البسط، وهو مذهب المحققين.
٢ - وذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنها مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وقالوا: إنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وكانت بجميع الأحرف السبعة، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك.
وقد أجيب عنه: بما ذكره ابن جرير: من أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم، ومرخصا لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة قد تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد أجمعوا على ذلك إجماعا شائعا، وهم معصومون من الضلالة؛ ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام، وهذا إنما يتأتى على قول من يقول:
إنها مفرقة في القرآن كله، أو أنه سبع قراءات من القراءات المشهورة.
٣ - وذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل متضمنة لها، لم تترك منها حرفا واحدا.
قال ابن الجزري: وهذا هو الذي يظهر صوابه، قلت: لأنه هو الذي يوافق اختياره في الأحرف السبعة، وعلى هذا يتنزل أيضا ما ذكره ابن قتيبة، وأبو بكر الرازي، وأبو بكر الباقلاني.
قال في «الفتح» - بعد ذكر بعض هذه الأقوال-: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 215
وفيه بعض مما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في آخر سورة براءة، وفي غيره بحذف من وكذا ما وقع فيه من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة «واوات» ثابتة في بعضها دون بعض (١)، وعدة «هاءات» (٢)، وعدة «لامات» (٣) ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا أو أمر بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوّزت به توسعة على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضا، اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
وقال البغوي في «شرح السنة»: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم.
والتحقيق: أن كون المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة أو بعضها متوقفة على معرفة المراد بالأحرف السبعة، فمن قال إن المراد به سبع لغات في كلمة واحدة تختلف فيها الألفاظ مع اتفاق المعاني كابن جرير، ومن وافقه قال: إن ما بقي في المصاحف منها هو حرف قريش.
ومن قال: إن المراد بالأحرف السبعة: الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات على ما ذهب إليه ابن قتيبة، ومن لف لفه، قال: إن المصاحف