محمد بن جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (١) وهو ما رجحناه آنفا.
ويمثل الفريق الثاني- وهم الأكثر- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» (٢)، فقد عرض لبعض الروايات الثابتة الصحيحة التي ذكرناها في صدر البحث وقد حاول أن يثبت أنها أحاديث مضطربة متناقضة وأنها ضعيفة الأسانيد من غير أن يقيم على ذلك بينة غير أنها واردة من طرق أهل السنة فهي مرفوضة في نظره وهي أيضا مخالفة لصحيحة زرارة بن أعين (٣) عن أبي جعفر قال: إن القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة، وأن الصادق ﵇ حكم بكذب الرواية المشهورة بين الناس «نزل القرآن على سبعة أحرف» وقال: «ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».
ولا أدري كيف يستسيغ إخواننا الشيعة أن يردوا حديثا متواترا عن النبي ﷺ برواية واحد وعشرين صحابيّا عدولا ضابطين، بروايات مقطوعة (٤) على التابعين ومن بعدهم، وليس مرفوعة إلى النبي ﷺ ، ولا موقوفة (٥) على الصحابي ومهما بلغ شأن التابعي أو تابع التابعي فلن تبلغ روايته مبلغ الرواية المسندة إلى النبي ﷺ ولا تصلح أن تكون معارضة لها بل لو وردت
стр. 212
رواية عن بعض الصحابة، وورد عن النبي ما يخالفها أخذنا بالرواية المرفوعة ورفضنا الموقوفة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف فيه شيعي أو سني وهذا هو المنهج العلمي الصحيح الذي وضعه أئمة هذا العلم النبوي في كل عصر ومصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
وماذا نملك للشيعة ما دام مذهبهم رفض كل المرويات التي رويت في كتب أهل السنة مهما بلغت من الصحة، وثقات رواتها! إذا عارضت ما روي عن أهل البيت.
يقول السيد الخوئي: ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم (أي عن أهل البيت) ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات، وهذا أول شيء تسقط به الرواية عن الاعتبار والحجية (١) وهذا المبدأ أبعد ما يكون عن المنطق والصواب فأي راو مهما بلغ من العلم أو النسب غير معصوم، وما دام الأمر كذلك فلتوزن هذه الروايات وغيرها بالميزان الذي وضعه أئمة الجرح والتعديل، وليتعرف صحيحها من سقيمها من موضوعها بالقواعد التي وضعها أئمة أصول الحديث، والتي تعتبر ميزان المنقول، كما اعتبر المنطق ميزان المعقول، ولكي تكون على بينة مما ذكره السيد الخوئي ومنزلته من الحق والصواب أذكر لك بعض المثل مما انتقد به المرويات:
يقول: فمن التناقض أن بعض الروايات دل على أن جبريل أقرأ النبي على حرف فاستزاده النبي- فزاده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وهذا يدل على أن الزيادة كانت بالتدريج، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة وفي بعضها أن الله أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، وكان الأمر بقراءة سبع في المرة الرابعة.
وفي الحق أن هذا لا يعد تناقضا ولا اضطرابا ترد به الروايات لأن إمكان الجمع بينها سهل يسير لجواز أن لا تكون هذه الأحاديث في قصة واحدة بل
стр. 213
تكون في قصص ولقاءات متعددة، ففي بعضها أخبر جبريل النبي ﷺ في المرة الرابعة، وفي بعضها أخبره في المرة الثالثة، أو بالعكس، أو تكون في قصة واحدة ولكن النبي ﷺ ذكرها في أوقات متعددة ففي وقت اكتفى النبي بالإجمال، وفي وقت آخر سلك مسلك التفصيل فجاء الرواة فرووها كما سمعوها أو أن ذلك يرجع إلى أن بعض الرواة قد يقتصر على بعض المرات، والبعض يستوفي المرات، وقد علق العلماء على الروايات فيما سبق بنحو ذلك على أن هذه الأمور اليسيرة السهلة لا تطعن في صحة الحديث نفسه ما دامت الروايات كلها في النهاية تتفق على ذلك، وكل ما ذكره من تناقض أو اختلاف فهو أهون شأنا من هذا.
أما الطعن في هذا الحديث بأن الزيادة على الحرف الواحد إنما جاءت من الرواة، فلا أدري أنصدقه فيما زعم، ونرفض ما رواه الأئمة العدول الضابطون، وما يكاد تجمع عليه الأمة سلفها وخلفها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا! وفيه الصحابة الأجلاء، والأئمة العلماء الذين حكموا بتواتر هذا الحديث، ومعروف أن الحديث المتواتر يفيد القطع واليقين في نسبته إلى قائله!! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولا أدري كيف نرجح ما جاء في «صحيحة» زرارة بن أعين المنقطعة بقول إمامين كبيرين، وهما سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة على أحاديث مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ تفيد بمجموعها التواتر المعنوي!
بل كيف نرجح ما يوجد في كتاب رجل حكم عليه جعفر بن محمد الباقر بأنه من أهل النار أحبّ من علماء الشيعة أن يراجعوا أنفسهم في مثل هذا الكلام الذي لا يشهد له عقل، ولا نقل صحيح، وإنما هي ظنون وتخرصات لا تغني عن الحق شيئا!!.
стр. 214
هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف ...
اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة:
١ - ما ذهب إليه الطبري، ومن وافقه على رأيه في الأحرف السبعة من أن المصاحف تشتمل على حرف واحد منها، وهو حرف قريش الذي جمع عثمان عليه المصاحف؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهو المعتمد.
وهذا الرأي هو الذي يوافق ما ذهب إليه الطبري وموافقوه في الأحرف السبعة، وبسطناه فيما سبق غاية البسط، وهو مذهب المحققين.
٢ - وذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنها مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وقالوا: إنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء منها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وكانت بجميع الأحرف السبعة، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك.
وقد أجيب عنه: بما ذكره ابن جرير: من أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم، ومرخصا لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة قد تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد أجمعوا على ذلك إجماعا شائعا، وهم معصومون من الضلالة؛ ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام، وهذا إنما يتأتى على قول من يقول:
إنها مفرقة في القرآن كله، أو أنه سبع قراءات من القراءات المشهورة.
٣ - وذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل متضمنة لها، لم تترك منها حرفا واحدا.
قال ابن الجزري: وهذا هو الذي يظهر صوابه، قلت: لأنه هو الذي يوافق اختياره في الأحرف السبعة، وعلى هذا يتنزل أيضا ما ذكره ابن قتيبة، وأبو بكر الرازي، وأبو بكر الباقلاني.
قال في «الفتح» - بعد ذكر بعض هذه الأقوال-: والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 215
وفيه بعض مما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في آخر سورة براءة، وفي غيره بحذف من وكذا ما وقع فيه من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة «واوات» ثابتة في بعضها دون بعض (١)، وعدة «هاءات» (٢)، وعدة «لامات» (٣) ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا أو أمر بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوّزت به توسعة على الناس وتسهيلا، فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفر بعضهم بعضا، اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي.
وقال البغوي في «شرح السنة»: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله ﷺ فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم.
والتحقيق: أن كون المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة أو بعضها متوقفة على معرفة المراد بالأحرف السبعة، فمن قال إن المراد به سبع لغات في كلمة واحدة تختلف فيها الألفاظ مع اتفاق المعاني كابن جرير، ومن وافقه قال: إن ما بقي في المصاحف منها هو حرف قريش.
ومن قال: إن المراد بالأحرف السبعة: الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات على ما ذهب إليه ابن قتيبة، ومن لف لفه، قال: إن المصاحف
стр. 216
العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسم المصحف منها، بمعنى أنها اشتملت من كل واحد منها على ما وافق رسم المصحف منه، بل لم تخل عن وجه منها بالكلية، وإن كان بعض هذه الوجوه قد نسخ بعضه، وقد تكفل ببيان ذلك تفصيلا أحد كبار العلماء (١) الكاتبين في هذا الموضوع.
ومما ينبغي أن يعلم أن غالب ما يمثل به هذا الفريق للأحرف السبعة إنما هو في نظر الفريق الأول- فريق الطبري، ومن تبعه- قراءات لا حروف، فهم يرون أن القراءات ترجع إلى الحروف، وهي منها، وليست عينها، مما يجعل الباحث غير مطمئن إلى الاحتكام إلى ما هو موجود في المصاحف العثمانية في الواقع، ونفس الأمر اليوم.
يوضح ذلك ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» عن أبي الطاهر ابن أبي السرح قال: سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة قال: لا، وإنما الأحرف السبعة مثل: هلم، وتعال، وأقبل، أيّ ذلك قلت أجزأك، قال لي ابن وهب:
مثله (٢).
وبعد: فلعلنا بعد هذا المطاف الطويل نكون قد وفقنا إلى عرض هذا البحث عرضا علميّا صحيحا خاليا من التعصب لأحد، أو التحيّف على آخر إلا ما دل عليه الدليل وقامت الحجة.
ولعلك- أيها القارئ- تكون قد اقتنعت بما اقتنعنا به من أنه الحق والصواب في بيان المراد بالأحرف السبعة، وإلا فأنت واختيارك فقد عرضنا الأقوال وذكرنا ما لها وما عليها.
والحمد لله الذي وفقني إلى ما انتهيت إليه في هذا المبحث العويص، الشائك، وبيان الحق في الروايات الموهمة المشكلة، التي زلت أقلام بعض العلماء بسببها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 217
المبحث السادس المكي والمدني
[اهمية البحث]
معرفة المكي والمدني من المباحث المهمة التي يحتاج إليها المفسر لكتاب الله ومن نصب نفسه للاجتهاد والفتيا والقضاء كي يمكنهم التوصل إلى الحق والصواب، قال أبو القاسم الحسن بن حبيب النيسابوري في كتاب «التنبيه على فضل علوم القرآن»: من أشرف علوم القرآن:
(١) علم نزوله (٢) وجهاته (٣) وترتيب ما نزل بمكة والمدينة (٤) وما نزل بمكة وحكمه مدني (٥) وما نزل بالمدينة وحكمه مكي (٦) وما نزل بمكة في أهل المدينة (٧) وما نزل بالمدينة في أهل مكة (٨) وما يشبه نزول المكي في المدني (٩) وما يشبه نزول المدني في المكي (١٠) وما نزل بالجحفة (١١) وما نزل ببيت المقدس (١٢) وما
نزل بالطائف (١٣) وما نزل بالحديبية (١٤) وما نزل ليلا (١٥) وما نزل نهارا (١٦) وما نزل مشيعا (١٧) وما نزل مفردا (١٨) والآيات المدنيات في السور المكية (١٩) والآيات المكيات في السور المدنية (٢٠) وما حمل من مكة إلى المدينة (٢١) وما حمل من المدينة إلى مكة (٢٢) وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة (٢٣) وما نزل مجملا (٢٤) وما نزل مفسرا (٢٥) وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي، فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى (١).
قال السيوطي: وقد أشبعت الكلام على هذه الأوجه فمنها من أفردته بنوع ومنها ما تكلمت عليه في ضمن بعض الأنواع.
وقد أفرد المكي والمدني بالتأليف بعض العلماء، كمكي والعز الدريني، وليس من شأننا في هذا المبحث تتبع الجزئيات واستقراء السور والآيات المكية والمدنية فذلك بالتأليف المستقل ألصق، وإنما قصدنا ذكر أحكام كلية وسمات وخصائص للمكي والمدني ومعارف متصلة بهما من
стр. 218
شأنها أن تنير الطريق لدارس القرآن ورد الشبه التي أوردها على المكي والمدني بعض القساوسة والمستشرقين ومتابعيهم من الكتّاب المعاصرين.
فوائد العلم بالمكي والمدني
: ومن فوائد العلم بها:
١ - أنه يعرف به الناسخ والمنسوخ فيما لو وردت آيتان متعارضتان وإحداهما مكية والأخرى مدنية فإننا نحكم بنسخ الثانية للأولى لتأخرها عنها.
٢ - أنه يعين على معرفة تاريخ التشريع والوقوف على سنة الله الحكيمة في تشريعه؛ وهي التدرج في التشريعات بتقديم الأصول على الفروع والإجمال على التفصيل وقد أثمرت هذه السياسة التشريعية ثمرتها وعادت على الدعوة الإسلامية بالقبول والإذعان والانتشار، وقد ضربت أمثلة لهذا التدرج في التشريع في حكم نزول القرآن مفرقا.
الطريق إلى معرفة المكي والمدني:
والعمدة في معرفة المكي والمدني النقل الصحيح عن الصحابة الذين كانوا يشاهدون أحوال الوحي والتنزيل، والتابعين الآخذين عنهم، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول، وقد علل ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني «في الانتصار» فقال: ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول؛ لأنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول.
ولعل التعليل بأن المسلمين في زمانه ﷺ لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان لأنهم يشاهدون الوحي والتنزيل، ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله- أولى من ذاك التعليل (١).
وقد اشتهر بمعرفة المكي والمدني من الصحابة- رضوان الله عليهم- عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- روى البخاري بسنده عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين
стр. 219
نزلت ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» وقال أيوب: سأل رجلا عكرمة عن آية من القرآن فقال: نزلت بسفح الجبل وأشار إلى سلع (١). أخرجه أبو نعيم في الحلية.
تعريف المكي والمدني للعلماء في تعريفهما اصطلاحات ثلاثة:
الأول: ما عليه جمهور العلماء وهو: المكي: ما نزل قبل الهجرة وإن كان نزوله بغير مكة، ويدخل فيه ما نزل على النبي ﷺ في سفر الهجرة.
والمدني: ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بغير المدينة، ويدخل فيه ما نزل على النبي ﷺ في أسفاره بعد الهجرة كسورة الفتح فقد نزلت على النبي منصرفه من الحديبية.
وهذا الاصطلاح لوحظ فيه الزمان، وعليه فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها الآية مدني وإن كانت نزلت بمكة والنبي ﷺ في جوف الكعبة عام الفتح، وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً مدني وإن كانت نزلت بعرفة في حجة الوداع وهذا التقسيم حاصر وضابط ومطرد؛ إذ تنعدم على القول به الواسطة ولا يرد عليه ما ينقضه فلذا كان الراجح المقبول.
الاصطلاح الثاني: المكي: ما نزل بمكة ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل عليه بمنى وعرفات والحديبية.
والمدني: ما نزل بالمدينة ويدخل في المدينة ضواحيها كالمنزل عليه ببدر وأحد وهذا الاصطلاح لوحظ فيه المكان؛ ويرد على هذا التعريف أنه غير حاصر لأنه يثبت الواسطة فما نزل عليه بالأسفار لا يسمى مكيّا ولا مدنيّا وذلك مثل ما نزل بتبوك، وهو قوله تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً
стр. 220
لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة: ٤٣] الآية، ومثل آية التيمم التي في سورة النساء فإنها نزلت على النبي ﷺ في بعض أسفاره (١)، وهو منصرفه ﷺ والجيش من غزوة بني المصطلق.
الثالث: المكي: ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة، ويحمل على هذا ما نقل عن ابن مسعود أنه قال: ما كان في القرآن- يا أيها الذين آمنوا- أنزل بالمدينة، وما كان يا أيها الناس فبمكة. وما نقل عن ميمون بن مهران التابعي الجليل أنه قال: ما كان في القرآن يا أيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي، وما كان يا أيها الذين آمنوا فإنه مدني، وهذا الاصطلاح لوحظ فيه المخاطب، ويرد على هذا الرأي أن التقسيم عليه غير حاصر فهنالك آيات كثيرة جدّا في القرآن الكريم ليس فيها يا أيها الناس ولا يا أيها الذين آمنوا كما يرد عليه أنه غير مطرد؛ إذ هو منقوض بسورة «البقرة» المدنية وفيها يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وبسورة «النساء» المدنية ومفتتحها يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ وبسورة «الحج» (٢) فإنها مكية عند جماعة من العلماء وفي أواخرها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) [سورة الحج:
٧٧].
قال الإمام الرازي في تفسيره (٣) تعقيبا على هذا الاصطلاح الأخير: قال القاضي: إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلّم وإن كان السبب فيه
стр. 221
حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز أن يخاطب المؤمنين بصفتهم. وباسم جنسهم، ويؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار عليها والازدياد منها فالخطاب في الجميع ممكن فإن قال قائل: إن مراد هؤلاء بمقالتهم هذه أن الغالب والكثير كذلك، قلنا: إن ذلك لا يفيد في التقاسيم والتعاريف إذ مبناها على الضبط والانحصار والاضطراد.
أنواع السور المكية والمدنية القرآن الكريم على أربعة أنواع:
١ - مكي خالص.
٢ - مدني خالص.
٣ - مكي بعضه مدني.
٤ - مدني بعضه مكي.
أما المكي الخالص فمثل: سورة اقرأ، والمدثر، والقيامة.
وأما المدني الخالص: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وأما المكي الذي بعضه مدني فمثل سورة الأنعام، فإنها مكية إلا قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الآية، فقد صح أنها نزلت في مالك بن الصيف من اليهود (١)، وسورة الأعراف، فإنها مكية إلا قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [سورة الأعراف: ١٦٣] الآية إلى خمس آيات أو ثمان بعدها فإنها مدنية، فإن الضمير في وَسْئَلْهُمْ لليهود، ولم يكن بمكة يهود، ومثل سورة الإسراء فإنها مكية إلا قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [سورة الإسراء: ٨٥] الآية فإنها مدنية كما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود وقد تقدم في أسباب النزول. ومثل سورة هود فإنها
стр. 222
مكية إلا قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود:
١١٤] الآية فقد صح أنها نزلت بالمدينة في قصة أبي اليسر (١).
وأما المدني الذي بعضه مكي فمثل: سورة الأنفال، فإنها مدنية إلا قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سورة الأنفال: ٣٠] الآية فقد روي عن مقاتل أنها مكية واستثني أيضا قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إلى غاية آية [٣٦] فمكيات (٢).
وقد روي عن ابن عباس أن آية وَإِذْ يَمْكُرُ نزلت على النبي ﷺ بعد قدومه المدينة تذكيرا له بنعمة الله عليه فهي مدنية على هذا.
ومثل سورة «براءة» فهي مدنية إلا قوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [سورة براءة: ١١٣] الآية فالصحيح أنها نزلت في قول النبي لعمه أبي طالب: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» (٣).
الاعتماد في وصف السورة بكونها مكية أو مدنية
والذي يظهر أن اعتمادهم في وصف السورة بكونها مكية أو مدنية إنما يكون تبعا لما يغلب فيها أو تبعا لفاتحتها، فقد ورد عن ابن عباس: أنه قال إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت مكية ثم يزيد الله فيها ما شاء، وقال البيهقي في الدلائل: في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها وقال ابن الحصار: كل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل، وقال ابن حجر في الفتح: قد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السورة المكية ... وأما عكس ذلك وهو نزول شيء من سورة
стр. 223
بمكة تأخر نزول تلك السورة إلى المدينة فلم أره إلا نادرا، فقد اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل: إن قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ ... الآية نزلت بمكة (١).
وترتيب الآيات القرآنية ليس على حسب نزولها، وترتيبها الزمني، إنما يرجع إلى المناسبات التي تقوم على ارتباط المعاني وتماسكها، ووحدة الفكرة أو تجانسها، فلا عجب إذا أن يكون في بعض السور المكية آيات مدنية أو العكس.
وليس أدل على هذا من أن بعض الآيات وضعت بجانب بعض الآيات الأخرى مع وجود فاصل زمني بينهما نحو بضع سنين كما قدمنا في أسباب النزول، وذلك مثل نزول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فقد نزلت بعد قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ بنحو ست سنين.
المكي والمدني من السور
قد اختلف العلماء في بيان المكي والمدني من السور على أقوال كثيرة ذكرها السيوطي في إتقانه (٢)، ومن السور ما اتفق العلماء على مكيتها أو مدنيتها، ومنها ما اختلفوا في كونه مكيّا أو مدنيّا، ولا يهولنك تشعب الاختلاف في هذا فمرد معرفة المكي والمدني إلى الأحوال والقرائن والملابسات، ومثل هذه مما تختلف فيها الأنظار، وتتنوع الاستنتاجات، ولعل أوفق هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب ما ذكره أبو الحسن بن الحصار قال: إن المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيها اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي، وقد نظم ابن الحصار ذلك في منظومة له نقلها السيوطي في الإتقان، وخلاصة ما تضمنه هذا النظم:
أن السور المدنية باتفاق هي: (١) البقرة (٢) وآل عمران (٣) والنساء
стр. 224
(٤) والمائدة (٥) والأنفال (٦) والتوبة (٧) والنور (٨) والأحزاب (٩) ومحمد (١٠) والفتح (١١) والحجرات (١٢) والحديد (١٣) والمجادلة (١٤) والحشر (١٥) والممتحنة (١٦) والجمعة (١٧) والمنافقون (١٨) والطلاق (١٩) والتحريم (٢٠) والنصر.
أما المختلف فيها فهي: (١) الفاتحة (٢) والرعد (٣) والرحمن (٤) والصف (٥) والتغابن (٦) والتطفيف (٧) والقدر (٨) ولم يكن (٩) وإذا زلزلت (١٠) والإخلاص (١١، ١٢) والمعوذتان.
وأما المكي فهو ما عدا ذلك، وهي اثنتان وثمانون سورة.
أقول: إن بعض ما ذكره ابن الحصار غير مسلم؛ لأن على رأيه تكون سورة «الحج» مكية باتفاق مع أنه روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أنها مدنية، وهو الأرجح، وليس من المستساغ أن نعتبر أن هذا الخلاف كلا خلاف إلا إذا سرنا على منهجه حيث قال في آخر منظومته:
وليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر
ولا أدري كيف لا يكون لهذا حظ من النظر وهو الراجح.
المكي والمدني على ترتيب النزول
وكما عني العلماء ببيان المكي والمدني من السور عنوا أيضا بترتيب السور المكية والمدنية على حسب النزول فقد أخرج ابن الضريس في «فضائل القرآن» رواية عن ابن عباس في هذا الترتيب (١) وقد سقط من هذه الرواية فاتحة الكتاب فيما نزل بمكة، كما أخرج أبو بكر محمد بن الحارث ابن أبيض في جزئه المشهور رواية عن جابر بن زيد (٢)، وجابر بن زيد من علماء التابعين بالقرآن، وقد اعتمد البرهان الجعبري على هذا الأثر في قصيدته التي سماها «تقريب المأمول في ترتيب النزول» وتكاد تتفق الروايتان فيما ذكرناه من ترتيب ولم تفترقا إلا في القليل.
стр. 225
ومما يؤخذ على هاتين الروايتين أنهما اتفقتا على أن أول ما نزل «اقرأ» ثم «ن والقلم» ثم «يا أيها المزمل» ثم «يا أيها المدثر» ... وهو يخالف ما حققناه سابقا من أن أول ما نزل بعد صدر سورة «اقرأ» هو صدر سورة «المدثر» وكان ذلك بعد فترة الوحي، ولعل النظرة الفاحصة في أوائل «ن» و «المزمل» و «المدثر» تهدينا إلى أن «المدثر» هي الأنسب بالتقديم على أختيها إذ قد اشتمل صدرها على الأمر بالإنذار وهو الأليق بالتقديم.
ولعل هذا النقد الذي ذكرته هو ما أشار إليه الإمام السيوطي حيث قال بعد أن ذكر رواية جابر بن زيد: هذا سياق غريب وفي هذا الترتيب نظر.
الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني
لمعرفة المكي والمدني طريقان:
١ - سماعي.
٢ - وقياسي.
أما السماعي فالنقل الصحيح عن الصحابة أو التابعين بأن سورة كذا أو آية كذا نزلت بمكة أو بالمدينة أو قبل الهجرة أو بعدها.
وأما القياسي فضوابط كلية لمعرفة كل منها وهذه الضوابط مبناها على التتبع والاستقراء المبني على الغالب والكثير.
ضوابط المكي
١ - كل سورة فيها «كلا» مكية، وقد وردت في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة في خمس عشر سورة كلها في النصف الأخير قال الدريني ﵀:
وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى
قال العماني: وحكمة ذلك أن النصف الأخير نزل أكثره بمكة، وأكثر أهلها جبابرة فتكررت كلا على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم (١).
стр. 226
٢ - كل سورة في أولها حروف المعجم فهي مكية سوى «البقرة» و «آل عمران» فإنهما مدنيتان باتفاق، وفي «الرعد» خلاف.
٣ - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة.
٤ - كل سورة فيها سجدة مكية سوى الحج، عند من يقول إنها مدنية.
٥ - كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الماضية مكية سوى «البقرة» و «آل عمران».
ضوابط المدني
١ - كل سورة فيها ذكر الحدود والفرائض مدنية.
٢ - كل سورة فيها ذكر المنافقين وأحوالهم مدنية سوى سورة العنكبوت فإنها مكية إلا إحدى عشرة آية من صدرها فإنها مدنية وهي التي ذكر فيها المنافقون.
٣ - كل سورة فيها الإذن بالجهاد أو الأمر به وأحكامه والصلح والمعاهدات فهي مدنية، سوى سورة «الحج» عند من يرى أنها مكية.
مميزات المكي والمدني
قد امتاز كل من المكي والمدني غير ما تقدم من الضوابط بأمور كثرت فيه وسمات بارزة تميزه عن غيره وهذه المميزات ترجع إلى المعنى والموضوع والخصائص البلاغية فهي أدل وأدق وأشمل من الضوابط لأن غالبها يرجع إلى اللفظ والشكل.
مميزات المكي
١ - الدعوة إلى أصول الإيمان الاعتقادية من الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من البعث والحشر والجزاء والإيمان بالرسل والملائكة وإقامة الأدلة العقلية والكونية والأنفسية على ذلك، وهذه الثلاثة وأدلتها هي التي يدور عليها غالبا الحديث في السور المكية؛ وذلك لأن القوم كانوا منغمسين في حمأة الشرك والوثنية، وكانوا لا
يقرون بالنبوات ولا بالبعث وما بعده، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، فكان اللائق بحالهم دعوتهم أولا إلى الإيمان بهذه الأصول فإذا ما آمنوا بها
стр. 227
خوطبوا بالفروع والتشريعات التفصيلية.
٢ - محاجة المشركين ومجادلتهم وإقامة الحجة عليهم في بطلان عبادتهم الأصنام وبيان أنها بمعزل عن الألوهية واستحقاق العبادة وأنها لا تضر ولا تنفع ولا تخلق، ولا تحس، ولا تعي أي شيء، ودعوتهم إلى استعمال عقولهم ونبذ التقليد بغير حجة وعلم قال تعالى: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) [الزخرف: ٢٢ - ٢٤] وقال سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) [لقمان:
٢١]، وإقامة الأدلة على أن القرآن حق لا شك فيه، وأنه من عند الله، وقد وقع التحدي بالقرآن في ثلاث سور مكية ولم يقع التحدي به في القسم المدني إلا في سورة البقرة.
٣ - الدعوة إلى أصول التشريعات العامة والآداب والفضائل الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا سيما ما يتعلق منها بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسب وهي الكليات الخمس التي تتفق فيها جميع الشرائع السماوية وذلك كالحث على الثبات على العقيدة والاستهانة بكل شيء في سبيلها والأمر بالصلاة والصدقة، والصدق، والعفاف وبر الوالدين، وصلة الرحم، والعفو، والعدل، والإحسان والتواصي بالحق، والخير، والصبر، والنهي عن القتل، ووأد البنات، والظلم، والزنا وأكل أموال الناس بالباطل وذلك مثل قوله تعالى في أواخر سورة الأنعام: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآيتين (١)، وفي سورة الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وفي سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية، وقوله تعالى في سورة «ن» وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) الآيات.
стр. 228
٤ - ذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم؛ ليكون في قصصهم عبرة وموعظة لأولي الألباب، لبيان أن دعوة الرسل جميعا واحدة وأنهم جاءوا بالتوحيد الخالص والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن الأنبياء وأتباعهم لاقوا كل أنواع الإيذاء في سبيل عقيدتهم ومع ذلك صبروا وثبتوا على عقائدهم وكان النصر والعاقبة لهم، والهزيمة والخذلان لأعدائهم إلى غير ذلك ولقد كان ذكر القصص في القسم المكي من أعظم الأدلة على أن القرآن من عند الله؛ إذ لو تأخر نزوله إلى المدينة لقالوا: تعلمه من أهل الكتاب قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩]، وقال تعالى:
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [يوسف: ١١١].
٥ - قصر أكثر آياته وسوره؛ وذلك لنزوله بمكة، وأكثر أهلها يومئذ يمتازون بعلو كعبهم في الفصاحة والبلاغة، وتملكهم لناصية القول، والخطابة، والشعر وبلوغهم الغاية في لطف الحس، وذكاء العقل، والألمعية وسرعة الخاطر فكان المناسب لهم النذر القارعة، والعبارات الموجزة، والفقر القصيرة ذات اللفظ الجزل، والجرس القوي، والمعنى الفحل فتصخّ الآذان وتستولي على المشاعر وتعقل ألسنتهم عن المعارضة وتدعهم في حيرة ودهشة مما يسمعون فلا يلبث البليغ منهم بعد سماعها أن يلقي عصا العجز ويرسلها قولة صريحة تشهد بالإعجاز كما قال الوليد بن المغيرة القرشي لما سمع القرآن: والله لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته (١).
ولما أحزنت المشركين مقالته وأكرهوه على أن يقول في القرآن قولا
стр. 229
ينقض قولته الأولى لم يسعه بعد الصراع النفسي العنيف وتكلف الخروج عن فطرته العربية وملكته الأدبية إلا أن يقول: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ولكي تتأكد أن الرجل لم يقل ذلك إلا مكرها أقرأ عليك قول الله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) [المدثر: ١٨ - ٢٥]. فانظر كيف صور القرآن حالته النفسية هذا التصوير المعجز الذي يصور لك الوليد وقد بدت على وجهه آثار الصراع النفسي العميق العنيف ما بين فطرته اللغوية التي تأبى عليه أن يقول في القرآن غير ما قال، وما بين رغبته في إرضاء قومه التي تلح عليه أن يقول في القرآن ما يرضيهم ويبقي على مودتهم له، فلم يستطع إلا أن يقول: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)!!! وآثر أن يناقض نفسه على أن يغضب قومه!!
ولقد كان البليغ منهم- على كفره- يسمع القرآن فيخيل إليه أن العذاب كأنه واقع بهم فلا يجد مندوحة عن أن يناشد النبي ﷺ الله والرحم أن يكف عن قراءاته، وكان القرشيون يتواصون فيما بينهم أن لا يستمعوا إليه وأن يضعوا أصابعهم في آذانهم، ويستغشوا ثيابهم، حذرا أن ينفذ إلى قلوبهم فإذا هم بعد قليل تغلب
عليهم فطرتهم اللغوية فيتناسون الوصية ويلقون إليه بآذانهم وقلوبهم لما يجدون في استماعه من لذة وإرضاء لملكاتهم الأدبية (١).
مميزات القسم المدني
١ - التحدث عن التشريعات التفصيلية والأحكام العملية في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والقصاص، والنكاح، والطلاق، والبيوع والمداينات، والربا، والحدود كحد الزنا، والسرقة، والكفارات؛ ككفارة القتل الخطأ والظهار، والأيمان، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه السور المدنية كما في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور؛ وذلك لأن حياة المسلمين في المدينة بدأت في الاستقرار
стр. 230
وأصبح لهم كيان ودولة وسلطان، ومن شأن الجماعة التي لها رابطة تربطها أن تكون في مسيس الحاجة إلى تشريع يتكفل بما تحتاج إليه في دينها ودنياها، وأيضا فالتشريعات العملية مرتبطة بسلطان الحكم التنفيذي فلا تشريع لمن لا يملك حكم التنفيذ فمن ثم جاءت التشريعات المدنية على ما ذكرنا.
٢ - محاجة أهل الكتاب وبيان ضلالهم في عقائدهم التي ضاهوا بها أسلافهم من زائغي الأمم السابقة كقولهم بالتثليث أو الحلول أو الأبنية أو الصلب، والإنحاء عليهم باللائمة؛ لتحريفهم كتبهم ولا سيما البشارة بالنبي الأمي المبعوث في آخر الزمان، وتغيير بعض الأحكام التي لا تلائم أهواءهم واتخاذهم هذا التغيير وسيلة لابتزاز أموال الناس بالباطل؛ فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى غلوا في عيسى فقال بعضهم: إنه الله، وقال بعضهم: ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
وغيّر اليهود الرجم إلى الجلد أو تسخيم الوجه والتشهير طمعا في المال أو الزلفى إلى الأشراف وقد جادلهم القرآن بالحسنى والحجة الدامغة والمنطق السليم، وذلك كما ترى في سورة المائدة، وآل عمران، والبقرة، والنساء، والتوبة.
٣ - بيان ضلال المنافقين وإظهار فضائحهم والكشف عن خبيئة نفوسهم وإظهار ما بهم من سوء الطباع والجبن والهلع وأنهم لا يبتغون إلا عرض الحياة الدنيا ولا يهمهم أمر الإسلام ونصره كما في سورة البقرة والتوبة التي ما زالت تقول: ومنهم، ومنهم حتى فضحتهم، وقد أنزل الله سورة من المفصل في شأنهم وهي «المنافقون».
٤ - قواعد التشريع الخاصة بالجهاد، وحكمة تشريعه، وذكر الأحكام المتعلقة بالحروب، والغزوات؛ من الصلح، والمعاهدات، والغنائم، والفيء وفك الأسارى، وذلك كما في سورة البقرة، والأنفال وبراءة والقتال والفتح والحشر.
стр. 231
٥ - طول أكثر آياته وسوره لاشتمالها على الأشياء السابقة، وهي تقتضي البسط والإطناب وإطالة النفس كما أن أهل المدينة لم يكونوا في درجة أهل مكة في البلاغة والفصاحة ولا سيما اليهود الذين كانوا يساكنوهم في المدينة، فكان الحال باعثا على الإطالة، والإطناب في مقام الإطناب لازم، والإيجاز في مقام الإيجاز واجب، ووضع أحدهما مكان الآخر ليس من البلاغة في شيء، وقد سلك القرآن كلتا الطريقتين مع كونه في أعلى درجات البلاغة والفصاحة.
الشبه التي أثيرت حول المكي والمدني
اعتاد الملاحدة والمنصرون وأعداء الإسلام أن يتلمسوا المطاعن في القرآن، وغرضهم بذلك التشكيك في القرآن وقداسته كي يتوصلوا إلى هدم الإسلام وإضعاف المسلمين بصرف أنظارهم وقلوبهم عن القرآن الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم، ولما كانوا يصدرون في هذه الطعون عن هوى متبع وعصبية دينية ممقوتة فقد جافاهم الحق والصواب.
ومما يؤسف له أن بعض الذين تسموا بأسماء المسلمين، وصنعتهم أوربا بيديها وربتهم على عينيها ومن على شاكلتهم ممن لم يتعمقوا في الدراسات الإسلامية قد استهوتهم هذه الأباطيل فصاروا ينشرونها ويذيعونها في دروسهم، وقد حمل كبر هذا الإفك أديب معروف (١) كان يدرس الأدب بالجامعة المصرية حقبة من الزمان، وقد تلقف هذا الأديب هذه الأباطيل مما كتبه المستشرقون والقسس وإن كانوا- والحق يقال- كانوا أعف منه في بعض الأحيان!! ومن عجب أن يسوق هذه الطعون على أنها من بنات أفكاره ومبتكراته فكان كلابس ثوبي زور، ومن عجب أيضا أن يعتبر هذا التجني على القرآن العظيم حرية في البحث، وجراءة في التفكير فيقول: لا شك أن الباحث الناقد، والمفكر الجريء الذي لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كتاب آخر (٢) .... إلخ ما قال. ولمن يلقي هذا الكلام لطلاب
стр. 232
لم يعرفوا من الدين إلا قشورا، ومن اللغة العربية إلا حظا يسيرا ثم يطلب إليهم أن ينقدوا كتاب العربية الأكبر الذي خرت لبلاغته جباه البلغاء، وخرست عن معارضته ألسنة الفصحاء من كل جنس، وفي كل عصر، وكيف يتهيأ لمن لا يكاد يبين أن ينقد كتابا عربيّا مبينا
وقد قيض الله لهذه الشبه من علماء الأمة (١) الذين تذوقوا بلاغة القرآن ووقفوا على أسرار إعجازه من زيفها على أساس من المنطق السليم، والحجة الدامغة والحق الظاهر، والواقع التاريخي الثابت.
وهذه الطعون- فضلا عن كونها كفرا دينيّا- هي كفر بقواعد البحث العلمي الصحيح التي طالما تمسحوا بها، وأكثروا من ترديدها في كتاباتهم، ومحاضراتهم وسنقصر
ردنا على ما يتعلق بالمكي والمدني من القرآن.
الشبهة الأولى
قال: إن القسم المكي يمتاز بتقطع الفكرة، واقتضاب المعاني، وقصر السور وقصر الآيات، وأما القسم المدني فهو طويل السور طويل الآيات وأفكاره منسجمة متسلسلة، وعزا ذلك إلى تأثر محمد ﷺ بالبيئة؛ فأهل مكة قوم أميون لا يقدرون على إنشاء العبارات الطويلة، أما أهل المدينة فهم أهل كتاب أو متصلون بأهل الكتاب لهم قدرة على إنشاء العبارات الطويلة، وغرضه التشكيك في أن القرآن من عند الله سبحانه.
وللرد على هذه الشبهة نقول:
١ - إن القول بأن القسم المكي يمتاز بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني بخلاف القسم المدني قول من لم يتمعن في القرآن، ولم يعن بدراسته، ومن يرسل القول على عواهنه، ولم يأخذ من اللغة العربية وأسرارها
стр. 233
وآدابها بحظ وافر، أما من قرأ القرآن قراءة باحث مستبصر غير ذي هوى ورزق التبحر في اللغة، والوقوف على أسرار البلاغة فإنه يصل ولا محالة إلى علم اليقين في هذا؛ وهو أن القرآن كعقد منظم تناسقت حباته، وتآلفت لآلئه، ونظم في سلك من الذهب الخالص، والقرآن كله- مكيه ومدنيه- معانيه متآلفة، وأفكاره منسجمة وآياته متآخية آخذ بعضها بحجز بعض، لا تنقطع آية عن سابقتها ولاحقتها، لا ينفر معنى من آخر، ولو أن هذا الناقد تناول بعض السور المكية وبين لنا بطريقة فنية ما فيها من اقتضاب وتفكك لبينا له ما فيها من ترابط وتماسك، ولظهر وجه الحق لذي عينين، أما وقد أرسلها قولة مجردة فهي لا تخرج عن كونها دعوى عارية عن البرهان.
وقد عني العلماء المحققون في القديم والحديث ببحث المناسبات بين الآي والسور وأتوا في ذلك بالعجب العجاب، وقد اشتملت بعض كتب التفسير وكتب البلاغة وأسرارها في ذلك على شيء كثير، وألف بعضهم في ذلك كتبا مستقلة كما فعل البقاعي في كتابه «لقط الدرر في تناسب الآي والسور» والسيوطي في كتابه «أسرار التنزيل» وبحسبنا هذا الإجمال الآن، وعسى أن تكون لنا عودة للبحث التفصيلي في موضعه إن شاء الله.
٢ - أن طول الكلام وقصره تابع لمقتضى الحال الذي هو عماد البلاغة العربية، وليس تابعا للبيئة ولا الوسط، وقد بينت آنفا السر في سلوك القرآن الكريم العبارات القصيرة حينا والطويلة حينا آخر، فكن على ذكر منه.
٣ - القرآن الكريم قد تحدى العرب قاطبة في بعض السور المدنية كما تحداهم في السور المكية، وقد جاء التحدي في المدينة بسورة مهما قصرت وأما في مكة فقد وقع التحدي بالقرآن كله ثم بعشر سور منه ثم بسورة واحدة أية سورة، فلو أن أهل المدينة- كما زعم الناقد- كانوا أقدر على إنشاء العبارات الطويلة من أهل مكة، وأن القرآن كان متأثرا بهم في الإطالة لكانوا أقدر على معارضته والإتيان ولو بأقصر سورة منه، ولكنهم
стр. 234
لم ينبسوا ببنت شفة، ورضوا لأنفسهم السكوت وباءوا بالعجز، بل عجزهم أشد من عجز أهل مكة، ثم أي دارس للأدب تسول له نفسه أن يفضل أهل المدينة على أهل مكة في البلاغة والفصاحة والتصرف في فنون القول والقدرة على إنشاء العبارات!
ومعروف أن قريشا كانت أوسط العرب دارا وأبرعهم في الخطابة والشعر والتفنن في الأساليب، وإليها كان يحتكم العرب في شعرهم ونثرهم، وقد ساعدها على هذا اجتماع العرب في مواسم الحج، والمجامع الأدبية الحافلة، والأسواق السنوية التي كانت تعقد بالقرب من دارهم في عكاظ ومجنة وذي المجاز، فكانوا يتخيرون من لغتهم ما خف على اللسان، وحسن في الأسماع وجاد من الأساليب.
الشبهة الثانية
قال: إن القسم المكي يمتاز بميزات الأوساط المنحطة أما القسم الثاني المدني فتلوح عليه أمارات الثقافة والاستنارة، فالقسم المكي ينفرد بالعنف والشدة والقسوة والسباب والوعيد والتهديد مثل: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) السورة، وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ أما القسم المدني: فهادئ لين وديع مسالم يقابل السوء بالحسنى.
وللرد على ذلك نقول:
١ - إن القسم المكي فيه ثقافة واستنارة أيضا، وفيه سمو ورفعة ووقار وجلال ولين، وهو إن قسا فعلى الكافرين والمفسدين، وإذا لان فللأخيار والصالحين وهو في كلا الحالين يدعو لخير الإنسانية جمعاء وعباراته مهذبة غاية التهذيب، وكيف لا يكون فيه ثقافة واستنارة وقد تحدث أكثر ما تحدث عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعن الفضائل والآداب الإنسانية السامية، وبحسبك أن تقرأ أي سورة من السور المكية لتعلم ذلك علم اليقين، ثم ماذا يريد هذا الطاعن بالسباب إن أراد البذاءة والفحش
стр. 235
من القول فقد كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا، وإن أراد ما اشتمل عليه من الوعيد والإنذار والتقريع فهذا لا يسمى سبابا إلا في دماغ قائله، وكنا نحب من الناقد المخرب أن يربأ بنفسه وأدبه عن هذا الإسفاف في التعبير حينما يتحدث عن كتاب كالقرآن العظيم.
٢ - دعواه أن القسم المكي اشتمل على الوعيد والشدة دون القسم المدني دعوى من لم يطلع على القرآن الكريم، أو اطلع ولكن أعمته عصبيته عن إدراك الحق المبين، فالقسم المدني اشتمل على الوعيد والإنذار كما أن القسم المكي اشتمل على الدعوة إلى اللين والعفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان.
استمع إلى قول الحق ﵎ في سورة البقرة المدنية الآية ١٧٤:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)، وقوله في سورة آل عمران المدنية الآية ١٠: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)، وفي سورة النساء المدنية الآية ٤٧: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) وفي سورة المائدة الآية ٧٨ - ٨١: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الآيات، إلى غير ذلك من آيات الوعيد في القسم المدني، ثم استمع إلى ما جاء في السور المكية حثّا على اللين والعفو والتسامح؛ قال تعالى في سورة الأعراف المكية الآية ١٩٩: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)، وقال في سورة فصلت المكية الآية ٣٤ - ٣٥: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وفي سورة الشورى المكية الآية ٣٦ - ٤٣: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
стр. 236
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ إلى قوله وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) فأيّ لين ووداعة بعد هذا وأي دعوة إلى الصبر والعفو والمغفرة تداني هذه الدعوة
وهكذا نرى القرآن الكريم يسلك مسلك الوعيد والشدة متى اقتضى المقام ذلك ويسلك مسلك اللين والعفو والصفح إذا اقتضى الحال ذلك، وهذا هو الأسلوب الحكيم، ويرحم الله القائل:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم
والقائل:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
٣ - هذه السور والآيات التي ذكرها الطاعن ليس فيها رائحة سباب، ولو علم سبب النزول والمراد بالآيات لما رمى بهذه القولة الجائرة، وإليك ما ورد في سبب نزول سورة أبي لهب. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي»، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ» قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلا صدقا قال:
«إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) وأخرج ابن جرير أن امرأة أبي لهب كانت تأتي بأغصان الشوك فتطرحها في طريق رسول الله ﷺ ، وقيل كانت تنقل الحديث وتمشي بالنميمة بين الناس؛ فالسورة إذا نزلت ردا على أبي لهب في دعائه على النبي، وإيذائه له، وإنذارا له ولزوجه بأنهما سيصليان النار الشديدة جزاء لهما على ما صنعا، ولا شك أن في هذا
стр. 237
الوعيد ردعا لأبي لهب وزوجته وأمثالهما ممن يناهضون رسالات الرسل ويسعون في الأرض بالفساد ولا أدري في أي عرف أو ذوق يعتبر إنذار مثل هذا المعوق عن الخير والحق أمرا خارجا عن المألوف وسبابا وشدة وماذا كان ينتظر هذا الطاعن في الرد على أبي لهب وزوجته أكان ينتظر من منزل القرآن الحكيم أن يظهر له الرضا على مقالته ويقول له: بخ بخ فيزداد بطرا وأشرا!
وأما سورة «والعصر» فليس فيها ما يشتم منه السباب، وليس فيها عنف ولا شدة وكل ما عرضت له السورة أن الناس قسمان:
١ - قسم ناج من الخسران والعذاب فائز برضوان الله، وهم الذين جمعوا عناصر السعادة الأربعة؛ وهي الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
٢ - قسم غارق في الخسران، مآله إلى الهلاك والعذاب، وهم الذين لا يقرون بإله ولا يدينون بشريعة ولا يعملون صالحا: فهم جراثيم شرور، ولا يتواصون بحق؛ فالحق بينهم مضيع، ولا يتواصون بصبر؛ فهم في هلع وجزع، ومما لا يقضى منه العجب أن يستشهد هذا الناقد بهذه السورة التي أقر بكفايتها وغنائها الأئمة في القديم والحديث؛ قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده- ﵀: ثم تراها لم تدع شيئا إلا أحرزته في عباراتها الموجزة، حتى قال الإمام الشافعي- ﵀: لو تدبر الناس هذه
السورة لوسعتهم! أو قال: لو لم ينزل الله من القرءان سواها كلفت الناس ولجلالة ما جمعت روي أنه كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذ التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة «والعصر» ثم يسلم أحدهما على الآخر؛ ذلك ليذكّر كل منهما صاحبه بما يجب أن يكون عليه فإذا رأى منه شيئا ينبغي أن ينبه إليه فعليه أن يذكره له (١).
وأما قوله تعالى في سورة الفجر: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَ
стр. 238
رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فلا سباب فيه ولا عنف وكل ما فيه إخبار من الحق عز شأنه، بأن عادا وثمود وفرعون لما طغوا في البلاد وظلموا العباد وأكثروا من الفساد أنزل الله بهم العقاب جزاء لهم على ظلمهم وإفسادهم، فالمراد بصب السوط إنزال العقوبة الشديدة بهم، وهو من المجازات البديعة، ومعنى إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) أنه القائم بتدبير الأمور الرقيب على عباده لا يفوته من شئونهم شيء وهو مجازي كل عامل بعمله فلا يفلت منه أحد، فلا يظن أهل الطغيان الذين يفسدون في الأرض أن يفلتوا من الله وعقابه، وفي هذا الإخبار تحذير للموجودين والمخاطبين أن يفعلوا مثل ما فعلوا فيعاقبوا مثل ما عوقبوا، فانظر- أيها القارئ الفطن- كيف اشتملت هاتان الآيتان على وجازتهما على هذه المعاني الثرية والتحذيرات النافعة المفيدة.
وأما سورة «ألهاكم التكاثر» فغاية ما فيها أن يترك الناس التفاخر بالأحساب والأنساب والتكاثر بالأموال والأولاد والتلهي بما لا يفيد وأن يقبلوا على الاشتغال بما ينفع من الإيمان والعمل الصالح، أما التلهي بالتكاثر والتفاخر فلن يكون من ورائه إلا خسران الدنيا والآخرة، فلا عجب أن يردعهم الله، وأن يكرر الردع والزجر فقال: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)، ولو علم اللاهون المتكاثرون علم اليقين لأعرضوا عما فيهم، وأقبلوا على الأعمال الصالحة؛ لأنهم سيرجعون إليه في يوم يحاسبون فيه ويجازون على أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) فالسورة لا تخرج عن كونها وعيدا وتحذيرا وإرشادا وتعليما.
الشبهة الثالثة
قال: إن القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق والبراهين، فيقول: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) إلى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) بخلاف القسم المدني فهو يناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين، فيقول: لَوْ كانَ فِيهِما
стр. 239
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ويستدل بهذا على تأثر القرآن بالبيئة والوسط، وغرضه التشكيك في أن القرآن من عند الله.
وهذا الكلام منقوض بما يأتي:
١ - أنه لا يجرؤ على هذه المقالة إلا أحد رجلين: إما جاهل أغرق في جهله فلا يكاد يميز بين المكي والمدني، وإما زنديق أعمته زندقته عن إدراك الحق الظاهر، وقد سقط هذا الباحث الناقد والمفكر الجريء سقطة لا إقالة له منها، ولا يكاد يقع فيها الطلاب المبتدءون، فضلا عن الباحثين؛ ولو تناول مصحفا وأمر القارئ له أن يقرأ ما كتب قبل مفتتح سورة الأنبياء لوجد سورة الأنبياء مكية وآياتها ١١٢، ولو تناول كتابا من كتب الفن لعلم أن سورة الأنبياء مكية بلا استثناء عند جمهور العلماء، وباستثناء آية أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها عند البعض، ومهما يكن من شيء فالآية التي استدل بها مكية بالإجماع، وكيف تتفق هذا السقطة التي لا تكون من مبتدئ، وما أضفاه على نفسه من الصفات الطنانة والعبارات الجوفاء الحق أنه قدم لنا الخنجر للإجهاز عليه.
وأن نظرة بسيطة في السور المكية لترينا أنها استفاضت بالأدلة والبراهين القطعية؛ اقرأ إن شئت في إثبات الإله قوله تعالى في سورة الغاشية: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) [الغاشية: ١٧ - ٢٠] الآيات، وقوله تعالى في سورة الواقعة: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) إلى قوله فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) [الواقعة: ٥٧ - ٧٤] وقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) [الطور: ٣٥ - ٣٦].
واقرأ أيضا في إثبات الوحدانية في سورة الأنبياء المكية: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، ومهما أسهب الفلاسفة وعلماء الكلام في إقامة الأدلة والبراهين على الوحدانية فلن يخرجوا عن فلك هذه الآية على وجازتها وقصرها، وفي سورة «المؤمنون» المكية: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ
стр. 240
وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [المؤمنون: ٩١] الآية، وفي سورة النمل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) إلى قوله قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [النمل: ٦٠ - ٦٤]، وقوله تعالى في سورة الروم: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) إلى قوله: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) [الروم: ٢٠ - ٢٦].
واقرأ إن شئت في التدليل على إمكان البعث في سورة «يس» المكية وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) [يس: ٧٩ - ٨٣] إلى آخر السورة، وقوله تعالى في سورة الأحقاف المكية: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) [الأحقاف: ٣٣].
وكذلك يعرض القرآن في السور المكية لإثبات الرسالة بالمنطق السليم والحجج الدامغة، فيقول في جواب المشركين لما قالوا: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان:
٢٠]، ولما قالوا: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء: ٧] قال في جوابهم:
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) [الأنبياء: ٧].
ولو تتبعنا الأدلة والبراهين التي زخر بها القسم المكي لطال المقام، وبحسبنا هذا المقدار.
أما ما ذكره الطاعن من سورة «قل يا أيها الكافرون» فلا يصلح أن يكون دليلا، لأن السورة لم تسق مساق الدليل وإنما سيقت للرد على كفار قريش لما رغبوا إلى النبي أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فأنزل الله على نبيه هذه السورة تأييسا لهم وقطعا لأطماعهم، ولبيان أنهم قوم مخادعون، ولن تكون منهم عبادة لله الواحد القهار، وقد جاءت السورة على هذا النسق
стр. 241
البديع لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) نفى أن تقع منه عبادة لآلهتهم في الحال، ثم قال: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) فأتى بالجملة الاسمية لإفادة أن عدم عبادته لآلهتهم فيما يستقبل ثابت مستمر ففيه قطع لأطماعهم على أبلغ وجه وآكده، ومثل هذه السورة سورة الإخلاص، فقد أجمل الله فيها العقيدة الخالصة من غير استدلال، لأنها نزلت جوابا للمشركين، أو اليهود؛ لما قالوا للنبي ﷺ أنسب لنا ربّك؛ أي بيّن لنا ذاته وصفته، فأنزل الله السورة، ولا يعزب عن أذهاننا أن السورتين بمنزلة النتيجة لمئات الأدلة والبراهين التي أقامها الله على إثبات الصانع جل وعلا ووحدانيته وصفاته واستحقاقه التفرّد بالعبادة، ولعلّ من اللطائف وقوعها في الترتيب الكتابي في آخر القرآن كما تقع النتيجة من مقدماتها فلا عجب أن جاءتا على هذا الوضع.
الشبهة الرابعة
قال: إن القسم المكي خال من التشريعات التفصيلية والقوانين، أما القسم المدني فينفرد بالتشريعات الإسلامية؛ كالمواريث والوصايا، والزواج، والطلاق، والبيوع، وسائر المعاملات، ولا شكّ أن هذا أثر من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن، وغرضه بهذا التشكيك في أن القرآن من عند الله.
وللرد على هذا نقول:
١ - إن هذا الفرق بين المكي والمدني قد عرضنا له لما تحدثنا عن خصائص المكي والمدني وقد تنبه العلماء إلى هذه الظاهرة منذ مئات السنين، ولكن ليس السبب ما ذكره من تأثر القرآن بالبيئة؛ وإنما السبب في هذا أن أهل مكة كانوا ينكرون أصول الإيمان والشرائع، فكان الملائم لهم دعوتهم إلى هذه الأصول، حتى إذا ما استضاءت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه كلفوا بالتشريعات التفصيلية، وهذا ما كان.
وأن من خطل الرأي أن نأتي لهم بالفروع والأحكام العملية قبل أن يؤمنوا
стр. 242
بالأصول، فكان نهج القرآن معهم، وهو الملائم للفطر وبدائه العقول.
٢ - كيف يصحّ في العقول أن يكون النبي والمسلمون قد أخذوا عن أهل الكتاب من اليهود وتثقّفوا بثقافتهم مع أن القرآن الكريم نعى عليهم في غير ما آية وسورة، كفرهم، وفسقهم، وجراءتهم على الله وسفاهتهم على رسله، وبين جحودهم للحق، وإنكارهم له مع معرفتهم وتحريفهم للتوراة، كما نعى عليهم حسدهم وظلمهم وبغيهم وسوء طويتهم، وخبث طباعهم، وخيانتهم وتضييعهم للأمانة، وعدم تناهيهم عن المنكر إلى غير ذلك مما لا يجهله من قرأ القرآن واطلع عليه، وقد لعن القرآن الكريم اليهود في غير موضع وأمر النبي ﷺ أن يتحداهم كما في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) [البقرة: ٩٤]، وقوله قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: ٩٣].
فلو أن النبي أخذ عن أهل الكتاب، وتعلم منهم وتأثر بثقافتهم لأظهروا ذلك دفاعا عن أنفسهم، ولقالوا: كيف نعلمك وتسفهنا وترمينا بالكفر والفسق والكذب وكيف نثقّفك وتلعننا وتتطاول علينا
ولكنهم لم يفعلوا بل ألقموا حجرا وباءوا بالخزي والذلة والتشريد، وهكذا يتبين لنا أن موقف القرآن من اليهود كان موقف المعلم والناقد والناعي، والموبخ والمتحدي، لا موقف المتعلم والآخذ والمستفيد، وهو شيء يقتلع هذا الطعن من أساسه ويرمي به في مهامه الضلال والشكوك.
٣ - أن الفرق بين التشريع الإسلامي الذي عرضت له السور المدنية والتشريع الإسرائيلي عظيم جدّا، فالإسلامي أرقى وأعلى وأشمل من الإسرائيلي من كل وجه، وناهيك بكونه تشريعا عاما لجميع البشر، وفي جميع الأزمنة والأمكنة، ومن أسسه المساواة في الحق والعدل بين جميع الشعوب والقبائل والأفراد، لا تمييز فيه بين ملك وسوقة،
ولا بين شريف ووضيع، ولا بين قويّ وضعيف، ولا بين غنيّ وفقير ولا بين إسرائيليّ
стр. 243
وغير إسرائيليّ.
والتشريع الإسرائيلي كان خاصّا بشعب خاص، وموقوتا بوقت خاص فلا يصلح أن يكون أساسا لتشريع عام خالد، وهو تشريع الإسلام الذي انتشل الإنسانية من وهدتها، وأضاء النفوس بعد ظلمتها، وحرر العقول بعد إسارها، وملأ الأرض هداية وعلما، وعدلا ورحمة، بعد أن ملئت كفرا وضلالا وجهلا وظلما وقسوة وتجبرا، وكيف يجوز في العقول أيضا أن يستمد السابقون الأولون من المهاجرين ثقافتهم وتشريعاتهم من اليهود وهم الذين أصلحوا جميع الشعوب بهداية القرآن والتأسي بأكمل الخلق على الإطلاق، وشهدت لهم أعمالهم وأخلاقهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وقد أجمع المؤرخون من الإفرنج وغيرهم على أن أعظم أسباب نجاح الإسلام في انتشاره السريع، وفتوحاته المظفرة الكثيرة ما كان عليه أهل الملل كلها من فسوق وفساد، والدول كلها من ظلم واستبداد وإغراق في الملذات.
الشبهة الخامسة
قال: إن القسم المكي يكثر فيه القسم بالضحى، والشمس، والقمر، والنجوم، والفجر، والعصر، والليل، والنهار، والتين، والزيتون، إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الساذجة التي تشبه بيئة مكة تأخرا وانحطاطا.
أما القسم الثاني فقد خلا من القسم بهذه المحسوسات، وغرضه تأثر القرآن بالبيئة ليصل إلى التشكيك في القرآن، وهذا الكلام مردود بما يأتي:
١ - دعوى أن البيئة المكية ساذجة جاهلة لا ترقى إلى ما وراء الحس، دعوى لم يقم عليها دليل، ويكذبها الواقع، والتاريخ الصحيح؛ فقد كان أهل مكة أوفى ذوقا، وأرهف شعورا، وأذكى عقولا من أهل المدينة، وأن فيما قصه القرآن عنهم من مجالات وخصومات وما اشتمل عليه القسم المكي من إيجاز وبراهين ما ينقض هذا الاتهام، وكيف يفهم هذه البراهين من لا يسمو نظره عن المحسوسات، والتاريخ الصحيح أعدل حاكم وخير شاهد على امتياز قريش عن سائر القبائل في عهد نزول القرآن، ولكي تكون
стр. 244
على بينة من ذلك سأذكر لك قصة؛ ذلك أنه لما نزل قوله تعالى:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ قال ابن الزبعرى: والله لو وجدت محمدا لخصمته قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: إنهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١).
وأنزل الله أيضا وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)(١).
وتأمل في قوله سبحانه خَصِمُونَ وهل يجيد الجدل الجاهل الساذج وهل من يلقي هذه الشبه ولو كانت بواطل يكون ساذجا لا يسمو تفكيره إلى المعقولات
٢ - إن الله سبحانه أقسم في القسم المكي بالمعقول كما أقسم بالمحسوسات فمن ذلك قسمه بالقرآن في قوله يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) وأقسم بالملائكة في قوله وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) الآيات، وأقسم بالنفس الناطقة فقال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس: ٧ - ٨]، وأقسم بحياة الرسول في قوله لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) [الحجر: ٧٢] وأقسم بذاته تعالى فقال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) [الحجر: ٩٢] فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) [المعارج: ٤٠] وأقسم بما لا يقع تحت الحس والمشاهدة فقال فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) [الحاقة: ٣٨ - ٣٩].
وأقسم بالزمن فقال: وَالْعَصْرِ (١) وهكذا يتبين لنا أن الله أقسم في القسم المكي بالمعقولات كما أقسم بالمحسوسات.
٣ - إن القسم بهذه الأشياء لا لكونها محسوسة، وإنما هو تنبيه إلى ما تشتمل عليه من إحكام في الخلق والصنعة وما تنطوي عليه من أسرار
стр. 245
وعجائب نعم وآلاء، فيؤدي النظر فيها إلى الإيمان بخالقها وموجودها، والإذعان لما جاء به الرسول، كما في القسم بالشمس، والقمر، والنجوم والليل والنهار أو إلى استخدامه في النافع وعدم تضييعه كما في القسم بالعصر، وبعض ما أقسم الله به مما هو محسوس قد يقصد به التذكير بما وراء الحس كما في القسم بالتين والزيتون إلخ.
قال الإمام الشيخ محمد عبده في تفسيره (١): وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) ما خلاصته: وقد يرجح أنهما- التين والزيتون- النوعان من الشجر ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر، قال صاحب هذا القول: إن الله أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسانية الطويل من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي ﷺ فالتين إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين، والزيتون إشارة إلى عهد نوح فقد أرسل بعض الطيور لعله يأتي بخبر انكشاف الماء عن الأرض، فغاب ولم يأت بخبر، ثم أرسل آخر فجاء إليه يحمل ورقة من الزيتون، فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن وقد أذن للأرض أن تعمر، وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعد ما تدنست جوانب الأرض بالوثنية، ثم لما طال الأمد على البشرية حتى كادت أن تطمس معالم التوحيد والحق والشرائع من الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ويفصل بين ما سبق من أطوار
الإنسانية وبين ما يلحق وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة، وإليه الإشارة بذكر البلد الأمين، وقد يكون القسم بالشيء لمنزلته وإظهار كرامته عند الله كما في القسم بحياة الرسول والملائكة، وفي القرآن توافق عجيب بين المقسم به والمقسم عليه قد يخفى على غير ذي العقل الذكي والنظر الشفاف والحس الدقيق الذي يحكم على الأشياء بادئ الرأي من غير روية وتفكير.
стр. 246
وقد ألف العلماء في أقسام القرآن كتبا مستقلة، ولعل أحفلها وأجلها- فيما أعلم- «التبيان في أقسام القرآن» لابن القيم، فمن أراد زيادة في معرفة أسرار الأقسام فليرجع إليه ففيه ما يكفي ويشفي.
الشبهة السادسة
قال: إن القسم المكي قد افتتح كثير من سوره بألفاظ غير ظاهرة المعنى مثل الم، وحم، وطسم، وكهيعص، وحم عسق، والخطاب بها كالخطاب بالمهمل الذي لا يفيد، وهو ينافى كون القرآن هدى وبيانا، وهذه الكلمات ربما قصد بها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف، أو هي رموز وضعت لتميز بين المصاحف المختلفة التي كانت موضوعة عند العرب فمثلا كهيعص (١) رمزا لمصحف ابن مسعود حم (١) عسق (٢) رمزا لمصحف ابن عمر، وهلم جرا ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا.
وأسرف بعض النصارى في مجاوزة المعقول فقال- على سبيل الحدس- (١): إنها أحرف وضعها كتّاب محمد برأس السورة اختصارا من قولهم أوعز إليّ محمد، وذلك على حد ما وضعه بعض كتّابه من اليهود كهيعص (١) برأس سورة مريم اختصارا من قولهم بالعبرانية «كو يعص» أي هكذا أمر (٢)، وهذا الكلام منقوض بما يأتي:
١ - دعوى أن هذه الألفاظ ليس لها مدلول دعوى من لم يطلع على آراء العلماء فيها، وقد ذهب الكثيرون إلى أنها أسماء للسور، وذهب المحققون إلى أنها أسماء للحروف الهجائية المعروفة، وفائدة ذكرها في فواتح السور، إما إقامة الحجة على إعجاز القرآن من أقصر طريق وأسهله، ذلك أن هذا القرآن مركب من جنس هذه الحروف الهجائية التي منها يركبون
стр. 247
كلامهم، وبها يتخاطبون، وقد تحداهم المرة تلو المرة أن يأتوا بشيء منه فعجزوا وما استطاعوا، فكان هذا دليلا ساطعا على أنه ليس من عند بشر وإنما هو من عند خالق القوى والقدر، وإما تنبيه السامع إلى ما يتلى بعدها لاستقلالها بنوع من الإغراب فهي كأداة التنبيه لما يتلى بعدها فيفرغ السامع لذلك قلبه وسمعه فتقوم عليه الحجة باستماع القرآن، وقد يقع الكلام من نفسه موقع التأثير فيؤدي به إلى الإيمان، فهي إذا ليست غير مفهومة المعنى، والخطاب بها ليس من قبيل الخطاب بما لا معنى له.
ولو سلمنا أنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه فلا تنهض للطعن في كون القرآن هدى وبيانا، لأنها ألفاظ قليلة جدّا بالنسبة إلى الألوف المؤلفة من كلمات القرآن التي تدل على معنى معروف عند المخاطبين (١)، وهي على هذا الوجه جاءت لحكمة سامية، وهو الابتلاء والاختبار، ليظهر قويّ الإيمان من ضعيفه وراسخ العلم من غيره فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) [آل عمران: ٧]، فلم يكن وجودها في القرآن عبثا، وحاشا لله أن يكون في القرآن شيء منه.
٢ - دعوى أنها ألفاظ قصد بها التعمية، أو التهويل، أو أنها رموز لمصاحف ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن دعوى لم يقم عليها أثارة من علم، وإنما هو أمر فرضي وتشكيك بين أمرين ثبوت أحدهما ينفي الآخر فكونها قصد بها التهويل إلخ يقتضي أنها نطق بها الرسول وكانت في عهده، وكونها رموز إلخ يقتضي أن لا تكون نطق بها الرسول ولا كانت في عهده، والأمور الفرضية والتشكيكات لا تليق بالبحث النزيه القويم في كتاب كريم، تواترت الدلائل على تواتره في جملته وتفصيله وسلامته من التبديل والتحريف.
ولو فتحنا باب الفروض والتخمينات التي لا سند لها من عقل ولا نقل لم
стр. 248
تثبت حقيقة ولعاد ذلك بالنقض على الكثير من العلوم والمعارف.
ودعوى أنها من وضع بعض الكتبة اليهود الذين كانوا يكتبون الوحي للنبي ﷺ أشد من تلك بطلانا ففي أي كتاب من كتب التواريخ العربي منها وغير
العربي أن النبي كان له كتبة من اليهود وكيف يأتمن النبي يهوديّا على كتابة الوحي وعنده صفوة من أصحابه المخلصين الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة وفي أي لغة من لغات العالم أن الم أو طس أو كهيعص معناها أوعز إليّ محمد أو أمرني محمد وما ذكره الطاعن النصراني في كهيعص لا يخرج عن عبث الصبيان، فإن هذه الفاتحة لا تقرأ كما سول له هواه كي يجعل لها نسبا إلى العبرانية وإنما تقرأ على نهج آخر ثبت بالتواتر وتلقاه الخلف عن السلف (١)، والقراءة سنة متبعة ليست بالهوى ولا بالتشهي، ولا يغيب عن ذهننا أن جل هذه الفواتح- وبخاصة فاتحة مريم- إنما نزلت بمكة ومن قال: إن مكة كان بها يهودا لحق أن هذا الكلام لا يصدر إلا ممن تجرد من الحياء وصدق القائل: «إذا لم تستح فاصنع ما تشاء».
٣ - كيف غاب عن الناقد الباحث أن الصحابة والتابعين بالغوا جدّا في العناية بالقرآن والمحافظة عليه من أي دخيل حتى ولو كان حرفا وأنهم حينما كتبوا المصاحف بالغوا في تجريدها مما ليس بقرآن حتى أنهم لم يعجموها ولم يشكلوها ولم يكتبوا أسماء السور وعدد الآيات في مقدمة كل سورة وما يوجد في المصاحف اليوم من النقط والشكل وكتابة أسماء السور فذلك أمر مستحدث في العصر الأموي فكيف يجوز الناقد الباحث أن تكون هذه
стр. 249
الألفاظ رموزا لمصاحف الصحابة ثم لحقت بمرور الزمن بالقرآن وهل هذا يتفق هو وقواعد النقد التحليلي الذي كثيرا ما يلهج به وكيف غاب عن ذهن الناقد الباحث أن القرآن لم يكن يتلقى من المصاحف وإنما كان يتلقى بالرواية والسماع وأنه ثابت بالتواتر الشفاهي يأخذه الخلف عن السلف إلى النبي ﷺ وإنما كانت كتابة القرآن زيادة في التوثق والاطمئنان وليجتمع للقرآن الحفظ في السطور إلى الحفظ في الصدور الحق أنه ما كان يليق بباحث ناقد أن يغفل كل هذا.
وبعد ... فلعلك أيها القارئ أدركت معي أن هذه الشبه باطلة، وأنها لا تعدو أن تكون هراء من القول دعا إليه موجدة قديمة، وسخيمة نفس أبت إلا أن تستعلن فبرزت في هذا الزور من القول، أو تعصّب بغيض وجهل فاضح بالقرآن ومقاصده، وإن محاولتهم إطفاء نور الله بأفواههم لمحاولة فاشلة يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) [التوبة: ٣٢] فلا تلق إلى هذه الشبه بالا فهي لا تعدو أن تكون دعاوى من أدعياء، ويرحم الله القائل:
والدّعاوى ما لم تقيموا عليها بيّ ... نات أبناؤها أدعياء
وجرد من نفسك مجاهدا ينافح عن كتاب الله بلسانه وقلبه فإن المنافحة عن الحق أشرف الجهاد وأسماه، وكتاب الله كله حق وهدى ونور وصدق وعدل وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الأنعام: ١١٥]، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤١ - ٤٢].
صلات تتعلّق بالمكي والمدني
وهناك أنواع ذكرها السيوطي في إتقانه، وهي بسبب من المكي والمدني كالحضري والسفري، والليلي والنهاري، والصيفي والشتائي، وما تقدم نزوله على حكمه، وما تأخر نزوله عن حكمه، وأيضا ذكر مما يتعلق بالمكي والمدني وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة أو غيرها، وقد أفاض الإمام السيوطي في ضرب الأمثلة، ولن نفعل
стр. 250
مثل ما فعل، ولكنا سنكتفي بضرب بعض الأمثلة، ومن أراد استيعابا فعليه بالرجوع إلى الإتقان (١).
الصلة الأولى
الحضري والسفري: أمثلة الحضري كثيرة، وجل القرآن نزل في الحضر، أما السفري فله أمثلة منها:
١ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ودليله ما أخرجه ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ مضمّخ بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني في عمرتي فنزلت، فقال: «أين السائل عن العمرة ألق عنك ثيابك ثم اغتسل» ... الحديث (٢). وقوله في هذه الآية:
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ [البقرة: ١٩٦] الآية، نزلت بالحديبية، كما أخرجه أحمد عن كعب بن عجرة الذي نزلت فيه، والواحدي عن ابن عباس.
٢ - قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: ١٠٢] الآية، نزلت بعسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أحمد عن أبي عياش الزّرقي.
٣ - قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ففي الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع.
٤ - قوله تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ [التوبة: ٤٢ وما بعدها] الآيات، نزلت في غزوة تبوك، كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
٥ - سورة الفتح؛ ففي صحيح البخاري في قصة عمر مع رسول الله ﷺ أن النبي قال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه