وقد ألف العلماء في أقسام القرآن كتبا مستقلة، ولعل أحفلها وأجلها- فيما أعلم- «التبيان في أقسام القرآن» لابن القيم، فمن أراد زيادة في معرفة أسرار الأقسام فليرجع إليه ففيه ما يكفي ويشفي.
الشبهة السادسة
قال: إن القسم المكي قد افتتح كثير من سوره بألفاظ غير ظاهرة المعنى مثل الم، وحم، وطسم، وكهيعص، وحم عسق، والخطاب بها كالخطاب بالمهمل الذي لا يفيد، وهو ينافى كون القرآن هدى وبيانا، وهذه الكلمات ربما قصد بها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف، أو هي رموز وضعت لتميز بين المصاحف المختلفة التي كانت موضوعة عند العرب فمثلا كهيعص (١) رمزا لمصحف ابن مسعود حم (١) عسق (٢) رمزا لمصحف ابن عمر، وهلم جرا ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا.
وأسرف بعض النصارى في مجاوزة المعقول فقال- على سبيل الحدس- (١): إنها أحرف وضعها كتّاب محمد برأس السورة اختصارا من قولهم أوعز إليّ محمد، وذلك على حد ما وضعه بعض كتّابه من اليهود كهيعص (١) برأس سورة مريم اختصارا من قولهم بالعبرانية «كو يعص» أي هكذا أمر (٢)، وهذا الكلام منقوض بما يأتي:
١ - دعوى أن هذه الألفاظ ليس لها مدلول دعوى من لم يطلع على آراء العلماء فيها، وقد ذهب الكثيرون إلى أنها أسماء للسور، وذهب المحققون إلى أنها أسماء للحروف الهجائية المعروفة، وفائدة ذكرها في فواتح السور، إما إقامة الحجة على إعجاز القرآن من أقصر طريق وأسهله، ذلك أن هذا القرآن مركب من جنس هذه الحروف الهجائية التي منها يركبون
стр. 247
كلامهم، وبها يتخاطبون، وقد تحداهم المرة تلو المرة أن يأتوا بشيء منه فعجزوا وما استطاعوا، فكان هذا دليلا ساطعا على أنه ليس من عند بشر وإنما هو من عند خالق القوى والقدر، وإما تنبيه السامع إلى ما يتلى بعدها لاستقلالها بنوع من الإغراب فهي كأداة التنبيه لما يتلى بعدها فيفرغ السامع لذلك قلبه وسمعه فتقوم عليه الحجة باستماع القرآن، وقد يقع الكلام من نفسه موقع التأثير فيؤدي به إلى الإيمان، فهي إذا ليست غير مفهومة المعنى، والخطاب بها ليس من قبيل الخطاب بما لا معنى له.
ولو سلمنا أنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه فلا تنهض للطعن في كون القرآن هدى وبيانا، لأنها ألفاظ قليلة جدّا بالنسبة إلى الألوف المؤلفة من كلمات القرآن التي تدل على معنى معروف عند المخاطبين (١)، وهي على هذا الوجه جاءت لحكمة سامية، وهو الابتلاء والاختبار، ليظهر قويّ الإيمان من ضعيفه وراسخ العلم من غيره فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) [آل عمران: ٧]، فلم يكن وجودها في القرآن عبثا، وحاشا لله أن يكون في القرآن شيء منه.
٢ - دعوى أنها ألفاظ قصد بها التعمية، أو التهويل، أو أنها رموز لمصاحف ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن دعوى لم يقم عليها أثارة من علم، وإنما هو أمر فرضي وتشكيك بين أمرين ثبوت أحدهما ينفي الآخر فكونها قصد بها التهويل إلخ يقتضي أنها نطق بها الرسول وكانت في عهده، وكونها رموز إلخ يقتضي أن لا تكون نطق بها الرسول ولا كانت في عهده، والأمور الفرضية والتشكيكات لا تليق بالبحث النزيه القويم في كتاب كريم، تواترت الدلائل على تواتره في جملته وتفصيله وسلامته من التبديل والتحريف.
ولو فتحنا باب الفروض والتخمينات التي لا سند لها من عقل ولا نقل لم
стр. 248
تثبت حقيقة ولعاد ذلك بالنقض على الكثير من العلوم والمعارف.
ودعوى أنها من وضع بعض الكتبة اليهود الذين كانوا يكتبون الوحي للنبي ﷺ أشد من تلك بطلانا ففي أي كتاب من كتب التواريخ العربي منها وغير
العربي أن النبي كان له كتبة من اليهود وكيف يأتمن النبي يهوديّا على كتابة الوحي وعنده صفوة من أصحابه المخلصين الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة وفي أي لغة من لغات العالم أن الم أو طس أو كهيعص معناها أوعز إليّ محمد أو أمرني محمد وما ذكره الطاعن النصراني في كهيعص لا يخرج عن عبث الصبيان، فإن هذه الفاتحة لا تقرأ كما سول له هواه كي يجعل لها نسبا إلى العبرانية وإنما تقرأ على نهج آخر ثبت بالتواتر وتلقاه الخلف عن السلف (١)، والقراءة سنة متبعة ليست بالهوى ولا بالتشهي، ولا يغيب عن ذهننا أن جل هذه الفواتح- وبخاصة فاتحة مريم- إنما نزلت بمكة ومن قال: إن مكة كان بها يهودا لحق أن هذا الكلام لا يصدر إلا ممن تجرد من الحياء وصدق القائل: «إذا لم تستح فاصنع ما تشاء».
٣ - كيف غاب عن الناقد الباحث أن الصحابة والتابعين بالغوا جدّا في العناية بالقرآن والمحافظة عليه من أي دخيل حتى ولو كان حرفا وأنهم حينما كتبوا المصاحف بالغوا في تجريدها مما ليس بقرآن حتى أنهم لم يعجموها ولم يشكلوها ولم يكتبوا أسماء السور وعدد الآيات في مقدمة كل سورة وما يوجد في المصاحف اليوم من النقط والشكل وكتابة أسماء السور فذلك أمر مستحدث في العصر الأموي فكيف يجوز الناقد الباحث أن تكون هذه
стр. 249
الألفاظ رموزا لمصاحف الصحابة ثم لحقت بمرور الزمن بالقرآن وهل هذا يتفق هو وقواعد النقد التحليلي الذي كثيرا ما يلهج به وكيف غاب عن ذهن الناقد الباحث أن القرآن لم يكن يتلقى من المصاحف وإنما كان يتلقى بالرواية والسماع وأنه ثابت بالتواتر الشفاهي يأخذه الخلف عن السلف إلى النبي ﷺ وإنما كانت كتابة القرآن زيادة في التوثق والاطمئنان وليجتمع للقرآن الحفظ في السطور إلى الحفظ في الصدور الحق أنه ما كان يليق بباحث ناقد أن يغفل كل هذا.
وبعد ... فلعلك أيها القارئ أدركت معي أن هذه الشبه باطلة، وأنها لا تعدو أن تكون هراء من القول دعا إليه موجدة قديمة، وسخيمة نفس أبت إلا أن تستعلن فبرزت في هذا الزور من القول، أو تعصّب بغيض وجهل فاضح بالقرآن ومقاصده، وإن محاولتهم إطفاء نور الله بأفواههم لمحاولة فاشلة يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) [التوبة: ٣٢] فلا تلق إلى هذه الشبه بالا فهي لا تعدو أن تكون دعاوى من أدعياء، ويرحم الله القائل:
والدّعاوى ما لم تقيموا عليها بيّ ... نات أبناؤها أدعياء
وجرد من نفسك مجاهدا ينافح عن كتاب الله بلسانه وقلبه فإن المنافحة عن الحق أشرف الجهاد وأسماه، وكتاب الله كله حق وهدى ونور وصدق وعدل وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الأنعام: ١١٥]، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤١ - ٤٢].
صلات تتعلّق بالمكي والمدني
وهناك أنواع ذكرها السيوطي في إتقانه، وهي بسبب من المكي والمدني كالحضري والسفري، والليلي والنهاري، والصيفي والشتائي، وما تقدم نزوله على حكمه، وما تأخر نزوله عن حكمه، وأيضا ذكر مما يتعلق بالمكي والمدني وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة أو غيرها، وقد أفاض الإمام السيوطي في ضرب الأمثلة، ولن نفعل
стр. 250
مثل ما فعل، ولكنا سنكتفي بضرب بعض الأمثلة، ومن أراد استيعابا فعليه بالرجوع إلى الإتقان (١).
الصلة الأولى
الحضري والسفري: أمثلة الحضري كثيرة، وجل القرآن نزل في الحضر، أما السفري فله أمثلة منها:
١ - قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ودليله ما أخرجه ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ مضمّخ بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني في عمرتي فنزلت، فقال: «أين السائل عن العمرة ألق عنك ثيابك ثم اغتسل» ... الحديث (٢). وقوله في هذه الآية:
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ [البقرة: ١٩٦] الآية، نزلت بالحديبية، كما أخرجه أحمد عن كعب بن عجرة الذي نزلت فيه، والواحدي عن ابن عباس.
٢ - قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: ١٠٢] الآية، نزلت بعسفان بين الظهر والعصر، كما أخرجه أحمد عن أبي عياش الزّرقي.
٣ - قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ففي الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع.
٤ - قوله تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ [التوبة: ٤٢ وما بعدها] الآيات، نزلت في غزوة تبوك، كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس.
٥ - سورة الفتح؛ ففي صحيح البخاري في قصة عمر مع رسول الله ﷺ أن النبي قال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه
стр. 251
الشمس، ثم قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)» وكان ذلك منصرفه من الحديبية، وأخرج الحاكم في المستدرك عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.
٦ - سورة المنافقين؛ أخرج الترمذي عن سفيان أنها نزلت في غزوة بني المصطلق، وبه جزم ابن إسحاق وغيره.
٧ - سورة المرسلات؛ أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى إذ نزلت عليه: والمرسلات ... الحديث.
الصلة الثانية
النهاري والليلي: أمثلة النهاري كثيرة جدّا قال ابن حبيب: نزل أكثر القرآن نهارا، أما الليلي فمن أمثلته:
١ - قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) [آل عمران: ١٩٠] فقد أخرج ابن حبان في صحيحه وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي الدنيا في كتاب «التفكر» عن عائشة أن بلالا أتى النبي ﷺ يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده يبكي، فقال: يا رسول الله ما يبكيك قال: «وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل عليّ هذه الليلة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» الآية، ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر».
٢ - آية الثلاثة الذين خلفوا: وهي وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:
١١٨] الآية، ففي الصحيحين من حديث كعب بن مالك، فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل، والثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
٣ - سورة مريم؛ روى الطبري عن أبي مريم الغسالي، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: ولدت لي الليلة جارية، فقال: «والليلة أنزلت علىّ سورة مريم، سمّها مريم».
٤ - سورة الفتح؛ ففي الحديث الصحيح أن ذلك كان ليلا.
стр. 252
٥ - آية التيمم التي في المائدة؛ ففي الصحيح عن عائشة وحضرت الصبح فالتمس الماء، فلم يوجد؛ فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].
٦ - قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨] الآية؛ ففي الصحيح أنها نزلت والنبي في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح حين أراد أن يقنت؛ يدعو على أبي سفيان ومن ذكر معه.
الصلة الثالثة
الصيفي والشتائي (١): مما لا شك فيه أن القرآن نزلت منه آي كثيرة في الصيف، وآي كثيرة في الشتاء وقد أحصى أحد العلماء بعضا من ذلك فمن أمثلة الصيفي:
١ - قال الواحدي: أنزل الله في الكلالة آيتين؛ إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول النساء وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء: ١٢] إلخ، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦] الآية، وفي صحيح مسلم عن عمر قال: ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر النساء وقد كان ذلك في سفر حجة الوداع، فيعد من الصيفي ما نزل فيها كأول المائدة والْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
٢ - ومن الصيفي الآيات النازلة في غزوة تبوك؛ فقد كانت في شدة الحر كما دل عليه القرآن والسنة.
وذلك مثل لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ الآية، ومثل آية وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] وآية
стр. 253
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة: ٤٩] الآية.
ومن أمثلة الشتائي:
١ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلى قوله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ففي الصحيح عن عائشة أنها نزلت في يوم شات.
٢ - الآيات التي نزلت في غزوة الخندق في سورة الأحزاب، فقد كانت في شدة البرد كما يدل على ذلك القرآن، وما ذكر في المغازي، ففي حديث حذيفة تفرق الناس عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب إلا اثنى عشر رجلا فأتاني رسول الله ﷺ فقال: «قم فانطلق إلى معسكر الأحزاب» قلت:
يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء من البرد ...
الحديث، وفيه فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩ وما بعدها] إلخ الآيات، أخرجه البيهقي في الدلائل.
الصلة الرابعة
ما تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه (١).
فمن أمثلة ما تأخر حكمه عن نزوله:
١ - قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) [الأعلى ١٤ - ١٥] فقد روى البيهقي وغيره عن ابن عمر أنها نزلت في زكاة الفطر، وقد استشكل ذلك؛ لأن السورة مكية ولم يكن بمكة عيد مشروع ولا زكاة ولا صوم، وقد أجاب البغوي بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم وهو جواب حسن.
٢ - قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: ٤٥] فقد نزلت بمكة قطعا ولم يكن شرع الجهاد، وقد استشكل عمر ذلك ثم تبين له أن المراد بالجمع جمع بدر، فقد روي عنه أنه قال حين نزلت الآية: أي
стр. 254
جمع فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا بالسيف يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) فكانت ليوم بدر، أخرجه الطبراني في الأوسط فيكون من الإشارات والنبوءات الغيبية التي أظهرت الأيام صدقها، وكانت من دلائل النبوة.
٣ - قوله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) [سبأ: ٤٩] أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن المراد بالحق السيف، يعني الجهاد، واستشكل بأن الآية مكية متقدمة على فرض القتال، والجواب أن هذا مما تقدم نزوله على حكمه، ويؤيد تفسير ابن مسعود ما أخرجه الشيخان من حديثه أيضا، قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود كان في يده ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) أقول: والمتبادر من الحق أنه الأمر الثابت، فتفسيره بالجهاد غير قوي، ويكون المراد بالحق الدين الحق، أو كلمة التوحيد.
٤ - قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: ١٤١] فالمراد بها الزكاة وقوله تعالى في سورة المزمل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [المزمل:
٢٠] فهذا مما تأخر حكمه عن نزوله، إذ الزكاة إنما شرعت بالمدينة، أقول: وهذا على رأي بعض العلماء، وعلى أن السورتين كلتيهما مكيتان، ولكن بعض العلماء يرى أن آية إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ الآية مدنية وأنها ناسخة لوجوب قيام الليل في صدر السورة.
ويرى فريق من العلماء أن فرض الزكاة كان بمكة، أما تفصيل أحكامها وأنصبتها، وبيان مصارفها فكان بالمدينة، وعلى هذا فلا تكون الآيتان من هذا القبيل، وأما الحكمة في تقدم النزول عن الحكم فقد أشار إليها ابن الحصار بقوله: قد ذكر الله الزكاة في السور المكيات كثيرا تصريحا وتعريضا بأن الله سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه، ويظهره حتى يفرض الصلاة والزكاة وسائر الشرائع ولم تؤخذ الزكاة إلا بالمدينة بلا خلاف، أقول: لعل مراده بالأخذ التنفيذ العملي؛ فإن ذلك لم يكن إلا بالمدينة
стр. 255
قطعا، أما أصل المشروعية فللعلماء فيها خلاف كما ذكرت، وأيضا وليكون ذلك من أعلام صدقه، ودلائل نبوته ﷺ .
ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه:
١ - آية الوضوء؛ ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فالآية مدنية إجماعا، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة؛ قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل، وجوز غيره أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة، ويرد هذا الاحتمال أن الآية مدنية بالإجماع.
٢ - آية الجمعة (١) فإنها مدنية، والجمعة فرضت بمكة، وأما ما قاله ابن الغرس: إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط فيرده ما أخرجه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الآذان يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة فقلت: يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا قال: أي بني كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة؛ أقول: وهذا إنما يصلح للرد إن أراد ابن الغرس بقوله هنا إنها لم تفرض قبل الهجرة، أما إن أراد أنها لم تؤد بجماعة بمكة فلا يصلح ردّا عليه.
стр. 256
الصلة الخامسة
ما حمل من مكة إلى المدينة: فمن أمثلة ذلك سورة سبح، فقد أخرج البخاري عن البراء بن عازب أنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرءاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) في سور مثلها من المفصل.
ما حمل من المدينة إلى مكة: من ذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [البقرة: ٢١٧] الآية، وهذا إنما يتجه على أن السائل هم المشركون، فقد روي أن وفدا منهم قدموا على النبي ﷺ بعد سرية عبد الله ابن جحش وقتلهم ابن الحضرمي من المشركين، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأرجف المشركون، وقالوا: إنهم قتلوه في الشهر الحرام أي رجب، فأنزل الله الآية دفاعا عن السرية، واعتذارا عما بدر منها، وأنه شيء قليل بجانب ما يصدر عن المشركين من إجرام في حق الله ودينه وبيته والمسلمين فيكون الوفد لما قرئت عليه حملها معه، أو أرسل النبي ﷺ من حملها إليهم في مكة.
ومن ذلك أيضا صدر سورة براءة؛ فقد أرسل النبي ﷺ به عليّا ليقرأه على الناس في الموسم سنة تسع، كما في الصحيح، ومن ذلك آية الربا في سورة البقرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧٨).
فقد اختلف بنو عمرو بن عمير من ثقيف مع بني المغيرة بن عبد الله، ورفعوا الأمر إلى أمير مكة عتاب بن أسيد فرفع الأمر إلى رسول الله فنزلت فأرسل بها النبي إلى عتاب بن أسيد (١).
стр. 257
ما حمل من مكة إلى الحبشة: ومثاله كسورة مريم فقد صح أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النجاشي لما ذهب رسولا قريش إلى النجاشي كي يرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة إلى مكة؛ فأبى حتى يسمع كلامهم، فتكلم جعفر بن أبي طالب فأحسن وأجاد، فقال له النجاشي، هل معك من شيء مما جاء به عن الله تقرؤه عليّ فقال جعفر: نعم، وقرأ عليه سورة مريم، فلما سمع النجاشيّ السورة قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، وقال البطارقة: هذه كلمات تصدر من النبع الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح.
ما حمل من المدينة إلى الروم: ومثاله قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) فقد صح أن رسول الله ﷺ كتبها في الكتاب الذي بعث به إلى هرقل عظيم الروم (١) والمقوقس عظيم مصر.
الصلة السادسة
ما نزل مفرقا وما نزل جمعا: أما الأول فأمثلته كثيرة لا يحصيها العدّ؛ لأن غالب القرآن نزل كذلك، فمن ذلك في السور القصار سورة اقرأ؛ فقد نزل صدرها إلى ما لَمْ يَعْلَمْ والمدثر نزل صدرها إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) والضحى نزل صدرها إلى فَتَرْضى ثم نزلت أواخرها بعد هذا، وفي السور الطوال صدر سورة براءة، وصدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، بسبب وفد نجران لما قدموا على النبي ﷺ .
ومثال الثاني في السور القصار الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، وتبت، ولم يكن، والنصر، والمعوذتان، وفي السور الطوال من المفصل، والمرسلات، وسورة الصف، ومما ذكروه من السور الطوال سورة الأنعام، فقد أخرج أبو عبيد والطبراني عن ابن عباس قال: نزلت
стр. 258
سورة الأنعام بمكة ليلا جملة حولها سبعون ألف ملك، وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك» وهذا الذي ذكروه غير مسلم، فإن سورة الأنعام، وإن كانت مكية إلا أن منها آيات مدنية قطعا مثل قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى ثلاث آيات فقد نزلت بسبب مالك بن الصيف أحد أحبار اليهود، كما يدل على ذلك سبب النزول، واستثنى بعض العلماء غير هذه الآيات الثلاث، وأما الآثار التي ذكروها فلم تثبت، قال ابن الصلاح في فتاويه: الحديث الوارد في أنها نزلت جملة واحدة رويناه من طريق أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روي ما يخالفه، فروى أنها لم تنزل جملة واحدة؛ بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها فقيل ثلاث وقيل ست وقيل غير ذلك (١).
أما نزولها مشيعة فأمر محتمل إذا تثبت به الرواية، ويكون التشييع لجلها وما نزل منها لا لجميعها كما ذكروا، أو نقول: إن المراد بنزولها يشيعها سبعون ألف ملك نزولها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، ويكون نزولها مفرقة على النبي ﷺ فيما بعد ذلك.
...
стр. 259
المبحث السابع جمع القرآن وتاريخه
جمع القرآن يطلق تارة ويراد به حفظه وتقييده في الصدور ويطلق تارة ويراد به كتابته في الصحف والسطور، وجمع القرآن بهذا المعنى الثاني مر بأطوار ثلاثة:
١ - جمعه في عهد النبي ﷺ .
٢ - جمعه في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق- ﵁.
٣ - جمعه في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان- ﵁.
وسنتكلم عن كل جمع منها مبينين خصائصه ومميزاته والأسباب الباعثة عليه.
جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور
[حفظ النبى للقرآن]
كان النبي ﷺ ينزل عليه القرآن الكريم فيقرؤه على صحابته على تؤدة وتمهل كي يحفظوا لفظه ويفقهوا معناه؛ وكان النبي ﷺ شديد العناية بحفظ القرآن وتلقفه، حتى بلغ من شدة عنايته به وحرصه عليه أنه كان يحرك به لسانه ويعالجه أشد المعالجة، حتى كان يجد من ذلك شدة؛ يقصد بذلك استعجال حفظ القرآن خشية أن تفلت منه كلمة أو يضيع منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربه ووعده أن يحفظه له في صدره، وأن يقرئه لفظه ويفهمه معناه قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة: ١٦ - ١٩].
وكان من دواعي حفظ القرآن وتثبيته في قلب النبي صلوات الله وسلامه عليه معارضة جبريل ﵇ إياه بالقرآن في رمضان من كل عام، حتى كان العام الذي توفي فيه الرسول فعارضه مرتين، وفهم النبي من ذلك قرب انتهاء أجله، وكان القرآن شغل النبي الشاغل في سره وعلانيته، وفي حضره وسفره، وفي وحدته وبين صحابته وفي عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، لا يغيب عن قلبه، ولا يألوا جهدا في الائتمار بأوامره والانتهاء
стр. 260
عن نواهيه والاعتبار بمواعظه وقصصه والتأدب بآدابه وأخلاقه، وتبليغه إلى الناس كافة، فمن ثم كان النبي صلوات الله وسلامه عليه مرجع المسلمين في حفظ القرآن، وفهمه، والوقوف على أسراره، ومراميه.
حفظ الصحابة للقرآن:
وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد جعلوا القرآن في المحل الأول، يتنافسون في حفظ لفظه ويتسابقون في فهم معناه، وجعلوه مسلاتهم في فراغهم، ومتعبدهم في ليلهم، حتى لقد كان يسمع لهم بقراءته دوي كدوي النحل كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) [الذاريات:
١٧ - ١٨]؛ ولقد وصفهم واصف فقال: كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، وكان اعتمادهم في الحفظ على التلقي والسماع من الرسول، أو ممن تلقاه من الصحابة من الرسول، وما كانوا يعتمدون في حفظه على النقل من الصحف والسطور؛ لأن الاعتماد في حفظ القرآن على الصحف والمكتوب يفوت على القارئ ركنا مهما من أركان أداء القرآن الكريم على وجهه الصحيح، وهو «علم التجويد».
ومن خصائص هذه الأمة حفظها لكتاب ربها وهو القرآن ففي الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، قلت أي ربي إذن يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا، فابعث جندا أبعث مثلهم،
стр. 261
وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك» (١).
فقد أخبر أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء وإنما محلّه القلوب كما جاء في وصف هذه الأمة «أناجيلهم في صدورهم» (٢) بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب.
فلا عجب والحال كما سمعت أن حفظ القرآن جم غفير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبوه، وغيرهم من المهاجرين، ومن الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو زيد، ومهما يكن من شيء فقد حفظ القرآن الكثيرون من الصحابة في عهد النبي؛ ولقد روي أنه قتل في يوم بئر معونة سبعون من القراء.
رواية مشكلة: ولكن يشكل على ما ذكرنا ما رواه البخاري في صحيحه (٣) عن أنس بن مالك قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة، أبو الدرداء،
стр. 262
ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبو زيد هذا اسمه قيس بن السكن كما رواه ابن أبي داود بإسناد صحيح على شرط البخاري عن أنس:
«أنّ أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن، قال: وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار، أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه» (١) قال ابن أبي داود: قد مات قريبا من وفاة النبي ﷺ فذهب علمه، وكان عقبيا بدريا.
والحق أن لا إشكال؛ لأن مراد أنس الحصر الإضافي لا الحقيقي حتى يشكل الأمر إذ لا يتم له الحصر الحقيقي إلا إذا كان أنس لقي كل الصحابة وسألهم واحدا واحدا حتى يتم له الاستقراء، وهذا أمر مستبعد في العادة، ويدل أيضا على أن أنسا لم يقصد القصر الحقيقي أنه سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ فقال: «أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت من أبو زيد قال أحد عمومتي» رواه البخاري فقد ذكر في هذه الرواية «أبي بن كعب» بدل «أبي الدرداء» زد على هذا ما استفاض من أن الذين حفظوا القرآن على عهد الرسول كثيرون غير هؤلاء منهم الخلفاء الأربعة؛ ومما لا يرتاب فيه أن الصديق ﵁ كان يحفظ القرآن جميعه في حياة الرسول لكثرة ملازمته له وحرصه على تلقف كل ما يصدر عنه، وفي الصحيح أنه بني له مسجدا وهو في مكة في فناء داره فكان يقرأ فيه القرآن على ما كان فيه من جهد وبلاء حتى لقد خاف المشركون على نسائهم وأبنائهم أن يفتتنوا بقراءته، ومنهم عبد الله بن مسعود، فقد كان أول من جهر بالقرآن بمكة، وأخذ من في رسول الله ﷺ سبعين سورة.
وقد أجاب العلماء السابقون- أثابهم الله- على حديث أنس؛ فمن قائل:
стр. 263
١ - لم يجمع القرآن غير هؤلاء الأربعة تلقينا من الرسول، أما غيرهم فأخذوا بعضه بالتلقين وبعضه بالواسطة.
٢ - ومن قائل: أن المراد بالجمع الكتابة.
٣ - ومن قائل: لم يجمعه بجميع حروفه وقراءاته غير هؤلاء إلى غير ذلك من التأويلات.
٤ - والحق ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في الفتح من أن ذلك بالنسبة إلى الخزرج دون الأوس فلا ينافي أن الكثيرين غيرهم من المهاجرين قد حفظوه قال الحافظ: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف؛ وقد ظهر لي احتمال آخر وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين؛ لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج كما أخرجه ابن جرير بسنده عن أنس قال: «افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش، سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدّبر (١)، عاصم بن أبي ثابت (٢) فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم (٣).
وأما بعد وفاته ﷺ فقد أتم حفظه الألوف المؤلفة من الصحابة وبحسبك أن تعلم أن من قتل من القراء في موقعة اليمامة كانوا سبعمائة على ما قيل، وعن الصحابة حفظه الألوف المؤلفة من التابعين، وهكذا دواليك، تلقته طبقة عن طبقة بالحفظ والعناية والصيانة، حتى وصل إلينا القرآن الكريم، من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، فكان تصديقا لقول الله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩).
стр. 264
الحافظات من النساء: ولم يكن حفظ القرآن خاصا بالرجال، بل قد شارك فيه النساء؛ منهن من كانت تحفظ بعضه، ومنهن من كانت تحفظه كله وذلك مثل عائشة وحفصة، وأم سلمة وأم ورقة، قال الإمام السيوطي: ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في «الطبقات» قال: أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله ابن الحارث- وكان رسول الله ﷺ يزورها، ويسميها الشهيدة،
وكانت قد جمعت القرآن-: أن رسول الله ﷺ حين غزا بدرا قالت له: «أتأذن لي، فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم، لعل الله يهدي لي شهادة، قال: «إن الله مهد لك شهادة» وكان رسول الله أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر ﵁، فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ ، كان يقول: «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» (١) فأكرم بها من مسلمة حافظة.
جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد النبي ﷺ
لم يكتف النبي ﷺ بحفظ القرآن وإقرائه لأصحابه وحفظهم له، بل جمع إلى ذلك كتابته وتقييده في السطور، وكان للنبي كتّاب يكتبون الوحي؛ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبان وخالد ابنا سعيد وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وغيرهم، فكان إذا نزل على النبي من الوحي شيء دعا بعض من يكتب فيأمره بكتابة ما نزل، وإرشاده إلى موضعه، وكيفية كتابته على حسب ما كان يرشده إليه أمين الوحي جبريل، روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» وروى أحمد وأصحاب السنن
стр. 265
الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس عن عثمان بن عفان قال: «كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا».
وعن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع» قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ .
ولم تكن أدوات الكتابة ميسرة في ذلك الوقت، فلذلك كانوا يكتبونه على حسب ما تيسر لهم في الرقاع والعسب والأكتاف واللخاف والأقتاب (١) ونحوها، وقد كان القرآن كله مكتوبا في عهد النبي ﷺ ، وإن كان مفرقا، وكانت كتابته بالأحرف السبعة التي نزل بها.
وأما الصحابة فقد كان بعضهم لا يكتب القرآن، اعتمادا على الحفظ وسيلان الأذهان، كما هو شأن العرب في حفظ شعرها ونثرها وأنسابها، وبعضهم كان يكتب ولكن كان مفرقا؛ وكان بعض الصحابة لا يقتصرون فيما يكتبونه على ما ثبت بالتواتر، بل كانوا يكتبون المنسوخ تلاوة وبعض تفسيرات وتأويلات لمعانيه، وذلك كما فعل ابن مسعود وأبي وغيرهما.
وخلاصة القول أن القرآن كله كتب بين يدي النبي ﷺ وإن كان مفرقا، وكذلك كتب بعض الصحابة القرآن أو ما تيسر لهم منه، وإن لم تبلغ كتابتهم في الوثوق مبلغ ما كتب بين يدي النبي، وقد أذن النبي لأصحابه في كتابة القرآن دون السنة، ففي صحيح مسلم: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» وطبعي أن المكتوب في هذا العهد لم يكن مرتب
стр. 266
السور والآيات ضرورة التفريق في العسب والأكتاف والرقاع (١) ونحوها، وليس معنى هذا أنهم كانوا يقرءونه غير مرتب الآيات- وحاشا- وإنما كانوا يقرءونه مرتب الآيات على حسب ما أوقفهم عليه الرسول، بإرشاد جبريل، عن رب العالمين وعلى ما هو عليه اليوم، والسبب الباعث على كتابته في عهد النبي ﷺ .
١ - معاضدة المكتوب للمحفوظ لتتوفر للقرآن كل عوامل الحفظ والبقاء، ولذا كان المعول عليه عند الجمع الحفظ والكتابة.
٢ - تبليغ الوحي على الوجه الأكمل؛ لأن الاعتماد على حفظ الصحابة فحسب غير كاف؛ لأنهم عرضة للنسيان أو الموت، أما الكتابة فباقية لا تزول، وإنما لم يجمع النبي ﷺ القرآن في مكان واحد لما يأتي:
١ - ما كان يترقبه النبي من تتابع نزول الوحي ونزول بعض آيات ناسخة لبعض أحكامه وألفاظه.
٢ - ترتيب آيات القرآن وسوره لم يكن على حسب النزول بل كان حسب تناسب الآي وترابطها وقد تنزل الآية أو السورة بعد الآية أو السورة وتكون في ترتيب الكتابة قبلها، وذلك مثل آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر فإنها ناسخة لآية الاعتداد بحول، مع أن الأولى مكتوبة في المصاحف قبلها، وهي متأخرة في النزول عنها قطعا لوجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ.
فلو كتب النبي ﷺ القرآن كله في مكان واحد- والشأن كما ذكرنا- لكان عرضة للتغيير والإزالة والكشط والمحو، وقد تكون كتابته في موضع واحد متعذرة إن لم تكن مستحيلة في كتاب نزل منجما في بضع وعشرين سنة، فلما انقضى الوحي بوفاة النبي ﷺ وأمن النسخ، وعرف الترتيب ألهم الله سبحانه الخلفاء الراشدين، فقاموا بجمع القرآن في الصحف، كما حدث في عهد الصديق ﵁، وفي المصاحف كما حدث في عهد عثمان ﵁.
стр. 267
وهكذا نرى أن كتابته مفرقا في العهد النبوي ضرورة لا محيص عنها.
جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁
لما تولى أبو بكر الصديق الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ كان أول عمل قام به محاربة أهل الردة والقضاء على هذه الفتنة، وبذلك أقام عمود الإسلام، وثبّت دعائمه بعد أن كادت تتقوض، ولما وقعت موقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة استحر (١) القتل في الصحابة، ومات من حفاظ القرآن خلق كثير قيل خمسمائة (٢)، وقيل سبعمائة، فخشي الفاروق عمر ﵁ الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه أن يكثر القتل في القراء في بقية المواطن، وربما كان عندهم شيء من القرآن، فيضيع بموتهم، فأشار على أبي بكر أن يجمع القرآن في مكان واحد، وصحف مجموعة بدل وجوده مفرقا في العسب، واللخاف، والرقاع، وغيرها، فتردد أبو بكر أول الأمر، ولكن لم يزل به الفاروق حتى وافق، وثبت عنده أن جمع القرآن ليس من المحدثات، وأن قواعد الدين والشريعة تدعو إليه، فأرسل الصديق إلى زيد بن ثابت، وندبه للقيام بهذا العمل الجليل، فراجعهما، ولم يزالا به حتى ظهر له الحق واستبان له الرشد، وعلم أن الحق فيما أشارا به فجمعه بعد جهد جهيد.
وإليك ما رواه البخاري في صحيحه (٣) بسنده عن زيد بن ثابت (٤) قال:
стр. 268
أرسل إليّ أبو بكر مقتل (١) أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال: إن القتل استحر- اشتد- بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن يجمع القرآن فقلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر:
إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ قالا: هو- والله- خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄ فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... إلى آخر السورة.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته ثم عند حفصة بنت عمر، وفي رواية أخرى مع خزيمة أو أبي خزيمة بالشك والأولى هي المعتمدة (٢)، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة
стр. 269
عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه، منقطع رجاله ثقات، وقد اختلف في المراد بالشاهدين، فقال الحافظ ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، وقال السخاوي: المراد بالشاهدين أنهما يشهدان أن ذلك مكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وكان غرضهم أن لا يكتب القرآن إلا من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرد الحفظ، وبهذا تعلم أنهم بالغوا في التوثق في كتابة القرآن، فلم يقبلوه إلا من المصدرين معا، وهما الحفظ والكتابة، وعلى ذلك يحمل قول زيد في الحديث السابق، في الآيتين من آخر سورة التوبة، لم أجدهما إلا مع أبي خزيمة الأنصاري أن المراد أنه لم أجدهما مكتوبتين عند غيره ممن كانوا يكتبون الوحي وليس المراد أنه لم يكن يحفظهما غيره بل كان يحفظهما الكثيرون (١) ويتلونهما في الصلاة، ومنهم زيد بن ثابت نفسه.
السبب الباعث على الكتابة:
والسبب الباعث على كتابته في عهد أبي بكر، خوف ضياع شيء منه بموت الكثير من القراء والحفاظ في الحروب، وقد يكون عند أحدهم شيء من القرآن المكتوب يضيع بموته، وقد سمعت آنفا أن الاعتماد في الجمع كان على الحفظ والكتابة ولذلك كانت العناية بالغة بالصحف التي جمعت في عهد أبي بكر فكانت عنده حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة (٢) حتى طلبها منها عثمان ﵁ في الجمع الثالث.
стр. 270
ما روي من جمع علي ﵁ للقرآن:
ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن أبي داود من طريق ابن سيرين قال: قال عليّ: لما مات رسول الله ﷺ آليت أن لا آخذ عليّ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعته، فقد قال الحافظ ابن حجر، هذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره وما تقدم من رواية عبد خير عنه أصحّ، فهو المعتمد، ومراد الحافظ برواية عبد خير ما أخرجه ابن أبي داود بسند حسن عن عبد خير قال: سمع عليّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
أقول: وعلى فرض صحة ما روي عن سيدنا علي، وأن المراد بالجمع الكتابة لا يعارض الثابت المشهور من أن أبا بكر هو أول من جمع القرآن، إذ ليس في رواية ابن سيرين التصريح بالأولية بل الذي صحّ عن علي خلافها، وغاية ما تدل عليه أنه سارع إلى كتابة القرآن، فهو كغيره من الصحابة الذي عنوا بكتابة مصاحف لأنفسهم خاصة، ولم تكن لهذه المصاحف من الثقة بها والإجماع عليها، والقبول لها مثلما لمصحف أبي بكر، فجمع الصديق أبي بكر بهذه الاعتبارات يعتبر بحق أول جمع.
وقد امتاز الجمع في عهد أبي بكر بما يأتي:
١ - أنه اقتصر فيه على ما لم تنسخ تلاوته وجرده من كل ما ليس بقرآن.
٢ - أنه لم يقبل فيه إلا ما أجمع الجميع على أنه قرآن وتواترت روايته، وأما ما روي عن زيد في آخر سورة براءة فقد علمت المراد منه.
٣ - أنه كان مكتوبا بجميع الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
٤ - أنه كان مرتب الآيات على الوضع الذي نقرؤه اليوم، ولم يكن مرتب السور، فكانت كل سورة مستقلة في الكتابة بنفسها في صحف، ثم جمعت هذه الصحف وشدت بعضها إلى بعض.
ومما ينبغي أن يعلم أن الجمع بهذه الدقة الفائقة والتثبت البالغ
стр. 271
والاشتمال على هذه المميزات لم يكن لغير صحف أبي بكر ﵁ فهي النسخة الأصلية الموثوق بها التي يجب الاعتماد عليها، نعم قد كانت هناك صحف ومصاحف لبعض الصحابة كتبوا فيها القرآن، إلا أنها لم تحظ بما حظيت به صحف أبي بكر من الدقة والميزات فبعض الصحابة كان يكتب المنسوخ، وما ثبت برواية الآحاد، وبعض تفسيرات وتأويلات لآية وبعض أدعية، ومأثورات فكن على ذكر من هذا فإنه سيفيدنا في إزالة إشكال بعض الروايات الواردة عن بعض أصحاب هذه المصاحف، والتي اتخذ منها بعض المارقين وسيلة للطعن في القرآن الكريم.
جمع القرآن في عهد عثمان ﵁
لما كان عهد عثمان ﵁، وتفرق الصحابة في البلدان وحمل كل منهم من القراءات ما سمعه من رسول الله ﷺ ، وقد يكون عند أحدهم من القراءات ما ليس عند غيره، اختلف الناس في القراءات، وصار كل قارئ ينتصر لقراءته، ويخطئ قراءة غيره وعظم الأمر، واشتد الخلاف، فأفزع ذلك عثمان ﵁، وخشي عواقب هذا الاختلاف السيئة في التقليل من الثقة بالقرآن الكريم وقراءاته الثابتة، وهو أساس عروة المسلمين، ورمز وحدتهم الكبرى. أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق أبي قلابة قال: لما كان عهد عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا؛ فبلغ ذلك عثمان فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا!! وقد تحقق ظنه لما جاء حذيفة بن اليمان وأخبره بما وقع بين أهل الشام والعراق من الاختلاف في القراءة في غزوة أرمينية فهاله الأمر، وتشاور هو والصحابة فيما ينبغي، فرأى ورأوا معه أن يجمع الناس على مصحف
واحد، لا يتأتى فيه اختلاف، ولا تنازع، فأرسل إلى حفصة ﵂: أن أرسلي إلينا بالصحف التي كتبت في عهد أبي بكر ثم
стр. 272
انتقلت بعد موته إلى عمر ثم بعد عمر إلى حفصة؛ لتكون أساسا في جمع القرآن جمعا يقلل من الاختلاف والتنازع.
ثم عهد عثمان إلى زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (١) وسعيد بن العاص (٢) وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٣) أن ينسخوا الصحف في
стр. 273
مصاحف وقال للرهط القرشيين إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش (١) فإنما نزل بلسانهم فقاموا بمهمتهم خير قيام وكتبوا المصاحف مرتبة السور على الوجه المعروف اليوم فلما انتهوا أرسل عثمان إلى كل مصر من الأمصار المشهورة بمصحف ليجتمع الناس في القراءة عليه، تلافيا لما حدث في ذلك الوقت من الاختلاف والتنازع، وأمر بما سواها من المصاحف أن يحرق، أو يخرق، وبذلك وفق الله عثمان والصحابة لهذا العمل الجليل، ثم رد الصحف إلى حفصة فبقيت عندها إلى أن توفيت، فأرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر عقب انصرافه من جنازتها أن يرسل إليه هذه الصحف فأرسلها إليه فأمر بها مروان فشققت، وفي رواية أنه أمر بها فغسلت، وفي رواية أخرى أنه حرقها (٢) وقال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، وكانت وفاتها- ﵂ عام واحد وأربعين، وقيل عاشت إلى سنة خمس وأربعين.
يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ﵁ وكان يغازي (٣) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان (٤) مع أهل العراق، فأفزع حذيفة
стр. 274
اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن أي في كتابته- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق (١). وكان ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين، وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه، وقد روي أن
زيد ابن ثابت قال: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) فألحقناها بسورتها في المصحف (٢)، كما روي أنهم اختلفوا في كتابة التابوت فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوة بالهاء وقال الرهط القرشيون إنما هو التابوت بالتاء فرجعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (٣).
جماعة آخرون معاونون:
وقد أخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين قال: جمع عثمان اثنى عشر رجلا من قريش والأمصار، منهم أبيّ بن كعب، وأرسل الرقعة
стр. 275
التي في بيت عمر، قال: فحدثني كثير بن أفلح، وكان ممن يكتب، قال: إذا اختلفوا في شيء أخروه، قال ابن سيرين: أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة.
وممن عاون مع هؤلاء الأربعة بالكتابة أو الإملاء جماعة آخرون منهم: (١) كثير ابن أفلح كما تقدم (٢) ومالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس من روايته، ومن رواية أبي قلابة عنه (٣) وأبي بن كعب كما ذكرنا (٤) وأنس بن مالك (٥) وعبد الله بن عباس، وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ابن شهاب، فهؤلاء الخمسة إلى الأربعة السابقين صاروا تسعة، وهو ما وقف عليه الحافظ ابن حجر من أسماء الاثنى عشر رجلا الذين ذكرهم ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» (فتح الباري ج ٩ ص ١٩).
كتابة المصاحف مكرمة لسيدنا عثمان:
وقد كانت كتابة المصاحف على هذا الوضع الدقيق البالغ الغاية في التحري والضبط مكرمة من مكرمات ذي النورين عثمان، وما أكثرها.
وقد اتخذ بعض المغرضين من أمر عثمان بتحريق ما عدا المصاحف التي كتبها ووجّه بها إلى الآفاق ذريعة للطعن فيه، مع أنه لم يفعل ما فعل إلا بموافقة من الصحابة، ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان» عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول:
يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حرّاق المصاحف، ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد ﷺ ، وروي أيضا عن علي أنه قال: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان، وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح من طريق سويد بن غفلة عن علي وفي آخره قال أي عثمان: ما تقولون فقد بلغني إن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا
стр. 276
اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.
هل يجوز حرق كتب العلم ونحوها
وقد أخذ العلماء من أمر عثمان ﵁ بتحريق الصحف والمصاحف الأخرى حين جمع القرآن في المصاحف المعتمدة جواز تحريق المصاحف البالية والكتب التي يذكر فيها اسم الله تعالى، وأن في ذلك إكراما لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وكان طاوس يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده وفيها بسم الله الرحمن الرحيم، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة.
السبب الباعث على جمع عثمان:
وقد تبين مما ذكرنا أن السبب الباعث على جمع عثمان هو رفع الاختلاف والتنازع في القرآن، وقطع المراء فيه، وذلك بجمع الناس على القراءة بحرف واحد، وهو لغة قريش، وأما قبله فكانت الصحف مكتوبة بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وما تحتمله من قراءات، وقد وفق الله عثمان لهذا العمل الجليل الذي رفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة، فرضي الله عنه وأرضاه.
ويعجبني في هذا ما قاله الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهدوا من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات، على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصدّيق، وقد قال عليّ: لو وليت لعملت بالمصاحف الذي عمل بها عثمان (١).
стр. 277
ما امتاز به الجمع في عهد عثمان:
وقد امتاز الجمع في عهد عثمان بما يأتي:
١ - الاقتصار فيه على حرف واحد وهو حرف قريش.
٢ - الاقتصار فيه على ما ثبت بالتواتر وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة، ولم يكتبوا ما ثبت بطريق الآحاد، ولا منسوخ التلاوة.
٣ - ترتيب آياته وسوره على الوجه المعروف اليوم.
٤ - تجريده من النقط والشكل ومن كل ما ليس بقرآن بخلاف ما كان مكتوبا عند بعض الصحابة فقد كان فيه بعض تأويلات وتفسيرات لبعض ألفاظه.
المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار
المصاحف جمع مصحف بزنة اسم المفعول من أصحفه أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع صحيفة، وهي القطعة من الجلد أو الورق يكتب فيها، هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فقد صار علما على ما جمع فيه القرآن الكريم؛ والظاهر أن التسمية بالمصحف معروفة من زمن الصديق؛ فقد روي أن أبا بكر استشار الناس بعد جمع القرآن، فقال بعضهم نسميه سفرا كما يسمي اليهود فكرهوه، وقال بعضهم نسميه إنجيلا فكرهوه، فقال بعضهم إن في الحبشة مثله يسمّى مصحفا، فارتضى أبو بكر ذلك، وسماه مصحفا (١) ولا ينافي هذا كون لفظ «مصحف» عربية الاستعمال، ومخرّجة على القواعد العربية، لجواز أن يكون مما توافقت فيه لغة العرب، ولغة الحبش ومقتضى هذه الرواية أن لفظ المصحف كان معروفا في زمن أبي بكر ﵁، إلا أن ما كتب في عهده اشتهر في الروايات وألسنة العلماء باسم الصحف، وما كتب في عهد عثمان ﵁ اشتهر باسم المصحف، ولعل اشتهار التعبير عن المكتوب في عهد أبي بكر بالصحف؛ لأن ما كتب فيها كان مرتب الآيات دون السور، أو لعل
стр. 278
اشتهار تسمية المكتوب بالمصحف لم تكن إلا بعد زمن الصديق في عهد عثمان وإن كانت التسمية به معروفة من قبل.
عدد المصاحف العثمانية:
وقد اختلف في عدد المصاحف التي كتبت في عهد عثمان، ووجّه بها إلى الأمصار فقيل ستة، وقيل أكثر من ذلك، وقال القرطبي في تفسيره (١): قيل سبعة، وقيل أربعة، وهو الأكثر ووجه بها إلى الآفاق فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات فاتخذها قراء الأمصار معتمد اختياراتهم ولم يخالف أحد منهم في مصحفه على النحو الذي بلغه وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه إذ كان عثمان كتب هذه المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض إشعارا بأن كل ذلك صحيح وأن القراءة بكل منها جائزة، والذي ذكره الشاطبي أنها ثمانية؛ خمسة متفق عليها وثلاثة مختلف فيها، ومراده بالخمسة: الكوفي والبصري والشامي، والمدني العام والمدني الخاص الذي حبسه لنفسه وهو المسمى بالإمام (٢)، وبالثلاثة: المكي ومصحف البحرين واليمن، وقيل إن مصر سيّر إليها بمصحف أيضا، والذي تميل إليه النفس أن يكون عثمان أرسل بمصحف إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية المشهورة، لتكون مرجعا يرجع إليه عند الاختلاف.
الاعتماد في القرآن على التلقي الشفاهي لا على المكتوب:
ولما كان المعول عليه في تلقي القرآن هو الأخذ بالرواية والمشافهة لا
стр. 279
على المكتوب في المصاحف، فقد أمر أو أرسل سيدنا عثمان مع هذه المصاحف من يقرئ المسلمين بما فيها، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب المخزومي مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري وهكذا، وقد أجمع أهل كل مصر على ما في مصحفهم، وترك ما عداه، وبذلك زال الخلاف بين القراء، وتوحدت كلمة الأمة.
السبب في تعدد المصاحف:
والسبب في تعدد المصاحف أن عثمان والصحابة قصدوا كتابة المصاحف على ما وقع عليه الإجماع، ونقل متواترا عن النبي ﷺ من القراءات فعدّدوا المصاحف لتكون مشتملة على جميع القراءات المتواترة؛ واختلاف المصاحف له حالتان:
١ - أن تحتمل صورة اللفظ خطا للقراءتين المختلفتين أو القراءات وفي هذه الحالة يكتب اللفظ في جميع المصاحف بصورة واحدة، تحتملها، ذلك مثل نُنْشِزُها بالزاي وننشرها بالراء، ومثل فتثبتوا بالثاء والباء وفَتَبَيَّنُوا بالتاء والباء، وهَيْتَ لَكَ فإنها كانت تكتب بصورة واحدة تحتمل القراءات ومن المعروف أن المصاحف كانت مجردة من الشكل والنقط.
٢ - أن لا تكون صورة اللفظ خطا محتملة للقراءات المختلفة وحينئذ تكتب في بعض المصاحف بصورة وفي بعضها بصورة أخرى، وذلك مثل وَوَصَّى، وأوصى من قوله
تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة: ١٣٢]، فإنها في مصحف أهل المدينة وأوصى وفي مصحف أهل العراق وَوَصَّى، ومثل تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وتجري من تحتها الأنهار [التوبة: ١٠٠] في سورة التوبة، ومثل وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس:
٣٥] وما عملت أيديهم إلى غير ذلك فإنها كتبت في بعض المصاحف بلفظ وفي بعضها بلفظ آخر.
стр. 280
وإنما لم تكتب مكررة في مصحف واحد لئلا يتوهم أنها نزلت هكذا مكررة، ولم تكتب إحداهما في الأصل والأخرى في الحاشية لئلا يتوهم أنها تصحيح لها.
وإنما جردت المصاحف من النقط والشكل: ١ - لما روي عن ابن مسعود «جردوا مصاحفكم» يعني من كل شيء إلا القرآن.
٢ - لتحتمل الكلمة التي تكتب بصورة واحدة أكثر من وجه مما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ من وجوه القراءات كما بينا آنفا.
أين المصاحف العثمانية الآن
قال صاحب مناهل العرفان (١) ﵀: ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن فضلا عن تعيين أمكنتها، قصارى ما علمناه عنها أخيرا أن ابن الجزري رأى في زمانه مصحف أهل الشام ورأى في مصر مصحفا أيضا.
أما المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية فإنا نشك كثيرا في صحة هذه النسبة إلى عثمان ﵁، لأن بها زركشة ونقوشا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا ومن النقط والشكل أيضا كما علمت.
نعم إن المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان ﵁ مكتوب بالخط الكوفي القديم مع تجويف حروفه وسعة حجمه جدّا، ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي حيث رسم فيه كلمة مَنْ يَرْتَدِدْ من سورة المائدة بدالين اثنين، مع فك الإدغام، وهي فيهما بهذا الرسم، فأكبر الظن أن هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها، وكذلك المصحف
стр. 281
المحفوظ بتلك الخزانة، ويقال إن علي بن أبي طالب ﵁ كتبه بخطه، يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم بيد أنه أصغر حجما وخطه أقل تجويفا من سابقه ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية، حيث رسمت فيه الكلمة السابقة مَنْ يَرْتَدَّ بدال واحدة مع الإدغام وهي في غيرهما كذلك فمن الجائز أن يكون كاتبه عليّا، أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة (١).
ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة، وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ ، وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن الآن.
وقال ابن كثير في الفضائل (٢): وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرق المقصورة والمعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي محكم في رقّ أظنه من جلود الإبل والله أعلم.
وذكر السيد محمد رشيد رضا- ﵀ في تعليقاته على كتاب فضائل القرآن (٣): إن صحف الأخبار العامة نقلت أن أحد المصاحف الأئمة العثمانية وهو الذي كان محفوظا عند قياصرة الروسية وهبه خلفهم الشيوعيون لأمير بخارى بعد أن أخذوا صورة منه بالآلة الشمسية «الفوتوغرافية» ويقال إن الأصل فقد ولم يصل إلى الأمير.
стр. 282
الشبه التي أوردت على جمع القرآن
لا ينفك أعداء الإسلام عن تلمس المطاعن في القرآن الكريم؛ لأنهم يعلمون أنه أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، فالتشكيك فيه إضعاف للدين وصرف للمسلمين عن الطريق الذي لا عوج فيه ولا أمت.
ومعظم هذه المطاعن مبنية على روايات واهية ومختلفة، اشتملت عليها بعض الكتب الإسلامية، وعلى شبه أوردها بعض الكاتبين في علوم القرآن وفي أصول الفقه، وأجابوا عنها، ولم يدر بخلدهم أنها ذريعة للطعن في القرآن الكريم.
وبعضها مبني على روايات صحيحة ولكن لها محامل صحيحة، ومخارج مقبولة، كما اعتمدوا على روايات باطلة أوردها الشيعة في كتبهم وسيأتي بعض منها وردّها وإبطالها.
ولكن أعداء الإسلام تعاموا عنها، وصرفوها إلى المحامل التي ترضي أحقادهم وتشفي نفوسهم المريضة.
وقد تلقف هذه الشبه، وتلك الروايات، ولا سيما الواهية الباطلة منها، المستشرقون والقسس، فأضافوا إليها ما شاءت لهم نفوسهم الحاقدة على الإسلام والمسلمين أن يضيفوه مما هو من بنات الخيال والأوهام، ومن صنع الأحقاد، فزعموا أنه قد ضاع من القرآن بعضه، ونسي بعضه، بل عنون «نولدكه» المستشرق الألماني في كتابه «تاريخ القرآن» فصلا بعنوان «الوحي الذي أنزل على محمد ولم يحفظ في القرآن».
وذكر كاتب مادة، قرآن «في دائرة المعارف الإسلامية أنه مما لا شك فيه أن هناك فقرات من القرآن ضاعت».
وفي دائرة المعارف البريطانية في مادة «قرآن» يذكر كاتب المادة أن «القرآن غير كامل الأجزاء» والذي سهل لهم هذا التجني بعض علمائنا- غفر الله لهم- بما ذكروه في كتبهم بحسن نية، وأوردوه في رواياتهم مع إمكان تأويلها تأويلا قريبا صحيحا، ولكن المستشرقين يأخذون الضعيف،
стр. 283
ويتركون القوي، وينقلون المشكوك فيه، ويسكتون عن الصحيح الصريح، لأنها الخطة التي تلائم أغراضهم، وتتفق ومراميهم.
وها هي الشبه التي أوردت قديما وحديثا والرد عليها بما يقنع العقل ويطمئن القلب فأقول وبالله التوفيق:
الشبهة الأولى
: قالوا: كيف يكون جمع القرآن عن إجماع من الصحابة مع أن عبد الله بن مسعود وهو ذو السابقة في الإسلام قد كره أن يتولى زيد جمع المصحف.
وقال: «يا معشر المسلمين كيف أعزل عن جمع المصحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر» (١)، وقال أيضا: «أعزل عن المصاحف وقد أخذت من فيّ رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد بن ثابت ذو ذؤابتين يلعب مع الصبيان» وفي رواية «بضعا وسبعين سورة ... » (٢).
والجواب
: أن قول ابن مسعود هذا لا يدل على عدم جواز جمع القرآن في المصحف، ولا على أنه كان مخالفا في الجمع، وكل ما يدل عليه أنه يرى أنه أحق من زيد بجمع القرآن لسوابقه في الإسلام، على أنه قال هذا في وقت غضبه فلما سكت عنه الغضب أدرك حسن اختيار عثمان ومن معه من الصحابة لزيد بن ثابت وقد ندم على ما قال واستحيا منه؛ فقد روى أبو وائل هذه القصة ثم قال عقبها: إن عبد الله استحيا مما قال فقال: ما أنا بخيرهم ثم نزل عن المنبر (٣) ولم يكن اختيار أبي بكر وعثمان لزيد إلا لما له من المزايا التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة وقد أفصح عن هذه المزايا الصديق بقوله: إنك رجل، شاب، عاقل، لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فقد وصفه بأربع صفات لا بد منها لمن يقوم بهذا العمل وهي الشباب المقتضي للقوة والصبر والجلد، والعقل وهو جماع
стр. 284
الفضائل، والأمانة وعدم التهمة وهي الصفة التي لا بد منها لمن يقوم بهذا العمل، وكتابة الوحي، وبها يتم التوثق والاطمئنان ومع ذلك فقد ضم عثمان إليه ثلاثة من أوثق الصحابة وأعلمهم (١)، وهذه الخصائص لا تقتضي أفضليته على عبد الله بن مسعود ولا على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وإنما تقتضي أهليته لما عهد إليه به (٢).
الشبهة الثانية
: قالوا: كيف يكون القرآن كله متواترا مع أن زيد بن ثابت قال في أثناء ذكره لحديث الجمع في عهد أبي بكر: «فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره» وقال في أثناء ذكره لكتابة المصاحف في عهد عثمان: «ففقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين»، فهاتان الروايتان تدلان على أنه اعتمد في جمع القرآن على بعض الروايات الآحادية، وهو يخالف ما هو مقرر عندكم من أن القرآن- في جملته وتفصيله- ثابت بالتواتر المفيد للقطع
والجواب
: أن هذا الذي نقل لا ينافي تواتر القرآن؛ فقد ذكرنا لك فيما سبق أن الاعتماد في جمع القرآن كان على الحفظ والكتابة، وكان غرضهم من ذلك زيادة التوثق والاطمئنان، وأن ما كتبوه إنما هو من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ فقول زيد: لم أجدهما، أي لم أجدهما مكتوبتين وهذا لا ينافي أنهما كانتا محفوظتين عند جمع يثبت بهم التواتر، والتواتر إنما هو في الحفظ لا في الكتابة، يدل على ذلك قول زيد في الرواية الثانية: «ففقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فهو إذا
стр. 285
كان حافظا لها ومتيقنا لقرآنيتها، وكذلك من كانوا معه كانوا يحفظونها ولكن كان يبحث عن أصلها المكتوب.
فإن قيل إن اتجه هذا الجواب، واستقام في الرواية الأولى، فكيف يتجه في الرواية الثانية؛ فقد كانت آية الأحزاب مكتوبة في الصحف التي كتبت في عهد الصديق قلت: لعلها انمحت وتطاير مدادها فلم يبق ما يدل عليها أو لعل الأرضة أكلت موضعها من الصحيفة فاضطر أن يبحث عن أصلها المكتوب فوجده مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، على أن المعول عليه في القرآن التواتر الحفظي لا الكتابي.
الشبهة الثالثة
: قالوا: إن القرآن قد زيد فيه ما ليس منه بدليل ما ورد أن عبد الله ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وفي رواية كان يحك المعوذتين من مصحفه، ويقول: إنما أمر النبي ﷺ أن يتعوذ بهما ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله.
والجواب
: أن هذه الروايات غير صحيحة، وأغلب الظن أنها مدسوسة على ابن مسعود، وإليك ما قاله الأئمة فيها، قال الإمام النووي في شرح المهذب: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح»، وقال ابن حزم في كتاب «القدح المعلّى»، تتميم المجلّى: «هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه، وفيها المعوذتان والفاتحة»، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: «لم يصح عنه أنها ليست من القرآن، ولا حفظ عنه، إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا لكتابتها، لا جحدا لكونهما قرآنا لأنه كانت السنة عنده، أن لا يكتب في المصحف إلا ما أمر النبي ﷺ بكتابته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا أمر به» يعني في علمه وظنه، وإلا فقد تيقن قرآنيتهما غيره من الصحابة، وحفظوهما، وكتبوهما في المصاحف كما صنع زيد ومن معه.
وذهب الحافظ ابن حجر إلى صحة ما روي عن ابن مسعود، وقال:
«قول من قال إنه كذب عليه مردود والطعن في الروايات الصحيحة بغير