← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29719

المدخل لدراسة القرآن الكريم

محمد أبو شهبة

Полный текст (477 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المحفوظ بتلك الخزانة، ويقال إن علي بن أبي طالب ﵁ كتبه بخطه، يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم بيد أنه أصغر حجما وخطه أقل تجويفا من سابقه ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية، حيث رسمت فيه الكلمة السابقة مَنْ يَرْتَدَّ بدال واحدة مع الإدغام وهي في غيرهما كذلك فمن الجائز أن يكون كاتبه عليّا، أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة (١). ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة، وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ ، وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن الآن. وقال ابن كثير في الفضائل (٢): وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرق المقصورة والمعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي محكم في رقّ أظنه من جلود الإبل والله أعلم. وذكر السيد محمد رشيد رضا- ﵀ في تعليقاته على كتاب فضائل القرآن (٣): إن صحف الأخبار العامة نقلت أن أحد المصاحف الأئمة العثمانية وهو الذي كان محفوظا عند قياصرة الروسية وهبه خلفهم الشيوعيون لأمير بخارى بعد أن أخذوا صورة منه بالآلة الشمسية «الفوتوغرافية» ويقال إن الأصل فقد ولم يصل إلى الأمير.

стр. 282

الشبه التي أوردت على جمع القرآن لا ينفك أعداء الإسلام عن تلمس المطاعن في القرآن الكريم؛ لأنهم يعلمون أنه أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، فالتشكيك فيه إضعاف للدين وصرف للمسلمين عن الطريق الذي لا عوج فيه ولا أمت. ومعظم هذه المطاعن مبنية على روايات واهية ومختلفة، اشتملت عليها بعض الكتب الإسلامية، وعلى شبه أوردها بعض الكاتبين في علوم القرآن وفي أصول الفقه، وأجابوا عنها، ولم يدر بخلدهم أنها ذريعة للطعن في القرآن الكريم. وبعضها مبني على روايات صحيحة ولكن لها محامل صحيحة، ومخارج مقبولة، كما اعتمدوا على روايات باطلة أوردها الشيعة في كتبهم وسيأتي بعض منها وردّها وإبطالها. ولكن أعداء الإسلام تعاموا عنها، وصرفوها إلى المحامل التي ترضي أحقادهم وتشفي نفوسهم المريضة. وقد تلقف هذه الشبه، وتلك الروايات، ولا سيما الواهية الباطلة منها، المستشرقون والقسس، فأضافوا إليها ما شاءت لهم نفوسهم الحاقدة على الإسلام والمسلمين أن يضيفوه مما هو من بنات الخيال والأوهام، ومن صنع الأحقاد، فزعموا أنه قد ضاع من القرآن بعضه، ونسي بعضه، بل عنون «نولدكه» المستشرق الألماني في كتابه «تاريخ القرآن» فصلا بعنوان «الوحي الذي أنزل على محمد ولم يحفظ في القرآن». وذكر كاتب مادة، قرآن «في دائرة المعارف الإسلامية أنه مما لا شك فيه أن هناك فقرات من القرآن ضاعت». وفي دائرة المعارف البريطانية في مادة «قرآن» يذكر كاتب المادة أن «القرآن غير كامل الأجزاء» والذي سهل لهم هذا التجني بعض علمائنا- غفر الله لهم- بما ذكروه في كتبهم بحسن نية، وأوردوه في رواياتهم مع إمكان تأويلها تأويلا قريبا صحيحا، ولكن المستشرقين يأخذون الضعيف،

стр. 283

ويتركون القوي، وينقلون المشكوك فيه، ويسكتون عن الصحيح الصريح، لأنها الخطة التي تلائم أغراضهم، وتتفق ومراميهم. وها هي الشبه التي أوردت قديما وحديثا والرد عليها بما يقنع العقل ويطمئن القلب فأقول وبالله التوفيق: الشبهة الأولى : قالوا: كيف يكون جمع القرآن عن إجماع من الصحابة مع أن عبد الله بن مسعود وهو ذو السابقة في الإسلام قد كره أن يتولى زيد جمع المصحف. وقال: «يا معشر المسلمين كيف أعزل عن جمع المصحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر» (١)، وقال أيضا: «أعزل عن المصاحف وقد أخذت من فيّ رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد بن ثابت ذو ذؤابتين يلعب مع الصبيان» وفي رواية «بضعا وسبعين سورة ... » (٢). والجواب : أن قول ابن مسعود هذا لا يدل على عدم جواز جمع القرآن في المصحف، ولا على أنه كان مخالفا في الجمع، وكل ما يدل عليه أنه يرى أنه أحق من زيد بجمع القرآن لسوابقه في الإسلام، على أنه قال هذا في وقت غضبه فلما سكت عنه الغضب أدرك حسن اختيار عثمان ومن معه من الصحابة لزيد بن ثابت وقد ندم على ما قال واستحيا منه؛ فقد روى أبو وائل هذه القصة ثم قال عقبها: إن عبد الله استحيا مما قال فقال: ما أنا بخيرهم ثم نزل عن المنبر (٣) ولم يكن اختيار أبي بكر وعثمان لزيد إلا لما له من المزايا التي تؤهله لهذه المهمة الجليلة وقد أفصح عن هذه المزايا الصديق بقوله: إنك رجل، شاب، عاقل، لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فقد وصفه بأربع صفات لا بد منها لمن يقوم بهذا العمل وهي الشباب المقتضي للقوة والصبر والجلد، والعقل وهو جماع

стр. 284

الفضائل، والأمانة وعدم التهمة وهي الصفة التي لا بد منها لمن يقوم بهذا العمل، وكتابة الوحي، وبها يتم التوثق والاطمئنان ومع ذلك فقد ضم عثمان إليه ثلاثة من أوثق الصحابة وأعلمهم (١)، وهذه الخصائص لا تقتضي أفضليته على عبد الله بن مسعود ولا على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وإنما تقتضي أهليته لما عهد إليه به (٢). الشبهة الثانية : قالوا: كيف يكون القرآن كله متواترا مع أن زيد بن ثابت قال في أثناء ذكره لحديث الجمع في عهد أبي بكر: «فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره» وقال في أثناء ذكره لكتابة المصاحف في عهد عثمان: «ففقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري، الذي جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين»، فهاتان الروايتان تدلان على أنه اعتمد في جمع القرآن على بعض الروايات الآحادية، وهو يخالف ما هو مقرر عندكم من أن القرآن- في جملته وتفصيله- ثابت بالتواتر المفيد للقطع والجواب : أن هذا الذي نقل لا ينافي تواتر القرآن؛ فقد ذكرنا لك فيما سبق أن الاعتماد في جمع القرآن كان على الحفظ والكتابة، وكان غرضهم من ذلك زيادة التوثق والاطمئنان، وأن ما كتبوه إنما هو من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ فقول زيد: لم أجدهما، أي لم أجدهما مكتوبتين وهذا لا ينافي أنهما كانتا محفوظتين عند جمع يثبت بهم التواتر، والتواتر إنما هو في الحفظ لا في الكتابة، يدل على ذلك قول زيد في الرواية الثانية: «ففقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فهو إذا

стр. 285

كان حافظا لها ومتيقنا لقرآنيتها، وكذلك من كانوا معه كانوا يحفظونها ولكن كان يبحث عن أصلها المكتوب. فإن قيل إن اتجه هذا الجواب، واستقام في الرواية الأولى، فكيف يتجه في الرواية الثانية؛ فقد كانت آية الأحزاب مكتوبة في الصحف التي كتبت في عهد الصديق قلت: لعلها انمحت وتطاير مدادها فلم يبق ما يدل عليها أو لعل الأرضة أكلت موضعها من الصحيفة فاضطر أن يبحث عن أصلها المكتوب فوجده مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، على أن المعول عليه في القرآن التواتر الحفظي لا الكتابي. الشبهة الثالثة : قالوا: إن القرآن قد زيد فيه ما ليس منه بدليل ما ورد أن عبد الله ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وفي رواية كان يحك المعوذتين من مصحفه، ويقول: إنما أمر النبي ﷺ أن يتعوذ بهما ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. والجواب : أن هذه الروايات غير صحيحة، وأغلب الظن أنها مدسوسة على ابن مسعود، وإليك ما قاله الأئمة فيها، قال الإمام النووي في شرح المهذب: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح»، وقال ابن حزم في كتاب «القدح المعلّى»، تتميم المجلّى: «هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه، وفيها المعوذتان والفاتحة»، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: «لم يصح عنه أنها ليست من القرآن، ولا حفظ عنه، إنما حكها وأسقطها من مصحفه إنكارا لكتابتها، لا جحدا لكونهما قرآنا لأنه كانت السنة عنده، أن لا يكتب في المصحف إلا ما أمر النبي ﷺ بكتابته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا أمر به» يعني في علمه وظنه، وإلا فقد تيقن قرآنيتهما غيره من الصحابة، وحفظوهما، وكتبوهما في المصاحف كما صنع زيد ومن معه. وذهب الحافظ ابن حجر إلى صحة ما روي عن ابن مسعود، وقال: «قول من قال إنه كذب عليه مردود والطعن في الروايات الصحيحة بغير

стр. 286

مستند لا يقبل بل الروايات صحيحة، والتأويل محتمل، وقد أوله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق»، وعلى فرض صحة الرواية يجاب بما يأتي: ١ - عدم كتابتهما أو حكّهما لا يستلزم إنكار كونهما من القرآن لجواز أنه كان لا يكتبهما اعتمادا على حفظ الناس لهما لا إنكارا لقرآنيتهما فالفاتحة يقرؤها كل مسلم في الصلاة، المعوذتان يعوذ بهما المسلمون أولادهم، وأهليهم ويحمل قوله: «كتاب الله» على المصحف، قال ابن قتيبة في مشكل القرآن: «وأما إسقاط الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن، معاذ الله، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان» ومعنى ذلك أنه يرى أن الشك والنسيان، والزيادة والنقصان مأمونة في سورة الحمد؛ لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد لأجل الصلاة. ٢ - أنها رواية آحادية، فهي لا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، والعبرة في التواتر أن يروى عن جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، لا أن لا يخالف فيه مخالف، فظن ابن مسعود أنهما ليستا من القرآن لا يطعن في قرآنيتهما، قال ابن قتيبة في مشكل القرآن: «ظن ابن مسعود أن المعوذتان ليستا من القرآن، لأنه رأى النبي يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار». ٣ - على فرض صحة الرواية فيحمل ذلك على أنه كان قبل أن يستيقن ذلك، فلما علم ذلك وتيقنه رجع إلى رأي الجماعة، وليس أدل على ذلك من أن الذين تعزى قراءاتهم إلى ابن مسعود متفقون على أن هذه السور الثلاث من القرآن؛ قال ابن الصباغ: «إنه لم يستقر عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك» (١)، وهذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس. الشبهة الرابعة : قالوا إن القرآن نقص منه ما كان بعض الصحابة يكتبه في

стр. 287

مصحفه، يدل على ذلك ما روي عن أبي بن كعب أنه كان يكتب في مصحفه سورتي (١) الخلع والحفد، وهو دعاء القنوت: «اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ... ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ... ». والجواب على ذلك: لا نسلّم أنهما من القرآن وكتابة أبي بن كعب لهذا الدعاء في مصحفه لا يدل على القرآنية، ونحن نعلم أن مصاحف الصحابة لم تكن قاصرة على المتواتر؛ بل كان بعضها مشتملا على الآحادي؛ والمنسوخ تلاوة، وعلى بعض تفسيرات، وتأويلات، وأدعية، ومأثورات، ومن ذلك هذا الدعاء الذي يقنت به بعض الأئمة في الوتر ووجوده في مصحف أبيّ لا يدل على أنه قرآن، كما أن القنوت به في الصلاة لا يدل على القرآنية، ولا يشك ذو نظر فاحص وذوق أدبي أن هذا الدعاء ليس عليه مسحة من سحر القرآن وبلاغته وإعجازه وإشراقه، مما يلقي بهذه الشبهة في غيابة الإهمال. ٢ - على فرض أن أبيّا أثبتها في المصحف على أنها قرآن فهي رواية آحادية ظنية لا تعارض القطعي الثابت بالتواتر كما أنها لا تكفي في إثبات كونها من القرآن؛ لأن المعول عليه في ثبوت القرآن التواتر. وهنا قاعدتان ينبغي التنبه إليهما في رد كل رواية تفيد زيادة شيء في القرآن، أو نقص شيء منه وهما: ١ - كل رواية آحادية لا تقبل في إثبات شيء من القرآن. ٢ - كل رواية آحادية تخالف المتواتر من القرآن لا تقبل، ويضرب بها عرض الحائط. الشبهة الخامسة : ما نقله العلامة الآلوسي عن بعض الشيعة والملاحدة وخلاصته أن عثمان بل وأبا بكر حرفا القرآن، وأسقطا كثيرا من آياته

стр. 288

وسوره. وقالوا: إن القرآن الذي نزل به جبريل كان سبع عشرة ألف آية وأن سورة الأحزاب كانت مثل سورة الأنعام؛ أسقطوا منها فضائل أهل البيت، وأن سورة الولاية أسقطت بتمامها، إلى غير ذلك من الأباطيل والخرافات، والترّهات التي لم تقم عليها أثارة من علم. والجواب : أن هذه دعاوى لم يقم عليها شبه دليل، ولو أن كل دعوى تقبل من غير استدلال لما ثبتت حقيقة، ولما توصل الناس إلى علم ومعرفة وهذا الكلام من غلو الشيعة في آرائهم الجائرة، ولهذا نجد العقلاء منهم يتبرءون من مثل هذه الخرافات. قال الطبرسي في «مجمع البيان» - وهو من علمائهم-: أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها، وأما النقصان فيه فروي عن قوم من أصحابنا، وقوم من حشوية العامة والصحيح خلافه. ثم ماذا تقولون أيها المتشيعون لقد صار الأمر إلى علي كرم الله وجهه ودانت له الأقطار كلها ما عدا مصر والشام، والمصاحف التي كتبها عثمان تتلى وقد ظلت دولة أهل البيت ما يقرب من خمس سنين؛ فكيف يسكتون على ذلك وهو منكر شنيع يجب على الإمام أن يسارع إلى إزالته، ولو أن شيئا من ذلك وقع لنقله المؤرخون الأثبات، ولكن شيئا من ذلك لم يكن. الشبهة السادسة : ما زعمه صاحب ذيل «مقالة في الإسلام» (١) من أن القرآن قد أسقط منه ما هو منه، وزيد فيه ما ليس منه، وأيد زعمه بما يأتي: ١ - ما ورد في الحديث أن محمدا ﷺ قال: «رحم الله فلانا لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا» وفي رواية: «أنسيتها» فهذا فيه اعتراف من النبي بأنه أسقط بعض الآيات، أو أنسيها. ٢ - ما جاء في سورة الأعلى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (٧) وزعم هذا المفتري أن النبي ﷺ أنسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها. ٣ - قال: إن الصحابة قد حذفوا من القرآن ما رأوا المصلحة في حذفه

стр. 289

فمن ذلك آية المتعة، أسقطها عليّ بتة وكان يضرب من يقرؤها، وهذا مما شنعت عائشة به عليه، فقالت: إنه يجلد على القرآن وينهى عنه، وقد حرفه وبدله، وما روي أن أبيّا كان يكتب في مصحفه «اللهم إنا نستعينك ... إلخ» الدعاء ولا يوجد اليوم في المصحف. ٤ - قال: إن كثيرا من آياته لم يكن لها من قيد سوى تحفظ الصحابة، وكان بعضهم قد قتلوا في الغزوات، وحروب خلفائه الأولين، وذهب معهم ما كان يتحفظونه من قبل أن يوعز أبو بكر إلى زيد بن ثابت بجمعه، فلذلك لم يستطع زيد أن يجمع سوى ما كان يحفظه الأحياء، أما ما كان مكتوبا على العظام وغيرها فإنه كان مكتوبا عليها بلا نظام، ولا ضبط، وقد ضاع بعضها، وهذا ما حدا العلماء إلى الزعم أن فيه آيات نسخت لفظا لا حكما، وهو من غريب المزاعم، وحقيقة الأمر أنها قد سقطت بضياع العظم، ولم يبق منه سوى المعنى محفوظا في صدورهم. ٥ - زعم أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية لم يبق مصحفا إلا جمعه وأسقط منه أشياء كثيرة قد نزلت فيهم، وزاد فيه أشياء ليست منه، وكتب ستة مصاحف وجه بها إلى الأمصار، وهي القرآن المتداول اليوم، وأعدم المصاحف المتقدمة التي كتبها عثمان، وإنما رام بفعله التزلف إلى بني أمية. ٦ - زعم أن آية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية من كلام أبي بكر قالها يوم السقيفة، وكذا آية وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى من كلام عمر ثم لما جمع القرآن ضم إليه هذا الكلام. وبالنظر في هذه الدعاوى نجد أنها عارية عن الدليل، وأنها إما ادعاءات وافتراءات، أو تحريفات وتأويلات لبعض الآيات والأحاديث بغير حجة. وسنناقشه فيما قال كي يتبين للمنصفين أنه لا يعدو أن يكون هراء من القول وإليك تفنيد هذه المزاعم. ١ - أما ما ذكره من الحديث فهو ثابت (١)، ولكن حمله ما لا يحتمل

стр. 290

وفهمه على غير وجهه، فالرواية الثانية تفسر الأولى، وتدل على أن الإسقاط عن طريق النسيان لا العمد، ولا يضر نسيان النبي ﷺ ، ما دام يحصل له التذكر إما من نفسه، أو من مذكر كما في الحديث، وزيادة في التوضيح نقول النسيان من النبي لشيء من القرآن على قسمين: أحدهما: نسيان الشيء الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ﷺ : «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون». والثاني: أن يرفعه عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (٧). أما الأول: فعارض سريع الزوال يدل عليه قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)، فهذا تكفل من الله ﵎ أن يحفظ كتابه عن أي نقص أو زيادة، أو تغيير أو تحريف، وقد ثبت أن القرآن الكريم معجزة المعجزات، فوجب التصديق بكل ما جاء فيه. وأما الثاني: فداخل في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها بضم النون وبغير همز، فالنسيان عارض بشري يجوز على الأنبياء فيما ليس طريقه البلاغ من أمور الدين والشريعة، وذلك كالأمور الدنيوية أما ما كان من الدين والشريعة، مما هو واجب البلاغ فيجوز لكن بشرطين: أ- أن يكون بعد تبليغه كما هنا. ب- أن لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره إما بنفسه، وإما بغيره، وأما قبل التبليغ فلا يجوز أصلا، وهذا ما قام عليه الدليل العقلي؛ إذ لو جاز النسيان قبل التبليغ أو بعده بدون أن يتذكر، أو يذكره الغير لأدى إلى الطعن في عصمة الأنبياء، ولجاز ضياع بعض الشرائع والأديان، وفي هذا تشكيك فيها وإبطال لها. ٢ - إن ما استدل به من قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (٧) فهو تحريف للكلم عن مواضعه، وزعم من لم يعرف سبب نزول الآية، ولا المراد من الاستثناء، ولا الغرض الذي سيقت له الآية، أما سببها فهو

стр. 291

أن النبي ﷺ كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى، فأزال الله خوفه بهذه الآية، وأما الاستثناء فالمحققون من العلماء على أنه ليس بحقيقي وإنما هو صوري، يراد منه تأكيد عدم النسيان بتعليق الشيء على ما هو مستحيل وقوعه، وليدل على استحالته بالبرهان، وقد ضمن الله لنبيه تحفيظه له فكيف يشاء إنساءه له قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ [القيامة: ١٦ - ١٩] الآيات، ومثل هذا الاستثناء قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) [الإسراء: ٨٦]، ونحن نقطع أنه سبحانه ما شاء ذلك والغرض من هذا الاستثناء على هذا: ١ - تعريفه ﷺ أن عدم النسيان من فضل الله تعالى عليه، فيديم له الشكر والعبادة والذكر في كل وقت. ٢ - تعريف أمته ذلك حتى لا يرفعوه ﷺ من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، كما فعل اليهود والنصارى بأنبيائهم. وهناك رأي آخر في الآية: وهو أن المراد بما يشاء الله أن ينساه هو ما أراد الله نسخه، فيذهب من قلبه، وأيّا كان المراد فليس في الآية ما يشهد لما زعمه هذا الطاعن. ٣ - ما زعمه من أن الصحابة أسقطوا ما رأوا المصلحة في إسقاطه تجن على الصحابة وعلى الحق، والواقع، وإنما يزعم هذا من يجهل ما كانوا عليه من عنايتهم بالقرآن، وامتزاجه بلحمهم، ودمهم، وحبهم له حبا يفوق الأهل والولد، ومراقبتهم لمنزل القرآن حق المراقبة، وهل يعقل أن تتفق جماعة تعد بالألوف على باطل من غير أن يقوم بينهم من ينكر ذلك ويجهر به وبحسبك أن تقرأ ما كتبناه في جمع القرآن لترى كيف أحاط الصحابة القرآن بسياج قوي من الحفظ والعناية، فلم يزيدوا فيه حرفا أو ينقصوا منه حرفا، أما ما يذكره عن عليّ أنه أسقط آية المتعة ... الخ، فكذب وافتراء عليه ولا أدري ما يريد الطاعن بالمتعة؛ فإن أراد نكاح المتعة فالآية التي يستدل بها بعض القائلين بإباحته موجودة في سورة النساء لم تحذف، وهي قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ

стр. 292

فَرِيضَةً [النساء: ٢٤]، ونكاح المتعة أحل للضرورة ثم حرم إلى يوم القيامة، وإن أراد متعة الحج فآيتها في القرآن موجودة في المصاحف إلى اليوم، قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. وأما ما ذكره عن مصحف أبيّ فقد بينت أنه دعاء وليس بقرآن قطعا. ٤ - أما ما زعمه من أن القرآن لم يكن له من قيد سوى تحفظ الصحابة ... إلخ فمردود بأن من بقي من حفاظ الصحابة كان أكثر ممن مات؛ بدليل قول عمر ﵁ للصديق: «وإني أخاف أن يستحر القتل بالقراء في المواطن»، وكذلك زعمه أن كتابته مفرقا في العظام وغيرها كانت سببا في ضياع بعضه زعم باطل، ولو أن الاعتماد في حفظ القرآن على الأخذ من الصحف أو من قطع الحجارة أو العظام لجاز هذا الفرض، وليس الأمر كذلك، فالمعول عليه في القرآن هو التلقي عن النبي ﷺ ، أو عمن سمع منه، والحفظ في الصدور، وأما الكتابة فإنما كانت لتأكيد المحفوظ في الصدور والوقوف على مرسوم الخط الذي هو توقيفي، ولا شك أن الشيء إذا توارد عليه الأمران الحفظ والكتابة يكون هذا أدعى إلى اليقين، والوثوق به، والاطمئنان إليه، وما دام أن المعول عليه في القرآن الحفظ، فاحتمال ضياع بعض المكتوب فيه لا يضيرنا في شيء، وإن كان هذا الاحتمال بعيدا جدّا؛ إذ كانوا يحافظون على المكتوب غاية الحفظ. ٥ - أما دعوى أن الحجاج زاد في القرآن، وأنقص منه فدعوى لا وجود لها إلا في خيال قائلها؛ إذ لم ينقل ذلك في أي تاريخ من التواريخ على كثرتها، وذكرها ما صح وما لم يصح، وكيف يفعل الحجاج أمرا إدّا كهذا له خطره، ويكثر المعارضون له، ولا يرتفع صوت في معارضته ومهما قيل في قسوة الحجاج فقد كان هناك من السلف الصالح من لا يخافون في الحق لومة لائم، ويرون موتهم في هذا السبيل استشهادا، ولو فرضنا أن للحجاج قوة أسكتت المؤمنين المخلصين في حياته؛ أفلا يرجعون إلى كتابهم ويرجعونه إلى حالته الأولى بعد وفاته ومثل هذا العمل من أوجب

стр. 293

الواجبات وأعظم الفرائض على الأمة ٦ - ما زعم من أن آية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية، من كلام أبي بكر إغراق في الجهل وإسراف في الوهم، والآية قد نزلت بعد أحد وحفظها كثير من الصحابة؛ ذلك أن المسلمين لما أصيبوا في أحد وأشيع بأن الرسول قد قتل اختل نظام الجيش، وفر الكثيرون، وقال بعضهم ليت لنا رسولا إلى عبد الله ابن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا ما بأيديهم من السلاح، وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم الأول فقال أنس بن النضر عم أنس ابن مالك: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم ألقى بنفسه في القتال حتى لقي ربه شهيدا فأنزل الله هذه الآية ليبين لهم خطأهم فيما فعلوا وقالوا، حينما علموا أن الرسول قد قتل، وأن النبوة لا تقتضي الخلود، وأنه كغيره من الأنبياء، يجوز عليه ما جاز عليهم، وكأن هذا الحاقد الجاهل قد التبس عليه الأمر بما جرى بعد وفاة الرسول، فقد أنكر عمر- في سورة الغضب، وغمرة الحزن- موت الرسول وتوعد من يقول ذلك وغفل عن هذه الآية، وما أن جاء الصديق ودخل على رسول الله وقبله وقال: «طبت حيّا وميتا» حتى قال: على رسلك يا عمر، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، ثم تلا الآية وَما مُحَمَّدٌ إلخ، قال عمر: «فو الله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني قدماي» (رواه البخاري) إذ قد تحقق ما غاب عنه من أن موت الرسول حق لا شك فيه. وأما آية وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فليست من كلام عمر، وإنما المروي أن عمر قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى بصيغة التمني، فنزلت الآية آمرة بالاتخاذ، فأين أسلوب التمني من الأمر وكون القرآن يوافق عمر في أشياء كان له فيها رأي واجتهاد لا يدل على أنه من كلام عمر

стр. 294

وليس بعد الحق إلا الضلال فأنى يؤفكون. الشبهة السابعة : روى مسلم (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. وروى بعضهم أنها كانت في صحيفة، وفي رواية في جليد، وأنهم اشتغلوا بوفاة رسول الله ﷺ فدخل الداجن (٢) فأكلها، قالوا: والقرآن اليوم ليس فيه ما يدل على خمس رضعات، فتكون الآية الدالة على هذا الحكم قد سقطت من القرآن. والجواب: أن هذه الرواية مهما صحت فهي آحادية لا يثبت بها قرآن؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، ثم هي أيضا لا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، وهو القرآن الذي بين أيدينا اليوم، وغاية ما تدل عليه هذه الرواية أنها خبر لا قرآن. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣)، في معرض ذكر ما يقوي مذهب الجمهور القائلين بتحريم قليل الرضاع وكثيره: وأيضا فقول عائشة: عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فمات النبي ﷺ ، وهن مما يقرأ- لا ينهض للاحتجاج على الأصح من قول الأصوليين، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآنا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، والله أعلم، ومما يدل على أنه ليس قرآنا، وأنه كان تشريعا ثابتا بالسنة، ثم نسخ بالسنة اختلاف الرواية عنها في القدر المحرم، ففي رواية الموطأ عنها عشر رضعات، وعنها أيضا سبع رضعات، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح

стр. 295

عنها، وعبد الرزاق أيضا، وجاء عنها أيضا: خمس رضعات، وهي ما يدل عليها رواية مسلم التي معنا، فاختلاف الرواية عنها يدل على أنه كان باجتهاد منها استندت فيه على ما ظهر لها من السنة، ولو كان قرآنا لما نقل عنها كل هذا الاختلاف (١). وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم (٢): واعترض أصحاب مالك على الشافعية- يعني القائلين بأن لا حرمة إلا بالخمس- بأن حديث عائشة هذا لا يحتج به عندكم، وعند محققي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، وإذا لم يثبت قرآنا لم يثبت خبر الواحد عن النبي ﷺ ؛ لأن خبر الواحد إذا توجه إليه قادح يوقف عن العمل به، وهذا إذا لم يجئ إلا بآحاد مع أن العادة مجيئه متواترا توجب ريبة، والله أعلم. وهكذا يتبين لنا أن الأئمة على أنه ليس بقرآن قط، وأقصى درجاته أن يكون خبرا صحيحا، وأما رواية أكل الداجن فهي مردودة ومتهافتة، وليس أدل على هذا من أن القرآن كان محفوظا في الصدور، فضياع صحيفة منه- فرضا- لا يؤثر في ثبوت قرآنيته ما دامت تحفظه الكثرة الكاثرة من المسلمين، ثم إن القرآن كان مكتوبا في العسب، والرقاع والعظام وصحائف الحجارة، ومثل هذه الأشياء مما لا يتيسر في العادة للداجن أن تأكله، ولا سيما والرواية لم تعين لنا نوع هذا الداجن، أهو شاة أم حمام أم غيرهما. فإن قال قائل: فكيف يتفق ما ذهب إليه من تأويل وما ثبت في الرواية «كان فيما أنزل من القرآن». قلت: المراد كان فيما أنزل من شرح القرآن وبيانه، ولا شك أن السنة شارحة للقرآن ومبينة له قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وأيضا فإن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ويكون

стр. 296

الأمر من نسخ السنة بالسنة، ويكون قولها في الحديث «فتوفي رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن» أي من حكم القرآن على أنه سنة لا قرآن، ولا شك أنهم كانوا يعنون بحفظ السنة أيضا، أو يكون المراد وهن فيما يعلم من أحكام القرآن. ٢ - وللحديث تأويل آخر، وهو أنه يحمل على أنه كان قرآنا ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وبعد النسخ لم يعد يسمى قرآنا ولا له حكمه، فإن قيل: هذا تأويل مقبول لولا ما يعارض من قولها: «فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن» قلت: إن غرضها الإخبار بأن هذا النسخ لم يقع إلا قبيل وفاة النبي ﷺ فعلم بالنسخ الكثيرون، وتركوا القراءة به، ولم يعلم البعض، فبقي هذا البعض على القراءة حتى تيقنوا فيما بعد نسخه فتركوا القراءة به؛ قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدّا، حتى أنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى (١). وهذا الجواب إنما يتم على مذهب من يرى أن من أقسام النسخ ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، وهذا النوع قد أنكره بعض العلماء، قال الإمام السيوطي في الإتقان (٢): حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها. هذا ولعل الوجه الأول في الجواب أولى وأسلم. الشبهة الثامنة : ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» وفي رواية أخرى له أيضا

стр. 297

نحو هذا وفي آخرها قال ابن عباس: فلا أدري من القرآن هو أم لا قال: وسمعت ابن الزبير يقول: ذلك على المنبر. وروي عن أنس عن أبي قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) (١). ورواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس وفي آخره: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا وفي رواية أخرى له عن أنس مثله وفي آخره: فلا أدري أشيء نزل أم شيء كان يقوله وروى عن أبي موسى الأشعري قصة وفيها: وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها «لو كان لابن آدم واديان ... إلخ» (٢) كما روي في غير الصحيحين فظاهر هذه الروايات أنها كانت قرآنا، ولكن أنى هي في المصاحف المقروءة اليوم والجواب: ١ - إن هذه الروايات كلها لا تدل على أن هذا قرآن؛ إذ القرآن لا يثبت إلا بالتواتر؛ وغاية ما تدل عليه أنها من كلام النبي ﷺ ، وها أنت قد رأيت أن بعض الروايات قد جاءت مصرحة بأن ذلك من كلام النبي ﷺ فحسب، وأما الروايات التي فيها إيهام أن ذلك قرآنا؛ فإنما جاءت على صيغة الشك كما سمعت، وإذا كان الجزم في هذا لا يثبت القرآنية، فما بالك بالشك والتردّد وليس من ريب في أنه إذا تعارض اليقين والشك فالرجحان لليقين وعليه فتكون الروايات التي نسبت ذلك إلى النبي ﷺ على أنه من كلامه هي المعول عليها، وهذا الذي ذهبنا إليه هو ما سبق إليه أئمة العلم. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣) تعليقا على قول أبي: كنا نرى (٤) هذا

стр. 298

من القرآن حتى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) ووجه ظنهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك، ولا بد لكل أحد منه فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الأول من كلام النبي ﷺ . ٢ - إن هذا كان قرآنا ثم نسخت تلاوته لما أنزل الله أَلْهاكُمُ ثم بقي حكم ذلك مقررا، قال الحافظ ابن حجر: وقد شرحه بعضهم على أن ذلك كان قرآنا ونسخت تلاوته لما نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة ذلك، فأما الحكم والمعنى فيه فلم ينسخ؛ إذ نسخ التلاوة لا يستلزم المعارضة بين الناسخ والمنسوخ؛ كنسخ الحكم، والأول أولى، وليس ذلك من النسخ في شيء، ومراد الحافظ بالأول أي أنه من كلام النبوة لا قرآنا، ولعل مما يشهد لهذا التأويل الثاني ما ورد في حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم، وهو ما ذكرناه آنفا، وهذا الوجه لا يثبت إلا بتسليم كونه قرآنا في أول الأمر، ودون إثبات ذلك خرط القتاد؛ إذ القرآن لا يثبت بالآحاد كما هو رأي المحققين. ٣ - إن هذا من قبيل الأحاديث القدسية، التي هي من الله، وقد ورد في بعض الروايات التصريح بنسبته إلى الله بلفظ: «إن الله يقول» ويشهد لذلك أن اسلوبه ومعناه شبيهان بأساليب ومعاني الأحاديث القدسية، إذ هي كثيرا ما تدور حول الزهد والفضائل، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في أثناء شرحه لهذا الحديث: «ومنه ما وقع عند أحمد وأبي عبيد في فضائل القرآن من حديث أبي واقد الليثي قال: كنا نأتي النبي ﷺ إذ نزل عليه فيحدثنا فقال لنا ذات يوم: «إن الله قال: إني أنزلت المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم ... الحديث» وهذا يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية والله أعلم، وعلى الأول فهو مما نسخت تلاوته جزما، وإن كان حكمه مستمرا.

стр. 299

والذي يترجح عندي أن يكون هذا من الأحاديث النبوية أو القدسية إذ ليس فيه شيء من إعجاز القرآن وسحره وجلاله وبلاغته. الشبهة التاسعة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس حديثا طويلا، وفيه أن عمر قال على المنبر: «إنّ الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس فكان مما قال: «إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة». وروى أبو عبيدة وغيره عن زر بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تعد سورة الأحزاب قال اثنتين وسبعين آية أو ثلاثا وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم قلت: وما آية الرجم قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» (١)، قالوا: فهذه الروايات تدل على أن القرآن سقطت منه هذه الآية. وللجواب على ذلك نقول: إن رواية أبيّ بن كعب التي هي أصرح الروايات في القرآنية غير صحيحة

стр. 300

إذ في سندها عاصم بن أبي النجود، وهو مضعف في الحديث، وإن كان إماما في القراءة (١) وقد اختلف العلماء في توثيقه وتضعيفه، وإنما ضعف من جهة حفظه، لا من جهة عدالته، وقد قال فيه ابن علية: سيّئ الحفظ، وقيل اختلط في آخر عمره (٢). وأما الروايات عن عمر فهي صحيحة ولا شك، وليس من الصواب ولا البحث العلمي الصحيح رد روايات صحيحة بمجرد الهوى، ولكن الواجب أن نحملها على محاملها الصحيحة من غير تعسف، ولا تكلف، وأحب أن أنبه إلى أن رواية الصحيحين ليس فيها التصريح بقوله الشيخ والشيخة ... إلخ، ولا أنها كانت قرآنا، قال الحافظ في الفتح: وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: «أو الاعتراف» وقد قرأناها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» فسقط من رواية البخاري من قوله «وقرأناها» إلى قوله «البتة» ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا فقد أخرج النسائي عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر، ثم قال: «لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث «الشيخ والشيخة» غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك «قلت» - أي الحافظ ابن حجر-: وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر وصالح بن كيسان وعقيل، وغيرهم من الحفاظ، عن الزهري فلم يذكروها، وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ... إلخ ما قال، وهي الرواية التي أشرت إليها آنفا. ومهما يكن من شيء فقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، واستشهد الأصوليون بآية «الشيخ والشيخة ... إلخ» لما نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد روى حديثها البخاري، ومسلم، ومالك، وأحمد، وأبو داود والنسائي، والترمذي، ولئن كانت روايات الصحيحين خلت من ذكر الآية

стр. 301

فقد جاءت في رواية غيرهما وإذ كان الحال على ما سمعت فما هي المحامل الصحيحة لهذا الحديث ١ - إن هذه الروايات آحادية فهي لا يثبت بها قرآن، ولا تعارض القطعي الثابت بالتواتر، وغاية ما تدل عليه أنها حديث من أحاديث رسول الله، وسنة من سننه، ولا ينافي هذا قول عمر ﵁: «وكان فيما أنزل عليه» فإن جبريل كما ذكرت- كان ينزل ببعض السنة كما ينزل بالقرآن، وتسميتها آية بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي. وكذلك قوله: «فقرأناها ووعيناها» فالمراد به نرويها عن رسول الله فعبر عن الرواية بالقراءة، ومنه يقال: فلان يقرأ الحديث والسنن على فلان، ويكون قوله «والرجم في كتاب الله حق» أي في شرع الله وحكمه وتقديره (١)، أو يكون المراد به الإشارة إلى قوله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فقد بينت السنة أن المراد جلد البكر، ورجم الثيب، ويؤيد هذا التأويل قول الفاروق ﵁: لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لكتبتها في المصحف؛ إذ لا يقال زاد لما عرف أنه منه، لكنه لما كانت عنده سنة مؤكدة وحكما لازما حث على حفظها وقراءتها ودراستها، حتى لا يغفل الناس عنها، كما حث على حفظ آي القرآن، والذي يؤكد هذا التأويل ما رواه ابن حمدويه بسنده عن الحسن أن عمر قال هممت أن أدعو بنفر من المهاجرين والأنصار، معروفة أسماؤهم وأنسابهم، وأكتب شهادتهم في ناحية المصحف أي حاشيته، هذا ما شهد عليه عمر بن الخطاب وفلان وفلان يشهدون أن رسول الله ﷺ رجم في الزنا وإني خفت أن يجيء قوم من بعد يرون أن لا يجدونها في كتاب الله فيكفرون بها، وعمر ﵁ ما كان يخشى في الحق لومة لائم فلو أنها كانت من القرآن لأثبتها، ولما خاف مقالة الناس، وكونه هم أن يكتبها في الحاشية لا في الصلب دليل على أنها ليست قرآنا، قال العلامة الآلوسي عند تفسير قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ:

стр. 302

إن الجلد نسخ في حق المحصن قطعا، لأن الحكم في حقه الرجم واختلف في الناسخ هل هي السنة القطعية، أو ما رواه عمر ﵁ من الآية المنسوخة «الشيخ والشيخة» قال العلامة ابن الهمام: إن كون السنة القطعية أولى من كون ما ذكر من الآية، لعدم القطع بثبوتها قرآنا ثم نسخ تلاوتها، وإن ذكرها عمر وسكت الناس، فإن كون الإجماع السكوتي حجة مختلف فيه، وبتقدير حجيته، لا نقطع بأن المجتهدين من الصحابة ﵃ كانوا إذ ذاك حضورا، ثم لا شك في أن الطريق في ذلك إلى عمر ظني، ولهذا- والله أعلم- قال علي كرم الله وجهه حين جلد شراحة ثم رجمها: «جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ » ولم يعلل الرجم بالقرآن المنسوخ. ويؤيد هذا التأويل أيضا ما أخرجه النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد ابن ثابت: ألا تكتبها في المصحف قال: لا، ألا ترى بأن الشابين الثيبين يرجمان، ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر: أنا أكفيكم؛ فقال يا رسول الله: أكتبت آية الرجم قال: «لا أستطيع». وإن نظرة فاحصة في «الشيخ والشيخة ... إلخ» لترينا أنها ليس عليها نور القرآن ومسحته، ولا فيها حكمته وإعجازه، وإن قول زيد ﵁: «ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان» ما يشير إلى عدم بلوغها الغاية في الدقة والإحكام، كما هو الشأن في القرآن، وهذا يدل على فرق ما بين كلام الله وكلام الإنسان. ٢ - إن هذه الآية كانت قرآنا ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، قال الإمام النووي ﵀: أراد بآية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، وهذا مما نسخ لفظه ليس له حكم القرآن في تحريمه على الجنب ونحو ذلك، وفي ترك الصحابة كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة على أن المنسوخ لا يكتب في المصحف، وبنحو ذلك قال ابن كثير في تفسيره (١)،

стр. 303

والحافظ ابن حجر في الفتح (١) ولعل السر في نسخ لفظها عدم إحكام معناها، وأن العمل على غير الظاهر من عمومها فقد روى الحاكم عن عمر أنه قال: لما نزلت أتيت النبي ﷺ فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم، هذا إلى ما في ظاهرها من تجرئة الشباب على الوقوع في الزنا؛ إذ الشأن في الكبير والكبيرة البعد من مواطن الإثم والفجور فاقتضت حكمة الله تنزيه الأسماع عن سماعها، وهذا الجواب الثاني إنما يتم بعد تسليم قرآنيتها، وقد خالف في هذا كثير من العلماء. الشبهة العاشرة : ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» قال فقرأ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ قال فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وأن ذات الدين عند الله الحنيفية السمحة غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا فلن يكفره» ورواه الترمذي أيضا وكذلك روي هذا الأثر بزيادات أكثر من هذه (٢). وللجواب على ذلك نقول: ١ - إن هذا الحديث وأمثاله أحاديث لم تشتهر بين نقلة الحديث، وإنما يرغب فيه من يكتبها طلبا للغريب، وما كان كذلك فليس لأحد أن يعترض به على الكتاب الذي حفظ عن رسول الله بالتواتر، إذ هو على تسليم صحته آحاد فلا يعارض القطعي الثابت بالتواتر ولا يثبت به أيضا قرآن. ٢ - إن هذا الحديث طعن فيه بعض أهل العلم بأنه باطل، ولعل مما يدل على بطلانه أن سورة «لم يكن» بلفظها الذي ورد في المصاحف ثبتت متواترة

стр. 304

عن أبي بن كعب وقد قدمنا أن قوله: «لو كان لابن آدم واد من مال ... إلخ» ليس بقرآن، وإنما هو حديث نبوي أو قدسي، وكذلك ما زيد في هذه السورة من ألفاظ هو بالبيان والتفسير أشبه منه بالقرآن، إذ ليس عليه شيء من نور القرآن، ولا له إعجازه، ولا ينبغي أن يعزب عن بالنا أن بعض الصحابة كان يقرأ بعض آيات القرآن على سبيل التفسير والبيان كما كان بعضهم- كأبي وابن مسعود- يكتب في مصحفه بعض تفسيرات، وتأويلات، وأدعية، ومأثورات فيظن من يسمعها أو يقف عليها أنها من القرآن، والحق خلاف ذلك؛ قال أبو بكر الأنباري بعد أن ذكر ما روي أن عكرمة قرأ على عاصم «لم يكن» ثلاثين آية هذا فيها قال: «هذا باطل عند أهل العلم؛ لأن قراءة ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي ابن كعب، لا يقرأ فيها هذا المذكور في «لم يكن» مما هو معروف في حديث رسول الله ﷺ ، على أنه من كلام الرسول ﵇ لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن، وما رواه اثنان معهما الإجماع أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة (١). وقال بعض العلماء: والذي يؤكد ما قلناه اتصال قراءة أبي جعفر بابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم، وهم قرءوا على أبي بن كعب؛ واتصال قراءة ابن كثير بمجاهد وقراءة مجاهد على ابن عباس، وقراءة ابن عباس على أبيّ، واتصال قراءة أبي عمرو بمجاهد وسعيد بن جبير وهما قرءا على ابن عباس وقرأ ابن عباس على أبي، فهؤلاء الأئمة وأعلام الدين الذين رووا عنهم وحفظوا عليهم نبره ومده وتشديده، فلو كان من قراءة أبي ذلك لقرأه عليهم، ولرووا عنه، وحفظوا عليه، لطول تلك الألفاظ (٢). وأيضا فقد اضطرب النقل في هذا الأثر، فمن قائل: إنه آية من سورة لم يكن، ومن قائل: آية من سورة تشبه سورة براءة، والباطل دائما

стр. 305

لجلج، والحق دائما أبلج، وقد وردت هذه القصة في الصحيحين (١) بدون هذه الزيادات ولا شك أن روايات الصحيحين أوثق من غيرها وأولى بالقبول، مما يؤيد أن هذا التخبط المروي باطل. ٣ - إن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ويكون من حمل ذلك عن أبي إنما هو قبل أن ينسخ ثم لما نسخ رجع أبي عنه، وبقوا هم على قراءته لعدم علمهم بالنسخ أما جمهور المسلمين العارفين بأنه نسخ فلم يقرءوا به ولم ينقلوه، وهذا الجواب على سبيل التنزل والتسليم بأنه كان قرآنا، ودون ذلك صعود السماء. الشبهة الحادية عشرة : روايات (٢) يوهم ظاهرها سقوط شيء من القرآن. أ- ما روي أن أبيّا كان يقرأ: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦]، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. ب- ما روي أن عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل الله علينا أن «جاهدوا كما جاهدتم أول مرة» فإنا لا نجدها، قال أسقطت فيما أسقط من القرآن. ج- ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسيناها، غير أني حفظت منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. د- ما روي في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا غدرا، قال أنس: ونزل فيهم قرآنا قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». هـ- ما روي عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن الزبير يقرأ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤]،

стр. 306

«ويستعينون بالله على ما أصابهم». وما روي عن ابن عباس وأبي أنهما قرءا: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها «من نفسي فكيف أطلعكم عليها». ز- ما روي عن علي أنه قرأ وَالْعَصْرِ (١) ونوائب الدهر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢). والجواب: ١ - إن هذه الروايات أغلبها باطلة لم يصح منها شيء، وإنما هي غرائب ومناكير رواها الذين أولعوا بهما، وليس أدل على بطلانها من رواية «أكاد أخفيها من نفسي» وهل يعقل أن يخفي الله شيئا من نفسه ومن رواية «والعصر ونوائب الدهر»، فقد تواتر عن علي ﵁ أنه كان يقرأ بقراءة الجماعة، وهل يعقل أن يدع عليّ شيئا يرى أنه من القرآن، ثم لا يثبته ولا سيما أنه قد آلت إليه الخلافة، وصار صاحب الكلمة النافذة بين المسلمين! إن هذا إلا بهتان مبين. ٢ - إن هذه الروايات على فرض صحتها تحمل على أن ذلك كان قرآنا، ثم نسخ لفظه وبقي معناه كما تدل على ذلك رواية الصحيحين في أصحاب بئر معونة. ٣ - إن بعض هذه الروايات محمول على التفسير والتوضيح، ويكون الراوي سمع من يقرؤها مفسرا ومبينا لمعناها فظن أن الكل قرآن، ولعل هذا يظهر في وضوح في الرواية المتعلقة بقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ الآية والرواية المتعلقة بقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. رد عام وإليك رد عام يرد به على هذه الشبه وعلى غيرها مما أورد على جمع القرآن. وهو أن المسلمين أجمعوا على أن هذا الذي كتب في المصاحف، وحفظه الألوف عن الألوف، هو القرآن الذي أنزله رب العالمين، على نبيه

стр. 307

محمد ﷺ ، لا زيادة فيه، ولا نقصان، فمن ادعي زيادة عليه، أو نقصانا فقد أبطل الإجماع، وبهّت جمهور الناس، ورد ما قد صح عن الرسول ﷺ ، وغير معقول أن نبطل ما أجمع عليه المسلمون بروايات جلها باطل موضوع، وما صح منها فله محامل صحيحة، وليس نصا على ما يزعم الزاعمون، وإن من يزعم أن القرآن نقص منه شيء أو زيد فيه شيء، كمن زعم أن الصلوات المفروضة كانت عشرا فأنقصها المسلمون إلى خمس، أو أنها كانت ثلاثا فصيروها خمسا- سواء بسواء- فإذا صح في العقول شيء من هذا صح ما تقولوه على القرآن. والله سبحانه- وقد وعد بحفظ كتابه- قد هيأ له من الأسباب الداعية إلى حفظه وصيانته من التحريف والتبديل ما لم يتهيأ لكتاب غيره في الدنيا، وعلى كثرة ما صوبه أعداء الإسلام إلى القرآن من سهام غير صائبة، وتلفيقات مزورة فقد بقي القرآن كالطود الشامخ الذي لا تزحزحه عن مكانه الرياح، والأعاصير، مهما اشتدت، وقد تكسرت على صخرته العاتية كل ما راشوا من سهام، وبيتوا من كيد، وسيبقى هكذا، صلدا، قويا حتى يرث الله الأرض وما عليها، وصدق الله حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩]، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤١ - ٤٢]. ***

стр. 308

المبحث الثامن ترتيب آيات القرآن وسوره [الآية فى اللغة وفى الاصطلاح] الآية لغة: وردت بمعنى العلامة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ الآية أي: علامة ملكه، وبمعنى الدليل. ومنه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) أي دلائل قدرته، وبمعنى العبرة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) أي عبرة لمن بعدهم، وبمعنى المعجزة، ومنه قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ أي من معجزة واضحة وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ... إلى غير ذلك من المعاني. وفي الاصطلاح: جزء من السورة لها مبدأ ونهاية، وآخرها يسمى فاصلة (١) وقيل: طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وعما بعدها، وهذا التعريف غير مانع؛ لدخول السورة فيه، إلا إذا راعينا في التعريف اندراجها في السورة، والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة لأنها علامة على نفسها بانفصالها عما قبلها وما بعدها؛ أو لأن فيها عبرا ودلائل لمن أراد أن يتذكر، أو لأنها بانضمامها إلى غيرها تكون معجزة دالة على صدق الرسول. وآيات القرآن تختلف طولا وقصرا، وأكثر الآيات الطوال في السور الطوال، وأكثر الآيات القصار في السور القصار، وأطول آية هي آية الدين (٢)، وأقصر آية طه، ويس عند من عدهما، وقد تكون الآية مكونة

стр. 309

من كلمة واحدة ك مُدْهامَّتانِ (٦٤) [الرحمن: ٦٤] وقد تكون مؤلفة من كلمتين مثل: وَالضُّحى (١) وقد تكون من أكثر من ذلك، وهو غالب آيات القرآن، وقال بعض العلماء: ليس في القرآن كلمة واحدة آية إلا مُدْهامَّتانِ (٦٤) ومراده مما اتفق على كونه آية بخلاف ما سواها مما هو كلمة واحدة، أو أقصر منها في التلفظ، فإنه ليس بمتفق عليه مثل طه ويس، والحاقة والقارعة (١). وقد يطلق اسم الآية ويراد بعضها مجازا وذلك مثل قول ابن عباس: أرجى آية في القرآن وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ فإنه جزء من آية باتفاق، ووقع إطلاق اسم الآية على أكثر من آية، وذلك مثل قول ابن مسعود: أحكم آية فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) وهاتان آيتان باتفاق، ومثل ذلك يرد كثيرا في كلام السلف والخلف، وففي باب المجاز ما يصحح كل ذلك. فوائد معرفة الآيات: ولمعرفة الآيات وعدها وفواصلها فوائد (٢) منها: ١ - معرفة الوقف، على رءوس الآي سنة كما يدل عليه بعض الأحاديث الواردة (٣). ٢ - أنه يعين على صحة الصلاة، فإن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية، وقال جمع من العلماء تجزي بآية، وآخرون بثلاث آيات وآخرون لا بد من سبع، وكذلك اعتبارها فيمن جهل الفاتحة فإنه يجب بدلها سبع آيات. عند من أوجبها، ومنها اعتبارها في الخطبة، فإنه تجب

стр. 310

فيها قراءة آية كاملة، ولا يكفي شطرها إن لم تكن طويلة، وكذا الطويلة على ما عليه الجمهور. ٣ - أن الإعجاز لا يقع بأقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة تعادلها فما لم تعرف الآية لا يمكننا أن نقف على القدر المعجز من القرآن. ٤ - ومنها اعتبارها في قراءة قيام الليل، ففي أحاديث: «من قرأ بعشر آيات لم يكتب من الغافلين» «ومن قرأ بخمسين آية في ليلة كتب من الحافظين» «ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين» و «من قرأ بمائتي آية كتب من الفائزين»، «ومن قرأ بثلاثمائة آية كتب له قنطار من الأجر»، و «من قرأ بخمسمائة، وسبعمائة، وآلف آية ... » أخرجها الدارمي في مسنده مفرقة. عدد آيات القرآن: وأما عدد آيات القرآن فقد قال فيه الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتا آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات وقيل وأربع عشرة آية، وقيل: وخمس وعشرون آية، وقيل: وست وثلاثون آية. وذلك يرجع إلى اختلاف القراء البصريين والكوفيين والشاميين والمكيين والمدنيين في العدد. قال أبو عبد الله الموصلي في شرح قصيدته ذات الرشد في العدد: اختلف في عدد الآي أهل المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة، ولأهل المدينة عددان: عدد أول، وهو عدد أبي جعفر بن يزيد ابن القعقاع وشيبة بن نصاح، وعدد آخر: هو عدد إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري (١)، وأما عدد أهل مكة فهو مروي عن عبد الله بن كثير عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأما عدد أهل الشام

стр. 311

فرواه هارون بن موسى الأخفش، وغيره عن عبد الله بن ذكوان وأحمد بن يزيد الحلواني وغيره، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ذكوان وهشام، عن أيوب بن تميم الذماري، عن يحيى بن الحارث الذماري قال: هذا العدد الذي نعده عدد أهل الشام مما رواه المشيخة لنا عن الصحابة، ورواه عبد الله بن عامر اليحصبي لنا وغيره عن أبي الدرداء، وأما عدد أهل البصرة فمداره على عاصم بن العجاج الجحدري، وأما عدد أهل الكوفة فهو المضاف إلى حمزة بن حبيب الزيات وأبي الحسن الكسائي وخلف بن هشام، قال حمزة أخبرنا بهذا العدد ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب (١). [السبب فى الاختلاف فى عدد الآى] والسبب في الاختلاف في عدد الآي أن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة، فمن نظر إلى الوقف قال إنها رأس آية، ومن نظر إلى الوصل لم يقل إنها آية، وآخر كلمة في الآية تسمى فاصلة، وتجمع على فواصل، ومعرفة الفواصل هو العمدة فيما نحن فيه، ولمعرفتها طريقان توقيفي وقياسي. أما التوقيفي: فما ثبت أن النبي ﷺ وقف عليه تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة، أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة، واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها. وأما القياسي: فهو ما ألحق من غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه لأمر يقتضي ذلك، ولا محذور في ذلك: لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل، والوقف على كل كلمة جائز.

стр. 312

معرفة الآيات توقيفية: وآيات القرآن كلها توقيفية لا تعلم إلا من الشارع، قال الزمخشري في تفسيره فإن قلت ما بالهم عدوا بعض الفواتح آية دون بعض؛ قلت: هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، كمعرفة السور أما الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها، وهي ست، وكذلك المص آية، والمر لم تعد آية، والر ليست بآية في سورها الخمس وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية، وحم آية في سورها كلها، وحم (١) عسق (٢) آيتان، كهيعص آية واحدة ص وق ون ثلاثتها لم تعد آية، هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم لم يعدوا شيئا منها. فإن قلت فكيف عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية قلت. كما عد الرَّحْمنُ وحده ومُدْهامَّتانِ وحدها آيتين على طريق التوقيف. وقال ابن العربي: ذكر النبي ﷺ أن الفاتحة سبع آيات. وسورة الملك ثلاثون آية، وقد صح أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». كلمات القرآن وحروفه: وكما عدوا آيات القرآن عدوا كلماته؛ فقيل سبعة وسبعون ألف كلمة وتسعمائة وأربع وثلاثون كلمة، وقيل: وأربعمائة وسبع وثلاثون وقيل: ومائتان وسبع وسبعون، وسبب الاختلاف أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز. وكذلك عنوا بعد حروفه وبيان أنصافه بالكلمات والحروف، وأثلاثه وأرباعه وأخماسه ... وكذا عدوا ما في القرآن من ألفات، وباءات إلى آخر حروف الهجاء، وليس من قصدي التعرض لمثل ذلك، فإن الاشتغال به- كما قال السيوطي- مما لا طائل تحته، وقد استوعبه ابن الجوزي في فنون الأفنان، وأوسع القول فيه، فمن أراد استيعابا فليرجع إليه، أو إلى

стр. 313

مقدمتان في علوم القرآن (١) فقد فصل القول في ذلك. ترتيب الآيات ترتيب الآيات في سورها توقيفي، فقد كان جبريل ﵇ يوقف النبي ﷺ على مواضع الآيات من سورها، وكان رسول الله ﷺ يقول: «ضعوا آية كذا في سورة كذا ... » روى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس، عن عثمان بن عفان، قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» الحديث وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من قراءة رسول الله ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف، وقد أجمع العلماء أن ترتيب الآيات توقيفي وتواردت النصوص الصحيحة على ذلك. أما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، ونص عبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره بلا خلاف في هذا بين المسلمين. وقال ابن الحصار: ترتيب السور، ووضع الآيات إنما كان بالوحي كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف. وأما النصوص فكثيرة منها ما أخرجه البخاري، عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠] قد نسختها الآية الأخرى (٢) فلم تكتبها أو تدعها- أي لم تكتبها وهي منسوخة أو لم تدعها مكتوبة وقد نسخت ف «أو»

стр. 314

للشك من الراوي أي اللفظين قال- قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه وكأن ابن الزبير فهم أن ما ينسخ حكمه لا يكتب، فأفهمه سيدنا عثمان أن الأمر في إثبات الآيات في مواضعها إنما هو بالتوقيف وليس لأحد أن يغير شيئا من مكانه. ومنها ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء، أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «أما تكفيك آية الصيف التي في آخر النساء» ومنها الأحاديث الصحيحة في خواتيم سورة البقرة: «من قرأ الآيتين من خواتيم سورة البقرة في ليلة كفتاه» (١). رواه البخاري وغيره. ومنها ما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» [النحل: ٩٠] ومنها ما روى أبو يعلى في مسنده عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ... الآية وهو من أقوى الأدلة على أن الترتيب اليوم هو الذي كان في عهدي النبي والصحابة، فإن هذه الآية رقمها المائة وواحد وعشرون من المصحف. ومن النصوص الإجمالية الدالة على ذلك ما ثبت من قراءته ﷺ لسور عديدة كسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والم تَنْزِيلُ وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ في صبح الجمعة وق واقْتَرَبَتِ في العيد وغير ذلك من السور، وكان يقرؤها على ترتيبها المعروف وبمشهد من الصحابة الذين أخذوا عنه ونقل ذلك عنهم نقلا متواترا فدل ذلك على أن الترتيب توقيفي.

стр. 315

وإليك بعض ما قاله العلماء في هذا. أخرج ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي ﷺ . وقال مكي بن أبي طالب القيسي وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي ﷺ ، ولما لم يأمر بذلك (١) في أول بَراءَةٌ تركت بلا بسملة. وقال القاضي أبو بكر: ترتيب الآيات أمر بذلك واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا»، وقال أيضا: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين، والذي حواه مصحف عثمان، وإنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وإن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم، وإن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول قد رتب سوره وأن يكون وكل كل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتولى ذلك بنفسه، قال: وهذا الثاني أقرب. ترتيب الآي ليس على حسب النزول: ومن المجمع عليه أن ترتيب الآيات ليس بحسب نزولها وإنما يرجع إلى المناسبات والروابط البلاغية فقد تنزل الآية بعد الآية بسنين وتكون في ترتيب الكتابة قبلها. وليس أدل على هذا من تقدم بعض الآيات الناسخة على الآيات المنسوخة، مع أن الناسخ متأخر عن المنسوخ في النزول قطعا، وذلك مثل آية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فإنها ناسخة لآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فالأولى متقدمة في الترتيب متأخرة في النزول. وفي الأثر عن محمد بن سيرين قال: قلت لعكرمة: ألفوه- أي:

стр. 316

القرآن- كما أنزل الأول، فالأول قال: لو اجتمعت الإنس، والجن، على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا، وصدق عكرمة فإن ترتيبه على حسب النزول غير مستطاع لأحد من البشر؛ لأن الله لم يرد أن يكون تأليف كتابه المعجز على حسب النزول، وإنما اقتضت حكمته أن يكون على حسب المناسبات البلاغية، وأسرار الإعجاز. السور وترتيبها [معنى السورة فى اللغة واصطلاحا] السورة في اصطلاح العلماء طائفة من آيات القرآن جمعت وضم بعضها إلى بعض حتى بلغت في الطول والمقدار الذي أراده الله لها، وكل سور القرآن بدئت بالبسملة إلا براءة (١). وقد اختلف في أصل مأخذها فقيل هي مأخوذة من سور المدينة، لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بالبنيان، وقيل: لأنها ضمت آياتها بعضها إلى بعض كما أن السور توضع لبناته بعضها فوق بعض حتى يصل إلى الارتفاع الذي يراد، وقيل: مأخوذة من السورة، وهي الرتبة والمنزلة، قال النابغة الذبياني: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب وسور القرآن مراتب ومنازل يترقى فيها القارئ من منزلة إلى أخرى. وقيل مأخوذة من السؤر، وهو ما بقي من الشراب في الإناء، كأنها قطعة من القرآن وبقية منه وهي على هذا مهموزة وحذفت همزتها تخفيفا. معرفة السور توقيفي: ومعرفة سورة القرآن كلها توقيفي كمعرفة آياته، وسور القرآن تختلف طولا وقصرا، فأطول سورة هي البقرة، وأقصر سورة هي الكوثر.

стр. 317

وكان من علامة ابتداء السورة نزول بسم الله الرحمن الرحيم أول ما ينزل شيء منها، يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية: فإذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم علم أن السورة قد انقضت يعني هي دلالة على انقضاء ما قبلها، وعلى ابتداء سورة بعدها (فتح الباري ج ٩ ص ٤٢٠). هل يقال سورة كذا والصحيح جواز أن يقال سورة البقرة: وآل عمران والنساء، والأعراف، وهكذا بدون كراهة، ولا يشترط أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، وهكذا سائر السور، وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وأما ما رواه الطبراني والبيهقي عن أنس مرفوعا: «لا تقولوا: سورة البقرة ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله» فإسناده ضعيف، بل قال ابن الجوزي: إنه موضوع، وقال البيهقي: إنما يعرف موقوفا عن ابن عمر، ثم أخرجه عنه بسند صحيح، وعلى هذا فيكون رأيا له واجتهادا منه. الحكمة في تسوير القرآن: ولتسوير القرآن سورا فوائد منها: ١ - حسن الترتيب والتنويع والتبويب فالجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا، ونوعا واحدا، ولا يزال المؤلفون من قديم الزمان إلى يومنا هذا يجعلون كتبهم أبوابا وفصولا، حتى أضحى حسن الترتيب والتبويب من أعظم المشوقات إلى قراءة الكتاب، بل أصبح تبويب الكتب وتنسيقها فنا مستقلا برأسه. ٢ - تسهيل الحفظ وبعث الهمة والنشاط، ألا ترى أن القارئ إذا أكمل سورة ثم أخذ في حفظ غيرها كان ذلك أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثل ذلك المسافر إذا قطع مرحلة ثم شرع

стр. 318

في غيرها ازداد قوة ونشاطا، ولا يزال يتجدد نشاطه، كلما بلغ مرحلة حتى يصل إلى غايته. ٣ - أن الحافظ إذا حفظ سورة وحذقها اعتقد أنه أخذ من كتاب الله حظا ونصيبا، فيعظم عنده ما حفظه، ويعظم هو في نفوس الناس، يشير إلى هذا المعنى حديث أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا أي: عظم. ٤ - أن في التسوير والتفصيل تلاحق الأشكال، والنظائر، وملاءمة بعضها لبعض، ولذلك نجد أغلب سور القرآن يدور الحديث فيها حول موضوع بارز، ولها نمط خاص تستقل به، فسورة يوسف تتحدث عن قصته وسورة إبراهيم تتحدث عنه، وسورة النساء تتحدث عن ما لهن، وما عليهن وسورة آل عمران تتحدث عن قصصهم، وهكذا. وما ذكره الزمخشري في تفسيره من أن الله أنزل التوراة والإنجيل والزبور وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة هو الصحيح، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وذكروا أن في الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال (١). والحكمة في كون سوره طوالا وقصارا: ١ - التنبيه على أن الطول ليس شرطا للإعجاز فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات، وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، وفي هذا إثبات إعجاز القرآن، على أبلغ وجه.

стр. 319

٢ - التدرج في تعليم القرآن من السور القصار إلى ما فوقها، وفي ذلك تيسير من الله على عباده لحفظ كتابه إلى غير ذلك من الحكم. عدد السور: وسور القرآن- في المصاحف العثمانية- مائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد به، ونقل عن مجاهد أنه مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، والأول هو الذي عليه المعول، وعدم ذكر البسملة في أول براءة، لا يمنع أن تكون سورة مستقلة، وقد بينت السر في عدم بدئها بالبسملة آنفا. وأما عدد السور في مصحف ابن مسعود فهي مائة واثنتا عشرة سورة لأنه كما قيل لم يكن يكتب المعوذتين في مصحفه. وأما في مصحف أبيّ فمائة وست عشرة، لأنه كتب في آخره دعاء القنوت وجعله في صورة سورتين سماهما سورتي «الخلع والحفد» وقال بعضهم: مائة وخمس عشرة سورة بجعل سورة «الفيل» وسورة «لإيلاف قريش» سورة واحدة. والمعول عليه هو ما في المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة، ولا نلتفت إلى غيرها. أسامي السور وقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير مثل النساء، والأعراف، والأنعام، ومريم، وطه، والشورى، والمدثر، وقد يكون لها أكثر من اسم، فمن ذلك الفاتحة، تسمى فاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن والسبع المثاني، والشافية، والكافية، والأساس، وقد أنهى الإمام السيوطي (١) أسماءها إلى خمس وعشرين وبراءة تسمى أيضا التوبة، والفاضحة، والبحوث (٢) بفتح الباء، والمنقرة وقد أنهاها السيوطي إلى عشرة أسماء. والإسراء وتسمى أيضا سبحان، وسورة بني إسرائيل،

стр. 320

وسورة محمد ﷺ وتسمى أيضا القتال وسورة سأل وتسمى أيضا المعارج وسورة عمّ وتسمى أيضا النبأ، والتساؤل، والمعصرات، وسورة أرأيت وتسمى أيضا الدين، والماعون، وسورة الإخلاص وتسمى أيضا الأساس، وسورتا الفلق والناس وتسميان أيضا المعوذتين بكسر الواو المشددة، وقد استوعب السيوطي السور ذات الأسماء المتعددة في الإتقان (١). وكما سميت السورة الواحدة بعدة أسماء سميت سور عدة باسم واحد، وذلك كالسور المسماة بالم، وحم، والر؛ وذلك على القول بأن فواتح السور أسماء لها، وتكون هذه الأسماء من قبيل المشترك اللفظي والتمييز بين السور بقرينة ضميمة إليها، فيقال: الم البقرة الم آل عمران ويقال: حم غافر وحم فصلت وهكذا. التسمية توقيفية أم اجتهادية قيل: إنها توقيفية، وعليه فنقف عند حد الوارد منها، وقيل: إنها اجتهادية وعلى هذا فلا يعدم الناظر أن يستنتج للسورة الواحدة أسماء أخرى غير الواردة، والظاهر الأول، قال السيوطي: وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك، وعلى هذا يكون التوقيف أعم من أن يكون عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة الذين شهدوا الوحي والتنزيل. وللزركشي في هذا المقام كلام حسن قال في البرهان: ينبغي البحث عن تعداد الأسامي، هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات فإن كان الثاني فلم يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسماء لها، وهو بعيد، قال: وينبغي النظر في اختصاص كل سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعي في كثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم،
следующие страницы →