← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مؤيديه، بعد أن حشيت بالملح والكافور، إلى القيروان حيث طرحت ليلاً في بعض أسواقها. وقد وصل خبر هذا الحادث إلى أبي جعفر المنصور، وقيل أن الرؤوس حملت من قبل بعض الحجاج إلى مكة حيث كان المنصور يؤدي مراسيم الحج، فانزعج من هذا الأمر، وقال: " الحمد لله الذي جعل بيننا وبين مثل هذا -يقصد عبد الرحمن بن معاوية- من عدونا بحراً " (٢١). ولقد لقب المنصور على أثر هذا الحادث، الأمير عبد الرحمن بن معاوية، بلقب " صقر قريش " وذلك اعترافاً منه بقوة وعزيمة هذا الأمير الذي استطاع أن يؤسس بمفرده دولةً، ويمصر الأمصار، ويجند الأجناد، ويدون الدواوين، وينال مُلكاً بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته (٢٢). وبعد نحو ثلاث سنوات على فشل حركة العلاء بن مغيث، ثار قائد عربي آخر يدعى سعيد اليحصبي المطري في نبلة Niebla انتقاماً لدماء الذين قتلوا مع العلاء. وقد انضم إليه عدد كبير من اليمنيين، فسار إلى إشبيلية واستولى عليها، ثم نزل بقلعة رعواق الواقعة على نهر الوادي الكبير بالقرب من إشبيلية وتحصن بها. فسار إليه عبد الرحمن وحاصره واضطره إلى الخروج والقتال، وكانت النتيجة مقتل قائد الثورة والعديد من أتباعه وتفرق الباقين حيث عفا عنهم الأمير عبد الرحمن. وفي هذا العام نفسه أي ١٤٩ هـ/٧٦٦ م، ثار أبو الصباح بن يحيى اليحصبي. وكان الأمير قد ولاه على إشبيلية، بعد قيام الإمارة الأموية، لكنه كان يشك في ولائه منذ دعوته للإطاحة به بعد انتهاء معركة المصارة. ولهذا فقد عزله بعد فشل ثورة المطري، فنقم عليه أبو الصباح، فكاتب الأجناد وألّبهم على عبد الرحمن. وعندما تبين للأمير عظم نفوذ أبي الصباح وقوته وتأثيره على الأجناد، حاول التفاوض معه واستدراجه بالحيلة إلى قرطبة حيث قتله في العام نفسه، فتفرق جنده " (٢٣). وقد كان لمقتل أبي الصباح أثر بالغ على القبائل اليمنية في غرب الأندلس، لأنه كان سيد عرب هذه المناطق، وكان أقرباؤه زعماء لكور متعددة فيها. فازدادت نقمتهم على عبد الرحمن، وتحينوا الفرص للثورة عليه. وقد سنحت لهم الفرصة في سنة ١٥٦ هـ/٧٧٢ م. عندما كان الأمير مشغولاً بالقضاء على إحدى ثورات البربر في وسط البلاد، فثار اليمنيون في إشبيلية ولبلة وباجة بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي، وعبد الغفار اليحصبي، وانضم

стр. 107

إلى الثورة أيضاً كل من عمر بن طالوت اليحصبي وكلثوم بن يحصب، وقصدوا جميعاً قرطبة. ومما زاد في خطر هذه الثورة، انضمام العديد من البربر المؤيدين لليمنيين في المنطقة إليها. وقد سارع عبد الرحمن للقضاء عليها وإخمادها، واستخدم أسلوب التفريق بين البربر واليمنيين، مستعيناً بمواليه من البربر مثل بني خليع وبني وانسوس وغيرهما. فداخل هؤلاء بني جلدتهم في معسكر الثوار وأقنعوهم بالتخلي عن زعماء الثورة والانضمام إلى عبد الرحمن الذي وعدهم بالعطاء وضمهم إلى الديوان. وفي المعركة التي وقعت فيما بعد بين الطرفين تخلى البربر عن حلفائهم اليمنيين، وانضموا إلى جيش عبد الرحمن، فوقعت الهزيمة على الثوار وقتل معظم قادتهم (٢٤). ثانياً - ثورات البربر: بالإضافة إلى مساهمة البربر في معظم الثورات التي قامت بها القبائل العربية في الأندلس، كانت لهم حركاتهم الخاصة بهم ضد السلطة الأموية. ويرجع السبب في هذا إلى عدة عوامل، منها أن الكثير منهم كانوا حلفاء للقبائل العربية وتربطهم مصالح مشتركة، فيثورون معهم تبعاً لذلك. وكانوا منذ فترة الفتح وعصر الولاة متبرمين من أوضاعهم ويميلون إلى الشغب والتمرد. ولكن بمرور الزمن ظهرت عوامل أخرى دفعت جماعات من هؤلاء البربر إلى الثورة ورفع راية العصيان ضد السيادة العربية. فقد استغل أحد رجالهم، المدعو شقيا بن عبد الواحد المكناسي، سذاجة البربر، فادعى أنه من ولد الحسن بن علي، وأنه فاطمي النسب، خاصة وأن اسم أمه كان فاطمة، فاتخذ له اسماً عربياً هو عبد الله بن محمد، وأخذ يدعو الناس لنفسه والثورة على حكومة قرطبة. وقد بدأت دعوة هذا الرجل الذي كان بالأصل معلماً للصبيان في شنتبرية Santaver الواقعة في شرق الأندلس، ثم امتدت إلى أقاليم عديدة في وسط وشمال إسبانيا وغربها مثل ماردة وقورية ومادلين. وتبعه العديد من بربر هذه المناطق الذين آمنوا بدعوته، أو طمعوا بالحصول على امتيازات أو وضع أفضل في حالة الانتصار. واستمرت هذه الحركة التي قامت في عهد عبد الرحمن الأول ما يقارب عشر سنوات ١٥١ - ١٦٠ هـ/٧٦٨ - ٧٧٧ م. وكان الأمير خلالها يسيّر عليه العديد من الحملات التي كانت تفشل في القضاء على أتباعه المتمردين لاعتصامهم بالجبال المنيعة، وتجنبهم للمعارك الحاسمة في السهول. ولم يتمكن الأمير عبد الرحمن من القضاء على هذه الحركة إلا بالتعاون مع أحد زعماء

стр. 108

البربر الآخرين، وهو هلال المديوني، الذي عينه على شنتبرية، وأوكل إليه مهمة القضاء على التمرد. وقد استطاع هذا الأخير أن يدبر مؤامرة لاغتيال زعيم الحركة شقيا في سنة ١٦٠هـ/٧٧٧ م. وهكذا انتهت هذه الثورة (٢٥). وقد قام البربر ببعض الحركات الأخرى للعصيان على السلطة الأموية، منها تمرد إبراهيم بن شجرة البرنسي في مورور، ومنها تمرد بربر نفزة، لكن الأمير عبد الرحمن الأول استطاع القضاء عليها بسهولة (٢٦). أما في عهد خلفائه، فقد استمرت جماعات عديدة من البربر في العصيان والفتنة. ففي عهد هشام بن عبد الرحمن، هاجت الفتنة ببلاد تاكُرُنّا، وهي إقليم رندة الحالية، وأعلن سكانها من البربر الخلاف على السلطة، وأغاروا على الناس، وهاجموا الإقليم بكامله، وقتلوا العديد من العرب. فأرسل إليهم هشام الأجناد التي أنذرتهم أولاً، ولما لم تجد منهم إلا إصراراً على التمرد، هاجمتهم وقتلت العديد منهم، وفر الباقون إلى طلبيرة وترجيلة، وظلت تاكرنا خالية من السكان نحو سبع سنوات. وكانت مدينة ماردة في غرب إسبانيا بؤرة لثورات البربر، فقامت فيها ثورة في عهد الحكم بن هشام دامت نحو سبع سنوات. وقد تزعم هذه الثورة أصبغ بن عبد الله بن وانسوس، الذي كان قائداً للأمير، ويبدو أنه أراد التمتع بمزيد من الاستقلال في إدارة المدينة، فساءت العلاقة بينه وبين حكومة قرطبة، وساعد على هذا أن بعض أعدائه أوقع بينه وبين الأمير. ولكن أصبغ طلب الأمان بعد سبع سنوات، فأمنه الحكم ودعاه للإقامة في قرطبة، والتردد على ضياعه في ماردة (٢٧). وقد قام البربر بتحرك خطير آخر في ماردة في عهد عبد الرحمن الثاني، وذلك سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م. وقد أشعل نار الثورة هذه المرة رجل بربري واسمه محمود بن عبد الجبار، وهو من قبيلة مصمودة، وانضم إليه أحد المولدين واسمه سليمان بن مرتين. وقد استقل هذان الزعيمان في المدينة، ولم تفلح محاولات الأمير في استعادتها إلا بعد أن توجه بنفسه إليها وحاصرها وافتتحها في عام ٢١٦ هـ/٨٣٤ م. وقد فر الثائران من المدينة، ثم استقل محمود بن عبد الجبار بالحركة، تساعده أخته جميلة، التي اشتهرت بالحسن البارع والشجاعة والنجدة والفروسية، وزحف إلى بطليوس، ثم إلى أكشونبة وباجة، وعندما ضايقته حملات الأمير، اضطر إلى الهرب إلى جليقية، والالتجاء إلى ملكها ألفونسو الثاني. ولكنه اكتشف بعد حين أنه

стр. 109

تورط في موقفه، وأن الملك الاسباني لا يساعده في حركته الانفصالية إلا ليحقق مكاسب سياسية لمملكته على حساب الإمارة الأموية. فحاول العودة إلى الطاعة، لكن ألفونسو أفسد عليه خطته واضطره للقتال، فقتل وأسرت أخته جميلة (٢٨). ثالثاً - حركة أو هيجة الرّبَضْ: تعني كلمة الربض من الناحية اللغوية الحي أو الضاحية، والمقصود بها هنا المنطقة السكنية الجديدة التي استحدثت في قرطبة بعد أن أصلح الأمير هشام بن عبد الرحمن الجسر الذي يصل قرطبة القديمة المسورة بالضفة الأخرى من النهر، حيث تقع ضاحية شقندة. وقد سكن الكثير من الفقهاء هذه الضاحية لقربها من المسجد، الذي كان على الجانب الآخر من النهر في قرطبة القديمة. كما استقر أيضاً في هذا الحي أو الربض العديد من الحرفيين وأهل الأسواق، والتجار، ومعظم هؤلاء من المولدين. وتعود جذور هذه الفتنة التي قادها الفقهاء المالكيون ضد الأمير الحكم بن هشام إلى انتشار قوة وتسلط هؤلاء الفقهاء في عهد أبيه هشام الذي كان يعمل بمشورتهم ويتأثر بنفوذهم. ولكن الحكم كان يختلف عن أبيه، فلم يكن ميالاً لقبول وصاية الفقهاء ولم يستسلم لتأثيرهم، بل كان على العكس يميل إلى اللهو والصيد وغيرها من الأمور التي لا يستسيغها الفقهاء. وهكذا نشأت هوة عميقة بين هؤلاء وبين الحكم الذي حدّ من نفوذهم. ولقد بدأوا بمحاربته بوسائل شتى، أهمها تأليب العامة عليه والطعن بسلوكه الديني والأخلاقي. استجاب العامة من سكان الربض لهذا التحريض، لأنهم أرادوا أن يكون لهم صوت مسموع في المجتمع، وخاصة أنهم كانوا طبقة اجتماعية كبيرة. لها آمالها وتطلعاتها الاجتماعية والسياسية. وكان للحكم أيضاً دوره في تأجيج هذه الفتنة بما وضعه من ضرائب جديدة ومغارم على الشعب (٢٩). مرت هذه الفتنة بدورين، الأول حينما حاول وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها القيام بمؤامرة لعزل الحكم في عام ١٨٩ هـ/٨٠٤ - ٨٠٥ م، واختيار أحد أقاربه من الأسرة الأموية الحاكمة بدلاً منه. ولكن هذا الأخير، واسمه محمد بن القاسم، تظاهر بالرضا، ثم أفشى بسر المؤامرة، وأسماء المتآمرين إلى الحكم. فقبض عليهم الأمير وصلبهم،

стр. 110

وكان عددهم كبيراً بضمنهم فقهاء كثيرون (٣٠). وقد ازداد سخط الفقهاء والعامة بعد هذه الحادثة، وأخذوا يتحينون الفرص للقيام على الأمير الحكم. وأدرك الأمير هذه الحقيقة فقام باتخاذ إجراءات عديدة لحماية نفسه وتحصين مدينة قرطبة ضماناً أمام أية محاولة للثورة، فأتقن بناء سورها ورممه، كما حفر حولها خندقاً، وقوى أبواب قصره، ثم أكثر من شراء واستخدام المماليك والعبيد في الجيش، كما أسلفنا. أما الدور الثاني الذي مرت به هذه الفتنة، فقد وقع بعد نحو أربعة عشر عاماً من مؤامرة الفقهاء الأولى وإعدامهم. وكان السبب المباشر لهذه الفتنة بسيطاً في حد ذاته، لكنه كان كالشرارة التي فجرت هيجان الخلاف بين أهل الربض الجنوبي ومحرضيهم من الفقهاء. فقد نشب خلاف بين حداد وأحد حراس الأمير بشأن إصلاح سيف الأخير وذلك بسبب تباطؤ الحداد في إنجاز العمل. ولم يلبث هذا الخلاف أن تطور إلى نزاع أدى إلى مقتل الحداد، وقد أثار هذا الحادث غضب أهل الربض من المولدين على زميلهم الحداد، فقتلوا الجندي، وتجمهروا يريدون التوجه إلى قصر الإمارة، وقتل الأمير الحكم باعتباره مسؤولاً عما حدث. فعبروا الجسر على الرغم من مقاومة حرس الأمير، وأحاطوا بالقصر الذي تحصن فيه الأمير وأتباعه. وتزعم بعض المصادر أن الحكم لم يفقد جرأته وشجاعته في ذلك الموقف، وصمم على القتال حتى الموت، فقد طلب من خادمه أن يأتيه بقارورة عطر، وعندما جاءه بها أفرغها على رأسه. فتساءل الخادم عن جدوى التطيب في مثل هذا الوقت، فأجابه الحكم: أنه إنما يتطيب حتى يعرف قاتله رأسه ويميزه عن رؤوس الآخرين. وهو يشير بطبيعة الحال، إلى أنه قد هيأ نفسه للموت أو للظفر بالعدو (٣١). وقد تفتق ذهنه عن خطة ذكية للقضاء على المتمردين، فدعا رئيس حرسه الخاص للدفاع عن القصر، وأرسل اثنين من قواده ليعبروا النهر من مخاضة ضحلة بعيداً عن الجسر الذي يسيطر عليه المتمردون فتمكنت هذه القوة التي يقودها القائدان، عبد الله بن عبد الله البلنسي وإسحاق بن المنذر القرشي، من العبور وتوجهت إلى منازل أهل الربض وأشعلت فيها النيران. وعندما أحس المتمردون بذلك، تفرقت صفوفهم وتوجه قسم كبير منهم لإنقاذ أهله وماله، فوقعوا بين جند الأمير من الإمام والخلف، وقتل منهم عدد كبير جداً. وبعد انتهاء المقاومة ألقي القبض على نحو ثلاثمئة رجل من زعماء الفتنة، وصلبوا

стр. 111

صفاً واحداً على نهر الوادي الكبير، ثم أمر الحكم بهدم الربض، وحرث أرضه وزراعتها، ونفي من تبقى من سكانه إلى خارج الأندلس. وقد ظل الربض، الذي ما يزال موقعه يعرف لحد الآن باسم Arrabal، مهجوراً من السكان لما يقرب من قرنين من الزمان بعد عهد الحكم الذي اقترن اسمه باسم هذا المكان، فسمي بالحكم الربضي (٣٢). إن الأمر المهم في هذه الفتنة هو نتائجها سواء على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي. فبالنسبة إلى الأندلس أدى القضاء على هذه الهيجة التي أثارها الفقهاء إلى توطيد الحكم للإمارة الأموية، لأنها أزالت قوة ونفوذ الفقهاء، وحررت الأمراء من وصايتهم وتدخلهم. أما بالنسبة إلى نتائجها الخارجية، فقد كانت على نطاق أوسع وأشمل، ذلك أن أفواج الربضيين المنفيين إلى خارج الأندلس حطت في أماكن عديدة وأثرت على سير الأحداث فيها. فقد استقر فريق منهم في المغرب حيث سمح لهم إدريس الثاني أمير الأدارسة بالإقامة في مدينة فاس التي أسسها والده إدريس الأول، فأقاموا بالحي المعروف بحي الأندلسيين، ونقلوا معهم مظاهر الحضارة الأندلسية، وطبعوا المدينة بطابع أندلسي جميل من حيث الصناعة، والأبنية البيضاء ذات الحدائق الداخلية. وهكذا سيطروا على مدينة فاس حتى أنها أصبحت تدعى باسمهم مدينة الأندلسيين. أما الفريق الآخر من الربضيين، فقد واصلوا سيرهم في البحر، حتى وصلوا إلى مدينة الإسكندرية في مصر وسيطروا عليها مستغلين الفوضى والاضطراب الذي حل بالبلاد جراء الفتنة بين الأمين والمأمون. وعندما استقرت الأمور للأخير أرسل قائده عبد الله بن طاهر بن الحسين، فحاصر الأندلسيين الذين اضطروا إلى مصالحته، واتفقوا معه على مغادرة البلاد وعدم التوجه إلى أية بقعة تابعة للعباسيين، وكان ذلك في سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م. ثم اتجهوا إلى جزيرة كريت، وكانت تسمى أقريطش، وهي تابعة للدولة البيزنطية، فاستولوا عليها بقيادة زعيمهم أبي حفص عمر بن عيسى البلوطي (٣٣)، وأسسوا فيها دولة حكمت نحو مئة وخمسة وثلاثين عاماً، ونشروا فيها الإسلام، وأسسوا المدن، ومنها مدينة الخندق التي اتخذوها عاصمة لهم، وقد صارت كريت قاعدة بحرية إسلامية مهمة تهدد سواحل الإمبراطورية البيزنطية بما تقوم به من حملات على ممتلكاتها وتجارتها. ولكن أمر هذه

стр. 112

الدولة الإسلامية انتهى بتغلب البيزنطيين عليها، واسترجاع جزيرة كريت في عهد الإمبراطور رومانوس الثاني في عام ٣٤٩ هـ/٩٦٠ م، فتفرق أمر الأندلسيين فيها، وبقية المسلمين، فرجع قسم منهم إلى الأندلس، وقسم آخر إلى مصر وصقلية (٣٤). وهكذا نرى أن فتنة الربض لم تؤثر فقط على الأندلس، بل شمل تأثيرها أماكن بعيدة جداً، وحمل الألوف من الأندلسيين هذا التأثير الإيجابي الفعال إلى الأماكن التي هاجروا إليها. رابعاً: - حركات المولدين: لقد سبقت الإشارة إلى أن المولدين كانوا من سكان أهل البلاد الإسبان والقوط الذين اعتنقوا الدين الإسلامي منذ الفتح، واندمجوا في المجتمع الجديد الذي يضم العرب والبربر والمولدين والمستعمَرين، أي النصارى الإسبان الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم، لكنهم تأدبوا بآداب اللغة العربية، وبعادات العرب. وقد كان المولدون يطمحون إلى وضع اجتماعي وسياسي أفضل، وذلك بمشاركة العرب في الحكم والسلطان. ثم تحول موقفهم بالتدريج إلى التمرد ومحاولة الاستقلال عن سلطان بني أمية في قرطبة. ومما شجع المولدين على السير بهذا الاتجاه، تركز مجموعات كبيرة منهم في مناطق جغرافية تساعد على الانفصال والتمرد، وبشكل خاص في مناطق الثغور، أي المدن القريبة من خط الحدود مع الدول المسيحية في الشمال، مثل سرقسطة في الشمال الشرقي وطليطلة في الوسط، وماردة في الغرب. وقد دعمت قرطبة بعض القبائل العربية في المناطق التي كثرت فيها حركات المولدين، مثال ذلك أسرة بني تجيب العربية التي سكنت في منطقة الثغر الأعلى. ونظراً لكثرة حركات المولدين وثوراتهم في عهد الإمارة الأموية، فسوف نقتصر على مثال واحد فقط عن مدينة طليطلة، التي ثار فيها المولدون على الأمير الحكم الأول، وابنه عبد الرحمن الثاني. فبالإضافة إلى كثرة عدد المولدين في طليطلة، فإن أهلها لم ينسوا عز هذه المدينة ومجدها قبل الفتح، وأنها كانت عاصمة البلاد. وكان أهلها يعتزون أيضاً بثروتهم وحصانة مدينتهم التي تقع على نهر تاجة، ولذا نجدهم يساهمون في الكثير من الفتن التي كانت تقوم على حكومة قرطبة، ويتحينون الفرص دائماً لشق عصا الطاعة، والاستقلال بمدينتهم. ولكن الأمراء الأمويين قاوموا هذه الثورات والفتن، واستعملوا

стр. 113

أساليب قاسية جداً في سحق حركات المولدين، وتثبيت السلطة الأموية في البلاد. ثار المولدون في طليطلة على الأمير الحكم عام ١٨١هـ/٧٩٧ م، وتزعم الثورة رجل يدعى عبيدة بن حُمَيْد. وقد استطاع الحكم أن يقضي على هذه الثورة بواسطة مولد من مدينة وشقة اسمه عمروس بن يوسف، وقد نجح هذا الأخير بإغراء بعض وجهاء المدينة لاغتيال عبيدة بن حميد، وبهذا خمدت الثورة إلى حين. وحاول الحكم استخدام أسلوب الدهاء والحيلة مع أهل المدينة، فعين عليهم عمروس بن يوسف حتى يطمئنوا إليه لأنه من بني جلدتهم. وعندما أنس إليه أهل طليطلة، تظاهر أمامهم بأنه أكثر منهم حقداً على الأمير الحكم وعلى بني أمية عامة، فوثقوا به ومنحوه طاعتهم وأطلعوه على أسرارهم. ولكنه، وبتوجيه من الأمير الحكم كان يبيت لهم خطة دموية للقضاء على مقاومتهم المستمرة. فأقنع زعماءهم بضرورة بناء قلعة حصينة بظاهر طليطلة بحجة إيواء الجند والمماليك، بعيداً عنهم وعن نسائهم. فبُنيت القلعة وأُخذ التراب اللازم لبنائها من نفس المكان، فظلت فيه حفرة كبيرة. وأخبر الأمير الحكم بانتهاء البنيان لاتخاذ الخطوة التالية من العمل، فسير الحكم جيشاً بقيادة ابنه عبد الرحمن، بحجة مقاتلة النصارى في الشمال. وعندما وصل هذا الجيش بالقرب من طليطلة أُعلن عن انسحاب العدو، وبدأ الجيش بالتهيؤ للرجوع. لكن عمروس خرج إلى الأمير، مع وجهاء أهل المدينة، ودعوه للدخول، فوافق الأمير عبد الرحمن بعد تمنع. ثم أقام عمروس وليمة كبيرة للأمير، دعا إليها زعماء المدينة وكبار الشخصيات فيها. فحضروا إلى القلعة التي احتشد فيها الجند، وقد أوهمهم عمروس أنهم إذا انتهوا من طعامهم خرجوا من باب غير الباب التي دخلوا منه. ولكن أحداً منهم لم يستطع الخروج لأن الجند الذين اصطفوا على طرف الحفرة قتلوا كل الداخلين دون أن يشعر بهم الباقون، وهكذا بلغ عدد القتلى نحو سبعمئة رجل (٣٥). ومن المؤرخين من يبالغ فيجعل عددهم خمسة آلاف وثلاثمئة رجل (٣٦). ويدل هذا على عظم أمر هذه المذبحة التي سميت بوقعة الحفرة والتي جردت المدينة من زعمائها، وأعيانها المتطلعين دوماً إلى الثورة. ولكن هذه القسوة لم تمنع طليطلة من التمرد على الأمراء الأمويين إلا لفترة قصيرة، فسرعان ما تواصلت الثورة ثانية في عهد الحكم نفسه، وفي عهد خلفائه من بني أمية. ثم اتخذت ثورات المولدين بعداً أخطر حين تولى السلطة أمراء ضعاف، فظهرت بوادر التفكك والتجزء والحركات الانفصالية، مثل حركة ابن حفصون، كما سنرى فيما بعد.

стр. 114

خامساً - حركات المستعربين: لم يقم المستعربون بحركات عنف وتمرد على الدولة الأموية في الأندلس على نطاق واسع، ولكن بعضهم شارك في فتن المولدين التي كانت تقوم في المناطق المختلفة من البلاد. ومع هذا، فقد حاول بعض المستعربين المتطرفين في قرطبة إثارة فتنة هوجاء ضد الحكم العربي الإسلامي في الأندلس. وكان أبطال هذه الحركة جماعة من غلاة رجال الدين المتعصبين الذين نقموا على سيادة العرب والإسلام في البلاد. والواقع أن دوافع هؤلاء لم تكن لها علاقة بأي اضطهاد ديني للمسيحيين، لأن التسامح الديني كان سائداً في الأندلس، وبشكل خاص في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني الذي حدثت في عهده هذه الحركة. فكانت حرية المعتقد مضمونة، وعاش رجال الدين المسيحي من أساقفة ورهبان في أمن وسلام، لا يتعرض لهم حكام المسلمين بسوء وكان المستعربون بشكل خاص قد تحسنت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية إلى حد كبير، بل إن عدداً كبيراً منهم استطاع أن ينال مراتب عالية في الإدارة والجيش. وامتهن الباقون التجارة في المدن والثغور، كما عملوا في مزارعهم الخاصة أو في ضياع المسلمين دون إكراه أو استغلال. ولكن هذه الحالة الفريدة من التسامح، التي رضي ورحب بها غالبية المستعربين، لم تلقَ التأييد من جانب القسس المتعصبين في الكنائس والأديرة، الذين ظلوا قابعين في أماكنهم بعيدين عن التطور الذي حل بجماعتهم. ذلك التطور والاندماج الذي أدى إلى تكلم المستعربين بلغة الفاتحين العرب، وتفننهم في استخدام الفصحى وقول الشعر، وقراءة أمهات كتب الأدب. بل إن الكثير من المستعربين اقتبسوا عادات الفاتحين وتقاليدهم الاجتماعية التي كانت، كما يرى رجال الدين المتعصبون لا تتلاءم مع العقيدة المسيحية، مثل الختان، واتخاذ الجواري، والمصاهرة مع المسلمين. والحقيقة أن إطلاق اسم المستعربين Mozarabes على هؤلاء، يدل دلالة قاطعة على مدى الميول والاتجاهات نحو الثقافة العربية، التي كانت تتغلغل في نفوس هذه الطبقة من المجتمع الأندلسي. فأهملوا دراسة اللغة اللاتينية، التي هي لغة الدين المسيحي، وانصرفوا عن قراءة المصنفات الدينية المكتوبة بها، فأدى هذا بالتدريج إلى ذوبان الحضارة المسيحية اللاتينية. ولقد بلغت اللغة اللاتينية في بعض أجزاء إسبانيا درجة كبيرة من الانحطاط، حتى بات من الضرورة أن تترجم قوانين الكنيسة الاسبانية القديمة والإنجيل إلى اللغة العربية ليسهل استعمالها على المسيحيين.

стр. 115

أفزعت هذه الحالة غلاة المتعصبين من رجال الدين، وبدا لهم مستقبل الكنيسة مخيفاً، لإعراض أبنائهم عن الثقافة المسيحية والاتجاه نحو الاستعراب. وعندما لم يفلحوا في وقف هذا التيار، حاولوا افتعال أزمة مع الحكم العربي المتسامح، وذلك بإظهار الاستخفاف بالإسلام، وسب نبيه محمد ﵊، والتقول عليه بالباطل إلى حد الشطط، استفزازاً لمشاعر المسلمين وانتهاكاً لحرمة ديانتهم جهراً وبغير سبب. وكانوا بهذا يرمون إلى خلق جو من التوتر والشعور بالاضطهاد، لأن الشرع الإسلامي يعاقب على هذه الجريمة بالموت. ومن ثم يبدو للمسيحيين بأن المسلمين يقتلون إخوانهم ويضطهدونهم، وهكذا يمكن استعادة من أسلم من هؤلاء، أو حملهم على عدم التعاطف والتعاون مع المسلمين. ولقد تزعم هذه الفتنة المتطرفة وحرض عليها بعض الغلاة من أمثال أيلوخيو Eulogio، والفارو Alvaro، وذلك في أواخر عهد الأمير عبد الرحمن الثاني. فكانا يدعوان النصارى إلى سب الرسول ﷺ والطعن في الإسلام علناً، واقتحام المساجد والاعتداء على المسلمين والتقليل من شأن دينهم. وعلى الرغم من أن عدد هؤلاء المتعصبين الانتحاريين لم يكن يزيد في مجموعه عن أربعين شخصاً، لكن حكومة قرطبة خشيت سوء عاقبة هذه الحوادث، وأثرها على شعور عامة المسلمين. فلم تجد مناصاً من تطبيق الشرائع والقوانين بمعاقبة هؤلاء بالموت، لأن عدم معاقبتهم يؤدي إلى استخفاف الناس، وقلة اكتراثهم بسلطة الدولة ودينها الرسمي، وذيوع حركة التمرد بين عدد كبير من المتطرفين. ومع هذا، فلم يشأ الأمير عبد الرحمن أن يلجأ إلى وسائل متطرفة للقضاء على الحركة، ولم ينتقم من جميع المستعربين، بل اكتفى بالأحكام القضائية التي كان يصدرها القضاة على من يثبت عليه القيام متعمداً بسبب الإسلام والنيل من نبيه الكريم. وظلت هذه الموجة من الغلو مستمرة في قرطبة، حتى ضج منها المسيحيون المعتدلون وأظهروا استياءهم من " الاستشهاد " الذي كان يطلبه المتطرفون. والذي هو في حقيقة الحال نوع من الانتحار الذي حرمه الدين المسيحي. وقد عقد في عام ٢٣٧ هـ/٨٥٢ م مجمع ديني في قرطبة يضم كل أساقفة الأندلس برئاسة مطران إشبيلية، ومثل الأمير عبد الرحمن فيه أحد المستعربين المسيحيين، وهو غومز بن أنطونيان، الذي كان كاتباً عند الأمير. فعرض غومز حالة المنتحرين على المجمع ونتائجها السلبية على كل المستعربين في البلاد. وقد وافق جميع أعضاء المجمع -باستثناء أسقف قرطبة الذي لزم جانب المتطرفين- على إصدار قرار استنكروا فيه حركة المسيحيين المتطرفين، وعدوها حركة مخالفة لتعاليم الكنيسة. ولكن هذه الفتنة الدينية،

стр. 116

التي جاءت نتيجة الاستعراب، استمرت بقية عهد الأمير عبد الرحمن الثاني، ولم تنته إلا في بداية حكم ابنه الأمير محمد، حيث أعدم أيلوخيو المحرض عليها في عام ٢٤٥هـ/٨٥٩ م (٣٧). سادساً - الفتن والاضطرابات في فترة ضعف الإمارة الأموية: ابتدأت بوفاة عبد الرحمن الثاني أو الأوسط عام ٢٣٨ هـ/٨٥٢ م فترة مضطربة، تمزقت فيها وحدة الأندلس السياسية، وقام المنشقون والمتمردون في كل مكان على حكومة الإمارة في قرطبة. ولم يكن الأمراء الذين تولوا في هذه الفترة، التي امتدت نحو اثنين وستين عاماً، يضاهون في كفاءتهم ومقدرتهم الأمراء الأوائل، وإن كان بعضهم يتمتع بمواهب جيدة في الإدارة والقيادة، ولكن ظروف العصر كانت غير عادية، وبالتالي تحتاج إلى رجال أفذاذ، وحكام غير اعتياديين. ومن هنا، فإنه من غير الصواب تحميل أمراء هذه الفترة الثلاثة، وهم كل من الأمير محمد بن عبد الرحمن، وابنيه المنذر بن محمد، وعبد الله بن محمد، مسؤولية الانهيار السياسي والاضطراب التي ميزت هذه الحقبة. فلقد كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس غير منسجمة، لأنها تتألف من شعوب وأجناس مختلفة تتنافر مصالحها مع بعضها البعض، ولا يجمعها سوى قوة السلطة المركزية في قرطبة. وهذه الفئات، كما أسلفنا، كانت تتألف من أهالي البلاد، بنوعيهم المسلمين الذين سموا بالمولدين، والمستعربين الذي ظلوا على ديانتهم المسيحية، وكذلك من الفاتحين العرب والبربر. ولم يكن الانسجام التام سائداً حتى بين الفاتحين أنفسهم، فالخلافات بين القبائل العربية كانت ما تزال تعمل عملها في الفرقة، وكذلك البربر الذين كان عددهم يفوق عدد العرب، ولهم طموح شديد، وتتنازعهم مشاعر السيطرة، والمشاركة في الحكم. لقد كانت قوة الأمراء الأوائل هي العامل الوحيد الذي جمع بين هذه الأجناس، وجعلها تعيش في وئام مع بعضها، ولكن ما إن غابت هذه القوة حتى بدأت العناصر المختلفة بالتحرك والوثوب على سلطة الإمارة. وساعدها على ذلك طبيعة البلاد

стр. 117

الجغرافية الجبلية، وسهولة إعلان العصيان والالتجاء إلى المناطق المنيعة. كما زاد من هذه الحالة أيضاً وقوّاها، العلاقة العدائية التي كانت سائدة بين الإمارة الأموية، والإمارات النصرانية الاسبانية في الشمال، التي كانت تساعد في إذكاء روح التنافر والخلاف بين هذه الأجناس، وتحضها على شق عصا الطاعة، خدمة لمصالحها التوسعية في الأندلس (٣٨). وقد أوضح لنا مؤرخ أندلسي، وهو ابن الخطيب، الأسباب التي أدت إلى كثرة الثوار والمتمردين في الأندلس، ودوافعهم للقيام على حكومة الإمارة في قرطبة، وهي تتلخص في ثلاثة أسباب، الأول: هو منعة البلاد وحصانة المعاقل وبأس أهلها بسبب تجاورهم مع النصارى في الشمال، والثاني: هو علو الهمم وشموخ الأنوف، وقلة الاحتمال للطاعة، لأن من دخل الأندلس من العرب والبربر كانوا أشرافاً يأنف بعضهم من الإذعان لبعض، والثالث: هو الاستناد عند الضيق والاضطرار إلى ملوك النصارى الذين كانوا يحرصون على ضرب المسلمين بعضهم ببعض (٣٩). لقد أطلق المؤرخون على هذا العصر، الذي تميز باضمحلال السلطة الأموية واقتصارها على قرطبة ونواحيها فقط، اسم عصر الانتكاسة، أو دويلات الطوائف الأولى، تمييزاً له عن عصر الطوائف الذي أعقب سقوط الخلافة الأموية في قرطبة عام ٤٢٢ هـ/١٠٣١ م. فظهرت في هذه الحقبة جماعات عديدة خرجت على السلطة واستقلت في النواحي التي كانت تستقر فيها، وسنذكر باختصار أهم هذه الجماعات: أ - الخارجون من العرب: ومن أهم هؤلاء بنو حجاج، الذين استقلوا بإشبيلية وقرمونة بزعامة إبراهيم بن حجاج بن عمير اللخمي. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، كما نافس أمير قرطبة وقلده فى عظمة بلاطه، ومظاهر الترف، واجتذاب الأدباء والشعراء، وتشجيع رجال العلم. وكان الكاتب أحمد بن عبد ربه، صاحب كتاب " العقد الفريد " من أشهر من تألق في بلاطه (٤٠). وبرز بعض الزعماء العرب الآخرون في جهات عديدة من البلاد مثل محمد بن أضحى الهمداني، وسعيد بن سليمان بن جودي في كورة البيرة، وبنو المهاجر التجيبيون

стр. 118

الذين انفردوا بحكم سرقسطة (٤١). ب - الخارجون من البربر: يعد بنو موسى بن ذي النون من أشهر الخارجين على الأمراء في فترة الضعف، ثاروا في شنت برية، وسيطروا على الثغر الأدنى، أي طليطلة وما جاورها. كما ثار خليل وسعيد، ابنا المهلب من بيوتات البربر الكبيرة في كورة البيرة. واستقل بنو الملاح بزعامة عمر بن مضم الهنزولي الملاحي بمدينة جيان (٤٢). ج - الخارجون من المولدين: يعد عمر بن حفصون من أشهر الثوار الخارجين على السلطة الأموية في قرطبة. وكان هذا من أسرة فقيرة اعتنقت الإسلام منذ عهد الحكم بن هشام، عاش في بداية حياته في إقليم رندة، ثم فر إلى المغرب بعد ارتكابه لجريمة قتل، لكنه عاد إلى الأندلس واستولى على حصن روماني منيع اسمه ببشتر Bobastro في المناطق الجبلية الجنوبية في إقليم رية. وقد التفت حوله جماعة من المولدين وذلك في سنة ٢٦٧ هـ/ ٨٨٠ م، حيث أخذ بمهاجمة الجهات المجاورة لمنطقته والتوسع في الإغارة حتى وصل إلى المناطق القريبة من قرطبة ذاتها. وقد عاصرت حركة هذا المتمرد الأمراء الثلاثة الذين حكموا في هذه الحقبة. ولم يستطع أي منهم القضاء على حركته. وفي أواخر أيامه تحول إلى المسيحية، ظناً منه أن هذا الإجراء سيكتب النجاح لتمرده. ولكن بواعث هذا التحول تبدو سياسية أكثر منها عقائدية، قصد منها تلقي الدعم من المستعربين، ومن ملوك الدويلات النصرانية الاسبانية لإسقاط دولة العرب في الأندلس. ولم تنته حركة عمر بن حفصون إلا في عهد أمير الأندلس العظيم عبد الرحمن الناصر لدين الله (٤٣). ومن المولدين الآخرين الذين كونوا دويلات مستقلة عن قرطبة، بنو قسي أو بنو موسى بن فرتون، الذين تمردوا في الثغر الأعلى في شمال شرق إسبانيا. وكذلك بنو مروان الجليقي، الذين استقلوا بولاية بطليوس في غرب إسبانيا وسعدون بن فتح السرنباقي الذي ثار بالقرب من مدينة قلنبرية Coimbra في البرتغال الحالية، وكان

стр. 119

صديقاً لعبد الرحمن بن مروان الجليقي (٤٤). ولقد استمرت هذه الجماعات في تمردها وانفصالها عن السلطة الأموية، طيلة فترة الفوضى التي أشرنا إليها. ولم يستطع الأمراء أن يقوموا بإجراءات فعالة لاستعادة وحدة البلاد، والقضاء على هذه الفتن على الرغم مما بذلوه من جهد وحملات وجهوها إلى مناطق المتمردين المختلفة. وظهر بوضوح أن الحكم العربي في الأندلس بات على وشك الانتهاء، لولا أن قيض الله لهذا البلد أميراً شاباً نهض بأعباء الحكم، وقضى على كل الفتن والاضطرابات، ونقل البلاد إلى عهد جديد ومرحلة زاهرة، هي مرحلة الخلافة الأموية، ذلكم هو عبد الرحمن بن محمد، حفيد الأمير عبد الله آخر أمراء عهد الإمارة الأموية. ب - إنجازات الأمراء على الصعيد الخارجي: تعرضت الأندلس أثناء فترة الإمارة إلى بعض الاعتداءات الخارجية التي حاول الأمراء الأمويون التصدي لها والوقوف بحزم أمام خطرها. ومن أهم هذه الاعتداءات، هجوم شارلمان ملك الكارولنجيين على الأندلس في عهد عبد الرحمن الأول، وغارات النورمان على الأندلس. ١ - هجوم شارلمان على الأندلس: يعد شارلمان، حفيد شارل مارتل، من أعظم شخصيات الأسرة الكارولنجية التي حكمت مملكة الفرنجة، فقد أصبحت هذه المملكة القوة الرئيسة للمسيحية في أوروبا، وكان يثيرها نمو القوة العربية الإسلامية في الأندلس. لذلك فقد كانت تحاول دائماً الاستفادة من الاضطرابات الداخلية التي تحدث في الأندلس، وتشجع روح التمرد والخلاف على الأمراء الأمويين. وحدث في عهد عبد الرحمن الأول أن تمرد بعض الزعماء العرب في منطقة سرقسطة يتزعمهم سليمان بن يقظان الكلبي الأعرابي والحسين ابن يحيى الأنصاري. ثم أخذ تمردهما بعداً خطيراً حين قررا الاستعانة بشارلمان ملك الكارولنجيين لتحقيق مآربهما وأطماعهما في الحكم. فقد استدعى سليمان شارلمان، الذي تسميه المصادر العربية باسم (قارلة)، إلى بلاد المسلمين، ووعده بتسليم مدينة

стр. 120

سرقسطة إن هو ساعده على قتال عبد الرحمن. فرحب شارلمان بهذا المشروع، خاصة بعد أن فرغ من قتال السكسون وأجبرهم على اعتناق المسيحية. وكانت دوافع شارلمان للهجوم على الأندلس سياسية بحتة، وإن كانت مبطنة بمظهر ديني هدفه حماية النصرانية، وتخليص جليقية من أيدي المسلمين (٤٥). وفي الحقيقة كان شارلمان يريد تأمين حدوده الجنوبية بالاستيلاء على بعض المدن والقواعد في إسبانيا، بل إنه كان يرمي إلى السيطرة على إسبانيا كلها لو تيسر له ذلك ويدل على هذه السياسة التوسعية، ضخامة الجيش الذي حشده شارلمان لهذه الحملة، وكذلك مهاجمته لبلاد البشكنس، الذين كان قسم منهم من النصارى. ولهذا فلم تكن النزعة الدينية بارزة في هذه الحملة (٤٦). ويرى بعض المؤرخين في مشروع شارلمان مؤامرة دولية واسعة النطاق، شارك فيها الخليفة العباسي محمد المهدي متحالفاً مع الكارولنجيين في سبيل القضاء على عبد الرحمن الأول واسترداد الأندلس (٤٧). ولكن هذا الرأي بحاجة إلى أدلة قوية، وهو عرضة للتشكيك، ولا يمكن الأخذ به بسهولة. فلم يكن المتآمرون يعملون إلا في سبيل مصالحهم الخاصة، فشارلمان تحدوه أطماع التوسع وضم البلاد، وبقية الزعماء الخونة الذين ارتضوا التعامل معه، لم يكن يدفعهم إلا شهوة الحكم والسيطرة، ولو كان ذلك خلاف مصالح الأمة والمبادئ. أما ما يقال عن اتصال أحد المتمردين، وهو عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلي، بالخليفة المهدي، فلا يقوم عليه دليل قوي في المصادر العربية (٤٨). وربما كان هذا قد عمل تحت ستار الخلافة العباسية ليحمل الناس على الالتفاف حوله. ولا يمكن أن يكون للعباسيين أية علاقة بما حدث في الأندلس، لبعدهم عنها، ولأنهم كانوا مشغولين بمشاكلهم السياسية الخاصة بهم التي هي أوجب من الإنصراف إلى التفكير في الأندلس البعيدة (٤٩). قام شارلمان بالتوجه إلى إسبانيا في سنة ١٦٢ هـ/٧٧٨ م وذلك تنفيذاً للاتفاق الذي بينه وبين المتآمرين. فاتجه نحو جبال البرتات وعبرها، ثم هاجم بنبلونة عاصمة الباسك

стр. 121

واستولى عليها. واستمر في زحفه آملاً أن تفتح له سرقسطة أبوابها. ويبدو أن الحسين بن يحيى الأنصاري رفض الاستمرار في المؤامرة، فأغلق أبواب المدينة أمام شارلمان الذي شرع في حصارها تمهيداً للاستيلاء عليها بالقوة. ولكن الظروف ساعدت الأندلس، وبشكل خاص الأمير عبد الرحمن الأول، وذلك بفشل خطط شارلمان الذي تلقى أنباء تفيد بحدوث اضطرابات في بلاده، فاضطر إلى رفع الحصار عن سرقسطة، ورجع إلى بلاده بعد أن أخذ سليمان الأعرابي معه، ودمر في طريقه مدينة بنبلونة. وبينما كان شارلمان يعبر مع جنوده من ممر رنسفالة أو باب شزروا، كما يسميها العرب، في جبال البرتات، هاجمته قوة مؤلفة من البشكنس أو الباسك، وقضت على مؤخرة جيشه (٥٠). وفي مصادرنا العربية ما يشير إلى اشتراك العرب في هذا الهجوم الذي قاده اثنان من أبناء سليمان الأعرابي، وهما مطروح وعيشون، اللذان استنقذا أباهما من الإفرنج ورجعا به إلى سرقسطة (٥١). وتشير المصادر الأوروبية إلى أن هذا الهجوم قد أفنى مؤخرة جيش شارلمان وقتل عدة قواد من أشهرهم، رولان Roland. وكان مصرع هذا القائد موضوعاً لأنشودة ملحمية تشيد ببطولة هذا القائد وإخلاصه، وهي من شعر الملاحم الفرنسي وتعرف باسم أنشودة رولان (٥٢). وقد استطاع عبد الرحمن بعد فشل هجوم شارلمان أن يستعيد سرقسطة من المتمردين. أما شارلمان، فقد اضطر للتخلي عن سياسته العدوانية إزاء الأندلس، ولجأ إلى سياسة الدفاع وإقامة الحصون على الحدود، كما اضطر أيضاً إلى مهادنة الأمير عبد الرحمن، حتى يتفرغ لمشاكله الداخلية. ويذكر المقري أن اتصالات جرت بين العاهلين، لإحلال السلم بين دولة الفرنجة والأندلس، بل إن شارلمان طلب المصاهرة لتقوية العلائق بين البلدين، فتم السلم ولم تتم المصاهرة (٥٣). ولم يقم الأخير بأية مغامرة أخرى في إسبانيا، ونزع من خياله فكرة الاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكه.

стр. 122

٢ - غارات النورمان على الأندلس: كان النورمان أو (الفيكنج) Vikings من الأمم البحرية العريقة التي تسكن في البلاد الاسكندنافية، أي السويد، والنرويج، والدانمارك الحالية. وكلمة النورمان، تعني سكان الشمال، وهي تحريف لكلمة Norsemen الانكليزية أو Normandos الاسبانية (٥٤). وقد وردت تسمية هذه الأقوام في مصادرنا العربية بأشكال مختلفة، مثل المجوس، والأردمانيون. وكان من طبيعة هؤلاء النورمان حب المغامرة وجوب البحار بحثاً عن الأماكن الضعيفة في الشواطئ لمهاجمتها وسلبها. وقد شمل نشاطهم مناطق عديدة من الجزر البريطانية، وبلاد الإفرنج، إضافة إلى الشواطئ الأندلسية والمغربية. ويهمنا من هذه الجماعات تلك التي تنتمي إلى الدانمارك، والتي قامت بمهاجمة السواحل الأندلسية على فترات مختلفة، مدفوعة بدوافع اقتصادية بحتة، نظراً لما تتمتع به هذه السواحل من غنى ورخاء. تعرضت شواطئ الأندلس الغربية إلى هجمات النورمان لأول مرة في أواخر عام ٢٢٩ هـ/٨٤٤ م، وذلك في عهد إمارة الأمير عبد الرحمن الثاني. فقد هاجم أسطول نورماني قوامه عدد كبير من المراكب والقوارب مدينة أشبونة، ولبثوا في مياهها نحو ثلاثة عشر يوماً التحموا فيها مع المسلمين في عدة معارك. وقد قاوم حاكم المدينة وهب الله بن حزم هذا الهجوم، وكتب إلى عبد الرحمن الثاني ينبئه بالأمر، فكتب الأمير إلى عمال الثغور والسواحل بالاحتراس (٥٥). ولكن النورمان وجهوا ضربة أخرى إلى سواحل الأندلس الغربية، فدخلوا في أوائل عام ٢٣٠ هـ/٨٤٤ م مصب نهر الوادي الكبير بعد أن مروا بقادس وعاثوا فيها. ثم تابعوا سيرهم حتى أدركوا مدينة إشبيلية وسيطروا عليها لعدة أيام. مارسوا خلالها أبشع جرائم القتل والتخريب والنهب. كما أشعلوا النار في مسجد إشبيلية الجامع (٥٦). وقد فوجئ أهل الأندلس بهذا الخطر الجسيم، وبخاصة أن البحرية الأندلسية لم تكن قد وصلت إلى مرحلة قوية بعد، ولم تكن تمتلك سوى سفن قليلة تتركز في السواحل الشرقية، وبشكل خاص في المرية. ومع هذا، فقد أمر الأمير عبد الرحمن

стр. 123

الأوسط باتخاذ إجراءات سريعة. وتشكيل فرق برية لمطاردة الغزاة في منطقة إشبيلية، والحيلولة دون تقدمهم في البلاد. فأخذوا يضعون لهم الكمائن، ويبثون السرايا التي تمنع النورمان من الرجوع إلى مراكبهم، كما جاءت إلى المنطقة إمدادات من قرطبة ومن الثغر الأعلى مما أدى إلى انهزام النورمان وتكبدهم خسائر فادحة بالقرب من قرية طلياطة Tejada بين لبلة وإشبيلية (٥٧). وهكذا خرج النورمان من إشبيلية بعد أن عاثوا فيها ما يقارب اثنين وأربعين يوماً. وقد نبه هذا الأمر الخطير الأذهان إلى ضرورة الاهتمام بالبحرية الأندلسية، وإقامة المراكز الدفاعية على السواحل الغربية. فشرع الأمير عبد الرحمن الأوسط بالقيام بعدة إجراءات سريعة، منها بناء سور حول مدينة إشبيلية ليقيها من أي هجوم مباغت. كما أمر ببناء دار لصناعة السفن الحربية في ميناء المدينة، واستخدم رجالاً متمرسين في حماية السواحل البحرية، ووسع عليهم بالأموال والآلات، التي شملت استخدام النفط المشتعل لقذفه على سفن الأعداء (٥٨). لم يكتف الأمير عبد الرحمن الأوسط بهذه الإجراءات، بل حاول أيضاً القيام بعمل دبلوماسي ليبعد خطر النورمان عن بلاده، فجرت اتصالات بينه وبين ملك الدانمارك لإحلال السلم بين الطرفين. وقد انتدب الأمير عبد الرحمن أحد الرجال البارزين في بلاطه للقيام بسفارة إلى بلاد النورمان، وهو الشاعر يحيى بن حكم الغزال. وقد أسهب ابن دحية في وصف هذه السفارة وما تعرضت له من الأهوال في الطريق، وجهود الغزال والوفد الأندلسي في الاجتماع بالنورمان والاتصال بهم (٥٩). ويبدو أن ما توصل إليه هذا الوفد لم يكن إلا اتفاقاً مرحلياً، لأن النورمان عاودوا هجومهم على الأندلس في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وذلك في سنة ٢٤٥ هـ/٨٥٩ م وسنة ٢٤٧ هـ/٨٦١ م (٦٠). ولكن لم يستطع النورمان أن يحققوا في هذين الهجومين انتصاراً يذكر، بل على العكس

стр. 124

دُحِروا، وردوا على أعقابهم دون أن يتمكنوا من إلحاق أذى كبير بالمسلمين. ويعود السبب في ذلك إلى أن جهود الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت قد أينعت في عهد ولده الأمير محمد، فكان للاحتياطات الدفاعية التي اتخذها في تقوية الأسطول والمحارس والرباطات التي أقامها على طول الساحل الغربي للأندلس، أثر كبير في رد الغزاة والتقليل من شأن هجومهم (٦١).

стр. 125

الفَصْلُ الثَّالِث علاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال نشوء الإمارات الإسبانية: لقد مر بنا في أثناء الحديث عن فتح العرب لإسبانيا، كيف أنهم وصلوا إلى المناطق الشمالية والشمالية الغربية، وأوغلوا في الجبال الصخرية المفضية إلى سواحل كنتبرية المطلة على المحيط الأطلسي. لكنهم لم يفرضوا سلطانهم على هذه المناطق بشكل فعال، خاصة الركن الشمالي الغربي المسمى بإقليم أشتوريش في جليقية وذلك لوعورة هذه المنطقة، وقساوة مناخها. وقد استغلت بعض فلول القوط المنهزمة هذه الظروف، فلجأت إلى هذه الجبال واختفت فيها تنتظر الفرصة المواتية للتجمع والاستعداد لمقاومة الفتح العربي للأندلس. أما المسلمون فقد استهونوا أمر هذه الأماكن، وقلة عدد القوط الملتجئين إليها، فتركوهم وشأنهم، وانصرفوا إلى شؤونهم الداخلية، مما هيأ لهذه الأعداد القليلة الجو لتكوّن لنفسها كياناً قوياً يستطيع مع الأيام أن يناهض المسلمين في الأندلس، وينقلب من الدفاع إلى الهجوم، كما سنرى فيما بعد. وكان تجمع فلول الإسبان في جبهتين؛ الأولى في هضاب كانتبرية، أي في نافار وبسكونية في الشرق؛ والثانية في هضاب أشتوريش في الغرب. وقد تمركزت الجماعة الأولى تحت لواء زعيم يدعى الدوق بِطْرُة أو بتروس Pedro، الذي ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد الملكين القوطيين غيطشة ولذريق. ولكن الإمارة التي أنشاها هذا الزعيم كانت قليلة الخطر والأهمية، وذلك لوقوعها في الطرف الغربي من جبال ألبرت في سهول نافار وبسكونية، ولهذا فقد كانت عرضة لاقتحام القوات الإسلامية أثناء ذهابها إلى جنوب فرنسا وإيابها منها (١). أما إمارة جليقية

стр. 126

أو مملكة أشتوريش، فقد كانت أعظم خطراً من إمارة كانتبرية لأنها تقع في جبال وعرة بعيدة عن طريق غزوات الفاتحين. فقد اعتصم فيها مجموعة من فلول القوط والتجأوا إلى مغارة تدعى كوفادونكا Covadonga، التي تقع في سلسلة جبال كانتبرية المنيعة، فى أعلى قممها، التي يطلق عليها الإسبان اسم قمم أوروبا Picos de Europa، بينما يسميها المؤرخون المسلمون بالصخرة ويجعلونها في جليقية (٢). أما القائد الذي التفت حوله هذه الفلول، فيدعى بلايو Pelayo أو بلاجيوس Pelagius. وتعرفه الرواية العربية باسم بلاي، وهو شخصية يحيط بأصلها الغموض، لكنه على الأرجح ينتمي إلى أصل قوطي نبيل. وتقول بعض الروايات أنه كان ابناً للدوق فافيلا، دوق كنتبرية (٣)، وأنه كان الساعد الأيمن للملك لذريق. وقد وقع بلاي أسيراً بأيدي المسلمين، وسجن في قرطبة، لكنه تمكن من الفرار في زمن الحر بن عبد الرحمن الثقفي سنة ٩٨هـ/٧١٨ م، واتجه إلى منطقة أشتوريش في الشمال الغربي من البلاد (٤). وأخذ يتنقل في هذه المنطقة حتى استقر به المقام في قرية كانجا دي أُونيس Cangas، حيث التف حوله نفر من القوط الهاربين من المسلمين، ومن الآيبيريين والرومان المقيمين في هذه المنطقة. فأخذ يحرضهم على الوثوب بالعرب، ويعيب عليهم الاستسلام والتراجع (٥). وقد لوحق بلاي من قبل منوسة، القائد البربري المسلم في منطقة الاشتوريش، لكن بلاي تمكن من الإفلات منه والاختفاء في الجبال المنيعة، وبخاصة في منطقة الصخرة الآنف ذكرها. وقد استهون المسلمون أمر هذه الشرذمة الصغيرة، وانصرفوا إلى شؤونهم الداخلية، وانشغلوا بعوامل الفرقة والخلاف، وخاصة بعد تمرد البربر في الأندلس. فاستغل الإسبان هذه الفرصة، وشرعوا بالتحرك والإنحدار نحو الجنوب والاستيلاء على المناطق التي تركها البربر. وعندما تنبه المسلمون إلى هذا الأمر، الذي بدأ يشكل خطراً عظيماً على وجودهم في شبه الجزيرة، حاول بعض ولاتهم أن يتصدوا لهذه الإمارة، فأرسلوا إليها بعض الحملات التي لم تستطع القضاء عليها نظراً لوعورة المنطقة. وتشير بعض الروايات المسيحية إلى أن بلاي وجماعته، حققوا نصراً باهراً على المسلمين سنة

стр. 127

١٠٤هـ/٧٢٢ م حينما أرسل الوالي عنبسة بن سُحيم حملة لسحق العصاة بقيادة قائد عربي اسمه علقمة اللخمي (٦). لقد بالغت المصادر المسيحية في تصوير هذه الحادثة وشوهت تفاصيلها، فجعلتها شيئاً أشبه بالفتح المبين الذي تم بإرادة وتدبير القوة الإلهية (٧). وقد زاد مؤرخو الإسبان هذا النصر تقديراً وإجلالاً فجعلوه بداية لصراعهم من أجل إخراج المسلمين من الأندلس. ولكن على الرغم من هذا، فإن حولية لاتينية معاصرة، هي حولية عام ٧٥٤ م، لا تذكر شيئاً عن هذه المعركة. وهذا يعكس التأثير الحقيقي الذي تركته هذه الحادثة في الأندلس، حيث لا بد أنها عُدت مناوشة صغيرة، أو حادثة ثانوية بين مجموعتين من الأفراد. وهذه الحادثة وحدها لم تكن تعني شيئاً لو لم يعقبها من الأمور التي زادت في قيمتها وأهميتها، وبشكل خاص اختلاف المسلمين وانقسامهم على أنفسهم في الأندلس، مما مهّد السبيل لبلاي وأنصاره بالقوة والانتشار إلى المناطق التي كانت بيد العرب والمسلمين. وهناك خلاف بين المؤرخين القدامى والمحدثين بشأن التاريخ الصحيح لهذه المعركة، التي أصبحت تسمى بمعركة كوفادونجا، فمنهم من يجعلها في عهد عنبسة بن سحيم، ومنهم من يجعلها في عهد عقبة بن الحجاج السلولي، والأرجح أنها حدثت في عهد الأول، كما سبق وذكرنا ذلك أثناء الحديث عن النشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا (٨). وقد هاجم عقبة منطقة جليقية وحاول افتتاحها، لكنه لم يفلح في القضاء النهائي على بلاي وبعض أنصاره الذين اعتصموا بالصخرة الشهيرة Picos de Europa. وكان هؤلاء من القلة وصغر الشأن بحيث احتقرهم المسلمون وتركوهم وانصرفوا استخفافاً بهم (٩). وكان إغفال أمر هؤلاء المقاتلين من أعظم الأخطاء التي ارتكبها العرب في الأندلس. فقد قويت معنوية بلاي وجماعته بانسحاب المسلمين، فانضم إليه الكثير من الأنصار، الذين اختاروه ملكاً عليهم، فكان هذا إيذاناً بميلاد مملكة أشتوريش

стр. 128

المسيحية. وقد وجد بلاي الفرصة سانحة لتوطيد أمره وسلطانه في هذه المناطق الجبلية التي هجرها المسلمون منذ تمرد البربر. وأخذ يغير على المناطق الإسلامية المتاخمة، خاصة بعد أن انشغل المسلمون بالفتنة بين أبي الخطار والصميل بن حاتم الكلابي، فقوي مركزه، وثبتت أقدام المملكة الجديدة. استمر بلاي في حكم مملكة أشتوريش إلى وفاته في عام ١١٩هـ/٧٣٧ م، ثم ورثه ابنه فافيلا، الذي دام حكمه سنتين فقط، حيث قتله دب تعرض له في الصيد (١٠). وكان الدوق بتروس، دوق كنتبرية، قد توفي في ذلك الحين أيضاً، فورثه ابنه أذفونش (ألفونسو الأول) الملقب بالكاثوليكي. وقد توطدت أواصر التحالف بين إمارة كانتبرية ومملكة أشتوريش وذلك بتزوج ألفونسو من ابنة لبلاي تدعى أرمسندا Ermesinda (١١) . ثم اختار أهل جليقية ألفونسو ملكاً عليهم، فقام على أثر ذلك اتحاد بين الإمارتين، وقامت منهما حكومة واحدة هي مملكة ليون، أو مملكة جليقية، كما تسميها الرواية الإسلامية. ويعد ألفونسو الأول المؤسس الحقيقي لإسبانيا النصرانية، فقد وسعها، وقواها، وأزاح عنها خطر الدولة العربية الإسلامية في الأندلس إلى حين، فحكم في ظروف مؤاتية (١٢١ - ١٤٠ هـ/٧٣٩ - ٧٥٧ م)، لأن الخلافات الداخلية كانت قد شغلت المسلمين عنها لسنوات طويلة. فانتهز ألفونسو فرصة تمرد البربر، ونزوحهم من المناطق التي كانوا قد سيطروا عليها في أشتوريش وكنتبرية وجليقية، وكذلك هجرة الكثير من العرب الذين كانوا يستقرون في هذه النواحي، وهلاكهم نتيجة للفتنة التي وقعت بينهم وبين البربر. يضاف إلى ذلك فقد حل القحط بالأندلس سنة ١٣٣ هـ/٧٥٠ م واستمر لعدة سنوات، وكان تأثيره شديداً على المناطق الشمالية، فجلا كثير من المسلمين عن هذه الأنحاء مخلفين منطقة واسعة تفصل بين جليقية وأراضي المسلمين. فاجتاح الإسبان هذه المناطق، وقتلوا من بها من المسلمين، وأخرجوا البقية عن جليقية كلها، وعن استورقة وغيرها من المناطق حتى نهر دويرة Duero (١٢) . وهكذا خسر المسلمون مراكز هامة مثل ليون Leon، وسمورة Zamora، وشلمنقة Salamanca، وشقوبية Segovia، وأبلة Avila، وغيرها، وكلها أماكن بذلت الجيوش العربية الفاتحة الكثير من الجهد والعناء في فتحها،

стр. 129

وقد أصبحت حدود الأندلس الإسلامية، عند وفاة ألفونسو الأول في مستهل تأسيس الإمارة الأموية، تمتد من سواحل المحيط الأطلسي مارة بقلمرية وقورية وطلبيرة وطليطلة ووادي الحجارة وتطيلة ثم تنتهي عند بنبلونة. أما حدود الإمارة الإسبانية فكانت تضم أشتوريش، وسانت أندير Santander، وأجزاء من برغش Burgos، وليون وجليقية. أي أن إمارة جليقية سيطرت على نحو ربع شبه الجزيرة الآيبيرية. أما المناطق التي كانت تقع بين هذين الخطين المذكورين، فكانت مسرحاً للخلاف والمنازعات والحروب الدائمة بين العرب والإسبان (١٣). لقد عمل كل من ألفونسو الأول، وأخيه فرويلا، الذي عينه حاكماً على مقاطعة كانتبرية، على توسيع هذه المملكة الإسبانية، ومناهضة المسلمين في الجنوب. فكانا يغيران على الأراضي الإسلامية المجاورة، وخاصة في عهد يوسف الفهري الذي كان مشغولاً بالمشاكل والثورات الداخلية. فاستولى ألفونسو على مدينة لك Lugo الحصينة، كما عبر نهر دويرة أكثر من مرة، وعاث في أراضي الأندلس. واستمر الوضع على هذه الشاكلة حتى وفاة فرويلا سنة ١٤٦ هـ/٧٦٤ م، وأخيه ألفونسو في العام التالي أي ١٤٧ هـ/ ٧٦٥ م. وقد خلف ألفونسو ابنه فرويلا الأول، الذي سار على نفس المنوال في غزو أراضي الدولة العربية الإسلامية، مستغلاً انشغال عبد الرحمن الأول بالثورات الخطيرة التي جابهته في أوائل حكمه (١٤). وتوالى الملوك والأمراء على حكم مملكة جليقية بقسمها الشرقي والغربي، ونخص بالذكر منهم غرسية بن ألفونسو الثالث (٢٩٧ - ٣٠١ هـ/ ٩١٠ - ٩١٤ م) الذي نقل العاصمة من مدينة أوفيدو Oviedo إلى مدينة ليون، لتوسط موقعها بين جليقية وأشتوريش. ويدل هذا الإجراء على مدى القوة التي وصلت إليها هذه المملكة، حيث تركت المناطق الجبلية، ونزلت إلى السهول لمواجهة العرب. ومنذ هذا الوقت سُميت هذه المملكة الإسبانية باسم مملكة ليون، بعد أن كانت تسمى مملكة أشتوريش وجليقية. وقامت إلى جانب مملكة ليون إمارة أو مملكة اسبانية أخرى، هي مملكة نافار أو نبارّة، في منطقة الجنوب الغربي من جبال ألبرت Pyrenees في بلاد الباسك أو البشكنس الجبلية. وكانت هذه الإمارة في أول أمرها تخضع إلى سلطة بعض النبلاء

стр. 130

التابعين للفرنج أو لأمراء من كانتبرية وأشتوريش، الذين اتخذوا مدينة بنبلونة عاصمة لهم. ولم يستطع أمراء جليقية رغم الغزوات العديدة التي شنوها على هذه الإمارة، أن يضموها إلى مملكتهم وذلك لتفاني البشكنس في الدفاع عن استقلالهم. ومن زعماء هذه الإمارة غرسية أنيجز Garcia Iniguez، الذي يسميه ابن حزم (١٥)، بملك البشاكسة، والذي كان على صلة طيبة ببني قسي المولدين، سادة الثغر الأعلى، فقد ارتبط معهم برباط التحالف والمصاهرة، وحارب مع زعيمهم موسى بن موسى بن فرتون ضد أردونيو الأول، ملك جليقية، في معركة البلدة Albelda سنة ٢٤٨ هـ/٨٦٢ م (١٦). وخلف غرسية ابنه فرتون الذي قضى فترة طويلة أسيراً في قرطبة (١٧)، لكنه عزل عن الحكم بعد أن تغلب عليه شانجة غرسية الأول Sancho Garcia I (٢٩٣ - ٣١٤ هـ/٩٠٥ - ٩٢٦ م)، الذي كان أول من تلقب بلقب ملك من أمراء نافار، ويعد المؤسس الحقيقي لهذه المملكة (١٨). وبالإضافة إلى مملكتي ليون ونافار، قامت مملكة أخرى في شمال إسبانيا، وذلك في الأراضي التي كانت تقع بين مملكة ليون في الغرب، ومملكة نافار في الشرق. وكانت هذه المناطق تسمى (بردوليا) ثم سميت فيما بعد باسم قشتالة Castilla، لكثرة الحصون التي كانت تقوم بها. وأصل هذه الحصون والقلاع يعود إلى جهود مملكة ليون التي أقامتها وأحاطت نفسها بها للحماية من هجمات المسلمين. وقد عرفت هذه الحصون في المصادر العربية باسم القلاع، كما سميت أيضاً نسبة إلى ولاية ألبة Alava باسم ألبة والقلاع. وكان سكان هذه المناطق من البشكنس وأهل ألبة يحكمون من قبل أمراء تابعين لمملكة ليون، لكنهم كانوا يتمتعون بشيء من الاستقلال الذاتي ليتمكنوا من محاربة المسلمين (١٩). أما عاصمة المنطقة فكانت يومئذ في مدينة بُرْغُش Burgos. وقد حاول هؤلاء الأمراء المحليون جهدهم للمحافظة على هذا الاستقلال الذاتي، بل التحرر من سلطة مملكة ليون. وقد سنحت لهم هذه الفرصة، حينما اتحدت معظم القلاع في

стр. 131

القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بزعامة الكونت فرنان كونثالث Fernan Gonzalez، أو فرّان غُنصَالِس، كما يسميه ابن الخطيب (٢٠). وكان كونثالث زعيماً قوياً ضد خصومه ملوك ليون، فأعلن الحرب على راميرو الثاني ملك ليون. وعلى الرغم من هزيمته وأسره من قبل الملك، ظل أنصاره من سكان القلاع مخلصين لزعيمهم المأسور، واستمروا في الثورة، مما اضطر راميرو الثاني إلى إطلاق سراحه. فعمل كونثالث على توطيد مركزه وتوحيد كل قشتالة تحت لوائه. وقد استطاع أن يحقق هذه الغاية، ويجعل الملك وراثياً في أبنائه في إمارة قشتالة المستقلة عن مملكة ليون. ثم أخذت هذه الإمارة تتسع شيئاً فشيئاً على حساب أراضي المسلمين والمسيحيين على السواء، حتى سيطرت على كل إسبانيا، كما سنرى فيما بعد، وصارت لغتها القشتالية هي اللغة الإسبانية الرسمية في البلاد (٢١). لقد كانت العلاقات بين هذه الإمارات الإسبانية الثلاث، وغيرها من الإمارات الصغيرة الأخرى، مثل إمارة برشلونة التي كونت نواة لإمارة قطالونية Catalonia فيما بعد والتي دمجت في مملكة أراغون Aragon عام ٥٣٢ هـ/١١٣٧ م. تتذبذب بين السلم والحرب حسب مصالح واهتمامات حكامها ومطامعهم. فحينما تكون هناك منفعة مشتركة للجميع، يحصل التقارب بين هذه الإمارات لمواجهة المسلمين في الأندلس. ولكن تضارب المصالح، والنزاع على السلطة بين أفراد الأسر الحاكمة، أو ثورات النبلاء، ومحاولاتهم للاستقلال كانت تدفع بعض هؤلاء الأمراء الإسبان لطلب العون من الأمراء الأمويين في قرطبة. يضاف إلى ذلك، فإن سوء الأحوال الداخلية، كثيراً ما كانت تفرض على حكام الإمارات الإسبانية عقد السلم والمهادنة مع الدولة العربية الإسلامية. لكنهم إذا ما شعروا بالقوة، أو بانشغال المسلمين في مشكلة داخلية، لا يترددون في نقض عهودهم، وغزو الأراضي التابعة للأندلس (٢٢). ويمكن القول إجمالاً أن علاقات هذه الإمارات مع الدولة العربية الإسلامية، ومواطنيها كانت تشمل إلى جانب الحروب، وما يعقبها من مآسٍ ونكبات بالنسبة إلى الطرفين، أموراً أخرى تبرز في أوقات السلم والصفاء، كالمراسلات الدبلوماسية، وعلاقات المصاهرة، وانتقال التأثير الحضاري المشترك بين هذه الإمارات الإسبانية ومواطني الدولة العربية الإسلامية في الأندلس.

стр. 132

العلاقات بين الأندلس والإمارات الإسبانية: ١ - العلاقات الحربية: سادت العلاقات الحربية بصورة عامة بين الأندلس والإمارات الإسبانية في الشمال. وكانت الحملات العسكرية العربية تزداد كثافة باتجاه الشمال، كلما كانت الأحوال الداخلية مستقرة، والأوضاع هادئة في الأندلس، فيتفرغ الأمراء لمكافحة الخطر الخارجي المتمثل بالإمارات الإسبانية. وكذلك الحال بالنسبة لهذه الإمارات فكانت تشن الهجوم على أراضي الأندلس في الفترات التي تشعر فيها بقوتها، وضعف المسلمين. من ذلك مثلاً ما حدث في عهد فرويلا الأول الذي استغل انشغال الأمير عبد الرحمن الأول بالقضاء على تمرد العلاء بن مغيث، فأغار على أراضي الدولة العربية الإسلامية، وعبر نهر دويرة، وغزا لُك وشلمنقة، وشقوبية، وآبلة وسمورة وغيرها (٢٣). وكان لا بد لعبد الرحمن الأول أن يتخذ إجراءات كفيلة برد الخطر الإسباني، فجرد، برغم انشغاله بالفتن الداخلية، حملة تأديبية يقودها مولاه بدر إلى الشمال، وبشكل خاص إلى منطقتي ألبة والقلاع، وهي الأراضي الواقعة بين بلاد الباسك وجبال كانتبرية على ضفاف نهر الإبرة شرقي مملكة جليقية. وقد حققت هذه الحملة نجاحاً ملحوظاً، وأرغمت سكان هذه المناطق على دفع الجزية للدولة العربية الإسلامية (٢٤). والظاهر أن حملة بدر هذه كانت ذات أثر كبير على طبيعة العلاقات التي سادت فيما بعد بين عبد الرحمن الأول وإمارة جليقية. فلقد أوقفت النشاط التوسعي لهذه الإمارة على حساب الأندلس، يضاف إلى ذلك فقد خيم السلام على المنطقة في عهد الملوك الذين عاصروا عبد الرحمن، والذين كانوا بمثابة أتباع للحكم الأموي ويدفعون الجزية إلى قرطبة. وقد بلغ نفوذ العرب حداً كبيراً في التدخل بشؤون هذه الإمارة، حتى أنهم كانوا يتدخلون في الخلافات التي كانت تنشب بين الأمراء الإسبان للوصول إلى العرش، فيساعدون الموالين منهم على التغلب على مناوئيهم. ويدين أحد هؤلاء الأمراء، وهو مورقاط (مورجاتو Mauregato) ، للعرب بوصوله إلى الحكم. ومما يذكر أن هذا الحاكم الأخير كان من أصل عربي من جهة الأم، وقد بالغ في التقرب إلى المسلمين والتودد إليهم (٢٥).

стр. 133

ولكن العلاقات الحربية سرعان ما عادت إلى وضعها الأول بعد وفاة مورجاتو سنة ١٧٣ هـ/٧٨٩ م، وتولي بَرْمود أو برمودة Vermudo (٢٦) . الذي عزل بعد نحو سنتين، ثم حكم بدلاً منه ألفونسو الثاني الذي يسميه العرب ب إذْفونش (١٧٥ - ٢٢٧ هـ/٧٩١ - ٨٤٢ م). ففي هذه الحقبة التي تولى فيها الأندلس هشام بن عبد الرحمن، وابنه الحكم، وحفيده عبد الرحمن بن الحكم، اشتدت الاشتباكات والغزوات بين الجانبين. فقد سيرت الدولة حملات في كل صيف تقريباً في عهد هشام، وحققت انتصارات كبيرة على إمارة جليقية. وكان على رأس هذه الحملات المتجهة إلى الشمال قواد معروفون ساهموا في إقامة الدولة الأموية في الأندلس، منهم أبو عثمان عبيد الله بن عثمان، ويوسف بن بخت، الذي أنزل بالملك بَرْمُود هزيمة ساحقة، واضطره إلى الفرار بنفسه إلى معاقله بعد أن تكبد جيشه عدداً كبيراً من القتلى (٢٧). ومن القادة الآخرين: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، الذي قاد صائفة سنة ١٧٩هـ/٧٩٥ م حتى انتهى إلى مدينة استرقة داخل جليقية، بل إنه وصل مدينة أوفيدو، العاصمة القديمة للإمارة الإسبانية وهزم ألفونسو الثاني الذي كاد يقع أسيراً في يديه، لولا فراره إلى إحدى القلاع البعيدة في الشمال (٢٨). وقد استغل ألفونسو الثاني انشغال الحكم الأول ببعض الفتن الداخلية، وبخاصة تمرد ماردة، فهاجم أراضي الدولة العربية وتوغل فيها، حيث عبر نهر دويرة، وسار حتى قلمرية وأشبونة في البرتغال الحالية، وعاث في تلك المنطقة، وخربها. فرد الحكم بأن سار بنفسه سنة ١٩٤هـ/٨١٠ م وغزا بلاد الأعداء واستعاد المدن المغتصبة. ثم باشر في إرسال الحملات إلى الشمال، ومنها حملة عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة ٢٠٠ هـ/٨١٦ م إلى جليقية التي أنزلت ضربة قوية بسكان المنطقة في وادي آرون Arun (٢٩) . وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم، الذي تميز بهدوء نسبي للأحوال الداخلية في الأندلس، استمرت الحملات الصائفة إلى الشمال، وقلما كانت تمر سنة دون جهاد

стр. 134

للأعداء، بل إن عبد الرحمن الثاني شارك بنفسه في بعض هذه الحملات، وبخاصة سنة ٢٢٥ هـ/٨٤٠ م حيث غزا جليقية وفتح الكثير من حصونها. كما قام بنفسه أيضاً بقيادة حملة تأديبية لحاكم تطيلة، موسى بن موسى بن فرتون، الذي تحالف مع الباسك، فأخضع أتباعه في تطيلة وتقدم إلى بنبلونة عاصمة الباسك، التي التجأ إليها موسى، فأخضعها وفرض على أهلها وعلى موسى الصلح (٣٠). وهكذا استمرت الحملات إلى الشمال، واستمر النزاع بين القوتين المختلفتين في شبه الجزيرة، لكن الموقف الحربي تطور في أواخر عهد الإمارة الأموية، فبالإضافة إلى استمرار الحملات، قام كل من الجانبين بإعمار وتحصين خطوط دفاعه تجاه الجانب الآخر، فبدأت إمارة جليقية بإعمار استرقة، وليون، وإماية، وبرغش، وبقية المناطق جنوباً إلى نهر دويرة. أما العرب، فحصنوا روافد نهر تاجة الشمالية، وروافد نهر الابرة، كما بنى الأمير محمد بن عبد الرحمن مدينة مجريط ( Madrid مدريد الحالية)، وطلمنكة Talamanca، وأسكن بني تجيب مدينة قلعة أيوب وحصنها لهم، وبنى لهم حصن دروقة لمواجهة الخطر الإسباني في الشمال (٣١). وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الحربية في عصر الإمارة تميزت بطابع روحي خاص. فأهل الأندلس يعدون حملاتهم على الممالك الإسبانية جهاداً في سبيل الله، بينما كان إسبان الشمال يعززون من مقاومتهم للعرب بتأجيج الروح الصليبية. وكان لقبر القديس يعقوب، (سانتياجو) في مدينة شنت ياقب Santiago de Compostela تأثير كبير في إثارة الروح المعنوية عند الإسبان. ولم تكن الحملات التي يشنها هؤلاء في حقيقتها سوى حرب صليبية " يقود فيها سانتياجو جحافل الإسبان ضد أعدائهم على مر القرون " (٣٢). ٢ - العلاقات الدبلوماسية والمصاهرات: تخللت حقب الحروب الطويلة بين الأندلس والإمارات الإسبانية في الشمال

стр. 135

سنوات عديدة تميزت بعقد هدنات أعطت للجانبين فرصاً كثيرة للاتصال والتعرف والاقتباس. وكانت هناك اتصالات دبلوماسية بين الطرفين، وإن كانت هذه الاتصالات لا تبدو واضحة جداً في هذا العهد، لأن بعض الإمارات الإسبانية كانت ما تزال في طور النمو والتكوين. لكن العهد التالي، أي عهد الخلافة، تميز بنضج هذه العلاقات، وتبادل الوفود والسفارات بين الجانبين على نطاق واسع. ومع هذا، فهناك ما يشير إلى وجود علاقات من هذا القبيل في عهد الإمارة، وإن كانت قليلة جداً. ففي عهد عبد الرحمن الأول تم عقد أمان وسلام بين هذا العاهل الأندلسي وبين جيرانه حكام قشتالة، وهذا هو نص كتاب الأمان: " بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أمان الملك العظيم عبد الرحمن للبطارقة والرهبان والأعيان والنصارى والأندلسيين أهل قشتالة، ومن تبعهم من سائر البلدان. كتاب أمان وسلام، وشهد على نفسه أن عهده لا يُنسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ألف درع وألف بيضة، ومثلها من الرماح، في كل عام إلى خمس سنين، كُتب بمدينة قرطبة ثلاث صفر عام اثنين وأربعين ومائة (حزيران ٧٥٩ م) (٣٣). وفي الحقيقة لا توجد لدينا تفصيلات عن هذه المعاهدة ولا الظروف التي عقدت فيها. ولكن يبدو من تاريخها أنها عقدت في أيام فرويلا الأول. ويرتاب بعض المؤرخين المحدثين في صحة الأرقام التي وردت فيها لضخامتها بالنسبة لموارد الإمارة الإسبانية في ذلك الوقت المبكر. كما يشكّون أيضاً في الوثيقة ذاتها، وإن كان لا يوجد لديهم حجة حاسمة لترجيح إنكارها (٣٤). بل على العكس، فقد كان عبد الرحمن الأول قوياً في تلك الحقبة، مما جعل فرويلا الأول عاجزاً عن مواجهته والتصدي له، لذلك يحتمل أنه لجأ إلى الموافقة على عقد مثل هذه المعاهدة. ولقد رأينا فيما سلف أن العلاقة بين إمارة جليقية، والدولة الأموية في عهد عبد الرحمن الأول، تميزت بالهدوء والسلام بعد حملة بدر إلى الشمال، وأن أمراء الإسبان الذين تولوا الحكم خلال الفترة

стр. 136

الباقية من حكمه، تميزوا بسياستهم التَقَرُّبية والموالية لحكومة قرطبة. ولا توجد علاقات ودية ذات أهمية في عهد بقية الأمراء الأمويين، باستثناء عبد الرحمن الثاني أو الأوسط، الذي وصلت الدولة العربية في الأندلس في عهده إلى مكانة سامية، وأصبحت مركزاً للنشاط الدبلوماسي والسفارات في المغرب الإسلامي. وقد وصلت هذه العلاقات الدبلوماسية أوجها مع الإمبراطورية البيزنطية (٣٥). أما بالنسبة للعلاقات مع الإسبان، فلم تكن بتلك القوة، وكانت بعض معاهدات الصلح تُفرض بعد الانتصارات التي يحققها أهل الأندلس على جليقية وبقية المناطق الأخرى، من ذلك مثلاً الصلح الذي فرضه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث على الجلالقة، بعد أن غزاهم سنة ٢٠٨ هـ/٨٢٣ م بغزوته المعروفة بغزاة ألبة والقلاع (٣٦). والتي كانت رداً على هجومهم على مدينة سالم في الثغر الأعلى. وكان من بنود هذا الصلح إطلاق سراح جميع الأسرى من الأندلس، ودفع جزية كبيرة، وتسليم بعض زعماء المنطقة إلى الدولة ليكونوا رهائن، ضماناً لعدم اعتدائهم في المستقبل (٣٧). وقد حدثت بعض الاتفاقات بين إمارة نافار وعبد الرحمن الأوسط. وكانت هذه الإمارة قد بدأت بالتحرر من سيطرة الإفرنج، وتدخلهم في شؤونها، مما جعلها تتوجه إلى الأندلس لطلب العون والإسناد. ولهذا السبب فقد جاءت سفارة نافارية إلى بلاط عبد الرحمن الأوسط في قرطبة، وعقدت معاهدة بين الطرفين، تعهدت الدولة بموجبها بحماية نافار من أي اعتداء خارجي، مقابل مساعدة النافاريين لأهل الأندلس فيما إذا أرادوا عبور جبال ألبرت إلى فرنسا (٣٨). ولكن لم تكن هذه المعاهدات تحترم كثيراً من قبل أمراء الإسبان، بل كانت تُنقض في معظم الأحيان، خاصة إذا ما شعروا بقوتهم وضعف الدولة العربية الإسلامية في الأندلس. وبالنسبة للمصاهرات بين العرب في الأندلس والمسيحيين، فقد كانت شائعة سواء في داخل الأندلس ذاتها أم مع الإمارات الإسبانية في الشمال. وكان الحكام يشجعون هذه المصاهرات، بل إن بعضهم قد تزوج من نساء إسبانيات، مثل عبد العزيز بن موسى ابن نصير، الذي تزوج من أرملة لذريق آخر ملوك القوط. ومن حكام المسيحيين الذين

стр. 137

شجعوا هذا الاتجاه مورجاتو المتوفى سنة ١٧٣هـ/٧٨٩ م، الذي استقل في جليقية، وبالغ في التودد إلى المسلمين، وشجع بحماس زواج الفتيات المسيحيات من المسلمين. وكان هذا الحاكم، نفسه ابناً لألفونسو الأول من أم عربية، ولكن دعوته لم تلاقِ النجاح المطلوب بسبب بغض النصارى المتعصبين ورجال الدين له (٣٩). وقد قامت علاقات مصاهرة قوية بين بعض الأسر المتنفذة في منطقة الثغر الأعلى، مثل بني قسي المولدين، وبين حكام نافار في الشمال (٤٠). ويبدو أن مثل هذه الأسر المولدة قد أرادت تقوية نفوذها بالزواج، هذا فضلاً عن عامل الجوار والقرب الذي يربط بين الطرفين. وكانت علاقات المصاهرة هذه من القوة بحيث كان بنو قسي يقفون أحياناً مع أصهارهم النافاريين بوجه حكومة قرطبة، أو الحكام الإسبان الآخرين (٤١). ومن المصاهرات الطريفة التي حدثت في هذا العهد، زواج الأمير عبد الله بن محمد من إحدى الأميرات النافاريات، وهي ونقة Iniga ابنة فرتون بن غرسية Fortun Garces المعروف بالأنقر، الذي أسره الأمير محمد بن عبد الرحمن، وسجنه في قرطبة لمدة عشرين سنة (٤٢). وكانت ونقة هذه قد تزوجت قبل ذلك من أمير نافاري، هو أزنار بن شانجة Aznar Sanchez، وأنجبت منه إبنة، هي طوطة Toda، التي ستصبح ملكة نافار، وتعاصر عبد الرحمن الثالث، وتفد عليه في سفارة سنة ٣٤٧ هـ/٩٥٨ م ساعية إلى عقد معاهدة سلم وصداقة مع قرطبة (٤٣). أما ثمرة زواج الأميرة ونقة الثاني من الأمير عبد الله، فكانت ابناً؛ وهو الأمير محمد والد عبد الرحمن الثالث وبذلك تكون الملكة طوطة عمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، لأنها أخت محمد، والد الناصر، من أمه ونقة (٤٤). وتدل هذه المصاهرة على مدى العلاقات المتشابكة التي قامت بين سكان الأندلس وجيرانهم الإسبان في الشمال، مما كان له أثر بارز في احتكاك الشعبين واختلاطهم، وانتقال مظاهر الحضارة فيما بينهم.

стр. 138

٣ - العلاقات الحضارية: لقد كان تداخل المسلمين والمسيحيين مستمراً في إسبانيا في عصر الإمارة والعصور الإسلامية الأخرى اللاحقة، سواء كان ذلك داخل الأندلس ذاتها أم في خارجها مع الإمارات الشمالية. ولم يقتصر هذا التداخل والاحتكاك على فترات السلم فقط، بل شمل فترات الحروب أيضاً. فعندما يتصل شعبان أحدهما بالآخر، فإن الشعب ذا الحضارة الأرقى هو الذي يؤثر على الآخر. وهكذا كانت الحالة بالنسبة للعرب في إسبانيا، فلقد انتقلت حضارتهم إلى الإسبان في الأندلس وفي الإمارات الشمالية بطرق شتى؛ منها الزيارات المتبادلة التي كانت تتم بين الطرفين بقصد الاطلاع أو المتاجرة، ومنها بواسطة العبيد الذين كانوا يهربون من الشمال لضمان حرياتهم، وعندما يعودون إلى بلادهم كانوا يجلبون معهم كثيراً من العادات ومظاهر الحضارة، بل إن بعضهم كان يعود وهو يحمل أسماء عربية أيضاً (٤٥). وكان لوقوع المناطق العربية الإسلامية بيد الإمارات الإسبانية أثر كبير في الاتصال والاحتكاك بين الطرفين. فعندما كانت تقع إحدى هذه المناطق بأيدي الإسبان لم يكن ذلك يعني توقف وجود المسلمين فيها، بل على العكس كان الكثير منهم يبقون في هذه المناطق محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم، ويمارسون طقوسهم الدينية. ومن هؤلاء العديد من أصحاب الحرف والمثقفين، الذين لعبوا دوراً هاماً في نقل العلوم والفلسفة الإسلامية إلى الإسبان في الشمال، ومنها إلى أوروبا. وكان ملوك وأمراء هذه الإمارات الإسبانية يضطرون إلى الاحتفاظ بهؤلاء المسلمين بسبب أهميتهم الاقتصادية للبلاد. وهؤلاء المسلمون الذين استمروا في البقاء في أماكنهم بعد سيطرة الإسبان عليها عرفوا باسم المدجنين Mudejares. وكان موقفهم شبيه بموقف أهل الذمة تحت ظل الحكم العربي الإسلامي. وكانوا، كما أسلفنا، أحراراً في اتباع عقيدتهم الإسلامية، وممارسة حرفهم وتجارتهم، وعليهم مقابل ذلك دفع ضريبة الرأس أو الجزية. لقد كان وجود هؤلاء المدجنين ظاهرة تأريخية مهمة جداً في حياة إسبانيا، أدت إلى خلق بنية اقتصادية، وحضارة مادية وعلمية مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، بلغت أوجها في العهود التي أعقبت عهد الإمارة، وبشكل خاص في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد/السابع والثامن للهجرة (٤٦). ومن الجدير بالذكر أن المستعربين، وهم نصارى الإسبان، الذين

стр. 139

عاشوا مع العرب في الأندلس، ساهموا أيضاً في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى إسبانيا النصرانية، لأن هؤلاء المستعربين بحكم معرفتهم للغتين العربية والإسبانية القديمة كانوا ينتقلون بحرية من أراضي الأندلس إلى الإمارات الإسبانية. وهكذا انتقلت العلوم والفلسفة وكثير من مظاهر الحياة العامة الإسلامية إلى الشمال. وبالإضافة إلى انتقال هذه التأثيرات، فقد انتقلت أيضاً كثير من التنظيمات القانونية والحربية من الأندلس إلى الإمارات الإسبانية وهذا يوضح لماذا اضطر الإسبان إلى الإبقاء على التنظيمات القائمة في المناطق المسكونة بالمسلمين والتي أعادوا السيطرة عليها. بينما وضعوا أنظمة أخرى لتنظيم الحياة لرعاياهم في هذه المناطق (٤٧). ومن التأثيرات الأخرى التي تبودلت بين الطرفين، التأثيرات اللغوية، فلقد كانت المصطلحات العربية شائعة في كل من ليون وقشتالة ونافار، وبقية المناطق الأخرى في الشمال. كما دخل في اللغة الرومانسية Romance، وهي اللغة الإسبانية القديمة الناتجة من اللهجة اللاتينية - الآيبيرية، التي كانت في طور التكوين في ذلك الوقت، الكثير من الكلمات والمصطلحات العربية. وكان هناك الكثير من العرب الذي يفهمون هذه اللغة ويتكلمون بها، وبشكل خاص في مناطق الثغور والحدود. وتوجد في مصادرنا العربية إشارات واضحة تدل على أن الأمراء والقضاة وكبار القوم والشعراء كانوا يتكلمون هذه اللغة الإسبانية القديمة أو الرومانسية إلى جانب اللغة العربية، وذلك على كل مستويات المجتمع وحتى في قصور الأمراء الأندلسيين (٤٨). وفي الوقت نفسه كان هناك العديد من الإسبان الذين لهم إلمام ومعرفة باللغة العربية. ويبدو الأثر العميق الذي مارسته الثقافة العربية الأندلسية على السكان الإسبان في كل شبه الجزيرة الآيبيرية من ملاحظة الاستعارات اللغوية التي أخذتها اللغة الإسبانية من اللغة العربية. فلقد وجدت اللغة الإسبانية نفسها، كما يقول المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال (٤٩)، " مضطرة طيلة مرحلة نموها، وحتى القرن الحادي عشر الميلادي (السابع الهجري)، على الأقل، أن تأخذ من العربية كل ما ينقصها حتى ذلك الوقت للتعبير عن المفاهيم الجديدة وبخاصة في مضمار المؤسسات والحياة الخاصة ". وهناك أمثلة لا حصر لها تشمل مئات عديدة من الكلمات والمفردات ذات الأصل العربي في مجال

стр. 140

التنظيم المدني أو العسكري لدى إسبانيا في العصور الوسطى أو في العصر الحديث. يضاف إلى ذلك مصطلحات أخرى تشمل أسماء الأمكنة والأنهار والظواهر الجغرافية، وطرق وأساليب الري، وأسماء الفاكهة والأزهار والألوان والملابس (٥٠). وتعد هذه الاستعارات اللغوية أفضل من جميع الوثائق التاريخية لأنها تبرز الإشعاع الحضاري الحقيقي الذي سلطته الأندلس على إسبانيا المسيحية. وهي أكثر من جميع الأدلة إفصاحاً على سيادة العرب الثقافية، سيادة لا جدال فيها عمت شمال شبه الجزيرة الآيبيرية (٥١). ولم يقتصر أثر العرب الحضاري على الإمارات الإسبانية في الشمال على النواحي الثقافية واللغوية حسب، بل شمل مجالات أخرى، منها الفنون، وخاصة فن العمارة والبناء الذي نقله المدجنون، وظهر في إسبانيا منذ بداية القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري، وظل فيها بصورة نهائية تقريباً (٥٢). ويتميز هذا الفن، وبشكل خاص في الكنائس، بوجود القباب التي ترتفع فوق أقواس على شكل حدوة حصان. ومن جملة الأبنية الأخرى غير الدينية التي تأثرت بالفن العربي، الجسور والأقنية المائية المعلقة، ونواعير المياه وغيرها. كذلك يظهر تأثير المسلمين على إسبانيا في تطور الفنون الأخرى الصغرى، مثل صناعة العاج، والمصنوعات الذهبية والزجاجية والخزفية والتطريز. وظلت هذه الصناعات مستمرة في المدن التي استعادها الإسبان وإلى وقت لاحق بعد عصر الإمارة، بل حتى خروج العرب من الأندلس. وذلك لأن إشعاع الحضارة الأندلسية الذي بلغ أقصى اندفاعه في القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، لم يتلاشى بل امتد حتى سقوط الأندلس شاملاً جميع أجزاء شبه الجزيرة. ولم يقف ملوك وأمراء الإسبان ضد هذا التيار، بل شجعوه، وتبنوا هم أنفسهم شتى المبتكرات المستقاة من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية المجاورة. وإن قيام بعض ملوك الإسبان في وقت لاحق بضرب عملاتهم وهي تتضمن وجهين، عربياً وقشتالياً، وارتدائهم الملابس على الطريقة الإسلامية، ليدل على مدى العمق الذي تغلغلت فيه الحضارة العربية الإسلامية في نفوس الإسبان وعلى أعلى المستويات (٥٣).

стр. 141

البَابُ الثَّالِث " عصر الخلافة " الفصل الأول: - ولاية عبد الرحمن الناصر - القضاء على الفتن الداخلية - إعلان الخلافة الفصل الثاني: الأخطار الخارجية - الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية - الأندلس والدولة الفاطمية الفصل الثالث: المظاهر الحضارية ١ - العلاقات الدبلوماسية ٢ - الازدهار الاقتصادي ٣ - المنشآت المعمارية الفصل الرابع: - الأندلس بعد وفاة الناصر - سيطرة الحاجب المنصور بن أبي عامر - الأندلس في عصره الدكتور ناطق صالح مطلوب

стр. 142

الفَصْلُ الأَوَّل تولية عبد الرحمن الناصر - جهوده فى استعادة الوحدة الوطنية: بوفاة الأمير عبد الله سنة ٣٠٠ هـ/٩١٢ م تولى حفيده عبد الرحمن بن محمد (١) الإمارة دون أعمامه، أو أعمام أبيه الذين كانوا أحق منه بالإمارة، ولعل من جملة الأسباب التي قدمت الأمير عبد الرحمن على غيره من أمراء بني أمية سببين: الأول: شخصيته. والثاني: طبيعة الدولة الأموية في هذه الفترة. فقد نشأ الأمير عبد الرحمن يتيماً في كفالة جده الأمير عبد الله محاطاً بالرعاية والاهتمام الزائدين محبوّاً بعناية لا حدود لها حتى بزَّ أقرانه من الأمراء في العلوم والآداب وفنون الفروسية والسياسة التي تدرب عليها نظرياً وعملياً في بلاط جده الأمير الذي بدأ ومنذ وقت مبكر يكل إليه مهام الأمور، وينيبه في الجلوس عنه في الاحتفالات والأعياد (٢)، فكان مميزاً من بين أمراء بني أمية، محاطاً بأنظار الخاصة من كبار رجال الدولة عسكريين ومدنيين، معروفاً من العامة وطبقاتها المختلفة، وكان في نظر الجميع مؤهلاً أكثر من غيره ليتولى قيادة الدولة بعد جده الأمير عبد الله، ذلك أن الأمير عبد الرحمن كان من بين كل أمراء بني أمية نمطاً فريداً من الرجال توازن بناؤه الذاتي والفكري مع درجة تعقيد الفترة التاريخية التي عاصرها فهو لم يترك شخصيته تنمو تلقائياً وإنما كان ينميها مرتبطاً بدرجة التأزم والتحديات التي كانت تمر بها الدولة العربية في الأندلس، لذا قدر له أن يعيد أمجاد الدولة العربية ويضطلع بدور يشبه إلى حد كبير دور مؤسس الدولة عبد الرحمن الداخل. وفضلاً عن ذلك فإن بعض الروايات التاريخية تؤكد

стр. 143

أن جده قد ولاه ولاية عهد من بعده (٣). أما الدولة في الأندلس، فقد كانت في وضع عجزت معه عن ردع المغيرين على أطراف العاصمة قرطبة نفسها بعد أن تجاذبتها الأعاصير من كل صوب (٤)، وتفاقم أمر التحدي الداخلي للسلطة مما أعطى للتحديات الخارجية فرصاً سانحة وسهلة لتحقيق ما كانت تبغيه من التوسع على حساب سيادة الدولة العربية، وهذه الظروف العصيبة التي عاشتها الدولة العربية في الأندلس لم تكن بغية الطامعين في الحكم، فقد كانوا تواقين بالإجماع ودون اتفاق مسبق إلى مساندة كل شخصية يتوسمون فيها الخصال التي تعيد مكانة الدولة السابقة داخلياً وخارجياً، فكان عبد الرحمن أقرب الشخصيات إلى هذه المواصفات، فتمت بيعته في نفس اليوم الذي توفي فيه جده، وكان رأس المبايعين له أمراء بني أمية الذين عبروا عن رأيهم فيه من خلال كلمة قصيرة ألقاها أحمد بن عبد الله (عم الأمير) (٥) نيابة عنهم، وبدأها بقوله: " لقد اختارك الله على علم للخاص منا والعام، ولقد كنت أنتظر هذا من نعمة الله علينا ... " (٦). ثم بايعه كبار الموظفين في الدولة ووجوه القوم في قرطبة، وناب عنه بعض القواد والرؤساء لتلقي البيعة العامة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وأرسلت الرسل لأخذ البيعة من الكور وولاة الأقاليم وكانت البيعة ضرورية خلال هذه الفترة من عصر الإمارة - وإن كانت طبيعية وواجبة في الظروف الطبيعية لفرز أهل الطاعة عن أهل العصيان الذين أبوا مبايعة الأمير والانقياد إلى سلطته، وظلوا محتفظين بمدنهم وحصونهم حكاماً مستقلين لا يعيرون أدنى اهتمام للعهد الجديد. وأول عمل قام به الأمير بعد اعتلائه كرسي الإمارة إعلان سياسته من خلال منشور عام وجه بالدرجة الأولى إلى العناصر المناوئة والخارجة على السلطة ويقوم المنشور في الأساس على مبدئين: الأول: التأكيد على التسامح وإسقاط كافة الجرائم التي اقترفت بحق الدولة وإعادة كافة

стр. 144

الحقوق المشروعة في حالة إعلان الولاء للسلطة المركزية. الثاني: الوعيد والإنذار باجتثاث معاقل المتمردين والعابثين بأمن البلاد أو المتحالفين مع القوى الأجنبية ضد الدولة (٧). ولقد أيقن الأمير عبد الرحمن الثالث منذ البداية أنه ورث تركة ثقيلة وأن المهمات الملقاة على عاتقه صعبة نتيجة فقدان الأداة القادرة على التنفيذ والتحرك بمستوى الأحداث وجسامتها، لذا عمد إلى إصلاح الإدارة بما يتوازن ومتطلبات المرحلة، والاهتمام بالقوات العسكرية بما يحقق لها تفوقاً على أعدائه مجتمعين، وأضاف إلى إمكانياته المتاحة إمكانيات وقوى أخرى بعد كسب العديد من زعماء المتمردين والخارجين واستخدامهم في ضرب القوى التي ظلت على عنادها واستمرت في الإغارة على ممتلكات الدولة. وقبل الشروع في تفاصيل الحوادث التي تمخض عنها قيام الوحدة الوطنية في الأندلس نشير إلى أن انفراط الوحدة الوطنية في البلاد ينحصر باختصار في الأسباب الآتية: غياب القائد في مرحلة كانت تشكل فيها عوامل الخلل عنصراً ظل يفعل فعله حتى أتى على وحدة البلاد، فاستقل أصحاب الزعامات في مناطقهم ينافسون الأمير في ألقابه. وقد اشتركت في صنع وإدامة هذا الخلل معظم عناصر المجتمع في الأندلس من عرب وبربر ومولدين ومستعربين (٨)، ولم يتمكن الأمراء الثلاثة محمد بن عبد الرحمن الأوسط (٢٣٨ هـ - ٢٧٣ هـ) والمنذر بن محمد (٢٧٣ هـ - ٢٧٥ هـ) وعبد الله بن محمد (٢٧٥ هـ - ٣٠٠ هـ) من القضاء على التمردات وأعمال الشغب التي قامت ضد السلطة المركزية حتى آلت البلاد خلال هذه الفترة إلى عصر دويلات المدن، وأصبحت سلطة الأمير لا تتعدى في أكثر الأحيان العاصمة قرطبة. أما ما دون ذلك فبيد حكام المدن يقررون سياستهم حسب مصالحهم الذاتية. - وعورة بعض المناطق وحصانة قلاعها، وتمرس أهلها في الدفاع والاعتصام عند الحاجة. - الاستناد عند الحاجة إلى أمراء وملوك الممالك الشمالية الذين لم يتوانوا عن

стр. 145

مساعدة الخارجين على السلطة الشرعية بقصد الإخلال بأمنها وتشتيت قواتها وانشغالها بمشاكل داخلية. - عدم الاكتراث بسلطة الدولة المركزية، وقلة الاحتمال للطاعة، لكون معظم الزعماء المحليين ينحدرون من أنساب عريقة عربية كانت أو قوطية (٩). - سوء سيرة بعض الوزراء والقواد سبب آخر مضاف إلى قيام أعمال الشغب والتمرد ضد الدولة، خصوصاً إذا ما أصابت تلك السيرة أحد رجالات الأندلس من ذوي المكانة المرموقة لدى قومه (١٠). وبدأت العمليات العسكرية حسب خطة مرسومة محدودة الأهداف ومحسوبة النتائج، قاد أولها الوزير عباس بن عبد العزيز القرشي الذي استطاع تطهير قلعة رباح في ربيع الثاني سنة ٣٠٠ هـ (١١) وفي جمادى الأولى من السنة نفسها كانت قوة من قوات الأمير قد استردت مدينة استجة من أتباع ابن حفصون بعد أن هدت تحصينات المدينة التي كانت تقوم عليها أصلاً استراتيجية كل متغلب ومتمرد فيها (١٢). وكانت هاتان الحملتان وغيرهما إنذاراً فعلياً للمتمردين وإيذاناً بحملات عسكرية ستصيب كل الخارجين على السلطة، ومن ثم فهما تدخلان ضمن نطاق الاستطلاع العملي الذي من خلاله أمكن تحديد مناطق نفوذ المتمردين، وقياس قوتهم والوقوف على مراكز تجمعاتهم، لذا بدأ الأمير في شعبان من سنة ٣٠٠ هـ بقيادة القوات بنفسه محققاً بذلك هدفين: الأول: رفع معنويات الجند. الثاني: إثارة الفزع لدى قوات أعدائه. واختار منطقة وعرة في كورة جيان حوت المئات من الحصون والمعاقل العاصية على الدولة وبدأت العمليات العسكرية بالاستيلاء على حصن مارتش (١٣)، وحصن المنتلون بعد قتال شديد اضطر على أثره سعيد بن هذيل إلى الاستسلام في رمضان بعد يأس من جدوى المقاومة (١٤)، وتوجهت القوات بعد ذلك إلى حصن شمنتان وزعيم
следующие страницы →