← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

البَابُ الثَّالِث " عصر الخلافة " الفصل الأول: - ولاية عبد الرحمن الناصر - القضاء على الفتن الداخلية - إعلان الخلافة الفصل الثاني: الأخطار الخارجية - الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية - الأندلس والدولة الفاطمية الفصل الثالث: المظاهر الحضارية ١ - العلاقات الدبلوماسية ٢ - الازدهار الاقتصادي ٣ - المنشآت المعمارية الفصل الرابع: - الأندلس بعد وفاة الناصر - سيطرة الحاجب المنصور بن أبي عامر - الأندلس في عصره الدكتور ناطق صالح مطلوب

стр. 142

الفَصْلُ الأَوَّل تولية عبد الرحمن الناصر - جهوده فى استعادة الوحدة الوطنية: بوفاة الأمير عبد الله سنة ٣٠٠ هـ/٩١٢ م تولى حفيده عبد الرحمن بن محمد (١) الإمارة دون أعمامه، أو أعمام أبيه الذين كانوا أحق منه بالإمارة، ولعل من جملة الأسباب التي قدمت الأمير عبد الرحمن على غيره من أمراء بني أمية سببين: الأول: شخصيته. والثاني: طبيعة الدولة الأموية في هذه الفترة. فقد نشأ الأمير عبد الرحمن يتيماً في كفالة جده الأمير عبد الله محاطاً بالرعاية والاهتمام الزائدين محبوّاً بعناية لا حدود لها حتى بزَّ أقرانه من الأمراء في العلوم والآداب وفنون الفروسية والسياسة التي تدرب عليها نظرياً وعملياً في بلاط جده الأمير الذي بدأ ومنذ وقت مبكر يكل إليه مهام الأمور، وينيبه في الجلوس عنه في الاحتفالات والأعياد (٢)، فكان مميزاً من بين أمراء بني أمية، محاطاً بأنظار الخاصة من كبار رجال الدولة عسكريين ومدنيين، معروفاً من العامة وطبقاتها المختلفة، وكان في نظر الجميع مؤهلاً أكثر من غيره ليتولى قيادة الدولة بعد جده الأمير عبد الله، ذلك أن الأمير عبد الرحمن كان من بين كل أمراء بني أمية نمطاً فريداً من الرجال توازن بناؤه الذاتي والفكري مع درجة تعقيد الفترة التاريخية التي عاصرها فهو لم يترك شخصيته تنمو تلقائياً وإنما كان ينميها مرتبطاً بدرجة التأزم والتحديات التي كانت تمر بها الدولة العربية في الأندلس، لذا قدر له أن يعيد أمجاد الدولة العربية ويضطلع بدور يشبه إلى حد كبير دور مؤسس الدولة عبد الرحمن الداخل. وفضلاً عن ذلك فإن بعض الروايات التاريخية تؤكد

стр. 143

أن جده قد ولاه ولاية عهد من بعده (٣). أما الدولة في الأندلس، فقد كانت في وضع عجزت معه عن ردع المغيرين على أطراف العاصمة قرطبة نفسها بعد أن تجاذبتها الأعاصير من كل صوب (٤)، وتفاقم أمر التحدي الداخلي للسلطة مما أعطى للتحديات الخارجية فرصاً سانحة وسهلة لتحقيق ما كانت تبغيه من التوسع على حساب سيادة الدولة العربية، وهذه الظروف العصيبة التي عاشتها الدولة العربية في الأندلس لم تكن بغية الطامعين في الحكم، فقد كانوا تواقين بالإجماع ودون اتفاق مسبق إلى مساندة كل شخصية يتوسمون فيها الخصال التي تعيد مكانة الدولة السابقة داخلياً وخارجياً، فكان عبد الرحمن أقرب الشخصيات إلى هذه المواصفات، فتمت بيعته في نفس اليوم الذي توفي فيه جده، وكان رأس المبايعين له أمراء بني أمية الذين عبروا عن رأيهم فيه من خلال كلمة قصيرة ألقاها أحمد بن عبد الله (عم الأمير) (٥) نيابة عنهم، وبدأها بقوله: " لقد اختارك الله على علم للخاص منا والعام، ولقد كنت أنتظر هذا من نعمة الله علينا ... " (٦). ثم بايعه كبار الموظفين في الدولة ووجوه القوم في قرطبة، وناب عنه بعض القواد والرؤساء لتلقي البيعة العامة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وأرسلت الرسل لأخذ البيعة من الكور وولاة الأقاليم وكانت البيعة ضرورية خلال هذه الفترة من عصر الإمارة - وإن كانت طبيعية وواجبة في الظروف الطبيعية لفرز أهل الطاعة عن أهل العصيان الذين أبوا مبايعة الأمير والانقياد إلى سلطته، وظلوا محتفظين بمدنهم وحصونهم حكاماً مستقلين لا يعيرون أدنى اهتمام للعهد الجديد. وأول عمل قام به الأمير بعد اعتلائه كرسي الإمارة إعلان سياسته من خلال منشور عام وجه بالدرجة الأولى إلى العناصر المناوئة والخارجة على السلطة ويقوم المنشور في الأساس على مبدئين: الأول: التأكيد على التسامح وإسقاط كافة الجرائم التي اقترفت بحق الدولة وإعادة كافة

стр. 144

الحقوق المشروعة في حالة إعلان الولاء للسلطة المركزية. الثاني: الوعيد والإنذار باجتثاث معاقل المتمردين والعابثين بأمن البلاد أو المتحالفين مع القوى الأجنبية ضد الدولة (٧). ولقد أيقن الأمير عبد الرحمن الثالث منذ البداية أنه ورث تركة ثقيلة وأن المهمات الملقاة على عاتقه صعبة نتيجة فقدان الأداة القادرة على التنفيذ والتحرك بمستوى الأحداث وجسامتها، لذا عمد إلى إصلاح الإدارة بما يتوازن ومتطلبات المرحلة، والاهتمام بالقوات العسكرية بما يحقق لها تفوقاً على أعدائه مجتمعين، وأضاف إلى إمكانياته المتاحة إمكانيات وقوى أخرى بعد كسب العديد من زعماء المتمردين والخارجين واستخدامهم في ضرب القوى التي ظلت على عنادها واستمرت في الإغارة على ممتلكات الدولة. وقبل الشروع في تفاصيل الحوادث التي تمخض عنها قيام الوحدة الوطنية في الأندلس نشير إلى أن انفراط الوحدة الوطنية في البلاد ينحصر باختصار في الأسباب الآتية: غياب القائد في مرحلة كانت تشكل فيها عوامل الخلل عنصراً ظل يفعل فعله حتى أتى على وحدة البلاد، فاستقل أصحاب الزعامات في مناطقهم ينافسون الأمير في ألقابه. وقد اشتركت في صنع وإدامة هذا الخلل معظم عناصر المجتمع في الأندلس من عرب وبربر ومولدين ومستعربين (٨)، ولم يتمكن الأمراء الثلاثة محمد بن عبد الرحمن الأوسط (٢٣٨ هـ - ٢٧٣ هـ) والمنذر بن محمد (٢٧٣ هـ - ٢٧٥ هـ) وعبد الله بن محمد (٢٧٥ هـ - ٣٠٠ هـ) من القضاء على التمردات وأعمال الشغب التي قامت ضد السلطة المركزية حتى آلت البلاد خلال هذه الفترة إلى عصر دويلات المدن، وأصبحت سلطة الأمير لا تتعدى في أكثر الأحيان العاصمة قرطبة. أما ما دون ذلك فبيد حكام المدن يقررون سياستهم حسب مصالحهم الذاتية. - وعورة بعض المناطق وحصانة قلاعها، وتمرس أهلها في الدفاع والاعتصام عند الحاجة. - الاستناد عند الحاجة إلى أمراء وملوك الممالك الشمالية الذين لم يتوانوا عن

стр. 145

مساعدة الخارجين على السلطة الشرعية بقصد الإخلال بأمنها وتشتيت قواتها وانشغالها بمشاكل داخلية. - عدم الاكتراث بسلطة الدولة المركزية، وقلة الاحتمال للطاعة، لكون معظم الزعماء المحليين ينحدرون من أنساب عريقة عربية كانت أو قوطية (٩). - سوء سيرة بعض الوزراء والقواد سبب آخر مضاف إلى قيام أعمال الشغب والتمرد ضد الدولة، خصوصاً إذا ما أصابت تلك السيرة أحد رجالات الأندلس من ذوي المكانة المرموقة لدى قومه (١٠). وبدأت العمليات العسكرية حسب خطة مرسومة محدودة الأهداف ومحسوبة النتائج، قاد أولها الوزير عباس بن عبد العزيز القرشي الذي استطاع تطهير قلعة رباح في ربيع الثاني سنة ٣٠٠ هـ (١١) وفي جمادى الأولى من السنة نفسها كانت قوة من قوات الأمير قد استردت مدينة استجة من أتباع ابن حفصون بعد أن هدت تحصينات المدينة التي كانت تقوم عليها أصلاً استراتيجية كل متغلب ومتمرد فيها (١٢). وكانت هاتان الحملتان وغيرهما إنذاراً فعلياً للمتمردين وإيذاناً بحملات عسكرية ستصيب كل الخارجين على السلطة، ومن ثم فهما تدخلان ضمن نطاق الاستطلاع العملي الذي من خلاله أمكن تحديد مناطق نفوذ المتمردين، وقياس قوتهم والوقوف على مراكز تجمعاتهم، لذا بدأ الأمير في شعبان من سنة ٣٠٠ هـ بقيادة القوات بنفسه محققاً بذلك هدفين: الأول: رفع معنويات الجند. الثاني: إثارة الفزع لدى قوات أعدائه. واختار منطقة وعرة في كورة جيان حوت المئات من الحصون والمعاقل العاصية على الدولة وبدأت العمليات العسكرية بالاستيلاء على حصن مارتش (١٣)، وحصن المنتلون بعد قتال شديد اضطر على أثره سعيد بن هذيل إلى الاستسلام في رمضان بعد يأس من جدوى المقاومة (١٤)، وتوجهت القوات بعد ذلك إلى حصن شمنتان وزعيم

стр. 146

المتمردين فيه عبيد الله بن أحمد بن الشالية الذي خارت قواه بعد سقوط حصن المنتلون، فاستسلم دون مقاومة ونزل عن جميع معاقله وحصونه وكان عددها يقارب المائة (١٥) وفضلاً عن ذلك فقد تم تطهير العديد من الحصون التي كانت تدين بالولاء لعمر بن حفصون كحصن بكور وحصن قاشترة وحصن شنترة وحصن أقليق (١٦). وبعد أن تم تحرير كورة جيان، اتجهت القوات الرئيسة حيث تم تطهير كورة البيرة من فلول عصابات ابن حفصون، ولم يلق الأمير صعوبات في اقتحام الحصون وإن كان حصن شبيلش قد امتنع لفترة (١٧)، وكان عمر بن حفصون يمتنع فيه قبل أن يحس بعدم جدوى المقاومة فتسلل هارباً يريد قلعة أبيه ببشتر (١٨). وأعقب سقوط حصن شبيلش سقوط مجموعة من الحصون الأخرى كحصن اشتبين قرب ألبيرة، وحصون وادي آش وغيرها (١٩). وقد شعر ابن حفصون بهذا الجزر الذي أصاب نفوذه فأراد أن يحقق انتصاراً يعادل خسائره، فقرر احتلال غرناطة، ولكنه رد على أعقابه بعد أن اعترضته قوات الدولة في منطقة البيرة ومنعته من تحقيق هدفه (٢٠). وتعد هذه الحملة أولى الحملات التي قادها الأمير عبد الرحمن بنفسه وقد استغرقت ثلاثة أشهر من شهر شعبان إلى عيد الأضحى من سنة ٣٠٠ هـ وتعرف في المصادر العربية باسم (غزوة المنتلون) وكان من نتائجها: تحرير أكثر من سبعين حصناً من أهم الحصون سوى ما يلحق بهذه الحصون وما حرر بتحريرها من الأماكن والأبراج والقصبات والتي عدها ابن حيان بما يقارب الثلاثمائة (٢١). وإذا كانت هذه العمليات العسكرية قد حالفها النجاح في تطويع الأقاليم وتمشيط الحصون المتمردة فإن حصن ابن حفصون ببشتر ظل في منأى عن السقوط، رغم

стр. 147

الضربة التي أنزلت بزعيم المتمردين، باعتبار أن هذه الحصون كانت تدور في فلكه وتدين له بالطاعة والولاء (٢٢). بيد أن هذه الحملة لم تكن إلا بداية الصراع المرير مع هذه العناصر التي كانت تجعل من الظروف السياسية في البلاد باباً تنفذ منه تارة موالية وموادعة وتارة أخرى عاصية ومتمردة فقد اعتادت هذه العناصر على الرضوخ وقبول شروط الدولة حين تجد قوات الدولة قادرة على الردع بما يفوق قدراتها على الصمود، وكانت ترتد مع بداية كل اختلال سياسي يصيب الدولة العربية في الأندلس، لا بل كان التمرد يسود بعض المناطق حال انسحاب القوات الحكومية عن أحوازها. وهكذا فلم تمض أشهر قلائل على الحملة الأولى حتى بدأ المتمردون سيرتهم الأولى، يعدون عدة الثأر يشاركهم في ذلك زعماء الأقاليم والمدن من الذين وجدوا في مشاريع الأمير عبد الرحمن ما يهدد كيانهم ونفوذهم بالزوال. ففي إشبيلية قام بنو حجاج، وكانوا قد استقلوا بها بزعامة إبراهيم بن حجاج وبوفاته انتقلت الزعامة إلى ولده عبد الرحمن الذي أناب عنه أخاه محمداً في حكم قرمونة الموالية لهم، ولكن بوفاة عبد الرحمن سنة ٣٠١ هـ. نصب أهل إشبيلية أحمد بن مسلمة (من بني الحجاج أيضاً) حاكماً عليهم دون محمد بن إبراهيم الذي يعدّ هو أحق من أحمد بن مسلمة بحكم المدينة، فما كان من الأخير إلا الالتجاء إلى الأمير عبد الرحمن طالباً العون في استخلاص المدينة من قريبه المذكور، وهكذا كانت الظروف عاملاً في عودة مدينة إشبيلية في جمادى الأولى سنة ٣٠١ هـ إلى حظيرة الدولة بعد أن تم تجريد العناصر القوية فيها من سلطاتها (٢٣). وكانت السيطرة على هذه المدينة من أهم المؤشرات الإيجابية التي انعكست على نظام الأمير عبد الرحمن فأعطته دعامة وقوة في المسيرة التي استهدفت إعادة توحيد البلاد (٢٤). ولعل المدخل إلى تحقيق تلك الوحدة كان يتطلب القضاء على زعيم العصاة عمر بن حفصون الذي ما زال يسيطر على مناطق واسعة من البلاد تمتد ما بين " كورة رية والجزيرة الخضراء من جهة، والبيرة وأحواز قرطبة من جهة أخرى " (٢٥). وأيقن عبد الرحمن أن القضاء على هذا التمرد سوى يؤدي

стр. 148

إلى الفت في عضد كثير من المتمردين وزلزلة معنويات أنصارهم. فقد كان ابن حفصون بمثابة الروح التي تنفث في جسد العصاة الآخرين الذين كانوا يرتبطون به بشكل أو بآخر بقصد إضعاف السلطة المركزية والعبث في أراضي الدولة. لذا قاد الأمير قواته في شوال سنة ٣٠١ هـ مخترقاً أكثر الأقاليم حيوية واستراتيجية بالنسبة للمتمرد ابن حفصون ملقناً قواته أقسى الضربات، وكانت المعركة الحاسمة قد دارت قرب قلعة طرش حيث تمكنت قوات الدولة من تدمير القوة الرئيسة للعصاة وأجبرتهم على الارتداد ناحية الغرب، وبذا دخلت الجزيرة الخضراء وأحوازها تحت سيطرة الدولة المركزية، وتم تطهير كور شذونة ومورور وقرمونة من العصاة (٢٦)، واستمرت العمليات العسكرية وفي اتجاهات مختلفة تلاحق العصاة وفلولهم وتكيل لهم الضربات المتواصلة المركزة حتى أيقن زعماء التمرد أن الدولة عازمة لا محالة على توحيد البلاد، والقبض على مقاليد الأمور بما يجب أن يكون لها من الحرمة والاحترام، وهم عاجزون عن الرد والاحتفاظ بزعامتهم مع إدراكهم للملل الذي بات يطغى على أنصارهم الذين أيقنوا ببطلان دعوى زعماء التمرد (٢٧). إن الخلل الذي أصاب صفوف المتمردين قيادة وقواعد جاء نتيجة من نتائج سياسة الدولة في الضرب بشدة على الخارجين ومن والاهم، والعفو والتكريم لمن عاد إلى صف السلطة المركزية وعمل ضمن قواتها لتحقيق وحدة البلاد الوطنية. وكان ابن حفصون قد شعر قبل غيره بأبعاد هذه السياسة التي باتت تهدد مركزه بوصفه زعيماً للمتمردين على اختلاف أهدافهم فأعلن الاستسلام للدولة بعد ثلاثين سنة من التمرد والعصيان (٢٨). مقابل كتاب عهد له وللحصون التي كانت تحت سيطرته وتم ذلك في ٣٠٣ هـ " وانتهت الحصون التي دخلت في أمان عمر بن حفصون على ما وقع من تسميتها في كتاب العهد إلى مائة واثنين وستين حصناً " (٢٩). وقد ظل ابن حفصون ملتزماً ببنود هذا العهد حتى وفاته سنة ٣٠٥ هـ (٣٠).

стр. 149

أما أبناء ابن حفصون فقد كانوا يحكمون مدناً وحصوناً بتفويض من والدهم وبإقرار من الأمير عبد الرحمن لهم على تلك المناطق، فكان جعفر في قلعة ببشتر نيابة عن والده، وعبد الرحمن في حصن طرش، وسليمان في مدينة أبذة (٣١)، ثم حصن أشتبين (٣٢). ولم يطل العهد بجعفر فقتل سنة ٣٠٨ هـ. على يد جماعة من أنصاره الذين ولوا سليمان مكانه (٣٣). ولكن سليمان ما لبث أن غلبه الغرور فمارس دور أبيه في مقارعة السلطة المركزية معتمداً على حصانة مدينة ببشتر (٣٤). فقضي عليه سنة ٣١٤ هـ (٣٥) واستسلم أخوه حفص في سنة ٣١٥ هـ، بعد أن اجتاحت قوات الدولة القلعة وما يحيط بها من مواقع حصينة (٣٦)، بقيت ما يقارب خمسين سنة " مثل جدار حديدي تتكسر عليه محاولات السلطة العديدة " (٣٧). ولم يتمثل خطر هذا التمرد بطول مدته فقط بل بتهديداته المستمرة لسلطة الأمراء الأمويين في الأندلس، وبطموح عمر بن حفصون لنيل إمارة الأندلس، وبتعصب المولدين والمستعمرين له مما يجعل نجاحه ليس تغيراً في شخصية الأمير فقط " بل انقلاباً كاملاً وتغييراً في جنسية الحكم ودين الحاكمين، ولعل في طريقة معاملة الأمير عبد الرحمن الثالث للعصاة في حركة ابن حفصون مما يدل على شعوره بمدى هذا الخطر، فبينما كان مصير العصاة الآخرين بعد استنزالهم من حصونهم تسجيلهم في الملاحق وإعطائهم المناصب العالية، نرى سليمان بن عمر بن حفصون يمثل به بعد مقتله في المعركة ... وفي الإجراءات التي اتخذها عبد الرحمن أثر سقوط ببشتر ما يدل على نفس الشعور (٣٨). وعلى الرغم من انشغال الأمير عبد الرحمن باجتثاث شأفة أبناء عمر بن حفصون فإنه لم يغفل أمر الخارجين في أنحاء البلاد من الأندلس، فقد كانت قواته تقاتل في

стр. 150

اتجاهات مختلفة وتلقن المتمردين دروساً اعتبروا بها زمناً طويلاً، فقد تمكنت قوة من قواته دخول حصن طرش وحصون أخرى في كورة باغه وتطهيرها من العصاة سنة ٣٠٩هـ (٣٩). وتمكنت قوة أخرى من السيطرة على حصن منت روي في كورة البيرة في السنة التي تلتها (٤٠). وفي الثغر الأعلى كانت قواته تقاتل بني ذي النون وتدخل أقوى حصونهم شنت برية سنة ٣١٤ هـ (٤١). وكانت قوات شرق الأندلس تجوب حصون المخالفين في كورة تدمير وتستولي عليها الواحدة تلو الآخر، وتمكنت قوة أخرى من تطهير مدينة ماردة من أسباب الفساد والعصيان سنة ٣١٦ هـ (٤٢). وفي السنة التالية دخلت مدينة شاطبة ثم مدينة طليطلة بعد حصار طويل، ثم سقطت مدينة باجة سنة ٣١٧ هـ ومدينة بطليوس سنة ٣١٨ هـ بعد قتال شديد (٤٣). وهكذا استطاع عبد الرحمن الناصر من استعادة الوحدة الوطنية إلى الأندلس ومكن السلطة المركزية من السيادة على أقاليم البلاد بعد ما استطاع بكفاءة عالية من إدامة عوامل النصر لقواته في الوقت الذي استنزف طاقة تحمل أعدائه المتمردين. اتخاذ ألقاب الخلافة: رغم أن الدولة العربية في الأندلس قد استطاعت غير مرة منافسة الدول الكبرى في مجالي القوة والتقدم فإن أمراء هذه الدولة لم يفكروا في الإقدام على منافسة الدولة العباسية في ألقاب الخلافة " وقيل في تعليل ذلك أنهم كانوا يرون الخلافة تراثاً لأهل البيت، ويدركون قصورهم عن ذلك، بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة، والبعد عن دار الخلافة التي هي مركز العصبية، وأنهم بعبارة أخرى: كانوا يرون أن الخلافة تكون لمن يملك الحرمين " (٤٤). ولا خلاف فإن الإحجام عن اتخاذ ألقاب الخلافة يرجع في الأساس إلى بواعث السياسة الحكيمة التي تميز بها أمراء الأندلس متحوطين من إثارة الفتنة والخلافات الدينية والمذهبية في العالم الإسلامي (٤٥).

стр. 151

غير أن مستجدات القرن الرابع الهجري السياسية وما رافق ذلك من تغير في خارطة العالم الإسلامي فضلاً عن عوامل أخرى دفعت الأمير عبد الرحمن الثالث إلى اتخاذ ألقاب الخلافة، ويمكن ترتيب العوامل على النحو الآتي: - استعادة الوحدة الوطنية إلى البلاد بعد ستة عشر عاماً من النضال الصعب الذي انتهى بالقضاء على جميع المتمردين وعلى رأسهم بني حفصون (٤٦). ولقب الأمير لم يعد من الألقاب التي تستوعب طموحات عبد الرحمن الثالث، خصوصاً بعد أن زالت حرمة هذا اللقب وتلقب به معظم الخارجين على السلطة المركزية منافسة لأمير قرطبة الحاكم الفعلي والشرعي لعموم البلاد. - ضعف الخلافة العباسية وتحكم العناصر الأجنبية بمقدرات الخلافة بوصفها لقباً له حرمته، وبالخليفة بوصفه صاحب سلطة دينية وزمنية (٤٧)، عامل من العوامل التي أجازت للأمير الأموي اتخاذ لقب الخليفة. - ظهور دولة الفاطميين في المغرب العربي وسيطرتها على مناطق واسعة منه وإعلانها الخلافة (٤٨)، أسباب دفعت الأمير عبد الرحمن للرد على الفاطميين بالمثل بعد ثبوت أحقيته بألقابها من دولة منحلة (العباسية) وأخرى طارئة (الفاطمية) (٤٩) أو كما يقول ابن حيان: " وقطعه على استحقاقه لهذا الاسم الذي هو بالحقيقة له ولغيره بالاستعارة " (٥٠). - إن لقب خليفة يهيئ للعاصمة قرطبة دوراً أكثر مركزية يمكنها من القبض على أطراف الدولة قاطبة، ويمكنها من قمع أي تحرك انفصالي بالسرعة القصوى (٥١). - وقيل أن أهل الأندلس هم الذين منحوا أميرهم لقب (خليفة) تقديراً لجهوده في توحيد البلاد، وتثبيت أركانها لإعادة مجدها وبعد أن تيقنوا من ضعف خلافة بني العباس في المشرق وبطلان دعوى الفاطميين في المغرب. وللأسباب الآنفة الذكر أعلن الأمير عبد الرحمن الثالث الوثيقة الرسمية بوجوب

стр. 152

اتخاذه هذا اللقب اعتباراً من يوم الخميس ثاني ذي الحجة سنة ٣١٦هـ/٩٢٩ م (٥٢) ونصها: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فأنا أحق من استوفى حقه، وأجدر من استكمل خطه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا واستبشارهم بدولتنا والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه " (٥٣). وهكذا اتخذ الأمير عبد الرحمن سمة الخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وبدأت الدعوة لبني أمية بألقاب الخلافة في الأندلس والمغرب الأقصى (٥٤).

стр. 153

الفَصْلُ الثَّانِي الأخطار الخارجية الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية: أفادت الممالك الإسبانية الشمالية من حالة انفراط عرى الوحدة الوطنية في الأندلس، وتوغلت مسافات بعيدة في عمق الأراضي العربية وفي مناطق عديدة وعلى طول خط الحدود الذي يجمع بينها وبين الدولة العربية، وقد كانت مملكلة ليون (جليقية) حاملة لواء القضاء على السيادة العربية في الأندلس تجمعها ومملكة نبرة (بلاد البشكنس) عرى التحالف المستمر والهدف المشترك -وإن اختلفت المصالح والأطماع لكل منهما- واستغلال شتى الظروف للعبث بأمن الأندلس. وفي بداية عصر عبد الرحمن الناصر أغارت قوات اردونيو الثاني ملك ليون على مدينة يابره، وتمكنت قواته من دخول المدينة سنة ٣٠١ هـ بعد أن لاقت مقاومة عنيفة من قبل حاميتها التي فضل رجالها الاستشهاد دفاعاً عنها ولم ينج منهم إلا العشرات انسحبوا عنها إلى مدينة باجة بعد استشهاد عاملها مروان بن عبد الملك (١)، وترك الغزاة المدينة بعد اجتياحها ونهبها وتخريبها، قاصدين القضاء على تفكير العرب بالعودة مرة أخرى إلى إعمار وسكنى هذه المدينة، خاصة وأنهم كانوا عاجزين عن تزويد منطقة بعيدة كهذه بالطاقات البشرية التي تؤمن لهم استمرار السيطرة عليها والدفاع عنها. وعلى الرغم من استمرار خراب المدينة لمدة تزيد على السنة فإن الحياة ما لبثت أن عادت إليها وعمرها العرب بالطاقات البشرية، وأعادوا بناء ما خربه الغزاة (٢). وفي سنة ٣٠٣ هـ عاود اردونيو سياسته العدوانية فهاجم غرب الأندلس مستهدفاً

стр. 154

كورة ماردة، فعبر نهر التاجة، واستولى على حصن مادلين، ثم قصد قلعة الحنش الذي استبسل في الدفاع حتى أبيدت حاميته " إلا قليلاً ممن نجا به الركض عند اشتغال العدو باحتياز غنائمهم، ودخل العدو ... الحصن وقتلوا جميع من كان فيه وسبوا نساءهم وذراريهم وقتل ابن راشد رئيسهم في جملة من قتل، وهدم الحصن فألحق أعلاه بأسفله " (٣). ومن قلعة الحنش سار اردونيو بقواته نحو ماردة التي أعجزته حصانتها ومنعتها ففضل الارتداد عنها بعد أن وصله أهلها بمبلغ من المال (٤). وفي الوقت الذي كانت قوات اردونيو تعيث فساداً في أراضي الأندلس كان شانجو بن غرسية ملك نافار يهاجم مدينة تطيلة في الثغر الأعلى معرضاً المدينة وقراها إلى الخراب والدمار الذي يعد نهجاً طبيعياً اعتمده أمراء وملوك هذه الممالك (٥). ورداً على هذه الاعتداءات فقد قامت القوات الأندلسية بتجهيز حملة قادها أحمد بن محمد بن أبي عبدة سنة ٣٠٤ هـ توغلت في أراضي العدو، وتمكنت من تحقيق أهدافها المرسومة (٦)، وإن كانت هذه الحملة كما يبدو غارة محدودة المدى لم تسفر إلا عن تخريب بعض الحصون (٧)، واستكشاف المنطقة وتحديد أماكن وجود العدو ومكامن قواته، لذا عاد القائد أحمد بن أبي عبدة في السنة التالية على رأس فرقة من الجند هدفها احتلال حصن شنت اشتبين (قاشترمورش) أحد أهم الحصون التي أقامته دولة ليون على الجهة اليمنى من نهر دويرة (٨)، ودارت بين الطرفين حرب صعبة صبر لها الفريقان، وكاد النصر ينتهي للقوات العربية لولا تراجع بعض المتخاذلين وارتدادهم مما أضر إضراراً بالغاً بالصفوف التي انكشفت أمام الأعداء فضلاً عن استشهاد القائد ابن أبي عبدة نفسه فتراجعت معظم القوات منسحبة إلى الداخل، وقد شجعت هذه العملية اردونيو وحليفه شانجة على محاصرة مدينة ناجرة لعدة أيام عاثت قواتهما خلالها في أطرافها فساداً قبل الانتقال إلى مدينة تطيلة ونهب قراها، وعبر شانجة بقواته نهر ابرة فقاتل حصن بلتيرة ونهب ما أمكنه وأحرق المسجد الجامع فيه ثم ارتد منسحباً إلى قواعده (٩).

стр. 155

وقد خلقت هذه العمليات العسكرية قلقاً عميقاً لدى عبد الرحمن الناصر حمله في النهاية على إجراء تعديلات في خططه العسكرية بعد أن أصبحت تجاوزات قوات الممالك الشمالية على الدولة العربية أمراً لا يمكن الإغضاء عنه فقرر توجيه ضربة انتقامية لمملكة ليون تصيبها في الصميم (١٠)، وقام بقيادة قواته مخترقاً الثغر الأوسط ثم عبر نهر دويره ونازل في طريقه مدناً وحصوناً عديدة منها مدينة أوسمة وحصن شنت اشتبين ومدينة قلونية، وتمكن من إحراز عدة انتصارات على أعدائه ودحرهم في مكان يسمى (خونكير) غربي بنبلونة حيث أبيدت معظم القوات المتحالفة ولوحقت فلولها التي تجمعت في حصن مويش والذي تم تدميره تماماً بعد سحق الفلول المعتصمة فيه (١١). وذلك سنة ٣٠٨ هـ/٩٢٠ م. وكانت نتائج هذه الحملة بما حققته من مكاسب عسكرية وتغيرات جغرافية بعد استيلاء عبد الرحمن الناصر على بعض المواقع المهمة، كافية لكبح جماح قوات اردونيو، خاصة وأن الجبهة الداخلية لم تعد الشغل الشاغل للناصر بعد أن تمكن من فرض سلطته على أهم معاقل التمرد، وصار لديه من القدرة ما يساعده على إحباط مثل هذه العمليات وتلقينها ما تستحق من العقاب والردع (١٢)، وقد أثبتت الأيام صلابة نظام الناصر فعندما سولت نفس شانجة أمير نافار سنة ٣١١ هـ له مهاجمة حصن بقيرة والاستيلاء عليه واقتراف جريمة قتل الأسرى في عاصمته بنبلونة (١٣)، كان رد الناصر سريعاً وقاسياً فقد أمر في السنة التالية باجتياح بلاد نافار وطرق العاصمة نفسها فدمرها وأحرقها وعلى الرغم من محاولات قوات نافار العديدة لصد قوات الناصر إلا أن جميع المحاولات باءت بهزائم متلاحقة اعتبر بها شانجة لسنوات عديدة (١٤). وقد دخلت مملكة ليون في صراع شديد على السلطة بعد وفاة اردونيو الثاني سنة ٣١٣ هـ، واستمر هذا الصراع قرابة سبع سنوات، وكان من فوائده على الدولة العربية في الأندلس أن شلت الطاقات العدوانية لهذه الدولة وحليفتها نافار (١٥). وتفرغ الناصر لتصفية أطراف التمرد في الداخل والعمل على تثبيت أركان الدولة كما يجب لها أن

стр. 156

تكون عليه من الحرمة والاحترام، فتم القضاء نهائياً على تمرد أبناء عمر بن حفصون ودخلت قوات الناصر قلعة ببشتر الحصينة وعمل على ضرب الفلول الأخرى حتى اذعنت إذعاناً تاماً. لهذا كله كانت قوات الدولة العربية في الأندلس مستعدة للردع الوقائي الشديد لأي اعتداء يصيبها من قبل ملك ليون راميرو الثاني الذي تمكن من عرش ليون سنة ٣٢٠ هـ (١٦) وكان معروفاً بعدائه الشديد للدولة العربية وهجماته على مناطق عديدة من الأراضي العربية (١٧)، واستمرت المناوشات بين الطرفين سجالاً تراوحت بينهما عوامل النصر والهزيمة حتى سنة ٣٢٧ هـ (٩٣٩ م) عندما قرر الناصر خوض غمار المعركة الحاسمة وقاد جيشه بنفسه للقاء قوات تحالف الممالك الشمالية بقيادة راميرو الثاني وفي عمق أراضيه. وواقعة سنة ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م أو كما تسمى بواقعة الخندق قد وقعت قرب شنت مانكس (سيمانقة)، وانتهت لصالح التحالف الشمالي بعد أن انسحبت القوات العربية إلى عمق أراضيها، وعلى الرغم من صمت المصادر العربية واختصار الأخرى (١٨) في الكلام على طبيعة الظروف التي أحاطت بقوات الناصر وأدت إلى هذه الهزيمة غير المتوقعة نرى العكس تماماً في بعض المصادر الإفرنجية التي بسطت الكلام والحديث المسهب عن انتصار قوات ليون وحلفائه والمبالغة في جسامة الخسائر التي فقدتها قوات الناصر في ميدان المعركة. وخير من تعرض لهذه الواقعة من المؤرخين العرب ابن حيان في " مقتبسه " حيث أتى عليها بشيء من التفصيل معتمداً رواية الرازي ونصها: " لما عزم الناصر لدين الله على غزو أعداء الله أهل جليقة ... تقدم في الاستعداد لها قبل أوانها، فجبى وبالغ في حشد أهل الأندلس، وتخطاهم إلى أهل ولايته من أهل الحضر منهم وقبائل البربر البادية، فبث كتبه إليهم يحضهم على الجهاد، ويستنفرهم له، ويرغبهم فيه، ويضرب لهم في التراقي إلى الأندلس في المسير معه موعداً واسعاً، لن يخلفه، ويشدد على عماله في الأندلس في ابتعاث من قبلهم، وتضييق المعاذير عليهم، والاحتفال في

стр. 157

إزعاجهم، وضمن كتبه النافذة إليهم فصلاً، تشاهده الناس يومئذٍ وبعده، نصه: (وليكن حشدك حشراً لا حشداً) فانبعث منهم خلق عظيم بين الكره والموافقة، حمل أهل قرطبة حضرته، من ذلك أثقله وأحفله، لينفي بذلك الطماعية من أهل الكور في أخذ عفوهم، فانتهى من الاحتفال الغاية واستكثر من الآلات السفرية والعدد الحربية والأسلحة الشاكة، واستظهر على الاستقلال بذلك كله، بوفور الكراع وقوة الظهر والإكثار من المال للنفقة، واستقل بغزوته هذه بثقل لم يستقل بمثله قبل ملك ولا أمير من سلفه ... وكان الناصر لدين الله قد أخرج قبل خروجه لهذه الغزوة الوزير القائد أحمد بن محمد بن إلياس بقطع من جيشه إلى ثغر الغرب احتياطاً على أهله كي لا تكون للعدو عليهم حيلة، عند إيغاله هو بالصائفة في أرضهم ... وتقدم الناصر بعده في عساكر الصائفة قاصداً سبيل جهاده، حتى وافى بحملته مدينة طليطلة يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان، فأقام بها ستة أيام ثم رحل عنها يوم الخميس إلى الحصن ولمش ويوم الجمعة بعده إلى قلعة خليفة ... ويوم الأحد إلى محلة فج حميد ... واقتحم الناصر لدين الله بعساكره أرض العدو، فجال فيها أياماً من محلة إلى أخرى (١٩). ويصف الرازي المعركة بقوله: " وكسر العسكر على باب شنت مانكش يوم الأربعاء (لعشرة بقيت من شوال) ثم صابحهم الحرب يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال، فجالت بين الفريقين بأشد ما يكون وأصعبه، ثم ناجزوا الحرب يوم الجمعة بعده، فصابروا المسلمين صبراً عظيماً إلى أن توجهت عليهم كرة، ثم كانت لهم كرة انحاز لها المسلمون، فانكشفوا انكشافاً قبيحاً، نيل فيه منال ممض، وألجأهم العدو في انحيازهم إلى خندق بعيد المهوى؛ إليه تنسب الوقعة، لم يجدوا عنه محيداً فتردى فيه خلق، وداس بعضهم بعضاً، لكثرة الخلق، وفيض الجموع ... وآل الناصر إلى كثف ما الجمع تخطتهم الركبة، فضم كشفهم، واحتل بهم بأعلى نهر بشورقة، وقد قصر العدو عن اتباعه، فاضطرب هنالك يومه ... ثم رحل قافلاً حتى خرج إلى مدينة الفرج المسماة وادي الحجارة ... ثم تقدم إلى قرطبة " (٢٠). وتنحصر أسباب الهزيمة على الرغم من الاستعدادات والقوات الضخمة إلى عاملين أساسيين:

стр. 158

الأول: فقدان الوحدة بين صفوف هذا الجيش الكبير الذي حشر حشراً مكرهاً غير مخير (٢١)، وتعيين نجدة بن حسين الصقلبي قائداً أعلى له عامل مضاف ولَّد نوعاً من التذمر أثر تأثيراً سلبياً على معنويات بعض فرقه وإلى هذا يشير ابن حيان بقوله: " وبدا من قوم من وجوه الجند في هذا اليوم النفاق لأضغان احتملوها على السلطان، ففتقوا الصفوف، وشارعوا في الهرب وجروا على المسلمين الهزيمة " (٢٢). والثاني: لم يكن ميدان المعركة في صالح القوات العربية، ولم يسمح لها بالمناورة الكافية عند الضرورة، لذا حسمت المعركة مع أول ارتداد أصاب بعض فرق هذه القوات، ولم يتمكن الناصر من معالجة الموقف بعد مقتل نجدة الصقلبي وإبعاد قواته المتراجعة بدون نظام إلى الخندق الذي أصبح مقبرة حقيقية لمعظم قواته المرتدة. وكان وقع هذه الهزيمة شديداً على الناصر، ومن هنا فقد حاول تسويغها بمنشور عام فصل فيه الظروف التي أحاطت بقواته والأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة أورد ابن حيان نصه في كتابه المقتبس (٢٣). أما الرواية الإفرنجية فقد أغرقت في تعظيم الانتصار ونتائجه وبالغت في عدد القتلى من جيش الأندلس (٢٤). ومهما يكن من أمر فإن هذه المعركة لم تكن إلا واحدة من المعارك التي قامت بها القوات العربية في عمق أراضي الممالك الشمالية ولم تكن نتائجها أكثر من كونها معركة خسرها العرب في هذه المناطق، أعقبها معارك أخرى عديدة سنتعرض لتفاصيل بعضها في الفصول القادمة. - الأندلس والدولة الفاطمية: اتسمت العلاقة بين الأندلس والفاطميين في المغرب بالعداء الشديد وقد حاول كل منهما التوسع على حساب الآخر بشتى الوسائل والطرق واعتمد الطرفان أساليب مختلفة للإخلال بأمن الطرف الآخر وإثارة المتاعب، وقد تراوحت تلك الأساليب بين الحرب

стр. 159

الباردة وإرسال الجواسيس لاقتناص المعلومات إلى استخدام القوة وتناطح أساطيل كلا الطرفين، وإذا كان لكل طرف من الأطراف وسائله وأهدافه فهو في نفس الوقت يمتلك الإجراءات الوقائية لتحركات الطرف المضاد. فمنذ استقرار الأمور لعبيد الله المهدي أول خلفاء الدولة الفاطمية، بدأ يتطلع بنظره إلى ناحية مصر والأندلس وباتت الأحلام تراوده لفصل المغرب الإسلامي بأجمعه وجعله تحت نفوذ دولته نكاية بالخلافة العباسية، وبدأت مشاريعه مبكرة ففي سنة ٣٠١ هـ أرسل حملة عسكرية إلى مصر وعلى الرغم من أن حملته هذه لم تحقق الغرض المقرر لها، إلا أن الدولة الفاطمية استفادت كثيراً لاستكشاف قوة مصر العسكرية، وقدرة السلطة الحاكمة فيها على تعبئة القوات. أما الأندلس فكانت هي الأخرى هدفاً للدولة الفاطمية ومع بداية الحرب الباردة بين الطرفين لم يعدم الفاطميون الرجال (٢٥) الذين دخلوا الأندلس لجمع المعلومات عن أحوالها وقدراتها العسكرية والاقتصادية، والوقوف على مواطن القوة والضعف في البلاد. وعلى الرغم من ضغوط الفاطميين الشديدة على الأندلس في عهد المهدي وخلفائه من بعده فلم يتمكن الفاطميون من تحقيق النجاح الكافي لدعوتهم أو ترويج تلفيقاتهم في الأوساط الأندلسية اللهم إلا عند بعض الأنصار الذين التحقوا بعد ذلك بخدمة الفاطميين لأكثر من سبب وعند بعض المتمردين والخارجين على السلطة الشرعية من الذين والوا الدولة الفاطمية طمعاً في المساعدات العسكرية، مع استعداد هذه الدولة التام لإمداد كل المتمردين ما دام ذلك الإمداد يشكل إدامة لتواصل الاضطراب في أمن الأندلس. وقد فشلت كل مخططات الدولة الفاطمية ضد الأندلس بفضل سياسة عبد الرحمن الناصر ويقظة أجهزته التي تمكنت من كشف جميع المؤامرات قبل تنفيذها، وليس هذا فحسب فقد بدأ الناصر حرباً دفاعية خطط لها بدقة ونفذت بأسلحة مختلفة وردود فعل سريعة أعيت الدولة الفاطمية وأفشلت خططها تجاه الأندلس، والطرق التي اعتمدها عبد الرحمن الناصر هي:

стр. 160

١ - إعلان الخلافة في الأندلس سنة ٣١٦ هـ تحدياً للدولة الفاطمية، وقد سبق الحديث عن ذلك. ٢ - العمل على كسب ولاء القبائل في العدوة المغربية وتحريضها للقيام على الدولة الفاطمية، فقد تمكن من كسب زعماء زناتة المشهورة في المغرب العربي وعلى رأس هؤلاء الزعماء زعيم قبيلة مغراوة الزناتية محمد بن خزر الذي كان يسيطر على المغرب الأوسط بأكمله عدا مدينة تاهرت (٢٦)، وكانت هذه القبائل في صراع دائم مع الفاطميين وحلفائهم من قبائل صنهاجة، وقد بايع محمد بن خزر الناصر سنة ٣١٧ هـ ودعا له دون الفاطميين (٢٧). وأعلن أيضاً موسى بن أبي العافية الزناتي سنة ٣١٧ هـ ولاءه للخلافة الأندلسية (٢٨)، وكان ابن أبي العافية مشهوراً بمقارعته لجيوش الفاطميين والقوات المتحالفة معهم، وقد خاض في سبيل ذلك سلسلة من الحروب استمرت سنوات طوالاً استنزفت من طاقات الدولة الفاطمية الكثير من العدد والعدة (٢٩). واعترف الأمراء الأدارسة المتآمرون في المغرب الأقصى بين سنتي ٣١٦ هـ و ٣١٨ هـ بخلافة الناصر لدين الله ونبذوا الدعوة الفاطمية وكان آخرهم الأمير الحسن بن عيسى الحسني الذي والى الناصر في سنة ٣١٨هـ (٣٠). وإن كان موقف الأدارسة يتراوح بين تأييد الفاطميين تارة والأندلس تارة أخرى والانقلاب على الخلافتين حين تتوفر لهم القوة والمنعة. وممن خاطب الناصر أيضاً واعترف بخلافته صقور بن سنان " وكان ابتداؤه لذلك في سنة ٣١٦ هـ، كتب يمت بالولاية ويخطب القبول وازدلف بهدية حسنة من خيل وإبل وأنعام وغزلان، حسن موقعها من الناصر لدين الله لغرابتها بأرضها ما ضعَّف له عنها المكافأة وأسجل له على عمله، وألحقه بأهل ولايته " (٣١). وإضافة إلى ذلك فقد حمى الخليفة الناصر اللاجئين السياسيين أفراداً وزعماء من

стр. 161

أمثال ابن الخراز المليلي الذي كان قاضياً بمدينة مليلة، وحكم بن محمد القيرواني القرشي الذي تعرض للسجن في عهد عبيد الله المهدي (٣٢)، ولجأ إليه بنو سعيد بن صالح أمراء نكور بعد أن دخلها مصالة بن حبوس وقتل صاحبها سعيداً في سنة ٣٠٥ هـ، وعمل الناصر على تمكين صالح بن سعيد من استعادة نكور واستخلاصها من عامل مصالة بن حبوس (٣٣). وساند جميع الثورات القائمة في المغرب ضد الدولة الفاطمية ومنها ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الزناتي التي استغرقت عهد الخليفة الفاطمي محمد القائم وسنوات من عهد ولده إسماعيل المنصور، وقد أمد الناصر هذه الثورة بكل أسباب التواصل من أموال وسلاح بحيث أصبحت تهدد كيان الدولة الفاطمية برمته في بلاد المغرب نتيجة الانتصارات التي حققها الثائر على القوات الفاطمية في معارك عديدة، ولم تستطع جيوش الفاطميين من إنهاء هذه الثورة إلا بعد أن استعانت بقبيلة صنهاجة وحينئذٍ تمكنت من قوات الثائر وقتله سنة ٣٣٦ هـ (٣٤). ٣ - العمل على بناء قوة بحرية مهاجمة: اهتم الأندلسيون بالقوة البحرية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما تعرضت بعض السواحل الأندلسية ومدنها إلى هجمات النورمان، ولم يكتفوا بقوات الأسطول الدفاعية بل بدأوا استجابة لمتطلبات أمن البلاد بصناعة السفن المختلفة الأحجام، فمع بداية عصر عبد الرحمن الناصر، وتزايد خطر الفاطميين بدأت الأندلس تعمل بشكل سريع لمنافسة القوى الأخرى في البحر المتوسط، وتحكم سيطرتها على مياهها الإقليمية لا سيما منطقة جبل طارق وعملت دوريات الأسطول الأندلسي على منع الإمدادات التي كانت الدولة الفاطمية تمول بها المتمردين في الأندلس ومنهم زعيمهم عمر بن حفصون وتمكنت ولمرات عديدة من إغراق السفن الفاطمية، أو أسرها داخل وخارج المياه الإقليمية للأندلس. ولم يكتف عبد الرحمن الناصر بهذه الاجراءات، بل عمد إلى مهاجمة أهم المدن المغربية المطلة على البحر المتوسط وضمها إلى سلطانه، ففي سنة ٣١٤هـ استولى الأسطول الأندلسي على مدينة مليلة وطنجة (٣٥)، وفي سنة ٣١٩هـ استولى

стр. 162

على مدينة سبتة (٣٦). وحاول في سنة ٣٢٠ هـ السيطرة على جزيرة ارشقول (٣٧) الحصينة لكن الحملة لم تحقق هدفها واضطر إلى تركها عائداً إلى قواعده في المرية (٣٨). وقد أصبحت المناطق التي سيطر عليها الأسطول الأندلسي قواعد للإنطلاق في العمق المغربي، في نفس الوقت عدت بمثابة حزام الأمان للسواحل الأندلسية المقابلة. ومنذ ذلك الحين بدأت القوات البحرية الأندلسية بتسديد الضربات للفاطميين ومهاجمة ممتلكاتهم في المغرب الأقصى، بل أخذت تهاجم سفنهم في عمق البحر وتقطع على الأخرى خطوط العودة، وعلى الرغم من أن الفاطميين ردوا بالمثل وهاجموا المرية قاعدة الأسطول الأندلسي سنة ٣٤٤هـ وأحرقوا جميع السفن الراسية فيها، ولكنهم لم يتمكنوا من تحجيم تحركاته، فعاود الأسطول الأندلسي الهجوم، وقصد هذه المرة سواحل سوسة ومرسى الخزر وعاث فيهما دون أن يتمكن الفاطميون من رده أو التقليل من خسائرهم.

стр. 163

الفَصْلُ الثَّالِث المظاهر الحضارية ١ - العلاقات الدبلوماسية: اجتمعت في شخصية الخليفة عبد الرحمن الناصر مواهب عدة، أهلته لأن يكون حاكماً ناجحاً، فهو سياسي مرن وقائد شجاع وإداري صلب، يضاف إلى ذلك ثقافة أدبية واسعة وذوق فني رفيع وشخصية كهذه، لا بد أن تترك بصماتها على دولة الأندلس بصورة عامة لا سيما قرطبة التي تألقت نصف قرن من الزمن مع هذا الخليفة الذي وصل بفضل جهوده الجبارة ومنجزاته العظيمة، إلى أن يجعل منها جوهرة العصر تزدحم بالسكان وتشمخ في سمائها العمائر والقصور، ويؤمها أصحاب العلم وطلابه من كل صوب، وبدأ الناصر بعد رحيل منافسه المعز إلى المشرق (١) وأفول شمس الإمبراطورية الكارولنجية، الشخصية الأكثر قوة في غربي البحر المتوسط وفوق ذلك كان باستطاعته أن يدعي الزعامة الدينية للعالم الإسلامي بعد تحجيم هذا الدور الذي استأثر به الخلفاء العباسيون زمناً قبل أن يطغى عليهم ضباط القصر من الترك والديلم، وهكذا فإن الخليفة الناصر تحول في السنوات العشر الأخيرة من عهده إلى رجل العالم الإسلامي القوي، " له من متانة نظامه في الداخل وسمعته السياسية في الخارج، ما يؤهله لأن يكون موضع إعجاب وتقدير الشخصيات المعاصرة التي سعت إلى صداقته وإقامة علاقات ودية معه " (٢). والدول التي سعت إلى مصادقته وحرصت على إرسال السفراء إلى قرطبة هي: ١ - الدولة البيزنطية: وكانت في مقدمة الدول الساعية إلى توطيد العلاقات مع الأندلس ولعل العداء

стр. 164

المشترك للدولة العباسية كان من بين الأسباب في توطيد تلك العلاقات، وقد عاصر الخليفة الناصر من أباطرة بيزنطة الإمبراطور قسطنطين السابع المشهور عنه اهتمامه بالعلوم والآداب وكتب الأقدمين. ويتحدث مؤرخونا عن سفارتين بيزنطيتين وصلتا الأندلس. الأولى: كانت سنة ٣٣٦ هـ (٣) حيث بالغ الناصر في تزيين بلاطه والاحتفال بالسفراء وفي ذلك يقول ابن خلدون: " وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور وجعل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والأخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في موقعهم ودخل الرسل فهالهم ما رأوا وقربوا حتى أدوا رسالتهم وأمر يومئذٍ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل ويعظموا أمر الإسلام والخلافة ... فاستعدوا لذلك ثم بهرهم هول المجلس فوجموا وشرعوا في القول فارتج عليهم (٤) ... فقام منذر بن سعيد البلوطي من غير استعداد ولا رويّة، ولا تقدم له أحد في ذلك بشيء فخطب ... وأنشد شعراً طويلاً ارتجله في ذلك الغرض ... " (٥). ورافقت هذه السفارة في طريق العودة بعثة من قبل الدولة العربية في الأندلس كان على رأسها هشام بن هذيل يحمل جواباً من خليفته الناصر ويؤكد على توثيق العلاقات بين البلدين وقد استغرقت سفارة ابن هذيل قرابة السنتين (أي إلى سنة ٣٣٨ هـ) عاد بعدها إلى الأندلس (٦). وقيل: إنه عاد صحبة سفارة ثانية للإمبراطورية البيزنطية (٧) استقبلت بمثل ما استقبلت به السفارة الأولى، ويذكر ابن عذاري أن السفراء الوافدين حملوا كتاباً من إمبراطور دولتهم في رق سمائي اللون مكتوب بالذهب وعلى الكتاب طابع ذهب زنته أربعة مثاقيل على أحد وجوهه صورة المسيح ﵇، وعلى الوجه الآخر صورة الإمبراطور قسطنطين (٨) وولده. وفي نفح الطيب (٩) وصف طريف مسهب لاستقبال هذه السفارة وعلى الرغم من أن

стр. 165

الخلط بين وقائع استقبال السفارتين لا يمكن الإغضاء عنه؛ إلا أنها لا تخلو من فائدة، فهي تصور تصويراً دقيقاً فخامة بلاط الدولة العربية في الأندلس ومكانة هذه الدولة بين دول العالم آنذاك. ومن نتائج هذه السفارات دخول بعض المؤلفات المهمة إلى الأندلس ككتاب الحشائش لديسقوريدس وكتاب هروشيش في التأريخ (١٠)، ونقل أكثر من مائة سارية وتحف غريبة استخدمت في بناء وتزيين مدينة الزهراء كما سيأتي بيانه. ٢ - الدول الرومانية المقدسة: يشير ابن عذاري (١١) وابن خلدون (١٢) باختصار شديد إلى سفارة من قبل إمبراطور الألمان أتو الكبير، وصلت الأندلس سنة ٣٤٢ هـ (١٣)، وكانت برئاسة الراهب جان دي جورز (نسبة إلى دير جورز القريب من مدينة متز) وهو أحد علماء عصره في البحث والمناظرة (١٤)، وقد استقبلت هذه السفارة بما يليق أن يقابل به السفراء، ونزل أعضاؤها في أحد القصور الرسمية، وطبيعي أن يحاط بلاط الخليفة علماً بأهداف ومهمة السفارة قبل الإذن لها بالمثول أمامه. ولكن ممثل الإمبراطور كما يبدو لم يكن على قدر من السلوك الدبلوماسي، ففي حين وصلت إلى مسامع البلاط أن السفير يحمل رسالة تتضمن انتقاداً لنظام الحكم العربي في الأندلس، وعبارات تمس مقدسات العقيدة، أصر السفير على مواجهة الخليفة، وطرح محتويات الرسالة أمامه وقد رفض الخليفة الناصر استقباله حتى يستوثق من أن الرسالة التي يحملها السفير تمثل وجهة نظر الإمبراطور أوتو الكبير أو أن حاملها الوافد " اهتبلها للإفضاء عن آرائه العدوانية في مجلس الخليفة " (١٥) وتم الاتفاق على إرسال سفارة عربية إلى أوتو الكبير تطلب منه تغيير سفارته أو تغيير الرسالة التي تحملها، فقام بهذه المهمة أحد المستعربين الذين يجيدون اللغة اللاتينية إجادة تامة ويدعى رثموندو أو ربيع بن زيد (١٦)، وقد استقبلت هذه البعثة من الإمبراطور

стр. 166

في بلاطه بمدينة فرانكفورت، وأنهت مهمتها بنجاح وعادت إلى الأندلس برفقة سفارة ألمانية جديدة حملت توجيهات محددة إلى السفارة السابقة (١٧)، وعندئذٍ سمح الخليفة الناصر للسفراء بالمثول أمامه وكانت مهمتهم تتحدد بنقطتين: الأولى: عقد الصداقة بين الطرفين. والثانية: العمل على إيقاف غارات البحريين الأندلسيين على أملاك الإمبراطورية الرومانية. ورغم صمت الروايات عن نتائج هذه السفارة، فمن المرجح أن حكومة قرطبة أبدت استعدادها لكل تعاون يدخل ضمن نطاق توثيق الصداقة بين الطرفين وفي نفس الوقت أبدت أسفها عن عدم الوعد بإيقاف الغارات البحرية التي كان يقوم بها البحريون الأندلسيون (١٨) في غاليس وشمال إيطاليا وسويسرة وأماكن أخرى، لكون هؤلاء يعملون لحسابهم الخاص ويسيطرون على مناطق وجزر هي في الأصل خارج نطاق سيادة الدولة العربية في الأندلس، ولا يوجد أي نوع من أنواع العلاقة بين الطرفين (١٩). وإذا كانت هذه السفارة قد فشلت في تحقيق المهمة الرئيسة التي أوفدت من أجلها، إلا أن فوائدها كانت قيمة ومهمة في جوانب أخرى، فقد أسهمت في تقديم معرفة أفضل لبلاط الخليفة عن أحوال الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وثروتها وقواتها ونظام الحكم السائد هناك (٢٠). وإن ربيع بن زيد (رثموندو) لقي المؤرخ لوتيراند في ألمانيا وحثه على وضع كتاب في التاريخ يهتم بأخبار وحوادث العصر (٢١). ٣ - الممالك الإسبانية الشمالية: كانت الصراعات العسكرية بين الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية طاغية على سواها من مظاهر التعاون الودي، فهذه الممالك كانت تدخل حلقة الموادعة عندما تكون عاجزة عن القيام بأي فعل عسكري اتجاه الدولة العربية في الأندلس، وتنهي من جانب

стр. 167

واحد كل عهد أو اتفاق إذا ما وجدت الفرصة السانحة لاختراق سيادة الدولة العربية فالعلاقات بينها وبين الأندلس " لم تحتل غير جانب سطحي في إطار ما نسميه حالياً بالعلاقات الدولية، لأن الجانب الأهم كانت تشهده ساحات القتال في معركة إثبات الوجود " (٢٢). وعلى الرغم من ذلك، فقد أدى تفوق الأندلس على جميع الدول المجاورة في مجال التقدم والرقي، إلى أن تخطب تلك الدول بعد أن أعجزتها الحيل ود حكومة قرطبة، وتطلب عقد معاهدات السلام والعون والرأي في حل المشاكل، ففي سنة ٣٤٤هـ وصلت سفارة ملك ليون اردونيو الرابع لعقد معاهدة السلام بين الدولتين، ووافقت حكومة قرطبة على مقترح السفارة وبعثت سفارتها إلى مملكة ليون حيث تم إبرام الاتفاق المذكور. وفي السنة التالية ٣٤٥ هـ دخل في المعاهدة المذكورة أمير قشتالة فردناند وبناءً على طلب ملك ليون (٢٣). وفي سنة ٣٤٧ هـ وصلت إلى قرطبة ملكة نافار طوطة ومعها ولدها الأمير غرسية وطائفة من كبار رجال الدولة، فاستقبلوا في الزهراء وتم عقد معاهدة السلم بين الطرفين (٢٤). ٤ - ووفدت إلى العاصمة الأندلسية سفارة ملك الصقالبة بطرس وردت حكومة قرطبة بسفارة مماثلة برئاسة ربيع الأسقف. ٥ - ثم سفارة ملك فرنسا لويس الرابع لتوطيد العلاقة بين البلدين (٢٥). لقد تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من خلق نوع من التوازن السياسي في عصره، وأصبحت الدولة العربية في الأندلس مركزاً لذلك التوازن (٢٦). وقد تبوأت الأندلس مركز الصدارة في العالم الإسلامي آنذاك وغدت قرطبة مركز الجاذبية الدبلوماسية تتجه إليها أنظار الدول الأوروبية المختلفة في معالجة ما يعضل عليهم في الأمور السياسية (٢٧)، يقول المقري: " إن ملك الناصر بالأندلس كان في غاية الفخامة

стр. 168

ورفعة الشأن، وهادته الروم، وأزدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر، ولم تبقَ أمَّة سمعت به من ملوك الروم والأفرنجة والمجوس (٢٨)، وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية " (٢٩). ٢ - الازدهار الاقتصادي: عرفت الأندلس في عهد الناصر بأنها أغنى دولة في العصور الوسطى نتيجة ازدهار الزراعة والصناعة والتجارة وكثرة أموال الغنائم، والأخماس، ودخلت البلاد طوراً من الرخاء والغنى لم يسبق أن وصلته في عصورها السابقة. والأندلس بلد زراعي قبل كل شيء، وكان الخراج والجزية والأخماس هي المصادر الرئيسة لخزينة الدولة، وبدأت الزراعة بالازدهار نتيجة اهتمام الدولة بهذا المورد المهم فحسنت أحوال العمال الزراعيين وأسقطت بعض الضرائب عن المزارعين، وهيأت لهم ظروفاً زادت من استغلال الأرض وزيادة الإنتاج، واشتهرت الأندلس بزراعة القمح (٣٠) والزيتون وأنواع الفاكهة، فضلاً عن غاباتها التي تعد مصدراً مهماً من مصادر الثروة ومادة أولية تدخل في كثير من الصناعات الخفيفة والثقيلة؛ والثروة الحيوانية والسمكية التي اشتهرت بها مناطق واسعة من الأندلس (٣١). واستغل الأندلسيون الثروات الطبيعية فاستخرجوا المعادن المختلفة كالذهب والفضة والرصاص والحديد والزئبق والبلور والكبريت والملح، واشتهرت مناطق بعينها بمثل هذه المعادن فالفضة والنحاس كانا يستخرجان من المناطق الشمالية قرطبة ولوشة وتدمير والزئبق من جبال البرانس، والقصدير من اكشونبة، والبلور من لورقة، واشتهرت جبال قرطبة وباغة بأنواع الرخام الجيد وسرقسطة بالملح الأبيض الصافي (٣٢). والمعادن الآنفة الذكر وغيرها كانت تستخدم في بعض الصناعات التي تحتاجها البلاد لا سيما صناعة الأسلحة من سيوف ورماح ودروع إلى الصناعات الأخرى التي

стр. 169

اشتهرت بها مدن الأندلس كالنسيج والملابس (٣٣) والأثاث والورق والزجاج والفخاريات وما يدخل في عداد الكماليات والتحفيات من الصناعات. وأما التجارة فقد كانت من عماد الاقتصاد في الأندلس، وكانت المرية ومالقة من الموانئ التي شهدت تبادلاً تجارياً مع أقطار أخرى وكانت حصة الدولة جباية الرسوم التجارية المقررة في ذلك الوقت (٣٤). ودخل الأندلس أيضاً العديد من التجار المغاربة والمشارقة حاملين معهم بضاعة بلادهم بعدما وجدوا في قرطبة وغيرها من المدن أسواقاً نافقة وتجارة لا تبور، وتميز بعض هؤلاء التجار وخصوصاً أهل المشرق بترويج تجارة الكتب والمؤلفات النادرة (٣٥). ومواكبة للإزدهار الإقتصادي الذي عم البلاد أمر الخليفة الناصر سنة ٣١٦ هـ باتخاذ دار السكة في قرطبة لضرب العين من الدنانير والدراهم وولى عليها أحمد بن محمد بن حدير، وضربت أول دنانيرها ودراهمها يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان من العام المذكور، وكانت الدنانير تضرب من الذهب والدراهم من الفضة. واستمرت هذه الدار بضرب النقود، حتى انتقال الناصر إلى مدينة الزهراء، وأنشأ داراً للضرب فيها، فعطل دار السكة بقرطبة وأغلق بابها، وتقلد عبد الرحمن بن يحيى دار الضرب في مدينة الزهراء فاتصل الضرب بها حتى أفول نجم الزهراء في عهد المنصور بن أبي عامر (٣٦). أما جباية الأندلس في عهد الناصر فقد بلغت أرقاماً تعد بملايين الدنانير فالجباية من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار (أي ما يعادل: خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف دينار)، ومن السوق والمستخلص سبعمائة وخمسة وستين ألف دينار (٣٧)، وأما أخماس الغنائم فلا يحصيها ديوان (٣٨)، وكانت أموال الدولة مقسمة ثلاثة أثلاث، ثلث يصرف على القوات العسكرية وثلث للإعمار والبناء والثلث الأخير احتياطي في خزينة الدولة يستخدم وقت الطوارئ (٣٩)، وقد ترك الناصر في

стр. 170

خزائنه عند وفاته " خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات " من الدنانير (أي ما يعادل خمسة آلاف مليون دينار) (٤٠). ٣ - المنشآت المعمارية: تعد المنشآت المعمارية مظهراً متقدماً من مظاهر الحضارة، ومن ثم فهي تعد دلالة على الرخاء الاقتصادي، ولقد امتلكت الأندلس في عهد الخلافة كل المقومات المؤهلة لأن تكون بحق وليدة عصر الخليفة الناصر، وأن تصبح العاصمة قرطبة صورة حقيقية لمظاهر ازدهار وبذخ ذلك العصر. فقد كانت من أكبر وأجمل عواصم العالم آنذاك (٤١). فمع نمو عدد سكانها البالغ أكثر من خمسمائة ألف، توسعت عمائرها ومبانيها، فمن المساجد حَوَت ما يقارب الأربعمائة وواحد وتسعين مسجداً (٤٢). اشترك في بنائها الأمراء والخلفاء ورجال الدولة والميسورون من السكان، واتخذت أسماءها حسب حاراتها أو مؤسسيها (٤٣)، ويعد المسجد الجامع أشهر وأكبر المساجد على الإطلاق، وهو آية من آيات الفن ترك أمراء بنو أمية بصماتهم عليه زيادة وتوسعاً إلى أن انتهى بكامل روعته في عصر الخليفة الناصر (٤٤)، وبلغ عدد دور قرطبة ما يقارب المائة ألف دار (٤٥) تنتشر في أرباض المدينة الواحد والعشرين (٤٦) واشتهرت قرطبة بحماماتها البالغة ثلاثمائة حمام (٤٧) وبفنادقها وساحاتها وحدائقها (٤٨)، ولعل من أهم آثار الناصر المعمارية، مدينة الزهراء (٤٩)

стр. 171

التي تعد مأثرة مهمة من مآثره، بنيت على مسافة ٨ كم شمال غربي العاصمة قرطبة على سفح جبل العروس، وأسباب بناء هذه المدينة تتحدد بالدوافع الآتية (٥٠): ١ - أريد لهذه المدينة أن تكون مقراً للخلافة الجديدة. ٢ - الابتعاد عن صخب العاصمة قرطبة بعد أن ضاقت مرافقها نتيجة الزخم السكاني الذي كان يزداد سنوياً. ٣ - بناء المدن صفة وصف بها الخلفاء والسلاطين العظماء تخليداً لعصورهم المجيدة. ٤ - عرف عن الناصر كلفه ببناء القصور والاعتناء بتنميقها وتزيينها وصرفه الأموال الكثيرة في هذا المجال (٥١). وبدأ ببناء الزهراء في محرم سنة ٣٢٥ هـ (٥٢)، وخول ولي العهد الحكم بمهمة الإشراف على بنائها (٥٣)، وقد عمل في بناء الزهراء جيش من العمال والمهرة (٥٤)، أشرف عليهم خيرة المهندسين والمعماريين في ذلك الوقت، وقامت المدينة على مسطح من الأرض طوله من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع (٥٥)، واستمر البناء فيها نحواً من أربعين سنة (٥٦)، وبلغت

стр. 172

نفقات كل سنة أكثر من ثلاثمائة ألف دينار (٥٧). وانتقل إليها الناصر بحاشيته وخواصه وخدمه في سنة ٣٣٦ هـ (٥٨). واشتملت مبانيها على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة جلب بعضها من رومة والبعض الآخر من القسطنطينية ومصاريع أبوابها كانت تزيد على خمسة عشر ألف باب، ملبسة بالحديد والنحاس المموَّه (٥٩). وجلب الرخام المستخدم في بنائها من مدن اشتهرت بهذه المادة، فمنه ما جلب من مدينة المرية ورية وأصناف منه جلبت من المغرب العربي ومن مدينتي صفاقس وقرطاجنة واجتهد الناصر باختيار التحف النادرة من الشام والقسطنطينية (٦٠)، وكان القصر الخليفي في المدينة وما حواه من قاعات (٦١) يعد آية من آيات الإبداع فقد زين بكل ما يسر النفس وأتحف بكل نادر ونفيس، وقد أطال المؤرخون في وصف قصر الزهراء وتعرضوا لبلاطه ولمحتوياته، وقاعاته الملوكية والتماثيل التي زينت تلك القاعات وفسح القصر (٦٢). وفضلاً عن القصر فقد بنى في الزهراء مسجداً طوله من القبلة إلى الجوف -عدا المقصورة- ثلاثون ذراعاً وعرض البهو الأوسط من الشرق إلى الغرب ثلاثة عشر ذراعاً، تم بناؤه وإتقانه في مدة ثمانية وأربعين يوماً، وكان يعمل به أكثر من ألف عامل منهم ثلاثمائة بناء، ومائتا نجار والبقية من الأجراء وبقية العمال المهرة (٦٣). ولم تعمر مدينة الزهراء طويلاً فقد ظلت مقراً للخلافة في عهد الناصر وولده الحكم المستنصر ثم فقدت أهميتها وبريقها السياسي عندما سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على مقاليد الأمور وبنى مدينته المعروفة بالزاهرة، وفقدت الزهراء رسومها عندما اجتاحت الأندلس وقرطبة خاصة عوامل الفتنة والفوضى جراء النزاع على السلطة في بداية القرن الخامس الهجري، وتعرضت هذه المدينة إلى الدمار والحرق ونهب ما حوته من نفيس التحف.

стр. 173

واهتم الإسبان في العصر الحديث بالكشف عن آثار مدينة الزهراء فمنذ بداية سنة ١٩١٠ م بدأت الحفريات في منطقة تمتد حوالي ١٥١٨ متراً من الشرق إلى الغرب و ٧٤٥ متراً من الشمال إلى الجنوب، وعلى الرغم من أن هذه المنطقة لم تكشف كلها فإن المكتشف من الآثار يكفي لتكوين صورة واضحة عن هندسة المدينة وفخامتها (٦٤). " وتنقسم أطلال الزهراء بصفة عامة إلى مجموعات ثلاث، مدرجة من أعلى إلى أسفل. وتشمل المجموعة الأولى مواقع القصر الخليفي والمقام الخاص، وتشمل الثانية فيما يبدو مساكن الحاشية والحرس، وتشمل المجموعة الثالثة، وهي الواقعة أسفل الربوة في بسيط معتدل من الأرض، أربعة أفنية كبيرة عالية، هي التي يجري اليوم ضمها وإعادة تشكيلها، وفيما يظن أنها البهو العظيم الذي كان مخصصاً لاستقبال الملوك وأكابر السفراء، وقد تم اكتشاف هذا البهو الذي يعد أعظم ما كشف حتى اليوم من آثار الزهراء في سنة ١٩٤٤ م ووجد سائر حطامه وزخارفه مدفوناً تحت الأنقاض، ويعكف الأثريون والإسبان منذ أعوام على إقامة الصرح وتنسيقه، مما وجد من أنقاضه وأعمدته وزخارفه، وقد أقيم حتى اليوم في وسطه ما اصطلح على تسميته (بهو السفراء) أو باسمه التاريخي (المجلس المؤنس) وهو يتكون من أربعة أفنية متلاصقة تبلغ واجهتها نحو أربعين متراً، وقد قسمت من الداخل إلى ثلاث أروقة مستطيلة، يتوسطها رواق رابع ذو عقود من الجانبين، ويقوم كل فناء منها على خمسة عقود، وقد ركب على هذه العقود ما وجد بين الأطلال من رؤوس وقواعد رخامية مزخرفة، وفي وسط الرواق الثالث عقد جميل عال يفضي إلى بهو داخلي، زين جانباه بالزخارف الرخامية، ويبلغ طول كل رواق من الأروقة المذكورة نحواً من عشرين متراً، وعرضه نحو ثمانية أمتار، وقد صنعت العقود كلها على نمط واحد وزينت من أعلاها بما أمكن جمعه من قطع الزخارف الرخامية التي وجدت، وقد شيدت هذه الأروقة على ارتفاع يبلغ نحو عشرة أمتار " (٦٥). ومع استمرار أعمال الحفريات في مدينة الزهراء، فقد تم اكتشاف الكثير من معالم المدينة، ومنها اكتشاف دار الجند سنة ١٩١٢ م وتم تجديده سنة ١٩٤٤ م واكتشاف الجناح الشرقي سنة ١٩٥٤ م والبحيرات سنة ١٩٤٥ م وبدأ العمل بها سنة ١٩٥٤ م ودار الرخام الذي بدأ التنقيب به سنة ١٩٦٤ م، ثم ممر الجند الشرقي والساباط سنة ١٩٦٤ م أيضاً (٦٦).

стр. 174

ولعل أعمال الحفريات المستقبلية تكشف لنا عن معالم أخرى لهذه المدينة التي هي من دون شك إحدى الصور التي تحكي قصة الحضارة العربية في بلاد الأندلس. وما وصلت إليه من الرقي والتقدم، في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في مجاهل التخلف، وقد بلغت الأندلس لا سيما العاصمة قرطبة درجة رفيعة من الحضارة كان تأثيرها واضحاً على جميع الدول المعاصرة، وإذا استثنينا من هذا المبحث شهرة الأندلس خلال هذه الفترة في العلوم والآداب (ينظر الفصل الخاص بتراث الأندلس العلمي) فيكفي أن نشير إلى تقدم العرب الأندلسيين في العلوم المختلفة النقلية والعقلية وعلوهم على غيرهم في مجالات علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والطب على نحو تجاوز كل تقدير (٦٧). وقد أشاد الباحثون المحدثون إشادة كبيرة بشخصية وعصر الخليفة عبد الرحمن الناصر وفي ذلك يقول العلامة الهولندي دوزي: " لقد كانت هذه نتائج باهرة، ولكنا نجد إذا ما درسنا ذلك العصر الزاهر، أن الصانع يثير الإعجاب والدهشة، بأكثر مما يثيرها المصنوع، تثيرها تلك العبقرية الشاملة التي لم يفلت شيء منها، والتي كانت تدعو إلى الإعجاب في تصرفها نحو الصغائر، كما تدعو إليه في أسمى الأمور، إن ذلك الرجل الحكيم النابه الذي استأثر بمقاليد الحكم، وأسس وحدة الأمة، ووحدة السلطة معاً وشاد بواسطة معاهداته نوعاً من التوازن السياسي، والذي اتسع تسامحه الفياض لأن يدعو إلى نعيمه رجالاً (٦٨) غير مسلمين، لأجدر بأن يعتبر قريناً لملوك العصر الحديث، لا خليفة من خلفاء العصور الوسطى " (٦٩). مات الخليفة الناصر في رمضان سنة ٣٥٠ هـ/تشرين الأول ٩٦١ م بعد حكم دام نصف قرن من الزمن قضاه في نضال شاق لإعادة وحدة البلاد الوطنية، وكبح جماح الدول الطامعة في الأندلس، وخلف منجزات عظيمة على كافة المستويات جنى ثمارها من بعده خليفته وولده الحكم المستنصر.

стр. 175

الفَصْلُ الرَّابِع الأندلس بعد وفاة الناصر عصر الحكم المستنصر بالله: تولى الخلافة بعد وفاة الناصر، ولده الحكم الثاني الملقب المستنصر بالله (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ/٩٦١ - ٩٧٦ م)، وقد قارب الثامنة والأربعين من عمره، واستلم بلاداً موطدة الأركان داخلياً ومرهوبة الجانب من القوى الأجنبية، وقد اعتمد الحكم المستنصر سياسة والده في التعامل مع هذه القوى، واستخدم نفس الأسلوب في الحفاظ على مناطق نفوذ الدولة الأندلسية في المغرب وغيره. فالعلاقة مع الدولة الفاطمية، ظلت علاقة يسودها العداء حتى بعد رحيل سلاطين الفاطميين إلى مصر، واستمرت السيادة الفاطمية والأندلسية في المغرب " قائمة على مبدأ المنافسة بين قبائل صنهاجة وزناتة وضرب بعضها ببعض وإثارة الفتن من وراء ستار، ولم تحاول كل من الدولتين إرسال جيوشها إلى هذا الميدان ... وأخيراً تمكنت صنهاجة أو بمعنى آخر الدولة الزيرية، من بسط سيطرتها باسم الفاطميين على جميع النصف الشرقي من المغرب، أما القسم الغربي من نهر ملوية إلى طنجة فقد سيطرت عليه زناتة حليفة الأمويين وهكذا حدث نوع من توازن القوى بين الخلافتين المتنازعتين وحلفائهما في المغرب " (١). أما دولة الأدارسة فقد جعلت قاعدتها بعد خروجهم من فاس في قلعة النسر الحصينة (٢)، ولم تكن دولة مستقلة بمعنى الكلمة، بل كانت تدور في فلك الأقوى من الفاطميين أو الدولة الأندلسية. وحدث في سنة ٣٦١ هـ أن انتصر بلكين بن زيري

стр. 176

الصنهاجي قائد الفاطميين على قبائل زناتة وفرق شملهم منتقماً بذلك لمقتل والده (٣)، فسارع الأدارسة وزعيمهم يومئذ الحسن بن كنون إلى نقض بيعة الخليفة الحكم المستنصر والاعتراف بالوضع الجديد (٤)، وأمام هذا التحول الخطير وحفاظاً على نفوذ الأمويين في المغرب، قرر الحكم إرسال قواته إلى المغرب في شوال من سنة ٣٦١ هـ، وتمكنت تلك القوات من تشتيت جيش الحسن بن كنون الذي فر جنوباً باتجاه ثغر أصيلا (٥)، ولكنه ما لبث أن تمكن من تجميع فلول جيشه في السنة التالية وأعاد الكرة بهجوم مقابل عنيف مزق به قوات الأندلس وأجبرها على الإنسحاب والاعتصام بمدينة سبتة (٦)، وعلى الرغم من محاولات الحسن بن كنون لاسترضاء الخليفة المستنصر بعد انتصاره هذا، وتبرير أسباب انقلابه على الدولة الأموية ووعوده بالولاء والطاعة، إلا أن قرار الحكم كان نهائياً باجتثاث معاقل الأدارسة، فحينما كلف القائد غالب بن عبد الرحمن بقيادة القوات وأمره بالتوجه إلى المغرب خيره بين أحد الأمرين بقوله: سر سير من لا إذن له في الرجوع حياً إلا منصوراً، أو ميتاً فمعذوراً وابسط يدك في الإنفاق، فإن أردت نظمت لك الطريق بيننا قنطار مال (٧). وقد حقق القائد غالب بن عبد الرحمن رغبة الحكم وتمكن من قوات الحسن بن كنون في مواقع عديدة ثم حاصره في قلعة حجر النسر وأجبره على الاستسلام دون شروط سنة ٣٦٣ هـ واقتاده إلى قرطبة مع جماعة من الأمراء الأدارسة (٨). وبهذا الإجراء أعاد الحكم نفوذ الدولة الأموية في هذه المناطق من بلاد المغرب وهي مناطق ذات أهمية كبيرة لأمن الأندلس. وتعرضت الأندلس في عهد الحكم المستنصر إلى هجمات السفن النورماندية

стр. 177

وشهدت السواحل الغربية عدة صدامات بين الطرفين ففي شهر رجب سنة ٣٥٥ هـ (٩) " ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر بالله يذكر فيه ظهور أسطول المجوس (النورمانديين) ببحر المغرب بالقرب من هذا المكان واضطراب أهل ذلك الساحل لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف، وكانوا في ثمانية وعشرين مركباً (١٠)، ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل بأخبارهم وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة، فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب استشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من الكافرين وخرج أسطول إشبيلية فاقتحموا عليهم بوادي شلق، وحطموا عدة من مراكبهم واستنقذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين وانهزموا أثر ذلك خاسرين " (١١). ولم تزل الأخبار تتوارد إلى قرطبة عن نشاط هؤلاء الغزاة حتى تم قتل معظمهم وأسر أعداد أخرى منهم، فيما ولت بقيتهم من الأحياء منهزمة إلى قواعدها (١٢). وعاود النورمانديون الكرة في سنة ٣٦٠هـ (١٣) وعلى المنطقة نفسها ولكنهم ردوا دون تحقيق أي هدف من أهدافهم (١٤) بفضل يقظة واستعداد الأسطول الأندلسي للإقلاع مع أول إشارة بظهور السفن الغازية (١٥). أما سياسة الخليفة الحكم اتجاه الممالك الإسبانية الشمالية، فهي سياسة قامت على احترام جميع الاتفاقات والمعاهدات المبرمة بين الدولة العربية في الأندلس وأمراء وملوك الدول الإسبانية الشمالية، ولكن مثل هذه الاتفاقات لم يكن لها ذلك المفعول التنفيذي فسرعان ما تسقط جميع الاتفاقات وتفرغ من مضامينها عند أول فرصة تسنح لهذه الممالك لغزو أراضي الدولة العربية أو الإخلال بأمنها (١٦). فمن المعروف أن

стр. 178

الخليفة الناصر أعان سانشو (شانجة) على استرداد ملكه في مملكة ليون شريطة أن يتنازل الأخير عن بعض الحصون المهمة الواقعة على الحدود بين الدولتين، وعندما توفي الناصر نقض سانشو الاتفاق ورفض تسليم الحصون المتفق عليها، وبدأ سلسلة من الأعمال العدائية، جعلت الدولة العربية أكثر تصميماً على انتزاع حقها فآوت الملك المخلوع اردونيو الرابع والمنافس الشديد على عرش ليون ووعدته باستعادة ملكه (١٧)، وعلى أثر ذلك تراجع سانشو عن موقفه وسارع إلى إرسال سفارة إلى قرطبة لإعلام الخليفة الحكم باستعداده لتنفيذ الاتفاقات المعقودة مع الناصر (١٨)، ولكن وفاة اردونيو الرابع قلبت سانشو وعاد إلى سياسة التسويف والمماطلة في تسليم الحصون. ولم يكتف بذلك فتحالف مع بعض الأمراء الشماليين (١٩)، لشن هجوم على الأراضي العربية، وكان رد الحكم قاسياً واستهدف أول ما استهدف قشتالة فعاث في أراضيها واحتل حصن غرماج على نهر دويرة سنة ٣٥٢ هـ (٢٠) وتوالت الحملات بعد ذلك ترد تعديات هذه الممالك وتتوغل في أراضيها وتضيف إلى انتصاراتها حصوناً جديدة، فقد تمكنت قوات القائد غالب بن عبد الرحمن من احتلال حصن قلهرة من بلاد البشكنس، وتطهير بعض المناطق من جند الأعداء (٢١) وهكذا كان للتفوق الحربي لجيش الدولة العربية في الأندلس أثره البارز في إعادة وتثبيت السيادة على جميع مناطق الحدود وثغورها وأمنت الأندلس مدة من شر هجمات جيوش ممالك الشمال، التي دخلت في صراع عنيف بعد وفاة سانشو سنة ٣٥٥ هـ/٩٦٦ م وارتقاء ولده الذي لا يتجاوز خمس سنوات عرش ليون فتولت عمته البيرة مقاليد الأمور نيابة عنه، واستغل النبلاء الطامعون هذه الظروف واستقل كل منهم بما تحت يديه، وتوافدت رسل الوصية على العرش البيرة وهؤلاء النبلاء إلى قرطبة يحكمون الخليفة الحكم فيما شجر بينهم ويسألونه المشورة والرأي (٢٢). وكان أول الوافدين على العاصمة قرطبة من أمراء الممالك الإسبانية الشمالية أمير

стр. 179

جليقية، وأمير اشتوريش ثم وفدت سفارة سانشو وملك نافارا (٢٣)، وفي سنة ٣٦٠ هـ وفد سفراء أمير برشلونة الكونت بوريل ثم أوفدت البيرة الوصية على عرش ملك ليون تطلب عقد معاهدة عدم اعتداء بين الطرفين. ووصلت سفارات أخرى من أمير قشتالة وكونت شلمنقة، وفي سنة ٣٦٢ هـ جدد ملك نافار والبيرة وصية ملك ليون بعوثهما إلى قرطبة تعزيزاً لاتفاقاتهما السابقة. لقد عاشت الأندلس في عهد الحكم المستنصر عصراً ذهبياً تميز بعدة مظاهر أبرزها ازدهار العلوم والأدب فقد كان الحكم " عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان ... " (٢٤). شارك العلماء في علومهم وألف مؤلفات بعضها في الأنساب (٢٥) وأخرى في التاريخ وله تعليقات عديدة على كثير من المؤلفات التي قرأها أو سمعها حتى عده ابن الخطيب " حجة وقدوة، وأصلاً يوقف عنده " (٢٦)، وكان قد بث التجار في أقطار المشرق والمغرب يقتنصون له كل جديد في العلم (٢٧)، ويبعث إلى العلماء المشهورين للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم (٢٨) وقد ضمت المكتبة الأموية المشهورة الآلاف من المؤلفات في العلوم المختلفة والعقلية منها والفعلية وروى ابن حزم: " أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط " (٢٩). وعهد بإدارة هذه المكتبة إلى أخيه عبد العزيز، في حين كان أخوه المنذر مشرفاً على دور التعليم في قرطبة، واحتفى الحكم بمجموعة من مشاهير علماء العصر

стр. 180

الأندلسيين والمشارقة زينوا بلاطه وملأوه علماً وأدباً منهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة ٣٥٥ (٣٠) والعالم العراقي المشهور أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي (٣١)، المتوفى سنة ٣٥٦ هـ وربيع بن زيد (رثموندو) أحد المستعربين المقربين من الحكم لمعرفته بعلم الفلك والعلوم الفلسفية، وهي من العلوم التي عني بها الخليفة وسعى إلى جمع مؤلفاتها (٣٢) وتحول بلاط الخليفة إلى أكاديمية عظيمة تزخر بشتى أنواع المعارف (٣٣). وإلى جانب هذا كان التعليم العام في عهده يجوز نهضة متميزة، فقد أسس عدداً من دور التعليم خصصت لأبناء الفقراء مجاناً، وعني عناية خاصة بجامعة قرطبة ورفدها بمشاهير العلماء المتخصين وأجرى لهم الرواتب والأعطيات الجزيلة (٣٤)، ويبدي النقد الحديث تقديره وإعجابه للنزعة العلمية التي امتاز بها عصر الخليفة الحكم المستنصر فالمؤرخ الإسباني لافونتي يقول: " كانت دولة الحكم الثاني دولة الآداب والحضارة "، كما كانت دولة أبيه دولة العظمة والبهاء، وإن الرواية العربية لتحبو الحكم بكثير من جميل الذكر فهل نغضي نحن عن تسجيل إعجابنا بما لهذا الأموي المستنير من الصفات الباهرة ... إن السلم الذي وطده اكتافيوس في إسبانيا الرومانية، قد وطده الحكم في إسبانيا العربية، وقد قدم الحكم كما قدم اكتافيوس من قبل، الأدلة على أن الرغبة في السلم، لم تكن لأنه لا يعرف الحرب ولا النصر، ولكن لأنه يؤثر إلهام القريض، ويؤثر الكتب على فرائض السلاح وإكليل الجامعات الحقيقي على إكليل الحروب الدموية ... " (٣٥). ومن مظاهر هذا العصر أيضاً تبادل السفارات بين الأندلس والدول الأجنبية وقد سبقت الإشارة إلى سفارات الممالك الإسبانية الشمالية التي وصلت قرطبة. وبقي أن
следующие страницы →