← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ونبلة ومورور، وبالقرب من المدور، حيث كان لهم منطقة تدعى بوادي الكلبيين (٨٥). أما عشائر حضرموت، فكانت تتركز في منطقة الشرف، غربي إشبيلية (٨٦). كما استقر قسم منهم أيضاً في منطقة قرمونة التي تبعد نحو ثلاثين كيلومتراً إلى الشرق من إشبيلية. ويعد خالد بن عثمان بن هانئ، الذي يدعى أيضاً باسم خلدون، من كبار شخصيات حضرموت في قرمونة، وإليه ينتسب المؤرخ العربي المشهور ابن خلدون (٨٧). ومن العشائر اليمنية الأخرى الشهيرة في منطقة إشبيلية، عشيرة يحصب التي كان يتزعمها أبو الصباح يحيى بن يحيى اليحصبي. وكان هذا يعد أيضاً شيخاً لكل العشائر اليمنية في غرب الأندلس، وقد اتخذ مسكنه في قرية تسمى مورة، وتقع في منطقة الشرف (٨٨). وكانت كلاب من أشهر العشائر القيسية التي استقرت في كورة جيان. ومن قادتها البارزين، الصميل بن حاتم الكلابي، الذي لعب دوراً مهماً في الأحداث في أثناء عصر الولاة (٨٩). أما عشيرة عقيل، فقد استقرت أيضاً في هذه الكورة، وكانت بقيادة الحصين ابن الدجن العقيلي، الذي كان في الوقت نفسه زعيماً لكل العشائر التي تنتمي إلى كعب ابن عامر في جند قنسرين في جيان (٩٠). ومن العشائر المضرية التي استقرت في جيان، عشيرة أسد بن خزيمة، التي سكن بعض أفرادها في مكان يدعى وادي عبد الله في كورة جيان (٩١). وكذلك عشيرة كنانة، التي عاشت في مكان سمي أيضاً (كنانة) نسبة إلى اسم العشيرة (٩٢). وتعد يعمر العشيرة الرئيسة التي تعود في أصلها إلى ربيعة في كورة جيان، وقد استقر أفرادها في منطقة أبدة إلى الشمال الشرقي من جيان (٩٣). أما العشائر اليمنية، فكانت قليلة في كورة جيان، ومن أشهرها شعبان، وأصبح وطيء (٩٤).

стр. 72

ومن جهة أخرى كانت هذه العشائر اليمنية تكثر في جند فلسطين، حيث استقر العديد من أفرادها، لا سيما عشائر لخم وجذام، في منطقة شذونة والجزيرة الخضراء (٩٥). ومن مشاهير جذام على سبيل المثال، ثوابة بن سلامة الجذامي، الذي أصبح أحد ولاة الأندلس (٩٦). وتشكل القبائل اليمنية أيضاً غالبية جند الأردن الذين استقروا في رية (أي محافظة المرية الحالية). ومن هؤلاء أيضاً مجموعات من لخم، وجذام، وعاملة، ومذحج، ورعين (٩٧). وبرز من عاملة، ثعلبة بن سلامة العاملي، الذي تولى قيادة الشاميين، وولاية الأندلس بعد وفاة بلج بن بشر القشيري سنة ١٢٤ هـ/ ٧٤١ م (٩٨). وكان معظم جند باجة يتألف من القبائل العربية التي كانت تسكن في مصر، ورافقت الشاميين إلى شمال أفريقيا، ومن ثم إلى الأندلس. وتعد عشيرتا يحصب ومعافر من أهم عشائر هذا الجند (٩٩). ومن رجال يحصب البارزين، العلاء بن مغيث اليحصبي، الذي سيكون له شأن كبير في عهد عبد الرحمن الداخل (١٠٠). وبرز من معافر أيضاً عميد أسرتهم عمرو بن شراحيل المعافري، الذي استقر في باجة، ثم انتقل إلى قرطبة، بعد أن عينه عبد الرحمن الداخل قاضياً على هذه المدينة (١٠١). أما المجموعة الأخرى من جند مصر، فقد استقرت في تدمير، أي في محافظة مرسية الحالية، وإن أشهر عشائر هذا الجند غسان، ومنهم بنو الشيخ الذين استقروا في الشن Elche وما حولها (١٠٢). وكذلك بنو خطاب التدمريون الذين ينتمون إلى الأزد. وكان جدهم الأعلى عبد الجبار بن خطاب بن نذير قد سكن أولاً في قرطبة، قرب بوابة عُرفت باسمه، باب عبد الجبار، ولكنه انتقل إثر تنظيمات أبي الخطار إلى تدمير في

стр. 73

الجنوب الشرقي من إسبانيا، حيث تزوج هناك من ابنة الحاكم القوطي الشهير تدمير. وعاش أتباع عبد الجبار وأعقابه في تدمير والمناطق المجاورة لها (١٠٣). البربر: لقد كان استقرار البربر الذين دخلوا الأندلس مع طارق بن زياد مماثلاً لاستقرار البلديين، أي أنهم سكنوا على امتداد الطريق التي سارت عليها حملات الفتح، وقد حاول بعض المستشرقين، وعلى رأسهم رينهارت دوزي R. Dozy، اتهام العرب بأنهم لم يكونوا عادلين في قسمتهم للأرض، فأعطوا البربر المناطق الجبلية القاحلة، وخصوا أنفسهم بالسهول الخصبة (١٠٤). ولا يمكن العثور في المصادر على ما يؤيد هذا الاتهام الذي لا أساس له من الصحة. فقد كان البربر هم الأغلبية الساحقة في جيش طارق بن زياد، وكذلك كانوا بأعداد لا بأس بها في جيش موسى بن نصير، فضلاً عن أن الكثير منهم عبروا إلى الأندلس بعد سماعهم بنبأ انتصار المسلمين على القوط. وهكذا فقد فاق البربر العرب بأعدادهم، ومن غير المحتمل أن يكون للعرب تأثير كبير على استقرار البربر في الأندلس. والواقع فإن استقرار العرب والبربر في الأماكن التي نزلوا فيها لأول مرة، كان يخضع لعامل الصدفة لا غير، إذ لم تكن لديهم فكرة واضحة في البداية عمّا ستكون عليه هذه الأماكن، وإن كان البربر أكثر اطلاعاً ومعرفة بالمنطقة بحكم معيشتهم في الشمال الأفريقي المجاور. ولهذا فقد كانوا في موقف أفضل لاختيار أحسن المناطق للاستقرار فيها. ويمكن تفسير وربط اختيارهم للمناطق الجبلية في الأندلس بالحقيقة التي توضح بأن عدداً كبيراً منهم عاشوا بالأصل في مناطق جبلية في شمال أفريقيا، ولهذا فليس من الغريب أن نجدهم يستقرون في الأماكن التي تشابه مناطق استقرارهم الأصلية (١٠٥). وينتمي البربر الذين دخلوا الأندلس إلى العديد من قبائل البتر والبرانس في شمال

стр. 74

أفريقيا، ولكن غالبيتهم كانت من قبيلة مصمودة وفروعها. أما الآخرون، فينتمون إلى القبائل الأخرى، مثل هوارة، ونفزة، وزناتة، ومكناسة، ومطغرة. وقد استقر هؤلاء بصورة عامة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة الآيبيرية. ففي الجنوب عاشت أعداد كبيرة منهم في الجزيرة الخضراء، وشذونه وإشبيلية، وقرطبة، ورندة، وجيان والبيرة. وكان لهم في الجزيرة الخضراء على سبيل المثال إقليم كامل يسمى بإقليم البربر (١٠٦). وكان للبربر من قبيلة مغيلة أيضاً إقليم آخر سمي باسمهم في كورة شذونة (١٠٧). أما هوارة، فقد استقر جماعة منها بالقرب من جيان وكان لهم حصن يدعى بحصن الهواريين (١٠٨). واتخذت قبيلة لماية البترية موطنها في رية في إقليم سمي بإقليم لماية (١٠٩). وسكنت مجموعات كبيرة من مصمودة ونفزة في المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة رندة. والتي كانت تعرف باسم تاكرونا (١١٠). وكانت أهم مراكز استقرار البربر في الوسط والغرب، تتركز في طليطلة، والمناطق المحيطة بها (١١١). وكذلك في جبال المعدن Sierra de Almaden التي تقع إلى الجنوب من وادي آنة. وكانت هذه الجبال تدعى بجبال البرانس لأن غالبية سكانها من البربر البرانس (١١٢). وفي المنطقة الغربية، التي كانت تعرف أيضاً بأرض الجوف سكن عدد كبير من البربر، وكان تركزهم فيها عالياً، حتى قيل بأن " أرض الجوف بلاد البربر " (١١٣). وكانت كل من ماردة ومادلين Medellin من أكثر المناطق ازدحاماً بالسكان من البربر (١١٤). وقد استقر بنو دانس بن عوسجة من مصمودة في الأقسام الجنوبية من البرتغال في قصر أبي دانس، وكان هؤلاء يتاجرون بالملح المتوفر في منطقتهم (١١٥). وقد استقر العديد من البربر في الأقسام الشرقية من الأندلس، لا سيما في منطقتي

стр. 75

بلنسية وتدمير (مرسية) (١١٦). وينتمي هؤلاء إلى قبائل من البتر والبرانس. وكان لبربر مصمودة الذين ينتمون إلى البرانس منطقة خاصة بهم بالقرب من بلنسية تدعى بجزء مصمودة (١١٧). وقد أقام بعض البربر الذين ينتمون إلى صنهاجة في منطقة مرسية في مكان أطلق عليه اسم (الصنهاجيون) (١١٨). وكان أحد أقاليم بلنسية يسمى بإقليم زناتة نسبة إلى هذه القبيلة البترية (١١٩). وما يزال العديد من المواقع الأخرى في الأجزاء الشرقية من الأندلس يسمى نسبة إلى قبيلة زناتة، ولا سيما في محافظتي بلنسية، وقسطليون (١٢٠). وتعد منطقة الشمال الشرقي إحدى أوسع أماكن الاستقرار للبربر في شبه الجزيرة الآيبيرية. وكانت المراكز المأهولة تتمثل بالمناطق التي تشمل وادي الحجارة، ومدينة سالم، وقلعة أيوب، وشنتبرية، ووبذة. حيث سكن في هذه المناطق قبائل تنتمي إلى مغيلة، ومصمودة (١٢١). وسكنت جماعات من هوارة في منطقة شنتبرية بقيادة السمح بن ورد - حيقن الهواري، وهو الجد الأعلى لبني ذي النون الذين حكموا طليطلة في عصر الطوائف (١٢٢). وكان بنو رزين أيضاً ينتمون إلى قبيلة هوارة، وقد استقروا في المنطقة السهلة في محافظة تيروال الحالية، وحكموا المنطقة أيضاً في عصر الطوائف، وكانت عاصمتهم تدعى باسمهم بنو رزين Albarracin، وتقع إلى الغرب من مدينة تيروال الحالية (١٢٣). واستقرت قبائل أخرى عديدة في الشمال الشرقي، نذكر منها على سبيل المثال، مكناسة، حيث كانت منطقة تسمى باسمهم مكناسة على ضفاف نهر الأبرو (١٢٤).

стр. 76

أما الشمال والشمال الغربي، فقد تميز أيضاً بوجود العديد من البربر المستقرين. وكانت جليقية Galicia واستورقة، Astorga، وشرطانية Cerretania غربي جبال ألبرت من أهم أماكن الاستقرار (١٢٥). وكان القائد منوسة، الذي رافق طارق بن زياد، قد استقر في مدينة خيخون Gijon في الأشتوريش Asturias. ثم أصبح فيما بعد حاكماً على شرطانية، ومسؤولاً عن كل المنطقة التي تمتد من جبال ألبرت إلى المحيط الأطلسي (١٢٦). ومما يؤسف له عدم توفر المعلومات الكافية عن البربر المستقرين في هذه الأماكن النائية، باستثناء ما جاء في المصادر من أن عددهم كان كبيراً. ومع هذا فهناك دراسات لأسماء المواقع الجغرافية في المنطقة التي تحمل أسماء قبائل بربرية، ويمكن أن نستنتج من هذه الدراسات بعض المعلومات عن استقرار البربر في هذه الأماكن (١٢٧). ومن الجدير بالذكر أن معظم البربر الساكنين في هذه المنطقة تحولوا فيما بعد إلى الجنوب، أو عبروا إلى شمال أفريقيا، بسبب الصراع الداخلي، وازدياد وتنامي قوة المسيحيين في الشمال الغربي، بالإضافة إلى ظروف طبيعية أخرى تتعلق بتعرض هذه المناطق إلى الجفاف الشديد، مما أدى إلى حصول مجاعة وصلت ذروتها عام ١٣٦/ ٧٥٣. فنزح معظم البربر إلى مناطق أخرى، وعبروا من وادي البرباط Barbate في كورة شذونة إلى شمال أفريقيا (١٢٨).

стр. 77

البَابُ الثَّانِي عهد الإمارة في الأندلس الفصل الأول: دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية. الفصل الثاني: أعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار. الفصل الثالث: علاقة الدولة العربية الإسلامية في الأندلس مع الإمارات الاسبانية في الشمال. الدكتور عبد الواحد ذنون طه

стр. 78

الفَصْلُ الأَوَّل دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية انتقلت الخلافة، على أثر نجاح الثورة العباسية، من الأمويين إلى العباسيين. وقد توفي آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد، في مصر، وانتهى أمر بني أمية بالمشرق سنة ١٣٢ هـ/٧٥٠ م وابتدأ العباسيون في أعقاب سقوط الخلافة الأموية باضطهاد أفراد البيت الأموي الحاكم، وتتبعهم بالقتل والتمثيل أينما وجدوا. وفي مصادرنا روايات عديدة عن هذا الأمر ربما كان معظمها موضوعاً، منها على سبيل المثال، أن العباسيين بتروا يد أبان بن معاوية بن هشام وقدمه، وطافوا به في كور الشام، وهو على هذه الصورة المشوهة، وأركبوه حماراً ومن ورائه مناد ينادي: " هذا أبان بن معاوية فارس بني أمية " حتى مات. كما ذبحوا عبدة بنت هشام بن عبد الملك لأنها رفضت أن تدلهم على المكان الذي أخفت فيه مجوهراتها. ونتيجة لهذه المعاملة هرب وجوه بني أمية واختفوا عند القبائل العربية في البادية. ومن هؤلاء عبد الواحد بن سليمان، والغمر بن يزيد وغيرهما. وعندما رأى العباسيون ذلك، وأن سياسة الاضطهاد لم تأت بما يرجونه من استئصال بني أمية، سلكوا سبيلاً آخر تميز بالخديعة والغدر. فأصدر أبو العباس عبد الله " السفاح "، الخليفة العباسي الأول، بياناً اعترف فيه بإسراف العباسيين في اضطهاد الأمويين، وندمهم على ذلك، وأمَّن من بقي منهم على قيد الحياة. وقد أذاع عم الخليفة عبد الله بن علي، هذا البيان في بلاد الشام، فخدع عدد كبير من بني أمية به، ولبوا دعوة عبد الله إلى الظهور، فاستطاع بهذه الطريقة أن يقتل ما يربو على سبعين رجلاً آخر منهم في مجزرة نهر أبي فطرس، قرب الرملة في فلسطين، وكان يحيى وعبد الرحمن، حفيدا الخليفة هشام بن عبد الملك، من المحظوظين القلائل الذين نجوا من هذه المذبحة البشعة (١). ولكن العباسيين استطاعوا بعد هذه المذبحة أن يلقوا القبض

стр. 79

على يحيى ويقتلوه، أما عبد الرحمن فقد كتبت له النجاة لأنه كان غائباً في الصيد في أثناء غارة الجند على القرية التي كانا يختفيان فيها. وعندما عاد وعلم بمصير أخيه المحزن، انتهز فرصة الظلام وهرب بعد أن أوصى أختيه، أم الأصبغ، وأمة الرحمن، أن يتبعانه مع ولده سليمان، إلى قرية أخرى عينها لهم. هروب عبد الرحمن بن معاوية إلى المغرب: ولم يفكر عبد الرحمن في المكوث طويلاً في مخبئه الجديد بعد أن لحقت به أسرته، بل كان يفكر في التوجه نحو المغرب، ولكن العباسيين سرعان ما اكتشفوا مكانه، وداهموه من جديد. وينقل لنا مؤلف كتاب "أخبار مجموعة" رواية هروب عبد الرحمن بن معاوية على لسانه في قصة مؤثرة. فقد كان عبد الرحمن يرقد في حجرة مظلمة لرمد في عينه حين دخل عليه ابنه سليمان، خائفاً فهرع الأب ليرى ماذا يجري في الخارج. فرأى رايات العباسيين السوداء تحاول تطويق القرية فأسرع لضيق الوقت بأخذ بعض المال، وأوصى أختيه بأن يلحق خادمه بدر بما يصلحه إذا سلم من مطارديه. وكان هؤلاء قد سدوا عليه كل منافذ الهرب، فلم يبقَ أمامه وأمام أخيه الأصغر الذي رافقه سوى إلقاء نفسيهما في نهر الفرات. واستطاع عبد الرحمن أن يقطعه سباحة، ولكن الأخ عجز عن قطعه. فرجع مصدقاً وعد الجنود المطاردين لهما بالأمان إن عادا إليهم. ولكن هؤلاء قتلوه أمام عيني أخيه عبد الرحمن في الضفة الأخرى من النهر. ولما أمن عبد الرحمن من خطر مطارديه، سار متخفياً وهو ينوي التوجه إلى المغرب. وتذكر لنا هذه الرواية أن نفس عبد الرحمن كانت تحدثه بما سيكون له من شأن في المغرب أو الأندلس، وأن ذلك بسبب نبوءة كان يعرفها بنو أمية ويرددونها قبل سقوطهم (٢). ولد عبد الرحمن في سنة ١١٣هـ/٧٣١ م في بلاد الشام في قرية تعرف بدير حنين، وقيل بل ولد بالعليا من أعمال تدمر. وكانت أمه سبية بربرية من قبيلة نفزة في شمال أفريقيا، وتدعى "راح". أما أبوه معاوية، فقد توفي شاباً في أيام أبيه هشام بن عبد الملك سنة ١١٨هـ/٧٣٦ م، فكفله وإخوته جده هشام بن عبد الملك. وكان جده يؤثره على بقية إخوته ويتعهده بالصلات والعطايا في كل شهر حتى وفاته. وظل عبد الرحمن يعيش مع أهله وإخوته في قرية دير حنين من أعمال قنسرين إلى أن حلت النكبة بأسرته،

стр. 80

واضطرته الظروف إلى الهرب. وبعد صعوبات بالغة استطاع الوصول إلى فلسطين، حيث التحق به مولاه بدر، ومولى أخته، سالم أبو شجاع. وكان الأخير، الذي يحتمل أن يكون من أصل بيزنطي، حسن المعرفة والاطلاع على مناطق شمال أفريقيا والأندلس، لأنه كان قد دخلها مع موسى بن نصير أو بعده، وشارك في بعض حملات الصوائف في الأندلس (٣). وقد غادر عبد الرحمن ورفيقاه إلى مصر، ومنها إلى أفريقية، أي تونس الحالية، حيث لم تكن سلطة العباسيين قد اعترف بها بعد هناك. وكان العديد من اللاجئين من أفراد البيت الأموي قد ذهبوا أيضاً إلى أفريقية. ولكن هذا المكان لم يكن ملائماً جداً للجوء، لأنه كان يحكمه عبد الرحمن بن حبيب الفهري، الذي لم يعترف بسلطان العباسيين، وكان يحاول الاستقلال بالحكم، والتطلع إلى تحويل أفريقية إلى إمارة وراثية لأولاده. ولهذا السبب فقد أصبح قلقاً جداً لوجود العديد من الأمراء الأمويين في بلاده. فدبر قتل ابني الخليفة الوليد بن يزيد، كما قرر إبادة الآخرين، لكن عبد الرحمن نجح في الهرب غرباً حيث طلب الأمان بين قبائل البربر (٤). تنقل عبد الرحمن في شمال أفريقيا من مكان إلى آخر ما يقرب من خمس سنوات، فأقام أولاً عند قبيلة مكناسة البربرية في موضع يقال له باري. ثم غادر غرباً حيث حصل على تأييد بربر قبيلة نفزة، وهم أخواله، حيث كانت أمه نفزية كما أسلفنا. وقد نجح أيضاً في الحصول على حماية قبائل بربرية أخرى كبيرة في المنطقة، مثل زناته ومغيلة. وعمل أحد زعماء هذه القبيلة الأخيرة، وهو أبو قرّة، أو ابن قرّة وأنسوس المغيلي، على التستر عليه أثناء إقامته الأخيرة في شمال أفريقيا (٥). التفكير في العبور إلى الأندلس: ويبدو أن تفكير عبد الرحمن في ولاية الأندلس ابتدأ عندما كان مقيماً بالقرب من ساحل طنجة عند قبيلة مغيلة البربرية، وكان عبد الرحمن بصفته أحد أفراد البيت الأموي، يعرف ما يجري في الأندلس، ولا بد أن يكون سالماً، مولى أخته، قد حدثه أيضاً عن هذا البلد الواسع وخيراته الكثيرة. يضاف إلى ذلك، الأخبار التي كانت تتوارد

стр. 81

إلى شمال أفريقيا عن اضطراب الأحوال في الأندلس، وتنازع القبائل العربية فيها. وكانت الأندلس في ذلك الوقت، أي بعد سنة ١٣٠هـ/٧٤٧ م تقريباً، قد صفت ليوسف ابن عبد الرحمن الفهري، وهو واليها الأخير، وللصميل بن حاتم الكلابي. فقد استطاع الأخير، الذي كان من زعماء جند قنسرين، أن يقود حرباً شعواء على الوالي أبي الخطار الكلبي، انتهت بمقتل الأخير، وهزيمة مؤيديه، الذين كان معظمهم ينتمي إلى القبائل اليمنية، وذلك في موقعة شقندة التي جرت بالقرب من قرطبة. وبعد هذه الموقعة لم يعد هناك منافس ليوسف الفهري والصميل، ولكن يوسف لم يكن له سوى الاسم واللقب، وذلك لاستئثار الصميل بالحكم وتدبير الأمور. وقد أدى هذا الأمر إلى ضجر يوسف الفهري، ففكر بإبعاد الصميل، وذلك بتوليته على مدينة سرقسطة في الشمال الشرقي من البلاد. ورحب الصميل بهذه الفكرة التي اعتقد بأنها ستتيح له السيطرة على جماعات العرب اليمنيين في تلك المنطقة (٦). استغل عبد الرحمن بن معاوية هذه الأحداث، وحاول أن يستفيد منها في تنفيذ خطته بالعبور إلى الأندلس، وإعادة السلطة الأموية إليها. وقد ساعده في هذا وجود العديد من الموالي أو الأنصار الموالين للأمويين في الأندلس، وبشكل خاص في كورتي البيرة وجيان. وهؤلاء يشكلون مجموعة الموالي الذين رافقوا الشاميين ضمن جندي دمشق وقنسرين. وقد أسلفنا أن هؤلاء كانوا على اتصال وثيق بالبيت الأموي، ولهذا فقد عرفوا بموالي بني أمية. وكانوا يتألفون من نحو خمسمئة رجل في هاتين الكورتين، وإن كان بعضهم قد عاش أيضاً في أماكن أخرى. ومن زعمائهم أبو الحجاج يوسف بن بخت، الذي كان رئيساً للموالي في جيان، وكذلك أبو عثمان عبيد الله بن عثمان، وعبد الله بن خالد، اللذان كانا من رؤساء الموالي في جند دمشق في البيرة (٧). وكانت حالة هؤلاء الموالي، ومكانتهم جيدة، ويمتلكون ثروة لا بأس بها، لا سيما زعمائهم المذكورين آنفاً، حيث كانت لهم أراضٍ وممتلكات، ونفوذ كبير، وهيبة قوية بين بقية المستقرين في الأندلس يضاف إلى ذلك، أنهم خالطوا كبار القادة من الشاميين والبلديين، فضلاً عن السكان المحليين، وأفراد الأسرة القوطية المالكة السابقة. وقد حصل هؤلاء القادة الثلاثة على عشرة ضياع لكل واحد منهم، منحة من أرطباس بن غيطشة، ملك القوط السابق. فاتخذ أبو عثمان مسكنه في طرش Torrox، وهي قرية

стр. 82

صغيرة، تقع بين لوشة Loja وإزناخار Iznajar، وكانت إحدي الضياع العشر التي أعطيت له من قبل أرطباس. وكذلك فقد أقام عبد الله بن خالد في الفنتين Alfontin، بالقرب من لوشة، وهي أيضاً إحدى قرى أرطباس. أما يوسف بن بخت، فقد كان يقيم في جيان (٨). اتصال عبد الرحمن بأنصاره في الأندلس: ابتدأ عبد الرحمن اتصاله بالأندلس بأن أرسل رسالة مع مولاه بدر إلى قادة موالي بني أمية في البيرة. وقد شرح لهم في هذه الرسالة كيف أنه عانى العديد من المتاعب، وظل يجوب شمال أفريقيا مدى خمس سنوات، هرباً من مطاردات العباسيين، ووالي أفريقية، عبد الرحمن بن حبيب، الذي حاول القضاء على جميع أفراد البيت الأموي. وذكرهم في هذه الرسالة أيضاً بأنهم موالي بيته، ولذا فمن حقه عليهم أن يحموه ويساعدوه. وأخبرهم أيضاً بأنه لا يستطيع المضي إلى الأندلس خوفاً من حاكمها يوسف الفهري الذي سيعتبره عدواً منازعاً لا حق له في الولاية، مثله كمثل حاكم أفريقية. وقال لهم أخيراً إنه لن يعبر إلى الأندلس إلا إذا تلقى منهم جواباً يؤكد نجاح خطته، وإنهم مساعدوه في إعادة السلطة الأموية إلى الأندلس. وقد عبر بدر إلى الأندلس في أواخر عام ١٣٦ هـ/حزيران ٧٥٤ م، وقابل أبا عثمان في طرش، فأرسل الأخير إلى عبد الله بن خالد، وقررا استشارة يوسف بن بخت، زعيم الموالي في جند قنسرين (٩). وبعد الاطلاع على الرسالة ومناقشتها من قبل الزعماء الثلاثة، قرروا أن محاولة عبد الرحمن في إعادة الحكم الأموي إلى الأندلس تستحق الدعم والتشجيع، لا سيما أنها سوف تحقق لهم في حالة نجاحها مكاسب كبيرة، وتضعهم في مصاف الحاشية المقربة للأمير. يضاف إلى ذلك، أن نجاح قضية عبد الرحمن سيضمن بالتأكيد مصالح الموالي عامة، وبشكل خاص تملكهم للعديد من الضياع الممتازة، هذا فضلاً عن أن الأمير سيعهد لهم بمعظم المناصب الرفيعة في حكومته الجديدة. ومع هذا، فقد قرر زعماء الموالي التريث، والاطلاع على رأي الصميل بن حاتم في هذا الأمر. وكانوا واثقين من إمكانية الاعتماد على كتمانه للسر، وأنه حتى في حالة رفضه للأمر، فسوف لن يشي بهم عند يوسف الفهري (١٠). وعلى الرغم من ذلك، فقد كان أحد زعماء

стр. 83

الموالي، وهو عبد الله بن خالد، يشك في مساعدة الصميل في تحقيق مشروع عبد الرحمن بن معاوية، لأن أي تغيير في نظام الحكم القائم في الأندلس سيجرد الصميل من قوته ونفوذه في البلاد. ولهذا السبب فقد قرروا أنه من الأفضل إخفاء غرض عبد الرحمن الحقيقي في طلب السلطة، والاكتفاء بشرح الحالة للصميل قائلين أن عبد الرحمن لا يريد إلا الحماية والأمان، واستعادة أملاك الخمس التي تعود إلى جده هشام ابن عبد الملك (١١). موقف الصميل من قضية عبد الرحمن بن معاوية: وكان الصميل في هذه الأثناء محاصراً في سرقسطة من قبل بعض المجموعات العربية التي قامت بالتمرد على إدارة الصميل ويوسف المشتركة، بقيادة عامر بن عمرو العبدري، والحبحاب بن رواحة الزهري. وقد ضاق الأمر على الصميل ولم يستطيع يوسف الفهري أن ينجده لضعف أمره في قرطبة، بسبب الجفاف والجوع الذي حل في البلاد حتى إنه لم يعد يستطيع الخروج والركوب إلا بنحو خمسين رجلاً من حرسه فقط. فاضطر الصميل إلى طلب النجدة من جماعته وأبناء جنده في كورتي قنسرين والبيرة. ولكي يقدم الموالي يداً للصميل، ساهموا في الحملة التي خرجت من هذين الجندين لنجدته في سرقسطة. وإن هذه المساهمة، بطبيعة الحال ستتيح لهم الفرصة لمقابلة الصميل وعرض أمر عبد الرحمن بن معاوية عليه. فساروا بثلاثين فارساً يصحبهم بدر مولى عبد الرحمن، حيث نجحت الحملة في فك الحصار عن الصميل الذي سر سروراً عظيماً بمنقذيه، وكان هؤلاء الموالي، وبدر أيضاً من جملة الذين نالوا مكافأة الصميل المجزية. وقد باح زعماء الموالي الثلاثة إلى الصميل بسرهم أثناء عودتهم إلى قرطبة، وطلبوا مشورته، قائلين بأنهم سيكونون تبعاً لرأيه، وذلك بالموافقة على أي أمر يقبل به والامتناع عما يرفضه. فلم يجبهم في أول الأمر، ووعدهم بالتفكير في المسألة، لكنه لم يلزم نفسه بأي شيء قبل أن يصل قرطبة. ورجع الموالي إلى مناطق سكناهم في البيرة وجيان، وانتظروا هناك بضعة أشهر حتى كانت لهم الفرصة لرؤية الصميل مرة أخرى. وفي أثناء ذلك الوقت عاد بدر إلى سيده في شمال أفريقيا ليعلمه بنتائج رحلته إلى الأندلس (١٢).

стр. 84

أما في الأندلس، فقد انشغل واليها بالتهيؤ لإخضاع المتمردين في سرقسطة، فأمر فى عام ١٣٧ هـ/٧٥٤ - ٧٥٥ م باستدعاء الجند من الكور، وأرسل فى طلب كل من أبي عثمان وعبد الله بن خالد لحث موالي بني أمية على الالتحاق بالحملة المتوجهة لقتال المتمردين، ولم يكن زعيماً الموالي يرغبان بمساعدة يوسف الفهري، فأخبراه بعدم إمكانية جماعتهم للمساهمة في الحملة بسبب المجاعة المستمرة في البلاد، ولأن معظم من كان لديه القدرة على المساهمة، سبق أن شارك في حملة الانقاذ التي توجهت لنجدة الصميل في سرقسطة، وهم منهكون بسبب تلك الرحلة الشتوية الشاقة. وقد قدم لهما يوسف مبلغ ألف دينار لتوزيعها على أتباعهم، لكنهما رفضا أخذ المبلغ نظراً لقلته بالنسبة إلى خمسمئة رجل من الموالي. وبعد أن غادرا الوالي، فكرا في أمر المال وإمكانية استخدامه في تسهيل قضية عبد الرحمن بن معاوية، فرجعا وأخذا الألف دينار. ثم وزعا قسماً من هذا المال على أتباعهما، دون مطالبتهم بالالتحاق بجيش يوسف، واحتفظا بالبقية لوقت الحاجة. وفي ذي الحجة ١٣٧ هـ/نيسان- أيار ٧٥٥ م عسكر يوسف الفهري في (مخاضة الفتح) بالقرب من جيان لاستكمال التجميع النهائي لجيشه، وتوزيع الأعطيات على الجنود. وعندما سأل عن الموالي، أجابه أبو عثمان بإمهالهم حتى يبلغ الأمير طليطلة ثم يلحقونه بها، وذلك بعد أن يحصدوا شيئاً من شعيرهم، لأن سنة ١٣٧ هـ/٧٥٤ - ٧٥٥ م كانت سنة رفاء. فصدقه يوسف ولم يتبادر إلى ذهنه أنه يخدعه، وسمح له بالرجوع إلى الموالي وحثهم على الإسراع والتهيؤ، وغادر هو إلى طليطلة. ولكن أبا عثمان وعبد الله بن خالد لم يغادرا. بل بقيا لمقابلة الصميل، الذي كان ما يزال معسكراً في المنطقة. وقد طلب زعيما الموالي مقابلة الصميل على انفراد، وذكراه بأمر عبد الرحمن بن معاوية. فأجابهما الصميل: إنه لم يغفل ذلك بل فكر فيه ملياً، وكتم أمره ولم يشاور فيه قريباً ولا بعيداً، وأعلمهما أنه يرى بأن عبد الرحمن حقيق بنصره، ومستحق لهذا الأمر، وسألهما أن يكتبا له ويدعوانه للعبور إلى الأندلس. وأضاف بأن يوسف لن يستطيع التدخل، وإنه، أي الصميل، سوف يشير عليه بأن يزوج إحدى بناته من عبد الرحمن، وبهذا يصبح الأخير واحداً منهم، فإن فعل يوسف ذلك استحق الشكر والتقدير من الجميع، وإن كره، هان عليهم إقناعه بالسيف. وقد فرح الزعيمان لسماع مثل هذا الجواب الشافي، وخرجا من عند الصميل، وهما يعتقدان بأنهما قد وفقا في خطتهما (١٣).

стр. 85

وعلى الرغم من إدعاء الصميل أنه قد فكر في الأمر وتروى فيه، يبدو أنه لم يكن متاكداً تماماً من موقفه إزاء عبد الرحمن بن معاوية. فيُروى أنه حينما أعطى جوابه إلى زعيمي الموالي في ذلك الصباح، كان قد استيقظ وهو كاره ليوسف الفهري، ولم يكن يعي تماماً خطورة موافقته على دخول عبد الرحمن (١٤). ولهذا فبعد أن غادره أبو عثمان وعبد الله بن خالد، فكر الصميل أكثر بالأمر ودرس نتائجه الخطيرة، وماذا سيكون من أمر القبائل العربية في الأندلس، بل ماذا سيكون من أمره هو، لأنه بالتأكيد أول من سيفقد نفوذه القوي وزعامته للبلاد. وما أن أدرك الصميل ذلك، حتى بادر بإرسال أحد خدمه ليطلب إلى الزعيمين الأمويين التوقف، وذهب إليهما بنفسه، وأخبرهما عن تغيير رأيه إزاء قضية عبد الرحمن بن معاوية. وقد أوضح لهما موقفه قائلاً: بأنه قد فكر بالأمر، وتوصل إلى أنه لا يتمكن من تأييده، لأنه، أي عبد الرحمن بن معاوية، من أسرة قوية يكفي أي فرد منها أن يطغى بنفوذه على كل زعماء الجزيرة، وبضمنهم الصميل نفسه. كما لفت انتباههما إلى أنهم ملزمون جميعاً بطاعة يوسف الفهري الذي يخضع دوماً إلى آرائهم، وينفذ مطالبهم. واختتم الصميل حديثه معهم بالقول بأنه سيكون أول من يسل سيفه على عبد الرحمن ويحاربه ولكنه، مع ذلك، على استعداد لإعانته في أمره إن طلب غير السلطان والولاية، وإنه سيضمن له مواساة يوسف وإكرامه له وتزويجه من ابنته (١٥). الاتصال بزعماء القبائل اليمنية ونجاح دعوة عبد الرحمن: بعد أن فقد زعيما الموالي الأمل في مساعدة الصميل، وبالتالي مساعدة جندي قنسرين ودمشق، لم يكن أمامهما سوى الاتصال بجماعة اليمنيين الذين كانوا يضمون الكثير من البلديين الأوائل، ومعظم رجال الأجناد في حمص والأردن وفلسطين. ومن هنا ففي طريق عودتهما إلى بلدهما، فاتحا كل من يوثق به من الزعماء اليمنيين، ودعوهما إلى تأييد مشروعهما بتحويل الحكم في الأندلس إلى عبد الرحمن بن معاوية. وقد نجحا في ذلك نجاحاً كبيراً، وكانت استجابة اليمنيين مشجعة جداً. ويعود السبب في ذلك إلى أن اليمنيين كانوا منذ هزيمتهم في شقندة يتحينون الفرصة للانتصاف لأنفسهم من الصميل ويوسف. يضاف إلى ذلك، امتعاضهم من إدارة الصميل ويوسف

стр. 86

المشتركة التي استهدفت تجريدهم من بعض ممتلكاتهم لصالح مؤيدي الصميل من جندي قنسرين ودمشق. ولقد كان هؤلاء اليمنيون، بالإضافة إلى الكثير من جماعات البلديين الأوائل، والبربر، وحتى بعض الأفراد القيسيين من جندي دمشق وقنسرين، الذين نفروا أيضاً من سياسة الصميل، يفضلون أي تغيير سياسي في البلاد، فسارعوا بالانضمام إلى تأييد دخول عبد الرحمن إلى الأندلس (١٦). استغل موالي بني أمية نجاح الدعوة لعبد الرحمن، فعجلوا في العمل على وصوله إلى الأندلس وبخاصة أن يوسف والصميل كانا مشغولين في حملتهما على المتمردين في سرقسطة. فابتاعوا قارباً، وأرسلوا خمسمئة دينار مع وفد يتألف من أحد عشر عضواً، يرافقهم بدر الذي كان قد رجع من شمال أفريقيا. وكان هذا الوفد برئاسة تمام بن علقمة الثقفي، ويتألف في معظمه من الموالي. وكان على تمام أن ينفق المال على الأمير عبد الرحمن، ويوزع منه على مضيفه من بربر مغيلة الذين كان يعيش عند شيخهم أبو قرة المغيلي. ومن الجدير بالذكر أن هذه الخمسمئة دينار كانت من بقية المبلغ الذي أخذه الموالي من يوسف الفهري لكي يرافقوه في زحفه على سرقسطة، وقد شاءت الأقدار أن يستعمل هذا المال في نصرة زعيم آخر ينازع يوسف إمارة الأندلس. وعند وصول الوفد إلى شمال أفريقيا، قدّمهم بدر إلى سيده عبد الرحمن، وأخبره عن نجاحهم في الأندلس. وبعد أن تم استرضاء بربر مغيلة، أبحر الأمير عبد الرحمن إلى الشاطئ الاسباني، فنزل في ميناء المُنَكَّب Almunecar، وهو ميناء صغير يقع بين مدينة المرية ومالقة، في ربيع الثاني ١٣٨ هـ/أيلول ٧٥٥ م. وقد استقبله كل من عبد الله بن خالد، وأبي عثمان، اللذان أخذاه أولاً إلى منزل ابن خالد في الفنتين، ومن ثم إلى مسكن ابن عثمان في قرية طُرش (١٧). دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس: أحدث وصول عبد الرحمن إلى الأندلس حركة نشيطة بين صفوف أنصاره من الموالي وغيرهم من اليمنيين. فجاءه إلى مقره في طُرش أبو الحجاج يوسف بن بخت، وجاءته الأموية كلها، كما وفد عليه كل من جدار بن عمرو المذحجي من أهل رية، وعاصم بن مسلم الثقفي، وأبو عبدة حسان، وغيرهم. وأخذ معسكر عبد الرحمن يزداد

стр. 87

بالمؤيدين والأنصار من كل مكان. وعندما علم يوسف الفهري بوصول عبد الرحمن، كتب إلى عامله على البيرة، يأمره بالقبض على الداخل، ولكن عامل البيرة أجاب أنه من الصعب تنفيذ هذا الأمر، نظراً لأن عبد الرحمن كان محمياً من قبل مواليه وعدد كبير آخر من المؤيدين. وقد علم موالي بني أمية بهذه المراسلات، فأخفوا عبد الرحمن في المناطق الجبلية المجاورة. وفي الوقت نفسه حاولوا تضليل يوسف الفهري، فكتبوا إليه بأن عبد الرحمن لم يعبر إلى الأندلس طمعاً بالملك والولاية، كما يظن الأمير يوسف، بل جاء يطلب الثراء والأمان بين مواليه. وفي رواية أخرى أن عامل البيرة هاجم فعلاً عبد الرحمن وحماته، لكنه هُزم ولم يتمكن من إلقاء القبض عليه. وقد أعلم يوسف بهذا، وبكل الموقف المتعلق بنزول عبد الرحمن إلى الأندلس، من قبل رسول أرسلته زوجته أم عثمان من قرطبة. وقد وصل هذا الرسول إلى يوسف حينما كان عائداً بجيشه من سرقسطة، بعد أن قضى على التمرد وأعدم قادته هناك. وقد نصح الصميل يوسف بوجوب التوجه فوراً لملاقاة عبد الرحمن. وكان يوسف يرغب فعلاً في هذا، ولكن هذه الأنباء انتشرت بسرعة بين صفوف الجيش، وسببت قلقاً عظيماً في المعسكر. لا سيما وأن الكثيرين من أتباع يوسف كانوا متعبين من أثر حملة كانوا قد قاموا بها على بلاد البشكنس أو الباسك، كما كان البعض منهم ساخطين على يوسف والصميل لقتلهما الزعماء القرشيين المتمردين في سرقسطة. ومن هنا، فقد رفض جنود يوسف الشروع في حملة جديدة، وغادروا معسكره، ولم يبقى معه من أجناد اليمن سوى عشرة رجال. أما بقية الجيش الذي يضم الشاميين في جندي جيان والبيرة، فقد ظلوا لكنهم كانوا قد ملوا السفر، ولهذا حاولوا تهوين الأمر على يوسف وإقناعه بالمضي إلى قرطبة أولاً. لكن الصميل أصر على رأيه الأول في مهاجمة عبد الرحمن بأسرع ما يمكن، فتوجه الجيش لهذا الغرض، ولكن حلول الشتاء وهطول الأمطار وفيضان الأنهار، جعل من المتعذر الاستمرار بالحملة، لذلك أمر يوسف جنده بالرجوع إلى قرطبة (١٨). ويذكر أن الذي شجع يوسف على العودة إلى قرطبة ما ترامى إلى سمعه من أن عبد الرحمن لم يدخل طمعاً بالإمارة، بل لالتماس العيش بها، ومن هنا فمن الممكن أن تنفع المفاوضة معه بدلاً من القتال. فأرسل إليه وفداً يضم ثلاثة أعضاء، ويحمل هدايا نفيسة تتضمن ملابس وخدماً وحيوانات للركوب وألف دينار. وكانت لدى الوفد تعليمات بعرض الثروة والزواج من إحدى بنات يوسف بن عبد الرحمن، فيما إذا كف

стр. 88

عن المطالبة بإمارة الأندلس. وهناك إشارة إلى أن الوفد عرض على عبد الرحمن أيضاً ولاية منطقتين، هما جند دمشق في البيرة، وجند الأردن في رية (١٩). وقد سار الرسل نحو طُرش، ولكنهم ما إن وصلوا إلى أُرش Orch في أدنى كورة رية، حتى تركوا أحدهم مع الهدايا، حيث كان عليه أن يرجع بها إلى قرطبة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مع عبد الرحمن. وكان الوفد يحمل تعليمات بعرض الصلح والمصاهرة والسلم على عبد الرحمن، وقد مال بعض مؤيديه إلى قبول ذلك، فطلب الأمير من أبي عثمان أن يجيب على رسالة يوسف بالقبول. ويبدو أن أبا عثمان لم يكن راضياً عن نتائج المفاوضات، ولهذا فقد افتعل خصاماً مع أحد الرسل بشأن الرد على الرسالة، وألقى القبض عليه. ثم ذكر الموالي الأمويون لعبد الرحمن أن هذا الحادث هو فاتحة خير ونصر لهم جميعاً على يوسف الفهري. ثم أطلقوا سراح الرسول الثاني، وحاولوا الاستيلاء على الهدايا المخلفة مع الرسول الثالث في أرش، لكن الأخير، وقد علم بنبأ الخصام، نجح بالفرار إلى قرطبة (٢٠). تنظيم أنصار عبد الرحمن وبدء الصراع مع يوسف الفهري: لقد كان زعماء موالي بني أمية يعرفون موقف الصميل الدقيق من الأمر، ولا يعتقدون أبداً بإمكانية التوصل إلى حل وسط بين الطرفين. ومن هنا فقد شرعوا فور وصول عبد الرحمن إلى الأندلس بالقيام بسلسلة من الاتصالات مع مختلف الجماعات في المناطق المجاورة. فتوجه يوسف بن بخت إلى كورة رية حيث ضمن تأييد جند الأردن. وكذلك سار عبد الله بن خالد إلى جند فلسطين في شذونة. أما أبو عثمان فقد بقي في طُرش ليهتم بأمر عبد الرحمن، وينظم أولئك الذين جاؤوا لنصرته. ولقد كانت ردود فعل الجندين المذكورين آنفاً مشجعة جداً، أما جندا قنسرين ودمشق، فقد وقفا إلى جانب يوسف والصميل، باستثناء بعض أفرادهما الذين انضموا إلى عبد الرحمن. وقد قرر موالي بني أمية وعبد الرحمن مغادرة كورة البيرة لعدم توفر مؤيدين كثيرين في هذه الكورة. وكانت خطتهم السير إلى الأجناد التي تضم أهل اليمن فى رية وشذونة وإشبيلية، أي أجناد الأردن وفلسطين وحمص. فساروا بستمئة فارس إلى كورة رية. وقد أيد قائد جند الأردن، جدار بن عمرو، عبد الرحمن، وطلب من خطيب جامع

стр. 89

أزشُذُونَة Archidona، قاعدة كورة رية، أن يخلع يوسف الفهري ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، وذلك في اليوم الأول لعيد الفطر (سنة ١٣٨ هـ/٨ آذار ٧٠٦ م) الذي صادف دخول الأمير إلى هذه المدينة، فكانت هذه أول خطبة باسم عبد الرحمن على منابر الأندلس. وقد أيد كل أهالي أرشذونة هذا القرار وأقسموا يمين الولاء للأمير الجديد (٢١). وأقام عبد الرحمن ومواليه نحو عشرين يوماً في رية، أرسلوا خلالها مبعوثاً إلى عبد الرحمن بن عوسجة، زعيم البربر في منطقة تاكُرنا (إقليم رندة الحالية). وقد وافق الأخير على تأييد عبد الرحمن، وقدم أربعمئة فارس بربري من موالي الأمويين من بني الخليع في تاكُرنا فالتحقوا بقوات عبد الرحمن. وكان هؤلاء الموالي من موالي يزيد ابن عبد الملك، فأصبحوا في ولاء عبد الرحمن. إن هذه الجماعة من البربر، والجماعات البربرية الأخرى التي أيدت قضية عبد الرحمن بن معاوية، كانوا جميعاً يعملون بالتنسيق مع اليمنيين، لأنهم اعتقدوا بأن التعاون مع العشائر اليمنية المعتدلة من أجل تغيير النظام في الأندلس سوف يعمل بالتأكيد على تحسين الوضع لصالحهم. فقد تأثرت ممتلكات البربر وحيازتهم للأرض، كما هو الحال بالنسبة لليمنيين أيضاً، بإجراءات الصميل وسيطرته المطلقة على البلاد. ولكن من الناحية الأخرى، ساندت جماعات أخرى من البربر يوسف والصميل. وكان هؤلاء، بطبيعة الحال، حلفاءهم المنتفعين الذين فضلوا -مثلهم في هذا مثل الشاميين في جندي جيان والبيرة- استمرار الوضع القائم (٢٢). وصل عدد مؤيدي عبد الرحمن إلى نحو ألفي فارس حينما غادر رية إلى شذونة. وفي هذه الكورة الأخيرة انضم إليه عدد كبير من البربر من قبيلة مغيلة، وهم من بني الراس. وقد رحب قادة جند فلسطين، الذين كانوا مستقرين بهذه الكورة، بعبد الرحمن وأيدوه. ومن شذونة أرسل الموالي إلى جند حمص في إشبيلية، وإلى بقية المستقرين في غرب البلاد، يخبرونهم بمسيرتهم إليهم. وبعد أن جاء رد هؤلاء بالموافقة، توجه عبد الرحمن ومواليه وأنصاره إلى إشبيلية. وقد مروا في طريقهم بمورور، التي كانت مقراً للعديد من البربر الذين دخلوا مع زعيمهم، إبراهيم بن شجرة البرنسي، في طاعة عبد الرحمن. وعندما وصل الأمير الأموي إلى إشبيلية، رُحب به من قبل اليمنيين الشاميين والبلديين على حد سواء. وقد استقبله سادة هذه المنطقة، وعلى رأسهم أبو

стр. 90

الصباح يحيى اليحصبي، وحيوة بن ملامس الحضرمي، حيث أقسموا له يمين الطاعة والولاء (٢٣). ولقد ازدادت قوات عبد الرحمن بمن انضم إليه من اليمنيين والبربر، فأصبحت تتألف من نحو ثلاثة آلاف فارس وعدد كبير من المشاة. وفي هذه الأثناء أراد يوسف والصميل أن يهاجما عبد الرحمن وهو في جند حمص، فسارا بمؤيديهما من جندي قنسرين والبيرة. ولكن ما إن سمع عبد الرحمن بهذا حتى غادر إشبيلية متوجهاً إلى قرطبة بغية الاستيلاء عليها بشكل مفاجئ. ولما أدرك يوسف والصميل، اللذان كانا يسيران بمحاذاة الجانب الآخر لنهر الوادي الكبير، غرض عبد الرحمن، شرعا بالعودة فوراً إلى قرطبة. وهكذا تقابل الجيشان وجهاً لوجه لا يفصلهما سوى نهر الوادي الكبير. كان للأجناد الثلاثة المرافقة لعبد الرحمن، أي الأردن وفلسطين وحمص، ألويتها الخاصة، بينما لم يكن للأمير الأموي علم خاص، لهذا فقد بادر أبو الصباح اليحصبي وعقد له لواء بسيطاً يتألف من عمامة مثبتة على رمح. وحدث هذا في إقليم طشانة Tocina في كورة إشبيلية، بالقرب من بلدة نوبة البحريين، التي كان يسكنها بنو بحر الذين ينتمون إلى قبيلة لخم (٢٤). معركة المصارة ودخول عبد الرحمن قرطبة: كانت مياه نهر الوادي الكبير في أقصى ارتفاعها في ذلك الوقت، ولهذا فقد كان من المستحيل على الجيشين عبور النهر. ولكن عبد الرحمن كان متلهفاً لدخول قرطبة ليحصل على تأييد موالي بني أمية الموجودين في المدينة، لذلك عمد إلى إيقاد النار في معسكره ليوهم يوسف أنه مقيم، ثم حاول تحت جنح الظلام أن يسير ويسبق يوسف إلى قرطبة. وكادت خطته أن تنجح لولا تنبه يوسف وصاحبه الصميل لرحيله المفاجئ، فأسرعا عائدين لإنقاذ المدينة. فابتدأ السباق بين الجيشين للوصول إلى قرطبة؛ فكلما سار عبد الرحمن سار يوسف، وكلما عسكر أحد الجيشين، عسكر الآخر في الجهة المقابلة من النهر. وأخيراً توقف جيش يوسف عند المصارة Almazara بالقرب من قرطبة مواجهاً لمنافسه عبد الرحمن الذي فشل في دخول المدينة. وقد أدى هذا الفشل إلى استياء في جيش عبد الرحمن، وبشكل خاص بين الرعاع من هؤلاء، الذين كانوا يأملون في دخول العاصمة والتمتع بخيراتها تعويضاً عما لاقوه من صعوبات وقلة في

стр. 91

الطعام أثناء المسير، حيث أنهم لم يجدوا في طريقهم سوى بعض النباتات التي كانت تنمو في فصل الربيع على الطريق بين إشبيلية وقرطبة (٢٥). انتظر الفريقان ثلاثة أيام حتى ينخفض مستوى ماء النهر - من يوم الاثنين السادس من ذي الحجة إلى الخميس التاسع منه عام ١٣٨هـ/الحادي عشر إلى الرابع عشر من أيار ٧٥٦ م. وفي هذه المدة كان عبد الرحمن يركز انتباهه على أمرين: الأول، هو إنهاء الترتيبات الخاصة بتنظيم قواته وتعيين القادة على الفرق العسكرية المختلفة التي يتألف منها جيشه، والأمر الآخر هو مشكلة عبور النهر دون التعرض إلى خطر الهجوم من قبل الجيش المعادي في الطرف الآخر. فعين عبد الرحمن بن نعيم الكلبي على الخيالة من أهل الشام، وبلوهة اللخمي على المشاة من اليمنيين. وأقام على مشاة بني أمية والبربر عاصم بن مسلم الثقفي، الذي بلغ من حماسه للقتال أن خلع سراويله للعبور والخوض في النهر، فسمي لذلك بالعريان. وجعل على خيل بني أمية حبيب بن عبد الملك القرشي، كما أعطى قيادة فرسان البربر إلى إبراهيم بن شجرة البرنسي، وأخيراً عهد بلواء الجيش كله إلى أحد زعماء الموالي، وهو أبو عثمان عبيد الله بن عثمان. وبالنسبة للمشكلة الثانية، فقد شرع عبد الرحمن في الاتصال بيوسف الفهري وإجراء مفاوضات تمويهية معه بشأن التوصل إلى حل سلمي بين الطرفين. فأرسل عبد الرحمن وفداً إلى يوسف ينبئه بقبول شروطه السابقة، ورجاه ألا يعارض في عبوره هو وجنده إلى الجانب الآخر من النهر ليكون الطرفان جنباً إلى جنب تسهيلاً للمفاوضات. وقد جازت هذه الحيلة على يوسف، فلم يعترض على عبور جيش عبد الرحمن، بل بادر أيضاً بإرسال الغنم والبقر إليهم لإطعامهم. وهكذا قضى جنود الجيشين ليلتهم لا يشكّون بتمام الصلح بين الطرفين. ولكن مفاوضات عبد الرحمن مع يوسف لم تكن سوى وسيلة لتمكينه من العبور بسلام. وما أن تحقق له هذا الهدف، حتى هاجم في صباح اليوم التالي الباكر (الجمعة العاشر من ذي الحجة ١٣٨ هـ/الخامس عشر من أيار ٧٥٦ م) جيش يوسف على حين غرة، واضطره للقتال دون استعداد وتنظيم كاملين. فتولى أمر المشاة على الفور ثلاثة من القادة، وهم كنانة بن كنانة، وجوشن بن الصميل، وعبد الله بن يوسف الفهري. أما خيالة أهل الشام فأعطيت قيادتها إلى علي بن عبيد الكلابي، وقد تزعم أحد موالي يوسف، واسمه خالد سَوْدي، قيادة موالي يوسف وحلفائه من البربر (٢٦).

стр. 92

نشب القتال بالقرب من المصارة، وكانت المعركة قصيرة التحم فيها فرسان عبد الرحمن بالقلب والجناح الأيمن لقوات يوسف وهزموها. ومن هنا فقد فر من أرض المعركة خالد سودي وأتباعه من البربر والموالي، وقتل قادة المشاة الثلاثة المذكورين أعلاه. وقد حاول قائد الجناح الأيسر، عبيد بن علي الكلابي، أن يتدارك الموقف، لكنه لم يتمكن من الصمود أمام فرسان عبد الرحمن فقتل هو أيضاً مع الكثير من رجاله. ولم يكن أمام الصميل بن حاتم الكلابي سوى الهرب إلى جنده في جيان. أما يوسف الفهري، فقد فر هو الآخر من المعركة، وأراد الدخول إلى قرطبة، لكن منعه أحد قادة البربر فاضطر إلى الالتجاء إلى طليطلة أو البيرة (٢٧). بعد الانتصار دخل عبد الرحمن إلى قرطبة، ثم أدى صلاة الجمعة في مسجدها الجامع، حيث بايعه أهلها على الطاعة. وقد استغلت بعض العناصر في جيشه هذه الفرصة، وملكها الجشع فشرعت في نهب المدينة، وبشكل خاص، أماكن سكن يوسف الفهري والصميل وممتلكاتهما. هاجم اثنان من عشيرة طيء اليمنية مقر إقامة الصميل في شقندة، على مقربة من قرطبة، ونهباه، وأخذا من جملة الأشياء الثمينة صندوقاً يحوي عشرة آلاف دينار. وعندما علم عبد الرحمن بأعمال السلب والنهب التي جرت في المدينة، أمر بالكف عنها، وإعادة ما أخذ من الأموال إلى أصحابها. ولكن هذا الموقف لم يحظ بتأييد كل أنصار عبد الرحمن، وقد غضب اليمنيون واتهموه بالتعصب إلى قبيلته قريش. أما القادة العقلاء، فقد أخفوا عدم موافقتهم وقبلوا بموقفه، على الرغم من خيبة أملهم فيه. ويعود السبب في هذا إلى أن غرض اليمنيين الأول من تأييد عبد الرحمن كان التخلص من يوسف والصميل، والحصول على المزيد من المصالح والممتلكات نتيجة لتغيير النظام. ولكن موقف عبد الرحمن أثبت خطأ تقديراتهم. ومن هنا فقد أراد بعض قادتهم القيام بعمل سريع ضده والانقلاب عليه وعلى مواليه الأمويين، ليتمكنوا من الاستئثار بالأندلس وحدهم. وكان أبو الصباح اليحصبي، زعيم غرب الأندلس، من أهم القادة اليمنيين الداعين إلى هذا الأمر. ومع ذلك، فقد أُفشيت المؤامرة بسرعة إلى عبد الرحمن، فاتخذ إجراءات فورية لحماية نفسه ودولته الجديدة، فأنشأ شرطة، وعين عليها عبد الرحمن بن نعيم الكلبي، الذي كان ينتمي إلى قضاعة التي ظلت على ولائها له. وهذا أول منصب رسمي يتم إنشاؤه في عهد الأمير عبد الرحمن (٢٨). واختار أيضاً

стр. 93

حرسه الخاص من مواليه، كما أحاط نفسه بموالي الأمويين في قرطبة. نهاية عصر الولاية وقيام الإمارة الأموية في الأندلس: قامت الدولة الأموية في الأندلس على أثر انتصار عبد الرحمن بن معاوية في معركة المصارة ودخوله قرطبة في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة ١٣٨ هـ/١٤ أيار ٧٥٦ م. وعلى الرغم من هذا الانتصار، لم يتمكن الأمير الأموي أن يسيطر أول الأمر على الأندلس كلها. فلقد كان ليوسف والصميل الكثير من المؤيدين، مما شجعهما على محاولة استعادة سلطانهما السابق. وقد جاءت إلى يوسف عندما كان في طريقه إلى طليطلة نجدة من الشمال الشرقي، بقيادة ابنه عبد الرحمن، تقدر بخمسمئة فارس. وفي طليطلة نال يوسف تأييد حاكمها الفهري، هشام بن عروة، الذي قدم له تعزيزات كثيرة. وقد قاد يوسف هذه القوات إلى جيان حيث كان الصميل يستنفر أتباعه هناك. فالتقيا، واستوليا على جيان، وطردا منها العامل الذي عينه عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية. ثم سارا إلى البيرة، وأجبرا عاملها أيضاً على الفرار إلى المناطق الجبلية المجاورة. وبوصول هذه الأنباء إلى عبد الرحمن، وجد أنه لا مفر له من السير إليهما قبل أن يستفحل خطرهما على الوضع الجديد. وقد استخلف أبا عثمان على قرطبة، وترك معه بعض الموالي وسكان أهل المدينة من اليمنيين. ولكن ما إن علم يوسف بغياب عبد الرحمن عن قرطبة، حتى أوعز إلى ابنه أبي زيد، الذي كان في ماردة، بمفاجأة قرطبة واحتلالها. ونجح هذا الأخير في مهمته، لكنه لم يتمكن من البقاء فيها، وغادرها فور سماعه برجوع الأمير عبد الرحمن إليها، مكتفياً بأخذ أبي عثمان أسيراً معه. وقد أعاد عبد الرحمن تنظيم المدينة، وعهد بحراستها إلى رجل موثوق، هو عامر بن علي، جد بني فهر الرصافيين. ثم مضى لاستكمال حملته نحو البيرة، وعندما وصل هناك، وجد أن يوسف والصميل مستعدان للمفاوضات. ويبدو أنهما أحسا بعدم قدرتهما على الاستمرار في المقاومة، ففضلا الصلح مع عبد الرحمن. وتم التوصل إلى عقد اتفاق بين الطرفين في سنة ١٤٠ هـ/٧٥٧ م، اعترف بموجبه كل من يوسف والصميل بعبد الرحمن بن معاوية أميراً على الأندلس، مقابل احتفاظهما بكل أموالهما وأملاكهما، وإعلان العفو العام عن جميع أنصارهما. وقد رضي عبد الرحمن بهذه الشروط، ووافق يوسف على أن يستودعه ابنيه، أبا زيد عبد الرحمن، وأبا الأسود محمداً، ليبقيا رهينتين حتى تهدأ الأمور، ويسود السلام. كما تبادلا الأسرى، فأطلق عبد الرحمن سراح خالد بن زيد، الرسول الذي سجن على أثر فشل المفاوضات في طُرش، مقابل إطلاق

стр. 94

سراح أبي عثمان، الذي أسر في الهجوم على قرطبة (٢٩). ثم عاد الجميع إلى العاصمة، وسارت الأمور على خير ما يرام لفترة من الزمن، وعامل عبد الرحمن الجميع بلطف وكرم. وقد حاول بعض أعداء الوالي السابق مطالبته بحقوق لهم عنده أثناء ولايته، وادعوا أنه قد استولى هو والصميل على أراضيهم وممتلكاتهم، وطالبوا بمقاضاتهما أمام القاضي يزيد بن يحيى التجيبي. وكان هؤلاء يحسبون أن القاضي سيتحيز ضدهما، ولكنه تمالك نفسه، ولم يقض في أمرهما إلا بالحق، وأظهر براءتهما، فظلا مشمولين برعاية وإكرام الأمير (٣٠). ولكن الأمور لم تستمر على هذا المنوال، لأن الوضع الجديد في قرطبة لم يحظ بتأييد الكثير من الأسر القرشية من بني فهر وبني هاشم، الذين كانوا يتولون في العهد السابق أرفع المناصب في البلاد. وقد تحولت هذه المناصب الرئيسة إلى موالي الأمير، وأقربائه الذين جاءوا من المشرق، مثل عبد الملك بن عمر بن مروان، المعروف بالمرواني، وابنه عبد الله، وجزيء بن عبد العزيز بن مروان. ومن هنا، فقد بدأت الجماعات المتضررة بتحريض يوسف الفهري على الأمير الجديد. وقد أذعن يوسف لضغطهم، وحاول أن يستميل الصميل والأجناد الشاميين، لكنه فشل في حملهم على الاشتراك معه في التمرد على النظام الجديد. وعلى الرغم من هذا، فقد فر يوسف من قرطبة واستطاع أن يغري بعض البلديين والبربر في لقنت وماردة وطليطلة، فثاروا في هذه النواحي سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م. وقد حاول يوسف أن يستولي على مدينة إشبيلية التي كانت تحكم من قبل ابن عم الأمير عبد الرحمن، عبد الملك المرواني. ولكنه ما أن سمع بقدوم جيش عبد الرحمن إليه، حتى رفع الحصار عن إشبيلية، ومضى للقاء عبد الرحمن. وقد لاحق المرواني، وابنه عبد الله، حاكم مورور، يوسف، الذي خشي أن يقع بين كل من جيش عبد الرحمن، وجيش المرواني وابنه، فهاجم الجيش الأخير، وأسفرت المعركة عن هرب رجال يوسف، وفراره هو أيضاً إلى طليطلة. ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى هذه المدينة والالتجاء إلى قريبه هشام بن عروة الذي كان عاملاً عليها. فقد استطاع أحد أبناء الأنصار، ويدعى عبد الله بن عمر الأنصاري، أن يتعرف عليه ويقتله على الطريق على بعد ستة كيلو مترات من طليطلة. ثم أقبل عبد الله الأنصاري برأس يوسف على الأمير عبد الرحمن، فأمر بقتل أبي زيد بن يوسف، وأبقى الابن الآخر في السجن لصغر سنه. ولما كان أحد أبناء الصميل مشتركاً في هذه المؤامرة، فإن عبد الرحمن لم يكن ليصدّق بأن

стр. 95

الصميل كان لا يعلم بخطة يوسف في التمرد، وأن الأخير قام بهذا العمل من تلقاء نفسه. ومن هنا، فقد اتهم الصميل بهذا التدبير، وبالتستر على هرب يوسف، وألقى عليه القبض وسجنه في قرطبة. وبعد مقتل يوسف وابنه، قتل الصميل في سجنه مخنوقاً بتدبير من عبد الرحمن الداخل (٣١). وهكذا صفا الجو لعبد الرحمن، وانتهى على يديه العصر الأول للعرب في الأندلس، وهو عصر الولاة، وأصبح الحاكم الشرعي للبلاد، مؤسساً بذلك إمارة أموية مستقلة حكمت الأندلس نحو ثلاثة قرون.

стр. 96

الفَصْلُ الثَّانِي أعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار ابتدأ عهد الإمارة في الأندلس بانتصار عبد الرحمن بن معاوية في معركة المصارة، ولم تعد الأندلس تتبع الخلافة الإسلامية في المشرق كما كانت في عهد الولاة. بل أصبحت إمارة مستقلة سياسياً حكمها عبد الرحمن وذريته من بعده. وكان كل واحد من حكامها يسمى أميراً. أما عبد الرحمن، فقد لقب ب (الداخل)، لأنه أول من دخل الأندلس وحكمها من بني أمية. كما يعرف أيضاً باسم عبد الرحمن الأول، تمييزاً له عن أميرين آخرين حكما الأندلس باسم عبد الرحمن، وهما عبد الرحمن الثاني أو الأوسط، وعبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله. أما من الناحية الروحية، فقد استمر عبد الرحمن الأول لفترة قصيرة من الزمن بالخطبة والدعاء للعباسيين في المشرق، لكنه لم يلبث أن قطع الدعاء لهم، بعد أن أشار عليه عبد الملك بن عمر المرواني بذلك. وذكره بسوء صنيع العباسيين ببني أمية. ويذكر المقري أن عبد الرحمن تردد أول الأمر، لكنه قطع الدعاء حين هدده المرواني المذكور بالانتحار إذا لم يقطع الخطبة للخليفة أبو جعفر المنصور، فقطعها عبد الرحمن بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر (١). ولكن عبد الرحمن وإن كان قد قطع الخطبة للعباسيين، إلا أنه لم يلقب نفسه خليفة، واكتفى بأن أضاف إلى اسمه لقب (ابن الخلائف). ويعود السبب في عدم تلقبه بلقب خليفة، لأنه وخلفاءه كانوا يشعرون بأن الخلافة الإسلامية واحدة لا تتعدد، وأن الخليفة الشرعي للمسلمين، الملقب بأمير المؤمنين، لا يكون إلا لمن يملك الحجاز والشام والعراق، والمواطن التي هي ديار العرب ومراكز الدولة، وأهل الملة والفتح (٢). ويضيف

стр. 97

بعض المؤرخين إلى اسم عبد الرحمن لقب إمام (٣)، وهو أيضاً لقب ديني، لكن يبدو أنه لم يكن لقباً رسمياً يستعمل بالمفهوم الذي يعنيه لقب الخليفة. واستمر خلفاء عبد الرحمن الأول على هذا الحال حتى مجيء عبد الرحمن الثالث، الذي أعلن الخلافة الأموية في الأندلس، وتلقب بلقب أمير المؤمنين سنة ٣١٦ هـ/٩٢٩ م، كما سنرى فيما بعد. وقد نقل عبد الرحمن الأول صيغة الحكم الوراثي إلى الأندلس، وذلك بنقل السلطة إلى أولاده وأحفاده من بعده. وقد صاحب هذه العملية بعض المشاكل، لكنها لم تكن تضاهي ما كان يحصل في المشرق الإسلامي، أمور خطيرة نجمت عن اتخاذ هذا النظام. ويبدو أن عبد الرحمن الأول قد فشل في إيجاد نظام بديل لولاية العهد وتوفي سنة ١٧٢ هـ/ ٧٨٨ م دون أن يتوصل إلى قرار حاسم لهذا الأمر. وتشير الروايات إلى أنه تردد في إسناد ولاية العهد إلى ابنه الأكبر سليمان الذي ولد في الشام، ثم لحق بأبيه إلى الأندلس وأصبح أخيراً حاكماً على مدينة طليطلة، أو إلى ابنه الآخر هشام المولود في الأندلس من جارية اسبانية، وتولى شؤون مدينة ماردة. ويزعم بعض المؤرخين أن عبد الرحمن طلب من ابنه الثالث عبد الله المعروف بالبلنسي، أن يسلم الإمارة، في حالة وفاته، إلى من يسبق من الأخوين في الدخول إلى قرطبة، قائلاً: " فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه، وعفافه، واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه، ونجدته، وحب الشاميين له " (٤). فقدم هشام قبل سليمان، فنال الإمارة ودخل القصر. ولا يعقل، بطبيعة الحال، أن يترك عبد الرحمن ولاية العهد بهذا الشكل، وهو رجل الدولة القوي الذي أقام أركان الدولة الأموية بالأندلس ولا بد أنه عين الأمير هشام لهذا المنصب قبل وفاته. ولكن سليمان لم يعترف بهذا الأمر، فثار في طليطلة، وقامت الحرب بين الأخوين، وانضم الأخ الثالث عبد الله البلنسي إلى سليمان. وقد انتهت الأزمة بهزيمة سليمان وعبد الله، ونفيهما إلى المغرب. وقد تجددت المشكلة حين وفاة هشام سنة ١٨٠هـ/٧٩٦ م، وتولي ابنه الحكم الأول، فرجع عماه سليمان وعبد الله، وثارا مرة ثانية مطالبين بالإمارة. وانتهت ثورتهما هذه المرة أيضاً بالفشل وبمقتل سليمان سنة ١٨٤هـ/٨٠٠ م. أما عبد الله، فقد اضطر إلى عقد الصلح مع ابن أخيه الحكم الذي عفا عنه وحدد إقامته في مدينة بلنسية، ومن هنا صار يعرف بالبلنسي (٥).

стр. 98

وقد استمر نظام ولاية العهد في الأندلس في عهد الإمارة بعد ذلك يسير دون مشاكل، فعهد الحكم بن هشام إلى ابنه عبد الرحمن بولاية العهد، فانتقلت إليه الإمارة دون ضجة أو معارضة. ثم تولى بعد عبد الرحمن الثاني أو الأوسط ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي انتقلت الإمارة إلى اثنين من أبنائه، وهما المنذر بن محمد الذي حكم سنتين تقريباً، وعبد الله بن محمد الذي حكم نحو خمس وعشرين عاماً. وعهد الأمير عبد الله بالحكم من بعده إلى أحد أحفاده، وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الذي حكم نحو نصف قرن، وفي عهده أعلنت الخلافة، وابتدأ عهد جديد من عهود العرب في الأندلس، وفيما يأتي ثبت بأسماء الأمراء الأمويين في الأندلس: ١ - عبد الرحمن الأول (الداخل) ١٣٨ - ١٧٢هـ/٧٥٥ - ٧٨٨ م ٢ - هشام الأول ١٧٢ - ١٨٠هـ/٧٨٨ - ٧٩٦ م ٣ - الحكم الأول ١٨٠ - ٢٠٦هـ/٧٩٦ - ٨٢٢ م ٤ - عبد الرحمن الثاني (الأوسط) ٢٠٦ - ٢٣٨هـ/٨٢٢ - ٨٥٢ م ٥ - محمد الأول ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ/٨٥٢ - ٨٨٦ م ٦ - المنذر بن محمد ٢٧٣ - ٢٧٥هـ/٨٨٦ - ٨٨٨ م ٧ - عبد الله بن محمد ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ/٨٨٨ - ٩١٢ م محمد (والد عبد الرحمن الناصر) لم يحكم ٨ - عبد الرحمن الثالث (الناصر) ٣٠٠ - ٣٥٠هـ/٩١٢ - ٩٦١ م وفي عهده أعلنت الخلافة العربية الإسلامية في الأندلس عام ٣١٦ هـ/٩٢٨ م

стр. 99

لم يكن هؤلاء الأمراء جميعاً على مستوى واحد من القدرة والتمكن من الاضطلاع بشؤون الحكم، فقد تميز منهم عدة أمراء، كان لهم دور كبير في مرحلة التأسيس والتوطيد لهذا العهد، نخص بالذكر منهم الأمير عبد الرحمن الأول، وكل من ابنه هشام الأول، وحفيده الحكم الأول. كما امتاز الأمير عبد الرحمن الثاني بنبوغه وحكمته في إرساء القواعد التي وضعها عبد الرحمن الأول، ووصل بالبلاد إلى حقبة تميزت بالاستقرار والازدهار السياسي والحضاري والاقتصادي. وقد انشغل الأمراء الآخرون بالفتن والثورات التي كانت تقوم على الدولة من قبل مختلف الجماعات والشرائح الاجتماعية التي تعيش في البلاد. فقضوا سنوات حكمهم في صراع مرير لتحقيق وحدة البلاد، ومن هؤلاء الأمراء، الأمير محمد بن عبد الرحمن، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة من حكمه، وكذلك ابنيه الأميرين المنذر وعبد الله. وسنحاول فيما يأتي التعرف على أهم إنجازات الأمراء بوجه عام في سبيل تثبيت السلطة والاستقرار، على الصعيدين الداخلي والخارجي. أ - إنجازات الأمراء لتثبيت السلطة الأموية على الصعيد الداخلي: ١ - محاولة تغيير مفهوم الحكم وإحلال سلطة الدولة محل سلطة القبيلة: كانت السلطة في عهد الولاة قبلية، وعلى الرغم من وجود والٍ أو أمير للبلاد، لكن كل قبيلة كانت تخضع لزعيمها، الذي يسعى للحصول على المصالح والامتيازات له ولأفراد قبيلته، ويتصرف مع بقية العشائر والقبائل وفقاً لهذه السياسة. وكانت بعض القبائل عندما تنفرد بالسلطة تنكل بغيرها من القبائل. ولقد رأينا فيما سبق موقف الصميل ويوسف من بقية القبائل اليمنية، لا سيما بعد انتصارهما عليها في معركة شقندة. ومن هنا، فقد كان من أهم أهداف سياسة عبد الرحمن الأول، السيطرة القوية على البلاد، والتقليل من نفوذ رجال القبائل، وإحلال سلطة الدولة ممثلة بالأمير محل سلطة القبائل. وبما أن سلطة الدولة كانت فوق سلطة القبائل ومنازعاتها، لهذا نرى الأمير عبد الرحمن يقف موقفاً حازماً إزاء مؤيديه حينما حاولوا خلق جو من الفوضى والانتقام من المهزومين في معركة المصارة، وذلك بنهب العاصمة قرطبة. وقد ازدادت شكوك عبد الرحمن الأول في جدوى الاعتماد على رجال القبائل وزعمائهم، عندما اكتشف مؤامرتهم للتخلص منه في الساعات الأولى بعد انتصاره على يوسف والصميل. ففكر في تأسيس أول جهاز للشرطة للدولة الجديدة، وأحاط نفسه بالمؤيدين من موالي الأمويين، كما عهد إلى أقربائه، وبعض القادة الموالين من الأجناد بالمناصب الحساسة في البلاد. ونظراً لقلة هؤلاء المؤيدين في أول الأمر، اضطر عبد الرحمن إلى

стр. 100

أن يكيف نفسه للظروف، ويسترضي قادة القبائل، وبشكل خاص اليمنيين، فعين زعيمهم أبا الصباح اليحصبي حاكماً على مدينة إشبيلية. ولكن عبد الرحمن كان يخطط للتخلص نهائياً من نفوذ هؤلاء الزعماء، ولا يمكن أن يتم هذا الأمر إلا بخلق قوة جديدة في البلاد، تحل محل قوة رجال القبائل العرب. وبالفعل، فقد اتجه عبد الرحمن إلى تشجيع البربر على الانخراط في جيشه، ودعا الكثير منهم من شمال أفريقيا، وعاملهم بكرم زائد. وقد شجع هذا الموقف الذي اتخذه عبد الرحمن من البربر، المزيد من إخوانهم الآخرين للعبور إلى الأندلس والخدمة كقوة أساسية في جيشه. كما اشترى بالإضافة إلى هؤلاء الكثير من العبيد، حتى يقال أن عدد جيشه من هذين العنصرين بلغ نحو أربعين ألف رجل. وربما كان في هذا الرقم نوع من المبالغة، لكنه يشير دون شك إلى ازدياد اعتماد النظام الجديد على هذه القوة الفتية (٦). وكان من جملة المماليك الذين اشتراهم عبد الرحمن، سودانيون، وقد وضع لهم الأمير عرافة خاصة بهم تسمى بعرافة السود (٧). وهكذا تعددت الأصول التي يتألف منها جيش الأندلس، ولم يعد الأمير يعتمد على العنصر العربي فقط. ومع هذا، فقد ظل الجند العربي في الأندلس قوة أساسية، وكان يتألف من فئتين رئيستين: الشاميين والبلديين، ولكل منهما نظام دقيق في العطاء ذكره لنا المؤرخ ابن الخطيب في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة "، بتفصيل مفيد (٨). وقد حاول عبد الرحمن أن يستفيد من هذا الجند، إضافة إلى ما استحدثه من عناصر أخرى، فثبت من بقي على ولائه له. لكنه ألغى ديوان من ثاروا عليه، وأسقط لواء جندهم، كما فعل بجند باجة الذي ثار عليه بقيادة العلاء بن مغيث، فقاتله عبد الرحمن وهزمه، ثم أسقط الجند كله من الديوان، وحمل هو لواءه (٩). أما تنظيم فرق الجيش في عهد عبد الرحمن، فكان بسيطاً يتألف من فرقتين، هما فرقة الفرسان، وفرقة الرجالة (١٠). ولقد سار الأمير الحكم بن هشام، على خطى جده في تثبيت النظام والاستقرار، والاستكثار من الجند والمماليك. فيشير بعض المؤرخين إلى الحكم على أنه أول من جند

стр. 101

الأجناد، واتخذ العدة، ويصفونه بأنه كان أفحل أمراء بني أمية بالأندلس، وأشدهم إقداماً ونجدة، وكانوا يشبهونه أيضاً بأبي جعفر المنصور العباسي في شدة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء. وقد أكثر من شراء الأسلحة وتوفيرها للجند، كما اشترى أعداداً كبيرة من العبيد والمماليك يقدر عددهم بنحو خمسة آلاف مملوك، منهم ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل. ولما كان هؤلاء المماليك لا يعرفون اللغة العربية ولا يقدرون على النطق بها، فقد سموا بالخرس لعجمتهم (١١). وجعل الحكم من هؤلاء حرساً له، كما قسمهم إلى سرايا خفيفة حتى تستطيع الحركة السريعة للقضاء على المتمردين على الدولة. ويذكر مؤلف كتاب " أخبار مجموعة " أنه كانت للحكم ألفا فرس مربوطة إزاء قصره المطل على نهر الوادي الكبير، ويجمعها داران، على كل دار عشرة عرفاء، تحت يد كل عريف مئة فرس. وكان العرفاء يشرفون عليها وعلى علفها، حتى تكون مستعدة دوماً لكل ما يطرأ من أمور، فتتوجه على الفور، بأمر من الأمير، للقضاء على أية حركة معادية، أو للقبض على من تسول له نفسه القيام على الدولة (١٢). وهكذا استطاع هذا الأمير، ومن خلفه من الأمراء أن يثبتوا السلطة والاستقرار في البلاد، ويحموها من مخاطر المتمردين والطامعين. ٢ - محاولة الحفاظ على وحدة الأمة الروحية: كانت الحياة الدينية في الأندلس في الفترة الأولى متأثرة ببلاد الشام، فقد اعتنق أهل الأندلس مذهب الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام الشام المتوفى سنة ١٥٧ هـ/٧٧٣ م. وكان هذا الإمام من المجاهدين المرابطين في مدينة بيروت ضد العدو البيزنطي. ومن هنا، فقد كان مذهبه يركز على التشريعات الحربية، وأحكام الحرب والجهاد. وكانت هذه الأمور تناسب وضع أهل الأندلس في الفترة الأولى، حيث كان وضعهم في هذه البلاد قائماً على الحرب والجهاد، ولهذا اعتنقوا مذهب الأوزاعي (١٣). ومن العلماء الذين ساروا بالأندلس على نهج الأوزاعي، صعصعة بن سلام الشامي المتوفى سنة ٢٠٢ هـ/٨١٧ م. وكان تلميذاً للأوزاعي، وعليه كانت تدور الفتيا بالأندلس أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية، وصدراً من أيام هشام بن عبد الرحمن، وولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الشجر في مسجد قرطبة الجامع، وهذا على مذهب الأوزاعي (١٤).

стр. 102

ولكن أهل الأندلس بدأوا باعتناق مذهب الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المدينة المنورة، المتوفى سنة ١٧٩هـ/٧٩٥ م، وذلك منذ أيام الأمير هشام بن عبد الرحمن. وقد انتقلت الفتوى تبعاً لذلك إلى رأي مالك بن أنس، وانتشر علمه ورأيه في قرطبة والأندلس جميعاً، بل في شمال أفريقيا أيضاً. وقد وضع الإمام مالك في المدينة كتاباً في الفقه والحديث سماه (الموطأ) أي السهل الواضح. ثم ذاع صيت هذا الإمام، وانتشر كتابه في العالم الإسلامي، وأقبل الأندلسيون على اعتناق مذهبه. أما كيفية وصول هذا المذهب إلى الأندلس، فترجع إلى جهود بعض الفقهاء ورجال العلم الذين كانوا يرحلون إلى الحج في الحجاز، وهناك يلتقون بالإمام مالك، ويأخذون عنه علمه ومذهبه. وعندما رجع هؤلاء إلى بلدهم وصفوا فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره، فانتشر رأيه وعلمه بالأندلس. وكان رائد هذه الجماعة رجل يدعى زياد بن عبد الرحمن ابن زياد اللخمي المعروف بـ (شبطون)، توفي في حدود سنة ٢٠٤ هـ/٨١٩ م، وهو الذي كان فقيه الأندلس على مذهب مالك، وهو أول من أدخل موطأ مالك إلى الأندلس، وأخذ عنه تلميذه يحيى بن يحيى الليثي (١٥). وكان هذا الأخير المتوفى سنة ٢٣٤ هـ/٨٤٨ م يلقب بعاقل الأندلس، ويروى أن الإمام مالك هو الذي لقبه بهذا اللقب. فقد ارتحل يحيى إلى المدينة ولازم الإمام مالك للدراسة، فبينما هو عنده في مجلسه، مر فيل في شوارع المدينة، فخرج جميع الطلبة لمشاهدته، وبقى يحيى بن يحيى في مكانه لم يخرج، فقال له الإمام مالك: " ما لك لم تخرج لتنظر الفيل وهو لا يكون في بلادك؟ فقال له: لم أرحل لأبصر الفيل، وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك. فأعجبه ذلك منه، وسماه عاقل الأندلس " (١٦). أما على الصعيد الرسمي، فقد استهوى مذهب مالك، كما يُروى، الأمير هشام بن عبد الرحمن الذي نقل إليه بعض الأندلسيين ثناء وإعجاب مالك بن أنس به ومدحه له بقوله: نسأل الله أن يزين موسمنا به، أو نسأل الله أن يزين حرمنا بملككم. ولهذا فقد حمل هشام الناس على مذهب الإمام مالك، وترك مذهب الأوزاعي (١٧). وبطبيعة الحال، لا يمكن لمذهب من المذاهب أن ينتشر في بلد ما لمجرد الإعجاب المتبادل بين إمام المذهب وأمير البلد، ولا بد أن تكون هناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية ونفسية ساعدت على انتشار مذهب الإمام مالك في الأندلس.

стр. 103

فلقد قامت الإمارة الأموية مستقلة عن المشرق، وبشكل خاص عن الدولة العباسية التي كان مذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي. ويبدو أن تآلفاً في الموقف إزاء الدولة العباسية جمع بين مالك بن أنس والأمير هشام بن عبد الرحمن. فقد كان الإمام مالك لا يميل إلى العباسيين، حتى أنه أفتى ضدهم لصالح انضمام الناس إلى ثورة محمد ذو النفس الزكية. وقد أدت فتواه إلى غضب الخليفة أبو جعفر المنصور، ووالي المدينة الذي ضربه بالسياط. ولهذا فاعتناق أهل الأندلس، وأميرهم بشكل خاص لمذهب مالك يحمل بعداً سياسياً، ويحقق لهم النزعة الاستقلالية عن غيرهم من البلدان، ويؤكد شخصيتهم المتميزة. ومن ناحية أخرى، فقد كان لطبيعة أهل الأندلس والمغرب أثر في تقبلهم لمذهب مالك وعزوفهم عن غيره. وذلك أن هذه الطبيعة كانت تتميز بالبساطة والبعد عن التعقيد، وهي لهذا تشبه طبيعة أهل الحجاز الذين تغلب عليهم نزعة أهل الحديث والاعتماد على مذهب مالك الذي يتقيد بنصوص القرآن والحديث، ولا يلجأ إلى استعمال الرأي والقياس إلا في حدود ضيقة. وهذا على عكس البيئة العراقية التي تتميز بالتعقيد، لأنها تضم أجناساً متعددة ومللاً مختلفة، مما أدى إلى ظهور قضايا ومشاكل جديدة لا تنطبق عليها النصوص، وتحتاج إلى الاجتهاد والاستنتاج العقلي، والقياس، وعلى هذه الأسس يقوم المذهب الحنفي، ويعرف اتباعه بأهل الرأي والقياس. أما عقلية أهل الأندلس فكانت تغلب عليها نزعة أهل الحديث، ولهذا اعتمدوا أولاً على مذهب الأوزاعي، وهو من أنصار مدرسة الحديث، ثم اعتمدوا بعد ذلك على مذهب مالك الذي يسير في هذا الاتجاه، ويعرف أصحابه بأهل الحديث. وهناك عامل آخر ربط أهل الأندلس بأهل الحجاز أكثر مما ربطهم بأهل العراق. ذلك أن معظم العرب الفاتحين للأندلس كانوا من أصل حجازي، وخاصة أولئك الذين جاءوا مع موسى بن نصير. أما البقية فهم من بلاد الشام ومصر، أي الذين دخلوا مع بلج بن بشر. ولم يكن في هذه الجيوش من ينتمي إلى أهل العراق. ومن هنا، فقد كان من الطبيعي أن يحاول هؤلاء الحجازيون الاتصال بأهاليهم وذويهم والعودة لأداء فريضة الحج، وقد ساعد هذا الأمر على اتصالهم بالإمام مالك والتعرف على مذهبه. وعلى أية حال، فإن انتشار مذهب مالك، وتمسك الأمراء الأمويين به سواء بقصد الإعجاب به وتفضيله على غيره من المذاهب أم لتأكيد شخصيتهم الاستقلالية، أدى إلى نوع من الاستقرار في البلاد. لأن سياسة المذهب الواحد هذه جنبت الثغور الإسلامية، ورجال القبائل بشكل عام شرور الفتن المذهبية، وحفظت لها سلامتها ووحدتها الروحية. واستمرت الأندلس طيلة عهد الإمارة، بل طيلة العهود الإسلامية الأخرى

стр. 104

تعتنق هذا المذهب، وتتمتع بالاستقرار الروحي، الذي شمل أيضاً ممالك شمال أفريقيا. ولا تزال بلدان هذه المنطقة تحتفظ باعتناقها لهذا المذهب لحد الوقت الحاضر. ولقد أثر اتخاذ العرب في الأندلس لسياسة المذهب الواحد على الممالك المسيحية المجاورة التي قامت في إسبانيا. فقد اتبعت هى الأخرى سياسة المذهب الديني الواحد واقتصرت على المذهب الكاثوليكي، وتعصبت له، فأصبحت أكثر تمسكاً وتعصباً للبابوية الكاثوليكية من البابا نفسه (١٨). ٣ - القضاء على الثورات والفتن الداخلية: تعرض عصر الإمارة الأموية إلى العديد من الثورات والفتن الداخلية التي كانت تقوم بها مختلف العناصر التي تألف منها المجتمع الأندلسي الجديد. واشترك في هذه الفتن الفاتحون الذين كانوا يتألفون من القبائل العربية والبربر، كما ساهم فيها أيضاً أهل البلاد الأصليون، سواء منهم من دخل الإسلام كالمولدين، أم من بقي على دينه وتثقف بالثقافة العربية كالمستعربين ولم تندمج هذه الأجناس المختلفة بعضها ببعض، ولهذا فقد كانت الأمور تتوقف على مدى قوة وصلابة الأمراء والحكومة المركزية في قرطبة، فإذا قويت هذه الحكومة، أمكن السيطرة على هذه الأجناس، والقضاء على ما تقوم به من تمرد على السلطة. أما إذا ضعفت الحكومة المركزية، وتولى الإمارة أمير غير حازم، نشطت هذه الجماعات، وقامت بالتمرد ومحاولة الاستقلال عن الإمارة الأموية. وكانت طبيعة البلاد الجغرافية الجبلية تساعد هذه الفئات على ما تريد من التمرد والانشقاق ومحاولة الاستقلال، وسوف نتطرق فيما يأتي إلى أهم الثورات والفتن التي حدثت في عهد الأمراء الأقوياء الأوائل، ومن ثم نشير إلى الفتن والاضطرابات التي سادت أواخر عصر الإمارة، أي في الحقبة التي تميزت بضعف سلطة الحكومة الأموية والتي امتدت من وفاة الأمير عبد الرحمن الثاني في سنة ٢٣٨ هـ/٨٥٢ م إلى سنة ٣٠٠ هـ/٩١٢ م حيث تولى الحكم عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله. أولاً - ثورة القبائل العربية في عهد عبد الرحمن الأول: لقد سبقت الإشارة إلى أن سياسة عبد الرحمن الأول الرئيسة كانت تهدف إلى السيطرة القوية على البلاد، والحد من نفوذ رجال القبائل العرب. ولهذا حاول التقليل من الاعتماد عليهم، وخلق قوة جديدة في شبه الجزيرة تعتمد على المماليك والبربر القادمين من شمال أفريقيا. وعندما أدرك رجال القبائل اليمنيون وحلفاؤهم من البربر ما

стр. 105

يرمي إليه عبد الرحمن ازدادت مخاوفهم من النظام الجديد، وابتدأوا بالثورة عليه. يضاف إلى هذا، إن مجيء عبد الرحمن إلى الحكم لم يحقق لهم ما كانوا يصبون إليه من السلطان والامتيازات، والتسلط على المنهزمين من جماعة يوسف الفهري والصميل. وتبين لهم أن الأمير الجديد عدهم أداة للوصول إلى الحكم، ومن ثم عاملهم معاملة الأتباع الذين عليهم واجب الطاعة فقط. فكره شيوخ اليمنيين ذلك، بل إن بعضهم حاول الانقلاب على الأمير ومواليه بعد انتصاره مباشرة في معركة المصارة، كما أسلفنا. وكان أول من رفع راية العصيان من اليمنيين على عبد الرحمن الأول هو العلاء بن مغيث الجذامي (١٩)، رئيس جند مصر في باجة، جنوب البرتغال الحالية، في سنة ١٤٦ هـ/٧٦٣ م. وتروي المصادر العربية، أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، كان وراء هذا العصيان، فحرض العلاء على التمرد، واسترداد الأندلس للخلافة العباسية ووعده بإمارة الأندلس إن هو تمكن من النجاح والانتصار على عبد الرحمن بن معاوية. وقد أرسل له سجل تعيينه على البلاد، والرايات السوداء، شعار العباسيين، لاتخاذها أعلاماً للثورة (٢٠). وعلى الرغم من هذا، لا يمكن للمرء أن يركن إلى هذه الروايات، لأن الخلافة العباسية لم تكن مستعدة لذلك، وأبو جعفر المنصور بالذات، كان مشغولاً في ذلك الوقت بحل المشاكل العديدة التي كانت تواجهه في المشرق العربي، وليس من المعقول أن يفكر بإرسال جند أو بالتأييد العسكري لمغامرة بعيدة جداً عن مركز دولته في العراق. يضاف إلى ذلك، أن العباسيين لم يكونوا مسيطرين حتى ذلك الحين على المغرب العربي، وكانت سلطتهم مهزوزة في أفريقية، أي تونس الحالية، فكيف يفكرون بالاستيلاء على الأندلس البعيدة. ولكن هذا لا يعني أن المنصور لم يظهر الرضى عمن يدعو باسمه في الأندلس أو في غيرها. وأغلب الظن أن العلاء بن مغيث دعا من تلقاء نفسه إلى الخلافة العباسية تقوية لحركته وإظهاراً لقدسيتها ولجمع أكبر عدد ممكن من الناقمين على نظام الحكم والمؤيدين لإحداث التغيير في البلاد. وقد انضم إلى الثورة أعداد كبيرة من اليمنيين، وجميع العناصر الساخطة على حكم عبد الرحمن، فتضخم جيش العلاء. وسارع عبد الرحمن لمحاربته، لكن العلاء انتصر عليه وحاصره في مدينة قرمونة لمدة شهرين. وأخيراً تشجع الأمير وخرج بجنوده من هذه المدينة، وهو ينوي الانتصار أو الموت، فانقضوا على جند العلاء وقتلوا منهم عدداً كبيراً بضمنهم العلاء نفسه. وتزعم الروايات أن عبد الرحمن أمر بحمل رأس العلاء ورؤوس بعض كبار

стр. 106

مؤيديه، بعد أن حشيت بالملح والكافور، إلى القيروان حيث طرحت ليلاً في بعض أسواقها. وقد وصل خبر هذا الحادث إلى أبي جعفر المنصور، وقيل أن الرؤوس حملت من قبل بعض الحجاج إلى مكة حيث كان المنصور يؤدي مراسيم الحج، فانزعج من هذا الأمر، وقال: " الحمد لله الذي جعل بيننا وبين مثل هذا -يقصد عبد الرحمن بن معاوية- من عدونا بحراً " (٢١). ولقد لقب المنصور على أثر هذا الحادث، الأمير عبد الرحمن بن معاوية، بلقب " صقر قريش " وذلك اعترافاً منه بقوة وعزيمة هذا الأمير الذي استطاع أن يؤسس بمفرده دولةً، ويمصر الأمصار، ويجند الأجناد، ويدون الدواوين، وينال مُلكاً بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته (٢٢). وبعد نحو ثلاث سنوات على فشل حركة العلاء بن مغيث، ثار قائد عربي آخر يدعى سعيد اليحصبي المطري في نبلة Niebla انتقاماً لدماء الذين قتلوا مع العلاء. وقد انضم إليه عدد كبير من اليمنيين، فسار إلى إشبيلية واستولى عليها، ثم نزل بقلعة رعواق الواقعة على نهر الوادي الكبير بالقرب من إشبيلية وتحصن بها. فسار إليه عبد الرحمن وحاصره واضطره إلى الخروج والقتال، وكانت النتيجة مقتل قائد الثورة والعديد من أتباعه وتفرق الباقين حيث عفا عنهم الأمير عبد الرحمن. وفي هذا العام نفسه أي ١٤٩ هـ/٧٦٦ م، ثار أبو الصباح بن يحيى اليحصبي. وكان الأمير قد ولاه على إشبيلية، بعد قيام الإمارة الأموية، لكنه كان يشك في ولائه منذ دعوته للإطاحة به بعد انتهاء معركة المصارة. ولهذا فقد عزله بعد فشل ثورة المطري، فنقم عليه أبو الصباح، فكاتب الأجناد وألّبهم على عبد الرحمن. وعندما تبين للأمير عظم نفوذ أبي الصباح وقوته وتأثيره على الأجناد، حاول التفاوض معه واستدراجه بالحيلة إلى قرطبة حيث قتله في العام نفسه، فتفرق جنده " (٢٣). وقد كان لمقتل أبي الصباح أثر بالغ على القبائل اليمنية في غرب الأندلس، لأنه كان سيد عرب هذه المناطق، وكان أقرباؤه زعماء لكور متعددة فيها. فازدادت نقمتهم على عبد الرحمن، وتحينوا الفرص للثورة عليه. وقد سنحت لهم الفرصة في سنة ١٥٦ هـ/٧٧٢ م. عندما كان الأمير مشغولاً بالقضاء على إحدى ثورات البربر في وسط البلاد، فثار اليمنيون في إشبيلية ولبلة وباجة بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي، وعبد الغفار اليحصبي، وانضم

стр. 107

إلى الثورة أيضاً كل من عمر بن طالوت اليحصبي وكلثوم بن يحصب، وقصدوا جميعاً قرطبة. ومما زاد في خطر هذه الثورة، انضمام العديد من البربر المؤيدين لليمنيين في المنطقة إليها. وقد سارع عبد الرحمن للقضاء عليها وإخمادها، واستخدم أسلوب التفريق بين البربر واليمنيين، مستعيناً بمواليه من البربر مثل بني خليع وبني وانسوس وغيرهما. فداخل هؤلاء بني جلدتهم في معسكر الثوار وأقنعوهم بالتخلي عن زعماء الثورة والانضمام إلى عبد الرحمن الذي وعدهم بالعطاء وضمهم إلى الديوان. وفي المعركة التي وقعت فيما بعد بين الطرفين تخلى البربر عن حلفائهم اليمنيين، وانضموا إلى جيش عبد الرحمن، فوقعت الهزيمة على الثوار وقتل معظم قادتهم (٢٤). ثانياً - ثورات البربر: بالإضافة إلى مساهمة البربر في معظم الثورات التي قامت بها القبائل العربية في الأندلس، كانت لهم حركاتهم الخاصة بهم ضد السلطة الأموية. ويرجع السبب في هذا إلى عدة عوامل، منها أن الكثير منهم كانوا حلفاء للقبائل العربية وتربطهم مصالح مشتركة، فيثورون معهم تبعاً لذلك. وكانوا منذ فترة الفتح وعصر الولاة متبرمين من أوضاعهم ويميلون إلى الشغب والتمرد. ولكن بمرور الزمن ظهرت عوامل أخرى دفعت جماعات من هؤلاء البربر إلى الثورة ورفع راية العصيان ضد السيادة العربية. فقد استغل أحد رجالهم، المدعو شقيا بن عبد الواحد المكناسي، سذاجة البربر، فادعى أنه من ولد الحسن بن علي، وأنه فاطمي النسب، خاصة وأن اسم أمه كان فاطمة، فاتخذ له اسماً عربياً هو عبد الله بن محمد، وأخذ يدعو الناس لنفسه والثورة على حكومة قرطبة. وقد بدأت دعوة هذا الرجل الذي كان بالأصل معلماً للصبيان في شنتبرية Santaver الواقعة في شرق الأندلس، ثم امتدت إلى أقاليم عديدة في وسط وشمال إسبانيا وغربها مثل ماردة وقورية ومادلين. وتبعه العديد من بربر هذه المناطق الذين آمنوا بدعوته، أو طمعوا بالحصول على امتيازات أو وضع أفضل في حالة الانتصار. واستمرت هذه الحركة التي قامت في عهد عبد الرحمن الأول ما يقارب عشر سنوات ١٥١ - ١٦٠ هـ/٧٦٨ - ٧٧٧ م. وكان الأمير خلالها يسيّر عليه العديد من الحملات التي كانت تفشل في القضاء على أتباعه المتمردين لاعتصامهم بالجبال المنيعة، وتجنبهم للمعارك الحاسمة في السهول. ولم يتمكن الأمير عبد الرحمن من القضاء على هذه الحركة إلا بالتعاون مع أحد زعماء

стр. 108

البربر الآخرين، وهو هلال المديوني، الذي عينه على شنتبرية، وأوكل إليه مهمة القضاء على التمرد. وقد استطاع هذا الأخير أن يدبر مؤامرة لاغتيال زعيم الحركة شقيا في سنة ١٦٠هـ/٧٧٧ م. وهكذا انتهت هذه الثورة (٢٥). وقد قام البربر ببعض الحركات الأخرى للعصيان على السلطة الأموية، منها تمرد إبراهيم بن شجرة البرنسي في مورور، ومنها تمرد بربر نفزة، لكن الأمير عبد الرحمن الأول استطاع القضاء عليها بسهولة (٢٦). أما في عهد خلفائه، فقد استمرت جماعات عديدة من البربر في العصيان والفتنة. ففي عهد هشام بن عبد الرحمن، هاجت الفتنة ببلاد تاكُرُنّا، وهي إقليم رندة الحالية، وأعلن سكانها من البربر الخلاف على السلطة، وأغاروا على الناس، وهاجموا الإقليم بكامله، وقتلوا العديد من العرب. فأرسل إليهم هشام الأجناد التي أنذرتهم أولاً، ولما لم تجد منهم إلا إصراراً على التمرد، هاجمتهم وقتلت العديد منهم، وفر الباقون إلى طلبيرة وترجيلة، وظلت تاكرنا خالية من السكان نحو سبع سنوات. وكانت مدينة ماردة في غرب إسبانيا بؤرة لثورات البربر، فقامت فيها ثورة في عهد الحكم بن هشام دامت نحو سبع سنوات. وقد تزعم هذه الثورة أصبغ بن عبد الله بن وانسوس، الذي كان قائداً للأمير، ويبدو أنه أراد التمتع بمزيد من الاستقلال في إدارة المدينة، فساءت العلاقة بينه وبين حكومة قرطبة، وساعد على هذا أن بعض أعدائه أوقع بينه وبين الأمير. ولكن أصبغ طلب الأمان بعد سبع سنوات، فأمنه الحكم ودعاه للإقامة في قرطبة، والتردد على ضياعه في ماردة (٢٧). وقد قام البربر بتحرك خطير آخر في ماردة في عهد عبد الرحمن الثاني، وذلك سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م. وقد أشعل نار الثورة هذه المرة رجل بربري واسمه محمود بن عبد الجبار، وهو من قبيلة مصمودة، وانضم إليه أحد المولدين واسمه سليمان بن مرتين. وقد استقل هذان الزعيمان في المدينة، ولم تفلح محاولات الأمير في استعادتها إلا بعد أن توجه بنفسه إليها وحاصرها وافتتحها في عام ٢١٦ هـ/٨٣٤ م. وقد فر الثائران من المدينة، ثم استقل محمود بن عبد الجبار بالحركة، تساعده أخته جميلة، التي اشتهرت بالحسن البارع والشجاعة والنجدة والفروسية، وزحف إلى بطليوس، ثم إلى أكشونبة وباجة، وعندما ضايقته حملات الأمير، اضطر إلى الهرب إلى جليقية، والالتجاء إلى ملكها ألفونسو الثاني. ولكنه اكتشف بعد حين أنه

стр. 109

تورط في موقفه، وأن الملك الاسباني لا يساعده في حركته الانفصالية إلا ليحقق مكاسب سياسية لمملكته على حساب الإمارة الأموية. فحاول العودة إلى الطاعة، لكن ألفونسو أفسد عليه خطته واضطره للقتال، فقتل وأسرت أخته جميلة (٢٨). ثالثاً - حركة أو هيجة الرّبَضْ: تعني كلمة الربض من الناحية اللغوية الحي أو الضاحية، والمقصود بها هنا المنطقة السكنية الجديدة التي استحدثت في قرطبة بعد أن أصلح الأمير هشام بن عبد الرحمن الجسر الذي يصل قرطبة القديمة المسورة بالضفة الأخرى من النهر، حيث تقع ضاحية شقندة. وقد سكن الكثير من الفقهاء هذه الضاحية لقربها من المسجد، الذي كان على الجانب الآخر من النهر في قرطبة القديمة. كما استقر أيضاً في هذا الحي أو الربض العديد من الحرفيين وأهل الأسواق، والتجار، ومعظم هؤلاء من المولدين. وتعود جذور هذه الفتنة التي قادها الفقهاء المالكيون ضد الأمير الحكم بن هشام إلى انتشار قوة وتسلط هؤلاء الفقهاء في عهد أبيه هشام الذي كان يعمل بمشورتهم ويتأثر بنفوذهم. ولكن الحكم كان يختلف عن أبيه، فلم يكن ميالاً لقبول وصاية الفقهاء ولم يستسلم لتأثيرهم، بل كان على العكس يميل إلى اللهو والصيد وغيرها من الأمور التي لا يستسيغها الفقهاء. وهكذا نشأت هوة عميقة بين هؤلاء وبين الحكم الذي حدّ من نفوذهم. ولقد بدأوا بمحاربته بوسائل شتى، أهمها تأليب العامة عليه والطعن بسلوكه الديني والأخلاقي. استجاب العامة من سكان الربض لهذا التحريض، لأنهم أرادوا أن يكون لهم صوت مسموع في المجتمع، وخاصة أنهم كانوا طبقة اجتماعية كبيرة. لها آمالها وتطلعاتها الاجتماعية والسياسية. وكان للحكم أيضاً دوره في تأجيج هذه الفتنة بما وضعه من ضرائب جديدة ومغارم على الشعب (٢٩). مرت هذه الفتنة بدورين، الأول حينما حاول وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها القيام بمؤامرة لعزل الحكم في عام ١٨٩ هـ/٨٠٤ - ٨٠٥ م، واختيار أحد أقاربه من الأسرة الأموية الحاكمة بدلاً منه. ولكن هذا الأخير، واسمه محمد بن القاسم، تظاهر بالرضا، ثم أفشى بسر المؤامرة، وأسماء المتآمرين إلى الحكم. فقبض عليهم الأمير وصلبهم،

стр. 110

وكان عددهم كبيراً بضمنهم فقهاء كثيرون (٣٠). وقد ازداد سخط الفقهاء والعامة بعد هذه الحادثة، وأخذوا يتحينون الفرص للقيام على الأمير الحكم. وأدرك الأمير هذه الحقيقة فقام باتخاذ إجراءات عديدة لحماية نفسه وتحصين مدينة قرطبة ضماناً أمام أية محاولة للثورة، فأتقن بناء سورها ورممه، كما حفر حولها خندقاً، وقوى أبواب قصره، ثم أكثر من شراء واستخدام المماليك والعبيد في الجيش، كما أسلفنا. أما الدور الثاني الذي مرت به هذه الفتنة، فقد وقع بعد نحو أربعة عشر عاماً من مؤامرة الفقهاء الأولى وإعدامهم. وكان السبب المباشر لهذه الفتنة بسيطاً في حد ذاته، لكنه كان كالشرارة التي فجرت هيجان الخلاف بين أهل الربض الجنوبي ومحرضيهم من الفقهاء. فقد نشب خلاف بين حداد وأحد حراس الأمير بشأن إصلاح سيف الأخير وذلك بسبب تباطؤ الحداد في إنجاز العمل. ولم يلبث هذا الخلاف أن تطور إلى نزاع أدى إلى مقتل الحداد، وقد أثار هذا الحادث غضب أهل الربض من المولدين على زميلهم الحداد، فقتلوا الجندي، وتجمهروا يريدون التوجه إلى قصر الإمارة، وقتل الأمير الحكم باعتباره مسؤولاً عما حدث. فعبروا الجسر على الرغم من مقاومة حرس الأمير، وأحاطوا بالقصر الذي تحصن فيه الأمير وأتباعه. وتزعم بعض المصادر أن الحكم لم يفقد جرأته وشجاعته في ذلك الموقف، وصمم على القتال حتى الموت، فقد طلب من خادمه أن يأتيه بقارورة عطر، وعندما جاءه بها أفرغها على رأسه. فتساءل الخادم عن جدوى التطيب في مثل هذا الوقت، فأجابه الحكم: أنه إنما يتطيب حتى يعرف قاتله رأسه ويميزه عن رؤوس الآخرين. وهو يشير بطبيعة الحال، إلى أنه قد هيأ نفسه للموت أو للظفر بالعدو (٣١). وقد تفتق ذهنه عن خطة ذكية للقضاء على المتمردين، فدعا رئيس حرسه الخاص للدفاع عن القصر، وأرسل اثنين من قواده ليعبروا النهر من مخاضة ضحلة بعيداً عن الجسر الذي يسيطر عليه المتمردون فتمكنت هذه القوة التي يقودها القائدان، عبد الله بن عبد الله البلنسي وإسحاق بن المنذر القرشي، من العبور وتوجهت إلى منازل أهل الربض وأشعلت فيها النيران. وعندما أحس المتمردون بذلك، تفرقت صفوفهم وتوجه قسم كبير منهم لإنقاذ أهله وماله، فوقعوا بين جند الأمير من الإمام والخلف، وقتل منهم عدد كبير جداً. وبعد انتهاء المقاومة ألقي القبض على نحو ثلاثمئة رجل من زعماء الفتنة، وصلبوا
следующие страницы →