← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصنهاجي قائد الفاطميين على قبائل زناتة وفرق شملهم منتقماً بذلك لمقتل والده (٣)، فسارع الأدارسة وزعيمهم يومئذ الحسن بن كنون إلى نقض بيعة الخليفة الحكم المستنصر والاعتراف بالوضع الجديد (٤)، وأمام هذا التحول الخطير وحفاظاً على نفوذ الأمويين في المغرب، قرر الحكم إرسال قواته إلى المغرب في شوال من سنة ٣٦١ هـ، وتمكنت تلك القوات من تشتيت جيش الحسن بن كنون الذي فر جنوباً باتجاه ثغر أصيلا (٥)، ولكنه ما لبث أن تمكن من تجميع فلول جيشه في السنة التالية وأعاد الكرة بهجوم مقابل عنيف مزق به قوات الأندلس وأجبرها على الإنسحاب والاعتصام بمدينة سبتة (٦)، وعلى الرغم من محاولات الحسن بن كنون لاسترضاء الخليفة المستنصر بعد انتصاره هذا، وتبرير أسباب انقلابه على الدولة الأموية ووعوده بالولاء والطاعة، إلا أن قرار الحكم كان نهائياً باجتثاث معاقل الأدارسة، فحينما كلف القائد غالب بن عبد الرحمن بقيادة القوات وأمره بالتوجه إلى المغرب خيره بين أحد الأمرين بقوله: سر سير من لا إذن له في الرجوع حياً إلا منصوراً، أو ميتاً فمعذوراً وابسط يدك في الإنفاق، فإن أردت نظمت لك الطريق بيننا قنطار مال (٧). وقد حقق القائد غالب بن عبد الرحمن رغبة الحكم وتمكن من قوات الحسن بن كنون في مواقع عديدة ثم حاصره في قلعة حجر النسر وأجبره على الاستسلام دون شروط سنة ٣٦٣ هـ واقتاده إلى قرطبة مع جماعة من الأمراء الأدارسة (٨). وبهذا الإجراء أعاد الحكم نفوذ الدولة الأموية في هذه المناطق من بلاد المغرب وهي مناطق ذات أهمية كبيرة لأمن الأندلس. وتعرضت الأندلس في عهد الحكم المستنصر إلى هجمات السفن النورماندية

стр. 177

وشهدت السواحل الغربية عدة صدامات بين الطرفين ففي شهر رجب سنة ٣٥٥ هـ (٩) " ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر بالله يذكر فيه ظهور أسطول المجوس (النورمانديين) ببحر المغرب بالقرب من هذا المكان واضطراب أهل ذلك الساحل لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف، وكانوا في ثمانية وعشرين مركباً (١٠)، ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل بأخبارهم وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة، فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب استشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من الكافرين وخرج أسطول إشبيلية فاقتحموا عليهم بوادي شلق، وحطموا عدة من مراكبهم واستنقذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين وانهزموا أثر ذلك خاسرين " (١١). ولم تزل الأخبار تتوارد إلى قرطبة عن نشاط هؤلاء الغزاة حتى تم قتل معظمهم وأسر أعداد أخرى منهم، فيما ولت بقيتهم من الأحياء منهزمة إلى قواعدها (١٢). وعاود النورمانديون الكرة في سنة ٣٦٠هـ (١٣) وعلى المنطقة نفسها ولكنهم ردوا دون تحقيق أي هدف من أهدافهم (١٤) بفضل يقظة واستعداد الأسطول الأندلسي للإقلاع مع أول إشارة بظهور السفن الغازية (١٥). أما سياسة الخليفة الحكم اتجاه الممالك الإسبانية الشمالية، فهي سياسة قامت على احترام جميع الاتفاقات والمعاهدات المبرمة بين الدولة العربية في الأندلس وأمراء وملوك الدول الإسبانية الشمالية، ولكن مثل هذه الاتفاقات لم يكن لها ذلك المفعول التنفيذي فسرعان ما تسقط جميع الاتفاقات وتفرغ من مضامينها عند أول فرصة تسنح لهذه الممالك لغزو أراضي الدولة العربية أو الإخلال بأمنها (١٦). فمن المعروف أن

стр. 178

الخليفة الناصر أعان سانشو (شانجة) على استرداد ملكه في مملكة ليون شريطة أن يتنازل الأخير عن بعض الحصون المهمة الواقعة على الحدود بين الدولتين، وعندما توفي الناصر نقض سانشو الاتفاق ورفض تسليم الحصون المتفق عليها، وبدأ سلسلة من الأعمال العدائية، جعلت الدولة العربية أكثر تصميماً على انتزاع حقها فآوت الملك المخلوع اردونيو الرابع والمنافس الشديد على عرش ليون ووعدته باستعادة ملكه (١٧)، وعلى أثر ذلك تراجع سانشو عن موقفه وسارع إلى إرسال سفارة إلى قرطبة لإعلام الخليفة الحكم باستعداده لتنفيذ الاتفاقات المعقودة مع الناصر (١٨)، ولكن وفاة اردونيو الرابع قلبت سانشو وعاد إلى سياسة التسويف والمماطلة في تسليم الحصون. ولم يكتف بذلك فتحالف مع بعض الأمراء الشماليين (١٩)، لشن هجوم على الأراضي العربية، وكان رد الحكم قاسياً واستهدف أول ما استهدف قشتالة فعاث في أراضيها واحتل حصن غرماج على نهر دويرة سنة ٣٥٢ هـ (٢٠) وتوالت الحملات بعد ذلك ترد تعديات هذه الممالك وتتوغل في أراضيها وتضيف إلى انتصاراتها حصوناً جديدة، فقد تمكنت قوات القائد غالب بن عبد الرحمن من احتلال حصن قلهرة من بلاد البشكنس، وتطهير بعض المناطق من جند الأعداء (٢١) وهكذا كان للتفوق الحربي لجيش الدولة العربية في الأندلس أثره البارز في إعادة وتثبيت السيادة على جميع مناطق الحدود وثغورها وأمنت الأندلس مدة من شر هجمات جيوش ممالك الشمال، التي دخلت في صراع عنيف بعد وفاة سانشو سنة ٣٥٥ هـ/٩٦٦ م وارتقاء ولده الذي لا يتجاوز خمس سنوات عرش ليون فتولت عمته البيرة مقاليد الأمور نيابة عنه، واستغل النبلاء الطامعون هذه الظروف واستقل كل منهم بما تحت يديه، وتوافدت رسل الوصية على العرش البيرة وهؤلاء النبلاء إلى قرطبة يحكمون الخليفة الحكم فيما شجر بينهم ويسألونه المشورة والرأي (٢٢). وكان أول الوافدين على العاصمة قرطبة من أمراء الممالك الإسبانية الشمالية أمير

стр. 179

جليقية، وأمير اشتوريش ثم وفدت سفارة سانشو وملك نافارا (٢٣)، وفي سنة ٣٦٠ هـ وفد سفراء أمير برشلونة الكونت بوريل ثم أوفدت البيرة الوصية على عرش ملك ليون تطلب عقد معاهدة عدم اعتداء بين الطرفين. ووصلت سفارات أخرى من أمير قشتالة وكونت شلمنقة، وفي سنة ٣٦٢ هـ جدد ملك نافار والبيرة وصية ملك ليون بعوثهما إلى قرطبة تعزيزاً لاتفاقاتهما السابقة. لقد عاشت الأندلس في عهد الحكم المستنصر عصراً ذهبياً تميز بعدة مظاهر أبرزها ازدهار العلوم والأدب فقد كان الحكم " عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان ... " (٢٤). شارك العلماء في علومهم وألف مؤلفات بعضها في الأنساب (٢٥) وأخرى في التاريخ وله تعليقات عديدة على كثير من المؤلفات التي قرأها أو سمعها حتى عده ابن الخطيب " حجة وقدوة، وأصلاً يوقف عنده " (٢٦)، وكان قد بث التجار في أقطار المشرق والمغرب يقتنصون له كل جديد في العلم (٢٧)، ويبعث إلى العلماء المشهورين للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم (٢٨) وقد ضمت المكتبة الأموية المشهورة الآلاف من المؤلفات في العلوم المختلفة والعقلية منها والفعلية وروى ابن حزم: " أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط " (٢٩). وعهد بإدارة هذه المكتبة إلى أخيه عبد العزيز، في حين كان أخوه المنذر مشرفاً على دور التعليم في قرطبة، واحتفى الحكم بمجموعة من مشاهير علماء العصر

стр. 180

الأندلسيين والمشارقة زينوا بلاطه وملأوه علماً وأدباً منهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة ٣٥٥ (٣٠) والعالم العراقي المشهور أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي (٣١)، المتوفى سنة ٣٥٦ هـ وربيع بن زيد (رثموندو) أحد المستعربين المقربين من الحكم لمعرفته بعلم الفلك والعلوم الفلسفية، وهي من العلوم التي عني بها الخليفة وسعى إلى جمع مؤلفاتها (٣٢) وتحول بلاط الخليفة إلى أكاديمية عظيمة تزخر بشتى أنواع المعارف (٣٣). وإلى جانب هذا كان التعليم العام في عهده يجوز نهضة متميزة، فقد أسس عدداً من دور التعليم خصصت لأبناء الفقراء مجاناً، وعني عناية خاصة بجامعة قرطبة ورفدها بمشاهير العلماء المتخصين وأجرى لهم الرواتب والأعطيات الجزيلة (٣٤)، ويبدي النقد الحديث تقديره وإعجابه للنزعة العلمية التي امتاز بها عصر الخليفة الحكم المستنصر فالمؤرخ الإسباني لافونتي يقول: " كانت دولة الحكم الثاني دولة الآداب والحضارة "، كما كانت دولة أبيه دولة العظمة والبهاء، وإن الرواية العربية لتحبو الحكم بكثير من جميل الذكر فهل نغضي نحن عن تسجيل إعجابنا بما لهذا الأموي المستنير من الصفات الباهرة ... إن السلم الذي وطده اكتافيوس في إسبانيا الرومانية، قد وطده الحكم في إسبانيا العربية، وقد قدم الحكم كما قدم اكتافيوس من قبل، الأدلة على أن الرغبة في السلم، لم تكن لأنه لا يعرف الحرب ولا النصر، ولكن لأنه يؤثر إلهام القريض، ويؤثر الكتب على فرائض السلاح وإكليل الجامعات الحقيقي على إكليل الحروب الدموية ... " (٣٥). ومن مظاهر هذا العصر أيضاً تبادل السفارات بين الأندلس والدول الأجنبية وقد سبقت الإشارة إلى سفارات الممالك الإسبانية الشمالية التي وصلت قرطبة. وبقي أن

стр. 181

نشير إلى سفارات الدول الأخرى التي ارتبطت بالأندلس بوثائق الصداقة منذ عهد والده عبد الرحمن الناصر، ففي سنة ٣٦١ هـ/٩٧٢ م وصلت سفارة إمبراطور القسطنطينية يحملها سفير له يدعى قسطنطين الملقي. وفي سنة ٣٦٣ م وصلت سفارة إمبراطور ألمانيا أوتو الثاني الذي خلف والده في الحكم، فيها يجدد علائق الصداقة بين الدولتين (٣٦). مات الحكم المستنصر سنة ٣٦٦ هـ/٩٧٦ م. وولي مكانه ولده هشام المؤيد بعهد منه وكان عمره إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر (٣٧)، على الرغم من وجود إخوته المؤهلين لمثل هذا المنصب، وتولية هشام الطفل يعد سقطة كبيرة اقترفها الحكم بحق ولده المذكور والدولة معاً، فقد فرضت وصاية ابن أبي عامر الإجبارية على الخليفة الطفل ولم يعد من سلطات الخلافة غير الاسم وانتقل حكم الدولة في الأصل من الأسرة الأموية إلى أسرة أخرى هي الأسرة العامرية، التي انتهت بمقتل عبد الرحمن بن أبي عامر الملقب (شنجول) وأطاحت بآخر العامريين وفتحت أبواب الفتنة على مصراعيها حتى تم أفول نجم بني أمية نهائياً عن الأندلس في سنة ٤٢٢ هـ وإعلان أهل قرطبة إلغاء الخلافة والحكم الأموي في الوقت الذي أعلنت فيه معظم مدن الأندلس الكبيرة عن قيام دويلات تحمل أسماء زعمائها أو حكامها. ومن هنا يمكن القول أن حكم بني أمية للأندلس ينتهي بوفاة الحكم المستنصر ٣٦٦ هـ ليبدأ عصر جديد هو عصر الدولة العامرية التي اتخذت شرعيتها من حماية الخليفة هشام المؤيد والحكم باسمه كما سيتوضح من خلال الفصول الآتية. سيطرة الحاجب محمد بن أبي عامر على السلطة: حرصت الشخصيات البارزة في الدولة جعفر بن عثمان المصحفي كبير الوزراء ومحمد بن أبي عامر ناظر الخاص وغالب بن عبد الرحمن قائد قوات الجبهة الشمالية على تنفيذ وصية الخليفة الحكم المستنصر القاضية بتنصيب هشام المؤيد خليفة على الأندلس، وقد حرص هذا المجلس على تنفيذ الوصية كما هي ليس من باب الإخلاص

стр. 182

للخليفة الراحل، وإنما وجدوا في ذلك ضماناً أكيداً لمراكزهم السلطوية (٣٨)، في الدولة. في حين نجد اتجاهاً آخر يتزعمه كبار رجال الصقالبة كفائق وجؤذر يميلون إلى تنحية هشام المؤيد وتولية أحد أمراء البيت الأموي مكانه، ووقع اختيارهم على شخصية جديرة بهذا المنصب معروفة بقدراتها الفذة هو الأمير المغيرة بن عبد الرحمن الناصر أخي الحكم المستنصر. ومن باب المحافظة على وحدة البلاد وعدم تفريق الكلمة، خصوصاً وأن الصقالبة يمتلكون قوة كبيرة في القصر الخلافي قد تستخدم في الإنقلاب على الخليفة الجديد، فقد اتخذ مجلس الوصاية إجراءً وقائياً سريعاً تم خلاله قتل المغيرة بن عبد الرحمن (٣٩)، وتفريق أنصاره، ولم يجد الصقالبة بُداً من الطاعة والتظاهر بالرضا، وهم في الحقيقة يعدون لمؤامرة تعيد هيبتهم في البلاد ومع كشف أول خيوط هذه المؤامرة بدأ المصحفي يتحوط من غدرهم، فوضع زعمائهم تحت المراقبة الشديدة وسرح أعداداً كبيرة من الخدمة وألحقهم بخدمة محمد بن أبي عامر (٤٠)، وأمر الباقين بالدخول والخروج من القصر من باب عامة الناس، بعد أن أغلق الباب المخصص لدخول الصقالبة وخروجهم (٤١). وتمت تصفية بعض العناصر الخطرة (٤٢)، ونفي آخرون إلى مناطق خارج العاصمة قرطبة (٤٣). وبهذه الإجراءات أمِن المصحفي وابن أبي عامر شر هذه القوة التي كانت ولسنوات عديدة صاحبة الكلمة النافذة والنفوذ الواسع في الدولة، وقد قوبل هذا العمل بارتياح من

стр. 183

قبل المؤرخين الأندلسيين (٤٤). الذين وجدوا في نكبة الصقالبة مدخلاً لسرد مثالبهم وسيئاتهم التي أصبحت مدار حديث الجميع. والقضاء على الصقالبة كان أول خطوة من خطوات ابن أبي عامر باتجاه السيطرة على السلطة فهو الذي أغرى المصحفي بنكبتهم ومن ثم ألحقهم بحاشيته وبالغ في إكرامهم واستمال إليه أيضاً بني برزال وكانوا ضمن بطانة المصحفي، ولم يكن المصحفي ليعي أبعاد هذه السياسة التي جردته من أنصاره وحماته، ويبدو أنه عد هذا العمل حسنة من ابن أبي عامر، بعد أن ثقلت مطالب هذه الفرق المالية، مع شهرة المصحفي بالبخل والتقتير على أنصاره، وبسط ابن أبي عامر كرمه على أنصاره الذين أصبحوا أداة مخلصة لتحقيق كل أهدافه، وحاول بعد ذلك السيطرة على القوى العسكرية، والتحالف مع القوى الأخرى التي لا يستطيع بسط نفوذه عليها، فقاد خلال فترة وجيزة ثلاث حملات باتجاه الممالك الإسبانية الشمالية، أولها كانت سنة ٣٦٦ هـ عندما قام القشتاليون بهجوم شديد على قلعة رباح، مما اضطر أهلها إلى طلب النجدة من حكومة قرطبة التي بدت وكأنها عاجزة عن مناصرتهم، واكتفى المصحفي بالعمل على نسف القنطرة المبنية على نهر آنة لمنع تعرض القشتاليين لهذه القلعة، وهنا برز دور ابن أبي عامر في الدعوة لتجميع القوات وإعدادها لمهاجمة قشتالة وتولى هو قيادة هذه الحملة التي دخلت أراضي جليقية، ونازل حصن الحامة فدمره وعاث في أطرافه وعاد إلى قرطبة، وقد أضاف إلى رصيده في نجاحه العسكري هذا صفة القائد العسكري الناجح إضافة إلى الصفات السياسية والإدارية التي تميز بها. ولم يكتفِ ابن أبي عامر بهذه الحملة بل أعاد الكرة ثانية بالإشتراك مع قوات غالب بن عبد الرحمن قائد الجبهة الشمالية، فخرجا من مجريط وتوغلا بقواتهما في أراضي مملكة قشتالة، وسيطرا على حصن مولة، وأصابا كثيراً من الغنائم والسبي، ثم عادت القوات إلى قواعدها الأصلية (٤٥)، وقد استطاع ابن أبي عامر من كسب القائد غالب بن عبد الرحمن إلى جانبه (٤٦). بعد أن عانى الأخير كثيراً من لوم المصحفي

стр. 184

واتهامه بالتخاذل عند هجوم القشتاليين على قلعة رباح (٤٧)، وفي الوقت الذي فقد المصحفي فيه رجلاً كان على الحياد أصبح هذا الرجل حليفاً ونصيراً قوياً يشد عضد ابن أبي عامر في صراعه الخفي مع المصحفي خصوصاً وأن القائد غالب بن عبد الرحمن قد أصبح يحمل لقب ذي الوزارتين، وقد بدأت نتائج هذا التحالف ونتائج الانتصارات في الجبهة الشمالية تظهر سريعاً، وذلك عندما أمر الخليفة هشام (وبتحريض من ابن أبي عامر) بعزل محمد بن جعفر المصحفي عن حكم قرطبة، وتوليتها أحد أقرباء ابن أبي عامر. وقد شعر المصحفي بالمصير الذي ينتظره فحاول كسب قائد الجبهة الشمالية غالب وذلك عن طريق المصاهرة، إذ تقدم بطلب إبنة غالب لولده محمد ورغم موافقة غالب على طلبه ووعده له بتنفيذ ذلك، إلا أنه تراجع عندما حاول ابن أبي عامر منع هذه المصاهرة واختصر الطريق وتقدم هو لطلب ابنة غالب زوجة له. وبهذا فشلت آخر محاولة للمصحفي للوقوف في وجه ابن أبي عامر. وذاعت شهرة ابن أبي عامر عندما جهز القوات للجهاد في غزوته الثالثة سنة ٣٦٧ هـ بالاشتراك مع صهره غالب بن عبد الرحمن فاقتحمت قواتهما المشتركة حصن المال وحصن زنبق، ونازلت مدينة شلمنقة واحتلت معظم المناطق المحيطة بها ثم عادت القوات إلى قرطبة ليبادر الخليفة بتكريم ابن أبي عامر، وتلقيبه بذي الوزارتين ورفع مرتبته إلى مرتبة صاحب الحجابة التي تولاها مع المصحفي خلال هذه الفترة غالب بن عبد الرحمن ثم عزل المصحفي بعد ذلك، وتم القبض عليه وعلى ولده محمد وابن أخيه هشام وبعض أقربائه وصرفوا جميعاً عما كان بأيديهم من الأعمال، واستصفيت أموالهم وألقي جعفر في سجن المطبق حتى وفاته سنة ٣٧٢ هـ/٩٨٣ م (٤٨). وبالقضاء على المصحفي أصبح محمد بن أبي عامر الرجل الأول في الدولة ما دام الخليفة هشام المؤيد قاصراً عن أداء واجباته الفعلية، وقد وصل ابن أبي عامر إلى هذه المكانة عن طريق التحالف مع قوى، سانده أكثرها، واصطف إلى جانبه نكاية بالحاجب المصحفي لاستئثاره بالسلطات لا إيماناً بأفضليته عليه، وكان ابن أبي عامر يعي ذلك جيداً، ويعلم أن هؤلاء سيعملون ضده إذا ما اقتضى الأمر ذلك في يوم من الأيام (٤٩)،

стр. 185

لذا نراه يتخذ إجراءات متعاقبة متتالية يحصن فيها نفسه ضد مؤامرات أعدائه، ثم يخلق قوى جديدة لنفسه بدلاً من القوى التي خلقها الحكم المستنصر وتحالف هو معها، وعرف زعماؤها باسم الصنائع الحكميين، وكلما ازدادت الدعائم التي يعتمد عليها وازداد عدد الصنائع العامريين كلما زاد من استبداده، حتى أصبح السلطان المطلق للأندلس (٥٠). ولم يبق أمامه من منافس غير غالب بن عبد الرحمن والد زوجته والذي كان يتمتع بسمعة رفيعة في ميدان القيادة العسكرية وعلى مستوى عموم الأندلس (٥١)، وكان المناوؤون لسياسة ابن أبي عامر يجدون في غالب الرجل المناسب للمقاومة والانتفاض (٥٢)، لهذا عمد ابن أبي عامر إلى منافسة مكانة سلطان غالب برجل لا يقل عنه شجاعة وفروسية فلم يجد لذلك خيراً من جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي شدة بأس، ورباطة جأش وجلالة قدر، فاستدعاه وقواته من المغرب ومنحه لقب وزير وجعله من خاصته وأمَّره على جيش الحضرة (٥٣)، مما أثار القائد غالب بن عبد الرحمن بعد أن فطن إلى ما يدبره العامري وما يهدف إليه، إضافة إلى وشاية (صبح) والدة الخليفة هشام المؤيد بابن أبي عامر ومحاولاتها لإيغار قلب غالب بن عبد الرحمن عليه، ولم يطل الأمر بين الاثنين فقد عزم على استيضاح الأمور ودعا صهره ابن أبي عامر لحضور وليمة أقامها على شرفه في مدينة انتسة، وانفرد الاثنان ودار بينهما حوار انتهى بأن سل غالب سيفه لقتل محمد بن أبي عامر الذي تمكن من الخلاص بأعجوبة واللحاق بالعاصمة قرطبة، حيث أعد قوة خاصة توجهت أولاً إلى مدينة سالم مقر غالب بن عبد الرحمن فتمت السيطرة عليها (٥٤)، وهنا تشير بعض المصادر إلى محالفة غالب لبعض أمراء الإسبان الشماليين وسيره بقواته للقاء قوات ابن أبي عامر في محرم سنة ٣٧١ هـ أمام حصن شنت بجنت على مقربة من انتسة وكادت الدائرة تدور على جيش العامري لولا نهاية غالب بن عبد الرحمن بالسكتة القلبية وسقوطه في ميدان المعركة، فاختل بعدها توازن جيشه وانفلتت تعبئته وولت فصائله منهزمة في اتجاهات مختلفة (٥٥).

стр. 186

وبموت غالب بن عبد الرحمن لم يعد للعامري من يخشاه في البلاد، فاتخذ لقباً خلافياً هو المنصور، ودعي له على المنابر به استيفاء لرسوم الملوك (٥٦)، واستمر على تعبئة العناصر المخلصة له في الجيش من مماليك صقالبة وبربر وحرص على بقاء هذه العناصر مرتبط به شخصياً مع إغداقه عليهم الأموال والرواتب المجزية (٥٧). ودبر حيلة اغتال بها جعفر بن علي بن حمدون قائد جيش الحضرة سنة ٣٧٢ هـ وإعدام قاتله لكي لا ينكشف الأمر (٥٨)، وهكذا تخلص ابن أبي عامر من آخر الرجال الذين أخلصوا له وقدموا له خلال صراعه مع غالب بن عبد الرحمن خدمات جليلة بعد أن وجد دور جعفر بن علي قد انتهى بموت غالب وبقاؤه حياً أمر لا مبرر له. فهو لم يعد يحتمل في دولته رجالاً من طراز جعفر بن علي قد يسببون له في المستقبل نوعاً من الإزعاج. وهكذا تخلص ابن أبي عامر من جميع منافسيه وفق مبدأ الغاية تبرر الواسطة وفي ذلك يقول ابن الخطيب السلماني: كان ابن أبي عامر آية في الدهاء والمكر والسياسة عدا بالمصحفي على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب على المصحفي حتى قتله، ثم عدا بجعفر بن علي بن الأندلسي على غالب حتى استراح منه ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه ثم انفرد ينادي صروف الدهر: هل من مبارز، فلما لم يجده حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده واستقام له أمره منفرداً بسابقة لا يشاركه فيها غيره (٥٩). سياسة المنصور ابن أبي عامر: أ - السياسة الخارجية: ١ - الجهاد ضد الممالك الإسبانية الشمالية: امتازت السياسة التي اعتمدها المنصور ابن أبي عامر تجاه الممالك الإسبانية

стр. 187

الشمالية بطابع جهادي متميز، فقد بلغت الحملات التي سيرت إلى هذه الممالك أكثر من خمسين حملة (٦٠)، ومعنى هذا أن المنصور كان يقوم بحملتين كل عام حملة في الصيف وأخرى في الشتاء وأن جميع هذه الحملات كانت تحت قيادته المباشرة (٦١)، وحقق فيها انتصارات باهرة لم يخسر معركة واحدة من معاركها (٦٢)، " وكان الطابع العام لسياسته الجهادية هجومياً، بانتزاعه المبادرة من أعدائه الذين أرغموا على تغيير استراتيجيتهم العسكرية من الهجوم إلى الدفاع " (٦٣). وظلت قواتهم قابعة ضمن حدودها الإقليمية بعد أن شلت حركتها باتجاه التوغل أو حتى التقرب من الحدود الدولية للدولة العربية. ذلك أن المنصور ابن أبي عامر طرق في عملياته العسكرية هذه أراضٍ لم تطرقها الجيوش العربية من قبل ولا حاولت الوصول إليها، وكانت أهدافه من ذلك إعلام حكام تلك الممالك بأن القوات العربية قادرة على أن تصل وتضرب أية نقطة من أراضيهم حينما ترى أن الضرورة تتطلب ذلك، وقد اعتمد المنصور ابن أبي عامر على قوات أعدت إعداداً جيداً كانت ثمرة النظام الذي أقره على بنية القوات العسكرية فقد كانت الفرق العسكرية قبله تنضوي تحت لواء زعيم من زعماء القبائل وتضم تلك الفرقة أبناء وموالي كل قبيلة، وكانوا يتجمعون بناء على نداء من الدولة للنصرة والتطوع في صفوف القوات العازمة على الحرب، ومنذ عصر الناصر خصوصاً بعد واقعة الخندق سنة ٣٢٧ هـ -. لم تعد للعصبية القبلية أو لزعمائها مكانة وسط تنظيمات الجيش فأكمل ابن أبي عامر هدف الناصر بأن وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا وفرق بغض النظر عن عصبية كل جندي وأمر عليهم قائداً يختاره من بين القادة، وجعل قواته من ناحية التنظيم أشبه بالقوات النظامية في العصر الحديث، مع تقرير رواتب شهرية لكل منتظم في هذه القوات وحسب موقعه ومكانته. وهذا النظام سهل أمر تجميع القوات في وقت سريع، وأصبح الجند أكثر إلتزاماً وانضباطاً من ذي قبل، ولعل نتائج هذا التنظيم تبدو جلية من خلال حملات ابن أبي عامر على الممالك الشمالية وغيرها والتي تجاوزت كما ذكرنا الخمسين حملة، أشهرها تلك التي قادها سنة ٣٧١ هـ لمهاجمة مملكة ليون قاصداً مدينة سمورة إلى الشمال من شنت مانكش والغرض تأديب ملك ليون راميرو الثالث

стр. 188

لتدخله في شؤون الأندلس الداخلية وإمداده للقائد غالب بن عبد الرحمن بعدد من الجند الذين قاتلوا في صفه، وقد تمكنت القوات الأندلسية من تدمير جميع القرى المحيطة بالمدينة وسحقت كل مقاومة صادفتها، ولم يتمكن راميرو الثالث من أي عمل مضاد وحده فتحالف مع كونت قشتالة وملك نافار، ولكن هذا الحلف انتهى بالإنهيار عند أول لقاء للقوات المتحاربة في مكان قريب من شنت مانكش استسلمت بعده المدينة المذكورة واستمر زحف القوات الأندلسية باتجاه عاصمة مملكة ليون ولكن حلول الشتاء وسقوط الثلوج حالا دون إتمام بقية العمليات العسكرية وعلى الرغم من ذلك فقد كان لهذا الانتصار المحدود نتائج سلبية أصابت دولة ليون في الصميم فقد خلع راميرو الثالث ونصب مكانه ابن عمه برمودة الذي اضطر إلى دفع الجزية للمنصور ابن أبي عامر. وخرج من الصراع ملك بنبلونة شانجة فخضع للدولة العربية وقدم ابنته هدية لابن أبي عامر، فعقد عليها وتزوجها (٦٤). أما الغزوة الثالثة والعشرون في سنة ٣٧٤ هـ فقد كان هدفها ثغر برشلونة قاعدة إمارة قطلونية حيث تم اجتياح الإقليم ومهاجمة مدينة برشلونة ودخولها بعد تدمير قوات الكونت بريل تدميراً نهائياً إلا من تمكن من الفرار. وفي سنة ٣٧٦ هـ عاود المنصور الهجوم على مملكة ليون لإخلالها في بعض الشروط المفروضة عليها واستهدف الهجوم مدناً عديدة منها العاصمة ليون ومدينة قلمرية التي تم احتلالها وتخريبها. وفي سنة ٣٧٨ هـ احتل سمورة وليون، وأنهى كيان هذه المملكة ثم استعاد ملكها مركزه بعد سنتين وبعد أن وادع المنصور ووافق على تنفيذ جميع الشروط المفروضة على مملكته (٦٥). أما الغزوة الثامنة والأربعون في سنة ٣٨٧ هـ فهي حملة جليقية وكانت حملة ذات هدفين مهمين: الهدف الأول: أن جليقية كانت تشكل خط الدفاع لقوات ليون المنهزمة. والثاني: أن جليقية كانت تضم مدينة من أشهر المدن الإسبانية وأعلاها مكانة من الناحية الدينية، تلك هي مدينة شنت ياقب (٦٦).

стр. 189

وقد استعد المنصور لهذه الحملة استعداداً عالياً فقسم قواته إلى قسمين قوة الفرسان تحت قيادته، والقسم الآخر، ضم المشاة وما يلحق بهم حمل بحراً، والتقت القوتان عند نهر دويرة وبدأت القوات الأندلسية زحفها في أراضي جليقية مطهرة مناطق ومدناً عديدة في الطريق إلى الهدف شنت ياقب التي أشرفت عليها فألفتها خالية من القوات والسكان، فدخلتها وغنمت ما تهيأ من غنائم المدينة وهدت جميع تحصيناتها ومبانيها باستثناء ضريح (القديس يعقوب) الذي تنسب إليه المدينة فقد أمر المنصور بإعماره ورعايته وفي طريق العودة استسلمت له عدة مدن مشهورة منها مدينة كرونيا ومدينة لاميجو (٦٧). وأمام هذه الانتكاسات التي أصابت الممالك الإسبانية الشمالية في الصميم، حاول حاكم قشتالة سانشو غرسية في سنة ٣٩٠ هـ معالجة حالة التردي هذه بتشكيل جبهة قتالية بزعامته ومساعدة أمراء البشكنس وملك ليون وتعاهدوا على المقاومة والثبات، وقاموا بأول عمل مضاد فسيروا قواتهم إلى وادي نهر دويرة الأدنى للتمكن من التحصن في الجبال، فسارع ابن أبي عامر على لقاء قوى التحالف واتجه إلى أراضي قشتالة ومنها نفذ إلى المنطقة التي تحصنت بها قوات المتحالفين، وهنا رأى سانشو أن خطة الهجوم المفاجئ قبل أن يثبت المنصور أقدامه على الأرض، تحقق له ولقواته وضعاً عسكرياً يحقق إنزال أفدح الخسائر بالجيش المقابل وفعلاً نجحت خطته، وكاد الأمر ينتهي لصالح القوات المتحالفة، لولا رد قوات المنصور بهجوم مقابل شديد شتت شمل فرق المتحالفين وأجبرهم على الارتداد والهزيمة، واستمر المنصور في تقدمه حتى وصل مدينة برغش عاصمة قشتالة واستباحها. وظلت قواته تكيل الضربات وفي اتجاهات مختلفة حتى طرقت بنبلونة عاصمة مملكة نافار، ولم تتمكن قوات هذه الممالك من صد الهجمات القاسية والمتلاحقة لقوات المنصور فأذعنت لأوامره وشروطه (٦٨). ٢ - سياسة المنصور ابن أبي عامر تجاه المغرب: كانت سياسة الأندلس تجاه بلاد المغرب مركزية لا تتغير بتغيير الحكام وهي تقوم أساساً على اعتبار السواحل المقابلة للأندلس بمثابة حزام أمان للأندلس، يجب الحفاظ

стр. 190

على تبعيتها وولائها لحكومة قرطبة مهما كانت الأسباب، واعتبار مضيق جبل طارق جزءاً لا يتجزأ من الأندلس. وقد مر سابقاً وصف أحوال المغرب العربي في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وكيف تمكنت قوات الأندلس البحرية من كسر شوكة الحسن بن كنون زعيم الأدارسة سنة ٣٦٣ هـ، وإجباره على السكن في العاصمة قرطبة، قبل أن يسمح له الحكم بعد ما يقرب من سنتين بمغادرة الأندلس إلى مصر، بعد أن أخذت منه المواثيق والعهود بعدم القيام بأي عمل مضاد من شأنه أن يسبب قلقاً لحكومة قرطبة في المغرب. وفي عهد الحكم أيضاً تم توسيع دائرة نفوذ الأندلس في المغرب، مما بات يهدد نفوذ الفاطميين وُيؤذن بإزالته نهائياً، لذا عاود الفاطميون في سنة ٣٦٨ هـ (٦٩) سياستهم القائمة على رد الاعتبار واستعادة المناطق التي خسروها سابقاً، فأوعزوا إلى نائبهم بلكين بن زيري الصنهاجي للقيام بسلسلة من العمليات العسكرية لاستخلاص المدن المهمة والمناطق الحيوية لنفوذهم، وفعلاً تم الاستيلاء على مدينة فاس سنة ٣٦٩ هـ، والانتصار على قبائل زناتة في سلسلة من المواقع، ألجأتهم أخيراً إلى المناطق الساحلية: سبتة وطنجة ومليلة التي ظلت في أيدي الأندلسيين (٧٠)، وأمام هذا المد الذي وسع دائرة نفوذ خلفاء الدولة الفاطمية، والجزر الذي أصاب حلفاء حكومة قرطبة، قرر المنصور ابن أبي عامر العمل بسرعة على استعادة ما فقده في هذه البلاد، فأرسل إلى ميدان المعركة القائد المشهور جعفر بن علي المعروف بالأندلسي واستمرت الإمدادات بالقوات والسلاح متواصلة لإدامة عوامل الصمود، حتى أجبرت بلكين بن زيري لتعديل خططه والارتداد عن المناطق الساحلية المذكورة، فسار باتجاه مدينة البصرة التي تعرضت للدمار، وهاجم قبائل برغواطة وقتل زعيمها وسبى أعداداً كبيرة منهم، ثم دخل سجلماسة واغتال زعيمها خزرون بن فلفل، ثم قفل راجعاً إلى المغرب الأدنى بعد أن مكن نفوذ الفاطميين في المناطق التي تم تطهيرها. وتعد هذه الحملة آخر الحملات الكبيرة التي قام بها الفاطميون لبسط نفوذهم على المغرب العربي وهي على الرغم من سعة الأراضي التي اكتسحتها ومدى الخراب الذي أحدثته لم تكن ذات أثر فعال في إعادة النفوذ الفاطمي إلى المغرب الأقصى، فقد عاد

стр. 191

نفوذ قرطبة إلى ما كان عليه إثر عودة الحملة، وكان الزناتيون أداة هذا النفوذ، فقد عادوا للانسياح في أرجاء المغرب الأقصى والسيطرة على قواعده، وعندما حاول نائب الخليفة الفاطمي الجديد، وهو المنصور بن بلكين بن زيري، استعادة ما فقده ... هزمه الزناتيون تحت قيادة زعيم زناتي جديد بدأ نجمه بالصعود وهو زيري بن عطية حفيد عبد الله بن خزر (٧١)، الذي كان بدوره أخاً لمحمد بن خزر الزعيم المغراوي الذي انضوى تحت لواء الأمويين في أيام الناصر لدين الله، وأقلع المنصور بن بلكين بعد ذلك عن مهاجمة المغرب الأقصى (٧٢)، غير أن الفاطميين أرسلوا إلى المغرب الأقصى الحسن بن كنون ولم يكن إرساله بديلاً عن القوات العسكرية ووسيلة لاستعادة نفوذهم بقدر ما كانت عملية لتعكير الأمن على حكومة قرطبة في هذه المناطق (٧٣). فقد وصل الحسن بن كنون إلى المغرب الأقصى في سنة ٣٧٣ هـ معززاً ببعض القوات الفاطمية (٧٤)، والتفت حوله مجاميع أخرى من قوات البربر لاسيما بنو يفرن الزناتيين، ولكن قوات المنصور ابن أبي عامر تمكنت من إجهاض هجومه ومحاصرته ثم إجباره على الاستسلام واقتيد إلى قرطبة (٧٥)، ولكنه اغتيل بالطريق إليها بتدبير من ابن أبي عامر في سنة ٣٧٥ هـ/٩٨٥ م (٧٦). وقد تولى أمر المغرب الوزير الحسن بن أحمد بن عبد الودود السلمي، وأصبح زيري بن عطية المغراوي بمثابة المستشار في أموره، وعند وفاة الحسن سنة ٣٨١ هـ انتقلت ولاية المغرب إلى زيري بن عطية الذي عرفت عنه سياسته في ضبط الأمور والسيطرة على البلاد سيطرة تامة (٧٧)، خصوصاً بعد انتصاره على بني يفرن وقتل زعيمهم يدو بن يعلي سنة ٣٨٣ هـ، وعلى الرغم من أن المنصور كافأ زيري بن عطية على خدماته ومنحه لقب (وزير) غير أن الأخير لم يكن قانعاً بهذا اللقب والذي لم يعد (حسب رأيه) ليتوازن مع أعماله التي قدمها للمنصور ابن أبي عامر وكان يطمح إلى لقب الإمارة، وذلك هو ما سعى إليه عندما بدأ بتأسيس مدينة خاصة به وهي مدينة وجدة (٧٨). وعني

стр. 192

بتحصينها ثم انتقل إليها بخاصته ورجاله سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م (٧٩). غير أن التطورات المفاجئة بين المنصور ابن أبي عامر وابن عطية قلبت العلاقات الودية بين الطرفين ودفعت زعيم زناتة إلى التمرد وإعلان العصيان (٨٠) ولا نكاد نلمح في سطور الروايات التاريخية التي دونت أخبار هذا التمرد أي تسويغ مقبول لخروج الزعيم الزناتي على السلطة المركزية باستثناء ما قيل من أن أسباباً اقتصادية كانت وراء نفوره، أو ما قيل عن استخفافه بلقب الوزارة الذي منحته إياه حكومة قرطبة. فقد وجد حسب تعبير الرواية تقليلاً من وزنه السياسي بوصفه أميراً ينتمي إلى قبيلة كبيرة، غير أن هذه المصادمة إن صح وقوعها بين المنصور وزيري، لا تصلح لأن تكون مقدمة ثورة شاملة تستقطب البربر، لو لم تكن لها أبعاد سياسية ورواسب تاريخية معروفة، حدت به إلى التمرد ضد الوصاية العامرية، فقد شعر زيري بقوته من خلال القاعدة الشعبية التي التفت حوله من سواد قبائل البربر، حيث استهواها دائماً الاستقلال بشؤونها السياسية والإقتصادية، وكان زيري بشخصيته الذكية قد احتل مكانة عالية لدى جماعته من البربر فتحول بنظرهم إلى قائد شعبي، تتجسد فيه آمالهم البعيدة في السيادة والاستقلال (٨١) وبدأ زيري بن عطية بتنفيذ ما عزم عليه فاكتفى بذكر اسم الخليفة هشام في خطبة يوم الجمعة فقط، وأسقط اسم المنصور، وطرد عماله من المغرب وتمكنت قواته من دحر قوات القائد واضح في وادي زارات جنوبي طنجة، ولكن انتصاراته لم تسفر عن نتائج فعالة فقد أعادت القوات الأندلسية الكرة على قواته في سنة ٣٨٧ هـ وتمكنت من الانتصار عليها بوادٍ من أحواز طنجة وطاردت فلولها حتى مدينة مكناسة، ففر إلى العمق الصحراوي مع بعض فرقه المنهزمة، وتمكنت قوات الأندلس من تطهير مدينة فاس سنة ٣٨٨ هـ وإعادة المناطق التي اختلت طاعتها بخروج ابن عطية (٨٢). وفي سنة ٣٩١ هـ عاد زيري بن عطية إلى ولائه وكاتب المنصور بهذا الأمر فعفى عنه وحسنت سيرته حتى وافاه الأجل في السنة نفسها فخلفه على حكم المغرب ولده المعز الذي أعلن سياسة الولاء للمنصور ابن أبي عامر ثم لابنه عبد الملك المظفر من بعده (٨٣).

стр. 193

٣ - العلاقات الدبلوماسية: ظلت العلاقات الودية قائمة بين الأندلس والإمبراطورية البيزنطية فقد عاصر المنصور الإمبراطور بازيل الثاني (٩٧٦ - ١٠٢٥ م) الذي يعد عصره الطويل من أزهى عصور هذه الإمبراطورية. وظلت أيضاً علاقة الأندلس بألمانيا علاقة صداقة وسلام رسختها رغبة الطرفين في استمرار تلك العلائق، وكان إمبراطور ألمانيا أوتو الثالث ٩٨٣ - ١٠٠٢ م قد سار على نهج أسلافه في إقرار عرى التعاون المشترك بين البلدين. أما علاقات الأندلس الدبلوماسية مع ملوك وأمراء إسبانيا الشمالية فلم تكن لترقى إلى مستوى العلاقات الودية إلا في ظروف عجزت معه هذه الممالك عن مقاومة جيوش المنصور ابن أبي عامر، فتم عقد المصاهرة بين المنصور وبين ملك نبرة شانجة عندما تزوج الأول إبنة الأخير. أما العلاقات مع قشتالة، فقد عاصر المنصور ابن أبي عامر اثنين من حكامها فرناند وابنه سانشو وكلاهما لقي الكثير من الهزائم أمام قوات المنصور فالأول انتهت حياته في الأسر والثاني اضطر إلى عقد اتفاق مذل مع المنصور ابن أبي عامر أعلن فيه خضوعه وولاءه التام له (٨٤). - السياسة الداخلية: ١ - علاقة المنصور مع الخليفة هشام المؤيد: استمر الحجر على الخليفة هشام المؤيد ومنعت تحركاته إلا بمعرفة المنصور ابن أبي عامر، وهي سياسة دأب عليها أولاده عبد الملك وعبد الرحمن من بعده وظل الخليفة المؤيد اسماً مجرداً في سلسلة خلفاء الأندلس، ورمزاً تمارس باسمه جميع السلطات لاكتساب الشرعية (٨٥). وإذا كان المنصور قد اختار مناسبات معينة لظهور الخليفة بموكبه المعروف، فإنه كان يقصد أول ما يقصد الرد على تقولات المروانيين وبعض الإشاعات التي تبث في العاصمة عن سجن الخليفة بقصره وعدم السماح له بالظهور وسط العامة (٨٦).

стр. 194

٢ - العلاقة مع الفقهاء: خطب المنصور ابن أبي عامر ود طبقة الفقهاء، وحاول كسب رضاهم ربما كتعويض عن اغتصابه السلطة، أو نتيجة لنشأته الدينية ودراسته على أشهر فقهاء العصر ومع ذلك فقد ظلت مسألة استبداده بالأمور وتمجيد شخصيته محوراً للخلاف بينه وبينهم، غير أن الخلاف لم يكن ليصل إلى حد القطيعة والصدام كما حدث للحكم بن هشام الربضي مع فقهاء عصره، لأن كل طرف من هذه الأطراف لم يكن يريد أن يتحدى الآخر بالشكل الذي يؤدي إلى هذه النتائج، والمنصور ابن أبي عامر من جانبه كان حريصاً على أن يضيف إلى أعماله نوعاً من الشرعية المدعمة بفتوى الفقهاء، أما الفقهاء فعلى الرغم من أنهم لم يسكتوا على أعمال المنصور إلا أنهم سايروه في البعض منها على قناعتهم بعدم انسجام تلك الأعمال والأفعال مع مذهب الإمام مالك مذهب أهل الأندلس (٨٧). وعلى الرغم من كل هذه العلاقة التي تبدو ودية في أكثر من جانب إلا أن عصره لم يخل من فقهاء حاولوا التصدي لمشاريعه السلطوية ومنهم على سبيل المثال قاضي قضاة الأندلس محمد بن إسحاق بن منذر بن أبي عكرمة المتوفى سنة ٣٦٧ هـ (٨٨) المتولي بعد وفاة البلوطي. وقامت حركة أخرى كان على رأسها عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي كانت تدعو إلى تولية عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر ابن عم هشام المؤيد واغتيال هشام المؤيد والحاجب المنصور ابن أبي عامر، وقد اشترك في هذه الحركة عدد كبير من كبار الموظفين في الدولة ونخبة لا بأس بها من مشهوري الفقهاء، ولكن الأمر انتهى بكشف خيوط الحركة قبل التنفيذ وتم القبض على عبد الملك بن منذر البلوطي فحكم عليه بالإعدام على الرغم من معارضة الفقهاء ولكن العامري نفذ الإعدام فيه سنة ٣٦٨ هـ (٨٩) واكتفى بسجن الآخرين. ويظهر أن إعدام ابن منذر البلوطي وسجن الباقين ليس مرده لزعامة البلوطي للفتنة فقط، بل لكونه معتزلياً، الأمر الذي يجعل إعدامه لا يثير ردود فعل سلبية بقدر ما له من نتائج هي في صالح المنصور ابن أبي عامر وذلك لكره أهل

стр. 195

الأندلس الشديد للمعتزلة (٩٠). ومن الفقهاء الذين عارضوا رغبات المنصور غير المسوغة قاضي القضاة محمد بن يبقى بن زرب المتوفى سنة ٣٨١ هـ فقد روى النباهي أن المنصور ابن أبي عامر أراد إقامة الصلاة الجامعة في مسجد الزاهرة فعارضه القاضي المذكور وعد ذلك من الأمور التي لا تصح شرعاً مع وجود مسجد للجماعة (٩١). ومهما يكن من أمر فإن علاقة المنصور ابن أبي عامر مع فقهاء عصره هي علاقة ود وانسجام " وهي ظاهرة مميزة في تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، حيث قام لأول مرة توازن في العلاقة بين الدولة ورجال الدين، ولعلنا لا نتعارض مع الحقيقة في تقدير حجم الفقهاء الذين استمدوا قوتهم من التشدد في المذهب المالكي المحافظ، ومن المركز المعنوي الذي كان لهم بين طبقات الشعب في الأندلس، وانطلاقاً من هذا الموقع كانت المصادقة الدائمة على النفوذ بينهم وبين السلطة الزمنية، فإما أن تسود كلمتهم كما حصل في عهود هشام الأول وعبد الرحمن الثاني والحكم المستنصر أو يعيشوا في الظل كما في عهود الأقوياء من الحكام ... وهكذا فإن العامري كان الحاكم الوحيد الذي بنى علاقات متكافئة بينه وبين الفقهاء، فلم يحاول تحجيم نفوذهم رغم سلطته المطلقة من جهة ولم يفتح لهم أي نافذة للتدخل في شؤون الحكم من جهة أخرى " (٩٢). ٣ - تغيير بنية الجيش: أعاد المنصور ابن أبي عامر تنظيم القوات المسلحة تنظيماً جديداً كفل له بالتالي نتائج إيجابية على المستويين الداخلي والخارجي، وتنظيماته تقوم أساساً على جعل القوات المسلحة وحدة نظامية متماسكة خاضعة لقيادة عليا، وإلغاء النظام القديم الذي يقوم على الأساس القبلي أو العنصري، كما ألغى النظام الإقطاعي العسكري، وأصبح جيشه جيشاً نظامياً يتكون من فرق عديدة على رأس كل فرقة منها قائد أعلى ينوب عنه عدد من القادة الآخرين وحسب التشكيلات التي تتكون منها الفرقة العسكرية، ولكل منتسب راتب شهري مقرر حسب رتبته وموقعه.

стр. 196

وصنوف القوات المسلحة في عهده كما هي الحال في عهود من سبقه من أمراء وخلفاء بنو أمية تتكون من صنفين أساسيين هما المشاة وهي القوة الضاربة في الجيش، والفرسان (٩٣) الذين يعدون من الصنوف الفاعلة في كل موقعة من المواقع. ٤ - بناء الزاهرة: اقتفى المنصور ابن أبي عامر أثر الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما شرع في بناء مدينة خاصة به سنة ٣٦٨ هـ/٩٧٨ م اتخذت اسم الزاهرة، والدوافع إلى بناء هذه المدينة لا تختلف كثيراً عن الدوافع التي حدت بالخليفة الناصر إلى تأسيس مدينة الزهراء، وهي تمجيد عصورهم بمنشآت مميزة، دلالة على العزة والسلطان الواسع (٩٤). والسبب المضاف ما ذكره ابن عذاري بقوله: " أمر المنصور ابن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة وذلك عندما استفحل أمره، واتقد جمره وأظهر استبداده، وكثر حساده وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان وخشي أن يقع في أشطان، فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه، ورفع الاستناد إليه ... " (٩٥). وقد تم بناء الزاهرة في سنة ٣٧٠ هـ/٩٧٩ م وانتقل إليها المنصور بحاشيته وخاصة من الحرس، وشحنها بأنواع الأسلحة (٩٦)، ثم نقل إليها خزينة الدولة ودواوينها، وأقطع ما حولها لكبار رجالات الدولة من عسكريين ومدنيين فساروا سيرته وابتنوا القصور الفخمة وعمروا المنتزهات الواسعة. وتنافس العامة في البناء حولها حتى اتصلت عمائرها بالعاصمة قرطبة (٩٧). ولم تعمر مدينة الزاهرة طويلاً فقد كان عمرها رهيناً بعمر الدولة العامرية فما أن قتل عبد الرحمن الملقب شنجول حتى عم الخراب عمائر هذه المدينة ونهبت قصورها وانتهت رسومها في الفوضى التي عمت البلاد سنة ٣٩٩هـ (٩٨)، واندثرت بهذا التخريب تلك المدينة اندثاراً يختلف عن ذلك الذي حل بالزهراء إذ عثر على الكثير من قطع

стр. 197

المدينة الأخيرة مبعثرة في بلدان أخرى، وتم التعرف عليها بفضل ما عليها من كتابات، بينما لم يبق شيء من مأثر الزاهرة ... سوى حوض من المرمر، مكسور وغير كامل، وصل إلى إشبيلية ويحفظ الآن في المتحف الوطني بمدريد ... كما أنه لم يبق من الزاهرة فيما بعد أي صدى في التقاليد المحلية، لذا اختلف في تحديد مكانها (٩٩). مات المنصور ابن أبي عامر في رمضان سنة ٣٩٢ هـ وهو ابن خمس وستين سنة (١٠٠) بعد أن تولى تدبير الأمر فترة تقارب خمساً وعشرين سنة، اختصر فيها منجزات عهود، فقد كان عبقرية فذة تمثل ذروة النبوغ الشعبي والطموح الفردي (١٠١) خرج من صفوف الطبقة الوسطى " وشق طريقه بساعده وهمته إلى السلطان والرئاسة ولم تسعفه في ذلك نشأة ملوكية، أو انقلاب عنيف، ولم يكن عزمه في بلوغ ذلك أقل شأناً من تألق طالعه، وقد وصل المنصور إلى مرتبة من السلطان والقوة لم يصل إليها أحد قبله من أعاظم أمراء الأندلس حتى ولا عبد الرحمن الناصر نفسه، ويمكننا أن نقول أنه إذا كان عهد الناصر ألمع صفحة في تاريخ الأندلس، من النواحي السياسية والحضارية فإن عهد المنصور لا يقل عنه لمعاناً وتألقاً بل ربما امتاز على عهد الناصر بما أحرزته خلاله الدولة العربية من تفوق عظيم في السلطان والقوى العسكرية في شبه الجزيرة الإسبانية. فقد استطاعت الممالك الإسبانية الشمالية في عهد الناصر، أن تنتهز فرصة الفتن الداخلية بالأندلس، وأن توطد قواها العسكرية، وأن تغزو الأندلس غير مرة غزوات مخربة، وقد لقي الناصر على يد النصارى غير هزيمة فادحة، أما في عهد المنصور، فقد انتهت الممالك الإسبانية إلى حالة يرثى لها من التفكك والضعف، واستمرت زهاء ثلث قرن تتلقى ضربات المسلمين الساحقة المتوالية، وقد وصل المنصور في غزواته في شبه الجزيرة الإسبانية، إلى مواطن لم يبلغها فاتح مسلم من قبل " (١٠٢). وعلى الرغم من كل ذلك فقد كان المنصور جزعاً على مستقبل دولته التي بناها بالطموح والإرادة القوية، وإدراك أنها لن تعيش طويلاً بعد رحيله ذلك أن حيوية الدولة وديمومتها ارتبطت بشخصه ارتباطاً وثيقاً صعب على خلفائه مجاراة الأمور بنفس السياسة والأسلوب. فعلى الرغم من حزم خليفته عبد الملك الملقب بالمظفر واتباعه في معظم الأمور

стр. 198

المركزية سياسة والده المنصور، إلا أنه فشل في جوانب هامة كان لها أكبر الأثر في هدم تراث العامريين السياسي في الأندلس. فعبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر لم يخالف سياسة والده أو سياسة الدولة المركزية اتجاه المغرب والحفاظ على مناطق النفوذ والدفاع عنها حتى ما تطلب الأمر ذلك. وظلت العلاقة مع الممالك الإسبانية الشمالية تتراوح بين الصراع الحربي والوفاق المشوب بالحذر (١٠٣) كما استمرت العلاقة الودية مع بعض ملوك العصر (١٠٤). والظاهرة البارزة في عهده هي تناحر كبار رجال الدولة وتسابقهم للاستحواذ على السلطة في وقت بدى فيه عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر مشغولاً بأمور بعيدة عن مصلحة الدولة ففوض بعض سلطاته لكبار موظفيه كطرفة الصقلبي وعيسى بن سعيد أحد وزرائه، وأفضى هذا التفويض إلى تسابق الطرفين للسيطرة على أهم السلطات حتى بدأت دولته وكأنها تتحرك من خلال شخصيتين متنافرتين وباتجاهين مختلفين (١٠٥)، وإذا استطاع طرفة الغلبة في بداية عهده فإن الوزير ابن سعيد سعى به لدى عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر، وحسب عليه أموراً عديدة، حتى أقنع عبد الملك بخطورة تسلط طرفة الصقلبي الذي نفي إلى الجزائر الشرقية سنة ٣٩٤ هـ (١٠٦). وهكذا نجحت خطط الوزير ابن سعيد بالقضاء على أقوى منافسيه فتبؤا مكانة مرموقة وأصبح الوزير المفوض في معظم أمور الدولة (١٠٧)، حتى أصبحت تلك السلطات نقمة عليه حين سعى بدوره إلى التآمر لقلب نظام الحكم، وتولية أحد الأمراء الأمويين خليفة على البلاد، وقد كشفت المؤامرة قبل تنفيذها فحكم عليه وعلى أعوانه بالإعدام سنة ٣٩٧ هـ (١٠٨). استمر عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر في الحجابة سبع سنوات إلى أن توفي سنة ٣٩٩ هـ/١٠٠٩ م. وناب عنه في منصب الحجابة أخوه عبد الرحمن الملقب شنجول، ولم يكن عبد الرحمن الشخصية التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تركه أخوه عبد الملك المظفر، فقد عرف عنه قلة الذكاء والتهور، وبدأ عصره فخالف سياسة والده وأخيه

стр. 199

بالتقرب من الخليفة المحجور عليه هشام المؤيد، وأفرط في ملازمته والتردد إليه، حتى أنعم عليه الخليفة بلقب المأمون، مما أثار استنكار الكثير من العناصر القرطبية التي بدأت تتساءل عن معنى منح هذا اللقب في الوقت الذي لم يروا من عبد الرحمن شنجول أي عمل أو خدمة عامة يستحق عليها مثل هذا التكريم. ثم أعقب هذا اللقب مرسوم خلافي (١٠٩) بتولية عبد الرحمن شنجول ولاية العهد وقرأ المرسوم أمام كبار رجال الدولة وزعماء الطوائف في البلاد (١١٠)، وكان لهذا القرار آثاره الخطيرة على كيان العامريين بصورة خاصة والدولة بصورة عامة فبدأ المروانيون ومن والاهم بالعمل على قلب نظام الحكم واستغلال أمثل الظروف لتحقيق أهدافهم، وسنحت الفرصة عند خروج عبد الرحمن شنجول لحرب قشتالة (١١١)، وخلو العاصمة من معظم القوات النظامية فثار محمد بن هشام حفيد عبد الرحمن الناصر المقلب بالمهدي (١١٢)، في ١٦ جمادى الآخرة سنة ٣٩٩ هـ/١٠٠٩ م وسيطر على قصر الخليفة هشام المؤيد، الذي أعلن تنازله عن الخلافة ليتولاها محمد بن هشام مكانه، الذي أتم السيطرة على مدينة الزاهرة فاستبيحت ونهبت خزائنها وأحرقت حتى لم يبق المهاجمون على أثر يذكر لعمائر وذخائر المدينة العامرية المذكورة. وعندما وصلت أخبار الانقلاب إلى عبد الرحمن شنجول، ارتد بقواته إلى قلعة رباح، وأعلن تنازله عن ولاية العهد، ودعا إلى نصرة الخليفة هشام المؤيد لكن نداءاته وإجراءاته كانت متأخرة جداً، فأسقط في يده عندما تفرق عنه معظم جنده وانتهى أمره أخيراً بالإعدام في السنة نفسها (١١٣). وهكذا أسدل الستار على الدولة العامرية، بسرعة لم تكن متوقعة؛ فقد تولى عبد الرحمن شنجول الحكم، والدولة محكمة النظام موطدة الدعائم، ولم تمضِ أكثر

стр. 200

من ثلاثة أشهر حتى انهار ذلك الصرح الشامخ الذي شاده المنصور محمد بن أبي عامر ولبث خمسة وثلاثين عاماً ينشر الأمن والرخاء على عموم بلاد الأندلس (١١٤). وتتحدد الأسباب الجوهرية في انهيار الدولة العامرية بما يأتي: ١ - النظام التسلطي القاسي الذي فرضه المنصور ابن أبي عامر على الأندلس واستمرار هذا النظام في عهد أولاده عبد الملك وعبد الرحمن من بعده. ٢ - سوء سياسة عبد الرحمن شنجول وسعيه إلى نيل الألقاب السلطانية وإجبار الخليفة هشام المؤيد على إصدار المراسيم الخاصة بذلك. ٣ - تجرؤ عبد الرحمن على اكتساب ولاية العهد، وكان لذلك " أسوأ الوقع في نفوس قوم جبلوا على تقديس شعائر الخلافة وحقوقها الشرعية " (١١٥).

стр. 201

البَابُ الرَّابِع [[سقوط الخلافة وفكرة عن دويلات الطوائف]] الفصل الأول: سقوط الخلافة في الأندلس الفصل الثاني: فكرة عامة عن دويلات الطوائف الدكتور ناطق صالح مطلوب ١ - الفصل الثالث: عصر المرابطين وعصر الموحدين أ - الأندلس ولاية مرابطية ب - الأندلس ولاية موحدية ٢ - الفصل الرابع: عصر مملكة غرناطة ٣ - الفصل الخامس: المسلمون بعد سقوط غرناطة الدكتور خليل إبراهيم السامرائي

стр. 202

الفَصْلُ الأَوَّل سقوط الخلافة بتولية المهدي الخلافة، بدأت القوى المختلفة تحاول الحصول على أسلاب الدولة المنهارة، فقد كان بنو أمية يرون أنهم أصحاب الحق الشرعي في الخلافة، وكان هناك صنائع الدولة العامرية، وأنصارها من الصقالبة ومواليها من الجنود المرتزقة، وكان البربر قد تضخم عددهم في أواخر عصر المنصور ابن أبي عامر، واستقر العديد من زعمائهم في الأندلس، إضافة إلى قوة العامة من أهل قرطبة الذين ساندوا المهدي ونصروه على خصومه، وكانت هذه القوة كثيرة الأهواء والنزعات (١)، ولم يتمكن المهدي في كثير من الأحيان السيطرة عليها أو كبح جماح زعمائهم الذين بدأوا أعمالاً كانت مثار استنكار معظم القوى في البلاد، بعد ما عرضوا أمن البلاد إلى الخطر، وأصابوا العاصمة قرطبة بمزيد من الخراب والدمار. وكانت دولة محمد بن هشام المهدي تقوم على حد قول ابن عذاري: على " جنود من العامة المحشودة عورض بها أجناد السلطان أهل الدربة والتجربة، ونكوب وزراء جلة، ونصب أضدادهم تقتحم العين هجنة وقماءة، وجرى هذا كله على يدي بضعة عشر رجلاً من أراذل العامة حجامين وخرازين وكنافين ... " (٢). وقد بدأ المهدي عصره باضطهاده البربر لأنهم كانوا -حسب رأيه- من المؤازرين للدولة العامرية، فأساء معاملتهم وضيق على زعمائهم عند الدخول إليه، وسعى إلى الحط من مكانتهم لسبب أو لغير سبب، مما شجع الغوغاء من العامة على نهب بعض ممتلكاتهم والاعتداء على حرماتهم، وعلى الرغم مما قيل من أن السلطة حاولت السيطرة على مثل هذه الأعمال، ومعاقبة القائمين عليها، وقدمت اعتذارها لزاوي بن

стр. 203

زيري، وحبوس بن ماكسن وغيرهما من زعماء البربر، إلا أن هؤلاء لم يأمنوا جانب السلطة، وبدأوا يتوجسون من المهدي وأنصاره خيفة احتاطوا لها استعداداً لكل طارئ. وكان من أعمال المهدي أيضاً إجلاء أعداد كبيرة من الفتيان الصقالبة عن العاصمة قرطبة، فلجأوا إلى مناطق الأندلس الشرقية، واستثنى منهم الفتى واضح صاحب مدينة سالم الذي أقره المهدي على ولايته. كما أصابت إجراءاته الخليفة هشام المؤيد، الذي سجن في القصر أولاً ثم نقل إلى أحد دور العاصمة، ثم اصطنع بعد ذلك قصة موته في اليوم السابع والعشرين من شعبان سنة ٣٩٩ هـ. وتمادى المهدي في سياسته العنيفة كثيراً عندما سجن ولي عهده سليمان بن هشام وبعض الزعماء العرب، وسرح من الجيش ما يقارب السبعمائة ألف جندي أحالهم جميعاً من مناصبهم وقطع أرزاقهم، فأصبحوا عنصراً من عناصر التوتر والشغب (٣). وأمام هذه الأحوال السيئة، والاضطهاد العنيف الذي أصاب البربر في قرطبة، قام هشام بن سليمان بن الناصر بانقلابه في شوال سنة ٣٩٩هـ، وأعلن نفسه خليفة على البلاد ولقب بالرشيد، وعلى الرغم من النجاح الذي أحرزه إلا أن انقلابه أحبط أمام تعضيد القرطبيين للمهدي، واستماتتهم في الدفاع عن خلافته، وقبض على هشام بن سليمان وولده وأخيه أبي بكر وآخرين من الزعماء الذين عاضدوهم وتم إعدامهم جميعاً (٤). وعمت العاصمة قرطبة حالة من أعمال الشغب المدمرة استهدفت جميع البربر الساكنين فيها دون تمييز، حتى ذهبت ضحية ذلك الشغب أعداد كبيرة منهم. وقد دفعت هذه الأعمال البربر إلى توحيد قواهم، واختيار أحد الأمراء الأمويين لقيادتهم ليناهضوا به المهدي خليفة قرطبة. فوقع الاختيار على سليمان بن الحكم المستعين (٥)، الذي اتخذ من قلعة رباح قاعدة له، ثم خرج منها إلى وادي الحجارة فتمت السيطرة عليها عنوة (٦)، وحاصر مدينة سالم مدة ثم تركها، وحاول واضح الصقلبي منع

стр. 204

الإمدادات والمؤن عن قوات المستعين، ونجح بعض الشيء، ولكن الأخير فاوض أمير قشتالة سانشو غورسية وأبرم معه اتفاقاً أنقذه من الحصار الذي يعانيه مقابل شروط فرضها أمير قشتالة (٧). وفي ذي الحجة من سنة ٣٩٩ هـ وقع القتال بين قوات المستعين وقوات واضح الصقلبي في مكان يسمى شرنبة على مقربة من قلعة النهر أو قلعة هنارس الحالية، انتهى بهزيمة واضح الصقلبي وارتداده إلى العاصمة قرطبة (٨) تلاحقه قوات المستعين التي تمكنت وبعد معركة عنيفة من اجتياح مدينة قرطبة ودخولها في ١٣ ربيع الأول سنة ٤٠٠ هـ/٥ تشرين أول ١٠٠٩ م (٩)، وأعلن سليمان المستعين نفسه خليفةً على الأندلس (١٠). أما المهدي فقد تمكن من الهرب إلى طليطلة وبدأ من هذه المدينة يعد العدة لهجوم يستعيد به ملكه الضائع، وحاول المستعين إجهاض مساعي المهدي لكنه فشل أمام مدينة طليطلة التي تمسكت بطاعة المهدي، ولقي الفشل نفسه أمام مدينة سالم. فاضطر إلى سحب قواته والعودة بها إلى العاصمة قرطبة نتيجة لسوء الأحوال الجوية (١١). وقد هيأ انسحابه للمهدي ظروفاً تمكن من توظيفها لصالحه، وتمكن من جمع أكبر ما يمكن من الأنصار الموالين لدعوته، إضافة إلى مفاوضة واضح الصقلبي لأمير برشلونة رامون الثالث وأخيه ارمنجول أمير مقاطعة أورخل (١٢) لإمدادهم بالمرتزقة (١٣) وقد وافق الأميران المذكوران على مساعدة قوات المهدي مقابل شروط قاسية وافق عليها واضح الصقلبي، وقبلها المهدي مضطراً (١٤).

стр. 205

وفي منتصف شوال سنة ٤٠٠ هـ/ مارس، ١٠١٠ م وقع اللقاء بين الطرفين في مكان عقبة البقر (١٥)، ومع اشتداد أوار المعركة وارتداد قوات البربر؛ توقع سليمان المستعين الهزيمة، فهرب من الميدان نجاة بنفسه (١٦)؛ ولكن قوات البربر أعادت الكرة وبشدة فخرقت صفوف قوات المهدي، وأنزلت بها الخسائر الفادحة، وارتدوا بعد ذلك إلى قرطبة وأجلوا ذويهم وحملوا أموالهم وأخلوا العاصمة باتجاه وادي آره، ليدخلها المهدي ويعلن خلافته للمرة الثانية (١٧). ولكن المهدي لم يكف عن ملاحقة البربر فاصطدم بهم عند وادي آره على نهر الوادي الكبير، ودارت بين الطرفين معركة شديدة انتهت بهزيمته، وارتداده بفلوله إلى العاصمة قرطبة (١٨)؛ وكان لهذا الإنكسار آثاره السلبية على مكانة المهدي، فقد استمرت قوات البربر تغير على نواحي العاصمة بين الحين والآخر، وضاقت الأحوال بسكانها مع سوء سياسة المهدي وبطانته؛ وقد وجد واضح الصقلبي في هذه الظروف فرصة مناسبة للخلاص من المهدي، فتعاقد مع بعض الفتيان الصقالبة على اغتيال المهدي في ذي الحجة من سنة ٤٠٠ هـ (١٩)، وأعادوا الخليفة المؤيد، وأعلنوا بيعته أمام الملأ (٢٠). " وهكذا استرد هشام المؤيد الخلافة بعد سلسلة من الخطوب والأحداث ... وكان يومئذٍ كهلاً في نحو السابعة والأربعين من عمره، وكان قد مضى عليه مذ ولي الخلافة صبياً لأول مرة أربعة وثلاثون عاماً، وفي تلك الفترة شهدت الأندلس طائفة من الأحداث الجسام لم تشهد مثلها من قبل " (٢١). ولكن سليمان المستعين وقواته من البربر رفضوا الولاء للسلطة الجديدة، وبدأوا ينفذون خطة لاستعادة سلطانهم السابق، فبدأت غاراتهم المرهقة على أطراف العاصمة وبعض المدن الأخرى (٢٢). حتى فقدت البلاد مواردها الإقتصادية، وانفلت الأمن في عمومها (٢٣).

стр. 206

ومع سوء الأحوال، والنقص الشديد في الموارد الأساسية المعززة لصمود المدينة، وتعنت عامة أهل قرطبة ورفضهم المطلق لكل دعاوي الصلح والسلام، بل كانت الدعوة إلى الصلح والتصافي بين الأطراف المتنازعة تثير فيهم أنواعاً من أعمال العنف غير المسوغة حتى سدت جميع أبواب الوساطات (٢٤)، فقد أيقن واضح الصقلبي أن بقاءه في العاصمة يعني انتظاره لمصير مجهول لا تحمد عواقبه، فحاول مغادرتها سراً، لكن أمره افتضح من قبل كبار الجند، فقبض عليه، وتمت تصفية أمواله وإعدامه (٢٥). وفي أواخر شهر شوال سنة ٤٠٣هـ، مارس ١٠١٣ م اجتاحت قوات المستعين العاصمة قرطبة ودخلتها عنوة، وقبض على الخليفة هشام المؤيد وقتله (٢٦)، وأعلن نفسه خليفة في الأندلس وللمرة الثانية (٢٧)؛ وبدأ سليمان بتنظيم شؤون الحكومة المضطربة " وكانت الفوضى قد سرت إلى جميع النواحي، وتفككت عرى الدولة، وقصر نفوذ الحكومة إلا عن قرطبة وما يجاورها، وقبض البربر الذين رفعوا سليمان إلى (الخلافة) على السلطة الحقيقية، فتولوا مناصب الحجابة والوزارة، وسائر المناصب المهمة. ورأى سليمان إرضاء لهم من جهة، وإبعاداً لهم عن قرطبة من جهة أخرى، أن يقطعهم كور الأندلس، وكانوا ست قبائل رئيسة، فأعطى قبيلة صنهاجة وزعماءها بني زيري، ولاية البيرة (غرناطة)، وأعطى مغراوة جوفي البلاد، وبني برزال وبني يفرن ولاية جيان ومتعلقاتها، وبني دمر وازداجة منطقة شذونة ومورور، وأقر المنذر بن يحيى التجيبي على ولاية سرقسطة والثغر الأعلى ... وولى بني حمود الأدارسة ثغور المغرب ... ". ويهمنا هنا أمر بني حمود الصنهاجيين لدورهم في أحداث البلاد بعد ذلك، فقد ولي القاسم بن حمود بن علي الجزيرة الخضراء، وولي أخوه علي بن حمود مدينتي سبتة وطنجة، وتولية بني حمود الصنهاجيين أمر المغرب والجزيرة الخضراء أول بلاد الأندلس سقطة حسبت على المستعين وأذهبت دولته (٢٩)، فقد بلغ الطموح بعلي بن حمود مبلغه

стр. 207

فقام على الخليفة المستعين يروم قمة السلطة بعد ما تقلب فيها أفراد هم في الحقيقة ليسوا أكثر كفاءة منه، وقد ساعدته على ذلك أسباب وعوامل منها: ١ - زعمه أن الخليفة هشام المؤيد ولاه العهد من بعده، وأظهر لإثبات ذلك كتاباً نسبه إلى الخليفة هشام، كان قد أرسله إليه خلال فترة حصار مدينة قرطبة من قبل المستعين وقواته (٣٠)، وعدّ ابن حمود ذلك الكتاب المزعوم كافياً لإضفاء الشرعية على خروجه ومطالبته بالخلافة (٣١). ٢ - تمزق وحدة البلاد، وانتشار السلطة بين قوى متعددة فسح المجال واسعاً لابن حمود لكي ينفذ ما كان يصبو إليه من الوصول إلى قمة السلطة، واستسلاب الخلافة (٣٢)، إضافة إلى كونه ينتمي إلى عائلة مشهورة، ويقود قبيلة من أقوى القبائل العربية البربرية وهي قبيلة زناتة. ٣ - وثمة عامل مساعد مهم هيأه له الخليفة المستعين عندما ولاه أمر المغرب العربي، وولى أخاه القاسم الجزيرة الخضراء، وقد تنبأ معظم المؤرخين بسوء هذه السياسة التي أمضاها المستعين دون مراجعة دقيقة (٣٣). ٤ - كسب ود جميع القوى المتعاطفة مع هشام المؤيد ومنهم الصقالبة ورئيسهم خيران المتغلب على مدينة المرية والذي كان يدعو للخليفة هشام المؤيد، ويناهض الخليفة المستعين (٣٤). وهكذا خلق ابن حمود الجو المناسب للقيام على الخليفة المستعين مع مساعدة الظروف له، فعبر من مدينة سبتة، ونزل الجزيرة الخضراء وسار بقواته ومن انضم إليه من زعماء الكور باتجاه العاصمة قرطبة، حيث التقى مع قوات المستعين في ظاهرها ودارت بين الطرفين معركة شديدة، خسرها المستعين، ودخل ابن حمود قرطبة في الثامن والعشرين من محرم سنة ٤٠٧ هـ تموز ١٠١٦ م.

стр. 208

وبإعدام المستعين في التاريخ المذكور آنفاً تبدأ سلسلة الخلفاء الحموديين الذين حكموا الأندلس وأولهم: علي بن حمود، وحكم قرابة سنة قبل مقتله سنة ٤٠٨ هـ/١٠١٨ م (٣٥) ثم تولى بعده أخوه القاسم بن حمود (٤٠٨ - ٤١٢ هـ/١٠٢١ م) ثم يحيى بن حمود (٤١٢ - ٤١٣ هـ/ ١٠٢٢ م). ثم القاسم بن حمود وللمرة الثانية (٤١٣ - ٤١٤ هـ/١٠٢٣ م)، وفي عهده انتهت خلافة هذه الأسرة (٣٦)، وانتقلت إلى الأسرة الأموية مرة أخرى؛ وأول خلفائهم: عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الملقب المستظهر بالله، وقد قتل في السنة التي تولى فيها أمر الخلافة - أي سنة ٤١٤ هـ/١٠٢٤ م. ثم أعقبه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر الملقب المستكفي بالله واستمر حتى مقتله سنة ٤١٦ هـ/١٠٢٥ م (٣٧). ثم عادت الخلافة إلى الأسرة الحمودية وتولاها منهم: يحيى بن حمود للمرة الثانية، ثم أفلَ نجم هذه الأسرة لتعود إلى بني أمية مرة أخرى، حتى مل الناس تلك الشخصيات، وثقلت ألقابهم أمام ندرة أعمالهم وقلة تدبيرهم، وانتهى الأمر في سنة ٤٢٢ هـ/١٠٣١ م بعزل هشام الثالث المعتد بالله آخر الخلفاء الأمويين، وإلغاء الخلافة نهائياً عن الأندلس، بعد أن عجزت عن إقرار الأمور، وفرض سلطانها على العاصمة قرطبة، ناهيك عن إقرار تلك السلطات في بقية مدن الأندلس الأخرى؛ وفي قال ابن الخطيب السلماني: " ومشى البريد في الأسواق والأرباض بأن لا يبقى أحد بقرطبة من بني أمية ولا يكنفهم أحد " (٣٨). وهكذا انحدرت الأندلس، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) عقب سقوط الخلافة العربية إلى درك من التمزق والفوضى، وآلت البلاد بعد أن كانت وحدة موحدة " تمتد من ضفاف دويرة شمالاً إلى مضيق جبل طارق جنوباً، ومن شاطئ البحر المتوسط ومن طركونة شرقاً حتى شاطئ المحيط (الأطلسي) غرباً " (٣٩). إلى أشلاء ممزقة، وولايات ومدن متخاصمة يسيطر على كل منها حاكم

стр. 209

سابق، أو متغلب، أو زعيم أسرة، نزلت إلى ميدان الصراع الذي شمل البلاد كلها. واستمرت هذه الحالة قرابة ثمانين عاماً حتى دخول المرابطين إلى الأندلس وتمكنهم بعد جهود مضنية من استعادة وحدة البلاد، والوقوف بوجه الممالك الإسبانية الشمالية الساعية إلى غزو البلاد والقضاء على كل معالم عروبتها وحضارتها. وبعد هذا العرض السريع للأحداث التي توالت على الأندلس يمكن أن ندرج الأسباب التي أدت إلى سقوط الخلافة الأموية بالأندلس على الشكل الآتي: ١ - غياب القائد، والأداة القادرة على الحسم في الوقت المناسب: إن غياب القائد والأداة القادرة على الحسم من الأسباب الأصلية التي أدت إلى زوال الخلافة الأموية من الأندلس، وما عدا ذلك من الأسباب فلاحقة بهذا السبب بشكل أو بآخر. فالقائد المطلوب في الأندلس نمط خاص من الرجال وبناء متكامل من العصامية والفروسية والمقدرة الإقتحامية وبناء متكامل من النظرة الشاملة والوعي المقتدر المبدع والسرعة في اتخاذ القرار. وهذا النمط من الرجال يولد حيث توجد الأزمات، والتحديات المصيرية، وعندما يظهر في الميدان يبدو وكأن الكل يعرفه، ومن ثم فهو وحده القادر على توجيه الأدوات في اتجاه الأهداف المركزية للدولة، بعد امتلاكها لجميع القدرات الفاعلة في الرد على التحدي، بتحدٍّ أقوى وأكثر عنفواناً، وبمعنى آخر: إن الأندلس خلال هذه الفترة كانت تحتاج إلى رجال قادرين على التفاعل مع الأحداث، رجال من طراز عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة، وعبد الرحمن الناصر باني مجدها السياسي والحضاري. ٢ - الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية: استمر الحاكم في الأندلس " أمير أو خليفة " يجمع بين السلطتين الزمنية والروحية إلى أن سيطر الحاجب المنصور ابن أبي عامر ثم أبناؤه من بعده (عبد الملك وعبد الرحمن) على مقاليد الأمور في عهد الخليفة هشام المؤيد فانتزعوا السلطة الزمنية لأنفسهم، وتركوا الخلافة مجرد رمز لا معنى له في الأصل، وكان هذا الفصل مقدمة لنهاية الخلافة لا سيما بعد أن أجبر عبد الرحمن شنجول الخليفة المؤيد على توليته العهد بعده، وهو أمر خطير، هز الأندلس هزاً عنيفاً وقاد البلاد إلى دوامة الفتن والحروب وتسابق كل الطامعين إلى نيل الخلافة التي أفرغت من مضامينها الأصلية (٤٠).

стр. 210

٣ - التركيبة الإجتماعية في الأندلس: كان أهل الأندلس يؤلفون أخلاطاً متنافرة من السكان بعضهم عرب وبعضهم بربر، وبعضهم صقالبة، وبعضهم مولدون وبعضهم مستعربون أو يهود وكان كل من هذه العناصر البشرية ميالاً إلى السكن في بؤرات عمرانية خاصة، فنرى أن العنصر الغالب على قرطبة من العرب، والعنصر الغالب على إشبيلية وطليطلة من المولدين، والعنصر الغالب على غرناطة وقرمونة ومالقة من البربر، وكان لهذا أثره الكبير في ميل أهل الأندلس إلى الاستقلال والخروج على السلطة المركزية، مما كان يقضي باستعمال القوة كوسيلة لازمة للوحدة السياسية، ومع ذلك فقد كانت القوة وحدها لا تكفل للأمير الحاكم السيطرة على سائر البلاد، وكان لزاماً على الحاكم أن يصطنع الحزم، لأن الرغبة في الاستقلال والانسلاخ عن جسم الدولة كانت تجعل هناك نوعاً من الحساسية عند الرعية إزاء الحاكم، ثم إنها كانت تدفعهم إلى الثورة عليه كلما لمسوا منه استبداداً بشؤون الدولة أو تعسفاً في معاملته لهم (٤١). ٤ - الاستعانة بأمراء وملوك الممالك الإسبانية الشمالية: أفضت المنازعات والفتن إلى استعانة الأطراف بأمراء وملوك الممالك الإسبانية الشمالية مقابل التنازل عن بعض الحصون والمدن الحدودية المهمة، فقد منحت مثل هذه الحصون من قبل المتنازعين مقابل مئات من جنود هذه الممالك كانوا يقاتلون مع هذا الطرف أو ذاك ضد الطرف الآخر، وخلال فترة النزاع الذي أشرنا إليه سابقاً تنازل المتخاصمون عن حصن غرماج، وأوسمة، وشنت اشتبين وغيرها من المناطق المهمة التي بذلت الدولة في عهد الناصر والمنصور ابن أبي عامر جهوداً استثنائية في السيطرة والمحافظة عليها، لأنها نقاط استراتيجية للجيوش العربية المتقدمة باتجاه الممالك الإسبانية الشمالية.

стр. 211

الفَصْلُ الثَّانِي فكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف بسقوط الخلافة الأموية سنة ٤٢٢ هـ فقدت الأندلس وحدتها السياسية وانقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة مستقلة أطلق عليها المؤرخون اسم " دويلات الطوائف " ويعرف رؤسائها بملوك الطوائف، وهم ما بين زعيم قبيلة (١)، أو صاحب نفوذ، أو حاكم لإحدى الكور أو وزير سابق (٢) أو شيخ قضاء (٣)، وقد استغل هؤلاء حالة البلاد السياسية فبسطوا نفوذهم على المناطق التي تواليهم، وعملوا جميعاً على تأسيس هذه الكيانات والحفاظ عليها في أسرهم (٤)، وانقسمت الأندلس من الناحية الإقليمية إلى عدة مناطق قامت فيها أهم دويلات الطوائف في البلاد وهي: - قرطبة وأحوازها من المدن والمناطق الوسطى. - إشبيلية وما يلحق بها من مناطق غرب الأندلس. - بطليوس. - غرناطة. - بلنسية وما يلحق بها من المناطق شرق الأندلس. - سرقسطة أو الثغر الأعلى.

стр. 212

- طليطلة أو الثغر الأوسط. - دانية وجزر البليار. وتضم كل منطقة من المناطق المشار إليها إمارة أو أكثر من إمارات الطوائف وتتباين من ناحية المساحة وعدد السكان والأهمية العسكرية (٥)، واستمرت هذه الدويلات حتى دخول المرابطين الأندلس الذين عملوا جاهدين على إعادة الوحدة السياسية إلى البلاد عن طريق إنهاء هذه الكيانات الواحدة تلو الآخر كما سنفصل من خلال عرض أحوال هذه الدويلات. ١ - دويلة بني جهور في قرطبة: خلع أهل قرطبة الخليفة هشام الثالث الملقب المعتد بالله في ذى الحجة سنة ٤٢٢ هـ، وألغوا الخلافة الأموية بعد أن يئسوا من صلاح أمرها (٦)، واجتمعوا على تنصيب الوزير أبي الحزم جهور بن محمد بن جهور (٧) رئيساً لحكومة قرطبة فاختار بدوره مجلساً عد بمثابة السلطة التشريعية العليا في المدينة. وقد استطاع ابن جهور من خلال هذا المجلس أن يضع الجميع زعماء وأفراداً أمام مسؤولياتهم وواجباتهم، فحمدت سياسته واستقرت الأمور وتجنبت حكومته منافسة المنافسين وتمرد الطامعين (٨)، حتى عرفت حكومته هذه بدولة الجماعة (٩)، وأصبحت قرطبة في عهده حرماً آمناً يأوي إليه أمراء وزعماء الطوائف فيجدون فيه الملاذ الأمين (١٠). واستمرت حكومة الجماعة هذه برئاسة ابن جهور تدير أمر قرطبة وما يتبعها قرابة اثنتي عشرة سنة، سادت فيها السكينة والأمن وبدأت الحياة الإقتصادية في الانتعاش بعد أن أمن التجار على أموالهم نتيجة القسوة التي فرضت على المتلاعبين بأمن المنطقة (١١).

стр. 213

وكان لابن جهور موقف خاص من أسطورة ظهور الخليفة هشام المؤيد بالله عندما أعلنها ابن عباد صاحب إشبيلية " ذلك أن ابن عباد حينما أحس بخطورة مطامع بني حمود في رئاسة جنوبي الأندلس، واتشاحهم بثوب الخلافة وحينما أرهقه يحيى بن علي بن حمود (المعتلي) بغاراته المتوالية، رأى أن يدحض دعاوى أولئك الحموديين، فأعلن في سنة ٤٢٧ هـ (١٢) أن الخليفة هشام المؤيد حي لم يمت، وأظهر بالفعل شخصاً يشبه هشاماً كل الشبه، وبايعه بالخلافة ودعا الناس للدخول في طاعته (١٣)، وبعث بذلك إلى رؤساء الأندلس، فاستجاب بعضهم للدعوة، وكان منهم عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، ومجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، والوزير أبو الحزم بن جهور رئيس قرطبة، وعقدت البيعة في قرطبة بالفعل لهشام المؤيد، والظاهر أن جهور لم يكن يؤمن حقاً بصحة هذه الدعوى ولكنه استجاب لها، وأقرها لنفس البواعث التي حملت ابن عباد على انتحالها، وهو العمل على دفع خطر الحموديين " (١٤). ظل ابن جهور على حكم قرطبة حتى وفاته سنة ٤٣٥ هـ فصار الأمر إلى ابنه أبي الوليد محمد بن جهور الذي اعتمد سياسة أبيه في تدبير أمور قرطبة (١٥)، ولكن أبا الوليد اضطر نتيجة ظروف عديدة إلى الابتعاد عن ممارسة السلطات وقدم ولده عبد الملك، ولكن المذكور لم يكن على مستوى من القدرة والسياسة بحيث يتمكن من إدارة حكومة قرطبة (١٦) بالمستوى المطلوب، فأهمل شؤون الدولة وسعى إلى الألقاب السلطانية وفوض إلى وزير أبيه إبراهيم بن يحيى بن السقاء مقاليد الأمور وعلى الرغم من حسن تدبير الأخير إلا أنه أعدم سنة ٤٥٥ هـ (١٧)، وعادت الأمور المضطربة مرة أخرى وزادتها سوءاً منافسة عبد الرحمن لأخيه عبد الملك في السلطة ومحاولته السيطرة عليها دون أخيه، مما اضطر أبا الوليد إلى التدخل وتقسيم السلطات بين ولديه، ففوض أمر القوات المسلحة إلى عبد الملك وفوض الأمور المالية لعبد الرحمن (١٨). ولكن هذا التقسيم لم يكن ليرضي عبد الملك فقبض على أخيه عبد الرحمن وفرض عليه الإقامة الجبرية (١٩)،

стр. 214

مما ولد نوعاً من الاستياء وعدم الإرتياح لسوء الأوضاع في الداخل وتلت ذلك اضطرابات شجعت صاحب طليطلة على التعرض لحصن المدور والاستيلاء عليه ثم الزحف إلى قرطبة للإستيلاء عليها، فاضطر عبد الملك إلى الاستعانة ببني عباد وكانت تجمعه وإياهم علاقات صداقة ومودة، ولكن بني عباد الذين استطاعوا تخليص قرطبة من حكام طليطلة، عادوا واستولوا عليها سنة ٤٦٢ هـ وقبضوا على بني جهور ونفوهم إلى جزيرة شلطيش (٢٠)، وبذلك ينتهي حكم بني جهور لقرطبة بعد أن استمر قرابة الأربعين سنة. ٢ - دويلة اشبيلية (بنو عباد): يرجع أصل بني عباد إلى المنذر بن ماء السماء، وجدهم عطاف بن نعيم هو الداخل إلى الأندلس في طالعة بلج بن بشير القشيري (٢١) وكان بنو عباد من الأسر التي لها في تاريخ العرب بالأندلس نصيب وافر فعميد أسرتهم إسماعيل بن عباد تقلب في مناصب الدولة سنين عديدة آخرها قضاء إشبيلية، وقد تمكن من السيطرة على الأمور في المدينة إبان الفتنة التي أصابت البلاد، تلك السيطرة التي ارتضاها عموم أهل إشبيلية بفضل السياسة الحكيمة التي سار عليها حتى وصف بأنه رجل الغرب المتصل الرئاسة وقت الجماعة، ووقت الفتنة. إن سياسة ابن عباد الرصينة جعلت له مكاناً مرموقاً عند بني حمود الذين كان سلطانهم يتردد بين العاصمة قرطبة وبين مدينة إشبيلية، فعندما اعتزل إسماعيل بن عباد مناصبه نتيجة كبر سنه، قدم القاسم بن حمود الملقب بالمستعلي أبا القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد وعيَّنه في منصب القضاء، غير أن الظروف التي مرت بها الدولة الحمودية، وسلبيات الصراع بين أفراد العائلة، جعلت أهل إشبيلية يميلون إلى الاستقلال في إدارة مدينتهم، لذا فعندما غادر المستعلي إشبيلية ليتولى منصب الخلافة بقرطبة قرر الإشبيليون إعلان استقلالهم، وخولوا إدارة المدينة مجلساً مكوناً من وجهائها وعلى رأسهم محمد بن عباد ومعه أبو محمد بن مريم والعالم المشهور أبو عبد الله الزبيدي (٢٢)، وبدأ ابن عباد يمارس سلطاته باتجاه الاستقلال التام، فمنع المستعلي من

стр. 215

دخول مدينة إشبيلية عندما طرده أهل قرطبة (٢٣)، وعندما تعرضت إشبيلية لمحاصرة قوات يحيى بن حمود سنة ٤١٤ هـ، برز ابن عباد بوصفه مفاوضاً ذكياً، فقد تمكن من رد قوات ابن حمود دون أن يعرض مركزه ومدينته إلى أي ضعف أو خطر، فقد وعد ابن عباد الخليفة الحمودي بالدعوة له في الخطبة وتأدية مبلغ من المال لإثبات ولائه له. وكانت حركته هذه ضرورية قصد بها إبعاد خطر قوات الحموديين عن المدينة وقد استخلص مرسوماً مهماً من الخليفة الحمودي بإقراره رئيساً ونائباً عنه في مدينة إشبيلية (٢٤)، ومنذ هذا التاريخ بدأ ابن عباد يسعى إلى تأسيس ملك خاص بأسرته، ويعمل على تجميع قوات مخلصة لأهدافه (٢٥)، جعلها أداة ضاربة لتقليم نفوذ ملوك الطوائف المجاورين لإشبيلية، والسعي إلى ضم ما يمكن ضمه من حصون ومدن تلك الدويلات ولكي يبعد ابن عباد خطر الحموديين عن مناطق نفوذه نهائياً ويتحلل من تبعيته (الإسمية) لهم (٢٦)، وليثبت شرعيته في الحكم ويسوغ الأعمال التوسعية التي قام بها، أعلن في سنة ٤٢٦ هـ عن ظهور هشام المؤيد (٢٧)، وإعلانه خليفة في إشبيلية، ودعا بقية حكام دويلات الطوائف للإعتراف به (٢٨)، (وقد سبقت الإشارة إلى اعتراف بني جهور بالخليفة هشام لأسباب ذكرت آنفاً). وعلى هذا الأساس يعد محمد بن عباد مؤسس دولة بني عباد الحقيقي " ومنشئ ملكهم ورسوم مملكتهم، وعلى يده اتخذ سلطان بني عباد ألويته الملوكية المدعمة بالقوى العسكرية، وإن لم يصل بعد إلى غايته من الروعة والفخامة، وأصبح ملوكية وراثية راسخة، بعد أن كان يتخذ فقط صورة الزعامة، والرئاسة القبلية " (٢٩). وبوفاة محمد بن عباد سنة ٤٣٣ هـ آل الأمر من بعده إلى ولده أبي عمرو عباد بن محمد الملقب المعتضد، وقد بدأ عصره بإجراءات قاسية أصابت العديد من الشخصيات البارزة ومنهم أعضاء مجلس الرئاسة الذي شكل في عهد والده، واعتمد
следующие страницы →