← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفَصْلُ الثَّانِي فكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف بسقوط الخلافة الأموية سنة ٤٢٢ هـ فقدت الأندلس وحدتها السياسية وانقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة مستقلة أطلق عليها المؤرخون اسم " دويلات الطوائف " ويعرف رؤسائها بملوك الطوائف، وهم ما بين زعيم قبيلة (١)، أو صاحب نفوذ، أو حاكم لإحدى الكور أو وزير سابق (٢) أو شيخ قضاء (٣)، وقد استغل هؤلاء حالة البلاد السياسية فبسطوا نفوذهم على المناطق التي تواليهم، وعملوا جميعاً على تأسيس هذه الكيانات والحفاظ عليها في أسرهم (٤)، وانقسمت الأندلس من الناحية الإقليمية إلى عدة مناطق قامت فيها أهم دويلات الطوائف في البلاد وهي: - قرطبة وأحوازها من المدن والمناطق الوسطى. - إشبيلية وما يلحق بها من مناطق غرب الأندلس. - بطليوس. - غرناطة. - بلنسية وما يلحق بها من المناطق شرق الأندلس. - سرقسطة أو الثغر الأعلى.

стр. 212

- طليطلة أو الثغر الأوسط. - دانية وجزر البليار. وتضم كل منطقة من المناطق المشار إليها إمارة أو أكثر من إمارات الطوائف وتتباين من ناحية المساحة وعدد السكان والأهمية العسكرية (٥)، واستمرت هذه الدويلات حتى دخول المرابطين الأندلس الذين عملوا جاهدين على إعادة الوحدة السياسية إلى البلاد عن طريق إنهاء هذه الكيانات الواحدة تلو الآخر كما سنفصل من خلال عرض أحوال هذه الدويلات. ١ - دويلة بني جهور في قرطبة: خلع أهل قرطبة الخليفة هشام الثالث الملقب المعتد بالله في ذى الحجة سنة ٤٢٢ هـ، وألغوا الخلافة الأموية بعد أن يئسوا من صلاح أمرها (٦)، واجتمعوا على تنصيب الوزير أبي الحزم جهور بن محمد بن جهور (٧) رئيساً لحكومة قرطبة فاختار بدوره مجلساً عد بمثابة السلطة التشريعية العليا في المدينة. وقد استطاع ابن جهور من خلال هذا المجلس أن يضع الجميع زعماء وأفراداً أمام مسؤولياتهم وواجباتهم، فحمدت سياسته واستقرت الأمور وتجنبت حكومته منافسة المنافسين وتمرد الطامعين (٨)، حتى عرفت حكومته هذه بدولة الجماعة (٩)، وأصبحت قرطبة في عهده حرماً آمناً يأوي إليه أمراء وزعماء الطوائف فيجدون فيه الملاذ الأمين (١٠). واستمرت حكومة الجماعة هذه برئاسة ابن جهور تدير أمر قرطبة وما يتبعها قرابة اثنتي عشرة سنة، سادت فيها السكينة والأمن وبدأت الحياة الإقتصادية في الانتعاش بعد أن أمن التجار على أموالهم نتيجة القسوة التي فرضت على المتلاعبين بأمن المنطقة (١١).

стр. 213

وكان لابن جهور موقف خاص من أسطورة ظهور الخليفة هشام المؤيد بالله عندما أعلنها ابن عباد صاحب إشبيلية " ذلك أن ابن عباد حينما أحس بخطورة مطامع بني حمود في رئاسة جنوبي الأندلس، واتشاحهم بثوب الخلافة وحينما أرهقه يحيى بن علي بن حمود (المعتلي) بغاراته المتوالية، رأى أن يدحض دعاوى أولئك الحموديين، فأعلن في سنة ٤٢٧ هـ (١٢) أن الخليفة هشام المؤيد حي لم يمت، وأظهر بالفعل شخصاً يشبه هشاماً كل الشبه، وبايعه بالخلافة ودعا الناس للدخول في طاعته (١٣)، وبعث بذلك إلى رؤساء الأندلس، فاستجاب بعضهم للدعوة، وكان منهم عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، ومجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، والوزير أبو الحزم بن جهور رئيس قرطبة، وعقدت البيعة في قرطبة بالفعل لهشام المؤيد، والظاهر أن جهور لم يكن يؤمن حقاً بصحة هذه الدعوى ولكنه استجاب لها، وأقرها لنفس البواعث التي حملت ابن عباد على انتحالها، وهو العمل على دفع خطر الحموديين " (١٤). ظل ابن جهور على حكم قرطبة حتى وفاته سنة ٤٣٥ هـ فصار الأمر إلى ابنه أبي الوليد محمد بن جهور الذي اعتمد سياسة أبيه في تدبير أمور قرطبة (١٥)، ولكن أبا الوليد اضطر نتيجة ظروف عديدة إلى الابتعاد عن ممارسة السلطات وقدم ولده عبد الملك، ولكن المذكور لم يكن على مستوى من القدرة والسياسة بحيث يتمكن من إدارة حكومة قرطبة (١٦) بالمستوى المطلوب، فأهمل شؤون الدولة وسعى إلى الألقاب السلطانية وفوض إلى وزير أبيه إبراهيم بن يحيى بن السقاء مقاليد الأمور وعلى الرغم من حسن تدبير الأخير إلا أنه أعدم سنة ٤٥٥ هـ (١٧)، وعادت الأمور المضطربة مرة أخرى وزادتها سوءاً منافسة عبد الرحمن لأخيه عبد الملك في السلطة ومحاولته السيطرة عليها دون أخيه، مما اضطر أبا الوليد إلى التدخل وتقسيم السلطات بين ولديه، ففوض أمر القوات المسلحة إلى عبد الملك وفوض الأمور المالية لعبد الرحمن (١٨). ولكن هذا التقسيم لم يكن ليرضي عبد الملك فقبض على أخيه عبد الرحمن وفرض عليه الإقامة الجبرية (١٩)،

стр. 214

مما ولد نوعاً من الاستياء وعدم الإرتياح لسوء الأوضاع في الداخل وتلت ذلك اضطرابات شجعت صاحب طليطلة على التعرض لحصن المدور والاستيلاء عليه ثم الزحف إلى قرطبة للإستيلاء عليها، فاضطر عبد الملك إلى الاستعانة ببني عباد وكانت تجمعه وإياهم علاقات صداقة ومودة، ولكن بني عباد الذين استطاعوا تخليص قرطبة من حكام طليطلة، عادوا واستولوا عليها سنة ٤٦٢ هـ وقبضوا على بني جهور ونفوهم إلى جزيرة شلطيش (٢٠)، وبذلك ينتهي حكم بني جهور لقرطبة بعد أن استمر قرابة الأربعين سنة. ٢ - دويلة اشبيلية (بنو عباد): يرجع أصل بني عباد إلى المنذر بن ماء السماء، وجدهم عطاف بن نعيم هو الداخل إلى الأندلس في طالعة بلج بن بشير القشيري (٢١) وكان بنو عباد من الأسر التي لها في تاريخ العرب بالأندلس نصيب وافر فعميد أسرتهم إسماعيل بن عباد تقلب في مناصب الدولة سنين عديدة آخرها قضاء إشبيلية، وقد تمكن من السيطرة على الأمور في المدينة إبان الفتنة التي أصابت البلاد، تلك السيطرة التي ارتضاها عموم أهل إشبيلية بفضل السياسة الحكيمة التي سار عليها حتى وصف بأنه رجل الغرب المتصل الرئاسة وقت الجماعة، ووقت الفتنة. إن سياسة ابن عباد الرصينة جعلت له مكاناً مرموقاً عند بني حمود الذين كان سلطانهم يتردد بين العاصمة قرطبة وبين مدينة إشبيلية، فعندما اعتزل إسماعيل بن عباد مناصبه نتيجة كبر سنه، قدم القاسم بن حمود الملقب بالمستعلي أبا القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد وعيَّنه في منصب القضاء، غير أن الظروف التي مرت بها الدولة الحمودية، وسلبيات الصراع بين أفراد العائلة، جعلت أهل إشبيلية يميلون إلى الاستقلال في إدارة مدينتهم، لذا فعندما غادر المستعلي إشبيلية ليتولى منصب الخلافة بقرطبة قرر الإشبيليون إعلان استقلالهم، وخولوا إدارة المدينة مجلساً مكوناً من وجهائها وعلى رأسهم محمد بن عباد ومعه أبو محمد بن مريم والعالم المشهور أبو عبد الله الزبيدي (٢٢)، وبدأ ابن عباد يمارس سلطاته باتجاه الاستقلال التام، فمنع المستعلي من

стр. 215

دخول مدينة إشبيلية عندما طرده أهل قرطبة (٢٣)، وعندما تعرضت إشبيلية لمحاصرة قوات يحيى بن حمود سنة ٤١٤ هـ، برز ابن عباد بوصفه مفاوضاً ذكياً، فقد تمكن من رد قوات ابن حمود دون أن يعرض مركزه ومدينته إلى أي ضعف أو خطر، فقد وعد ابن عباد الخليفة الحمودي بالدعوة له في الخطبة وتأدية مبلغ من المال لإثبات ولائه له. وكانت حركته هذه ضرورية قصد بها إبعاد خطر قوات الحموديين عن المدينة وقد استخلص مرسوماً مهماً من الخليفة الحمودي بإقراره رئيساً ونائباً عنه في مدينة إشبيلية (٢٤)، ومنذ هذا التاريخ بدأ ابن عباد يسعى إلى تأسيس ملك خاص بأسرته، ويعمل على تجميع قوات مخلصة لأهدافه (٢٥)، جعلها أداة ضاربة لتقليم نفوذ ملوك الطوائف المجاورين لإشبيلية، والسعي إلى ضم ما يمكن ضمه من حصون ومدن تلك الدويلات ولكي يبعد ابن عباد خطر الحموديين عن مناطق نفوذه نهائياً ويتحلل من تبعيته (الإسمية) لهم (٢٦)، وليثبت شرعيته في الحكم ويسوغ الأعمال التوسعية التي قام بها، أعلن في سنة ٤٢٦ هـ عن ظهور هشام المؤيد (٢٧)، وإعلانه خليفة في إشبيلية، ودعا بقية حكام دويلات الطوائف للإعتراف به (٢٨)، (وقد سبقت الإشارة إلى اعتراف بني جهور بالخليفة هشام لأسباب ذكرت آنفاً). وعلى هذا الأساس يعد محمد بن عباد مؤسس دولة بني عباد الحقيقي " ومنشئ ملكهم ورسوم مملكتهم، وعلى يده اتخذ سلطان بني عباد ألويته الملوكية المدعمة بالقوى العسكرية، وإن لم يصل بعد إلى غايته من الروعة والفخامة، وأصبح ملوكية وراثية راسخة، بعد أن كان يتخذ فقط صورة الزعامة، والرئاسة القبلية " (٢٩). وبوفاة محمد بن عباد سنة ٤٣٣ هـ آل الأمر من بعده إلى ولده أبي عمرو عباد بن محمد الملقب المعتضد، وقد بدأ عصره بإجراءات قاسية أصابت العديد من الشخصيات البارزة ومنهم أعضاء مجلس الرئاسة الذي شكل في عهد والده، واعتمد

стр. 216

القوة في تحقيق أهدافه في الداخل والخارج، فكان وزرائه وكبار رجال دولته يخشونه كما يخشاه منافسوه من حكام دويلات الطوائف، وقد سرد لنا المؤرخون أسماء الشخصيات التي نكبت في عهده ومن بينهم ولده إسماعيل (٣٠)، والعالم عمر الهوزني الذي اشتهر بعلومه وطول باعه وهو ممن له في تاريخ الفكر العلمي الأندلسي نصيب وافر (٣١). وكانت سياسته الخارجية تقوم على ضرب دويلات الطوائف متى ما وجد لذلك فرصة سانحة تحقق له المزيد من ضم الأراضي إلى دويلة إشبيلية، فقد تمكن من السيطرة على معظم مدن الغرب ومنها جزيرة شلطيش سنة ٤٤٣ هـ ومدينة شنتمرية في نفس السنة ومدينة لبلة سنة ٤٤٥ هـ، وشلب سنة ٤٥٥ هـ، وحاول مرات عديدة الاستيلاء على بطليوس ابتداءً من سنة ٤٤٢ هـ إلا أنه لم يتمكن منها، فاكتفى بالسيطرة على بعض الحصون المهمة التابعة لها. وهكذا استطاع ابن عباد في نحو عشرين سنة أن يقضي على سائر الدويلات الصغيرة القائمة في غرب الأندلس، وأصبحت دولته تشمل سائر الأراضي الممتدة من نهر الوادي الكبير غرباً حتى المحيط الأطلسي عدا رقعة تقع شرق هذا الوادي، قرر ابن عباد بعد ذلك استخلاصها من حكامها حتى يؤمن دولته من هذه الناحية، ويمتلك حرية الحركة في اتجاه الشمال والشرق (٣٢). فاستولى على رنده سنة ٤٥٧ هـ وعلى أركش وشذونة وما يلحق بها، ومورور سنة ٤٥٨ هـ، وقرمونة سنة ٤٥٩ هـ وكان ابن عباد قد استولى على باب الأندلس من الجنوب وهو الجزيرة الخضراء سنة ٤٤٦ هـ وقضى على نفوذ الحموديين فيها. وهكذا أصبحت دولة بني عباد " تضم من أراضي الأندلس القديمة رقعة شاسعة تشمل المثلث الجنوبي من شبه الجزيرة، وأرض الفرنتيرة شمالاً حتى شواطئ الوادي الكبير، ثم تمتد بعد ذلك من عند منحنى الوادي الكبير، غرباً حتى جنوب البرتغال

стр. 217

وشاطئ المحيط الأطلسي، وبذلك ضمت أعظم ممالك الطوائف، وأغناها من حيث الموارد الطبيعية وأقواها من حيث الطاقة الحربية ولم يكن يغشي هذه المكانة التي بلغتها إشبيلية من الفخامة والقوة والغنى سوى ناحية قاتمة واحدة. وهي موقفها من ملك قشتالة فرناندو الأول، ذلك أن هذا الملك القوي، كان يطمح إلى أن يبسط سيادته على إسبانيا كلها، وكان يرى في ممالك الطوائف، وما يسودها من الخلاف والتفرق، فرائس هينة، ففي سنة ٤٤٤ هـ/١٠٦٢ م خرج من قشتالة بجيش كبير من الفرسان والرماة، وغزا مملكة طليطلة، وعاث فيها وخرب سهولها وزروعها، حتى اضطر ملكها المأمون بن ذي النون، أن يطلب الصلح وأن يتعهد بدفع الجزية، وفي العام التالى ٤٥٥ هـ عاد فغزا أراضي مملكتي بطليوس وإشبيلية، " واضطر المعتضد بن عباد، أن يحذو حذو المأمون في طلب الصلح والتعهد بدفع الجزية، وقصد المعتضد بنفسه إلى معسكر ملك قشتالة، وقدم إليه عهوده شخصياً ولما توفي فرناندو بعد ذلك بثلاثة أعوام وخلفه ولده سانشو في حكم مملكة قشتالة، كان المعتضد يؤدي إليه الجزية أسوة بأبيه واستمر في تأديتها حتى وفاته " (٣٣). وعمله يعد سقطة من السقطات الكبيرة التي درج عليها حكام دول الطوائف، الذين سعوا إلى محالفة ورضاء أمراء وملوك إسبانيا الشمالية، وتفرغوا إلى نزاعاتهم الدموية ليزيدوا تاريخ الأمة في الأندلس إرهاقاً وضعفاً. توفي المعتضد سنة ٤٦١ هـ/و ١٠٦٩م وخلفه ولده: أبو القاسم محمد بن عباد المعروف بالمعتمد (٣٤)، وفي عهده تم ضم قرطبة إلى دولة إشبيلية سنة ٤٦٢ هـ (٣٥)، ودخل المعتمد في صراع عنيف مع دولة غرناطة، واضطرت ظروف النزاع كلا الطرفين إلى الاستعانة بملوك وأمراء الممالك الإسبانية الشمالية لقاء مبالغ كبيرة من الأموال، ولقاء تنازلات إقليمية، ففي الوقت الذي حاول فيه عبد الله بن بلقين حاكم غرناطة التحالف مع ملك قشتالة ألفونسو السادس، نجد المعتمد يسلك المسلك نفسه ويرسل وزيره أبا بكر بن عمار إلى ألفونسو طالباً المساعدة مقابل مبلغ كبير من المال ويمنيه بغزو غرناطة واقتسامها بحيث تكون للمعتمد قصبة المدينة ولألفونسو القلعة الحمراء بما تحويه من نفائس وذخائر. وكانت نتيجة هذا الحلف تعرض مدينة غرناطة إلى هجمات مدمرة قام بها ألفونسو السادس، وجرأت قواته على اقتراف المزيد من أعمال التخريب

стр. 218

في العديد من ضواحي المدن الأندلسية. وقام بمهاجمة طليطلة في محرم سنة ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م فدخلها غازياً دون أن تحرك دول الطوائف ساكناً. إن سقوط طليطلة بيد ألفونسو السادس وتطلعاته لغزو بقية المدن الأخرى دفعت العديد من حكام دول الطوائف وعلى رأسهم ابن عباد إلى الاستعانة بالمرابطين لنجدتهم، ومع تحفظ بعض الحكام على قرار الاستدعاء فإن المعتمد عزم على تنفيذ قراره بقوله: " رعي الجمال خير من رعي الخنازير " (٣٦)، وتعهد بالتنازل عن الجزيرة الخضراء للمرابطين الذين نزلوها سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م ومع بداية هذا النزول بدأ المرابطون العمل على مقاومة الغزو الخارجي والانتصار عليه في أكثر من موقعة، وإعادة الوحدة السياسية إلى البلاد والقضاء على دول الطوائف الواحدة تلو الأخرى ومنها دولة بني عباد التي سقطت في سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م (٣٧). ٣ - دويلة بطليوس (بنو الأفطس): تقع دويلة بطليوس إلى الشمال من دويلة إشبيلية وتفصل بينهما جبال الشارات وكانت هذه الدويلة تشمل جميع أراضي البرتغال تقريباً وعاصمتها مدينة بطليوس وتضم مدناً مهمة منها: ماردة، وأشبونة وشنترين، ويابرة، وشنترة، وقلمرية (٣٨). وقد حكم بنو الأفطس (٣٩) هذه الدويلة أكثر من سبعين عاماً، وعميد هذه الأسرة هو: عبد الله بن الأفطس (٤٠) الذي تمكن من السيطرة على مقاليد الأمور في سنة ٤١٣ هـ، ودخلت هذه الدويلة مع اشتداد عودها في عهد المظفر محمد بن عبد الله الأفطس في صراع عنيف مع بقية دويلات الطوائف، لا سيما بنو عباد مما أنهك قوة الطرفين المتنازعين (٤١)، فاستغل فرناندو الأول ملك قشتالة تلك الأوضاع واستولى في سنة ٤٤٩ هـ على مدينتي لاميجو (مليقة) وبازو الواقعتين في الشمال دون مقاومة تذكر أو نجدة تستعيد هاتين المدينتين (٤٢)، ولم يحدث هذا فقط، بل اضطر بنو الأفطس إلى دفع

стр. 219

جزية سنوية لملك قشتالة مقدارها خمسة آلاف دينار مقابل ترك مدينة شنترين والتي تعرضت لأخطار الغزو مرات عديدة (٤٣). وأشهر من حكم هذه الدويلة عمر بن محمد الملقب المتوكل على الله والذي عرف بسياسته الحكيمة وتشجيعه للحركة العلمية وتقريبه للعلماء وتمتعت بطليوس في عهده بالأمن والرخاء (٤٤)، وكان للمتوكل دور في الدعوة إلى توحيد الأندلس من خلال تكليف العالم أبي الوليد الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ (٤٥)، ليقوم بجولة في دويلات الطوائف ويدعو حكامها إلى نبذ الخلاف والفرقة، وتوحيد الجهود ضد أخطار ومطامع الممالك الإسبانية الشمالية (٤٦)، وعندما سقطت مدينة طليطلة سنة ٤٧٨ هـ كان المتوكل في جملة الداعين إلى دعوة المرابطين والاستعانة بهم لإنقاذ البلاد من الأخطار المحدقة بها (٤٧). وقد انتهى حكم هده الأسرة على يد المرابطين سنة ٤٨٨ هـ بعد حصار شديد لمدينة بطليوس، وتم إعدام المتوكل وولديه جزاء له لاستنجاده بملك قشتالة (٤٨). ٤ - دويلة طليطلة (بنو ذي النون): طليطلة من المدن المشهورة في تاريخ الأندلس، كانت قاعدة الثغر الأوسط وبمثابة الحاجز أمام قوات الممالك الإسبانية الشمالية، وقد وقعت وما يلحق بها في حوزة بني ذي النون، وقد تولى إسماعيل بن ذي النون حكم المدينة لأول مرة في سنة ٤٢٧ هـ (٤٩). وأعقبه في الحكم ولده يحيى في سنة ٤٣٥ هـ وتلقب بالمأمون، ويمتاز عهده بكثرة الحروب والمنازعات بينه وبين حكام دويلات الطوائف كبني عباد وبني هود (٥٠). وكان

стр. 220

نتيجة تلك الحروب المزيد من الخسائر في الأرواح والمعدات وتدمير مدن وحصون الأطراف المتنازعة، كل ذلك في سبيل الحصول على مكاسب إقليمية من هذه الدويلة أو تلك في الوقت الذي سعى فيه كل طرف من أطراف النزاع إلى التحالف مع أمراء وملوك إسبانيا الشمالية مقابل مبالغ كبيرة من المال، أو مقابل التنازل عن بعض المناطق المهمة (٥١). ومما لا شك فيه فإن هذه الحروب والمحالفات أدت إلى إضعاف هذه الدويلات جميعاً وإن ظهرت الغلبة في فترات لبعضها نتيجة سيطرتها على مناطق واسعة من أراضي الغير. ففي سنة ٤٥٧ هـ تمكن المأمون من السيطرة على بلنسية، ودخلت قواته في سنة ٤٦٧ هـ مدينة قرطبة بعد أن قضت على حاميتها من بني عباد ودخل الطرفان بعد ذلك في سلسلة من المنازعات انتهت باستعادة بني عباد لمدينة قرطبة ثم أعاد المأمون الكرة تارة أخرى ودخلها سنة ٤٦٧ هـ (٥٢). وقد أصبحت دولة طليطلة في عهد المأمون من الدويلات المرهوبة الجانب، وامتد نفوذها حتى وصل إلى بلنسية شرقاً، واهتم المأمون بعمائر المدينة فبنى قصوراً اشتهرت بفخامتها وروعتها أطنب المؤرخون في وصفها وأكثر الشعراء من التغني بمجالسها (٥٣). توفى المأمون سنة ٤٦٧ هـ وتولى الأمر بعده حفيده: يحيى بن ذي النون الملقب بالقادر، وتعد سنوات حكمه فترة اختلال سياسي واضمحلال لقوى هذه الدويلة فقد أبعد القادر عن دست الحكم كل شخصية عرفت بسداد الرأي وصدق المشورة ومنهم الوزير ابن الحديدي (٥٤)، الذي أبعده عن الوزارة ثم قتله سنة سنة ٤٦٨ هـ، وأمام ضغط قوات بني حمود التجأ القادر إلى طلب العون من ألفونسو الذي قرر شروطاً باهظة مقابل ذلك العون، فبالإضافة إلى المبالغ الكبيرة، تنازل القادر عن حصون مهمة كحصن سرية وقثورية وقنالش، مما أضعف مركزه كثيراً وازداد اضطرابه عندما اضطربت طليطلة بالثورة، واضطر إلى مغادرتها والالتجاء إلى حصن وبذة سنة ٤٧٢ هـ واستدعى أهل طليطلة المتوكل بن الأفطس حاكم بطليوس ليتولى إدارة المدينة فقدمها مكرهاً، ولم

стр. 221

يعمل أكثر من نهب المدينة وإفراغ قصور بني ذي النون من محتوياتها (٥٥)، في الوقت الذي استنجد القادر بحليفه ألفونسو السادس فأمده بقوات استعادت طليطلة سنة ٤٧٤ هـ بعد أن غادرها ابن الأفطس (٥٦). ولم تضف سيطرة القادر على المدينة جديداً بل زادتها إرهاقاً وفوضى على كافة المستويات الإقتصادية والأمنية فضلاً عن انقسام العامة إلى عدة أحزاب متخاصمة بين مؤيد ومعارض، وهذه الحالة شجعت ألفونسو السادس على تنفيذ مشروعه باحتلال مدينة طليطلة فبدأ بمحاصرتها سنة ٤٧٧ هـ، وحاول القادر جاهداً فك الحصار بشتى الطرق لكنه فشل أمام تعنت ألفونسو وتصميمه على دخول المدينة وأخيراً أعلنت طليطلة استسلامها بعد أن يئست من مساعدة دويلات الطوائف الأخرى، فاحتلها ألفونسو سنة ٤٧٨ هـ (٥٧). وكان لسقوط طليطلة وقع شديد بين دويلات الطوائف عامة، وعده رؤساء هذه الدويلات إيذاناً بسقوط معاقلهم التي يعتصمون بها، فاتجهوا صوب المغرب يطلبون نجدة المرابطين ضد القوى الإسبانية الشمالية. ٥ - دويلة غرناطة (بنو مناد): سيطر زاوي بن زيري بن مناد على غرناطة سنة ٤٠٣ هـ واتخذها وقومه ملجأ لهم، واستمر يدير شؤونها مدة سبع سنوات (٥٨)، كانت له فيها وقائع مع الخليفة المرتضى سنة ٤٠٩ هـ فهزمه هزيمة نكراء ورده وفلول جيشه إلى العاصمة قرطبة (٥٩). ولأسباب غير واضحة قرر زاوي بن زيري مغادرة الأندلس والالتحاق بوطنه في المغرب العربي سنة ٤١٠ هـ (٦٠)، بعد أن خلف على حكم غرناطة ابن أخيه: حبوس بن ماكسن الذي تسلم مقاليدها في سنة ٤١١ هـ وكان حسن التدبير والسياسية، نعمت غرناطة في عهده بنوع من الهدوء والاستقرار، واتسعت رقعة هذه الدويلة عندما سيطر على قبرة وعلى مدينة جيان، واهتم بعمارة مدينة غرناطة، حتى مكن لبني مناد ملكاً قوياً راسخاً. وكانت

стр. 222

سياسته تقوم على مصادقة جيرانه من زعماء البربر وفي مقدمتهم بنو حمود حكام مدينة مالقة، والتحالف مع هذه القوى ضد بني عباد حكام إشبيلية (٦١). توفي حبوس سنة ٤٢٨ هـ (٦٢) وخلفه في حكم غرناطة ولده: باديس، الذي قدر له أن يكون من أقوى حكام هذه الدويلة وأوفرهم حظاً للنهوض بأعباء الحكم، وقد افتتح عهده بالقضاء على مؤامرة استهدفت قلب نظام الحكم دبرها ابن عم له يدعى يدير بن حباسة الذي هرب مع كبار المتآمرين إلى إشبيلية عندما اكتشفت هذه المؤامرة قبل تنفيذها (٦٣). وجرياً على نهج حكام دويلات الطوائف فقد دخل باديس بن حبوس في حرب قاسية مع زهير العامري صاحب المرية بعد أن اختلت العلاقات الطيبة بين الطرفين (٦٤)، نتيجة لتضارب مصالح كلتا الدولتين (٦٥)، وتمكنت قوات باديس من تدمير قوة زهير العامري وقتله في ميدان المعركة ٤٢٩ هـ/١٠٣٨ م (٦٦)، وكان من نتائج هذه المعركة سيطرة باديس على معظم أملاك دويلة زهير العامري المتاخمة لدويلة غرناطة ومنها مدينة جيان وأعمالها، وقسماً من أراضي كورة قرطبة الجنوبية (٦٧). وعندما حاول بنو عباد غزو مدينة قرمونة (٦٨). تحركت قوات باديس لنجدتها وتمكنت من تشتيت قوات بني عباد وقتل قائدهم إسماعيل بن عباد قرب استجة في سنة ٤٣١ هـ/١٠٣٩ م (٦٩).

стр. 223

وظل بنو مناد الصنهاجيون وبنو عباد في صراع وتسابق لكسب مناطق النفوذ فلما اضمحلت قوة الحموديين بدأت غرناطة تخطط لاحتلال مالقة في الوقت الذي بدأ معه ابن عباد الإعداد للسيطرة على الجزيرة الخضراء والتي دخلوها فعلاً سنة ٤٤٦ هـ/١٠٥٥ م بعد أن جلا عنها حاكمها القاسم بن حمود (٧٠)، وفي سنة ٤٤٨ هـ/١٠٥٦ م تمكن ابن حبوس من دخول مالقة منهياً حكم الحموديين في هذه المدينة أيضاً (٧١)، ولكن بني عباد وجدوا في احتلال مالقة من قبل قوات ابن حبوس تحدياً لهم، فأرسلوا قواتهم لاحتلالها ولكنهم بعد معركة عنيفة بين الطرفين سنة ٤٥٨ هـ/١٠٦٦ م خسر فيها الإشبيليون معظم جنودهم إلا من نجا بالفرار من الميدان (٧٢)، واستمر النزاع سجالاً بين الطرفين لسنوات أخرى، تبودلت فيها السيطرة على المناطق العديدة (٧٣)، مع فداحة خسائر الطرفين، وتعرض الكثير من مناطق الأندلس إلى الخراب والدمار. ومع طول سنوات حكم باديس بن حبوس بلغت غرناطة في عهده كأقوى الدويلات القائمة آنذاك " إذ كانت تمتد من بسطة شرقاً حتى استجة ورنده غرباً، ومن بياسة وجيان شمالاً حتى البحر جنوباً " (٧٤)، وكانت هذه الدويلة مسؤولة عن حماية الدويلات والإمارات البربرية " وباديس هو الذي حصن مدينة غرناطة، وغدت منذ عهده من أهم قواعد الأندلس الجنوبية، وأنشأ قصبة غرناطة فوق أنقاض قلعتها القديمة وسميت باسمها القديم القلعة الحمراء ... وأنشأ له جيشاً قوياً مرابطاً من قومه صنهاجة وغيرهم، وبذل له المال الوفير، ووطد الدولة، ونظم مراتبها وعمالاتها " (٧٥). وبعد وفاة باديس سنة ٤٦٥ هـ/١٠٧٣ م تولى أمر دويلة غرناطة حفيده عبد الله بن بلكين الذي كان حدثاً لم يقو على إدارة البلاد، ففقدت الدويلة ديمومتها واستقرارها وعاد بنو عباد يهاجمون أملاكها (٧٦)، مما أجبر عبد الله على محالفة ألفونسو السادس

стр. 224

وترضيته بأموال باهظة (٧٧) وبدأت أحوال هذه الدويلة تجنح للتفسخ عندما بدأ الصراع بين أفراد الأسرة الحاكمة نفسها، فاستقل تميم بن باديس بحكم مالقة وما جاورها، وبدأ صراع بين الأخوين، أهدرت خلاله قوى هذه الدويلة واستمر حكم عبد الله حتى دخول القوات المرابطية غرناطة سنة ٤٨٣ هـ (٧٨). ٦ - دويلة بلنسية: بلنسية من القواعد المهمة في شرق الأندلس، تداولها العديد من المتغلبون بعد انفراط عرى الوحدة السياسية في البلاد، وأول من سيطر عليها الصقالبة الذين وجدوا فيها ملاذاً أميناً لهم، عندما خرجوا من قرطبة إبان الفتنة التي اضطرم لظاها بعد مقتل الحاجب عبد الرحمن شنجول آخر العامريين. حكمت بلنسية لفترة من قبل مجاهد العامري، ثم غادرها إلى دانية بعد أن انتقل حكم المدينة إلى الفتيان العامريين من الصقالبة وكان على رأسهم الفتيان مبارك ومظفر، اللذان اشتركا معاً في إدارة وحكم المدينة وما يتبعها من المدن والمناطق، وإن كان لمبارك التقدم في الرتبة والرئاسة على زميله الآخر، وقامت سياستهما على فتح أبواب المدينة للوافدين من أبناء جلدتهم الصقالبة، والعناصر الأخرى المناصرة لهم، مما أضاف قوة إلى قوة الموجودين في المدينة منهم (٧٩). وكانت بلنسية على علاقات طيبة مع معظم مدن شرق الأندلس وفي صراع مستمر مع حكام سرقسطة الذين كانوا يرومون التوسع على حساب مناطق شرق الأندلس. انتهت دولة هذين الفتيين سنة ٤٠٨ هـ لتحكم من قبل لبيب العامري ومجاهد العامري، ولكن الأمور لم تستو لهما، فعندما دب النزاع بينهما واشتد الخلاف حسم الأمر بتقديم عبد العزيز بن عبد الرحمن شنجول سنة ٤١١ هـ/١٠٢١ م (٨٠). ولكن هذا التقديم لم يكن ليرضي كبار الصقالبة فعمد خيران الصقلبي صاحب المرية ومرسية وأوريولة من باب المنافسة الشرعية والمحافظة على ما يملكه إلى ترشيح محمد بن عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر ولقب بالمعتصم، لكن الظروف التي

стр. 225

قدمت المعتصم هي نفسها التي أجلته عن موقعه وأبعدته عن شرق الأندلس لينفرد خيران بالسلطة في المناطق التي يسيطر عليها حتى وفاته سنة ٤١٩ هـ/١٠٢٩ م (٨١)، فخلفه زهير العامري الذي قتل عندما حاول غزو غرناطة سنة ٤٢٩ هـ/١٠٣٨ م (٨٢)، واستغل عبد العزيز خلو المرية من الزعامة فسيطر عليها وعلى معظم المناطق القريبة منها عدا مدينة جيان التي أصبحت ضمن أملاك دويلة غرناطة، وإزاء هذه التطورات قرر مجاهد العامري مهاجمة دويلة بلنسية. وفي سنة ٤٣٣ هـ/١٠٤١ م وقعت الحرب بين القوتين، تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة، وانجلى الموقف أخيراً عن دخول عبد العزيز مدينة شاطبة وتعزيز سلطانه في مدن شرق الأندلس، واستمرت دويلته آمنة الجانب حتى وفاته سنة ٤٥٢ هـ/١٠٦١ م (٨٣)، فولي بعده ولده: عبد الملك الملقب بنظام الدولة وبالمظفر، وفي عهده آل أمر بلنسية للمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة وأصبحت ضمن أملاكه سنة ٤٥٧ هـ/١٠٦٥ م (٨٤). واستمرت بلنسية تحكم من قبل ذي النون حتى وفاة المأمون سنة ٤٦٧ هـ/١٠٧٥ م فاستقل بها أبو بكر بن عبد العزيز - الذي كان نائباً عن ذي النون في حكمها - فحكمها دون منازع، واستعان بملوك الممالك الإسبانية الشمالية لرد الهجمات عنها مقابل دفع الأموال الكبيرة إليهم. وحكم عشر سنوات، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ فناب عنه ولده: أبو عمرو عثمان، الذي بدأ ولايته مع سقوط مدينة طليطلة في يد القشتاليين (٨٥)، وكان لهذا الحدث نتائجه السلبية على عموم بلاد الأندلس، ومصير دولة بلنسية بوجه خاص. فحينما استولى ألفونسو السادس على طليطلة " من يد صاحبها القادر بن ذي النون، حفيد المأمون، فقد تعهد له أو وعده ضمن عهوده لقاء الاستيلاء على المدينة، أن يمكنه من استرداد بلنسية التي خرجت عن طاعته، بل قيل إنه وعده بمعاونته على افتتاح دانية وشنتمرية الشرق إذ كان يعلم أنه بتمكين القادر من الاستيلاء على هذه المدن فإنها تغدو في الواقع تحت حمايته، ويغدو شرق الأندلس، واقفاً تحت سيادته، عن طريق القادر " (٨٦).

стр. 226

وقد تمكن القادر من دخول بلنسية بعد أن خلع أهلها أبا عمرو عثمان وقامت دولة بني ذي النون في هذه المدينة (٨٧) تحت وصاية ألفونسو السادس وتحت رحمة جنده المرابطين فيها، والذين باتوا يشكلون عبئاً ثقيلاً نتيجة إلحاحهم في طلب الأموال، وزادت حالة المدينة سوءاً عندما تحول القادر إلى حاكم متعسف لا يهمه المصلحة العامة بقدر ما تهمه مصالحه الذاتية وإرضاء الحلفاء المسلطين عليه، حتى اضطر علماؤها إلى الهجرة والخروج عنها، ولم ينته هذا الضيق والعسف إلا عندما دخل المرابطون الأندلس، وانسحبت قوات ألفونسو من بلنسية للإشتراك في العمليات العسكرية ضد المرابطين (انتصر فيها هؤلاء بعدئذٍ في واقعة الزلاقة سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م)، وحاول القادر مثله مثل حكام دويلات الطوائف التقرب من المرابطين، لكنه لم يحظ بطائل، فعادت أمور بلنسية إلى الاضطراب، وشعر بخطورة الموقف عندما استغل المنذر بن هود حاكم لاردة وطرطوشة الفرصة وحاصر بلنسية سنة ٤٨١ هـ/١٠٨٨ م. فاستعان القادر بحليفه ألفونسو السادس والمستعين ابن هود حاكم سرقسطة منافس المنذر، ولكن لكل واحد من هذين أهدافه وأطماعه في دويلة بلنسية، وعندما وصلت قوات المتحالفين قرر المنذر فك الحصار ومغادرة مواقعه لتحل محل قواته قوات المستعين التي ضمت في صفوفها فرقة هن الفرسان المرتزقة الإسبان يقودها السيد الكمبيادور الذي سبق له أن خدم والد المستعين وجده من قبل. وتشير المصادر التاريخية إلى اتفاق سري بين المستعين والسيد الكمبيادور خلاصته غزو المدينة واقتسام أملاكها، بحيث تكون جميع الغنائم لقوات الكمبيادور والمدينة نفسها من نصيب المستعين، ويبدو من سير الأحداث بعد ذلك محاولة نكث كل طرف بالآخر، ومحاولة كل واحد العمل لحسابه الخاص بعد أن تمكن القادر من إجراء محالفات سرية بين الطرفين كل على حدة محاولاً الإيقاع بينهما، وحاول كسب السيد الكمبيادور الذي رحب بعروض القادر، ورفض مهاجمة مدينة بلنسية بحجة كون القادر يتمتع بحماية ألفونسو السادس وإن الهجوم عليه يعني الخروج عن طاعة ملكه ملك قشتالة (٨٨). ومنذ ذلك الحين انفض الحلف الذي كان يربط المستعين بالسيد الكمبيادور الذي بدأ يجوب مدن شرق الأندلس ويفرض على حكامها المبالغ الطائلة. واستمر على تلك

стр. 227

الأعمال سنوات عديدة، وكانت بلنسية تدفع له سنوياً قرابة مئة ألف دينار لقاء حماية المدينة والحرب نيابة عن القادر، حتى ساءت الأحوال الإقتصادية وعمت الشكوى جميع السكان، فقاد قاضيها أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحاف المعافري ثورة بمعاونة قوات المرابطين أنهت حكم المقتدر وأوصلته إلى الإعدام سنة ٤٨٥ هـ/١٠٢٩ م واختير ابن جحاف رئيساً لإدارة شؤون المدينة (٨٩). وأمام هذه التطورات قرر السيد الكمبيادور احتلال مدينة بلنسية واسترجاعها من يد المرابطين، وبدأ بسلسلة من المفاوضات السرية بينه وبين ابن جحاف يمنيه بحكم هذه المدينة ويؤمن حمايته بشرط إخراج المرابطين منها وانتهت المفاوضات بينهما على البنود الآتية: ١ - أن يغادر المرابطون المدينة دون أن يعترضهم أحد. ٢ - أن يسلم ابن جحاف للسيد أموال القادر. ٣ - أن تسلَّم له الأموال التي كانت مقررة له سابقاً " كجزية سنوية ". ٤ - تبقى ضاحية الكدية " إحدى ضواحي المدينة " بيد السيد. ٥ - أن يرتد الجيش القشتالي إلى جباله. ولا خلاف فشروط الاتفاق باستثناء الشرط الخامس والذي لم ينفذ في الأصل هي في صالح السيد الذي استغل ذلك استغلالاً بشعاً وبات يهدد المدينة وأمنها حتى غزاها سنة ٤٨٨ هـ/١٠٩٥ م (٩٠)، وقبض على ابن جحاف وأسرته وقتلهم جميعاً، وقصة تعذيب ومقتل ابن جحاف مشهورة في كتب المؤرخين (٩١)، وظلت بلنسية تحت حكم السيد حتى وفاته سنة ٤٩٢ هـ/١٠٩٩ م فحكمتها زوجته خمينا التي تولت الدفاع عنها ضد المرابطين (٩٢). ثم دخلها ألفونسو السادس في سنة ٤٩٥ هـ/١١٠٢ م وقرر إخلاءها بعد أن دمرها تدميراً تاماً، ثم دخلها المرابطون في نفس السنة لتعود إلى حظيرة العروبة والإسلام (٩٣).

стр. 228

٧ - دويلة سرقسطة: تعد دويلة سرقسطة، أو الثغر الأعلى (٩٤) من أكبر الدويلات القائمة في البلاد مساحة، وكانت تتميز فضلاً عن ذلك بموقعها المتاخم لدول الممالك الإسبانية الشمالية " بين قطلونية من الشرق، ونافارا أو نبرة من الشمال الغربي، وقشتالة من الجنوب والغرب " (٩٥)، وتعد هذه الدويلة من أقدم الدويلات الأندلسية استقلالاً عن السلطة المركزية، ذلك أن موقعها النائي في شمال شرقي الجزيرة الأندلسية كان يحتم عليها دائماً الذود عن وجودها من جميع الأطماع المضطرمة حولها (٩٦). تولى حكم هذا الثغر يحيى بن عبد الرحمن التجيبي سنة ٣٧٩ هـ/٩٨٩ م بإقرار من المنصور ابن أبي عامر، وظل حاكماً عليه حتى وفاته سنة ٤٠٨ هـ/١٠١٧ م فخلفه ولده المنذر الذي يعد أول حاكم لدويلة سرقسطة، حيث تلقب كغيره من حكام الدويلات بالألقاب السلطانية فتسمى بذي الرياستين ولقب بالمنصور. واشتركت هذه الدويلة في الأحداث الجارية على الساحة الأندلسية، فقاتلت قواتها بجانب الأندلسيين ضد البربر الذين كانوا تحت قيادة زاوي بن زيري الصنهاجي سنة ٤٠٩ هـ/١٠١٨ م، ومع خسارة المعركة أيقن المنذر عدم جدوى هذه المنازعات لكون أهدافها لا تحقق له أية امتيازات أو مكاسب. فبدأ يراهن على دخول مدينة بلنسية بعد أن أصابتها الاضطرابات، نتيجة تنافس الصقالبة على الاستئثار بحكمها بعد وفاة مبارك العامري سنة ٤٠٨ هـ، وقد تمكن مجاهد العامري من صد قوات المنذر ومنعه من دخول المدينة، واستمر الصدام بين الطرفين حتى تم إعلان عبد العزيز بن عبد الرحمن شنجول سنة ٤١١ هـ/١٠٢١ م حاكماً على بلنسية وما يلحق بها من المدن عندئذٍ قرر المنذر الانسحاب إلى سرقسطة بعد أن انسحب مجاهد العامري إلى قواعده في دانية (٩٧). ومن الظواهر السلبية التي رافقت عصر المنذر، تلك العلاقات المشبوهة التي كانت تربطه بأمراء الممالك الإسبانية الشمالية، فقد كان على علاقة مع أمير برشلونة رامون بوريل، وشانجة أمير نافار، وألفونسو الخامس ملك ليون، وقد بالغ المنذر في التقرب من هؤلاء الأمراء والملوك حتى أسخط عليه العامة، فرمته بشتى أوصاف الخضوع

стр. 229

والخيانة (٩٨)، مات سنة ٤١٤ هـ/١٠٢٣ م وتناوب على حكم دويلة سرقسطة بعده اثنان من أسرة بني تجيب أولهما: يحيى بن المنذر الذي خلف والده وتلقب بالمظفر وفي زمانه أغار أمير برشلونة على أراضي دويلة سرقسطة واستولى على بعض القلاع والمناطق المهمة (٩٩)، وثانيهما: المنذر بن يحيى الذي تولى حكم سرقسطة بعد وفاة والده سنة ٤٢٠ هـ/١٠٢٩ م وتلقب بمعز الدولة، واغتيل سنة ٤٣٠ هـ/١٠٣٩ م (١٠٠)، وباغتياله ينتهي حكم بني تجيب، لتبدأ أسرة أخرى في حكم سرقسطة وما والاها وهي أسرة بني هود (١٠١) وعميدها قائد مشهور من قواد بني تجيب هو: سليمان بن محمد بن هود، حكم سرقسطة سنة ٤٣١ هـ/١٠٣٩ م، وتلقب بالمستعين وتميزت سنوات حكمه بالصراع المرير مع المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة وكانت المنطقة الواقعة بين الدولتين، من ناحية الجنوب الغربي من دويلة سرقسطة وناحية الشمال الشرقي من دويلة طليطلة، موضع الاحتكاك بين الطرفين. حيث دارت معارك دامية في سنة ٤٣٦ هـ/١٠٤٤ م وما بعدها بين قوات الطرفين وقد ألجأت هذه الحروب الطرفين إلى التحالف مع حكام الممالك الإسبانية لقاء الأموال الطائلة فتحالف ابن هود مع ملك قشتالة فرناندو، وتحالف المأمون بن ذي النون مع ملك نافار غرسية، فاستمر " ملكا قشتالة ونافار يعملان بكل ما بوسعهما على إذكاء هذه الفتنة، فيغير الأول على أراضي طليطلة لحساب ابن هود، ويغير الثاني على أراضي سرقسطة لحساب ابن ذي النون، ولم تخمد هذه المعركة الانتحارية بين الأميرين المسلمين إلا بعد وفاة ابن هود في سنة ٤٣٨ هـ/ ١٠٤٦ م " (١٠٢). ومن سوء سياسة سليمان بن هود تقسيمه دويلة سرقسطة بين أولاده الخمسة، فولى ولده أحمد مدينة سرقسطة ويوسف مدينة لاردة، ومحمد قلعة أيوب، ولب مدينة وشقة، والمنذر مدينة تطيلة. وعندما توفي سليمان بن هود سنة ٤٣٨ هـ استقل الأبناء كل في مدينته، وبدأ النزاع بينهم حتى تمكن أحمد حاكم مدينة سرقسطة والملقب بالمقتدر التغلب على جميع أملاك أخوته باستثناء ما كان تحت حكم أخيه يوسف ولم يحدث هذا

стр. 230

فقط بل نكل أحمد المقتدر بأخوته تنكيلاً ضجت منه العامة وطالبت بخلعه (١٠٣)، ورجحت كفة منافسه يوسف صاحب لاردة، واستجدّت ظروف طارئة أعلت كفة المقتدر مرة أخرى (١٠٤)، وقوت مكانته في هذه الدويلة بعد أن تمكن من استرداد كافة القواعد التابعة لدويلة سرقسطة باستثناء مدينة لاردة (١٠٥)، ثم احتل مدينة طرطوشة سنة ٤٥٢ هـ/ ١٠٦٠ م منهياً بذلك حكم الصقالبة في هذا الثغر (١٠٦). ومن الأحداث المأساوية التي وقعت في عهد أحمد المقتدر احتلال مدينة بربشتر من قبل النورمانديين سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٤ م فقد خرج النورمانديون من قاعدتهم نورماندي (١٠٧)، يريدون الأندلس، فحاصروا مدينة وشقة إحدى مدن دويلة سرقسطة، وعندما فشلوا في اقتحامها توجهوا إلى مدينة بربشتر التي تعرضت لحصار القوات الغازية، فترة أربعين يوماً، ولم يفكر المقتدر بن هود بنجدة المدينة لكونها من أعمال أخيه يوسف الذي تخاذل بدوره عن تقديم أي عون لها فتركها تلاقي مصيرها. وعلى الرغم من صمود المدينة وبسالة قواتها في الدفاع ورد الغزاة، إلا أنها سقطت ودخلها النورمانديون واستباحوها ودمروا عمائرها واقترفوا في سكانها من المناكير ما لم يقترفه آدمي قبلهم، فعبروا بتلك الأعمال عن حقيقتهم الوحشية وسيرتهم الهمجية، وقد كان صدى هذه النكبة قد عم بلاد الأندلس، مما عجل في العمل على استرجاعها وتطهيرها من دنس الغزاة، وقد سارت قوات المقتدر في جمادى الأولى سنة ٤٥٧ هـ/١٠٦٥ م فعلاً وتمكنت من تحرير المدينة بعد معركة شديدة هزم فيها النورمانديون وحلفاؤهم الموجودون معهم للدفاع عنها (١٠٨)، ووقعت للمقتدر بعد ذلك وقائع مع جيرانه من الممالك الشمالية (ارجون، ونافار، وقشتالة) فقد كانت هذه الممالك تتحين الفرص

стр. 231

للنيل من هذه الدويلة سواء باقتطاع أقاليمها أو ابتزاز أموالها، وهذه الظروف نفسها كانت العامل في التجاء المقتدر إلى محالفة بعض ملوك هذه الممالك وبذل الأموال الطائلة لهم ضد البعض الآخر (١٠٩). وعلى الرغم من ذلك فقد كان المقتدر أحد كبار حكام الطوائف، تميز بمقدرة سياسية وعسكرية عالية على أن مشاريعه وأعماله كانت تنطوي أحياناً على بعض الصفات السيئة، وتمتعت سرقسطة في وقته بمكانة مميزة ومرموقة فقد كان بلاطه يضم كبار علماء العصر ومشاهيرهم في العلوم والآداب، وكان المقتدر نفسه عالماً من علماء عصره شغوفاً بدراسة الفلسفة والفلك والرياضيات وكان قصره المسمى بقصر الجعفرية نسبة إلى كنيته (أبو جعفر) من أكبر وأضخم قصور ذلك العصر وقد اشتهر في تاريخ الفن الإسلامي باسم دار السرور وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذي زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة، فيسمى لذلك بالبهو الذهبي أو مجلس الذهب. ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان شوهت معالم هذا القصر البديع وأدخلت فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية (١١٠). مات المقتدر سنة ٤٧٤ هـ/١٠٨١ م وقد اقترف نفس الخطأ الذي اقترفه والده من قبل، فقد قسم دويلة سرقسطة بين ولديه فخص ولده الأكبر يوسف المؤتمن بسرقسطة وأعمالها (١١١)، وولده المنذر بلاردة وطرطوشة ودانية، وعادت الحرب الأهلية بين الطرفين واستعان كل طرف على الآخر بمرتزقة الممالك الإسبانية الشمالية، فتحالف المؤتمن مع السيد الكمبيادور صديق والده القديم واستعان المنذر بملك أرجوان وأمير برشلونة، ودارت بين الطرفين سلسلة من الصدامات خربت على أثرها العديد من المدن والحصون ولم تجن الأطراف المتنازعة غير المزيد من الخسائر في الرجال والأموال. ولم يحكم المؤتمن أكثر من أربع سنوات فتوفى سنة ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م فخلفه في حكم سرقسطة وأعمالها ولده: أحمد المستعين، والذي لم يضف جديداً على سياسة والده فاستمر في التحالف مع السيد واشترك في الصراع حول السيطرة على بلنسية " وقد سبق الحديث عن ذلك " وقد دخل المستعين بعد فشله من احتلال بلنسية في صراع وحروب شديدة مع مملكة أرجون التي باتت تهدد دويلته من الشمال، وساقت تلك

стр. 232

الحروب المستعين إلى طلب العون من ملك قشتالة مقابل دفع مبالغ كبيرة من المال، ولكن قوات أرجون تمكنت من احتلال مدينة وشقة سنة ٤٨٩ هـ/١٠٩٦ م (١١٢) التي تعد ثاني مدينة في دويلة سرقسطة، ودارت بعد ذلك معارك شديدة بين الطرفين آخرها معركة (فالتيرا) سنة ٥٠٣/ ١١١٠ م التي قتل فيها المستعين وارتدت قواته منسحبة باتجاه قاعدة سرقسطة (١١٣)، وخلف عبد الملك الملقب بعماد الدولة والده المستعين فشهد دخول المرابطين سرقسطة أواخر سنة ٥٠٣ هـ لينهوا حكم أسرة بني هود الذي استمر أكثر من سبعين سنة (١١٤). ٨ - دويلة دانية والجزائر الشرقية: تمكن مجاهد العامري أحد موالي المنصور ابن أبي عامر من السيطرة على مدينة دانية خلال فترة اضطراب الأندلس، وحكمها باسمه ثم تغلب على الجزائر الشرقية في حدود سنة ٤٠٥ هـ/١٠١٤ م (١١٥). وبحكم الموقع الجغرافي لدانية من الأندلس فقد تخلصت هذه المدينة من المنازعات التي شغلت حكام الطوائف سنين عديدة، وقامت سياسة مجاهد العامري على بناء وتحصين قواعد دويلته والاهتمام ببناء قوات عسكرية برية وبحرية، أعدت منذ البداية لمهمات تتعدى حدود الأندلس، وكانت أولى تلك المهمات تتحدد في تنفيذ مخططاته الرامية للسيطرة على جزر البحر المتوسط، ومنها جزيرة سردينيا التي احتلت سنة ٤٠٦ هـ/١٠١٥ م (١١٦)، والتعرض للمدن الإيطالية جنوه وبيزا ولوني التي أصابتها قواته البحرية مرات عديدة. ولكن العامري لم يتمكن من الاحتفاظ بجزيرة سردينيا طويلاً

стр. 233

فاضطر إلى الانسحاب منها بعد أن خسر المعركة أمام قوات التحالف الصليبي الذي قاده البابا بندكتوس الثامن وضم فيما ضم قوات جنوه وبيزا البحرية وذلك في سنة ٤٠٧ هـ/ ١٠١٦ م والعام الذي يليه. وعلى الرغم من هذا الفشل الذي أصاب قوات مجاهد العامري، فقد ظل من أبرز القادة البحريين الذين عرفوا في ذلك العصر وكان اسمه يثير الذعر والخوف والاضطراب في الأوساط الأجنبية وفي موانئ البحر المتوسط خاصة، وظلت سفنه تجوب البحر المتوسط وتغير على المدن الإيطالية وتقطع عليها خطوط مواصلاتها سنين عديدة (١١٧). وأما الصفحة الأخرى البارزة في دويلة العامري، فتتمثل بالنشاط العلمي والأدبي الذي حظي باعتناء زائد من قبله، مع سعيه الدائم إلى دعوة العلماء واقتناء مؤلفاتهم النادرة والجديدة (١١٨). ويعد أبو عمرو الداني (١١٩) إمام القراءات في زمانه، وابن عبد البر (١٢٠)، وابن سيده (١٢١)، من أشهر علماء العصر على الإطلاق فقد طارت مؤلفاتهم شرقاً وغرباً، وهم الذين رفدوا الحياة العلمية بكل جديد ونفيس في مجالات تخصصاتهم المختلفة. مات مجاهد العامري سنة ٤٣٦ هـ/١٠٤٤ م بعد أن حكم دانية والجزائر الشرقية زهاء ثلاثين سنة، وخلفه على الحكم ولده: علي الملقب بإقبال الدولة والذي نهج على سياسة والده في الداخل والخارج، وفي عهده ضمت دانية إلى دويلة سرقسطة سنة ٤٦٨ هـ/١٠٧٦ م عندما سيطر عليها المقتدر بن هود (١٢٢). أما الجزائر الشرقية والتي تعد ميورقة من أهم جزرها ففد كانت تحت حكم عبد الله المرتضي الذي استبد بحكمها حتى وفاته سنة ٤٦٨ هـ وخلفه مساعده في حكم الجزيرة مبشر بن سليمان، وفي عهده تعرضت ميورقة لهجوم الأساطيل الغربية المتحالفة (بيزا الإيطالية وأمير برشلونة وفرنسا) بعد أن بارك البابا هذه الحملة التي ضربت حصاراً على الجزيرة سنة ٥٠٨ هـ/١١١٤ م وصمدت له صموداً رائعاً على الرغم من قطع المحاصرين

стр. 234

لكافة الإمدادات والمؤن عنها، وخلال الحصار توفي مبشر بن سليمان، وتولى قيادة المقاومة أبو الربيع سليمان الذي لم يتمكن من الصمود طويلاً فسقطت مدينة ميورقة سنة ٥٠٨ هـ/١١١٤ م ودخلتها القوات المتحالفة بعد أن فني معظم المدافعين عنها، فنهبها الغازون عن آخرها وقتلوا جميع من صادفوه حياً من سكانها، واستمرت القوات المتحالفة في عبثها وتخريبها للمدينة حتى حررها المرابطون سنة ٥٠٩ هـ/١١١٥ م من سيطرة قوات التحالف الغربية عليها (١٢٣). الكيانات المستقلة (دويلات صغيرة) وقامت في الأندلس دويلات أو إمارات صغيرة حكمت من قبل الأسر المتنفذة واتخذت من مدنها مراكز ومقرات لها. ولم يكن لهذه الدويلات أو الإمارات كبير شأن فهي لم ترق إلى مصاف الدويلات السابقة، بيد أنها كانت محوراً يثير النزاع بين الدويلات الأخرى ومنها على سبيل المثال: أ - بنو طاهر في مدينة مرسية: وعميد هذه الأسرة هو أبو بكر أحمد بن إسحاق بن طاهر أحد العلماء المعروفين وكان رئيس مدينة مرسية مدة تزيد على ست وثلاثين سنة، وبوفاته سنة ٤٥٥ هـ خلفه ولده محمد بن طاهر وفي عهده سقطت مرسية بيد بني عباد سنة ٤٧١ هـ (١٢٤). ب - بنو برزال في قرمونة: ورأس حكومتها أبو عبد الله محمد بن عبد الله البرزالي وكان نفوذه يمتد إلى مدينة استجة والمدور، وقد تقلب البرزالي المذكور تحت طاعة القوى المختلفة من دويلات الطوائف حتى سيطر بنو عباد على أملاكه سنة ٤٥٩ هـ (١٢٥). ج - بنو يفرن في رندة: ورأسهم أبو النور هلال بن دوناس اليفرني الذي حكم حتى وفاته سنة ٤٤٩ هـ/ ١٠٥٧ م وخلفه ولده أبو النصر فتوح والذي انتهت على يده إمارة رندة وضمت إلى دويلة إشبيلية سنة ٤٥٧ هـ/١٠٦٥ م (١٢٦).

стр. 235

د - بنو دمر في مورور: وزعيمهم نوح بن أبي تزيدي الدمري حكم ابتداء من سنة ٤٠٣ هـ/١٠١٣ م لغاية ٤٣٣ هـ/١٠٤١ م وخلفه ولده محمد والذي مات في حبس ابن عباد ٤٤٩ هـ/١٠٥٧ م، واستمر بنو دمر يحكمون هذه المدينة حتى سنة ٤٥٨ هـ/١٠٦٦ عندما احتلها بنو عباد (١٢٧). هـ - بنو خزرون في أركش: وزعيمهم أبو عبد الله محمد بن خزرون المتغلب على أركش في سنة ٤٠٢ هـ واستمر في حكمها حتى وفاته سنة ٤٢٠ هـ/١٠٢٩ م فأعقبه ولده عبدون وآخرون من هذه الأسرة حتى سقوطها في يد بني عباد سنة ٤٦١ هـ/١٠٦٨ م (١٢٨). سمات عصر دويلات الطوائف: استمر عصر دويلات الطوائف في الأندلس أكثر من ثمانين سنة، تنازعت فيه الدويلات القائمة أسباب الفرقة والخلاف، ودخلت في أتون النزاع المرير، وتحملت البلاد ما تحملت من نتائج ذلك الانحلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتقع تبعية هذا الانحلال على جميع عناصر المجتمع الأندلسي بدون استثناء، فالجميع عملوا على تكوين الدويلات في المناطق التي وجدوا فيها، واصطنعوا لأنفسهم الشرعية التي هي في الأساس الاعتماد على القوة العسكرية لفرض سلطانهم على من هم أضعف حالة من حكام تلك الدويلات. وقد قررنا سابقاً أن من بين أسباب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس واضطراب الأحوال فيها: غياب القيادة القادرة على الفعل والحسم وانعدام الإدارة المخلصة القادرة على التفاعل مع أهداف القيادة في سبيل توحيد البلاد، فضلاً عن غياب الشرعية والذي يعني غياب الولاء للحاكم، وعجز الحكام عن ملء الفراغ الذي أحدثه إلغاء الخلافة الأموية نهائياً من الأندلس سنة ٤٢٢ هـ، فكل ذلك حوّل القيادات الحاكمة في الأندلس إلى قيادات لدويلات إقليمية وعنصرية تقوقعت في مناطق محدودة ولم تتمكن من فرض

стр. 236

سلطانها الفعلي الدائم خارج حدود مناطقها الأصلية. ومن خلال العرض السابق لدويلات الطوائف القائمة في الأندلس، يمكن إجمال أهم السمات الأساسية المشتركة لهذا العصر بما يأتي: ١ - انفراط عرى الوحدة الوطنية، وتحول البلاد إلى وحدات أو كيانات صغيرة تسمى بدويلات الطوائف، تتميز كل منها بكيان خاص قائم على مبدأ الزعامة لأسرة من الأسر. والاعتماد على قوة عسكرية لتنفيذ أهدافها وإن كانت تلك القوة تتكون في معظم الأحيان من خليط من العناصر الموالية لهذه الأسرة أو تلك. ونظام الحكم قائم على أساس مبدأ الوراثة، وغالباً ما كان هذا النظام سبباً في حدوث النزاع بين أفراد الأسرة الواحدة، لا سيما عندما تقسم أملاك الدويلة بين أكثر من واحد من أبناء الحاكم. ٢ - توجه جميع الدويلات القائمة نحو العمل لمصالحها الذاتية، دون أي حساب للقضايا القومية، أو حتى مصلحة الجماعة المنضوية تحت لوائها، وكان حكام هذه الدويلات ضعافاً في وطنيتهم ودينهم، ولم يولوا الكرامة الشخصية أي اهتمام فعندما سقطت بربشتر، وطليطلة لم نجد من بين حكام هذه الدويلات من سارع إلى إنجادها، بل إن المقتدر بن هود لم يحرك ساكناً عندما سقطت بربشتر في يد النورمانديين لكونها من أملاك أخيه يوسف، وكان " بينهما نزاع شخصي " حتى أجبر أخيراً أمام غضبة وثورة الشعب إلى إرسال قواته وتطهير المدينة من دنس النورمانديين. أما طليطلة فسقوطها هز الأندلس من أقصاها إلى أقصاها، ولم نجد من أولئك الحكام إلا المواقف المتخاذلة والمشينة. ٣ - الصراع العنيف بين هذه الدويلات، لكسب ما يمكن كسبه من القلاع والحصون والمدن، وقد فقدت الأندلس جراء ذلك الصراع الألوف من أبنائها، وتعرض كثير من المناطق إلى الخراب والدمار، وفقد الأمن، وساءت الأحوال الإقتصادية نتيجة الاضطراب والفوضى التي كانت تصيب المناطق المتنازع عليها. ٤ - دخول جميع دويلات الطوائف بشكل أو بآخر في سلسلة من المحالفات مع أمراء وملوك إسبانيا الشمالية أعداء الأندلس التقليديين، وأصبحت تلك المحالفات جزءًا من السياسة الخارجية لدويلات الطوائف، وغاية تلك المحالفات اقتسام أملاك الدويلات الأخرى، حتى باتت المحالفات تشكل خطراً كبيراً على معظم الدويلات مادياً، نتيجة دفع الأموال الكبيرة لتلك الدويلات مقابل مساعدات معينة، ومعنوياً لتدخلها في سياسة الدويلات القائمة في الأندلس حتى فقدت أكثر الدويلات استقلالها الذاتي، بل وأصبح

стр. 237

رؤساؤها يرسمون سياساتهم العدائية للنيل من الدويلات الأخرى، وكان ذلك هدف سعت إليه الممالك الإسبانية الشمالية ومنذ البداية لإضعاف كل طرف من الطرفين المتنازعين. ٥ - حرص كافة حكام الطوائف على الإرتسام بسمات الملك والتلقب بشتى الألقاب الملوكية والسلطانية وزاد بعضهم أن اصطنع لدويلته وحكمه الشرعية والخلفية اللازمة لتسويغ أعماله وفرض سلطانه على الآخرين، عن طريق تنصيب الخلفاء بطريقة تثير السخرية والاستهجان، كما فعل بنو عباد عندما نصبوا خلف الحصري وادعوا أنه الخليفة هشام المؤيد، وكاتبوا في ذلك حكام الطوائف يدعونهم لمبايعته والدخول في طاعته. أو كما فعل صاحب دانية والجزائر عندما نصب المعيطي خليفة وهو شخص من العامة فبايعوه مقتفين بذلك دعوى بني عباد. وبعد: فإذا كان ثمة من حسنة لهذه الدويلات وسمة إيجابية تذكر لها فهي توجهاتها العلمية " فقد كانت في الفترات القليلة التي تجانب فيها الحرب الأهلية تتمتع بقسط لا بأس به من الرخاء وتغمرها الحركة والنشاط، وكان ملوك الطوائف بالرغم من طغيانهم المطبق ... من حماة العلوم والآداب وإنها لظاهرة من أبرز ظواهر عصر الطوائف، أن يكون معظم الملوك والرؤساء من أكابر الأدباء والشعراء والعلماء وأن تكون قصورهم منتديات زاهرة، ومجامع حقة للعلوم والآداب والفنون، وأن يحفل هذا العصر بجمهرة كبيرة من العلماء والكتاب والشعراء الممتازين، ومنهم بعض قادة الفكر الأندلسي والفكر الإسلامي بصفة عامة " (١٢٩).

стр. 238

الفَصْلُ الثَّالِث عصر المرابطين ٤٨٤ - ٥٤٠ هـ/١٠٩٢ - ١١٤٥ م . الأندلس ولاية مرابطية: في الوقت الذي كانت فيه الأندلس تعيش عصر دويلات الطوائف المتنازعة فيما بينها ٤٢٢ - ٤٨٤ هـ/١٠٣١ - ١٠٩٢ م، كانت منطقة المغرب الأقصى (مقر دولة المرابطين) تتقاسمها عدة دويلات يمكن إرجاعها إلى أربع قوى وهي: ١ - قبائل غمارة من الشمال وموطنها جبال الريف. ٢ - إمارة برغواطة ومقرها إقليم تامسنا (عاصمتها مدينة شالة). ٣ - الإمارات الزناتية وهي: إمارة بني خزرون في درعة وسجلماسة، وإمارة بني زيري في فاس، وإمارة بني يفرن في سلا وتادلا، وإمارة بني توالي (يخفش) في منطقة فازاز في منطقة الأطلس الأوسط. ٤ - مجموعة البجليين في منطقة السوس ومجموعة الوثنيين في نواحي الأطلس الكبير (١). وفي الوقت الذي أوجد فيه داعية المرابطين الديني عبد الله بن ياسين قوة سياسية من الملثمين (المرابطين) خلال الأعوام ٤٢٩ - ٤٤٤ هـ، قامت هذه القوة خلال الفترة ٤٤٤ هـ- ٤٧٦ هـ بالقضاء على إمارات المغرب الأقصى المتنازعة ووحدتها سياسياً، قد دخلت هذه الدولة الفتية في علاقات متشابكة مع إمارة بني حماد في الجزائر، وإمارة بني زيري في تونس، ومع إمارات الطوائف بالأندلس وهي موضع البحث (٢).

стр. 239

تميز عصر دويلات الطوائف في الأندلس بالحروب المستمرة بين ملوك هذه الدويلات، كما تميز أيضاً بتبعية أغلبية أمراء الطوائف لملوك الإمارات الإسبانية في الشمال وأخص ولاءهم لألفونسو السادس ملك قشتالة، الذي اتخذ صوراً وأشكالاً مختلفة. وعلى الرغم من سياسة الولاء هذه، إلا أنها لم تجد نفعاً، فقد كان هدف ألفونسو السادس إسقاط هذه الدويلات الواحدة بعد الأخرى، وكان هدفه الأول مدينة طليطلة قلب الأندلس، فسيطر عليها عام ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م بالتعاون مع جيوش إسبانية وأوروبية، واتخذها عاصمة لدولته، ومركزاً يشن منها الغارات المتكررة على مدن الأندلس المجاورة (٣). إزاء هذا المصاب الجلل، تزعم صالح العلماء والفقهاء في الدعوة إلى توحيد الأندلس، من أجل رد كيد ألفونسو السادس، ووضع حد لمطامعه التوسعية على حساب الأراضي الأندلسية، إلا أن هذه الدعوة لم تأتِ بالنتيجة المطلوبة، أمام الانهيار النفسي لأكثر ملوك الطوائف (٤)، فاتجهت أنظار الشعب وصالح العلماء وبعض الأمراء صوب المغرب الأقصى، باتجاه القوة الفتية التي ظهر كيانها السياسي وهي دولة المرابطين. بعد سقوط مدينة طليطلة بيد الإسبان عام ٤٧٨ هـ، ازداد عبث الإسبان في سائر أنحاء الأندلس، فقرر أمراء الطوائف -وعلى رأسهم المعتمد به عباد أمير إشبيلية- دعوة المرابطين من أجل رد خطر الإسبان، فجاءت هذه الدعوة بعد ثلاثة أشهر من سقوط مدينة طليطلة (٥). إن فترة تحول الأندلس إلى ولاية مرابطية مرت بالمراحل الآتية: ١ - الجهاد المشترك بين المرابطين وملوك الطوائف ضد الممالك الإسبانية ٤٧٩ - ٤٨٣ هـ. كانت الخطوة الأولى التي اتخذها أمير المرابطين يوسف بن تاشفين في هذا المجال هي العبور بقواته إلى الأندلس في ربيع الأول من عام ٤٧٩ هـ/حزيران ١٠٨٦ م

стр. 240

من أجل نصرة أهل الأندلس، والإعداد لإرجاع مدينة طليطلة إلى دولة الإسلام (٦). رحب ملوك الطوائف بهذه الخطوة، وساهموا بقواتهم من أجل الجهاد في سبيل الله، وإنقاذ الأندلس من خطر الإسبان. وبعد أن وحدوا الجهود سارت القوات المشتركة صوب سهل الزلاقة شمالي بطليوس بروح جهادية عالية. تمني النفس بالنصر أو الاستشهاد في سبيل الله (٧). وفي الوقت نفسه كان ألفونسو السادس محاصراً مدينة سرقسطة قاعدة مملكة بني هود، فلما وصلت إلى مسامعه هذه الاستعدادات الإسلامية، ترك حصار سرقسطة وسار بقواته صوب بطليوس بعد أن أرسل صريخة إلى دول أوروبا التي سارعت بإرسال الإمدادات إليه (٨). وبعد استعدادات عسكرية من الطرفين، وقعت معركة الزلاقة في يوم الجمعة، ١٢ رجب من عام ٤٧٩ هـ/تشرين الأول ١٠٨٦ م، انهزمت فيها قوى الإسبان والأروبيين، وطعن ألفونسو السادس ملك قشتالة وهرب مع شلة من جنوده صوب مدينة طليطلة. وكانت معركة الزلاقة مع المعارك المهمة في بلد الأندلس، استبشاراً للمسلمين في العدوتين، على الرغم من عدم استرجاع مدينة طليطلة من سيطرة الإسبان (٩). بعد معركة الزلاقة رجع يوسف بن تاشفين إلى المغرب بعد أن ترك حاميات مرابطية في الأندلس تساعد القوات الأندلسية في التصدي لهجمات الإسبان التي بدأت تشن غاراتها على الأندلس انتقاماً لهزيمتها في الزلاقة. وفي الوقت نفسه ازداد عبث الإسبان الموجودين في حصن الييط في شرقي الأندلس، والذين كرروا هجماتهم على مدن لورقة ومرسية، فاستنجد المعتمد بن عباد، وبعض فقهاء الأندلس بأمير المرابطين يوسف به تاشفين مرة أخرى، فعبر إلى الأندلس ثانية في ربيع الأول من عام ٤٨١ هـ/١٠٨٨ م وسار صوب حصن الييط، بعد أن توافدت

стр. 241

إليه جيوش أمراء الطوائف (١٠). شددت القوات الإسلامية الحصار على هذا الحصن لمدة أربعة أشهر، وقد أعيتها مناعة الحصن وحلول فصل الشتاء، فانسحبت هذه القوات صوب مدينة لورقة (١١). وخلال هذه الفترة استعان الإسبان المحاصرون في الحصن بملكهم ألفونسو السادس الذي أنجدهم مسرعاً وخلصهم من الخطر بعد أن دك أسوار الحصن، وانسحب صوب طليطلة لا يلوي على شيء، لأنه كان يخشى أن تتكرر هزيمة الزلاقة (١٢). تخلصت القوات الإسلامية من خطر حصن الييط دون الدخول في معركة حاسمة، ورجع يوسف بن تاشفين إلى المغرب بعد أن ترك حاميات مرابطية بالأندلس تتصدى لهجمات الإسبان وبخاصة في الشرق. وكان من نتائج عبور أمير المرابطين إلى الأندلس اكتشاف الخلافات العميقة بين ملوك الطوائف، التي توحدها ظاهرياً مخاطر الإسبان، إلا أنه سرعان ما تعود هذه الخلافات من جديد، بالإضافة إلى التعاون السري بين بعض ملوك الطوائف وألفونسو السادس ملك قشتالة. فكان على يوسف بن تاشفين أن ينسحب من ميدان المعركة ويترك الأندلس فريسة للإسبان، أو أن يعتمد على نفسه وقواته فقط لمواصلة الجهاد، ويتطلب هذا الأمر خلع ملوك الطوائف (١٣). ٢ - خلع ملوك الطوائف وتوحيد الأندلس تحت سيادة المرابطين: قرر أمير المرابطين يوسف بن تاشفين خلع أمراء الطوائف، والاعتماد على نفسه في مواجهة خطر الإسبان، وقد دفعه إلى هذا العمل عدة أمور: أ - الخلافات الشديدة والمنازعات بين ملوك الطوائف، وقد فشلت جميع جهود يوسف بن تاشفين في إزالة هذه الخلافات (١٤). ب - الموقف الحرج الذي أحاط بالقوات المرابطية الموجودة في بلد الأندلس، حيث قطع ملوك الطوائف الميرة والتموين عن هذه القوات، فأحرج مركزها، فساء هذا

стр. 242

الأمر يوسف بن تاشفين (١٥). ج - قدم المرابطون تضحيات كبيرة في سبيل إنقاذ بلد الأندلس من الخطر الإسباني في معارك الزلاقة وحصن الييط. وقد اعتبر ملوك الطوائف هذه التضحيات أموراً فرضتها الأخوة الإسلامية، وبذلك عاد هؤلاء الملوك إلى منازعاتهم، كما عادوا إلى التعاون مع ملوك الإسبان والارتماء في أحضانهم، بل تطور الأمر إلى الكيد لقوات المرابطين الموجودة في بلد الأندلس (١٦). بعد أن اطمأن يوسف بن تاشفين إلى الأسباب التي تمكنه من خلع ملوك الطوائف، عزز هذا الأمر بصفة شرعية حيث أفتى الفقهاء بالأمر. وكان أهل الأندلس يدركون أن الانتصار في معركة الييط لم يكن بالمستوى الجهادي المطلوب، وقد أكد الفقهاء لعامة الشعب أن الخصومات بين ملوك الطوائف هي السبب في ذلك كله (١٧). عزز يوسف بن تاشفين موقفه حيال خلع ملوك الطوائف من ناحيتين: الأولى: الحصول على فتاوى فقهاء المشرق الإسلامي أمثال الغزالي والطرطوشي، قد وصلت فتاواهم إليه عام ٤٩٣ هـ، وقد بدأ فعلاً بخلع ملوك الطوائف منذ عام ٤٨٣ هـ. والثانية: الحصول على تأييد فقهاء الأندلس وعامة الناس الذين أكثروا من شكواهم إليه بعد العبور الثاني، وكشفوا ليوسف بن تاشفين النقاب عن سوء ومكر ملوك الطوائف، وحرضوه على خلعهم، وكان على رأس هؤلاء الفقهاء (أبو جعفر بن القليعي) قاضي قرطبة، الذي عبر إلى المغرب وأخبر أمير المرابطين ببعض الأمور التي تتعلق بملوك الطوائف وبخاصة الأمير عبد الله بن بلقين ملك غرناطة (١٨). تضافرت العوامل التي اعتمدها أمير المرابطين في خلع ملوك الطوائف فعبر بقواته إلى الأندلس في أوائل عام ٤٨٣ هـ. ولم يبدأ بعزل ملوك الطوائف، بل بدأ بمحاربة الإسبان ليقطع أي اتصال لهم مع حلفائهم من ملوك الطوائف (١٩). فسار يوسف بن

стр. 243

تاشفين بقواته صوب مدينة طليطلة عاصمة مملكة قشتالة وشدد حولها الحصار، ووصل في زحفه إلى مدن الحدود مما يلي شمالي طليطلة، ثم حاصر مدينة قلعة رباح الواقعة على الطريق المؤدية إلى مملكة قشتالة (٢٠). تصدى لهذا الزحف المرابطي ألفونسو السادس ملك قشتالة فانسحبت القوات المرابطية دون أن تدخل في معركة حاسمة مع الإسبان، ولم تشترك القوات الأندلسية في هذه الحملة، مما أدى إلى تذمر يوسف بن تاشفين، إضافة إلى أن ملوك الطوائف أحسوا بنوايا يوسف بن تاشفين نحوهم فباتوا يترقبون الأمور الجسام (٢١). عاد أمير المرابطين بقواته من أحواز طليطلة صوب الجنوب، بعد أن قطع الصلة بين ملوك الطوائف والإسبان ليضع بداية النهاية لملوك الطوائف. القضاء على ممالك الطوائف ٤٨٣ - ٥٠٩ هـ ثمة ظاهرتان يمكن ملاحظتهما في هذا الموضوع: الأولى: - إن أكثر ممالك الطوائف سيطرت عليها القوات المرابطية نتيجة تعاون ملوكها مع الإسبان وموقفهم المضاد للمرابطين، ولهذا سيطرت القوات المرابطية على هذه الممالك تباعاً: فسيطرت على مملكة غرناطة عام ٤٨٣ هـ/١٠٩٠ م، وعلى مملكة إشبيلية عام ٤٨٣ - ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م، وعلى مملكة المرية عام ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م، وعلى مملكة مرسية عام ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م وعلى مملكة بطليوس عام ٤٨٨ هـ/١٠٩٥ م، وعلى إمارة البونت عام ٤٩٦ هـ/١١٠٣ م، وعلى إمارة شنتمرية الشرق (سهلة بني رزين) عام ٤٩٧ هـ/١١٠٤ م، وعلى مملكة سرقسطة عام ٥٠٣ هـ/١١١٠ م. وقد تمت هذه السيطرة بعد جهود كبيرة قامت بها القوات المرابطية في مقاومة الخطر الإسباني المساعد لملوك الطوائف أولاً، وبمقاومة ملوك الطوائف الذين تصدوا للقوات المرابطية ثانياً (٢٢).

стр. 244

الثانية: - إن بعض ممالك الطوائف مثل مملكة بلنسية ومملكة الجزائر الشرقية دخلتها القوات المرابطية لإنقاذها من خطر هجمات الإسبان، أي أن هذه الممالك هي التي طلبت العون من المرابطين فبعد أن كانت مملكة بلنسية مسرحاً لهجمات الإسبان ٤٧٩ - ٤٩٥ هـ وخاصة هجمات السيد الكمبيادور (فارس قشتالي مغامر)، الذي عاث في المنطقة فساداً، وأرهق أهلها، وتصدى للقوات المرابطية خلال هذه الفترة الطويلة. وبعد موت الكمبيادور عام ٤٩٢ هـ/١٠٩٩ م تعاونت زوجته خمينا مع ألفونسو السادس من أجل التصدي للقوات المرابطية التي دخلت المدينة عام ٤٩٥ هـ/١١٠٢ م بعد إرهاق شديد فوجدوها أطلالاً دارسة (٢٣). أما الجزائر الشرقية (البليار) فقد تعرضت لهجمات الأساطيل الإسبانية والإيطالية في عام ٥٠٨ هـ/١١١٤ م، وبعد مقاومة عنيفة دخلت هذه الأساطيل أهم جزرها وهي جزيرة ميورقة وعملت فيها الخراب والدمار. فاستعان أهل الجزائر الشرقية بالمرابطين الذين أنجدوهم بأسطول بحري دخل الجزائر في عام ٥٠٩ هـ/ ١١١٦ م وبذلك تدخل الجزائر الشرقية في حوزة المرابطين (٢٤). جهاد المرابطين للممالك الإسبانية ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: كانت الممالك الإسبانية المعاصرة لهذه الفترة هي: أ - مملكة قشتالة وليون ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ وكان أشهر ملوكها: ١ - ألفونسو السادس ٤٥٨ - ٥٠٢ هـ/١٠٦٥ - ١١٠٩ م. ٢ - أوراكة ابنته ٥٠٢ - ٥٢٠ هـ/١٠٦٥ - ١١٢٦ م. ٣ - ألفونسو السابع (السليطين) ٥٢٠ - ٥٥٢ هـ/١١٢٦ - ١١٥٧ م. يبدو لنا من استعراض الروايات التاريخية التي تناولت المعارك العسكرية بين المرابطين ومملكة قشتالة وليون خلال هذه الفترة، أن هذه المعارك مرت في مرحلتين: المرحلة الأولى ٤٨٣ - ٥٢٣ هـ: في هذه المرحلة كان التفوق العسكري للجيوش المرابطية التي بادرت بالهجوم

стр. 245

على مدينة طليطلة عاصمة قشتالة وأحوازها، فاسترجعت بعض المدن والحصون المحيطة بها، كما انتصرت القوات المرابطية على القوات القشتالية في معركة حاسمة وهي معركة اقليش الواقعة شرقي طليطلة في عام ٥٠١ هـ/١١٠٨ م حيث انهزمت فيها القوات الإسبانية وقتل قائدها الأمير (سانشو) ابن ألفونسو السادس. وبعد هذا الانتصار كررت القوات المرابطية هجومها على مدينة طليطلة وأوشكت أن تسترجعها إلى دولة الإسلام وبخاصة في عام ٥٠٧ هـ/١١١٤ م. المرحلة الثانية ٥٢٣ - ٥٤٢ هـ: بعد أن خسرت القوات المرابطية في معركة القلاعة عام ٥٢٣ هـ أمام هجمات قوات مملكة أرغون الإسبانية (سنذكرها فيما بعد)، بدأت قوات مملكة قشتالة بتكرار الهجوم المستمر على مدن الأندلس بقيادة ملكها الطموح (السليطين)، ويبدو لنا أن القوات القشتالية اتخذت لها عدة محاور، من أهمها: أ - محور قرطبة، حيث قامت القوات الإسبانية بمهاجمة قرطبة وأحوازها عدة مرات في عام ٥٢٤ هـ/١١٣٠ م، وفي عام ٥٢٨ هـ/١١٣٣ م وفي عام ٥٣٦ هـ/١١٤٢ م، وفي عام ٥٣٨ هـ/١١٤٣. ب - محور إشبيلية، قامت القوات القشتالية بمهاجمة إشبيلية والمدن المجاورة لها في عام ٥٢٦ هـ/١١٣٢ م، وفي عام ٥٣٦ هـ/١١٤٢ م وعام ٥٣٨ هـ/١١٤٣ م. ج - محور بطليوس وغربي الأندلس، قامت هذه القوات بهجومها عام ٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م، وفي عام ٥٣٢ هـ/١١٣٧ م، وفي عام ٥٣٦ هـ/١١٤٢ م. وبلغ من شدة هجوم القوات القشتالية، أنها وصلت إلى أحواز مدن قرطبة وإشبيلية وألقت الرعب في نفوس أهلها، ولا ينكر دور القوات المرابطية في هذه الفترة التي كرست جل استعدادتها العسكرية من أجل التصدي للقوات الإسبانية، وكانت القوات المرابطية في أغلب الأحيان تنتزع النصر من القوات القشتالية انتزاعاً، وفي بعض الأحيان خسرت المعارك وفقدت خيرة رجالها وقادتها. ومما عرقل مساعي المرابطين الجهادية هذه، نشاط الموحدين في عدوة المغرب وبداية سيطرتهم على أهم المدن والحصون المرابطية، وكذلك بسبب الثورات المتعاقبة التي قامت في بلد الأندلس وتهدف إلى تخليص الأندلس من الحكم المرابطي (٢٥).

стр. 246

ب - مملكة البرتغال ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: ملوكها خلال هذه الفترة: ١ - الأمير هنري البرجوني (الرنك) زوج تيريزا ابنة ألفونسو السادس وتوفي في عام ٥٠٥ هـ/١١١٢ م. ٢ - تيريزا: الوصية على عرش ابنها (ألفونسو هنريكيز) ٥٠٥ - ٥٢٢ هـ/١١١٢ - ١١٢٨ م. ٣ - ألفونسو هنريكيز (ابن الرنك) ٥٢٢ - ٥٥٣ هـ/١١٢٨ - ١١٥٨ م. إن جهاد المرابطين مع مملكة البرتغال مر في مرحلتين: المرحلة الأولى: ٤٨٣ - ٥٣٣ هـ: ففي هذه المرحلة اتخذت القوات المرابطية من مدينة بطليوس قاعدة عسكرية تخرج منها الحملات الجهادية صوب الشمال إلى أراضي مملكة البرتغال، فاستطاعت القوات المرابطية استرجاع بعض المدن المهمة من سيطرة الإسبان ومن أهمها مدن: يابرة واشبونة م وشنترين وذلك في عام ٥٠٥ هـ/١١١٢ م، ومدينة قلمرية وذلك في عام ٥١١ هـ/١١١٧ م (٢٦). المرحلة الثانية ٥٣٣ - ٥٤٢ هـ: بعد الصلح الذي تم بين ملك قشتالة (السليطين) وملك البرتغال (ابن الرنك) عام ٥٣٣ هـ/١١٣٩ م وجه ملك البرتغال جهوده من أجل السيطرة على بعض القواعد الأندلسية القريبة من حدود إمارته. فتصدى للقوات المرابطية في غربي الأندلس وانتصر عليها في موقعة (أوريك) على ضفة نهر التاجة. كما استغلت إمارة البرتغال ثورة أهل الأندلس على المرابطين، فسيطرت على مدن شنترين وباجة وماردة واشبونة، أي إنها استرجعت معظم المدن التي استردها المرابطون في المرحلة الأولى (٢٧). ج - مملكة برشلونة ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: وأشهر ملوكها فى هذه الفترة: ١ - رامون برنجير الثاني ٤٦٨ - ٤٨٥ هـ/١٠٧٦ - ١٠٩٢ م.

стр. 247

٢ - رامون برنجير الثالث ٤٨٥ - ٥٢٥ هـ/١٠٩٢ - ١١٣١ م. ٣ - رامون برنجير الرابع ٥٢٥ - ٥٥٧ هـ/١١٣١ - ١١٦٢ م (٢٨). واصلت مملكة برشلونة الإسبانية توسعها على حساب أراضي الثغر الأعلى (مملكة سرقسطة) منذ عام ٤٨٣ هـ/١٠٩٠م، حيث سيطرت على مدينة طركونة، وفق حملة صليبية باركها البابا أوربان الثاني (٢٩). وقد حاولت القوات المرابطية عدة مرات استرجاع ثغر طركونة وبرشلونة، حيث أرسلت القوات المرابطية البرية في عام ٤٩٥ هـ/١١٠٢ م وفي عام ٥٠٨ هـ/١١١٥ م إلى برشلونة وتوغلت في أراضيها، إلا أنه كان نصراً محدوداً وخسر المرابطون خيرة رجالهم في هذه الحملات (٣٠). كما أرسلت حملات مرابطية بحرية إلى منطقة برشلونة، وأسرت الكثير من أهلها وبخاصة (الربرتير) -الذي دخل في خدمة المرابطين فيما بعد- وذلك في عام ٥١١ هـ/١١١٧ م (٣١). وبعد سقوط المرية بيد الإسبان عام ٥٤٢ هـ شجعهم الأمر على غزو مدينة طرطوشة، التي كان لها أهمية عند الإسبان باعتبارها أعظم ثغور الشمال الشرقي البحرية، كما كانت مأوى المسلمين المجاهدين الذين كثيراً ما كانوا يرابطون في هذا الثغر، ويكررون هجماتهم على مملكة برشلونة وأرغون وشواطئ فرنسا، حتى اعتقدت الممالك الإسبانية أن المسلمين بطرطوشة ربما يستطيعون إسقاط مملكة برشلونة ومملكة أرغون، بل ربما يستطيعون أن يرجعوا سرقسطة إلى عهدها الإسلامي (٣٢). لهذا ركزت مملكة برشلونة على مدينة طرطوشة، فهاجمتها بقوات إسبانية وأوروبية باركها البابا، فسيطرت عليها عام ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م (٣٣). د - مملكة أرغون ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: وأشهر ملوك هذه المملكة الإسبانية: ١ - بيدرو الأول ٤٨٩ - ٤٩٩ هـ/١٠٩٦ - ١١٠٥ م.

стр. 248

٢ - ألفونسو الأول المحارب ٤٩٩ - ٥٢٩ هـ/١١٠٥ - ١١٣٤ م. ٣ - دون راميرو الراهب (أخ المحارب) ٥٢٩ - ٥٣٢ هـ/١١٣٤ - ١١٣٧ م. ٤ - رامون برنجير الرابع ملك برشلونة ٥٢٥ - ٥٥٧ هـ. ورث عرش أرغون بعد أن تنازل الراهب عن هذا العرش إلى صهره ملك برشلونة ولذا لقب ملك برشلونة هذا (كونت برشلونة وأمير أرغون) (٣٤). ومما يلاحظ في هذا المجال أن ألفونسو السابع (السليطين) ملك قشتالة فرض نوعاً من الهيمنة والسيطرة على بقية أمراء الممالك الإسبانية. فقد اعترف ملك أرغون (الراهب راميرو ٥٢٩ - ٥٣٢ هـ) بأنه يحكم أرغون في ظل ملك قشتالة، وأعلن الاعتراف نفسه ملك النافار، كما أعلن رامون برنجير الرابع ملك برشلونة الاعتراف نفسه (٣٥). وكرر هذا الملك محاولاته من أجل استرجاع أهم قواعد الثغر الأعلى فبدأ منذ عام ٥٠٣ هـ/١١١٠ م يهاجم سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى والمدن الأخرى، فقام بمحاولتين في عام ٥٠٤ هـ/١١١١ م من أجل السيطرة على سرقسطة ففشل (٣٦). ونتيجة لسقوط بيت المقدس بيد الأوروبيين عام ٤٩٢ هـ/١٠٩٩ م، عبرت قوات أوروبية إلى إسبانيا وبدأت تعاون ملك أرغون من أجل استرداد أهم المدن الأندلسية، فبدأ ألفونسو المحارب بمحاصرة مدينة تطيلة عام ٥١١ هـ/١١١٧ م واحتلها، وبذلك انهار الخط الدفاعي لمدينة سرقسطة. وفي عام ٥١٢ هـ/١١١٨ م شدد الحصار على مدينة سرقسطة، تساعده قوات أوروبية، واستمر هذا الحصار زهاء سبعة أشهر، وحاصر الإسبان المدينة اقتصادياً إلى جانب الهجمات المتكررة عليها. ففي رمضان من عام ٥١٢ هـ/١١١٨ م دخل ألفونسو المحارب وحلفاؤه المدينة، وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة سميت بكنيسة (لاسيو Laseo) ، واتخذ من مدينة سرقسطة عاصمة لمملكة أرغون الإسبانية. وبسقوط سرقسطة أصبحت قواعد الثغر الأعلى الأخرى مهددة أمام زحف ألفونسو المحارب، الذي سيطر على مدينة روطة المنيعة في العام نفسه. ثم سيطر في عام ٥١٣ هـ/١١٢٠ م على مدينة طرسونة، كما فرض سيطرته على مدينة قلعة أيوب وكانت أمنع ما تبقى من معاقل الثغر الأعلى (٣٧).

стр. 249

وإزاء هذه الانتصارات المتلاحقة التي أحرزها ألفونسو المحارب، ازداد نشاطه العسكري في السيطرة على المعاقل المنيعة في منطقة الثغر الأعلى، ففي عام ٥١٤ هـ/ ١١٢٠ م انتصر على القوات المرابطية في معركة قتندة، في حيز دروقة من عمل سرقسطة، واستشهد من المسلمين الآلاف ومن بينهم العديد من الفقهاء والعلماء (٣٨). كما قام ملك أرغون ألفونسو المحارب بحملته المدمرة عام ٥١٩ - ٥٢٠ هـ والتي اخترق بها بلد الأندلس من أقصاه إلى أقصاه متحدياً المسلمين فيها ومتعاوناً مع بعض معاهدي الإسبان الذين سهلوا له هذه المهمة، وكانت هذه الحملة، حملة تَحد كشفت عن ضعف الدفاع في الأندلس، وأن خطط المرابطين منذ نكبة سرقسطة وقتندة لم تكن كفيلة بصد عدوان الإسبان، كما كشفت عن مبلغ خطر المعاهدين الإسبان الذين نعموا بالسلام والأمن في ظل الحكم العربي بالأندلس (٣٩). ومن المعارك الأخرى المهمة التي انتصر فيها ألفونسو المحارب على القوات المرابطية هي معركة القلاعة عام ٣٢٣ هـ/١١٢٩ م الواقفة في شرقي الأندلس، وفتحت الأبواب أمام شدة الهجمات الإسبانية على مدينة بلنسية وما جاورها من الحصون (٤٠). بعد أن تجاوز ألفونسو المحارب خلافاته مع ملك قشتالة (السليطين) عام ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ م، جهز قواته صوب ما تبقى من قواعد الثغر الأعلى، وكان هدفه الاستيلاء على لاردة وافراغة ومكناسة، ثم الاستيلاء على ثغر طرطوشة. فهاجم مدينة مكناسة عام ٥٢٧ هـ/١١٣٣ م وسلمت أمورها للملك الإسباني، ثم زحف نحو مدينة إفراغه فتصدت له القوات المرابطية، ودارت تحت أسوار هذه المدينة معركة من أعنف المعارك في هذه الفترة انتصر بها المرابطون لأول مرة، ضد ملك أرغون في رمضان من عام ٥٢٨ هـ/١٧ تموز ١١٣٤ م، وبعد هذه المعركة مات ألفونسو المحارب بأيام. وقد كان لنصر المرابطين في إفراغة صدى عميق في سائر أنحاء الأندلس، حيث أعادت للمرابطين سمعتهم العسكرية، ولو أنهم لم يستغلوا هذا النصر ويزحفوا إلى سرقسطة من أجل إرجاعها إلى دولة الإسلام (٤١).

стр. 250

أما بقية مدن الثغر الأعلى مثل لاردة وإفراغة وأقليش فقد سقطت بيد الإسبان عام ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م (٤٢). ومن خلال استعراض جهاد المرابطين للممالك الإسبانية نلاحظ ما يأتي: ١ - تزعم ألفونسو السادس ملك قشتالة جبهة الإسبان ضد المرابطين إلى وفاته عام ٥٠١ هـ، ثم تزعمها ألفونسو الأول المحارب، وبعد وفاته عام ٥٢٨ هـ تزعمها ألفونسو السابع ملك قشتالة. أي وجود الملك الإسباني القوي حسب مقتضيات الأمور. ٢ - اتسمت المعارك المتبادلة بين الجانب المرابطي والإسباني بعنفها وقوتها، وقد عزز كل جانب معاركه بروح دينية عالية تزعمها رجال الدين من الطرفين، من أجل إحراز النصر وكسب المعركة. ٣ - على الرغم من الروح الجهادية العالية التي تمتع بها الجيش المرابطي في الأندلس، وانتصاراته في معارك مهمة ضد الإسبان، إلا أن هذا الجيش لم يستطع استرجاع أية مدينة أندلسية مهمة سيطر عليها الإسبان خلال مراحل الصراع، ابتداءً من مدينة طليطلة، ومروراً بغربي الأندلس وإلى منطقة الثغر الأعلى. ٤ - أثقلت الحروب الجهادية هذه كاهل الجيوش المرابطية في الأندلس، وفقدت خيرة قادتها، مما أضعف هذه الجيوش فيما بعد، والتي انشغلت في مقاومة ثورة أهل الأندلس، وحركة المهدي في عدوة المغرب، مما شجع الإسبان على مواصلة توسعهم على حساب بلد الأندلس، والسيطرة تباعاً على أهم قواعده (٤٣). الأندلس ولاية موحدية ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ/١١٤٥ - ١٢٢٣ م: تضافرت عوامل متعددة في إضعاف المرابطين سواء في شمال أفريقية أو في الأندلس، ولعل ضعف الأمراء الذين تولوا الحكم بعد علي بن يوسف بن تاشفين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) كان في مقدمة الأسباب، بالإضافة إلى ظهور نشاط الموحدين في عدوة المغرب، هذا النشاط الذي مر في مرحلتين: الأولى: مرحلة أبي عبد الله محمد بن تومرت، وقد بدأت هذه المرحلة من عام ٥١٥ هـ إلى
следующие страницы →