← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ب - مملكة البرتغال ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: ملوكها خلال هذه الفترة: ١ - الأمير هنري البرجوني (الرنك) زوج تيريزا ابنة ألفونسو السادس وتوفي في عام ٥٠٥ هـ/١١١٢ م. ٢ - تيريزا: الوصية على عرش ابنها (ألفونسو هنريكيز) ٥٠٥ - ٥٢٢ هـ/١١١٢ - ١١٢٨ م. ٣ - ألفونسو هنريكيز (ابن الرنك) ٥٢٢ - ٥٥٣ هـ/١١٢٨ - ١١٥٨ م. إن جهاد المرابطين مع مملكة البرتغال مر في مرحلتين: المرحلة الأولى: ٤٨٣ - ٥٣٣ هـ: ففي هذه المرحلة اتخذت القوات المرابطية من مدينة بطليوس قاعدة عسكرية تخرج منها الحملات الجهادية صوب الشمال إلى أراضي مملكة البرتغال، فاستطاعت القوات المرابطية استرجاع بعض المدن المهمة من سيطرة الإسبان ومن أهمها مدن: يابرة واشبونة م وشنترين وذلك في عام ٥٠٥ هـ/١١١٢ م، ومدينة قلمرية وذلك في عام ٥١١ هـ/١١١٧ م (٢٦). المرحلة الثانية ٥٣٣ - ٥٤٢ هـ: بعد الصلح الذي تم بين ملك قشتالة (السليطين) وملك البرتغال (ابن الرنك) عام ٥٣٣ هـ/١١٣٩ م وجه ملك البرتغال جهوده من أجل السيطرة على بعض القواعد الأندلسية القريبة من حدود إمارته. فتصدى للقوات المرابطية في غربي الأندلس وانتصر عليها في موقعة (أوريك) على ضفة نهر التاجة. كما استغلت إمارة البرتغال ثورة أهل الأندلس على المرابطين، فسيطرت على مدن شنترين وباجة وماردة واشبونة، أي إنها استرجعت معظم المدن التي استردها المرابطون في المرحلة الأولى (٢٧). ج - مملكة برشلونة ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: وأشهر ملوكها فى هذه الفترة: ١ - رامون برنجير الثاني ٤٦٨ - ٤٨٥ هـ/١٠٧٦ - ١٠٩٢ م.

стр. 247

٢ - رامون برنجير الثالث ٤٨٥ - ٥٢٥ هـ/١٠٩٢ - ١١٣١ م. ٣ - رامون برنجير الرابع ٥٢٥ - ٥٥٧ هـ/١١٣١ - ١١٦٢ م (٢٨). واصلت مملكة برشلونة الإسبانية توسعها على حساب أراضي الثغر الأعلى (مملكة سرقسطة) منذ عام ٤٨٣ هـ/١٠٩٠م، حيث سيطرت على مدينة طركونة، وفق حملة صليبية باركها البابا أوربان الثاني (٢٩). وقد حاولت القوات المرابطية عدة مرات استرجاع ثغر طركونة وبرشلونة، حيث أرسلت القوات المرابطية البرية في عام ٤٩٥ هـ/١١٠٢ م وفي عام ٥٠٨ هـ/١١١٥ م إلى برشلونة وتوغلت في أراضيها، إلا أنه كان نصراً محدوداً وخسر المرابطون خيرة رجالهم في هذه الحملات (٣٠). كما أرسلت حملات مرابطية بحرية إلى منطقة برشلونة، وأسرت الكثير من أهلها وبخاصة (الربرتير) -الذي دخل في خدمة المرابطين فيما بعد- وذلك في عام ٥١١ هـ/١١١٧ م (٣١). وبعد سقوط المرية بيد الإسبان عام ٥٤٢ هـ شجعهم الأمر على غزو مدينة طرطوشة، التي كان لها أهمية عند الإسبان باعتبارها أعظم ثغور الشمال الشرقي البحرية، كما كانت مأوى المسلمين المجاهدين الذين كثيراً ما كانوا يرابطون في هذا الثغر، ويكررون هجماتهم على مملكة برشلونة وأرغون وشواطئ فرنسا، حتى اعتقدت الممالك الإسبانية أن المسلمين بطرطوشة ربما يستطيعون إسقاط مملكة برشلونة ومملكة أرغون، بل ربما يستطيعون أن يرجعوا سرقسطة إلى عهدها الإسلامي (٣٢). لهذا ركزت مملكة برشلونة على مدينة طرطوشة، فهاجمتها بقوات إسبانية وأوروبية باركها البابا، فسيطرت عليها عام ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م (٣٣). د - مملكة أرغون ٤٨٣ - ٥٤٢ هـ: وأشهر ملوك هذه المملكة الإسبانية: ١ - بيدرو الأول ٤٨٩ - ٤٩٩ هـ/١٠٩٦ - ١١٠٥ م.

стр. 248

٢ - ألفونسو الأول المحارب ٤٩٩ - ٥٢٩ هـ/١١٠٥ - ١١٣٤ م. ٣ - دون راميرو الراهب (أخ المحارب) ٥٢٩ - ٥٣٢ هـ/١١٣٤ - ١١٣٧ م. ٤ - رامون برنجير الرابع ملك برشلونة ٥٢٥ - ٥٥٧ هـ. ورث عرش أرغون بعد أن تنازل الراهب عن هذا العرش إلى صهره ملك برشلونة ولذا لقب ملك برشلونة هذا (كونت برشلونة وأمير أرغون) (٣٤). ومما يلاحظ في هذا المجال أن ألفونسو السابع (السليطين) ملك قشتالة فرض نوعاً من الهيمنة والسيطرة على بقية أمراء الممالك الإسبانية. فقد اعترف ملك أرغون (الراهب راميرو ٥٢٩ - ٥٣٢ هـ) بأنه يحكم أرغون في ظل ملك قشتالة، وأعلن الاعتراف نفسه ملك النافار، كما أعلن رامون برنجير الرابع ملك برشلونة الاعتراف نفسه (٣٥). وكرر هذا الملك محاولاته من أجل استرجاع أهم قواعد الثغر الأعلى فبدأ منذ عام ٥٠٣ هـ/١١١٠ م يهاجم سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى والمدن الأخرى، فقام بمحاولتين في عام ٥٠٤ هـ/١١١١ م من أجل السيطرة على سرقسطة ففشل (٣٦). ونتيجة لسقوط بيت المقدس بيد الأوروبيين عام ٤٩٢ هـ/١٠٩٩ م، عبرت قوات أوروبية إلى إسبانيا وبدأت تعاون ملك أرغون من أجل استرداد أهم المدن الأندلسية، فبدأ ألفونسو المحارب بمحاصرة مدينة تطيلة عام ٥١١ هـ/١١١٧ م واحتلها، وبذلك انهار الخط الدفاعي لمدينة سرقسطة. وفي عام ٥١٢ هـ/١١١٨ م شدد الحصار على مدينة سرقسطة، تساعده قوات أوروبية، واستمر هذا الحصار زهاء سبعة أشهر، وحاصر الإسبان المدينة اقتصادياً إلى جانب الهجمات المتكررة عليها. ففي رمضان من عام ٥١٢ هـ/١١١٨ م دخل ألفونسو المحارب وحلفاؤه المدينة، وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة سميت بكنيسة (لاسيو Laseo) ، واتخذ من مدينة سرقسطة عاصمة لمملكة أرغون الإسبانية. وبسقوط سرقسطة أصبحت قواعد الثغر الأعلى الأخرى مهددة أمام زحف ألفونسو المحارب، الذي سيطر على مدينة روطة المنيعة في العام نفسه. ثم سيطر في عام ٥١٣ هـ/١١٢٠ م على مدينة طرسونة، كما فرض سيطرته على مدينة قلعة أيوب وكانت أمنع ما تبقى من معاقل الثغر الأعلى (٣٧).

стр. 249

وإزاء هذه الانتصارات المتلاحقة التي أحرزها ألفونسو المحارب، ازداد نشاطه العسكري في السيطرة على المعاقل المنيعة في منطقة الثغر الأعلى، ففي عام ٥١٤ هـ/ ١١٢٠ م انتصر على القوات المرابطية في معركة قتندة، في حيز دروقة من عمل سرقسطة، واستشهد من المسلمين الآلاف ومن بينهم العديد من الفقهاء والعلماء (٣٨). كما قام ملك أرغون ألفونسو المحارب بحملته المدمرة عام ٥١٩ - ٥٢٠ هـ والتي اخترق بها بلد الأندلس من أقصاه إلى أقصاه متحدياً المسلمين فيها ومتعاوناً مع بعض معاهدي الإسبان الذين سهلوا له هذه المهمة، وكانت هذه الحملة، حملة تَحد كشفت عن ضعف الدفاع في الأندلس، وأن خطط المرابطين منذ نكبة سرقسطة وقتندة لم تكن كفيلة بصد عدوان الإسبان، كما كشفت عن مبلغ خطر المعاهدين الإسبان الذين نعموا بالسلام والأمن في ظل الحكم العربي بالأندلس (٣٩). ومن المعارك الأخرى المهمة التي انتصر فيها ألفونسو المحارب على القوات المرابطية هي معركة القلاعة عام ٣٢٣ هـ/١١٢٩ م الواقفة في شرقي الأندلس، وفتحت الأبواب أمام شدة الهجمات الإسبانية على مدينة بلنسية وما جاورها من الحصون (٤٠). بعد أن تجاوز ألفونسو المحارب خلافاته مع ملك قشتالة (السليطين) عام ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ م، جهز قواته صوب ما تبقى من قواعد الثغر الأعلى، وكان هدفه الاستيلاء على لاردة وافراغة ومكناسة، ثم الاستيلاء على ثغر طرطوشة. فهاجم مدينة مكناسة عام ٥٢٧ هـ/١١٣٣ م وسلمت أمورها للملك الإسباني، ثم زحف نحو مدينة إفراغه فتصدت له القوات المرابطية، ودارت تحت أسوار هذه المدينة معركة من أعنف المعارك في هذه الفترة انتصر بها المرابطون لأول مرة، ضد ملك أرغون في رمضان من عام ٥٢٨ هـ/١٧ تموز ١١٣٤ م، وبعد هذه المعركة مات ألفونسو المحارب بأيام. وقد كان لنصر المرابطين في إفراغة صدى عميق في سائر أنحاء الأندلس، حيث أعادت للمرابطين سمعتهم العسكرية، ولو أنهم لم يستغلوا هذا النصر ويزحفوا إلى سرقسطة من أجل إرجاعها إلى دولة الإسلام (٤١).

стр. 250

أما بقية مدن الثغر الأعلى مثل لاردة وإفراغة وأقليش فقد سقطت بيد الإسبان عام ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م (٤٢). ومن خلال استعراض جهاد المرابطين للممالك الإسبانية نلاحظ ما يأتي: ١ - تزعم ألفونسو السادس ملك قشتالة جبهة الإسبان ضد المرابطين إلى وفاته عام ٥٠١ هـ، ثم تزعمها ألفونسو الأول المحارب، وبعد وفاته عام ٥٢٨ هـ تزعمها ألفونسو السابع ملك قشتالة. أي وجود الملك الإسباني القوي حسب مقتضيات الأمور. ٢ - اتسمت المعارك المتبادلة بين الجانب المرابطي والإسباني بعنفها وقوتها، وقد عزز كل جانب معاركه بروح دينية عالية تزعمها رجال الدين من الطرفين، من أجل إحراز النصر وكسب المعركة. ٣ - على الرغم من الروح الجهادية العالية التي تمتع بها الجيش المرابطي في الأندلس، وانتصاراته في معارك مهمة ضد الإسبان، إلا أن هذا الجيش لم يستطع استرجاع أية مدينة أندلسية مهمة سيطر عليها الإسبان خلال مراحل الصراع، ابتداءً من مدينة طليطلة، ومروراً بغربي الأندلس وإلى منطقة الثغر الأعلى. ٤ - أثقلت الحروب الجهادية هذه كاهل الجيوش المرابطية في الأندلس، وفقدت خيرة قادتها، مما أضعف هذه الجيوش فيما بعد، والتي انشغلت في مقاومة ثورة أهل الأندلس، وحركة المهدي في عدوة المغرب، مما شجع الإسبان على مواصلة توسعهم على حساب بلد الأندلس، والسيطرة تباعاً على أهم قواعده (٤٣). الأندلس ولاية موحدية ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ/١١٤٥ - ١٢٢٣ م: تضافرت عوامل متعددة في إضعاف المرابطين سواء في شمال أفريقية أو في الأندلس، ولعل ضعف الأمراء الذين تولوا الحكم بعد علي بن يوسف بن تاشفين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) كان في مقدمة الأسباب، بالإضافة إلى ظهور نشاط الموحدين في عدوة المغرب، هذا النشاط الذي مر في مرحلتين: الأولى: مرحلة أبي عبد الله محمد بن تومرت، وقد بدأت هذه المرحلة من عام ٥١٥ هـ إلى

стр. 251

عام ٥٢٤ هـ. وقد أسس محمد بن تومرت دعوة على أساس ديني قوامها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أساس قبلي وهو الصراع بين القبائل البربرية قبيلة لمتونة (المرابطين)، وقبيلة هرغة من مصمودة (الموحدين). واتخذ محمد بن تومرت حصن (تينملل) مقراً له ولدعوته، وحاولت القوات المرابطية في هذه المرحلة السيطرة على هذا الحصن ففشلت (٤٤). الثانية: مرحلة عبد المؤمن بن علي ٥٢٤ - ٥٤٣ هـ والتي توجت بسقوط دولة المرابطين، وقيام دولة الموحدين، وذلك من خلال معارك دامية يطول شرحها (٤٥). وفي الأندلس منيت الفوات المرابطية بهزائم متكررة أمام القوات الإسبانية، واستطاعت الممالك الإسبانية استرداد أهم المدن والقواعد الأندلسية تباعاً، كما وضحنا ذلك. إضافة إلى قيام بعض حركات التمرد ضدهم والتي عرفت باسم حركات المريدين وبخاصة في الجنوب الغربي من الأندلس، ومثل هذه الحركات، وبأهداف مختلفة قامت في شرقي الأندلس، وفي وسط وجنوب الأندلس. ويتبين لنا من خلال دراسة هذه الحركات التي قامت بين الأعوام ٥٣٩ - ٥٤١ هـ، وهي سنة عبور الموحدين إلى الأندلس، أن أكثر ثوار الأندلس ضد المرابطين هم من الفقهاء والقضاة وأعلام الأدب، وهذا يعود إلى المركز والنفوذ اللذين تمتعوا بهما في ظل دولة المرابطين، حتى تركزت فيهم عناصر الزعامة المحلية، فلما بدأ سلطان المرابطين بالأفول كما ذكرنا، قام هؤلاء الفقهاء والعلماء بحركاتهم من أجل استرداد سلطانهم القومي، إلا أن معظم هذه الحركات تم القضاء عليها إما بواسطة القوات المرابطية الموجودة في ولاية الأندلس، أو بانضواء قادتها تحت لواء الدولة الموحدية (٤٦). أ - عبور الموحدين إلى الأندلس: كان أول جيش أرسله الموحدون إلى الأندلس في عام ٥٤١ هـ وذلك من أجل إزالة

стр. 252

ما بقي فيها للمرابطين من سلطان، ومن أجل القضاء على الزعامات المحلية التي ظهرت في الأندلس في خاتمة حكم المرابطين. ولعل في مقدمة الأسباب التي دفعت الموحدين إلى ذلك، الحفاظ على كيان الإسلام في بلد الأندلس، إضافة إلى الحفاظ على كيانهم في عدوة المغرب من هجوم مرابطي محتمل من الأندلس. ومما شجعهم على التطلع لبلد الأندلس أيضاً الدعوات الرسمية والشخصية التي تلقوها من العلماء والحكام المحليين الذين رحبوا بقدوم الموحدين، وفي مقدمتهم: علي بن عيسى بن ميمون قائد الأسطول في مدينة قادس، والثائر ابن حمدين القاضي زعيم ثورة قرطبة، والثائر أبو الغمر بن عزون زعيم ثورة مدينة شريش على المرابطين وغيرهم كثير (٤٧). على أثر ذلك قرر عبد المؤمن بن علي إرسال ثلاثة جيوش إلى الأندلس عبرت في عام ٥٤١ هـ/١١٤٦ م وسيطرت على مدن الجنوب مثال طريف والجزيرة الخضراء، كما أعلن أهل شريش ولاءهم للموحدين، وقد سماهم الموحدون تقديراً لذلك (السابقون الأولون) (٤٨). ثم زحفت القوات الموحدية إلى غربي الأندلس، فسيطرت على مدن لبلة وبطليوس وشلب وباجة ويابرة بكل سهولة حيث أعلن حكامها الولاء للوافد الجديد. إلا أن المدينة المهمة التي امتنعت على الموحدين في غربي الأندلس، والتي شددوا عليها الحصار براً وبحراً هي مدينة إشبيلية، إلا أن القوات الموحدية اقتحمتها في شهر شعبان من عام ٥٤١ هـ/١١٤٧ م بعد أن أبيدت بعض القوات المرابطية فيها (٤٩). إلا أن معظم مدن غربي الأندلس -ما عدا شريش- تمردت على الحكم الموحدي، وكان هذا التمرد بزعامة مدينة اشبيلية التي انهزمت منها القوات الموحدية. ولما وصلت هذه الأنباء إلى عبد المؤمن بن علي في عدوة المغرب، أرسل جيشاً جديداً إلى الأندلس أعاد السيطرة على معظم مدن غربي الأندلس (٥٠). واستطاعت الجيوش الموحدية السيطرة على مدينة قرطبة، بعد تفاهم وتعاون مع حاكم قرطبة (يحيى بن غانية المرابطي) الذي فضل التعاون مع الموحدين من أجل التخلص من خطر الإسبان

стр. 253

وبالذات ملك قشتالة، فدخلت القوات الموحدية قرطبة في عام ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م (٥١). ومن قرطبة أخذت القوات الموحدية ترسل سراياها إلى المدن والحصون المجاورة في وسط الأندلس، فسيطرت على مدينة أبدة وبياسة، وسيطرت بعض السرايا الأخرى على حصن شلير وأركش وبرشانة (٥٢). وقام صاحب مالقة (أبو الحكم بن حسون)، الذي كان يخشى هجمات بقايا القوات المرابطية القريبة منه، ويخشى كذلك الخطر الموحدي الزاحف، فتعاون مع الجند الإسبان لرد هذه المخاطر، لكن سكان المدينة ثاروا عليه فقتلوه في عام ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م، وبعدها دخلت القوات الموحدية مدينة مالقة (٥٣). وبقيت مدينة غرناطة آخر معاقل المرابطين في الأندلس، فحاول يحيى بن غانية المرابطي إقناع حاكم غرناطة المرابطي (ميمون بن بدر اللمتوني) بالاستسلام للموحدين، فامتنع ميمون بشدة. وفي هذه الفترة مات يحيى بن غانية في عام ٣٤٣ هـ/١١٤٨ م، واستمر ميمون حاكم غرناطة في عناده إلى عام ٥٥١ هـ ١١٥٦ م فنزل عن مدينة غرناطة للموحدين بعد أن حصل على الأمان من زعيم الموحدين الخليفة عبد المؤمن بن علي (٥٤). انتهز الإسبان ثورة أهل الأندلس على المرابطين، فاستولوا على مدينة المرية في عام ٥٤٢ هـ/١١٤٧ م، وأصرت القوات الموحدية بعد سيطرتها على مدن وسط الأندلس على استرجاع هذه المدينة البحرية المهمة، فجهزت قواتها البرية وأساطيلها البحرية وحاصرت المدينة بقيادة أبي سعيد والي غرناطة الموحدي، وهو ابن الخليفة عبد المؤمن، وبعد حصار دام سبعة أشهر فتح الموحدون المدينة ودخلوها في أواخر عام ٥٥٢ هـ/١١٥٧ م بعد أن فشلت جهود الممالك الإسبانية وأعوانها من القوات الأوروبية في استرجاع المدينة (٥٥).

стр. 254

ب - علاقات الموحدين السياسية بالإمارات الأندلسية المستقلة: ١ - علاقة الموحدين مع ابن مردنيش أمير شرقي الأندلس: استطاع أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد بن مردنيش الجذامي بالولاء (وهو من المولدين) (٥٦)، بالتعاون مع إبراهيم بن أحمد بن مفرج بن همشك (المقطوع الأذن)، الاستقلال في منطقة شرقي الأندلس، وعزز هذا الأمر بالتعاون مع الممالك الإسبانية وبعض الدول الأوروبية، ففي عام ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م عقد معاهدة صلح مع جمهورية بيزا مدتها عشر سنوات، وكذلك مع جمهورية جنوه، وجرت الهدايا المتبادلة بينه وبين ملك انكلترا، وبسبب هذا التعاون لقبه البابا بـ (صاحب الذكر الحميد)، وعرف أيضاً باسم الملك (٥٧). أوجدت معاهدة تطيلة التي عقدت بين ملك قشتالة وملك أرغون عام ٥٤٥ هـ/ ١١٥١ م والتي اتفق الملكان فيها على تقسيم بلاد الأندلس، فكان نصيب ملك أرغون شرقي الأندلس والاستيلاء عليها يشترط أن يتولى حكم مدينتي مرسية وبلنسية بصفته تابعاً لملك قشتالة، حالة من الذعر عند ابن مردنيش الذي أسرع إلى عقد محالفات مع هذين الملكين تعهد بأن يدفع خمسين ألف مثقال ذهباً سنوياً إلى كل منهما (٥٨). ونتيجة لارتماء ابن مردنيش في أحضان الإسبان، ثار عليه أهل شرقي الأندلس وبخاصة أهل لورقة وبلنسية، واستطاع ابن مردنيش القضاء عليها، مما أغضب هذا الأمر الدولة الموحدية التي كانت لها علاقة بالثوار، ولهذا أرسل الخليفة عبد المؤمن رسالة إلى ابن مردنيش حول هذا الأمر (٥٩). وبعد ذلك أخذ ابن مردنيش يغزو بلاد الأندلس التابعة للموحدين بغية الاستيلاء عليها، ففي عام ٥٥٤ هـ/١١٦٠ م سار بقواته من مرسية بالتعاون مع قوات إسبانية، فسيطر على مدينة جيان ثم واصل سيره إلى مدينة قرطبة فشدد عليها الحصار ولم تقع بيده لصمود أهلها وواليها (٦٠).

стр. 255

ثم واصل سيره إلى مدينة إشبيلية فحاصرها ثلاثة أيام، ففشل في السيطرة عليها لقوة المقاومة أيضاً (٦١)، وفي عام ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م بعث ابن مردنيش جيشاً بقيادة إبراهيم بن همشك للاستيلاء على قرطبة، فحاصرها ولاقت الأمرَّين من هذا الحصار، وقتل واليها بسبب كمين دبر له، إلا أن أهلها أحسنوا الدفاع عنها، وبعدها سار ابن همشك إلى مدينة قرمونة فاستولى عليها بالتعاون مع أحد زعمائها المدعو عبد الله بن شراحيل (٦٢). وحاول ابن همشك السيطرة على إشبيلية فشدد عليها الحصار، وأنزل بها أفدح الخسائر، مما دعى واليها السيد أبا يعقوب يوسف أن يستنجد بوالده الخليفة عبد المؤمن. وكانت الخطوة الأولى التي قام بها عبد المؤمن بهذا الصدد هو المباشرة فوراً ببناء قاعدة حربية في جبل طارق عرفت باسم مدينة الفتح، انجز بناءها في شهر ذي القعدة من عام ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وبعد الإنجاز عبر الخليفة عبد المؤمن إلى الأندلس واجتمع هناك بزعماء الموحدين والأندلسيين، وقبيل رجوعه أمر قواده بمواصلة غزو ابن مردنيش وقتاله (٦٣). فكانت أول مدينة استرجعها الموحدون من ابن مردنيش وحليفه ابن همشك هي مدين قرمونة وذلك في مطلع عام ٥٥٧ هـ/١١٦١ م (٦٤). عزز الموحدون قواتهم في مدن إشبيلية وقرطبة، فأصبح من العسير السيطرة عليهما من قبل قوات ابن مردنيش وحليفه، إلا أن الحليف ابن همشك سار صوب غرناطة وبالتعاون مع يهود المدينة ودخلها، فتحصن الموحدون في قصبتها واستمروا في مقاومة الغزاة، وفي الوقت نفسه بعثوا صريخهم إلى الخليفة عبد المؤمن، وكذلك استنجد ابن همشك بحليفه ابن مردنيش، فسارت قوات الطرفين إلى غرناطة فكان اللقاء في مرج الرقاد (بظاهر غرناطة) فحلت الهزيمة بالموحدين وذلك في عام ٥٥٧ هـ. ونكل ابن همشك بأهل غرناطة وأسرى الموحدين أبشع تنكيل (٦٥) ولما بلغت أخبار معركة مرج الرقاد الخليفة عبد المؤمن أرسل جيشاً كبيراً عبر إلى الأندلس وعهد بقيادته إلى ابنه أبي

стр. 256

يعقوب يوسف، اتجه صوب غرناطة من أجل استرجاعها. وفي الوقت نفسه سار ابن مردنيش -بعد أن وصلت إليه أنباء عبور هذا الجيش- صوب غرناطة لنجدة حليفه ابن همشك تعاونهُ قوات إسبانية، فعسكر قبالة غرناطة يفصله نهر حدرة عن حليفه. وبعد أن شحذت همم الموحدين هاجموا غرناطة في رجب من عام ٥٥٧ هـ/١١٦٢ م انهزم فيها ابن همشك وقتل الكثير من قواته، فدخلت القوات الموحدية المدينة منتصرة، ولم يستطع ابن مردنيش تقديم المساعدات لحليفه، وكان يرى بأم عينيه هزيمة الحليف الذي لاحقته القوات الموحدية فأوقعت بقواته الخسائر الكبيرة (٦٦). عزم الموحدون على غزو بلاد ابن مردنيش والقضاء عليه، فكانت الخطوة الأولى التي اتخذوها في هذا المجال: أولاً نقل العاصمة من إشبيلية إلى قرطبة، وثانياً تحصين مدينة غرناطة، وثالثاً عبر الخليفة عبد المؤمن إلى الأندلس في ربيع الأول من عام ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م. ولكن هذه الأمور تعثرت بوفاة الخليفة الموحدي فجأة في جمادى الآخرة من العام نفسه ٥٥٨ هـ، وظهر الخلاف بين أولاده حول أمر الخلافة ولم يحل هذا الخلاف حتى عام ٥٦٣ هـ، فاستفاد ابن مردنيش من هذه الأحوال، وسار بقواته صوب غرناطة، إلا أن القوات الموحدية تصدت له، فرجع ابن مردنيش منسحباً إلى بلاده (٦٧). وصلت إمدادات إضافية من المغرب إلى الأندلس، فسارت القوات الموحدية صوب بلاد ابن مردنيش في عام ٥٦٠ هـ/١١٦٥ م فاتحة الحصون والقلاع الواقعة في الطريق، فوصلت إلى مشارف مدينة لورقة. فلما وصلت هذه الأخبار إلى ابن مردنيش خشي سقوط لورقة بيد الموحدين، فسار بقواته تعاونهُ فرقة من الإسبان صوب لورقة، والتي ارتد عنها الموحدون الذين ساروا صوب مرسية، فأسرع إليها ابن مردنيش، فكان اللقاء بين الطرفين في ذي الحجة من عام ٥٦٠ هـ/تشرين الأول ١١٦٥ م، في معركة فحص الجلاب، فانهزم ابن مردنيش وانسحب إلى مرسية، فلحقه الموحدون وشددوا عليه الحصار، ثم انسحبوا دون أن تقدم لنا الروايات تعليلاً لذلك (٦٨).

стр. 257

وفي عام ٥٦٢ هـ/١١٦٧ م قام والي غرناطة الموحدي بالسيطرة على بعض حصون ابن مردنيش أمثال حصن لبسة قرب وادي أش، وحصن بسطه، كما ألحق هذا الوالي هزائم متكررة بقوات ابن مردنيش وحلفائه الإسبان (٦٩). بدأ الضعف والوهن يدب في إمارة ابن مردنيش، وذلك بسبب: تذمر الرعية منه والتي أثقلها بالضرائب لسد وإشباع رغبات الفرق الإسبانية التي اعتمد عليها، مما جلبت له عداوة كبار قواده، إضافة إلى سوء العلاقات بين ابن مردنيش وصهره يوسف بن هلال، وإبراهيم بن همشك، فقامت الحروب والمنازعات فيما بينهما، فكان من نتائجها انضمام إبراهيم بن همشك إلى الموحدين (٧٠). استمرت الحروب أكثر من سنة بين الحليفين السابقين، وإزاء اشتداد هجمات ابن مردنيش، استغاث ابن همشك بالموحدين حتى عبر بنفسه إلى عدوة المغرب يطلب العون منهم، فأعانوه لما رأوا صدق عزمه. وعبر إبراهيم بن همشك مع القوات الموحدية التي عبرت إلى الأندلس لقتال ابن مردنيش في عام ٥٦٦ هـ/١١٧١ م، والتي استقرت في قرطبة، ثم واصلت سيرها إلى بلاد ابن مردنيش، ويممت صوب مرسية، بعد أن استولت على الحصون والقلاع الواقعة في الطريق بما فيها مدينة لورقة التي استنجدت بالموحدين، وجزيرة شقر كذلك، كما خرجت طاعة المرية على ابن مردنيش وأعلنت الولاء والطاعة للموحدين (٧١). خلال هذا الوقت كانت القوات الموحدية محاصرة لمدينة مرسية وأذاقت ابن مردنيش الأمرَّين. ولما عبر الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف إلى الأندلس في عام ٥٦٦ هـ/١١٧١ م ونزل بإشبيلية، ذهب إليه أخوه السيد أبو حفص قائد الجيوش الموحدية المحاصرة لابن مردنيش وجلب معه الأعيان والولاة الذين أعلنوا الولاء للموحدين. انتهز ابن مردنيش هذا الأمر فهاجم جزيرة شقر محاولاً استرجاعها إلا أنه فشل أمام ضربات واليها، فرجع إلى مرسية يعاني من مرضه الذي مات فيه عام ٥٦٧ هـ (٧٢). وتولى

стр. 258

الأمر من بعده ابنه أبو القمر هلال الذي دخل في طاعة الموحدين بعد أن رأى بأن لا جدوى للعصيان (٧٣). ٢ - علاقة الموحدين مع بني غانية أمراء الجزائر الشرقية: ينتمي بنو غانية حكام الجزائر الشرقية (البليار) إلى قبيلة مسوفة الصنهاجية، واشتهر منهم يحيى ومحمد أولاد علي المسوفي، أحد رجالات أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وسموا بهذا الاسم نسبة إلى أمهم غانية، وهو تقليد مرابطي معروف (٧٤). وتولى يحيى ومحمد أعمالاً إدارية في الأندلس، واشتهر منهما محمد بن غانية الذي بعثه أمير المسلمين علي بن يوسف إلى الجزائر الشرقية لإصلاح ما فسد من أمورها على يد الوالي المرابطي وأنور بن أبي بكر اللمتوني، وذلك في عام ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م (٧٥). عاصر محمد بن علي المسوفي المعروف بابن غانية أفول نجم المرابطين في عدوة المغرب والأندلس، وقيام دولة الموحدين التي ورثت المرابطين في حكم بلاد العدوتين، فعزز ابن غانية حكمه في هذه الجزائر النائية واستمر ولاؤه للمرابطين ولدولة بني العباس، وأصبحت جزائره ملجأ للفارين من فلول لمتونة والمرابطين الذين لقوا الرعاية والأمان في ظل حكم هذه الأسرة، واستمر محمد بن غانية يحكم الجزائر الشرقية إلى عام ٥٥٠ هـ/١١٥٥ م (٧٦). خلف محمد بن غانية أربعة أولاد، وهم عبد الله وإسحاق والزبير وطلحة، فبعد منازعات بين هؤلاء الأخوة استطاع إسحاق أن يحكم هذه الجزر، واستمر على سياسة أبيه في استقبال فلول لمتونة الوافدين عليه (٧٧). واعتمد إسحاق بن غانية على أسطول قوي، حسبت له الممالك الإسبانية وجمهوريات جنوه وبيزا والبندقية ألف حساب ودفع ملوكها الأموال الطائلة لهذا الأمير وعقدوا معه المعاهدات لضمان تحرك أساطيلهم

стр. 259

التجارية بحرية في حوض البحر المتوسط، وذلك في عام ٥٧٢ هـ/١١٧٧ م (٧٨). كان بنو غانية في الجزائر الشرقية يشعرون بالأمان خلال قتال ابن مردنيش للموحدين، ولكن بعد وفاة ابن مردنيش وسيطرة الموحدين على شرقي الأندلس عام ٥٦٧ هـ/١١٧٢ م، شعر إسحاق بن غانية بالخطر فأخذ في مصانعة الموحدين والتودد إليهم بإرسال الهدايا الثمينة إلى حكامهم (٧٩). ثم بعث الموحدون كتبهم إلى إسحاق بن غانية في عام ٥٧٨ هـ/١١٨٣ م يدعونه فيها إلى الدخول في طاعتهم، فامتنع عن ذلك بعد مشاورات طويلة مع أتباعه. ولما استشهد في عام ٥٧٩ هـ/١١٨٤ م خلفه ابنه علي في الحكم، الذي استغل الظروف السيئة التي مرت بها دولة الموحدين والمتمثلة في فشل قواتهم أمام مدينة شنترين ومقتل خليفتهم أبي يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) في عام ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م، ومبايعة الأمير الجديد أبي يوسف يعقوب بن يوسف الملقب بالمنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ)، وانشقاق بني عبد المؤمن على أنفسهم وامتناع بعضهم عن البيعة للأمير الجديد، فشجعت هذه الظروف علي بن إسحاق بن غانية على التمرد على دولة الموحدين، بل وأكثر من ذلك شحن قواته البحرية وقرر مهاجمة مدينة بجاية قاعدة الحكم في المغرب الأوسط (٨٠). هناك جملة أسباب دفعت علي بن إسحاق إلى مهاجمة بجاية: منها معرفة أهل الجزائر الشرقية بأحوال هذه المدينة وأهلها بسبب التبادل بينهما (٨١)، ومنها الدعوات الكثيرة التي تلقاها أمير الجزائر الشرقية من أعيان هذه المدينة يدعونه فيها إلى القدوم (٨٢)، ومنها الخطط التي رسمها علي بن إسحاق والتي أملته بالتعاون مع خصوم الموحدين في المنطقة وهم: طوائف العرب من بني هلال، ورياح الذين قضى الموحدون على ثورتهم عام ٥٧٦ هـ/١١٨١ م، ثم الاعتماد على معونة بني حماد أصحاب بجاية الذين قضى الموحدون على ملكهم، بالإضافة إلى الاعتماد على بني مطروح في

стр. 260

طرابلس، وعلى قراقوش التقوي مملوك صلاح الدين الأيوبي (٨٣). سار الأمير علي بن إسحاق بالأسطول الذي يقوده رشيد الرومي، ونزل بجاية فسيطر عليها بسهولة لخلوها من وسائل الدفاع، وذلك في عام ٥٨٠ هـ - ٥٨١ هـ/١١٨٤ - ١١٨٥ م (٨٤). تصدى والي بجاية الموحدي (أبو الربيع سليمان) للقوات الغازية، فانهزم أمامها إلى تلمسان فتحصن بها تحسباً للظروف (٨٥). وسار علي بن إسحاق بقواته فاتحاً المدن المهمة أمثال: مليانة ومازونة وأشير والقلعة، وامتنعت عليه مدينة قسنطينة. وقطع علي بن غانية الخطبة للموحدين في البلاد التي استولى عليها، وأمر بالدعاء للخليفة العباسي الناصر لدين الله (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) (٨٦). ولما علم الخليفة الموحدي المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) جهز جيشاً برياً قوياً وعهد قيادته إلى ابن عمه السيد أبي زيد بن أبى حفص، وجهز الأسطول البحري الذي خرج من سبتة معاوناً الجيش البري وفق خطة حربية واحدة (٨٧). استطاعت الجيوش الموحدية المشتركة استرجاع المدن التي استولى عليها ابن غانية تباعاً، ودمرت الأسطول البحري وأسرت قائده رشيداً الرومي وذلك في عام ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م، فهرب علي بن إسحاق وأخوه يحيى وأعوانهما إلى جوف الصحراء فعجز الموحدون عن اللحاق بهم (٨٨). وصل بنو غانية إلى منطقة الواحات ببلاد الجريد وكسبوا ود قبائل العرب من بني رياح وبني جشم بالعطايا والهبات، وفي هذه الأثناء بلغ علي بن إسحاق بن غانية نزول شرف الدين قراقوش بقواته الغز بلدة الحامة في جهات طرابلس، فراسله من أجل التعاون بينهما لرفع راية بني العباس هناك، واتفقا على تقسيم البلاد التي يستوليان عليها سوية، فالبلاد الواقعة غربي بونة أي المغربين الأوسط والأقصى من حق علي بن

стр. 261

إسحاق بن غانية، وأما البلاد الواقعة شرقي بونة فمن حق قراقوش، وكان هذا الاتفاق في عام ٥٨١ هـ/١١٨٥ م (٨٩). وبعد هذا الاتفاق حاول علي بن إسحاق السيطرة على البلاد التي أصبحت من ضمن حقه، فهاجم مدينة أشير واستولى عليها، إلا أن القوات الموحدية استرجعت المدينة بعد مقتل قائد الجيش المهاجم (٩٠). ثم سار علي بن غانية إلى مدينة توزر فاستولى عليها بعد عناء وذلك في عام ٥٨٢ هـ/١١٨٦ م (٩١)، ثم قصد جزيرة باشر وهي بالقرب من تونس فاستولى عليها، ثم حاصر مدينة تونس، ولكن يبدو أن علي بن غانية قد فشل في الاستيلاء عليها، فقصد في عام ٥٨٢ هـ مدينة قفصة فحاصرها واستولى عليها بمعاونة أهلها (٩٢). وفي الوقت نفسه استولى قراقوش بمعاونة بعض العرب من بني ذياب على جبل نفوسة ثم سار يساعدهُ مسعود بن زمام شيخ بني رياح وسيطر على طرابلس وما جاورها (٩٣). وبعد ذلك انضم قراقوش بقواته إلى قوات علي بن إسحاق بن غانية فقصدوا بلاد أفريقية (دولة تونس) فملكوها جميعاً ما عدا مدينتي تونس والمهدية لقوة تحصيناتهما، وبعدها تلقب علي بن غانية بلقب أمير المسلمين وأقام الدعوة للخلافة العباسية في هذه البلاد (٩٤)، واتبع ذلك سفارة ابنه وكاتبه عبد البر إلى بغداد فلقيا الترحاب من الخليفة الناصر الذي طلب بدوره من صلاح الدين الأيوبي أن يناصر بني غانية في أعمالهم (٩٥). رأى الخليفة المنصور الموحدي أن أمر بني غانية وحليفهم قراقوش بلغ درجة كبيرة من الخطورة، فسار بقواته في عام ٥٨٢ هـ/١١٨٦ م صوب تونس، وبعد أن استراح فيها بدأ بإرسال قواته لمقاتلة بني غانية المرابطين قرب مدينة قفصة، فأوقع بنو غانية هزيمة منكرة بالقوات الموحدية التي رجعت فلولها مدحورة إلى تونس، وذلك في عام ٥٨٣ هـ/

стр. 262

١١٨٧ م (٩٦)، وعرفت هذه المعركة بمعركة سهل عمرة (٩٧). كان لهزيمة سهل عمرة وقع مؤثر في نفس الخليفة المنصور الموحدي الذي سار بنفسه من تونس في رجب من عام ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م واتجه جنوباً صوب القيروان، ومن هناك بعث كتاباً إلى ابن غانية وحلفائه ينذرهم بوجوب الدخول في الطاعة، فلم يكتف علي بن غانية بعدم رد الجواب بل اعتقل أيضاً سفير الخليفة الموحدي (٩٨). بعدها سار المنصور بقواته صوب الحمة فنشبت المعركة بين الطرفين في شعبان من عام ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م وانتهت هذه المعركة بهزيمة ابن غانية وحليفه قراقوش، حيث استطاع خليفة الموحدين دخول قابس فسيطر على اتباع قراقوش وماله من ذخائر ومتاع، فأرسلها جميعاً إلى مراكش (٩٩). ثم سار الخليفة المنصور صوب مدينة توزر ففتحها ثم دخل مدينة قفصة وأرجعهما إلى الطاعة، ثم رجع إلى مدينة تونس (١٠٠). نتيجة انتصار خليفة الموحدين هذا، خذل قراقوش وابن زيان زعيم الغز حليفهم ابن غانية، فراسلوا خليفة الموحدين طالبين العفو منه والدخول في طاعته. وبعدها سار المنصور لضرب قبائل العرب التي تعاونت مع ابن غانية فألحق بهم الهزائم وهجّر زعماء الخلاف وأتباعهم إلى بلاد المغرب الأقصى، وبعد أن رتب أمور تونس غادرها إلى مراكش في عام ٥٨٤ هـ/١١٨٨ م (١٠١). وفي العام نفسه ٥٨٤ هـ/١١٨٨ م مات علي بن إسحاق بن غانية بعد أن فشل في الاستيلاء على بلاد الجريد (١٠٢). وتولى الأمر أخوه يحيى بن إسحاق بن غانية الذي بدأ ولايته بالحرب مع قراقوش، الذي أعلن العصيان على الموحدين أولاً، ومن ثم سيطر على بعض المناطق التي كانت تحت سيطرة علي بن إسحاق بن غانية ثانياً (١٠٣).

стр. 263

تصدى يحيى بن غانية لقراقوش فهزمه في موضع محسن بالقرب من طرابلس، ثم سار ابن غانية صوب طرابلس ودخلها عنوة، بعد أن وصلته إمدادات عسكرية من أخيه عبد الله حاكم ميورقة، وأسر حاكم طرابلس ياقوت مولى قراقوش الذي بقي أسيراً في ميورقة إلى أن دخلها الموحدون (١٠٤)، ثم سار ابن غانية صوب قابس وشدد الحصار عليها فدخلها عنوة في عام ٥٩١ هـ/١١٩٥ م (١٠٥). خلال عصر الخليفة الموحدي أبي عبد الله محمد الناصر (٥٩٥ - ٦١٠ هـ) تجددت الحروب بين الموحدين وابن غانية في إفريقية خلال ٥٩٥ - ٥٩٧ هـ بعد أن سيطر ابن غانية على أكثر بلاد افريقية، حيث سار السيد أبو الحسن بن السيد أبي حفص بقواته لملاقاة ابن غانية فأصيب بالهزائم المنكرة، وأجبرت فلوله على الفرار، وكان ذلك بالقرب من مدينة قسنطينة (١٠٦). وفي الوقت نفسه تنافس يحيى بن إسحاق بن غانية وأحد قادة الموحدين المدعو ابن عبد الكريم على مدينة المهدية، فاستطاع ابن غانية السيطرة عليها بعد مفاوضات ومناورات طويلة ذهب ابن عبد الكريم وولده ضحية هذا الأمر (١٠٧). واستكمل ابن غانية سيطرته على إفريقية، فسيطر على مدينة باجة ثم دخلت مدينة بسكرة وبونة في طاعته (١٠٨). ثم سار ابن غانية بعد ذلك صوب مدينة تونس في عام ٥٩٩ هـ/١٢٠٣ م ودخلها بعد حصار طويل، وقبض على السيد أبي زيد وأعوانه (١٠٩)، ثم سار صوب جبل نفوسة فأرجعه إلى الطاعة بعد إعلان أهله العصيان (١١٠)، وبذلك أصبح ابن غانية سيد إفريقية بلا منازع وخطب فيها لبني العباس في بغداد (١١١). وخلال حروب بني غانية في بلاد إفريقية حصلت أمور في الجزائر الشرقية غيرت موازين القوى فيها، ففي عام ٥٨١ هـ/١١٨٦ م استطاع قائد الخليفة الموحدي المنصور علي بن الربرتير الذي كان معتقلاً في جزيرة ميورقة (الخليفة الموحدي أرسل سفيره علي

стр. 264

هذا إلى الجزائر الشرقية يدعو أهلها إلى الطاعة. فسجنه بنو غانية هناك) أن ينتهز غياب معظم أمراء بني غانية في أفريقية فيتصل ببعض الجنود المسيحيين المرتزقة الذين كانوا في خدمة بني غانية والراغبين في العودة إلى بلادهم، فوعدهم بتحقيق ذلك، فقام معهم بانقلاب ضد حكم بني غانية، وانضم إليهم حاكم الجزيرة السابق محمد بن إسحاق بن غانية الذي كان أخوته قد خلعوه واعتقلوه بالجزيرة، فأقامه الثوار حاكماً على الجزيرة باسم الموحدين ثم عاد علي بن الربرتير إلى مراكش بعد أن سرح الجند المسيحيين وأعادهم إلى بلادهم حسب الوعد (١١٢). على أن نفوذ الموحدين على جزيرة ميورقة لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما علم بنو غانية في أفريقيا بأخبار هذا الإنقلاب فسارع الأمير عبد الله بن غانية بالرجوع إلى الجزيرة عن طريق صقلية، واستطاع عبد الله دخول الجزيرة ففر أخوه محمد إلى الأندلس حيث ولاه الموحدون حكم مدينة دانية (١١٣). وفي الوقت نفسه حاول الخليفة المنصور إنقاذ جزيرة ميورقة. فأرسل الأسطول إليها إلا أن زمام الأمور كان قد أفلت من يده، وبخاصة وأن أسطول ملك أراجون الإسباني بيدرو الثاني تدخل لصالح أهل ميورقة (١١٤). إلا أن جزيرتي يابسة ومنورقة وقعتا تحت سيطرة الموحدين في عام ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م وبقيت كبرى الجزر ميورقة خارجة عن طاعة الموحدين (١١٥)، وحاول عبد الله بن غانية استرجاع هاتين الجزيرتين فلم يفلح (١١٦). ولما استفحل أمر بني غانية في إفريقية، أدركت الدولة الموحدية أن القضاء عليهم في إفريقية، يجب أن يسبقه القضاء على مركز قوتهم في جزيرة ميورقة، لأن هذه الجزيرة كانت بمثابة المورد الذي يغذي بني غانية في إفريقية بالرجال والعتاد، لذلك رأى الخليفة الموحدي الناصر لدين الله (٥٩٥ - ٦١٠ هـ) أن استقرار نفوذ الموحدين في إفريقية لن يستتب إلا إذا استولى على جزيرة ميورقة قاعدة بني غانية، ولهذا صمم على السيطرة عليها (١١٧).

стр. 265

ففي عام ٥٩٩ هـ/١٢٠٣ م خرجت الأساطيل الموحدية من ثغر دانية فنزلت جزيرة يابسة ومنها هاجمت جزيرة ميورقة، فدخلتها بعد عناء كبير، وقتل عبد الله بن غانية على يد رجل من الأكراد يعرف باسم عمر المقدم (١١٨)، وبذلك دخلت الجزائر الشرقية في طاعة الموحدين (١١٩). ثم بعد ذلك تفرغ الخليفة الموحدي لقتال بني غانية في بلاد إفريقية فسيّر إليهم الجيوش في عام ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م والتي قادها بنفسه ويعاونها الأسطول البحري، وخلال الأعوام من ٦٠١ هـ إلى عام ٦٣١ هـ (وهي السنة التي مات فيها يحيى بن إسحاق بن غانية) بدأت رياح المعارك تهب في غير صالح بني غانية في بلاد إفريقية، فاستطاعت الجيوش الموحدية استرجاع مدن إفريقية تباعاً من أيدي بني غانية بعد أن ألحقت بهم الهزائم المتكررة (١٢٠). ٣ - علاقة الموحدين مع محمد بن هود بالأندلس: كان محمد بن هود أول من ثار على الموحدين في الأندلس، فهو سليل أسرة بني هود أصحاب مملكة سرقسطة. سيطر المرابطون عليها عام ٥٠٣ هـ/١١١٠ م وانتزعوها من عماد الدولة بن أبي جعفر بن هود، ثم انتهز ابنه سيف الدولة فرصة ثورة الأندلسيين على المرابطين سنة ٥٣٩ هـ/١١٤٥ م فقام بثورة على المرابطين، كما ساعد الثوار الآخرين حتى أصبح أميراً على شرقي الأندلس، ثم استشهد عام ٥٤٠ هـ/١١٤٦ في موقعة البسيط ضد الإسبان. لم تشترك أسرة بني هود بعد هذا التاريخ في الأعمال السياسية أو العسكرية خلال فترة طويلة من عصر الموحدين. فلم يشتهر منهم أحد إلا هذا (محمد بن هود) الذي قام بالثورة على الموحدين سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٨، فقد اشتهر منذ عام ٦١٤ هـ/١٢١٧ م بعد استرجاعه حصن شنفيرة من الإسبان في شرقي الأندلس (١٢١). عزز محمد بن هود حركته ببعض الخرافات التي سمعها من البعض لتبرير الثورة ضد الموحدين (١٢٢)، وانضم إليه طوائف من الجند وبعض عصابات اللصوص؛ وبدأ

стр. 266

حركته في رجب عام ٦٢٥ هـ/١٢٢٨ م متخذاً من حصن الصخور -الصخيرات- مقراً له، ويقع هذا الحصن على نهر شقورة بالقرب من مرسية، ومنى نفسه واتباعه بأنه سيمتلك كل الأندلس، وأنه سيعيد الدعوة للخلافة العباسية (١٢٣). بدأ محمد بن هود أول أعماله بالسيطرة على مدينة مرسية وقبض على واليها الموحدي، فخطب محمد بن هود (سمى نفسه المتوكل على الله) لنفسه وللخليفة العباسي في بغداد المستنصر بالله (٦٢٣ - ٦٤٠) (١٢٤)، رافعاً الأعلام السود شعار العباسيين (١٢٥). أدرك الموحدون خطورة هذا الأمر فسار إليه والي بلنسية ولكن حلت به الهزيمة فعاد إلى شاطبة، ومنها بعث صريخه إلى خليفة الموحدين المأمون (٦٢١ - ٦٢٩ هـ) الموجود في إشبيلية يطلب منه العون. سار المأمون بقواته صوب مرسية، وألحق الهزيمة بابن هود، ثم رجع المأمون إلى إشبيلية في أوائل عام ٦٢٦ هـ/١٢٢٩ م، وعجل العبور إلى مراكش لاضطراب أمرها، وترك أمر ابن هود يزداد قوة (١٢٦). أعلنت مدن شرقي الأندلس ولاءها لابن هود، كما أعلنت مدينة إشبيلية طاعتها له، وبعدها سار محمد بن هود وراء الخليفة المأمون، فوجده في جزيرة طريف يهم بالعبور إلى المغرب، فقامت بينهما معركة في رمضان من عام ٦٢٦ هـ/١٢٢٩ م عرفت بموقعة طريف، انهزم فيها المأمون ونجا بعبوره إلى المغرب فاستولى ابن هود على جبل الفتح والجزيرة الخضراء (١٢٧). نتيجة هذا الأمر دخلت معظم قواعد الأندلس في طاعة ابن هود، وألحق أهل الأندلس الأذى والضرر بجند الموحدين، ولم يبق فيها خارج طاعته غير مدينتي بلنسية ولبلة (١٢٨). وفي الوقت نفسه أعلنت بعض المدن في عدوة المغرب ولاءها لمحمد بن هود أمثال مدينة سبتة ومدينة رباط الفتح، كما أن رسائل طوائف من عرب الخلط في

стр. 267

المغرب ومراكش تعلن ولاءها له، وذلك من عام ٦٢٩ هـ/١٢٣٢ م في بداية عهد الخليفة الرشيد الموحدي (٦٢٩ - ٦٤٠ هـ) (١٢٩). وعزز محمد بن هود هذا الأمر بالتقليد العباسي لشرعية حكمه، فوصله في عام ٦٢٩ هـ أو في عام ٦٣١ هـ/١٢٣٤ م كتاب الخليفة العباسي المستنصر يحمله إلى الأندلس حسن الكردي الملقب بالكمال فقرأت رسالة الخليفة على الناس في غرناطة حيث كان محمد بن هود موجوداً (١٣٠). عزز هذا الكتاب أمر ابن هود في الأندلس حتى أن المتمردين عليه رجعوا إلى طاعته بعد وصول هذه الرسالة العباسية، فقد رجع إلى طاعته محمد بن يوسف بن نصر الذي ثار على ابن هود عام ٦٢٩ هـ/١٢٣٢ م واستقل في مدينة جيان ودعا للأمير أبي زكريا الحفصي أمير إفريقية (١٣١). في بداية أمر المتوكل محمد بن هود قام بصد هجمات الممالك الإسبانية على قواعد الأندلس، إلا أنه عندما انهزم عام ٦٢٧ هـ/١٢٣٠ م أمام قوات الفونسو التاسع ملك ليون، تكالبت عليه بقية الممالك الإسبانية، فرأى المتوكل بن هود بأن لا قِبل له في مجاهدة الإسبان فقرر عقد معاهدات الصلح مع ملوك ليون وقشتالة (١٣٢). ففي سنة ٦٣٢ هـ/١٢٣٥ م عقد الصلح مع ملك قشتالة مقابل أموال طائلة يدفعها ابن هود، إلا أن هذا الصلح لم يلزم ملك قشتالة فاستولى في العام التالي ٦٣٣ هـ/١٢٣٦ م على مدينة قرطبة ولم يستطع ابن هود إنقاذها (١٣٣). توفي محمد بن هود عام ٦٣٥ هـ/١٢٣٧ م، فخلفه في الحكم ابنه الواثق بالله محمد بن هود الذي خلع طاعة العباسيين وخطب للحفصيين بأفريقية (١٣٤).

стр. 268

٤ - علاقة الموحدين بأبي جميل زيان: من سلالة يوسف بن سعد بن مردنيش أمير شرقي الأندلس في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين. وقد استخدم الموحدون ابناء آل مردنيش في حكم الولايات وقيادة الأساطيل بعد سيطرتهم على الأندلس (١٣٥). كان يحكم بلنسية في أواسط عام ٦٢٠ هـ/١٢٢٤ م أمير موحدي هو أبو زيد عبد الرحمن من سلالة عبد المؤمن، وكان فرناندو الثالث ملك قشتالة إذ ذاك يعتبر بلنسية جزءاً من كورة طليطلة ومن ثم فهي من حصة مملكة قشتالة. ولهذا فقد تصدى للهجوم عليها، فأحس أبو زيد بضعفه أمام ملك قشتالة، فدخل في طاعته، وفي الوقت نفسه كانت لخايمة الأول ملك أرغون الأطماع نفسها، فخاف منه أبو زيد واتفق معه على أن يقدم له خمس خراج بلنسية ومرسية كجزية سنوية. فكان هذا الأمر من أهم أسباب قيام محمد بن يوسف بن هود في مرسية، وثار على أبي زيد في بلنسية أبو جميل زيان وطرده منها (١٣٦). سار أبو جميل زيان بقواته فاستولى على مدينة دانية، وكذلك سيطر على جنجالة في عام ٦٢٦ هـ/١٢٢٩ م، واعترف بطاعته أبناء عمومته في جزيرة شقر وشاطبة، لكنهما ما لبثا أن خلعا طاعة ابن عمهما، وبايعا محمد بن هود (١٣٧). ومعنى ذلك فقد استفحل الخلاف بين محمد بن هود وبين أبي جميل زيان (١٣٨). لجأ السيد أبو زيد الموحدي إلى ملك أرغون الإسباني يستمد منه العون لاسترداد مدينتي بلنسية ومرسية، فوافق الملك الإسباني على ذلك لقاء غلات كثيرة يقدمها أبو زيد له. سار أبو زيد بالقوات الإسبانية صوب بلنسية ومرسية إلا أن الظروف لم تكن مواتية له، فرجع إلى أرغون وشرح الأمر لحليفه الملك الإسباني وطلب أن يكون تابعاً له، فأعطاه الملك الإسباني بعض الحصون، وأشارت بعض الروايات أن السيد أبا زيد اعتنق المسيحية هناك (١٣٩). وخلال السنوات من عام ٦٣٠ هـ - ٦٣١ هـ/١٢٣٣ م إلى عام ٦٣٦ هـ/١٢٣٨ م شدد

стр. 269

ملك أرغون خايمة الأول الحصار على مدينة بلنسية، فسيطر أولاً على أهم حصونها، ثم سار صوب بلنسية تساعده قوات أوروبية، وقد صمد أبو جميل زيان طيلة الوقت لصد هذا الهجوم الإسباني غير أنه لم يفلح في النهاية، كما لم تفلح القوات الحفصية القادمة من تونس بحراً أن تقدم له المساعدات، فسقطت بلنسية بيد ملك أرغون عام ٦٣٦ هـ وترك أبو جميل زيان المدينة ورحل إلى جزيرة شقر واتخذها مركزاً لحكمه، وبعدها قطع الخطبة للعباسيين وخطب للحفصيين في إفريقية (١٤٠). إلا أن أبا جميل زيان لم يمكث طويلاً في شقر حيث أخرجه منها أحد قواد ملك أرغون الإسباني، فسار أبو جميل زيان إلى مدينة دانية فاتخذها مقراً لحكمه، وفي عام ٦٣٦ هـ/١٢٣٩ م سار أبو جميل زيان إلى مرسية وسيطر عليها وحكمها باسم الحفصيين أمراء إفريقية، (١٤١). قلد الحفصيون الأمير زيان ولاية شرقي الأندلس، إلا أنه لم يتمتع طويلاً بهذه الولاية، لأن الواثق بالله محمد بن هود خلعه عنها في أواخر عام ٦٣٧ هـ/١٢٤٠ م وأعلن ولاءه للحفصيين (١٤٢). وفي الوقت نفسه لم يستطع ابن هود الصمود أمام هجمات ملك قشتالة الفونسو بن فرناندو الثالث، الذي يطمع بالسيطرة على مدينة مرسية، فأعلن ابن هود تبعيته لهذا الملك الإسباني واعترف بأنه يحكم مرسية بصفته تابعاً لملك قشتالة (١٤٣). ٥ - علاقة الموحدين بابن نصر: هو محمد بن يوسف بن الأحمر الأنصاري يرجع نسبه إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، اشتهرت أسرته بقيادة الجند في ناحية أرجونة من أعمال ولاية جيان (١٤٤). ونظراً لكثرة هجمات الممالك الإسبانية على قواعد المسلمين أولاً، ولعجز محمد بن هود في صد هذا العدوان، تطلع السكان إلى قيادة محمد بن يوسف بن الأحمر في حصن أرجونة واعتبروه المنقذ والقائد المنتظر الذي سيخلص البلاد من خطر

стр. 270

الإسبان (١٤٥). فأعلن ابن نصر ثورته في عام ٦٢٩ هـ/١٢٣٢ م في حصن أرجونة، فدخلت في طاعته وادي أش وبسطة وشريش وجيان وقرطبة وقرمونة. وتسمى ابن نصر على ذلك بأمير المسلمين وخطب للخلافة العباسية منافساً في ذلك لابن هود (١٤٦). أدرك ابن هود مدى خطورة قيام ابن نصر ودخول بعض البلاد في طاعته، فقد اعتبره ابن هود خارجاً عنه من ناحية، ومزاحماً له في حكم الأندلس من ناحية أخرى. فقامت بينهما الحروب وحلت الهزيمة بابن هود ثلاث مرات آخرها في عام ٦٣٣ هـ أو عام ٦٣٤ هـ (١٤٧). بدأت دولة ابن نصر بالاتساع على أثر وفاة ابن هود في عام ٦٣٥ هـ/١٢٣٨ م، فأول المدن المهمة التي دخلت في طاعته مدينة غرناطة في هذا العام نفسه (١٤٨). وفي العام نفسه سيطر ابن نصر على مدينة المرية، وفي عام ٦٣٦ هـ/١٢٣٩ م أعلنت مدينة مالقة الولاء والطاعة لابن نصر (١٤٩). في عام ٦٣٧ هـ/١٢٤٠ م قطع ابن نصر الخطبة للعباسيين، وخطب للموحدين في مراكش، على عهد الخليفة الموحدي الرشيد (٦٢٩ - ٦٤٠ هـ)، ولما توفي الرشيد عام ٦٤٠ هـ/١٢٤٣ م قطع ابن نصر الخطبة للموحدين، وخطب للحفصيين في إفريقية (١٥٠). واستمر ابن نصر يدعو للحفصيين حتى عام ٦٤٧ هـ/١٢٤٩ م، فقطعها عنهم وهي سنة وفاة الأمير الحفصي أبي زكريا، وتسمى ابن نصر بعدها بأمير المسلمين (١٥١). لم يستطع ابن نصر الوقوف في وجه الإسبان أو رد غزواتهم المتواصلة على

стр. 271

الأندلس، فعقد الصلح مع ملك قشتالة فرناندو الثالث في عام ٦٤٣ هـ/١٢٤٦ م، وجاء فيه: أن يتنازل ابن نصر لملك قشتالة عن مدينة جيان وأحوازها، وأن يعترف ابن نصر بالولاء والطاعة لملك قشتالة وأن يدفع له مائة وخمسين ألف دينار، وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي بصفته من الأمراء التابعين للملك الإسباني (١٥٢).

стр. 272

جهاد الموحدين للممالك الإسبانية أشهر الممالك الإسبانية المعاصرة لدولة الموحدين في الأندلس هي: ١ - مملكة قشتالة، وأشهر ملوكها حتي قيام مملكة غرناطة. أ- السليطين (ألفونسو السابع) ابن الكونت ريموند البرجوني حكم قشتالة وليون تحت إشراف أمه أوراكة ابنة ألفونسو السادس ٥٢٠ - ٥٥٢ هـ/١١٢٦ - ١١٥٧ م. وبعد عصره انقسمت مملكة قشتالة وليون فكان لكل منها حكم مستقل: أ - قشتالة، وأشهر ملوكها بعد السليطين: ١ - شانجة الثالث ٥٥٢ - ٥٥٣ هـ/١١٥٧ - ١١٥٨ م. ٢ - ألفونسو الثامن (النبيل) ٥٥٣ - ٦١١ هـ/١١٥٨ - ١٢١٤ م. ٣ - فراندة الثالث ٦١١ - ٦٥٠ هـ/١٢١٤ - ١٢٥٢ م حكم قشتالة وأضيفت إليه ليون كذلك. ٤ - ألفونسو العاشر (العالم) ٦٥٠ - ٦٨١ هـ/١٢٥٢ - ١٢٨٢ م. ب - ليون، وأشهر ملوكها بعد السليطين: ١ - فراندة الثاني (الملقب الببوج) ٥٥٢ - ٥٨٤ هـ/١١٥٧ - ١١٨٨ م. ٢ - ألفونسو التاسع بن الببوج ٥٨٤ - ٦٢٨ هـ/١١٨٨ - ١٢٣٠ م. ثم دخلت مملكة ليون تحت سيطرة مملكة قشتالة كما هو موضح أعلاه. ٢ - مملكة البرتغال: ١ - ألفونسو بن الرنك ٥٥٣ - ٥٨١ هـ/١١٥٨ - ١١٨٥ م.

стр. 273

٢ - شانجة الأول ٥٨١ - ٦٠٨ هـ/١١٨٥ - ١٢١١ م. ٣ - ألفونسو الثاني ٦٠٨ - ٦٢٠ هـ/١٢١١ - ١٢٢٣ م. وجاء بعده شانجة الثاني وألفونسو الثالث. ٣ - مملكة أرغون وبرشلونة: بعد أن اعتزل ردمير الراهب الحكم عام ٥٣١ هـ/١١٣٧ م انتقل حكم أرغون إلى رامون برنجي الرابع ملك برشلونة الإسباني ٥٢٥ - ٥٥٧ هـ/١١٦٢ م كما بينا أعلاه ويأتي بعده: ١ - ألفونسو الثاني ٥٥٧ - ٥٩٣ هـ/١١٦٢ - ١١٩٦ م. ٢ - بطرة الثاني (الكاثوليكي) ٥٩٣ - ٦١٠ هـ/١١٩٦ - ١٢١٣ م. ٣ - جايمش الأول (الغازي) ٦١٠ - ٦٧٥ هـ/١٢١٣ - ١٢٧٦ م. جهاد الموحدين للممالك الإسبانية ورث الموحدون دولة المرابطين في مجاهدة الممالك الإسبانية هذه، وكان أول عمل قام به عبد المؤمن بن علي (المتوفى عام ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م) لهذا الغرض هو بناء مدينة الفتح على سفح جبل طارق والتي كمل بناؤها في عام ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م لكي تكون معسكراً موحدياً في الأندلس تنطلق منه الجيوش لمجاهدة الإسبان (١٥٣). وبعد أن افتتح عبد المؤمن هذه المدينة رجع إلى المغرب بعد أن وفر حامية قوية من الموحدين والأندلسيين، وجعل غرناطة مركزاً دفاعياً قوياً، كما نقلت العاصمة من إشبيلية إلى قرطبة سنة ٥٥٧ هـ. ثم بدأ عبد المؤمن يجهز الجيوش لرد عدوان الممالك الإسبانية، وسار بها من مراكش إلى مدينة الرباط (رباط الفتح)، ولكن عبد المؤمن مرض ومات في عام ٥٥٨ هـ كما ذكرنا، وتولى الأمر من بعده أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) الذي أمر هذه الجيوش بالرجوع إلى بلادها حتى يتخذ قراراً جديداً. في عام ٥٦٠ هـ عبرت حملة عسكرية موحدية إلى الأندلس لتعزيز دفاعات بعض المناطق ضد هجمات الممالك الإسبانية، كما حدث صدام مسلح مع محمد بن سعد بن مردنيش في

стр. 274

مرسية، والذي كانت له صلات ودية مع عدد من ملوك إسبانيا، حيث بلغ عدد المرتزقة الإسبان في جيشه. في لقاء له مع الجيش الموحدي، ما يقرب من (١٣) ألف مقاتل، وكان النصر في هذا اللقاء للموحدين وعرفت هذه المعركة بفحص الجلاب على بعد ١٢ كم جنوبي مدينة مرسية، وتوفي ابن مردنيش بعد ذلك (١٥٤). خلال هذه الأحداث كان ملك البرتغال ألفونسو بن الرنك وبعض المغامرين يهددون الحصون الإسلامية في غربي الأندلس، ففي عام ٥٤٢ هـ/١١٤٧ م استطاع ملك البرتغال بالتعاون مع قوات صليبية من الإنجليز والألمان والهولنديين، متجهين نحو المشرق، أن يستولي على مدينة لشبونة، ثم استولى على مدينة شنترين. وفي عام ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م استولى على قصر أبي دانس (قصر الفتح) (١٥٥). وفي الوقت نفسه قام مغامر برتغالي يسمى (العلج جراندة الجليقي) فاستولى على بعض مدن غربي الأندلس (١٥٦). عبرت قوات موحدية إلى الأندلس للحد من خطر الممالك الإسبانية، واستطاع الموحدون في الأندلس من عقد معاهدة صلح مع فراندة الثاني (الببوج - الأحمق أو الكثير اللعاب) ملك ليون، إلا أنه خرق هذه المعاهدة وهاجم قواعد الأندلس عام ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م فردت القوات الموحدية والأندلسية على هذا الأمر بأن هاجمت مدينة لذريق الليوني وتسميها الرواية الإسلامية باسم (السبطاط) (١٥٧). عبر الخليفة الموحدي أبو يعقوب إلى الأندلس عام ٥٦٦ هـ وبقي فيها زهاء خمسة أعوام إلى عام ٥٧١ هـ يحارب الممالك الإسبانية، إلا أنه لم يجن ثماراً طيبة ولم يحرز النصر الكبير، وبعدها عاد إلى مراكش. فجدد الإسبان هجومهم على الأندلس فقام ملك قشتالة ألفونسو الثامن بمهاجمة الأراضي الأندلسية، فتصدت له القوات الموحدية قرب طلبيرة عام ٥٧٨ هـ (١٥٨). وبعدها عبر الخليفة الموحدي إلى الأندلس في عام ٥٨٠ هـ واتجه صوب مدينة شنترين ونازلها في عدة معارك، إلا أن الخليفة أبا يعقوب أمر

стр. 275

بالانسحاب فجأة قبل افتتاحها، ثم أصيب في المعركة وتوفي بعد قليل في ربيع الآخر من عام ٥٨٠ هـ/تموز ١١٨٤ م. تولى الخلافة ابنه ولقب بالمنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ). وبعد أن نظم أمور دولته عبر إلى الأندلس عام ٥٨٦ هـ/١١٩٠ م وذلك لرد اعتداءات ملك البرتغال الجديد شانجة الأول الذي سيطر على مدينة شلب الأندلسية بمعاونة القوات الصليبية وكان ذلك في عام ٥٨٥ هـ/١١٨٩ م (١٥٩). استطاع خليفة الموحدين بعد معارك جهادية عنيفة من استرجاع مدينة شلب وقصر الفتح (قصر أبي دانس) وذلك في عام ٥٨٧ هـ/١١٩١ م، ورجع بعدها إلى عدوة المغرب (١٦٠). في عهد ملك قشتالة ألفونسو الثامن (النبيل) عقد مع الموحدين معاهدة أمدها خمس سنين (٥٨٦ - ٥٩١ هـ) (١٦١). فلما انتهت مدة المعاهدة بدأ ملك قشتالة بمهاجمة الأراضي الإسلامية، فعبر إليه المنصور الموحدي بجيوش كبيرة فكان اللقاء قرب حصن الارك قرب مدينة قلعة رباح في عام ٥٩١ هـ/١١٩٥ م فأحرز الموحدون النصر الكبير وافتتحوا حصن الارك ولحقت هزيمة منكرة بالقشتاليين (١٦٢). وبعد هذه المعركة عقدت هدنة بين الطرفين ابتداءً من عام ٥٩٤ هـ/١١٩٨ م ولمدة عشر سنوات أو أكثر (١٦٣). في عام ٥٩٥ هـ توفي الخليفة المنصور، فخلفه ابنهُ الناصر لدين الله (٥٩٥ - ٦١٠ هـ) الذي كانت سنه دون العشرين. بدأ الفونسو الثامن في عام ٦٠٦ هـ/١٢٠٩ م -قبل انتهاء أجل الهدنة- مهاجمة الأراضي الأندلسية، وعاونه في ذلك بطرة الثاني ملك أرغون، فبعث أهل الأندلس بصريخهم إلى خليفة الموحدين الذي جهز جيوشه وعبر إلى الأندلس عام ٦٠٧ هـ/١٢١١ م، فالتقى الناصر بألفونسو الثامن عند حصن العقاب عام ٦٠٩ هـ/ ١٢١٢ م وكانت تساعده جيوش صليبية تولى البابا (انوصان الثالث) إعدادها، وانتهى اللقاء

стр. 276

بهزيمة جيش الناصر وتشتت قوة الموحدين (١٦٤)، ثم عاد الناصر إلى مراكش حيث توفي عام ٦١٠ هـ/١٢١٣ م، ربما كمداً من نتيجة الهزيمة في معركة العقاب التي عُدت نذيراً بانحلال الدولة الموحدية (١٦٥). خلف الناصر ابنه أبو يعقوب الملقب بالمستنصر بالله (٦١٠ - ٦٢٠ هـ)، الذي عقد معاهدة سلم مع ملك قشتالة الجديد (فراندة الثالث)، ولكن الأندلس خسرت في هذه المرة بعض المدن، منها قصر الفتح (قصر أبي دانس) التي سيطر عليها ملك البرتغال (ألفونسو الثالث) بمساعدة أساطيل ألمانية وذلك في عام ٦١٤ هـ (١٦٦). توفي المستنصر فجأة دون عقب عام ٦٢٠ هـ/١٢٢٤ م وخلفه أبو محمد عبد الواحد عم أبي المستنصر الذي خلع بعد عدة أشهر، وتمت مبايعة عبد الله الملقب بالعادل (٦٢١ - ٦٢٤ هـ) ثم تلته بيعة أخيه المأمون (٦٢٤ - ٦٢٩ هـ) ثم بيعة ابنه الرشيد (٦٢٩ - ٦٤٠ هـ) (١٦٧). هذا التبدل السريع في تنصيب الخلفاء تبعه اعتداء ملوك إسبانيا على الأراضي الأندلسية وسيطرتهم على كثير من المدن والحصون، حيث قام ملك قشتالة فردلند الثالث بقسط وافر في هذا المجال، كما أن هذا الأمر أدى إلى ظهور زعامات محلية في عدوة المغرب أهمها: ١ - في المغرب الأقصى ظهرت دولة بني مرين وكان المؤسس لهذه الدولة الأمير عبد الحق بن محيو (توفي عام ٦١٤ هـ). اتخذ ملوكها فاس ومراكش عواصم لهم. ٢ - في المغرب الأوسط، استقل بنو زيان، أعلن زعيمهم يغمراسن بن زيان الاستقلال في تلمسان عام ٦٣٣ هـ. ٣ - في المغرب الأدنى استقل بنو حفص بزعامة (عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص) حوالي عام ٦٢٣ هـ (١٦٨). كما أن أخطار هذا الضعف انعكس على الوجود الموحدي في بلد الأندلس، ففي

стр. 277

عام ٦٢٧ هـ/١٢٣٠ م سقطت جزيرة ميورقة بيد ملك أرغون (جايمش بن بطرة) الذي عاونته جيوش أوروبية من إيطاليا وفرنسا (١٦٩). أما جزيرة اليابسة فسقطت بعد أختها الكبرى بسنوات قليلة (١٧٠). ولكن جزيرة منورقة لم تسقط إلا بعد حوالي ستين سنة، أي في عام ٦٨٦ هـ/١٢٨٧ م بيد القوات الارغونية (١٧١). هذا الأمر المضطرب في الأندلس أدى إلى ظهور زعامات محلية أدت إلى قيام مملكة غرناطة بزعامة بني الأحمر، وفي المدة ما بين ضعف الدولة الموحدية وقيام مملكلة غرناطة (نحو عام ٦٣٥ هـ أو بعدها) سقطت عدة حواضر أندلسية بيد الممالك الإسبانية (١٧٢). أولى الحواضر المهمة الأندلسية التي سقطت هي مدينة قرطبة وذلك في عام ٦٣٣ هـ/١٢٣٦ م حيث دخلتها القوات القشتالية بزعامة ملكها فراندة بن الفنش (فرناندو الثالث) (١٧٣). وخلال الأعوام من ٦٣١ هـ/١٢٣٣ م إلى عام ٦٣٦ هـ/١٢٣٨ م تعرضت مدينة بلنسية إلى هجمات ملك أرغون جايمش الأول الملقب بالغازي وساعدته جيوش أوروبية باركها البابا (جريجوري التاسع)، واستطاع حاكم بلنسية أبو جميل زيان أن يقاوم هذا الهجوم الصليبي فترة من الزمن، إلا أن المدينة سقطت أمام شدة الحصار، ولم تنفع استغاثاته لأمراء عدوة المغرب (١٧٤). تلا ذلك سقوط عدد من المدن القريبة مثل: جزيرة شُقر في أواخر عام ٦٣٩ هـ (١٧٥)، ومدينة دانية في عام ٦٤١ هـ (١٧٦)، ومدينة جيان في عام ٦٤٣ هـ (١٧٧)، ومدينة

стр. 278

شاطبة في عام ٦٤٤ هـ (١٧٨)، ومدينة مرسية في عام ٦٦٤ هـ (١٧٩)، أما مدينة إشبيلية فسقطت بيد ملك قشتالة (فرناندو الثالث) عام ٦٤٦ هـ/١٢٤٨ م وذلك بعد أعمال حربية استمرت لعدة سنوات، وحصار طويل دام حوالي سنة ونصف (١٨٠). هكذا سقطت بيد ملوك الإسبان ومن ساعدهم من الصليبيين عدد من قواعد الأندلس في هذه المدة التي عاصرت نهاية الدولة الموحدية، إلا أن المسلمين في الأندلس استطاعوا الحفاظ على بعض المناطق في جنوبي البلاد، حيث قامت مملكة غرناطة، وبالإمكان تسميتها بالأندلس الصغرى، بعد انهيار الأندلس الكبرى (١٨١).

стр. 279

الفَصْلُ الرَّابِع عصر مملكة غرناطة (الأندلس الصغرى) ٦٣٥ - ٨٩٧ هـ/١٢٣٨ - ١٤٩٢ م. الدكتور خليل إبراهيم السامرائي. استمرت الدولة الموحدية في المغرب تواجه القوى الناهضة حتى عام ٦٦٨ هـ/ ١٢٦١ م حيث ورثتها دولة بني مرين. أما في الأندلس فقد ضعفت القوات الموحدية أمام هجمات الممالك الإسبانية، وسقطت أهم حواضر الأندلس بيد الإسبان، لذا رأى أهل الأندلس أنه لا بد لهم من القيام بعمل دفاعي يحفظ لهم ما بقي من بلدهم، ولهذا ظهرت زعامات محلية أندلسية منها زعامة أبي عبد الله محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر والملقب بالشيخ والغالب بالله، فقامت مملكة غرناطة، التي عمرت ما يزيد على قرنين ونصف، وتوالى على حكمها خلال ذلك ما يربو على عشرين حاكماً (سلطاناً)، وقد تمتع كثير من هؤلاء السلاطين بصفات جيدة وقدرات ممتازة (١). مؤسس هذه المملكة محمد بن يوسف بن الأحمر (٦٣٥ - ٦٧١ هـ/١٢٣٨ - ١٢٧٢ م)، وقد بينا ظروف قيام إمارته في الفصل السابق. ومملكة غرناطة تشمل ثلاث ولايات كبيرة: ولاية غرناطة في الوسط، وولاية المرية في الشرق، وولاية مالقة في الجنوب (٢). وهذه هي المنطقة التي استطاع بنو الأحمر الاحتفاظ بها ما يقارب قرنين ونصفاً من الزمان. وكان لهذا الصمود أسباب على الرغم من تحالف الممالك الإسبانية وتعاهدها على إسقاط مملكة غرناطة، وفي طليعة هذه الأسباب:

стр. 280

١ - بعد مملكة غرناطة عن متناول أيدي الممالك الإسبانية، فهي محصورة في الزاوية الجنوبية لشبه جزيرة الأندلس، كما أن موقعها هذا سهل عليها الاتصال بعدوة المغرب، طالبة العون منهم كلما اشتد عليها الضغط الإسباني، وكانت الدولة المرينية أكبر عون لهذه المملكة الأندلسية. ٢ - دربت مملكة غرناطة سكانها على حمل السلاح والتهيؤ باستمرار لملاقاة العدو (٣)، كما أضيفت إلى هذه القوة، قوة الوافدين إلى مملكة غرناطة، وهم المسلمون الفارون أمام هجمات الممالك الإسبانية، فبعد سقوط الحواضر الأندلسية بيد الإسبان لجأ الكثير من مقاتلة هذه المدن إلى مملكة غرناطة واعتبروها ملاذاً لهم أمام هذه المخاطر فأضافوا قوتهم إلى قوة سكان المملكة المحاربين. ٣ - لا ينكر دور عامل الجهاد في سبيل الله الذي التزم به سكان هذه المملكة، في صمود هذه المملكة لفترة طويلة أمام هجمات الإسبان، فعامل الجهاد هو الذي فتح الأندلس من قبل، وهو دوماً يحميها من الخطر الإسباني الزاحف (٤). علاقة مملكة غرناطة مع الممالك الإسبانية: أهم الممالك الإسبانية المعاصرة لمملكة غرناطة هي: ١ - مملكة قشتالة: بعد خلع ألفونسو العاشر (العالم) سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م ورثه ابنه: أ - شانجة الرابع الملقب بالباسل، وعقد هذا معاهدة سلام مع مملكة غرناطة (٦٨١ - ٦٩٥ هـ/١٢٨٢ - ١٢٩٥ م). ب - فردلند الرابع (٦٩٥ - ٧١٢ هـ/١٢٩٥ - ١٣١٢ م). ج - ألفونسو الحادي عشر وكان طفلاً وضع تحت الوصاية، (٧١٢ - ٧٥١ هـ/ ١٣١٢ - ١٣٥٠ م) وفي عهده حدث اللقاء الهائل بين المسلمين بقيادة شيخ الغزاة أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء، وبين جند قشتالة وأعوانهم، فهزمت القوات الإسبانية وذلك في عام ٧١٨ هـ/١٣١٨ م. ولما بلغ ألفونسو الحادي عشر أشده قام بنشاط واسع في مهاجمة الأراضي الإسلامية، وكان منها وقعة طريف عام ٧٤١ هـ، وهو الذي حاصر جبل طارق

стр. 281

وفشل في إسقاطه وفشا الوباء في جيشه فتوفي عام ٧٥١ هـ. د - بطرة الأول الملقب بالقاسي ٧٥١ - ٧٦٩ هـ/١٣٥٠ - ١٣٦٩ م وعلى بطرة الأول وفد ابن خلدون في إشبيلية سفيراً لملك غرناطة محمد الخامس في عام ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٣ م، وبعد مقتله جاء: هـ - هنري الثاني (إنريق) ٧٦٩ - ٧٨٠ هـ/١٣٦٩ - ١٣٧٩ م. و - يوحنا الأول ٧٨٠ - ٧٩٢ هـ/١٣٧٩ - ١٣٩٠ م. ز - إنريق (هنري الثالث) ٧٩٢ - ٨٠٩ هـ/١٣٩٠ - ١٤٠٦ م. ح - يوحنا الثاني ٨٠٩ - ٨٥٨ هـ/١٤٠٦ - ١٤٥٤ م. ط - إنريق (هنري الرابع) الملقب بالعاجز ٨٥٨ - ٨٧٩ هـ/١٤٥٤ - ١٤٧٤ م. ي - إيزابيل ٨٧٩ - ٩١٠ هـ/١٤٧٤ - ١٥٠٤ م. وكانت ايزابيل قد تزوجت سنة ٨٧٤ هـ/١٤٦٩ م ابن عمها فراندة الذي ورث عرش أرغون باسم فراندة الخامس (٥). ٢ - مملكة أرغون: لما توفي جايمش الأول عام ٦٧٥ هـ/١٢٧٦ م خلفه: أ - بطرة الثالث ٦٧٥ - ٦٨٤/ ١٢٧٦ - ١٢٨٥ م. ب - ألفونسو الثالث ٦٨٤ - ٦٩٠ هـ/١٢٨٥ - ١٢٩١ م. ج - جايمش الثاني ٦٩٠ - ٧٢٧ هـ/١٢٩١ - ١٣٢٧ م. د - ألفونسو الرابع ٧٢٧ - ٧٣٦ هـ/١٣٢٧ - ١٣٣٦ م. هـ - بطرة الرابع ٧٣٦ - ٧٨٩ هـ/١٣٣٦ - ١٣٨٧ م. و - يوحنا الأول ٧٨٩ - ٧٩٨ هـ/١٣٨٧ - ١٣٩٥ م. ز - مرتين الأول ٧٩٨ - ٨١٣ هـ/١٣٩٥ - ١٤١٠ م. ح - فراندة الأول ٨١٣ - ٨١٨ هـ/١٤١٠ - ١٤١٦ م. ط - ألفونس الخامس ٨١٨ - ٨٤٦ هـ/١٤١٦ - ١٤٤٢ م.

стр. 282

ي - يوحنا الثاني ٨٤٦ - ٨٨٤ هـ/١٤٤٢ - ١٤٧٩ م. ك - فراندو الخامس ٨٨٤ - ٩٢١ هـ/١٤٧٩ - ١٥١٦ م. تزوج ابنة عمه إيزابيل ملكة قشتالة، فبوحدة هذه الممالك الإسبانية تسقط غرناطة عام ٨٩٨ هـ/١٤٩٢ م. كان محمد بن يوسف بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة يحاول تجنب التصادم مع الممالك الإسبانية، وتمادى أحياناً في ذلك إلى درجة مهينة (٦). وفي عام ٦٦٠ هـ/١٢٦١ م قامت مملكة قشتالة بمهاجمة مملكة غرناطة، إلا أن قوات بني الأحمر بمساعدة المجاهدين من المغرب ردت كيد المعتدي، فأثار هذا الأمر حفيظة ملك قشتالة ألفونسو العاشر الذي ضاعف الهجوم فسيطر على عدة حصون، فاستغاث بنو الأحمر بأهل المغرب وتونس، فوصلت بعض الإمدادات إلى طريف (٧). ونظراً لتعاون ألفونس العاشر ملك قشتالة مع جايمش الأول ملك أرغون واللذين سيطرا على مدينة مرسية وحاصرا غرناطة بعد ذلك أولاً، ونظراً للخلافات الأسرية في عائلة بني الأحمر ثانياً، عقد ملك غرناطة الصلح مع ألفونسو العاشر عام ٦٦٥ هـ/ ١٢٧٦ م، وتنازل عن مدينة شريش وعدد من الحصون (٩)، هذا الإنهيار الجديد حرك مشاعر أبي البقاء صالح بن شريف الرندي فأطلق قصيدته المشهورة في رثاء الأندلس (١٠): لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان قبيل وفاة ابن الأحمر عام ٦٧١ هـ/١٢٧٢ م كرر ألفونسو العاشر هجومه على حصون مملكة غرناطة، فطلب ابن الأحمر العون من السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق الملقب بالمنصور، لكن النجدة لم تصل إلا بعد وفاة ابن الأحمر، فوصلت أيام محمد الثاني الملقب بالفقيه (٦٧١ - ٧٠١ هـ) (١١).

стр. 283

أرسل السلطان المريني الجيوش التي عبرت إلى جزيرة طريف في شهر ذي الحجة عام ٦٧٣ هـ/١٢٧٥ م، ثم لحق بها السلطان في شهر صفر من عام ٦٧٤ هـ، فنظم أمورها وأعدها لملاقاة القشتاليين، فكانت معركة استجة في ربيع الأول عام ٦٧٤ هـ/١١٧٥ م بين الجيوش الأندلسية والمرينية التي يقودها السلطان المريني، وجيوش قشتالة بقيادة الأمير الدون نونيودي لار (١٢) صهر ملك قشتالة ألفونسو العاشر، فحازت جيوش المسلمين النصر وتشتت الجيش القشتالي وقتل قائده، ثم إن السلطان المريني المنصور ذهب إلى الجزيرة الخضراء للإستراحة ليعود بعدها إلى أراضي قشتالة. كما حاصر مدينة إشبيلية التي طلبت الأمان والصلح فأجابهم إلى ذلك وعاد إلى الجزيرة الخضراء، ومنها عبر إلى المغرب في أواخر رجب عام ٦٧٤ هـ، وبعد أن ترك في الجزيرة الخضراء ثلاثة آلاف فارس لمعاونة مملكة غرناطة في رد هجمات مملكة قشتالة (١٣). عاد سلطان المرينيين فعبر الأندلس عام ٦٧٧ هـ/١٢٧٨ م وتوغل في أراضي مملكة قشتالة، ثم عاد إلى عدوة المغرب. وبعدها بدأ ملك غرناطة يتوجس من السلطان المريني، فتحالف محمد الثاني الفقيه مع ملك قشتالة الفونسو العاشر الذي أنزل قواته في الجزيرة الخضراء (١٤). أرسل السلطان المنصور ابنه الأمير أبا يعقوب في أسطول كبير في أوائل عام ٦٧٨ هـ/١٢٧٩ م، فاصطدم مع الأسطول القشتالي الذي انهزم واضطرت قواته إلى ترك الجزيرة الخضراء، ثم بعث السلطان المريني إلى ابن الأحمر يطلب منه التفاهم والتعاون لصد الأخطار الإسبانية. فعقد التحالف الذي بموجبه أصبحت مدينة مالقة لبني مرين لتكون قاعدةً للقوات المرينية التي تعبر إلى الأندلس (١٥). وقعت خلافات أسرية في مملكة قشتالة بين ألفونسو العاشر وابنه شانجة الرابع، وذلك في عام ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م، فعبر السلطان المريني إلى الأندلس للمرة الثالثة مستغلاً

стр. 284

هذه الظروف ومساعداً بعضهم على البعض الآخر (١٦). توفي الفونسو العاشر طريداً عام ٦٨٣ هـ/١٢٨٤ م فانفرد ابنه شانجة الرابع في حكم قشتالة. وعبر السلطان المريني للمرة الرابعة إلى الأندلس في صفر من عام ٦٨٤ هـ، واشتبك مع جيوش قشتالة في البر والبحر فانتصر عليها، فرغب شانجة الرابع في طلب الصلح، فأرسل وفداً من الأحبار إلى السلطان المريني ووضعت شروط الصلح (١٧). كان من نتائج الود والتفاهم بين مملكة غرناطة والمرينيين أن عبرت مجموعة من المجاهدين إلى الأندلس للمرابطة فيها، ليكونوا على أهبة الاستعداد لمجاهدة الممالك الإسبانية، عُرفت هذه المجموعة بـ " مشيخة الغزاة " ورئيسها باسم (شيخ الغزاة) وهي من المناصب العسكرية التي أُنشئت في هذه الفترة، وتولى بنو العلاء (من أقارب السلطان المريني) قيادة المشيخة، وتولى رئاسة المشيخة عبد الله بن أبي العلاء حتى استشهد في عام ٦٩٣ هـ، فكانت بعد ذلك لأخيه أبي سعد عثمان بن أبي العلاء (١٨). توفي السلطان المريني المنصور عام ٦٨٥ هـ/١٢٨٥ م في الأندلس، بعد حياة حافلة بالجهاد، وورث حكم المرينيين ابنه أبو يعقوب يوسف، وكان له دور كبير في مجاهدة الممالك الإسبانية إلى جانب أمراء مملكة غرناطة وبخاصة إلى جانب محمد الفقيه الذي جنح أحياناً إلى مهادنة ملوك الإسبان، وأحياناً تعاون معهم ضد بني مرين (١٩). توفي محمد الفقيه وورثه ابنه السلطان محمد الثالث المخلوع ٧٠١ - ٧٠٨ هـ/١٣٠٢ - ١٣٠٩ م، فبدأ أمره بمصالحة المرينيين أولاً، وبمحاربة مملكة قشتالة ثانياً التي عقدت معه هدنة أمدها ثلاث سنوات (٢٠)، وبعد خلعه تولى أمر غرناطة السلطان نصر بن محمد ٧٠٨ - ٧١٣ هـ/١٣٠٩ - ١٣١٤ م، فتقرب هذا السلطان إلى المرينيين فأعاد إليهم مدينة سبتة وزوج إحدى شقيقاته إلى أبي الربيع المريني، وفي عهده أرسل فراندة الرابع ملك قشتالة

стр. 285

جنده إلى جبل طارق ومدينة المرية بمعاونة ملك أرغون خايمي الثاني، بالرغم من المعاهدة القائمة بينه وبين سلطان غرناطة، وقعت قرب المرية معركة قادها عثمان بن أبي العلاء شيخ الغزاة ضد جند أرغون الذين أُصيبوا بهزيمة منكرة، إلا أن جبل طارق بعد الحصار الشديد لها أرغمت على التسليم (٢١). أُرغم نصر على التنازل عن عرش غرناطة عام ٧١٣ هـ ليتولى أمرها إسماعيل الأول ٧١٣ - ٧٢٥ هـ/١٣١٤ - ١٣٢٥ م الذي اشتهر بالعدل والعفة (٢٢)، واهتم بأمر الجهاد. وحين قام القشتاليون بمهاجمة الأراضي الإسلامية استنجد إسماعيل ببني مرين وسلطانهم أبي سعيد، الذي رفض المساعدة لعدم استجابة إسماعيل لمطالب معينة (٢٣). زحف الجيش القشتالي على غرناطة بجيش كبير بقيادة (دون بطرة ودون خوان) الوصيين على ملك قشتالة الفونسو الحادي عشر، وسارت معهم قوات إنكليزية ذات نزعة صليبية، فوقعت المعركة في ربيع الثاني عام ٧١٨ هـ/مارس ١٣١٨ م قرب مدينة غرناطة وكان قائد الجيش الإسلامي شيخ الغزاة أبا سعيد عثمان بن أبي العلاء الذي أحرز النصر ورد كيد الأعداء (٢٤). بعد اغتيال إسماعيل الأول عام ٧٢٥ هـ خلفه ولده محمد الرابع ٧٢٥ - ٧٣٣ هـ/ ١٣٢٥ - ١٣٣٣ م، وفي عهده استطاع مسلمو غرناطة بالتعاون مع بني مرين من استعادة جبل طارق عام ٧٣٣ هـ/١٣٣٣ م بعد أن سيطر عليه الجيش القشتالي منذ عام ٧٠٩ هـ (٢٥). أما نهاية محمد الرابع فلم تكن أفضل من نهاية أبيه، فاغتيل أيضاً فخلفه أخوه يوسف الأول ٧٣٣ - ٧٥٥ هـ/١٣٣٣ - ١٣٥٤ م الذي كان من أبرع ملوك بنى الأحمر، وفي عهده حدثت معركة بحرية في عام ٧٤٠ هـ انهزم فيها المسلمون، واشتركت فيها قوات من قشتالة وأرغون والبرتغال، وبارك البابا هذه الحملة، ودخلت جيوشهم مملكة غرناطة (٢٦).
следующие страницы →