← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وفشل في إسقاطه وفشا الوباء في جيشه فتوفي عام ٧٥١ هـ. د - بطرة الأول الملقب بالقاسي ٧٥١ - ٧٦٩ هـ/١٣٥٠ - ١٣٦٩ م وعلى بطرة الأول وفد ابن خلدون في إشبيلية سفيراً لملك غرناطة محمد الخامس في عام ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٣ م، وبعد مقتله جاء: هـ - هنري الثاني (إنريق) ٧٦٩ - ٧٨٠ هـ/١٣٦٩ - ١٣٧٩ م. و - يوحنا الأول ٧٨٠ - ٧٩٢ هـ/١٣٧٩ - ١٣٩٠ م. ز - إنريق (هنري الثالث) ٧٩٢ - ٨٠٩ هـ/١٣٩٠ - ١٤٠٦ م. ح - يوحنا الثاني ٨٠٩ - ٨٥٨ هـ/١٤٠٦ - ١٤٥٤ م. ط - إنريق (هنري الرابع) الملقب بالعاجز ٨٥٨ - ٨٧٩ هـ/١٤٥٤ - ١٤٧٤ م. ي - إيزابيل ٨٧٩ - ٩١٠ هـ/١٤٧٤ - ١٥٠٤ م. وكانت ايزابيل قد تزوجت سنة ٨٧٤ هـ/١٤٦٩ م ابن عمها فراندة الذي ورث عرش أرغون باسم فراندة الخامس (٥). ٢ - مملكة أرغون: لما توفي جايمش الأول عام ٦٧٥ هـ/١٢٧٦ م خلفه: أ - بطرة الثالث ٦٧٥ - ٦٨٤/ ١٢٧٦ - ١٢٨٥ م. ب - ألفونسو الثالث ٦٨٤ - ٦٩٠ هـ/١٢٨٥ - ١٢٩١ م. ج - جايمش الثاني ٦٩٠ - ٧٢٧ هـ/١٢٩١ - ١٣٢٧ م. د - ألفونسو الرابع ٧٢٧ - ٧٣٦ هـ/١٣٢٧ - ١٣٣٦ م. هـ - بطرة الرابع ٧٣٦ - ٧٨٩ هـ/١٣٣٦ - ١٣٨٧ م. و - يوحنا الأول ٧٨٩ - ٧٩٨ هـ/١٣٨٧ - ١٣٩٥ م. ز - مرتين الأول ٧٩٨ - ٨١٣ هـ/١٣٩٥ - ١٤١٠ م. ح - فراندة الأول ٨١٣ - ٨١٨ هـ/١٤١٠ - ١٤١٦ م. ط - ألفونس الخامس ٨١٨ - ٨٤٦ هـ/١٤١٦ - ١٤٤٢ م.

стр. 282

ي - يوحنا الثاني ٨٤٦ - ٨٨٤ هـ/١٤٤٢ - ١٤٧٩ م. ك - فراندو الخامس ٨٨٤ - ٩٢١ هـ/١٤٧٩ - ١٥١٦ م. تزوج ابنة عمه إيزابيل ملكة قشتالة، فبوحدة هذه الممالك الإسبانية تسقط غرناطة عام ٨٩٨ هـ/١٤٩٢ م. كان محمد بن يوسف بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة يحاول تجنب التصادم مع الممالك الإسبانية، وتمادى أحياناً في ذلك إلى درجة مهينة (٦). وفي عام ٦٦٠ هـ/١٢٦١ م قامت مملكة قشتالة بمهاجمة مملكة غرناطة، إلا أن قوات بني الأحمر بمساعدة المجاهدين من المغرب ردت كيد المعتدي، فأثار هذا الأمر حفيظة ملك قشتالة ألفونسو العاشر الذي ضاعف الهجوم فسيطر على عدة حصون، فاستغاث بنو الأحمر بأهل المغرب وتونس، فوصلت بعض الإمدادات إلى طريف (٧). ونظراً لتعاون ألفونس العاشر ملك قشتالة مع جايمش الأول ملك أرغون واللذين سيطرا على مدينة مرسية وحاصرا غرناطة بعد ذلك أولاً، ونظراً للخلافات الأسرية في عائلة بني الأحمر ثانياً، عقد ملك غرناطة الصلح مع ألفونسو العاشر عام ٦٦٥ هـ/ ١٢٧٦ م، وتنازل عن مدينة شريش وعدد من الحصون (٩)، هذا الإنهيار الجديد حرك مشاعر أبي البقاء صالح بن شريف الرندي فأطلق قصيدته المشهورة في رثاء الأندلس (١٠): لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان قبيل وفاة ابن الأحمر عام ٦٧١ هـ/١٢٧٢ م كرر ألفونسو العاشر هجومه على حصون مملكة غرناطة، فطلب ابن الأحمر العون من السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق الملقب بالمنصور، لكن النجدة لم تصل إلا بعد وفاة ابن الأحمر، فوصلت أيام محمد الثاني الملقب بالفقيه (٦٧١ - ٧٠١ هـ) (١١).

стр. 283

أرسل السلطان المريني الجيوش التي عبرت إلى جزيرة طريف في شهر ذي الحجة عام ٦٧٣ هـ/١٢٧٥ م، ثم لحق بها السلطان في شهر صفر من عام ٦٧٤ هـ، فنظم أمورها وأعدها لملاقاة القشتاليين، فكانت معركة استجة في ربيع الأول عام ٦٧٤ هـ/١١٧٥ م بين الجيوش الأندلسية والمرينية التي يقودها السلطان المريني، وجيوش قشتالة بقيادة الأمير الدون نونيودي لار (١٢) صهر ملك قشتالة ألفونسو العاشر، فحازت جيوش المسلمين النصر وتشتت الجيش القشتالي وقتل قائده، ثم إن السلطان المريني المنصور ذهب إلى الجزيرة الخضراء للإستراحة ليعود بعدها إلى أراضي قشتالة. كما حاصر مدينة إشبيلية التي طلبت الأمان والصلح فأجابهم إلى ذلك وعاد إلى الجزيرة الخضراء، ومنها عبر إلى المغرب في أواخر رجب عام ٦٧٤ هـ، وبعد أن ترك في الجزيرة الخضراء ثلاثة آلاف فارس لمعاونة مملكة غرناطة في رد هجمات مملكة قشتالة (١٣). عاد سلطان المرينيين فعبر الأندلس عام ٦٧٧ هـ/١٢٧٨ م وتوغل في أراضي مملكة قشتالة، ثم عاد إلى عدوة المغرب. وبعدها بدأ ملك غرناطة يتوجس من السلطان المريني، فتحالف محمد الثاني الفقيه مع ملك قشتالة الفونسو العاشر الذي أنزل قواته في الجزيرة الخضراء (١٤). أرسل السلطان المنصور ابنه الأمير أبا يعقوب في أسطول كبير في أوائل عام ٦٧٨ هـ/١٢٧٩ م، فاصطدم مع الأسطول القشتالي الذي انهزم واضطرت قواته إلى ترك الجزيرة الخضراء، ثم بعث السلطان المريني إلى ابن الأحمر يطلب منه التفاهم والتعاون لصد الأخطار الإسبانية. فعقد التحالف الذي بموجبه أصبحت مدينة مالقة لبني مرين لتكون قاعدةً للقوات المرينية التي تعبر إلى الأندلس (١٥). وقعت خلافات أسرية في مملكة قشتالة بين ألفونسو العاشر وابنه شانجة الرابع، وذلك في عام ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م، فعبر السلطان المريني إلى الأندلس للمرة الثالثة مستغلاً

стр. 284

هذه الظروف ومساعداً بعضهم على البعض الآخر (١٦). توفي الفونسو العاشر طريداً عام ٦٨٣ هـ/١٢٨٤ م فانفرد ابنه شانجة الرابع في حكم قشتالة. وعبر السلطان المريني للمرة الرابعة إلى الأندلس في صفر من عام ٦٨٤ هـ، واشتبك مع جيوش قشتالة في البر والبحر فانتصر عليها، فرغب شانجة الرابع في طلب الصلح، فأرسل وفداً من الأحبار إلى السلطان المريني ووضعت شروط الصلح (١٧). كان من نتائج الود والتفاهم بين مملكة غرناطة والمرينيين أن عبرت مجموعة من المجاهدين إلى الأندلس للمرابطة فيها، ليكونوا على أهبة الاستعداد لمجاهدة الممالك الإسبانية، عُرفت هذه المجموعة بـ " مشيخة الغزاة " ورئيسها باسم (شيخ الغزاة) وهي من المناصب العسكرية التي أُنشئت في هذه الفترة، وتولى بنو العلاء (من أقارب السلطان المريني) قيادة المشيخة، وتولى رئاسة المشيخة عبد الله بن أبي العلاء حتى استشهد في عام ٦٩٣ هـ، فكانت بعد ذلك لأخيه أبي سعد عثمان بن أبي العلاء (١٨). توفي السلطان المريني المنصور عام ٦٨٥ هـ/١٢٨٥ م في الأندلس، بعد حياة حافلة بالجهاد، وورث حكم المرينيين ابنه أبو يعقوب يوسف، وكان له دور كبير في مجاهدة الممالك الإسبانية إلى جانب أمراء مملكة غرناطة وبخاصة إلى جانب محمد الفقيه الذي جنح أحياناً إلى مهادنة ملوك الإسبان، وأحياناً تعاون معهم ضد بني مرين (١٩). توفي محمد الفقيه وورثه ابنه السلطان محمد الثالث المخلوع ٧٠١ - ٧٠٨ هـ/١٣٠٢ - ١٣٠٩ م، فبدأ أمره بمصالحة المرينيين أولاً، وبمحاربة مملكة قشتالة ثانياً التي عقدت معه هدنة أمدها ثلاث سنوات (٢٠)، وبعد خلعه تولى أمر غرناطة السلطان نصر بن محمد ٧٠٨ - ٧١٣ هـ/١٣٠٩ - ١٣١٤ م، فتقرب هذا السلطان إلى المرينيين فأعاد إليهم مدينة سبتة وزوج إحدى شقيقاته إلى أبي الربيع المريني، وفي عهده أرسل فراندة الرابع ملك قشتالة

стр. 285

جنده إلى جبل طارق ومدينة المرية بمعاونة ملك أرغون خايمي الثاني، بالرغم من المعاهدة القائمة بينه وبين سلطان غرناطة، وقعت قرب المرية معركة قادها عثمان بن أبي العلاء شيخ الغزاة ضد جند أرغون الذين أُصيبوا بهزيمة منكرة، إلا أن جبل طارق بعد الحصار الشديد لها أرغمت على التسليم (٢١). أُرغم نصر على التنازل عن عرش غرناطة عام ٧١٣ هـ ليتولى أمرها إسماعيل الأول ٧١٣ - ٧٢٥ هـ/١٣١٤ - ١٣٢٥ م الذي اشتهر بالعدل والعفة (٢٢)، واهتم بأمر الجهاد. وحين قام القشتاليون بمهاجمة الأراضي الإسلامية استنجد إسماعيل ببني مرين وسلطانهم أبي سعيد، الذي رفض المساعدة لعدم استجابة إسماعيل لمطالب معينة (٢٣). زحف الجيش القشتالي على غرناطة بجيش كبير بقيادة (دون بطرة ودون خوان) الوصيين على ملك قشتالة الفونسو الحادي عشر، وسارت معهم قوات إنكليزية ذات نزعة صليبية، فوقعت المعركة في ربيع الثاني عام ٧١٨ هـ/مارس ١٣١٨ م قرب مدينة غرناطة وكان قائد الجيش الإسلامي شيخ الغزاة أبا سعيد عثمان بن أبي العلاء الذي أحرز النصر ورد كيد الأعداء (٢٤). بعد اغتيال إسماعيل الأول عام ٧٢٥ هـ خلفه ولده محمد الرابع ٧٢٥ - ٧٣٣ هـ/ ١٣٢٥ - ١٣٣٣ م، وفي عهده استطاع مسلمو غرناطة بالتعاون مع بني مرين من استعادة جبل طارق عام ٧٣٣ هـ/١٣٣٣ م بعد أن سيطر عليه الجيش القشتالي منذ عام ٧٠٩ هـ (٢٥). أما نهاية محمد الرابع فلم تكن أفضل من نهاية أبيه، فاغتيل أيضاً فخلفه أخوه يوسف الأول ٧٣٣ - ٧٥٥ هـ/١٣٣٣ - ١٣٥٤ م الذي كان من أبرع ملوك بنى الأحمر، وفي عهده حدثت معركة بحرية في عام ٧٤٠ هـ انهزم فيها المسلمون، واشتركت فيها قوات من قشتالة وأرغون والبرتغال، وبارك البابا هذه الحملة، ودخلت جيوشهم مملكة غرناطة (٢٦).

стр. 286

استنجد سلطان بني الأحمر بالأخوة المرينيين فعبر سلطانهم إلى الأندلس، ووقعت معركة بين الطرفين في جمادى الأولى من عام ٧٤١ هـ/تشرين الأول ١٣٤٠ م استعمل المسلمون فيها المدافع التي تقذف النيران (٢٧). لكن المسلمين خسروا المعركة وعاث الإسبان فساداً في المعسكر الإسلامي وغنموا ما فيه، ووقعت هذه المعركة قرب طريف ولذا عرفت بوقعة طريف (٢٨). وعلى أثرها عقد السلطان المريني أبو الحسن الصلح مع بطره الأول ملك قشتالة، ووضعا قواعد لافتكاك الأسرى الذين كان من بينهم ابن السلطان (أبو عمر تاشفين) (٢٩). وفي عام ٧٥٠ هـ/١٣٤٩ م سار ملك قشتالة ألفونسو الحادي عشر بقواته وحاصر جبل طارق، ولكن الوباء فشا في جيشه، وذهب ملك الإسبان ضحيته، فاضطر جيشه، بعد قرابة سنة من بدء الحصار، إلى ترك الحصار والانسحاب، فتخلصت مدينة جبل طارق من الخطر (٣٠). استمرت مملكة قشتالة على سياستها من العبث في أراضي مملكة غرناطة ناقضة العهود، ولكن صلحاً عقد بين مملكة غرناطة وبين ملك أرغون بيدرو الرابع (٣١). بعد اغتيال يوسف الأول عام ٧٥٥ هـ/١٣٥٤ م مرت مملكة غرناطة بوضع مضطرب توالى على عرشها أمراء ضعاف لم يكونوا بمستوى المسؤولية، قد خلع بعضهم أكثر من مرة. كما وحَّدت الممالك الإسبانية جهودها من أجل استصفاء مملكة غرناطة وتوزيع تركتها فيما بينهم، وبارك البابا هذه الخطوة، إلا أنها تعثرت فترة من الزمن. وفي الوقت نفسه عقد صلح بين مملكة غرناطة وبين الممالك الإسبانية أرغون وقشتالة، كالصلح الذي عقده السلطان محمد السادس (الغني بالله) ٧٩٥ - ٨١٠ هـ/١٣٩٣ - ١٤٠٨ م

стр. 287

مع ملك قشتالة (٣٢). وفي عهد يوسف الثالث ٨١٠ - ٨٢٠ هـ/١٤٠٨ - ١٤١٧ م جدد الهدنة مع مملكة قشتالة لمدة سنتين، وبعدها رفض القشتاليون تجديد الهدنة، فسيطروا على بعض الحصون وأصبح هذا السلطان تابعاً لهم (٣٣). تبع يوسف الثالث عدة أمراء اختلفت قدراتهم بين القوة والضعف، وفي عهدهم دخلت مملكة غرناطة في حروب جهادية مع مملكة قشتالة الإسبانية خسرت فيها غرناطة بعض القواعد والحصون المهمة. وكان سقوط مدينة جبل طارق بيد القشتاليين في عام ٨٦٧ هـ/١٤٦٢ م على عهد السلطان سعد بن إسماعيل ٨٥٨ - ٨٦٨ هـ/١٤٥٤ - ١٤٦٤ م قاصمة الظهر لمسلمي غرناطة، حيث حال هذا الأمر دون وصول الإمدادات من عدوة المغرب إلى الأندلس، هذه الإمدادات التي بدأت بالضعف منذ بداية ضعف الدولة المرينية التي سقطت عام ٨٦٩ هـ/١٤٦٤ م، وحلت محلها دولة فتية هي دولة بني وطاس، ولكنها لم تكن في مستوى الدولة المرينية من حيث تقديم الإمدادات إلى الأندلس (٣٤). اتحدت مملكتا قشتالة وأرغون في عام ٨٨٤ هـ/١٤٧٩ م على أثر الزواج الذي تم بين فراندة الخامس ملك أرغون وايزابيلا ملكة قشتالة في عام ٨٧٤ هـ. فبعد هذا الاتحاد بدأت مفاوضاتهم مع مملكة غرناطة حيث طلبا من سلطانها أبي الحسن علي ٨٦٨ - ٨٨٧ هـ/١٤٦٤ - ١٤٨٢ م شروطاً ثقيلة، رفضها السلطان الغرناطي، ففتح الباب أمام المناوشات المتبادلة (٣٥). فهاجم فراندة الخامس ملك أرغون غرناطة، واستولت قواته على مدينة الحمة (الحامة) الواقعة جنوب غربي غرناطة، فأمعنت في أهلها قتلاً، وذلك في المحرم من عام ٨٨٧ هـ/١٤٨٢ م، ثم زحف هذا الملك إلى مدينة لوشة وحاصرها، ولكن حاميتها استبسلت في الدفاع عنها وردت الغزاة على أعقابهم (٣٦). تولى حكم غرناطة أبو عبد الله الصغير ولايته الأولى ٨٨٧ - ٨٨٨ هـ/١٤٨٢ - ١٤٨٣ م

стр. 288

الذي خاض معركة حامية ضد جيوش قشتالة فهزمهم، ثم قاد جيشاً آخر فاتجه نحو قرطبة، وانتصر في عدة معارك، إلا أنه أُسر في معركة عند قلعة اللسانة وأخذ أسيراً، وتولى أمر غرناطة والده أبو الحسن علي ٨٨٨ - ٨٩٠ هـ/١٤٨٣ - ١٤٨٥ م. ثم أطلق سراح أبي عبد الله الصغير عام ٨٩٠ هـ/١٤٨٥ م بعد توقيع اتفاق لصالح قشتالة. وتولى أمر غرناطة أبو عبد الله الزغل ٨٩٠ - ٨٩٢ هـ/١٤٨٥ - ١٤٨٧ م ثم عاد أبو عبد الله الصغير مرة ثانية إلى عرشه ٨٩٢ - ٨٩٧ هـ/١٤٨٧ - ١٤٩١ م. وخلال هذه الأحداث هاجمت القوات القشتالية مدينة لوشة مرة أخرى فدخلتها في عام ٨٩١ هـ بشروط لصالح قشتالة، ثم قامت حروب أسرية بين العم (الزغل) وابن أخيه (أبي عبد الله الصغير) انتهت بتقسيم مملكة غرناطة (٣٧). بدأ ملك قشتالة يشدد ضرباته على المدن الأندلسية الباقية ويرهقها بالحصار، وكان يخرب ما حول مدينة غرناطة من أجل التهيؤ لدخولها. وأثناء ذلك عقد الزغل عام ٨٩٥ هـ/١٤٨٩ م معاهدة مع ملك قشتالة، فترك الأندلس إلى الجزائر (٣٨). وبعد سقوط الحصون والمدن الأندلسية بيد الإسبان لم يبق سوى غرناطة، فأرسل الإسبان إلى السلطان أبي عبد الله يطلبون إليه تسليم غرناطة وفقاً لشروط معينة، فجمع السلطان أعوانه وأجمعوا على الرفض (٣٩). وفي ربيع عام ٨٩٧ هـ/نيسان ١٤٩١ م حاصر الملكان الإسبانيان مدينة غرناطة، وأنشأ المحاصرون مخيماً تحول إلى مدينة أسموها (سانتافي/الإيمان المقدس). وقد خرج مقاتلو غرناطة عدة مرات لشل مخططات الإسبان وإفشالها، وكان على رأسهم موسى بن غسان الذي نسجت حوله الأساطير (٤٠). ودام الحصار سبعة أشهر صمد خلالها الغرناطيون، وفشلت كل محاولات الاقتحام المتكررة. ومع بداية شهر محرم من عام ٨٩٧ هـ/أواخر عام ١٤٩١ م ونتيجة اليأس وانتشار الجوع والمرض، اجتمع أعيان المدينة واتفقوا على تسليمها، ما عدا القائد موسى الذي رفض القرار، وخرج من الاجتماع مغاضباً واختفى أثره، ثم أُرسل الوزير أبو القاسم بن عبد الملك للمفاوضة،

стр. 289

وتم التوقيع على معاهدة التسليم في ٢٥/كانون الأول ١٤٩١ م أي يوم عيد الميلاد - أما شروط التسليم فوردت في وثيقة مشهورة وأهم ما جاء فيها: - ١ - إطلاق الأسرى المسلمين في قشتالة. ٢ - تأمين المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. ٣ - احتفاظ المسلمين بشرعيتهم وقضائهم ونظمهم بإشراف حاكم إسباني. ٤ - تأمين حرية الدين والشعائر والحفاظ على المساجد والأوقاف. ٥ - أن لا يدخل مسيحي في مسجد أو دار مسلم. ٦ - أن يسير المسلم في ديار الإسبان آمناً لا يحمل علامة مميزة. ٧ - أن يجتاز إلى أفريقيا من يشاء من المسلمين في سفن ملك الإسبان لمدة ثلاث سنوات من دون مقابل. ٨ - أن لا يقهر مسلم أو مسلمة على التنصر. ٩ - أن يعامل الحاكم الإسباني المسلمين بالرفق والعدل. ١٠ - أن يوافق البابا على الوثيقة (٤١). أما السلطان أبو عبد الله فقد اتفق أن يغادر المدينة إلى منطقة البشرات، حيث يعطى ضياعاً يعيش فيها، ويكون في طاعة ملك قشتالة، كما اتفق أن تقدم غرناطة خمسمائة من أعيانها ضمانة للطاعة، وقد أقسم الملكان على الوثيقة من أجل أن يطمئن المسلمون بذلك، ولكن تلك العهود نقضت فيما بعد. فتحت المدينة أبوابها فجر الثاني من كانون الثاني ١٤٩٢ هـ/ثاني ربيع الأول ٨٩٧ هـ، فدخل نفر من القادة القشتاليين وتسلموا مفتاح المدينة من أبي عبد الله الصغير. وفي الصباح دخل الجند غرناطة يقود طليعتها الكونت (دي تنديلا) الذي عين فيما بعد حاكماً لغرناطة، ورفعوا فوق برج الحمراء صليباً فضياً كبيراً وبقربه علم قشتالة وعلم القديس يعقوب (شنت ياقب)، ثم دخل الملكان الحمراء ظافِرَيْن. وفي اليوم نفسه غادر السلطان أبو عبد الله قصره ومعه أهله واتجه إلى منطقة البشرات يذرف دموعه حسرة وألماً على الملك الضائع. وبعد مضي أشهر قليلة على

стр. 290

إقامته في منطقة البشرات، أدرك أبو عبد الله أن تلك الحياة الذليلة لا تليق به، فغادر الأندلس إلى عدوة المغرب واستقر في مدينة فاس وتوفي عام ٩٤٠ هـ/١٥٣٤ م (٤٢).

стр. 291

الفَصْلُ الخَامِس المسلمون بعد سقوط غرناطة (الموريسكيون) الدكتور خليل إبراهيم السامرائي. لم تنته مصيبة المسلمين في الأندلس بزوال سلطانهم السياسي ورحيل سلطانهم إلى المغرب، بل حلت بهم مصيبة أكبر، حيث نقض الملكان الكاثوليكيان العهد. ووضعا خطة إبادة للمسلمين الباقين في الأندلس لعقيدتهم الدينية، فشكلا محاكم التفتيش التي تتعقب من يؤدي شعائرالإسلام بأية صورة، فكان من جراء ذلك أن أظهر عدد من المسلمين المسيحية وأبطنوا الإسلام، وأطلق على هؤلاء اسم (المورسكيون Los Moriscos) أي المسلمون الصغار. وبقي المسلمون هؤلاء يقاومون الاضطهاد ما يزيد على القرن من الزمان دفاعاً عن عقيدتهم وكيانهم (٤٣). أول ظاهرة ملفتة للنظر بعد رحيل السلطان أبي عبد الله الصغير إلى عدوة المغرب، بدأ مسلمو الأندلس بالهجرة من الأندلس إلى المغرب كما جاء في شروط التسليم التي سهلت لهم هذه المهمة وهي: أن الملكين الإسبانيين ملزمان بتوفير السفن لنقل مسلمي الأندلس إلى المغرب مجاناً ولمدة ثلاث سنوات، وبعدها يدفع من يريد العبور دوبلاً واحداً عن كل شخص (الدوبل عملة ذهبية إسبانية قديمة تساوي عشر بزيتات) (المادة السابعة من المعاهدة). فأول من هاجر أهل مالقة الذين نزحوا إلى باديس (مدينة ساحلية تقع في شمال المغرب، اندثرت ويقع مقابلها جزيرة صغيرة باسمها)، وخرج أهل المرية ونزلوا مدينة تلمسان، ونزل أهل الجزيرة الخضراء في طنجة، واستقر أهل رندة وبسطة وحصن مرتيل في تطوان وأحوازها. وهاجر أهل دانية إلى تونس والقيروان والجزائر،

стр. 292

وخرج أهل لوشة وبعض سكان غرناطة وأهل مرشانة وسكنوا بين مضارب قبيلة غمارة، ونزل أهل برجة وأندرش ما بين طنجة وتطوان، ونزل أهل مدينة شريش ويليش مدينة سلا، وخرج ما بقي من أهل غرناطة ونزلوا بجاية ووهران وسوسة وسفاقس وقابس، وخرج أهل القلعة إلى مدينة أغادير، وهناك آخرون من سكان الأندلس استقروا في الإسكندرية وغيرها من مدن المشرق (٤٤). صدرت الأوامر بتعميم مضمون معاهدة التسليم على الأمراء والوزراء والقادة والرهبان والرعية، وأُصدر مرسومٌ يهدد كل من يجرؤ على المساس بما تضمنته هذه المعاهدة. وقد ذيل هذا التوكيد بتوقيع الملكين وتوقيع نجلهما الأمير، وحشد كبير من الأمراء وأشراف الدولة وأحبارها. وأدى الملك فرديناند والملكة إيزابيلا وسائر من حرروا الشروط القسم بدينهم وأعراضهم، أن يصونوا المعاهدة إلى الأبد، وعلى الصورة التي انتهت إليها. من خلال شروط المعاهدة يتبين لنا بأنها كفلت للمسلمين حريتهم ولغتهم وشعائرهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم، باستثناء حمل الأسلحة. ولكن الذي يبدو أن الملكين الإسبانيين لم يكونا صادقين فعلاً. حيث بدأ تعصبهم ونقضهم للمواثيق منذ دخولهم غرناطة ٢/كانون الثاني ١٤٩٢ م، إذ صدرت الأوامر بإحراق كميات كبيرة من الكتب العربية، لكي يسهل على الإسبان إبعاد المسلمين عن مصادر عقيدتهم ومن ثم القضاء عليهم بسرعة (٤٥). ومن أول الخطوات التي رسمتها الملكة إيزابيلا المتعصبة من أجل تنفيذ سياسة التنصير القسري للمسلمين، أنها اعتمدت على مجموعة من الأحبار والرهبان، ومنحتهم مناصب في البلاط الملكي، فكان من أخطرهم (الأب خمنيس) مطران طليطلة. وإذا كانت الممالك الإسبانية قد اضطهدت المدجنين (المسلمون الذين ظلوا على دينهم) خلال استردادها القواعد الأندلسية قبل سقوط غرناطة، إلا أنه بعد السقوط أصبح الأمر أكثر خطورة فحرموا من حمل السلاح، وفرضت عليهم الضرائب القادمة خلال ١٤٩٥ - ١٤٩٩ م دون غيرهم من السكان.

стр. 293

منذ اللحظة الأولى لدخول الإسبان غرناطة، تم توزيع مساحات شاسعة من الأراضي على النبلاء الإسبان، فأصبح ملاكوها المسلمون أتباعاً للنبلاء هؤلاء. وفي عام ١٤٩٨ م أجريت عملية عزل العناصر الإسلامية عن المجتمع الإسباني، ووضعوا في أماكن معينة، ليسهل السيطرة عليهم والقضاء عليهم في حالة الثورة (٤٦). كانت نتيجة هذه السياسة التعسفية التي رافقها إحراق خمنيس للكتب العربية وجعلها أثراً بعد عين أن تأججت نار الثورة بين المسلمين. وفي الوقت نفسه عين الأب خمنيس رئيساً لديوان مجمع قضاة الإيمان الكاثوليكي (محاكم التفتيش)، والتي تأسست في إسبانيا منذ القرن الثالث عشر الميلادي (٤٧). ولقد أقام الملكان الكاثوليكيان محاكم التفتيش أولاً في إشبيلية عام ١٤٨٠ م وفي جميع المدن الأندلسية التي سيطروا عليها، وكانت هذه المحاكم سلاحاً فتاكاً بيد الكنيسة تسحق به كل من لم يذعن لأوامرها (٤٨). فكان من نتائج سياسة خمنيس التعسفية قيام عدة ثورات أهمها: ١ - ثورة البيازين في غرناطة عام ١٤٩٩ م/٩٠٤ هـ: كانت صدور المسلمين تغلي كالمراجل نتيجة نقض الإسبان لعهودهم ومواثيقهم، وتفجرت ثورتهم عندما اعتدى أحد رجال الشرطة وخادم للأب خمنيس على فتاة مسلمة في حي البيازين في غرناطة، فهاجموا المعتدين، ففر الخادم وقبضوا على رجل الشرطة فقتلوه. ومن ثم سارت جموع الثوار إلى دار الأب خمنيس الواقع قرب قصر الحمراء للقضاء عليه، لعلمهم بأن هذه الحادثة هي من تخطيطه. واختار الثوار أربعين رجلاً منهم يمثلون حكومة موريسكية مستقلة عن الإسبان. احتمى خمنيس في بيت حاكم مدينة غرناطة الإسباني (الكونت دي تنديا) مستغلاً المحبة والاحترام بين هذا الحاكم والموريسكيين. أغلق الثوار الطرقات أمام الحملات العسكرية التي أرسلتها السلطات ورموها بالحجارة، واستنجدت السلطات بمطران غرناطة (الأب تالا فيرا) الذي يحظى باحترام الموريسكيين فهدأ من ثورة الموريسكيين واقتنعت حكومتهم بأقواله، والتي لا تعدو مجرد الوعود لأن مطران غرناطة وغيره يعملون أولاً وآخراً لصالح المسيحية والممالك الإسبانية.

стр. 294

حاولت السلطات تهدئة أهالي حي البيازين بأساليب ماكرة، منتظرة الفرصة الملائمة للقضاء عليهم. وفي الوقت نفسه هربت حكومة الموريسكيين (حكومة الأربعين) من غرناطة إلى إقليم البشرات خشية التنكيل بهم أو ملاحقتهم من قبل السلطات. وبعد إخماد هذه الثورة عام ١٤٩٩ م قرر ملك غرناطة الإسباني تأسيس محاكم التفتيش في غرناطة، والتي تتبعت المسلمين بالتعميد، كما منعت أي موريسكي من الدخول إلى غرناطة حتى لا يختلط بأهلها فيثير فيهم روح الثورة. كما حُرم على المسلمين اللجوء إلى الكنائس لعلها تخفف عنهم عقوبة الإعدام. ولم يبق أمام هؤلاء الموريسكيين سوى اللجوء إلى المعاقل المنيعة في رؤوس الجبال ومن هناك يشنون الغارات على القوات الإسبانية التي كانت تلاحقهم باستمرار وتبيد مجموعات كبيرة منهم. إضافة إلى ذلك أصدر الملكان في ٢٠/تموز/١٥٠١ م أمراً يحرم على الموريسكيين ممارسة أي عمل يمت إلى عقيدتهم ولغتهم بصلة، مما دفع الكثير من الموريسكيين إلى الالتحاق بإخوانهم في رؤوس الجبال (٤٩). ٢ - ثورة البشرات عام ١٥٠١ م/٩٠٦ هـ: كان من نتائج ثورة الموريسكيين في محلة البيازين في غرناطة، أن ثار إخوانهم في منطقة البشرات الواقعة في جنوبي غرناطة. فأرسلت الحكومة الإسبانية حملة عسكرية للقضاء على هذه الثورة، قادها (الكونت تنديا) -القائد الذي قام بالدور نفسه في ثورة البيازين- وغيره، ففي طريقها كانت تمر على القرى فتجدها مقفرة من رجالها الأشداء الذين التحقوا بثوار البشرات، فتحرق القرى بعد قتل النساء والأطفال والشيوخ. ولحق بهذه الحملة الملك الإسباني فردينداد وبعض قواده، الذين احتلوا بعض القرى والحصون في الطريق مثل (وادي لكوين) ومدينة (لانخرون) و (لوشار) و (قونقه) و (اندرش) ولقيت الحملة الإسبانية مقاومة عنيفة من الموريسكيين الذين دافعوا عن مدنهم ببسالة (٥٠).

стр. 295

ومن مدينة المرية خرجت حملة إسبانية أخرى تجاه البشرات، فأوقعت هذه الحملات الخسائر الكثيرة بالموريسكيين وأخذت الكثير منهم كرهائن. وفي عام ١٥٠٢ م كانت الثورات قد أُخمدت عموماً في جميع أراضي البشرات وما جاورها، واضطهد الإسبان الموريسكيين اضطهاداً لا نظير له، فنسفوا مساجدهم، وقتلوا نساءهم وأطفالهم وتعرضوا لحرب إبادة مكشوفة، لأن الموريسكيين في نظر الإسبان مجرد عبيد ورقيق. وأخيراً وضع الموريسكيون المغلوبون على أمرهم أمام أحد الخيارين: إما التنصير القسري، أو التهجير خارج إسبانيا، وانسحب هذا الأمر إلى مدجني قشتالة وليون (٥١). ونتج عن هذه الأحداث، تحويل مسجد غرناطة إلى كنيسة، وكذلك حول مسجد البيازين إلى كنيسة ومدرسة سميت (كنيسة المخلص). وفي مدينة غرناطة نُصِّر قسراً أكثر من خمسين ألف شخص، كما أجبر مسلمو الأندلس على لبس السراويل والقبعات، وأجبروا على ترك لغتهم وتقاليدهم وأسمائهم العربية، وحملوا على اعتناق المسيحية، واستعمال اللغة والتقاليد والأسماء الإسبانية (٥٢). وعلى الرغم من كل وسائل العنف والإرهاب التي استعملتها السلطات ومحاكم التفتيش في تنصير الموريسكيين، إلا أنهم استمروا في ممارسة شعائر دينهم بصورة سرية فكانوا يؤدون فروض الصلاة سراً في بيوتهم، وكانوا يغلقون بيوتهم يوم الأحد موهمين السلطات بأنهم ذهبوا إلى الكنيسة، وعندما يتم تعميد أطفالهم في الكنائس يبادرون إلى غسلهم بعد رجوعهم إلى بيوتهم مباشرة، وكانوا يعقدون حفلات الزواج على الطريقة الإسلامية سراً بعد إجراء الاحتفال العلني في الكنيسة. ولهذا أصبحت تعاليم الإسلام وممارساته تقاليد موروثة، يتوارثها الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل في حلقات مغلقة، لها صفة المجالس السرية. وقد تعرض بعض هذه الأسر إلى الاضطهاد والإبادة بسبب زلة لسان من صبي يعيش حالة الإزدواجية (٥٣). وبعد فشل ثورات الموريسكيين في داخل إسبانيا، أرسلوا استغاثتهم إلى إخوانهم المسلمين لعلهم يساندونهم في محنتهم، ومن هذه الصرخات: ١ - بعثوا باستغاثتهم إلى عدوة المغرب، لأن المغرب أقرب البلاد الإسلامية لهم، إلا أن الحالة السياسية المفككة للمغرب في هذه الفترة منعته عن إرسال النجدات إلى

стр. 296

الأندلس، كما كان سابقاً. ٢ - أرسل الموريسكيون إستغاثتهم الأولى إلى السلطان بايزيد الثاني سلطان العثمانيين (١٤٨١ - ١٥١٢ م)، واتفق هذا السلطان مع السلطان المملوكي في مصر قايتباي (١٤٦٨ - ١٤٩٦) على إرسال أسطول بحري لنجدتهم عن طريق صقلية (٥٤). إلا أن ظروف السلطانين السيئة حالت دون إرسال مثل هذا الأسطول، فاكتفى السلطان بايزيد بإرسال كتاب إلى الملكين الكاثوليكيين، بعد ثورة البيازين عام ١٤٩٩ م، لم يكن له أي أثر يذكر. ومع ذلك استنجد به الموريسكيون مرة أخرى، فكانت استغاثتهم على شكل قصيدة مؤثرة مطلعها (٥٥): سلام كريم دائم متجدد ... أخص به مولاي خير خليفة ويبدو أن تاريخ هذه الاستغاثة كان بعد عام ١٥٠١ م، ولم يحرك السلطان العثماني ساكناً، وذهبت الاستغاثة الموريسكية في مهب الريح. ٣ - أرسل الموريسكيون استغاثتهم إلى الملك الأشرف قانصوه الغوري (١٥٠١ - ١٥١٦ م) سلطان دولة المماليك البرجية في مصر، وأوضحوا له ما وصلت إليه حالهم من إكراه على الارتداد، وانتهاك للحرمات. ودعوه ليتوسط لدى الملكين لكي يحترما معاهدات الاستسلام، ويوقفا الأعمال البربرية ضدهم. فأرسل سلطان مصر وفداً لملكي إسبانيا، بأنه سيجبر المسيحيين المقيمين في بلاده على الدخول في الإسلام بالقوة، إذا لم يحترم الملكان الإتفاقيات المعقودة بينهم وبين مسلمي الأندلس. أرسل الملكان الإسبانيان وفداً إلى مصر في عام ١٥٠١ م يتزعمه رئيس كاتدرائية غرناطة، والذي استطاع أن يغرر بسلطان مصر ويوحي له بأن الموريسكيين في حالة جيدة، ومعاملتهم حسنة، وأن لهم الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الإسبان. ولم يتابع سلطان مصر الأمر لأنه كان مشغولاً بحركات السلطان سليم الأول، وذهب قانصوه الغوري ضحية لهجوم سليم الأول على بلاد الشام في معركة مرج دابق عام ١٥١٦ م (٥٦).

стр. 297

وعندما خابت الآمال التي كان يعلقها مسلمو الأندلس على إخوانهم في الدين في بلاد المغرب والمشرق، لم يبق أمامهم سوى خيارات ثلاث هي: الموت أو التنصير القسري، أو الهجرة القسرية خارج البلاد. فضل الكثير منهم البقاء في بلادهم، والقبول بالأمر الواقع، والتنصير القسري -ولو بالظاهر- حيث صعب عليهم مفارقة الأوطان العزيزة. وهناك فريق آخر أبت عليه عزة الإسلام أن يعيش ذليلاً، أو متنصراً، فترك البلاد وهاجر إلى مصر وبلاد الشام وبلاد عدوة المغرب، وقسم منهم ذهب مع الرحلات الاستكشافية إلى أمريكا الوسطى والجنوبية. ولم يكتف الملكان الإسبانيان بتنصير وتهجير الموريسكيين. بل لاحقوهم إلى دار هجرتهم وبخاصة بلاد المغرب العربي التي تعرضت مدنه -التي سكنها الموريسكيون- لغارات الإسبان البحرية (٥٧).

стр. 298

البَابُ الخَامِس حضارة العرب في الأندلس الفصل الأول: تاريخ الفكر العربي في الأندلس الفصل الثاني: النظم العربية في الأندلس الفصل الثالث: أثر الحضارة العربية في الأندلس على أوروبا الدكتور خليل إبراهيم السامرائي

стр. 299

الفَصْلُ الأَوَّل تاريخ الفكر العربي في الأندلس بدأ العرب عملية فتح الأندلس في عام ٩٢ هـ، واستكمل فتحها عام ٩٥ هـ وبدأ العصر الإسلامي الأول فيها، والذي يعرف باسم عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ). شهد هذا العصر كثيراً من الحملات العسكرية التي سارت إلى الشمال لإخضاع المتمردين الإسبان، أو العبور وراء جبال البرتات لوضع حد لهجوم الفرنجة، أو فتح أراضٍ جديدة وراء هذه الجبال. وتميز هذا العصر بعدم الاستقرار السياسي بسبب المنازعات القبلية الكثيرة فيه، والذي أدى إلى تعاقب أربعة وعشرين والياً لحكم هذه الولاية (١)، فأدى هذا الأمر إلى عدم استقرار المجتمع الأندلسي في هذا العصر، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن أكثر الداخلين إلى الأندلس في هذه الفترة كانوا جنوداً وحكاماً، اهتموا بالأمور السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى. ومع ذلك فقد عرفت الأندلس في عصر الولاة نوعاً من الثقافة، كانت اللبنة الأولى لبناء صرح حضارة العرب فيها. فقد دخل الأندلس في فترة الولاة مجموعة من الصحابة والتابعين، رافقوا عمليات الفتح أو بعدها (٢)، وكان واجبهم الأول بعد الجهاد تفقيه الناس بأمور الدين، وتخطيط المساجد في أمهات المدن الأندلسية المفتوحة، والتركيز على علوم الدين واللغة أولاً (٣). ويبدو لنا أن أماكن التعليم في هذا العصر كانت لا تتجاوز حلقات المساجد أولاً، والكتاتيب التي ورد لها ذكر في أواخر عصر الولاة ثانياً (٤).

стр. 300

وفي هذا العصر ظهرت البوادر الأولى للأدب العربي المتمثل في الشعر والنثر والخطابة، فهناك أبيات من الشعر نُسبت إلى فاتح الأندلس الأول طارق بن زياد منها: ركبنا سفيناً بالمجاز مقيَّرا ... عسى أن يكون الله منّا قد اشترى (٥) ونسب إليه الخطبة المشهورة: " أيها الناس، أين المفر ... "، فلو صحت نسبة هذين النصين إلى طارق بن زياد، لقررنا أن هذين النصين كانا أول أدب عربي ظهر في الأندلس خلال عصر الولاة، إلا أن الشك يدور حول نسبة هذين النصين إلى طارق بن زياد، وقد قدم بعض الباحثين دراساتهم في هذا المجال (٦). إلا أن بعض المصادر حفظت لنا بعض الشعراء في عصر الولاة ونماذج من شعرهم، ويأتي في طليعتهم: أبو الأجرب جعونة بن الصمة الذي هجا الصميل بن حاتم زعيم القبائل القيسية ومن ثم مدحه بعد ذلك، وكذلك بكر الكنائي، وقد سأل أبو نواس عباس بن ناصح عندما التقى به في العراق عن هذين الشاعرين وعن نماذج من شعرهما. ومن شعر جعونة: ولقد أراني من هواي بمنزل ... عال ورأسي ذو غدائر أفرعُ والعيش أغيد ساقط أفنانه ... والماء أطيبه لنا والمرتع (٧) ومن شعراء هذا العصر أيضاً، الوالي أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي ١٢٥ - ١٢٨ هـ/٧٤٣ - ٧٤٦ م، والذي كان يلقب بعنترة الأندلس (٨)، ومن شعره: فليت ابن جواس يخبر أنني ... سعيت به سَعْيَ امرئ غير عاقلِ قتلتُ به تسعين تحسب أنهم ... جذوع نخيل صُرِّعت في المسايل ولو كانت الموتى تباع اشتريته ... بكفي وما استثنيت منها أناملي (٩) هذه النماذج البسيطة من الشعر قالها شعراء مشارقة وفدوا إلى الأندلس، فهو

стр. 301

يتناول المدح والهجاء والفخر والحماسة على غرار شعر المشرق، ولا أثر للأندلس على هذه النماذج التي قيلت، سوى أنها قُرئت في أرض الأندلس ليس إلا. وبجانب الخطبة المنسوبة إلى طارق بن زياد، فإن ظروف العصر تتطلب الخطب الحماسية أولاً في مجال الحروب الجهادية أو في مجال الحروب القبلية، كما أن دعاة الإسلام في الأندلس يتطلب الأمر منهم إلقاء الخطب الدينية في أيام الجمعة أو أوقات الدعوة ثانياً (١٠). والكتابة كانت ضرورية تقتضيها ظروف الفتح وإدارة البلاد، وإعطاء المواثيق وكتابة المعاهدات. ومن أشهر كتابات هذا العصر عهد موسى بن نُصير إلى تُدمير، وعهد بنبلونة، ورسالة يوسف الفهري آخر ولاة الأندلس إلى عبد الرحمن الداخل (١١). ومن أشهر كتاب هذا العصر خالد بن يزيد كاتب يوسف الفهري، وكذلك أمية بن زيد الذي دخلَ الأندلس مع جنود بلج بن بشر، واتصل بخالد بن يزيد فجعله كاتباً معه (١٢). وكانت الخصائص الفنية لهذا النثر هي خصائص النثر المشرقي نفسه الذي كان معروفاً في عصر بني أمية، فهو يميل إلى الإيجاز، ويعنى بقوة العبارة أكثر من عنايته بتجميلها، ثم خلوه من المقدمات الطويلة (١٣). وفي الوقت نفسه لم يتوفر لفاتحي الأندلس التأثر بالثقافة القوطية المحلية، نظراً لضعف هذه الثقافة، وضيق أفقها، واقتصارها على المجال الديني بصورة خاصة. إضافة إلى أن ظروف الأندلس السياسية في عصر الولاة، أوجدت فيها جواً لا يلائم أي تقدم في مضمار الثقافة، لانهماك الناس بالمنازعات الكثيرة التي سيطرت على مسرح الأحداث، لذا اقتصر اقتباس الأندلسيين من الثقافة في هذا العصر على ما هو ضروري من المشرق العربى، لتمشية أمور الحياة وفق أحكام الدين الإسلامي. أما في مجال العلوم الصرفة، فكان أهل الأندلس منذ الفتح حتى بداية عصر الإمارة يعتمدون في الطب على كتاب مترجم من كتب المسيحيين يقال له الإبرشيم (المجموع - الجامع) (١٤).

стр. 302

من المعروف أن الحضارة الأندلسية لم تنشأ فجأة، بل مرت في أدوار مختلفة، وخضعت لمؤثرات حضارية مشرقية تربطها بالوطن الأم باعتبارها جزءاً منه، كما خضعت أيضاً لمؤثرات حضارية محلية بحكم البيئة التي نشأت فيها (١٥). ففي عصر الولاة كانت الأندلس تابعة للسيادة الأموية سواء في بلاد الشام أم في قرطبة، ولهذا كان من الطبيعي أن تتأثر بالمظاهر الحضارية الشامية جميعاً، وهو ما يسمى بالتقليد الشامي: فمن الناحية الدينية، اعتنق الأندلسيون في هذه الفترة مذهب الإمام الأوزاعي (عبد الرحمن بن يحمد الأوزاعي ٨٨ - ١٥٧ هـ) (١٦)، الذي كان من المجاهدين الذين رابطوا في مدينة بيروت لصد غارات العدو البيزنطي البحرية، ولهذا اهتم مذهبه بالتشريعات الحربية وأحكام الجهاد، وهذا الاهتمام كان يناسب وضع الأندلسيين في هذه الفترة من حياتهم القائمة على حروب الجهاد، ولهذا اعتنقوا هذا المذهب. وتختلف الروايات حول العالم الأول الذي نقل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس فترجح بين القاضي الغرناطي أسد بن عبد الرحمن (توفى عام ١٥٠ هـ) وصعصعة بن سلام الشامي الأندلسي (توفى عام ١٩٢ هـ أو ٢٠٢ هـ) (١٧) أما الحياة الأدبية في الأندلس في هذا العصر فقد كانت صدى لحياة الشام الأدبية، فالشعر الذي قاله أشهر شعراء هذه الفترة -وقد ذكرنا بعضهم- كان يحاكي شعر الفرزدق والأخطل وجرير بالمشرق (١٨). وإذا أخذنا بالتقسيم السياسي لعصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ حسب منهج الدكتور أحمد بدر (١٩)، وهو على الترتيب الآتي: ١ - عصر التأسيس ١٣٨ - ١٧٢ هـ/٧٥٦ - ٧٨٨ م (عصر عبد الرحمن الداخل). ٢ - عصر التوطيد ١٧٢ - ٢٠٦ هـ/٧٨٨ - ٨٢٢ م (عصر هشام الأول ١٧٢ - ١٨٠ هـ، وعصر الحكم بن هشام ١٨٠ - ٢٠٦ هـ).

стр. 303

٣ - عصر الاستقرار والازدهار ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ/٨٢٢ - ٨٨٦ م وهو عصر عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - ٢٣٨ هـ وعصر ابنه الأمير محمد ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ. ٤ - عصر الحرب الأهلية، ٢٧٣ - ٣٠٠ هـ/٨٨٦ - ٩١٢ م، وهو عصر الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - ٢٧٥ هـ وعصر الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ، نرى أن الملامح الشامية للحضارة العربية دخلت الأندلس في عصر الولاة وعصر التأسيس من عصر الإمارة، وأن الملامح الحجازية دخلت في عصر التوطيد من عصر الإمارة، كما أن الملامح العراقية دخلت في عصر الاستقرار والإزدهار من عصر الإمارة وما تلاه من عصور (٢٠). أما التأثير الحجازي، فبدأ في عصر التوطيد، ولعل السبب الذي أدى إلى ضعف التأثير الشامي على الأندلس هو أن سليمان وعبد الله من أولاد الداخل قد تمردوا على أخيهم الأمير هشام، وكان وراءهما الحزب الشامي في الأندلس، فلما انتصر الأمير هشام على إخوانه، هربوا إلى شمالي أفريقية، وضعف الحزب الشامي بالأندلس، فنتج عن ذلك ضعف شأن التأثير الشامي الذي سيطر على الأندلس، وبذلك نجد الأندلسيين، وبخاصة أميرهم، يبحثون عن آفاق حضارية جديدة غير الشامية، فاهتدوا إلى الملامح الحجازية. وكان الحجاز في القرن الثاني للهجرة مركزاً حضارياً هاماً للفنون والموسيقى، والعلوم الدينية، ففي مجال الفنون، ظهرت الممارسات الموسيقية الأولى في الحجاز وهي عبارة عن الموسيقى العربية الأصلية الممزوجة بالمؤثرات الفارسية والبيزنطية نتيجة حركة الفتوحات العربية، وكان هناك تنافس بين مكة والمدينة في هذا المجال. وسرعان ما انتقل هذا الفن إلى الأندلس عن طريق الجواري والمغنين الذين رحلوا إلى الأندلس ونقلوا معهم هذه المظاهر الحضارية. وفي المقدمة تأتي المغنية (عجفاء) التي أثارت إعجاب الأندلسيين في عهد الأمير هشام، ويأتي بعدها الثنائي الغنائي الحجازي (علون وزقون) في عهد الأمير الحكم (٢١). أما في مجال العلوم الدينية، فقد كانت المدينة المنورة مركز العلوم الدينية، وقد توج نضوج هذه العلوم وجود الإمام مالك بن أنس فيها (توفي عام ١٧٩ هـ) صاحب

стр. 304

كتاب الموطأ الذي يعني (السهل الواضح)، وقد ذاعت شهرة الإمام مالك في العالم الإسلامي، فأقبل الأندلسيون على اعتناق مذهبه في عهد الأمير هشام. وشاع هذا المذهب في الأندلس بعد أن استهوى الأمير هشام ومن حوله من الفقهاء ورواد الحديث، تاركين مذهب الأوزاعي. والروايات تعزو هذا التحول إلى الإعجاب المتبادل بين مالك والأمير هشام، هذا الإعجاب الذي جسده الفقهاء الأندلسيون تلاميذ مالك، دون أن يرى أحدهم الآخر (٢٢). بالإضافة إلى التعاطف بين الأمير هشام ومالك الناجم عن عداوة الاثنين للعباسيين، إذ ساند الإمام مالك ثورة محمد ذي النفس الزكية في المدينة عام ١٤٥ هـ ضد الخليفة العباسي المنصور، وقد أفتى مالك بجواز تحلل المسلمين من بيعة المنصور، ولذا لقي كبير عناء من العباسيين (٢٣). كذلك لا يُنسى دور علماء الأندلس الذين رحلوا إلى الحجاز ودرسوا على يد الإمام مالك، فنقلوا مذهبه إلى الأندلس، وفي مقدمتهم أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن اللخمي (توفي عام ٢٠٤ هـ أو قبلها) والملقب بـ (شبطون) الذي أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، وأخذه عنه يحيى بن يحيى الليثي (عاقل الأندلس) كما لقبه الإمام مالك. وتذكر الروايات أن يحيى بن يحيى أخذ عن الإمام مالك بالذات وروى عنه الموطأ، وتعتبر روايته من أصح الروايات (٢٤). ويليه عيسى بن دينار الفقيه المشهور، وعبد الملك بن حبيب السلمي الذي أخذ من طبقة أصحاب مالك وعاد إلى الأندلس ليدون كتاب الواضحة (٢٥). وتعلل الروايات أن الشبه الكبير بين طبيعة أهل المغرب والأندلس وطبيعة أهل الحجاز، من حيث البساطة، كان من أسباب انتشار المذهب المالكي في مغرب العالم الإسلامي. ولهذا إن عقلية أهل المغرب والأندلس كانت تغلب عليها نزعة أهل الحديث، وجانبوا نزعة أهل الرأي والقياس (مذهب أبي حنيفة) (٢٦).

стр. 305

ولم يقف الأمر عند انتشار المذهب المالكي في الأندلس في هذه الفترة فقط، بل تعداه إلى انتشار قراءة أهل المدينة للقرآن - وبالذات قراءة نافع بن عبد الرحمن (توفي عام ١٦٩ هـ) (٢٧) للقرآن (قارئ أهل المدينة) في الأندلس. وينسب إلى الغازي بن قيس إدخال هذه القراءة على عهد الأمير الداخل، وقد امتدح الإمام مالك هذه القراءة. وكذلك قلدت الأندلس الحجاز في تنقيط القرآن وتشكيله (٢٨). وحاول المذهب الحنفي طرق أبواب الأندلس، إلا أن ولاة الأمر فيها وبخاصة الأمير هشام أغلقوا الأبواب دون دخول هذا المذهب (٢٩). أما الأدب الأندلسي في فترة التأسيس والتوطيد، فسار على النهج التقليدي المشرقي من فخر وحماسة ومدح، إلا أنه أيضاً ظهرت بوادر أوليات الأدب الأندلسي، فهناك التجديد الموضوعي، وتزعمه الشاعر أبو المخشي عاصم بن زيد العبادي، الذي يتحدث في شعره عن محنته حين فقد بصره، فعبر عن هذه المحنة تعبيراً إيحائياً بسيطاً مؤثراً، وذلك حيث ذكر زوجته وخضوعها للأعداء بسبب فقدان عائلها لنور عينيه، وهذا ما يسمى بالتجويد الفني: خضعت أم بناتي للعدا ... إذ قضى الله بأمر فمضى ثم أخذ الشاعر يجسم محنة فقدان البصر، فيجعل من يصاب بها: وإذا نال العمى ذا بصر ... كان حياً مثلُ ميت قد ثوى (٣٠) أما الأمير عبد الرحمن الداخل فكان شاعراً مقلداً، إلا أنه ركز على الجانب العاطفي عند وصفه للنخلة بشعره المعروف (٣١). ومن شعراء هذا العصر أيضاً الأمير الحكم بن هشام الذي وصف بالبلاغة والفصاحة وغلب على شعره الجانب الحماسي والعاطفي (٣٢). أما الشاعر عباس بن ناصح الثقفي فكانت له رحلة مشرقية، وبعد رجوعه إلى الأندلس عينه الأمير الحكم على قضاء الجزيرة الخضراء مع شذونة، واشتهر شاعرنا

стр. 306

هذا بالمدح والفخر وتناول أحياناً الزهد (٣٣). وحسانة بنت أبي الحسين التميمية، فهي أولى الشواعر الأندلسيات، وشعرها مزيج من الرثاء والشكوى والمدح وطلب العون، فهو شعر يتسم بالتجويد الفني والتركيز العاطفي (٣٤). واستمر النثر في هذه الفترة يسير على الأسلوب نفسه، الذي سار عليه في عصر الولاة، فمن نماذج النثر: خطب الأمراء يحثون بها أصحابهم وجنودهم على القتال، ووصايا الأمراء لأولادهم، ومن أشهر الكتاب في هذه الفترة فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد، اللذان كانا كاتبين للأمير هشام ثم لابنه الأمير الحكم، وكذلك حجاج العقيلي كاتب الحكم (٣٥). وإذا كان الشاعر عباس بن ناصح الثقفي ذا شهرةٍ أدبية، فشهرته العلمية تعادل شهرته السابقة، فقد كان بارعاً في الهندسة والفلك والفلسفة (٣٦). ونبغ في عهد الأمير الحكم أبو القاسم عباس بن فرناس، الذي برع منذ فتوته في الفلسفة والفلك والكيمياء، وهو أول من استنبط في الأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وضع آلة فلكية تعرف بالميقاتة لتعريف الوقت، وحاول الطيران كما هو مشهور (٣٧). وعاصره أيضاً يحيى بن الحكم الغزال، وبالرغم من اشتهاره بالشعر، إلا أنه كان عالماً بالفلسفة والفلك، وله أرجوزة طويلة في أبواب العلم لم تصلنا (٣٨)، واشتهر هذان العالمان في عصر الأمير عبد الرحمن بن الحكم، أي فترة الإزدهار. وفي فترة الاستقرار والإزدهار من عصر الإمارة ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ هبت رياح التأثير العراقي الذي ازدهر في هذه الفترة لعوامل كثيرة، على الأندلس، وفي الوقت نفسه توفرت في الأندلس عوامل جذب لهذه الحضارة، منها: رغبة الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٧ - ٢٣٨ هـ في ترك سياسة الإنعزال عن العراق التي سار عليها آباؤه، وأن

стр. 307

يساير حركة الإزدهار الحضاري التي اشتهرت بها بغداد، ففتح أبواب الأندلس أمام التيارات العراقية. بالإضافة إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في المجتمع الأندلسي بسبب الإزدهار الاقتصادي الأندلسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار إقبال أهل الأندلس على الحياة الفكرية بسبب الاستقرار السياسي وما تبعه من نشاط اقتصادي (٣٩). ويأتي في مقدمة من اهتموا بالحركة العلمية الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي كان عالماً بالشريعة والفلسفة، وقد شبه بالمأمون العباسي في طلبه للكتب الفلسفية (٤٠). وكذلك ابنه الأمير محمد الذي أنشأ نواة مكتبة القصر، كما أنه أقطع أحد العلماء الوافدين من المشرق إقطاعاً، وعنه روى الحديث (٤١). وقد ساعد الناس في مسعاهم هذا حصول تطورات ملائمة في عهدهم، منها انتقال صناعة الورق، بعد انتشارها في المشرق، إلى الأندلس وإقامة مراكز لصناعته في مدينة طليطلة وشاطبة (٤٢). وهناك عوامل عديدة ساعدت على انتقال مظاهر الحضارة العراقية إلى الأندلس في هذه الفترة وهي: ١ - الوفود: تذكر لنا بعض الروايات أن الأمير الحكم أو الأمير عبد الرحمن الأوسط أرسل وفداً إلى العراق برئاسة العالم عباس بن ناصح لدراسة الآثار العلمية المنقولة إلى العرب عن اليونان واستنساخها له. وبعد رجوع الوفد حمل معه كتاب الحساب الهندي المعروف عند العرب باسم السند هند (٤٣). وبذلك دخلت الأرقام الهندية الأندلس، ومنها انتقلت إلى أوروبا، ومعنى هذا أن الوفد الأندلسي عرف هذا الكتاب واطلع عليه في العراق. لأن العرب عرفوا في العصر العباسي الأول كتاب السد هانتا في الرياضيات من الهنود، وقد أمر الخليفة المنصور ١٣٦ - ١٥٨ هـ بترجمته إلى العربية، فترجمه إبراهيم بن حبيب الفرازي، وعرف هذا الكتاب باسم السند هند، وألف الفرازي على غراره كتاباً عرف باسم السند هند الكبير.

стр. 308

وفي عصر المأمون ١٩٨ - ٢١٨ هـ طلب من العالم محمد بن موسى الخوارزمي تصحيح هذا الكتاب، ويذكر الخوارزمي شكلين للأرقام الهندية كان يكتبهما العرب، بقي أحدهما المعروف بالأرقام الهندية، وهو الذي ساد في مشرق العالم الإسلامي، بينما اندثر الشكل الآخر المعروف بالأرقام الغبارية الذي ساد في مغرب العالم الإسلامي، ومنها انتقل إلى أوروبا، وهو أصل الأرقام العربية الآن (٤٤). ٢ - الرحلة في طلب العلم: قام العديد من طلاب العلم الأندلسيين بالرحلة إلى العراق للتزود بالعلوم من منابعها، وقد أمضى بعضهم سنوات طويلة تجاوزت العشرين سنة أحياناً من أجل هذه المهمة، أمثال محمد بن عبد السلام الخشني (٤٥)، وأنفق الكثيرون القسم الأكبر من ثرواتهم في شراء الكتب التي أدخلوا منها الكثير إلى الأندلس، بالإضافة إلى أن غيرهم حملوا العلم رواية في الصدور (٤٦). ومن نماذج هؤلاء العلماء يحيى بن الحكم الغزال الذي رحل إلى بغداد ودرس الشعر العربي في العراق هناك وقلّد أبا نواس في شعره (٤٧). وكذلك عبد الله بن محمد بن قاسم الذي رحل إلى العراق ودرس فيه المذهب الظاهري ونقل أصوله إلى الأندلس، وعالم الحديث المشهور محمد بن وضاح، رحل إلى المشرق ودرس على أيدي كبار علماء الحديث ومن أشهرهم الإمام أحمد بن حنبل (٤٨). كذلك اشتهر عبد الله بن مسرة بن نجيح بالفلسفة وعلم الكلام وقام برحلته المشرقية إلى العراق ونزل البصرة في أواخر عصر الإمارة مع أخيه. وقد وُصف عبد الله هذا بكونه أشقر شديد الحمرة مما جعل أحد شيوخه في البصرة يحذره مازحاً " إياك أن يبيعك أهل البصرة يا صقلبي "، ثم رجع إلى الأندلس يبشر بهذه العلوم التي درسها في العراق (٤٩). وقد ازدهرت مدرسة ابن مسرة الفلسفية في عصر الخلافة.

стр. 309

٣ - دور التجار: فتحت أبواب الأندلس أمام التجار المشارقة، وبخاصة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، فبجانب نقل التجار للسلع والبضائع إلى الأندلس، نقلوا معهم بعض الكتب العلمية وباعوها في أسواق الأندلس، حيث اشتراها علماء الأندلس واستفادوا منها في تنمية حركتهم العلمية. وقد كان في مقدمة هؤلاء التجار محمد بن موسى الرازي (توفي عام ٢٧٣ هـ) وهو جد أسرة الرازي التي اشتهرت بكتابة التاريخ في عصر الخلافة (٥٠). وكذلك دخل كتاب العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي إلى الأندلس على يد تاجر أهداه إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبدا هذا الكتاب عسير الفهم على أهل البلاط، وبعد أن اطلع عليه العالم عباس بن فرناس فسره وسهل فهمه لأهل الأندلس (٥١). ٤ - هجرة العلماء إلى الأندلس: نتيجة الاضطراب السياسي في المشرق، هاجر بعض العلماء إلى الأندلس، فلقوا الترحاب والرعاية في ربوعها، فكان الأمر كما يقول أحمد أمين: " ... علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة فيرحلون إلى الغرب، وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق ... " (٥٢). ومن العلماء الذين رحلوا من المشرق إلى الأندلس في هذه الفترة، محمد بن موسى الرازي وهو من مدينة الري في إيران، ورأس عائلة المؤرخين المشاهير في عصر الخلافة (أحمد بن محمد وابنه عيسى بن أحمد). وكان محمد بن موسى الرازي تاجراً مشرقياً اتصل بالأمير محمد وعمل لديه في التجسس على أوضاع المشرق، وهو الذي ألّف كتاب الرايات في التاريخ (٥٣). وفي عصر الإزدهار تقدمت العلوم الطبية في الأندلس، وقد ساهم في تقدمها بعض الأطباء المشارقة الذين رحلوا إلى الأندلس، فعلموا أهلها وما وصل إليه أهل العراق في الطب. ويأتي في مقدمتهم إسحاق بن عمران العراقي الأصل الذي رحل إلى الأندلس (٥٤). وإذا كان رائد الحركة الطبية في الأندلس في هذا العصر أحمد بن إياس

стр. 310

(حمدين بن أبا) الذي ينسب إليه يسون حمدين (شراب) وهو يتألف من مائة صنف من الأعشاب، فقد كان أستاذه طبيباً عراقياً من حران هاجر إلى الأندلس في فترة الإزدهار، وهذا الطبيب المشرقي هو الذي أدخل للأندلس معجوناً لأوجاع الجوف، كان يبيع السقية منه بخمسين ديناراً، وكان حمدين أحد خمسة أطباء أخذوا العلم منه (٥٥). وأدت هذه العوامل إلى انتشار بعض العلوم التي تعتبر عراقية النشأة في الأندلس، وقد شهدت فترة الإزدهار من عصر الإمارة دخول النتاج العربي العراقي من علوم اللغة والنحو، فنرى عبد الرحمن بن موسى الهواري يدرك الأصمعي في العراق ويأخذ منه علم النحو مباشرة، ولكنه لم يكتف بذلك بل سلك مسلك علماء البصرة بأن داخل الأعراب وتردد في بواديها وحفظ الكثير (٥٦). وكذلك محمد بن عبد السلام الخشني الذي قضى في العراق خمسة وعشرين عاماً، فأخذ علم اللغة والنحو والشعر الجاهلي من شيوخ يروونها عن طبقة المشاهير في هذا الباب كالأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى وسيبويه، ومن أشهر شيوخه سهل بن محمد السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي (٥٧). كذلك قام جودي بن عثمان النحوي (توفي عام ١٩٨ هـ) بلقاء الكسائي والفراء وأبي جعفر الرؤاسي أثناء رحلته للمشرق، وهو أول من أدخل للأندلس كتاب الكسائي (٥٨). ساهم التأثير الحضاري الشرقي في تطوير حضارة العرب في الأندلس، ابتداءً من فترة الازدهار في عصر الإمارة، وما تلاها من عصور، إلا أن هذا التأثير لقي في البداية معارضة شديدة من بعض العلماء ورجال البلاط ضد علماء الأندلس الذين تأثروا بالحضارة العراقية أمثال العالم والأديب المعروف عباس بن فرناس الذي لقي الأمرين من جراء ذلك، ولم يخفف عن هؤلاء العذاب، إلا رعاية الأمير عبد الرحمن الأوسط لهم (٥٩). كما أن التطور الحضاري في الأندلس خلال هذه الفترة زاد وكبر من حجم

стр. 311

ظاهرة الاستعراب بالأندلس، أي إقبال الإسبان على تعلم اللغة العربية وآدابها، وتقليد العرب في عاداتهم الإجتماعية. وإزاء هذا الأمر -الذي كان للتيار الفكري العراقي تأثير واضح في كل هذه المتغيرات- كان لبعض رجال الدين الإسبان المتعصبين موقف معادٍ لهذا التيار. وإذا صحت ظاهرة الاستشهاد (الانتحار الديني) في قرطبة ٢٣٥ - ٢٤٤ هـ/ ٨٥٠ - ٨٥٩ م، ومحورها الطعن بالإسلام ومبادئه وشتم رسول الله ﷺ علناً في المساجد والساحات العامة أولاً، ومحاولة إعادة بعض من أسلم حديثاً من الإسبان إلى دينه القديم ثانياً، والتي ذكرتها المراجع الأوروبية (٦٠)، فنحن نميل إلى أن هذه الحملة التي قادها الغُلاة تعود إلى ظاهرة التطور الحضاري الأندلسي في هذا العصر بسبب التأثيرات الحضارية المشرقية (٦١). ويعد منهج تفسير القرآن بالمأثور، من أبرز المناهج التي اشتهرت في الأندلس، وتزعم هذا المنهج فيها العالم الفقيه بقي بن مخلد (توفي عام ٢٧٦ هـ) في أواخر عصر الإزدهار، وقد ألف كتاباً في تفسير القرآن بلغ فيه درجة من الجودة والإتقان (٦٢). له رحلة مشرقية، وبعد عودته إلى الأندلس لاقى الأمرين من بعض الفقهاء ولم ينقذه من هذا الوضع الحرج إلا المناظرة المشهورة لأعدائه الفقهاء (٦٣). واستمرت شهرته في العصور التالية. وعلى الرغم من سوء الأحوال السياسية الداخلية للأندلس التي عَجَّت بالفتن والمنازعات في عصر الحروب الأهلية (٢٧٣ - ٣٠٠ هـ) -وهو العصر الأخير من فترة عصر الإمارة-، إلا أن هذه الفترة شهدت تقدماً ملحوظاً في الأدب الأندلسي، وبخاصة في مجال الشعر، الذي ظهرت فيه اتجاهات مختلفة، فهناك الاتجاه القومي العربي، إذ وقف بعض الشعراء العرب يمتدحون العروبة ويمدحون العرب ويفاخرون بهم ضد المولدين، كما وقف بعض الشعراء المولدين موقف المعادي للعرب ودعوا إلى الخلاص منهم، وقد تكون هذه الحركة متأثرة بحركة الشعوبية في المشرق، وهذا هو الإتجاه الثاني قال شاعر العرب: منازلنا معمورة لا بلاقع ... وقلعتنا حصن من الضيم مانع

стр. 312

ورد عليه الشاعر الشعوبي المدجني: منازلهم منهم قفار بلاقع ... تجاري السفى فيها الرياح الزعازع (٦٤) .. وبرز أيضاً الشعر الذي وصف المعارك الحربية، نظراً لكثرة المعارك بين الأمراء الأمويين في هذه الفترة والخارجين عليهم، وللشاعر والعالم عباس بن فرناس شعرٌ في هذا المجال وكذلك الشاعر سعيد بن جودي السعدي (٦٥). والاتجاه الآخر في الشعر في هذه الفترة، هو نشأة الموشحات في عهد الأمير عبد الله. وكان مخترع الموشحات في عصر هذا الأمير مقدم بن معافى القبري (٦٦)، وكان هذا الأمر استجابة إلى ازدهار الغناء في الأندلس منذ دخول زرياب الأندلس أولاً، ونتيجة لامتزاج العرب بالإسبان ثانياً (٦٧). والموشح شعر فصيح، وكلمة الموشح مأخوذة من الوشاح، كالقلادة مُرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقيها وجنبيها (٦٨). ومن أشهر شعراء هذه الفترة ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، واستمرت شهرته إلى عصر الخلافة (٦٩). أما النثر فقد تطور في هذه الفترة، وكثر عدد الأدباء المشتغلين به، فكان للأمير عبد الله، الكاتب موسى بن زياد وعبد الله بن محمد بن أبي عبده وعبد الله بن محمد الزجالي (٧٠)، كما أن بعض المسيحيين ذوي الأصول الإسبانية عملوا في الكتابة للأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط أمثال (قومس بن أنتنيا) الذي أسلم فيما بعد (٧١). وقد كان الجاحظ (توفي ٢٥٥ هـ) ذا شهرة لدى الأندلسيين في هذه الفترة، وقد وصلت بعض كتبه إليهم مثل كتاب البيان والتبيين، كما كان يقصده بعض علماء الأندلس للتلمذة على يديه (٧٢). وقد وجدت نماذج لبعض الرسائل والمحاورات والتوقيعات في هذا العصر تدل على تقدم النثر الأندلسي في هذه الفترة (٧٣).

стр. 313

وفي هذه الفترة دخل الأندلس المذهب الشافعي، ويرجع دخوله إلى الفقيه قاسم بن محمد بن سيار القرطبي (توفي عام ٢٧٨ هـ) (٧٤). ونشطت كذلك مدرسة ابن مسرة في هذه الفترة، وما يليها من عصور، كما سنوضح ذلك. ونشطت العلوم الطبية في هذه الفترة، ومن أشهر الأطباء (ابن ملوكة النصراني) الذي كان يصنع الأدوية بنفسه، ويفصد العروق، وكذلك (إسحاق الطبيب) (٧٥). أما عصر الخلافة الأندلسية ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ، فهو عصر النضوج للعلوم والفكر الأندلسي، ونظراً لطول هذه الفترة أولاً، ولتسهيل دراسة الفكر الأندلسي خلال هذا العصر ثانياً، نقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام: - ١ - فترة الخلافة ٣٠٠ - ٣٦٦ هـ وتولى الحكم فيها الخليفة الناصر ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ وابنه الحكم المستنصر، ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ. ٢ - فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ وهي الفترة التي سيطر فيها الحاجب المنصور وأولاده على الخلافة الأندلسية. ٣ - فترة الفتنة، ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ والتي أدت إلى قيام عصر الطوائف. نهضت الحركة العلمية في فترة الخلافة ٣٠٠ - ٣٦٦ هـ نهضة شاملة، وكان من مظاهرها اتضاح الشخصية العلمية للأندلس واستقلالها. فقد شجع الناصر وابنه الحكم العلماء المشارقة القادمين إلى الأندلس وأغدقا عليهم العطاء. وكانوا قد جلبوا الكتب القيمة، وترجموا الكتب الأجنبية المهمة، وحثوا على التأليف والبحث في مختلف المجالات. فإذا كان الناصر قد أحسن استقبال الوافد أبي علي القالي وجعله مؤدباً لابنه الحكم، فإن الخليفة الحكم اشتهر بحبه للكتب، فقد كانت له مكتبة تضم ٤٠٠ ألف مجلد، وكان يحرص على اقتناء الكتب من أي مصدر (٧٦)، فلذلك نهضت الأندلس علمياً في شتى الميادين خلال هذه الفترة: ففي مجال الترجمة، ترجم إلى العربية خلال هذه الفترة أهم كتابين: الأول كتاب هيروشيش المؤلف باللاتينية، والذي يحوي أخبار الروم في العصور القديمة وسير

стр. 314

ملوكهم (٧٧)، وكتاب ديسقوريدس في الطب والصيدلة (٧٨)، وقد استعانت الخلافة الأندلسية بالدولة البيزنطية من أجل ترجمة هذين الكتابين (٧٩). أما في مجال اللغة، فقد تأسست في هذه الفترة مدرسة للدراسات اللغوية في الأندلس، وذلك بعد قدوم أبي علي القالي، الذي وفد على الأندلس عام ٣٣٠ هـ/٩٤١ م وحمل القالي إلى الأندلس كثيراً من علم المشرق وأدبه، وبالذات دواوين اُمرئ القيس وزهير والنابغة والخنساء والأخطل وجرير والفرزدق وغيرهم (٨٠). هذا بالإضافة إلى كتب الأخبار واللغة. كما ألف كثيراً في الدراسات اللغوية، وأملى على طلبته الأندلسيين كتابه الأمالي (٨١). وبالعكس رحل علماء أندلسيون في اللغة إلى بلاد المشرق، أمثال محمد بن يحيى بن عبد السلام (توفي ٣٥٨ هـ)، رحل إلى مصر ولقي فيها ابن النحاس، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وعاد إلى الأندلس (٨٢). ويعني هذا تطور الدراسات اللغوية في الأندلس في هذه الفترة، وبرز علماء أفذاذ في هذا المجال أمثال (أبي بكر الزبيدي) وكان مؤدّباً للأمير هشام بن الحكم المستنصر (٨٣). وأبي بكر بن القوطية المشهور بعلم التاريخ أيضاً (٨٤). وفي الحقل التاريخي، أشهر من ظهر في هذه الفترة، أحمد بن محمد بن موسى الرازي (توفي عام ٣٢٤ هـ) ولقب بالتاريخي لكثرة اشتغاله بالتاريخ (٨٥). وله عدة مؤلفات قد ضاعت. وإذا كان كتاب (تاريخ افتتاح الأندلس) لأبي بكر بن القوطية أشهر مؤرخي هذه الفترة يظهر فيه ميل المؤلف إلى القوط أولاً ويكثر الحديث عن المولدين وحركاتهم ثانياً (٨٦)، فإن كتاب (أخبار مجموعة) لمؤلف مجهول الذي ظهر في هذه الفترة يتعصب

стр. 315

للعرب عامة ولقريش خاصة، وإلى الأمويين بصورة أخص (٨٧). واشتهر كذلك المؤرخ عريب بن سعيد (توفي عام ٣٦٩ هـ)، وله كتابه المشهور (صلة تاريخ الطبري). وعريب هذا اشتهر بالطب أيضاً (٨٨). وممن عرفوا بكتابة التراجم في هذه الفترة أبو عبد الله الخُشني (توفي عام ٣٦١ هـ) صاحب كتاب (تاريخ قضاة قرطبة) (٨٩). ومع تطور علم التاريخ في هذه الفترة تطور علم الجغرافية أيضاً، فقد كان أحمد بن محمد الرازي مؤرخاً وجغرافياً في آن واحد، وله كتاب باسم (مسالك الأندلس) (٩٠). ويعاصره الجغرافي محمد بن يوسف الوراق (توفي عام ٣٦٣ هـ) الذي دخل في خدمة الخليفة الحكم وألف كتاباً عن مسالك إفريقية (٩١). واشتهرت هذه الفترة بالرحلات الجغرافية، ويأتي في مقدمتها رحلة إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي (من أهل القرن الرابع الهجري) قام برحلات إلى بلاد أوروبا وقابل خلالها البابا يوحنا الثاني عشر في عام ٣٥٠ هـ، وبعدها التقى بإمبراطور ألمانيا أوتو عام ٣٥٤ هـ (٩٢). وقدم لنا معلومات قيمة خلال هذه الرحلة (٩٣). أما في مجال العلوم الدينية: فبجانب شيوع المذهب المالكي في الأندلس كما بينا، والذي كان من أقطابه في هذه الفترة، يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (٩٤) (توفي عام ٣٦٧ هـ)، وأبو بكر بن القوطية اللغوي والمؤرخ، شاع المذهب الشافعي بعد أن أدخله إلى الأندلس قاسم بن محمد بن سيار (توفي عام ٢٧٨ هـ)، وأصبح من أقطابه في هذه الفترة أسلم بن عبد العزيز بن هاشم (٩٥)، وأحمد بن عبد الوهاب بن يونس الذي عاصر الحكم المستنصر (٩٦). وكذلك انتشر المذهب الظاهري وكاد من أقطابه المنذر بن

стр. 316

سعيد البلوطي خطيب جامع الزهراء المشهور (٩٧). أما في مجال تفسير القرآن، فاشتهر العالم عثمان بن محمد بن محاسن (توفي عام ٣٥٦ هـ)، وكان له باع طويل في علم التفسير (٩٨)، وكذلك ابن القوطية اللغوي والمؤرخ (٩٩)، واشتهر ابن الحجام يعيش بن سعيد الوراق الذي ألف مسند حديث بأمر الخليفة الحكم المستنصر (١٠٠). أما العلوم العقلية فأخذت مكانها في الفكر الأندلسي خلال هذه الفترة، وكان الطب في مقدمة العلوم التي ازدهرت، ومثل هذا الإزدهار ترجمة بعض الكتب الطبية الأجنبية إلى العربية كما وضحنا، وكذلك شهرة الأطباء ويأتي في مقدمتهم سعيد بن عبد ربه، الذي كانت له طريقة خاصة في معالجة الحميات، وكذلك أحمد بن يونس وأخوه عمر اللذان اشتهرا بتحضير الأدوية وعلاج أمراض العيون (١٠١). واشتهر محمد بن عبدون الجبلي برحلته المشرقية عام ٣٤٧ هـ/٩٥٨ م وتزود من علوم البصرة ومصر ثم رجع إلى الأندلس عام ٣٦٠ هـ/٩٧٠ م وخدم الخليفة الحكم المستنصر وابنه هشاماً المؤيد بالطب (١٠٢). وقد ذاعت شهرة هؤلاء الأطباء وغيرهم، حتى وفد بعض ملوك الإسبان إلى أطباء الأندلس لعلاج ما استعصى من أمراضهم (١٠٣). ونتيجة ازدهار الطب والصيدلة في هذه الفترة، أسس الخليفة الحكم المستنصر ديوان الأطباء، يسجل فيه اسم كل طبيب يحترف مهنة الطب والصيدلة، وإذا ما ارتكب خطأ يتوجب العقاب أسقط اسمه من هذا الديوان (١٠٤). وتقدمت الدراسات الرياضية في هذه الفترة وكان من روادها عبد الله بن محمد المعروف بالسري أيام الخليفة الحكم، وكذلك أبو بكر بن عيسى الذي كان يعقد مجالس العلم على أيام الخليفة الحكم أيضاً، وكان مشهوراً بالحساب والهندسة والفلك. وكذلك العالم أبو غالب حباب بن عبادة الفرضي (عاش أيام الخليفة الناصر) الذي اشتهر بالحساب وله تأليف جيد في حساب الفرائض (١٠٥). واشتهر أبو

стр. 317

عبيدة مسلم بن أحمد (صاحب القبلة) (توفي عام ٣٠٤ هـ) بالأمور الفلكية، وكان عالماً بالحساب والنجوم وقد عارضه ببعض الأمور ابن عبد ربه الأندلسي (١٠٦). أما الفلسفة، فقد ورث هذا العلم محمد بن عبد الله بن مسرة (٢٦٩ - ٣١٩ هـ/٨٨٢ - ٩٣١ م) عن أبيه عبد الله بن مسرة (توفي عام ٢٨٦ هـ/٨٩٩ م) حيث ذهب الوالد إلى المشرق، وسار على نهجه الابن الذي رحل أواخر عهد الأمير عبد الله (توفي عام ٣٠٠ هـ) إلى المشرق أيضاً، ثم عاد إلى الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري، فأظهر الزهد والورع، إلا أنه أخذ يبث تعاليمه بين تلاميذه، فظهرت المدرسة المسرية التي انتمى لها بعض المفكرين الأندلسيين أمثال: محمد بن مفرج المعافري، وخليل بن عبد الملك القرطبي، وطريف الروطي وغيرهم (١٠٧)، إلا أن الفقهاء شنوا حملة شعواء ضد المدرسة المسرية اعتباراً من عام ٣٤٠ هـ/٩٥١ م وساعدتهم السلطات الرسمية (١٠٨)، إلا أن رعاية هذه المدرسة رجعت في عهد الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) نظراً لسياسته المتسامحة مع المفكرين (١٠٩). ونهض الأدب الأندلسي في فترة الخلافة نهضة كبيرة، ساعد عليها ما كان من رقي سياسي ونهوض وتفوق اجتماعي. وأخذت هذه النهضة الأدبية عدة مظاهر منها: ظهور بعض الاتجاهات الجديدة في الشعر. وقد مثله ابن عبد ربه أحسن تمثيل، وكلذلك أبو الحزم جهور بن عبد الله بن أبي عبدة من الأسرة المشهورة (١١٠). وكذلك ظهور الأنواع الجديدة في النثر: فإلى جانب الأسلوب القديم للنثر والذي يسمى النثر الخالص، ظهر نوع جديد من النثر يسمى بالنثر التأليفي ويتألف من فرعين: الفرع الأول يسمى التاريخ الأدبي ويمثله كتاب (أخبار الشعراء بالأندلس) لمؤلفه محمد بن هشام المرواني، وكتاب (شعر الخلفاء من بني أمية) لمؤلفه عبد الله بن محمد بن مغيث، ومن المؤسف أن أكثر هذه المؤلفات قد ضاع (١١١)، أما الفرع الثاني فهو التأليف الأدبي، ويعني ظهور كتب

стр. 318

أدبية بمفهوم القرن الثالث والرابع الهجري لكلمة أدب، وأحسن نموذج لكتب هذا الفرع، هو كتاب (العقد الفريد) لمؤلفه ابن عبد ربه الأندلسي. ومن مظاهر النهضة الأدبية الأخرى، تطور الإتجاهات الأدبية القديمة المعروفة، وكذلك وفرة النتاج الأدبي وتنوعه، إضافة إلى شيوع الأدب بين الأندلسيين شيوعاً جعله من أبرز سمات الحضارة الأندلسية في هذه الفترة (١١٢). ومن أشهر شعراء هذه الفترة بعد ابن عبد ربه الأندلسي، الشاعر أبو الحسن محمد بن هانئ الأزدي (٣٢٦ - ٣٦٢ هـ) (١١٣). أما فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ/وهي فترة حكم الخليفة هشام الثاني، فقد سيطر الحاجب المنصور وأولاده من بعده على أمور الدولة، وهيمنوا على الخلافة الأندلسية، فكان بداية البوار. ووصف هذا العصر بأنه: " عصر القوة التي تحمل الضعف، والانتصار الذي ينطوي على الهزيمة ... " (١١٤). سارت الثقافة الأندلسية في فترة الحجابة، بقوة الدفع التي كانت سائدة في عصر الخلافة. ومن أولى الملاحظات على علوم هذا العصر، أنه لم نر أي تقدم ملحوظ وجد في أي ميدان من ميادين المعرفة، ولا نرى أعلاماً بارزين في أي فرع من فروع الثقافة، باستثناء تلك البقية الباقية من أعلام فترة الخلافة. وربما كان من عوامل استمرار الدفع للثقافة الأندلسية في هذه الفترة، هو أن الحاجب المنصور كان على صلة قديمة بالثقافة، وقد ارتبط بها منذ نشأته، وأنه كان مصاحباً للعلماء، ويروى عنه: بأنه كان له مجلس علمي يضم كبار علماء عصره، وأن هذا المجلس كان يعقد اجتماعات دورية أسبوعية يحضره المنصور طيلة إقامته بقرطبة (١١٥). ولذا نرى نماذج قليلة للعلماء في مجال اختصاصاتهم، ففي العلوم اللسانية (النقلية) نرى استمرار بعض علماء فترة الخلافة إلى فترة الحجابة: ففي علم التفسير نجد محمد بن عبد الله المقري (٣٤٠ - ٤٢٠ هـ) (١١٦)، وفي علم القراءات نرى عبد الله بن محمد القضاعي (توفي عام ٣٧٨ هـ) الذي كان يقرأ على قراءة الإمام ورش (عثمان بن سعيد) (١١٧). ومن أعلام الحديث في هذه الفترة

стр. 319

عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس (توفي عام ٤٠٢ هـ) (١١٨)، وألَّف العالم يحيى بن شراحيل (توفي عام ٣٧٢ هـ) كتاباً في توجيه حديث الموطأ للإمام مالك، واشتهر كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي في هذه الفترة أيضاً (١١٩). أما في مجال العلوم الصرفة (العقلية) فاشتهر العالم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (توفي عام ٤٠٤ هـ) وهو صاحب كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) وهو كبير جراحي الأندلس في هذه الفترة (١٢٠). أما إمام العلماء في الرياضيات والفلك في هذه الفترة فهو أبو القاسم مسلمة المجريطي (توفي عام ٣٩٨ هـ)، وهو الذي عني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي وحوله من السنين الفارسية إلى السنين العربية (١٢١). وثاني الملاحظات على علوم هذا العصر هي: خمول الدراسات الفلسفية ويعود سبب ذلك إلى مقاومة الحاجب المنصور لهذه الدراسات، من أجل إرضاء عامة الناس، وكسب تأييد الفقهاء. ومن أبرز أعماله في هذا المجال إحراقه لكتب الفلك والمنطق والفلسفة التي كانت تمتلئ بها مكتبة الحكم المستنصر (١٢٢). وبهذا خمدت روح البحث العلمي، وقيدت الحرية الفكرية، وتهيب الناس من دراسة العلوم العقلية، وقد تخفى بعض العلماء، وهرب القسم الآخر نحو المشرق للتخلص من الاضطهاد (١٢٣). وثالث الملاحظات على علوم هذه الفترة، هي ازدهار الدراسات اللغوية، والتي دفعت بعوامل من المشرق الإسلامي وليس بسبب ذاتي، حيث وَصَل في هذه الفترة اللغوي المشرقي الأديب صاعد البغدادي (أبو العلاء صاعد بن أبي الحسن بن عيسى) إلى الأندلس عام ٣٨٠ هـ في أيام الحاجب المنصور، فاستقبله المنصور أحسن استقبال (١٢٤). ولقي صاعد البغدادي الأمرَّين في الأندلس، وتصدى له بعض علمائها

стр. 320

ودخلوا معه في محاورات علمية انحدرت أحياناً إلى درجة المكائد، إلا أن هذه المحاورات وجهود صاعد اللغوية أدت إلى تنشيط الحركة اللغوية في فترة الحجابة. وكان كتاب الفصوص الذي ألفه صاعد ذا أثر كبير في تغذية الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس (١٢٥). وسار الأدب في فترة الحجابة بقوة الدفع التي كانت في فترة الخلافة، فظل على ما كان عليه من أنواع. بل إن بعض الظواهر الأدبية الجيدة التي أينعت في فترة الخلافة، قد اختفت في فترة الحجابة، وكان ذلك بسبب تأثر الأدب بالظروف السياسية الاستبدادية والأوضاع الثقافية المقيدة. وأهم أنواع الشعر التي نالت حظاً كبيراً في هذه الفترة، هو شعر المجون الذي يعكس حالة المجتمع المتردية، وشعر المديح الذي كان بمثابة أبواق دعاية للحكم الاستبدادي، وشعر الاستعطاف، وشعر النقد السياسي (١٢٦). ومن أشهر شعراء الفترة ابن دراج القسطلي، الذي غلب طابع المدح على أغلب شعره (١٢٧). أما النثر، فقد توقف النوع التأليفي، واستمر النثر الخالص، ولكن أهم ما يلاحظ على أسلوب النثر في هذه الفترة، ظهور أثر طريقة ابن العميد (وزير عضد الدولة البويهي توفي عام ٣٦٠ هـ) (١٢٨)، تلك الطريقة التي تميل إلى الإطناب، وتعتمد على السجع والجناس، مع ذكر بعض الأمثال أو الإشارات التاريخية، مع تدعيم النثر بالشعر. وليس من شك في أن حياة الترف ومظاهر الفخامة في فترة الحجابة، كانت من أسباب الاستجابة إلى هذه الطريقة من أسلوب النثر خلال هذه الفترة. وكذلك آثار ابن العميد ومن نحوا طريقته كالصاحب بن عباد الفارسي (من وزراء البويهيين أيضاً توفي عام ٣٨٥ هـ ولقب بالصاحب لأنه كان يصحب ابن العميد، وكان إسماعيل بن عباد أديباً بارعاً في فن الترسل وله رسائل منشورة) (١٢٩)، قد وصلت إلى الأندلس قبيل فترة
следующие страницы →