← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سعيد البلوطي خطيب جامع الزهراء المشهور (٩٧). أما في مجال تفسير القرآن، فاشتهر العالم عثمان بن محمد بن محاسن (توفي عام ٣٥٦ هـ)، وكان له باع طويل في علم التفسير (٩٨)، وكذلك ابن القوطية اللغوي والمؤرخ (٩٩)، واشتهر ابن الحجام يعيش بن سعيد الوراق الذي ألف مسند حديث بأمر الخليفة الحكم المستنصر (١٠٠). أما العلوم العقلية فأخذت مكانها في الفكر الأندلسي خلال هذه الفترة، وكان الطب في مقدمة العلوم التي ازدهرت، ومثل هذا الإزدهار ترجمة بعض الكتب الطبية الأجنبية إلى العربية كما وضحنا، وكذلك شهرة الأطباء ويأتي في مقدمتهم سعيد بن عبد ربه، الذي كانت له طريقة خاصة في معالجة الحميات، وكذلك أحمد بن يونس وأخوه عمر اللذان اشتهرا بتحضير الأدوية وعلاج أمراض العيون (١٠١). واشتهر محمد بن عبدون الجبلي برحلته المشرقية عام ٣٤٧ هـ/٩٥٨ م وتزود من علوم البصرة ومصر ثم رجع إلى الأندلس عام ٣٦٠ هـ/٩٧٠ م وخدم الخليفة الحكم المستنصر وابنه هشاماً المؤيد بالطب (١٠٢). وقد ذاعت شهرة هؤلاء الأطباء وغيرهم، حتى وفد بعض ملوك الإسبان إلى أطباء الأندلس لعلاج ما استعصى من أمراضهم (١٠٣). ونتيجة ازدهار الطب والصيدلة في هذه الفترة، أسس الخليفة الحكم المستنصر ديوان الأطباء، يسجل فيه اسم كل طبيب يحترف مهنة الطب والصيدلة، وإذا ما ارتكب خطأ يتوجب العقاب أسقط اسمه من هذا الديوان (١٠٤). وتقدمت الدراسات الرياضية في هذه الفترة وكان من روادها عبد الله بن محمد المعروف بالسري أيام الخليفة الحكم، وكذلك أبو بكر بن عيسى الذي كان يعقد مجالس العلم على أيام الخليفة الحكم أيضاً، وكان مشهوراً بالحساب والهندسة والفلك. وكذلك العالم أبو غالب حباب بن عبادة الفرضي (عاش أيام الخليفة الناصر) الذي اشتهر بالحساب وله تأليف جيد في حساب الفرائض (١٠٥). واشتهر أبو

стр. 317

عبيدة مسلم بن أحمد (صاحب القبلة) (توفي عام ٣٠٤ هـ) بالأمور الفلكية، وكان عالماً بالحساب والنجوم وقد عارضه ببعض الأمور ابن عبد ربه الأندلسي (١٠٦). أما الفلسفة، فقد ورث هذا العلم محمد بن عبد الله بن مسرة (٢٦٩ - ٣١٩ هـ/٨٨٢ - ٩٣١ م) عن أبيه عبد الله بن مسرة (توفي عام ٢٨٦ هـ/٨٩٩ م) حيث ذهب الوالد إلى المشرق، وسار على نهجه الابن الذي رحل أواخر عهد الأمير عبد الله (توفي عام ٣٠٠ هـ) إلى المشرق أيضاً، ثم عاد إلى الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري، فأظهر الزهد والورع، إلا أنه أخذ يبث تعاليمه بين تلاميذه، فظهرت المدرسة المسرية التي انتمى لها بعض المفكرين الأندلسيين أمثال: محمد بن مفرج المعافري، وخليل بن عبد الملك القرطبي، وطريف الروطي وغيرهم (١٠٧)، إلا أن الفقهاء شنوا حملة شعواء ضد المدرسة المسرية اعتباراً من عام ٣٤٠ هـ/٩٥١ م وساعدتهم السلطات الرسمية (١٠٨)، إلا أن رعاية هذه المدرسة رجعت في عهد الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) نظراً لسياسته المتسامحة مع المفكرين (١٠٩). ونهض الأدب الأندلسي في فترة الخلافة نهضة كبيرة، ساعد عليها ما كان من رقي سياسي ونهوض وتفوق اجتماعي. وأخذت هذه النهضة الأدبية عدة مظاهر منها: ظهور بعض الاتجاهات الجديدة في الشعر. وقد مثله ابن عبد ربه أحسن تمثيل، وكلذلك أبو الحزم جهور بن عبد الله بن أبي عبدة من الأسرة المشهورة (١١٠). وكذلك ظهور الأنواع الجديدة في النثر: فإلى جانب الأسلوب القديم للنثر والذي يسمى النثر الخالص، ظهر نوع جديد من النثر يسمى بالنثر التأليفي ويتألف من فرعين: الفرع الأول يسمى التاريخ الأدبي ويمثله كتاب (أخبار الشعراء بالأندلس) لمؤلفه محمد بن هشام المرواني، وكتاب (شعر الخلفاء من بني أمية) لمؤلفه عبد الله بن محمد بن مغيث، ومن المؤسف أن أكثر هذه المؤلفات قد ضاع (١١١)، أما الفرع الثاني فهو التأليف الأدبي، ويعني ظهور كتب

стр. 318

أدبية بمفهوم القرن الثالث والرابع الهجري لكلمة أدب، وأحسن نموذج لكتب هذا الفرع، هو كتاب (العقد الفريد) لمؤلفه ابن عبد ربه الأندلسي. ومن مظاهر النهضة الأدبية الأخرى، تطور الإتجاهات الأدبية القديمة المعروفة، وكذلك وفرة النتاج الأدبي وتنوعه، إضافة إلى شيوع الأدب بين الأندلسيين شيوعاً جعله من أبرز سمات الحضارة الأندلسية في هذه الفترة (١١٢). ومن أشهر شعراء هذه الفترة بعد ابن عبد ربه الأندلسي، الشاعر أبو الحسن محمد بن هانئ الأزدي (٣٢٦ - ٣٦٢ هـ) (١١٣). أما فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ/وهي فترة حكم الخليفة هشام الثاني، فقد سيطر الحاجب المنصور وأولاده من بعده على أمور الدولة، وهيمنوا على الخلافة الأندلسية، فكان بداية البوار. ووصف هذا العصر بأنه: " عصر القوة التي تحمل الضعف، والانتصار الذي ينطوي على الهزيمة ... " (١١٤). سارت الثقافة الأندلسية في فترة الحجابة، بقوة الدفع التي كانت سائدة في عصر الخلافة. ومن أولى الملاحظات على علوم هذا العصر، أنه لم نر أي تقدم ملحوظ وجد في أي ميدان من ميادين المعرفة، ولا نرى أعلاماً بارزين في أي فرع من فروع الثقافة، باستثناء تلك البقية الباقية من أعلام فترة الخلافة. وربما كان من عوامل استمرار الدفع للثقافة الأندلسية في هذه الفترة، هو أن الحاجب المنصور كان على صلة قديمة بالثقافة، وقد ارتبط بها منذ نشأته، وأنه كان مصاحباً للعلماء، ويروى عنه: بأنه كان له مجلس علمي يضم كبار علماء عصره، وأن هذا المجلس كان يعقد اجتماعات دورية أسبوعية يحضره المنصور طيلة إقامته بقرطبة (١١٥). ولذا نرى نماذج قليلة للعلماء في مجال اختصاصاتهم، ففي العلوم اللسانية (النقلية) نرى استمرار بعض علماء فترة الخلافة إلى فترة الحجابة: ففي علم التفسير نجد محمد بن عبد الله المقري (٣٤٠ - ٤٢٠ هـ) (١١٦)، وفي علم القراءات نرى عبد الله بن محمد القضاعي (توفي عام ٣٧٨ هـ) الذي كان يقرأ على قراءة الإمام ورش (عثمان بن سعيد) (١١٧). ومن أعلام الحديث في هذه الفترة

стр. 319

عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس (توفي عام ٤٠٢ هـ) (١١٨)، وألَّف العالم يحيى بن شراحيل (توفي عام ٣٧٢ هـ) كتاباً في توجيه حديث الموطأ للإمام مالك، واشتهر كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي في هذه الفترة أيضاً (١١٩). أما في مجال العلوم الصرفة (العقلية) فاشتهر العالم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (توفي عام ٤٠٤ هـ) وهو صاحب كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) وهو كبير جراحي الأندلس في هذه الفترة (١٢٠). أما إمام العلماء في الرياضيات والفلك في هذه الفترة فهو أبو القاسم مسلمة المجريطي (توفي عام ٣٩٨ هـ)، وهو الذي عني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي وحوله من السنين الفارسية إلى السنين العربية (١٢١). وثاني الملاحظات على علوم هذا العصر هي: خمول الدراسات الفلسفية ويعود سبب ذلك إلى مقاومة الحاجب المنصور لهذه الدراسات، من أجل إرضاء عامة الناس، وكسب تأييد الفقهاء. ومن أبرز أعماله في هذا المجال إحراقه لكتب الفلك والمنطق والفلسفة التي كانت تمتلئ بها مكتبة الحكم المستنصر (١٢٢). وبهذا خمدت روح البحث العلمي، وقيدت الحرية الفكرية، وتهيب الناس من دراسة العلوم العقلية، وقد تخفى بعض العلماء، وهرب القسم الآخر نحو المشرق للتخلص من الاضطهاد (١٢٣). وثالث الملاحظات على علوم هذه الفترة، هي ازدهار الدراسات اللغوية، والتي دفعت بعوامل من المشرق الإسلامي وليس بسبب ذاتي، حيث وَصَل في هذه الفترة اللغوي المشرقي الأديب صاعد البغدادي (أبو العلاء صاعد بن أبي الحسن بن عيسى) إلى الأندلس عام ٣٨٠ هـ في أيام الحاجب المنصور، فاستقبله المنصور أحسن استقبال (١٢٤). ولقي صاعد البغدادي الأمرَّين في الأندلس، وتصدى له بعض علمائها

стр. 320

ودخلوا معه في محاورات علمية انحدرت أحياناً إلى درجة المكائد، إلا أن هذه المحاورات وجهود صاعد اللغوية أدت إلى تنشيط الحركة اللغوية في فترة الحجابة. وكان كتاب الفصوص الذي ألفه صاعد ذا أثر كبير في تغذية الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس (١٢٥). وسار الأدب في فترة الحجابة بقوة الدفع التي كانت في فترة الخلافة، فظل على ما كان عليه من أنواع. بل إن بعض الظواهر الأدبية الجيدة التي أينعت في فترة الخلافة، قد اختفت في فترة الحجابة، وكان ذلك بسبب تأثر الأدب بالظروف السياسية الاستبدادية والأوضاع الثقافية المقيدة. وأهم أنواع الشعر التي نالت حظاً كبيراً في هذه الفترة، هو شعر المجون الذي يعكس حالة المجتمع المتردية، وشعر المديح الذي كان بمثابة أبواق دعاية للحكم الاستبدادي، وشعر الاستعطاف، وشعر النقد السياسي (١٢٦). ومن أشهر شعراء الفترة ابن دراج القسطلي، الذي غلب طابع المدح على أغلب شعره (١٢٧). أما النثر، فقد توقف النوع التأليفي، واستمر النثر الخالص، ولكن أهم ما يلاحظ على أسلوب النثر في هذه الفترة، ظهور أثر طريقة ابن العميد (وزير عضد الدولة البويهي توفي عام ٣٦٠ هـ) (١٢٨)، تلك الطريقة التي تميل إلى الإطناب، وتعتمد على السجع والجناس، مع ذكر بعض الأمثال أو الإشارات التاريخية، مع تدعيم النثر بالشعر. وليس من شك في أن حياة الترف ومظاهر الفخامة في فترة الحجابة، كانت من أسباب الاستجابة إلى هذه الطريقة من أسلوب النثر خلال هذه الفترة. وكذلك آثار ابن العميد ومن نحوا طريقته كالصاحب بن عباد الفارسي (من وزراء البويهيين أيضاً توفي عام ٣٨٥ هـ ولقب بالصاحب لأنه كان يصحب ابن العميد، وكان إسماعيل بن عباد أديباً بارعاً في فن الترسل وله رسائل منشورة) (١٢٩)، قد وصلت إلى الأندلس قبيل فترة

стр. 321

الحجابة، فيما وصل من تراث المشرق خلال القرن الرابع الهجري، وبخاصة في فترة الخلافة، ولكن أثر هذه الطريقة قد ظهر في فترة الحجابة (١٣٠). أما فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، فهي فترة التفكك والانحلال، والتي أدَّت إلى سقوط الخلافة الأندلسية وقيام عصر الطوائف (١٣١). وكان من نتائج هذه الفتنة، أن تعطل النشاط الثقافي وبخاصة في قرطبة، فأغلقت المدارس وانحلت حلقات الدرس، وقتل بعض العلماء وخاصة ابن الفرضي صاحب كتاب (تاريخ علماء الأندلس) عام ٤٠٣ هـ، وهاجر البعض من قرطبة إلى شرقي الأندلس كابن حزم حيث يلتمس شيئاً من الأمن. وعلى الرغم من كل ذلك لم تخمد أنفاس الحركة العلمية في الأندلس خلال هذه الفترة، فقد كانت هناك بقية من العلماء الأندلسيين الذين أدركوا الإزدهار في فترة الخلافة، أو انتفعوا بقوة الدفع في فترة الحجابة، فحفظوا للأندلس كثيراً من علمها وثرائها على الرغم مما كان فيها من فتنة مبيرة كما يقال. ومن أشهر هؤلاء العلماء: أبو عمر أحمد بن محمد بن الجسور وكان أحد شيوخ الحديث (١٣٢)، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الرهوني وكان مؤدباً محدثاً مجوداً للقرآن (١٣٣). كما كان هناك بعض العلماء ممن وفدوا إلى الأندلس من أقطار مشرقية، وكان لهم فيها حينذاك دور علمي كبير، ومن أشهر الوافدين إلى الأندلس في هذه الفترة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي يزيد المصري، وكان أديباً نسابة، حافظاً للحديث عالماً بالأخبار (١٣٤). كذلك كان في بعض الأقاليم الأندلسية البعيدة عن مركز قرطبة، حظ من النشاط العلمي، وقد كان شرقي الأندلس من تلك الأقاليم التي نعمت ببعض الأمن، فعُرفت بعض المدن هناك في هذه الفترة بحياة علميّة لا بأس بها (١٣٥). وبرز في الأندلس خلال فترة الفتنة عالمان جليلان لهما دور بارز في ثقافة الأندلس هما: أبو محمد بن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ) وأبو مروان بن حيان (٣٧٧ - ٤٦٩ هـ). فابن حزم انصرف إلى العلم بعد سقوط الخلافة الأندلسية وتجول في ربوع الأندلس وبخاصة في شرقها ناشراً مذهبهُ الظاهري، ولقي

стр. 322

الأمرَّين من علماء المالكية وبالذات من أبي الوليد الباجي داعية الوحدة في الأندلس. أما ابن حيان فعلى الرغم من توليه بعض المناصب الإدارية في هذه الفترة، إلا أنه انصرف إلى كتابة الأدب والتاريخ، واشتهر بكتابه المقتبس (١٣٦). وتأثر الأدب بأحداث الفتنة تأثراً كبيراً، فنرى أولاً انتشار أدب التلهي والنفاق والتفاهة، أو ما يسمى بأدب الهروب، وثانياً ظهر أدب التأمل والنقد أو ما يسمى بأدب المراجعة. وقد كان الشعر مجال النوع الأول (أدب الهروب) وكان النثر مجال النوع الثاني (أدب المراجعة)، ومن هنا خطا النثر خطوات واسعة حتى سبق الشعر، فظهرت أنواع نثرية جديدة وجادة، أتاح لها انطواء بعض الأدباء وعكوفهم جواً ملائماً فيه تأمل وفيه مراجعة، مما ساعد على التخيل والنقد والتحليل (١٣٧). ومن أشهر شعراء هذه الفترة أبو عامر بن شُهيد (٣٨٢ - ٤٢٦ هـ) (١٣٨) وأبو محمد بن حزم الذي سيعاصر الطوائف. وفي مجال النثر، فقد اشتهر هذان العالمان أيضاً، فإبن شُهيد له رسالة التوابع والزوابع وهي قصة خيالية يحكي فيها ابن شُهيد رحلة في عالم الجن (١٣٩). أما أبو محمد بن حزم فأشهر كتاب له في هذا المجال، هو طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف، ويتناول فيه دراسة عاطفة الحب بشكل مفصل واعتمد أسس التجربة والتحليل النفسي في منهجه (١٤٠). أما عصر الطوائف ٤٢٢ - ٤٨٤ هـ، فعلى الرغم من الفرقة السياسية التي ضربت أطنابها ببلد الأندلس خلال هذه الفترة، لكن رافقها نشاط الحركة العلمية والأدبية وذلك لرعاية ملوك الطوائف العلماء والأدباء، ولأن معظمهم كان من رجال الأدب، فبذلك غدت قصورهم منتديات أدبية ومجامع حقة للعلوم والفنون (١٤١). وبما أن الأندلس لم تكن دولة موحدة في هذه الفترة. ونظراً لتعدد أمرائها وتفاوتهم في رعاية الحركة الأدبية، فسوف نشير إلى أهم ممالك الطوائف التي رعت الحركة الأدبية:

стр. 323

في المقدمة تأتي مملكة بني عباد في إشبيلية فقد كان المعتضد وابنه المعتمد من رواد الحركة الأدبية ولهم أشعارهم المختارة وعاش في ظلهما أشهر شعراء هذه الفترة أبو بكر بن عمار وابن زيدون صاحب ولادة بنت الخليفة المستكفي (هو محمد بن عبد الله بن الناصر ٤١٤ - ٤١٦ هـ) (١٤٢). ويأتي بعدهما شاعران مشهوران هما أبو بكر بن اللبانة وابن حمديس الصقلي (١٤٣). ورعى بلاط المرية الحركة الأدبية (١٤٤)، فبالإضافة إلى نبوغ ولاة الأمر فيها بالشعر وهم أسرة بني صمادح، فعاصرهم ومدحهم أبو عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز، وأبو الفضل جعفر بن شرف القيرواني، وأبو حفص بن الشهيد وغيرهم (١٤٥). وكان ملوك بطليوس وهم بنو الأفطس من حماة الأدب والشعر، ومن أشهر الشعراء الذين عاشوا في كنفهم، الوزير الشاعر عبد المجيد بن عبدون، الذي اشتهر بمرثيته لبني الأفطس (القصيدة العبدونية) وبنو القبطرنة الثلاثة، ومن أشهر كتابهم أبو بكر بن قزمان (١٤٦). ورعت مملكة سرقسطة الحركة الأدبية والعلمية والفلسفية، وكان في مقدمة الشعراء الذين احتضنتهم هذه المملكة هو أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي (١٤٧). ورعى مجاهد العامري أمير مملكة دانية والجزائر الشرقية الحركة الأدبية، وأحاط نفسه بعدد ضخم من الأدباء والشعراء، ومن أشهرهم، أبو عامر أحمد بن شهيد، وأحمد بن رشيق وأبو حفص أحمد بن برد وغيرهم (١٤٨) أما الممالك الأخرى فكانت رعايتها للحركة الأدبية أقل مما ذكرنا عن هذه الممالك، وبعضها لم يذكر لها شهرة أدبية (١٤٩). لكن عموماً يمكن القول أن اتجاهات أدبية جديدة ظهرت في هذا العصر -وبخاصة في الشعر- مثل: شعر الرثاء، مثله عبد المجيد بن عبدون، والشعر الفلسفي الذي مثله

стр. 324

ابن حزم، وعبد الجليل بن وهبون المرسي، وشعر الزهد يمثله ابن الريوالي الفقيه وأحمد الإقليشي، وأبو بكر العبدري وغيرهم. وشعر الغزل الذي شاع في هذا العصر نظراً لضعف الوازع الديني، والتحلل من القيم الخلقية، ومثل هذا الإتجاه السراج المالقي شاعر بني حمود، وابن الحداد، وابن زيدون وغيرهم، والشعر الشعوبي الذي مثله أبو عامر أحمد بن غرسية الذي عاش في مملكة دانية. وشعر النكبات، والذي صور نكبة بربشتر بصورة خاصة في منطقة الثغر الأعلى عندما احتلها النورمان عام ٤٥٦ هـ وعاثوا فيها فساداً (١٥٠). وبجانب الحركة الأدبية ازدهرت العلوم الدينية وبخاصة في بلاط بني صمادح حيث كان المعتصم بن صمادح وغيره يعقدون مجالس الفقهاء في كل جمعة ويتدارسون كتب التفسير والحديث (١٥١)، ورعت مملكة دانية العلوم القرآنية وكان رائدها شيخ القراء أبا عمرو الداني (١٥٢)، وتزعم الدراسات الفقهية العالمان أبو محمد علي بن حزم وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي داعياً توحيد الأندلس في أيام الطوائف (١٥٣)، وكان من رواد الدراسات النحوية العلامة اللغوي أبو الحسن علي بن سيده (توفي عام ٤٥٨ هـ) صاحب كتاب (المحكم) (١٥٤). واشتهرت الدراسات التاريخية والجغرافية في الأندلس خلال هذه الفترة، وكان من رواد الحركة التاريخية ابن حيان المعروف بكتاب المقتبس، والعالم ابن حزم صاحب كتاب (جمهرة أنساب العرب) و (كتاب نقط العروس) (١٥٥)، والعالم أبو عمر يوسف بن عبد البر الذي ألف كتاب (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، وكتاب (الدرر في اختصار المغازي والسير). وكان رائد الدراسات الجغرافية في عصر الطوائف أبا عبيد البكري (ت ٤٨٧ هـ) وهو صاحب كتاب (المسالك والممالك) وكتاب (معجم ما استعجم) (١٥٦).

стр. 325

أما العلوم الصرفة فنالت اهتمام أمراء الطوائف، ويأتي في مقدمتهم المقتدر بن هود وولده المؤتمن أمير سرقسطة، حيث كانا من العلماء البارزين في الرياضيات والفلك والفلسفة (١٥٧). وكان العالم أبو الفتوح ثابت بن محمد بن الجرجاني مشرقي المنبت، رحل إلى الأندلس عام ٤٠٦ هـ وعاش في ظلال مملكة دانية، واشترك في عملية فتح سردانية. اشتهر بالفلسفة والفلك والمنطق (١٥٨). واشتهرت بلنسية بطبيبها أبي محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن الذهبي (توفي عام ٤٥٦ هـ) (١٥٩). وفي مجال الرياضيات وعلم الفلك، فكان من أشهرهم أبو إسحاق بن إبراهيم بن يحيى الزرقالي صاحب الجداول الفلكية الشهيرة (توفي عام ٤٨٠ هـ)، وأبو القاسم أصبغ بن السمح الغرناطي (توفي عام ٤٣٨ هـ) وكان بارعاً في الهندسة والفلك (١٦٠). واشتهر أبو عبد الله بن أحمد السرقسطي (توفي عام ٤٨٨ هـ) بعلم الأعداد والهندسة والنجوم (١٦١). أما إسحاق بن قسطار، فكان يهودياً يعمل في خدمة مجاهد العامري. فله خبرة جيدة بالطب وبعلم المنطق والفلسفة (١٦٢). ورافق ازدهار الحركة الفكرية في الأندلس في عصر الطوائف، ذيوع المكتبات العامة والخاصة التي شملت أنفس وأجود أنواع الكتب، فقد رعت مملكة إشبيلية هذه الظاهرة وكذلك مملكة المرية، ومملكة بطليوس وطليطلة. وأشهر مكتبة خاصة كانت تعود إلى الوزير أحمد بن عباس وزير زهير العامري (١٦٣)، واشتهرت مكتبة أبي محمد عبد الله بن حيان بن فرحون الأروشي (توفي عام ٤٨٧ هـ) في مدينة بلنسية، وكانت له همة عالية في اقتناء الكتب (١٦٤). ويبدو لنا تطور الحركة الفلسفية في عصر الطوائف، وبخاصة بعد دخول رسائل إخوان الصفا على يد أبي الحكم الكرماني (توفي عام ٤٥٨ هـ) فوجدت في شبه الجزيرة إقبالاً كبيراً (١٦٥). ومن الذين كان لهم حس فلسفي في عصر الطوائف ابن حزم

стр. 326

الظاهري، الذي أحدث في الأندلس دوياً علمياً هائلاً بمذهبه الظاهري ومناظرته الفقهاء وأهل الأديان، وكان كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقلمه (١٦٦). إلا أن علم الفلسفة كان من العلوم الممقوتة في الأندلس على أيام الطوائف، ولا يستطيع صاحب هذا العلم إظهاره (١٦٧). وقد أحرق المعتضد أمير إشبيلية كتب ابن حزم الظاهري إرضاءً للمالكية وعلى رأسهم أبو الوليد الباجي (١٦٨). وكان لابن حزم تلاميذ عاشوا بعده وورثوا بعض علمه، ومنه الحس الفلسفي، ومن أشهرهم ولده (أبو رافع الفضل)، الذي اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد (١٦٩) ويبدو لنا من هذه الرواية أن المعتضد لم يحرق كتب ابن حزم كلها لأن أبا رافع هذا كان من رجال ولده المعتمد واستشهد في معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ، وإن اضطهاد المعتضد لهذا العالم لم يكن في أغلب الظن علمياً بقدر ما هو اضطهاد سياسي (١٧٠). وهناك من لازم ابن حزم وأكثر الأخذ منه دون أن يتظاهر بذلك أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (توفي عام ٤٨٨ هـ) صاحب كتاب (جذوة المقتبس)، ومن تلاميذه أيضاً الراضي بن المعتمد الذي أشرف على المذهب الظاهري وبرع في الأصول (١٧١)، ويبدو أن الفتن التي عصفت بملوك الطوائف شغلت ملوك قرطبة عن تعقب الفلاسفة ومحاكمتهم، ومع ذلك فقد بيعت المكتبات العامة والخاصة التي كانت تزين قصور قرطبة بأبخس الأثمان وتناولها الناس وقرأوا منها بعض بحوث الفلسفة. ولما أمن الناس أظهروا ما لديهم في الفلسفة من كتب وأخذوا يهتمون بالعلم الرياضي وصناعة المنطق، وكان المعتمد نفسه يصدق بالتنجيم (١٧٢). ويظهر أن مملكة سرقسطة بالذات كانت مأوى وحامياً للفلسفة والفلاسفة في عهد المقتدر بن هود (٤٣٨ - ٤٧٣ هـ) وابنه يوسف المؤتمن (٤٧٣ - ٤٧٧ هـ) (١٧٣) وإلى بلاطهما

стр. 327

لجأ أبو الحكم الكرماني، وفيها استقر المقام بالفيلسوف ابن باجة، ولقيت رسائل إخوان الصفا إقبالاً كبيراً من أهلها (١٧٤). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية ٤٨٤ - ٥٤٠ هـ، فنتج عن ذلك الانفتاح الفكري الأندلسي على المغرب، حيث انتقلت الثقافات الأندلسية المتنوعة إلى المغرب، كما انتقل أبناء المغرب من قادة ورعية لينهلوا من علوم الأندلس والتزود من معارفها (١٧٥). وعلى الرغم من إشارة بعض الروايات إلى ضمور الحركة الفكرية الأندلسية في ظل دولة المرابطين عما كانت عليه أيام ملوك الطوائف (١٧٦)، إلا أن الحركة العلمية والأدبية في الأندلس لبثت خلال العهد المرابطي تحتفظ بكثير مما كان لها أيام الطوائف من قوة وحيوية، كما درس أكثر عمال المرابطين في الأندلس على أيدي أشهر العلماء (١٧٧). واعتمد أمراء المرابطين وولاتهم قادة الفكر الأندلسي في تسيير أعمالهم، فنرى اعتماد يوسف بن تاشفين على الأديب الأندلسي عبد الرحمن بن أسباط، ولما توفي عام ٤٨٧ هـ، استعان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بالعالم محمد بن سليمان الكلاعي الإشبيلي المعروف بابن القصيرة، الذي كان استخدامه في البلاط المرابطي بداية لاحتشاد أعلام الكتابة الأندلسيين للخدمة فيه (١٧٨). واحتشد في البلاط المرابطي إلى جانب ابن القصيرة عدد من أعلام الكتاب وأئمة البلاغة، منهم وزير بني الأفطس وصاحب المرثية المشهورة عبد المجيد بن عبدون الذي كتب ليوسف بن تاشفين وقيل لابنه علي وتوفي عام ٥٢٠ هـ (١٧٩) إضافة إلى الكاتب أبي عبد الله محمد بن مسعود بن أبي الخصال الذي كتب لعلي بن يوسف ثم عزله فيما بعد وتوفي عام ٥٤٠ هـ (١٨٠) ولا ننسى خدمات الفتح بن خاقان الإشبيلي الذي خدم في قصور أمراء الطوائف، ثم التحق بخدمة أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي قتل

стр. 328

عام ٥٢٩ هـ بمراكش (١٨١). ونوى من خلال دراسة ترجمة هؤلاء الكتاب وغيرهم، أنهم كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في البلاط المرابطي ويحملون لقب (ذو الوزارتين) أمثال أبي بكر بن القصيرة، وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال الغافقي (١٨٢). وخلال العصر المرابطي ظهر في الأندلس الكثير من أعلام المحدثين والفقهاء، فقسم منهم تعاون مع ولاة المرابطين في الأندلس، وقسم آخر ذهب إلى مراكش ودخل في خدمة المرابطين هناك، ومن أشهرهم: الفقيه أبو محمد عبد الحق بن غالب المحاربي (توفي ٥٤٢ هـ) من أهل غرناطة، ويبدو أنه تعاون مع المرابطين في الأندلس ومدحهم بأشعاره (١٨٣). والفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري من أهل المرية، ودخل في خدمة المرابطين في أواخر أيامهم، ثم انحاز إلى دولة الموحدين إلى أن توفي بمراكش عام ٥٥٩ هـ (١٨٤). ومنهم الفقيه عبد الله بن محمد بن عبد الله النفري المعروف بالمرسي (٤٥٣ - ٥٣٨ هـ) ولد ودرس بمرسية، ثم انتقل إلى مدينة سبتة وتولى الخطابة بجامعها، ورجع إلى الأندلس وتوفي في قرطبة (١٨٥). كما نبغ في العصر المرابطي بعض أئمة اللغة في الأندلس، ومنهم أحمد بن عبد الجليل المعروف بالتدميري، نشأ في المرية، وسكن بجاية في ظل بني حماد ثم توفي في مدينة فاس عام ٥٥٥ هـ (١٨٦). وأما عن العلوم، فقد حظيت الأندلس بنهضة علمية في هذه الفترة، والتي كانت امتداداً للنهضة الفكرية التي ظهرت في عصر الطوائف. وكان في مقدمة العلماء الذين ظهروا في عصر السيطرة المرابطية أبو بكر محمد بن يحيى بن الضائع التجيبي المعروف بابن باجة (توفي عام ٥٣٣ هـ) وأصله من سرقسطة نشأ فيها في أواخر مملكة بني هود، ونبغ في الرياضيات والفلك والفلسفة، ولما ولي الأمير أبو بكر بن إبراهيم المسوفي، وهو ابن عم يوسف بن تاشفين وحكم سرقسطة عام ٥٠٨ هـ، استوزر أبا بكر بن باجة

стр. 329

وأغدق عليه رعايته وعنايته، بالرغم مما كان ينسب إليه من الآراء الفلسفية. ولما سقطت سرقسطة بيد الإسبان عام ٥١٢ هـ غادرها ابن باجة إلى إشبيلية ثم إلى شاطبة، ومنها نزح إلى المغرب وتوفي في مدينة فاس عام ٥٣٣ هـ (١٨٧). واشتهرت أسرة بني زهر بالطب، وكان عميدها عبد الملك بن محمد بن زهر الإيادي، وخلفه في المهنة ولده زهر بن عبد الملك الذي أصبح عمدة عصره في الطب وتوفي عام ٥٢٥ هـ بقرطبة ودفن في إشبيلية (١٨٨). وجاء من بعده ولده عبد الملك بن زهر الذي ذاع صيته في المغرب والأندلس، واتصل بالمرابطين، وصنف للأمير أبي إسحاق بن يوسف بن تاشفين كتابه المعروف (الاقتصاد في صلاح الأجساد)، كما له كتاب في الطب مشهور باسم (التيسير)، توفي في إشبيلية عام ٥٥٧ هـ (١٨٩)، وقد كتب وصفاً دقيقاً لبعض الأمراض وبخاصة التهاب غشاء القلب وأعراض السرطان (١٩٠). وأشهر أطباء العصر أيضاً علي بن عبد الرحمن الخزرجي، من أهل طليطلة برع بالطب إلى جانب تمكنه في الفقه، ولما استولى الإسبان على طليطلة عام ٤٧٨ هـ، رحل في بلاد الأندلس واستقر أخيراً في قرطبة وتوفي فيها عام ٤٩٩ هـ (١٩١). وشاركهُ في الاهتمام بالطب أيضاً أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت (٤٦٠ - ٥٢٩ هـ) من أهل دانية، إلا أنه قضى معظم حياته متنقلاً بين مصر وأفريقية (١٩٢). واشتهر بالزراعة في الأندلس خلال هذه الفترة العلاّمة الزراعي أبو عبد الله محمد بن مالك التغنري من قرية تغنر من أعمال غرناطة، ودرس العلوم الزراعية على يد ابن البصال الطليطلي، وله كتاب (زهر البستان ونزهة الأذهان) (١٩٣). أما النهضة الأدبية في الأندلس فقد ارتفعت فوق مستوى الانحلال الذي شهده

стр. 330

عصر الطوائف، لأن دولة المرابطين اعتمدت الدين في كثير من أمورها، وأنها وجهت نشاطها إلى مجاهدة الإسبان، وكذلك مرت الأندلس بفترة من الجد وتركت الحياة التي اعتادت عليها في أيام الطوائف، مما أدى إلى تغير نوعي في مستوى الحياة الأندلسية، وبخاصة الأدبية منها. فلم نر ذلك التحرر والانطلاق في نظم الشعر الذي يمثل التغزل بالطبيعة وجمالها، ووصف جمال المرأة، وبعض مظاهر الحياة الإجتماعية الماجنة (١٩٤). وعلى هذا الأساس وجهت اتهامات إلى المرابطين بعدم الذوق الأدبي، وكسوف شمس الأدب في عهدهم، بل غولي بالأمر إلى حد اتهامهم بعدم معرفة اللسان العربي (١٩٥). إن مثل هذا الاتهام يمثل بعض وجوه العصبية الأندلسية لتبيان حالة أهل المغرب بأنهم أقل حضارة وأقل نصيباً في تقدير الشعر من أهل الأندلس، فالأمر لا يعدو أكثر من نقمة الأندلسيين على المرابطين، بأكثر مما يدل على تغير من حال الأدباء والشعراء. فالشعراء الذين كانوا في ظل أمراء الطوائف أكثرهم أدرك عصر المرابطين وعاش الكثير من أحداثه، وبذلك يمكن نفي مثل هذا الاتهام، والجزم بأن الشعر الأندلسي لم يمت في عصر المرابطين، وأن كل ما حدث: أن الشعر كيَّف نفسه بما يلائم الظروف الجديدة التي أحاطت به (١٩٦). لقد كان قدوم المرابطين إلى الأندلس بداية عهد جديد يؤذن بتواري العاهل الأندلسي وقيام عاهل مرابطي لكل منهما ذوقه الأدبي، وموقفه من الشعر والشعراء، فلا ينكر أن طبقة الشعراء أصبحت في الظل على عهد المرابطين وتقدمت عليها طبقة الفقهاء (١٩٧). فنرى نتيجة ذلك أن بعض شعراء الأندلس أمثال ابن خفاجة (توفي عام ٥٣٣ هـ) وابن أخته يحيى بن عطية بن الزقاق (توفي عام ٥٢٩ هـ) لم يتأثروا كثيراً بقدوم المرابطين، كما كان حالهم في عصر الطوائف (١٩٨)، وكذلك دفع الأمر بعض أدباء الأندلس إلى جمع تراثهم الأدبي والحفاظ عليه من الضياع فصنف ابن بسام (توفي عام ٥٤٢ هـ) كتابه المشهور (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) وصنف الفتح بن خاقان (توفي عام ٥٣٥ هـ) كتابي قلائد العقيان ومطمح الأنفس. وقد أشار ابن بسام -بصورة خاصة-

стр. 331

إلى أن الكساد قد أصاب الشعر في الأندلس بعد انقراض عصر ملوك الطوائف (١٩٩). كما نلاحظ الكثير من شعراء الأندلس في هذا العهد تركوا البلاد وهاجروا إلى الخارج واستقر قسم منهم في الجزائر الشرقية (البليار) وقسم في تونس والجزائر، بعيداً عن سلطان المرابطين أمثال الشاعر ابن اللبانة، والشاعر ابن حمديس الصقلي (٢٠٠). وعندما وجد فريق من الشعراء نفسه مضطراً على البقاء في الأندلس، اضطر إلى المداهنة، وإلى توجيه أشعاره إلى الفقهاء والكتاب الأندلسيين الذين تولوا مناصب الوزارة والكتابة للمرابطين. ونظراً لأن هؤلاء لم يكونوا في ثراء ملوك الطوائف أو هيبتهم الأدبية، فقد هبط الشعر الرسمي عن مستواه، وصار سلساً إلى درجة تقرب من الضعف، كما كثر فيه الاستعطاف، والترحيب بالسادة الجدد، والتندر بعيوب ملوك الطوائف (٢٠١). وإذا كان مقدم بن معافى القبري (توفي عام ٢٩٩ هـ) قد ابتكر الموشحات الأندلسية، فإنها تطورت في عصر الطوائف على يد الشاعر أبي بكر عبادة بن ماء السماء (توفي عام ٤٢٢ هـ) (٢٠٢)، ثم تبعه الشاعر ابن اللبانة والأعمى التطيلي وغيرهما، في عصر المرابطين مما يدل على غلبة ذوق العوام، وإلى التهاون في استعمال اللغة العربية (٢٠٣)، فمال هؤلاء الشعراء الفحول إلى نظم هذه الموشحات لأنهم كانوا يعيشون في مجتمع يميل إلى كل ما هو شعبي (٢٠٤). وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور شعر الزجل الذي اشتهر به محمد بن عبد الله بن قزمان (توفي عام ٥٥٤ هـ) (٢٠٥)، وإذا رأينا الموشح يعتمد نظم القوافي، فالزجل يمثل مظهراً من مظاهر ضعف اللغة العربية وفقدان سلطانها الكامل على الشعراء (٢٠٦).

стр. 332

ولكن مع كل هذا فقد رعت دولة المرابطين الحركة الأدبية، وظللت على رجالها وأدخلهم سلاطينها في خدمتهم، فعلي بن يوسف استعان بالوزير أبي القاسم ابن الجد المعروف بابن الأحدب، وبأبي بكر بن محمد المعروف بابن القبطرنة، كما أن الأديب والفيلسوف ابن باجة خدم أمير سرقسطة المرابطي أبا بكر إبراهيم المعروف بابن تافلويت ونظم له الموشح المعروف بمطلعه: جرر الذيل أيما جر ... وصل الشكر منك بالشكر فطرب ابن تافلويت لهذا الموشح الذي ختم بقوله: عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر (٢٠٧) ولأمير سرقسطة قصة معروفة مع هذا الأديب (٢٠٨). كما أن الدولة المرابطية شجعت الحركة الأدبية، ودل على ذلك المؤلفات العديدة التي ظهرت في هذه الفترة مثل: قلائد ابن خاقان، وذخيرة ابن بسام، وصلة ابن بشكوال ومسهب الحجاري وغيرها (٢٠٩). هذه الرعاية التي حظي بها أدباء الأندلس من قبل أمراء المرابطين، أثرت في الأدب الأندلسي تأثيراً محسوساً، فظهر بمظهر القوة، واختفت منه عناصر الضعف التي كانت سائدة عليه أيام ملوك الطوائف، فانتحى الشعراء في شعرهم مناحي الجد والتوقر بدل ما كانوا منغمسين فيه من المجون والبطالة، وذلك نتيجة ارتفاع معنويات أهل الأندلس عموماً بما أحرزوه من نصر على أعدائهم بفضل جهود المرابطين، بعدما كانوا أذلة أمام

стр. 333

هجمات الإسبان (٢١٠). ومن مميزات الحركة الأدبية في الأندلس في عصر المرابطين ظهور فن المقامات، وأول من تأثر بمقامات الحريري الأديب أبو طاهر محمد التميمي السرقسطي (توفي بقرطبة عام ٥٣٨ هـ) فله كتاب (الخمسين مقامة اللزومية) وهي المعروفة بالمقامات السرقسطية وقد عارض بها مقامات الحريري، كما وضع الأديب محارب بن محمد الوادي آشي مقامة في مدح القاضي عياض بن موسى السبتي (توفي عام ٥٤٤ هـ)، كما أن الأديب أبا عبد الله محمد بن القرطبي وضع مقامة سماها المقامة العياضية الغزلية (٢١١). ولم تلق الحركة الفلسفية رواجاً وتقدماً في الأندلس في العهد المرابطي وذلك لاعتماد هذه الدولة المذهب المالكي أساساً لكل أمورها، وبذلك لا تميل إلى الخوض في علوم الفلسفة (٢١٢)، ولكن مع هذا وجد من درس هذا العلم خلال هذه الفترة، أمثال العالم أبي بكر بن باجة المعروف، والعالم أبي الحجاج يوسف بن موسى الكلبي الضرير، من أهل سرقسطة الذي سكن مراكش ومات فيها عام ٥٢٠ هـ (٢١٣). وتوجت دولة المرابطين موقفها من الفكر الفلسفي، بإحراق كتب الإمام الغزالي، وأصدرت أوامرها إلى معظم مدن الأندلس والمغرب في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف، بهذا الأمر، لاعتقاد أهل الفقه بأن كتبه مليئة بآراء المتكلمين ومذاهب الصوفية (٢١٤). كما ذهب ضحية سلوك الفقهاء هذا أبو الحسن علي بن جودي (توفي ٥٣٠ هـ)، وهو تلميذ ابن باجة، حيث اتهم بدينه فلاحقته السلطات، ففر وتحول إلى قاطع طريق مع عصابة تعمل بين الجزيرة الخضراء وقلعة خولان (٢١٥). وأصبحت الأندلس ولاية موحدية ٥٤٠ - ٦٢٠ هـ، فبدأ عصر جديد للحركة الفكرية، فقد أعطى الموحدون الحريات للنشاطات العلمية والأدبية، سوى ما يخالف مبادئ فكرة التوحيد التي يعتمدها محمد بن تومرت (٢١٦) فقدروا العلماء، واستدعوهم إلى

стр. 334

قصورهم وأحاطوهم بالرعاية، ومالوا إلى دراسة مختلف العلوم بما فيه الفلسفة، وبذلك امتاز عصرهم بسعة الأفق وحرية الفكر (٢١٧). ومن الملاحظ في هذا العصر أن الحركة الأدبية في الأندلس وبخاصة الشعر والنثر قد تقدمت على العلوم الأخرى، ومما دفعها في هذا المجال النكبات التي لحقت بأهل الأندلس، خلال العصر الموحدي، وعصر الانهيار الذي أدى إلى قيام مملكة غرناطة، فعبرت النفوس الملتاعة بالمراثي البليغة، من الشعر والنثر، ما يدمي القلوب ويحرق النفوس (٢١٨). في أيام الموحدين انكمش سلطان الفقهاء لابتعاد ولاة الأمر عن علم الفروع واهتمامهم بظاهر النصوص من قرآن وحديث نبوي، فنمت بدلهم طبقة من الصالحين الأتقياء، الذين دفعوا العلوم الدينية إلى الإمام. ودراستنا للعلوم الدينية في الأندلس من خلال تتبع تراجم رواد هذه العلوم يمكن أن نقسم هؤلاء العلماء إلى ثلاثة أقسام: ١ - الأول: الذين اشتهروا بعلوم القرآن والحديث والفقه: العلامة الحافظ أبو الربيع بن سالم الحميري (شهيد معركة أنيشة عام ٦٣٤ هـ) برع في الحديث والفقه، وهو أستاذ ابن الآبار (٢١٩). والأخوان عبد الله وداود أولاد حوط الله الأنصاري، توفي عبد الله عام ٦١٢ هـ، وتوفي داود عام ٦٢١ هـ، اشتهرا بعلم القراءات وعلم الحديث (٢٢٠). ومن أشهر علماء الحديث أيضاً عبد الله بن الحسن الأنصاري ويعرف بابن القرطبي (توفي عام ٦١١ هـ) (٢٢١). ومن أعظم فقهاء هذا العصر محمد بن عبد الله بن الجد الفهري، الذي اشتهر بدراسة الفقه والحديث (توفي عام ٥٨٦ هـ) (٢٢٢). أما ابن موجوال فاشتهر بدراسة القراءات والحديث، إلى جانب اشتهاره بالورع والزهد توفي عام ٥٦٦ هـ (٢٢٣). وغيرهم كثير.

стр. 335

٢ - الثاني: العلماء الذين مزجوا بين دراسة الفقه والحديث ودراسة الأدب، ومن أشهرهم محمد بن خير بن عمر (٥٠٢ - ٥٧٥ هـ) وهو صاحب كتاب الفهرسة (٢٢٤). وعبد الله بن يحيى الحضرمي النحوي ويعرف بابن صاحب الصلاة (٥١٧ - ٥٧٨ هـ)، ومن شعره: وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى ... بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... بها الحر يشقى واللئيم ممولا (٢٢٥) واشتهر بالشعر أيضاً الفقيه والمحدث مفوز بن طاهر المعارفي (٥١٧ - ٥٩٠ هـ). ومن نظمه: وقفت على الوادي المنعم دوحه ... فأرسلت من دمعي هنالك واديا وغنّت به ورق الحمام عشية ... فأذكر أياماً مضت ولياليا (٢٢٦) ٣ - الثالث: العلماء الذين غلبت عليهم صفة التصوف، ويأتي في مقدمتهم المقرئ والزاهد الورع موسى بن حسين بن عمران الميرتلي، (توفي عام ٦٠٤ هـ) ومن شعره في الزهد: سليخة وحصير ... ليت مثلي كثير وفيه، شكراً لربي ... خبز وماء نمير وفوق جسمي ثوب ... من الهواء ستير قررت عينا بعيشي ... فدون حالي الأمير (٢٢٧) وقطب هذا القسم محيي الدين بن عربي (٥٦٠ - ٦٣٨ هـ) فبجانب دراسته للحديث، مال إلى التصوف وشغف به حتى ملك عليه كل جوارحه، إضافة إلى هذا كله كان شاعراً مبدعاً له قصائد في الشعر الرقيق الجيد، في العشق الإلهي (٢٢٨).

стр. 336

أما العلوم اللغوية والنحوية، فقد ازدهرت في الأندلس في هذا العصر، ومما يلفت النظر في عصر الموحدين، هو ظهور أعلام كبار في النحو، لهم اجتهادات وآراء جديدة في هذا الميدان (٢٢٩). ومن أشهرهم أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن المعروف بابن مضاء القرطبي (توفي عام ٥٩٢ هـ) (٢٣٠)، وعلي بن محمد بن علي بن خروف الحضرمي (توفي عام ٦٠٩ هـ) (٢٣١)، ومن علماء اللغة والنحو في هذا العصر أيضاً ابن أبي ركب، مصعب بن محمد الخشني (توفي عام ٦٠٤ هـ) (٢٣٢)، وكذلك أبو علي عمر بن محمد الإشبيلي الشلوبيني والذي يعتبر إمام النحويين في هذا العصر (٥٦٢ - ٦٤٥ هـ) (٢٣٣). ومن أشهر رواد علم التاريخ وكتابه ورواته في الأندلس خلال هذه الفترة محمد بن أبي خالد المري الإلبيري، من أهل غرناطة (٥٣٣ - ٦٠٢ هـ) فكان عارفاً بتاريخ من نزل بالأندلس قديماً من العرب (٢٣٤). أما إمام المؤرخين، وأعظم أقطاب الرواية والتاريخ من هذه الفترة هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الآبار (٥٩٥ - ٦٥٨ هـ) فقد عاصر أحداث الأندلس خلال العصر الموحدي وشارك في مجريات أمورها، وترك لنا مؤلفات في غاية الأهمية منها (الحلة السيراء - التكملة لكتاب الصلة - إعتاب الكتاب) وغيرها (٢٣٥). ورعت دولة الموحدين العلوم الصرفة. وفي مقدمتها علوم الطب وتزعمت أسرة آل زهر الأندلسية الإشبيلية حركة الطب في هذه الفترة فكان أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر (توفي عام ٥٢٥ هـ) طبيباً خاصاً لعبد المؤمن بن علي أول حاكم للموحدين، وكان هذا الحاكم يكره الأدوية وقد احتاج إلى مسهل فأعطاه هذا الطبيب ثمار العنب بعد أن سقى شجرة العنب بماء فيه دواء مسهل (٢٣٦). ثم

стр. 337

اشتهر من بعده حفيده أبو بكر محمد بن عبد الله بن زهر بن عبد الملك، طبيباً خاصاً للخليفة الموحدي المنصور ومن جاء بعده، ولما توفي عام ٥٩٥ هـ دفن بروضة الأمراء إكراماً له (٢٣٧). ومن أشهر العشابين والنباتيين في الأندلس خلال العصر الموحدي أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموري المعروف بالعشاب وبابن الرومية (٥٦١ - ٦٣٧ هـ) (٢٣٨)، وخلفه من بعده تلميذه ضياء الدين عبد الله بن أحمد المالقي المشهور بابن البيطار (توفي عام ٦٤٦ هـ) (٢٣٩). ومن أشهر علماء الرياضيات علي بن خلف الأنصاري الشلبي الذي كان حياً عام ٥٦٥ هـ (٢٤٠). واشتهر أبو بكر محمد بن أحمد الرقوطي المرسي بالرياضيات والهندسة والطب، ويتقن عدة لغات، وقد بقي في وطنه مرسية بعد تغلب الإسبان عليها عام ٦٦٤ هـ، ولم يغادرها. وبنى له ملك الإسبان (خايمة الأول) مدرسة علم فيها المسلمين والمسيحيين واليهود العلوم التي برع بها، وحاول ملك الإسبان عبثاً أن يُغريه باعتناق المسيحية، ثم غادر مرسية إلى مملكة غرناطة ودخل في خدمتهم يعلم أبناء المسلمين علومه التي تفوق بها، توفي أواخر القرن السابع الهجري (٢٤١). أما الفكر الفلسفي، فدخل عصره الذهبي في عهد الموحدين، وتمتع الفلاسفة بمكانة مرموقة في بلاط الموحدين، وأعطيت لهم الحرية المطلقة في عملهم شريطة ألا تنشر هذه التعاليم على العامة، لأن الموحدين كانوا يعتبرون الفلسفة نوعاً من الحقائق الباطنية المحصورة في فئة المتنورين (٢٤٢). واشتهر هذا العصر بأعظم فلاسفة الأندلس، ويأتي في مقدمتهم ابن طفيل (أبو بكر

стр. 338

محمد بن عبد الملك توفي عام ٥٨١ هـ) (٢٤٣). مؤلف رواية (حي بن يقظان)، وكان بطلها حي يعيش في جزيرة لا يسكنها أحد من الناس، وليس له علاقة بأحد من أهل الجزائر الأخرى. بحث بعقله بحثاً منطقياً متدرجاً من البسيط إلى المركب حتى وصل إلى الاعتقاد بالله وغرضه من ذلك: أن يبين أن الشرع يتفق مع العقل (٢٤٤)، والفيلسوف الآخر المشهور أبو الوليد محمد بن أحمد المعروف بابن رشد شيخ الفلاسفة في الأندلس (توفي عام ٥٩٥ هـ) (٢٤٥). ودافع ابن رشد عن الفلسفة في كتابه تهافت التهافت، ورد بعنف على الإمام الغزالي (توفي عام ٥٠٥ هـ)، ووضح ابن رشد في كتب أخرى بأن الفلسفة لا تتنافى مع الدين، وألف كتاباً صغيراً سماه (فصل المقال فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال) (٢٤٦). وقد اتهم ابن رشد بالزندقة لكثرة أبحاثه، فأحرقت كتبه الفلسفية جميعها في عهد دولة الموحدين، على عهد الخليفة المنصور، واحتفظ له بالكتب الطبية والرياضية (٢٤٧). وكذلك الفيلسوف موسى بن ميمون القرطبي اليهودي الأصل، والذي اعتنق الإسلام ودخل في خدمة الموحدين، وبعدها غادر المغرب إلى مصر ودخل في خدمة البلاط الأيوبي في مصر إلى أن توفي عام ٦٠٢ هـ (٢٤٨). أما الحركة الأدبية فقد ازدهرت في الأندلس خلال عصر الموحدين، وذلك بسبب تذوق الخلفاء الموحدين للشعر الجيد، مع تقديرهم لشعر المديح والإشادة. وبلغ الشعر في الأندلس مستوى عالياً من الإزدهار والقوة، وأظله الموحدون برعايتهم، وتبارى الشعراء الأندلسيون في مدح الخلافة الموحدية والإشادة بها. حتى إن هذه النهضة الشعرية لم تخبُ في عصر الانهيار، أواخر العهد الموحدي - بل زادتها المحنة قوة، فنظم الشعراء قصائد الرثاء والقصائد المبكية، مما يشهد بأن الشعر الأندلسي، قد بلغ

стр. 339

في تلك الفترة الصعبة من حياة الأندلس، ذروة قوته وروعته. ولما كانت الرغبة لدى الخلفاء الموحدين في سماع المديح، فظهر في الشعر الأندلسي هذا الفن، فلما عبر عبد المؤمن بن علي إلى الأندلس استدعى الشعراء، وسمع من كثير منهم، وكان ممن أنشده من الأندلسيين الأصم المرواني وابن سيِّد (اللص) والرصافي البلنسي وغيرهم، وكانت له ملاحظات نقدية على قصائدهم تدل على تذوقه للشعر ومعرفته الواسعة به (٢٤٩). والخليفة الموحدي المنصور لما انتصر على الإسبان في معركة الارك عام ٥٩١ هـ اجتمع لديه عدد كبير من الشعراء، فلم يكن الوقت يسمح لإلقاء كل شاعر قصيدته، فألقى كل شاعر بيتين أو ثلاثة من قصيدته (٢٥٠). ولكن بعد خلافة الناصر (٦١٠ هـ)، خبا هذا النوع من الشعر لاضطراب أحوال الدولة وعدم تذوق ولاة الأمر شعر المديح (٢٥١). وفي هذا العصر عالج شعراء كثيرون فن الغزل، فمنه الغزل العفيف، كقصيدة الفيلسوف والشاعر ابن طفيل الذي زار محبوبته ليلاً بعد نوم الناس، وعلى الرغم من الشوق والتلهف لم ينسيا العفة والخلق الشريف (٢٥٢). وشاركه في هذا الاتجاه الشاعر أبو الروح عيسى بن خليل (توفي عام ٦٢٩ هـ) (٢٥٣). ولكن غزل ابن سعيد الأندلسي وغيره، يبتعد عن التحشم والوقار (٢٥٤). وظهر في هذا العصر في الأندلس شواعر غزلات أمثال حفصة الركونية التي توفيت عام ٥٨٦ هـ (٢٥٥)، ويمثل شعرها قصة غرام جريء في مجتمع إسلامي يحرص على سلوك معين وتقاليد وأعراف (٢٥٦). وشعر الشكوى ظهر في هذه الفترة، بسبب وقوع الشاعر في الأسر، أو ينفى من بلده لأي سبب. وممن امتحن بالنفي والتغريب عن وطنه الشاعر أبو الحسن سهل بن محمد بن مالك الغرناطي (توفي عام ٦٣٩ هـ)، فيصور حالته البائسة وهو غريب بعيد عن

стр. 340

الوطن والأهل (٢٥٧). واشتهر الشاعر ابن حزمون (توفي عام ٦١٤ هـ) بشعر الهجاء حتى وصف بأنه: بذيء اللسان (٢٥٨). وهناك بعض الشعراء الذين تميزوا بالهجاء السياسي أمثال (أبي عبد الله محمد بن الصفار القرطبي توفي عام ٦٣٩ هـ) فالبرغم من كونه أعمى مشوَّهاً، هجا المستنصر الموحدي، وتخفى في مدن المغرب من خطره (٢٥٩). وبرز في الأندلس خلال هذا العصر شعراء الزهد ويمثلهم أبو عمران موسى بن عمر المارتلي الإشبيلي (٢٦٠). وكذلك أبو جعفر بن الوكيل (توفي عام ٥٥١ هـ)، ومن شعره: أسير الخطايا عند بابك واقف ... له عن طريق الحق قلب مخالف قديماً عصى عمداً وجهلاً وعزة ... ولم ينهه قلب من الله خائف (٢٦١) وضمن هذا الفن ظهرت القصائد النبوية الطويلة في مدح رسول الله ﷺ ، وتعداد معجزاته، والتشوق إلى زيارة ضريحه وإلى غير ذلك، ومن أشهر شعراء هذا الفن ابن الجنان (توفي عام ٦٤٠ هـ) والشاعر علي بن إبراهيم الأنصاري (توفي عام ٥٧١ هـ)، والشاعرة أم السعد بنت عصام الحميري المعروفة بـ (سعدونة) توفيت (عام ٦٤٠ هـ) (٢٦٢). ويعتبر العصر الموحدي في الأندلس عصر بزوغ الشعر الصوفي ونضوجه، وأحسن من يمثله محيي الدين بن عربي (توفي عام ٦٣٨ هـ) المار ذكره (٢٦٣). وبرز في الأندلس خلال العصر الموحدي، ونتيجة استرداد الإسبان لمعظم المدن الأندلسية، وما لحق أهلها من الأذى والضرر، نوع من الشعر يسمى رثاء المدن، مع الصريخ إلى نجدتها، وأحسن من مثل ذلك عالمنا الشهير ابن الآبار بقصيدته السينية المشهورة:

стр. 341

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا (٢٦٤) ويشاركه في ذلك أبو البقاء الرندي في قصيدته النونية: لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرّ بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان (٢٦٥) ومن أشهر كتاب الأندلس في هذا العصر الرحالة ابن جبير البلنسي صاحب كتاب الرحلة المشهور (توفي عام ٦١٤ هـ) (٢٦٦). واشتهرت أسرة بني عياش الأندلسية بالكتابة ودخل أفرادها في خدمة خلفاء الموحدين، أمثال أبي الحسن بن عياش، ومحمد بن عبد العزيز بن عياش وعلي بن عياش (٢٦٧). ومن أشهر كتاب الأندلس خلال هذا العصر أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي صاحب الرسائل المشهورة (٢٦٨). واشتهرت الأندلس أيضاً بالمكتبات، مما حدا بخلفاء الموحدين أن يجلبوا من الأندلس أشهر الكتب ووضعوها في الخزانة العلمية بمدينة مراكش (٢٦٩). وقد نقل الخليفة الموحدي يوسف إحدى المكتبات الخاصة من مدينة إشبيلية إلى مكتبته بقصر الخلافة بمراكش دون علم صاحب المكتبة أو استئذانه (٢٧٠). واستخدم الموحدون نساخين وخطاطين من أهل الأندلس لنسخ المؤلفات العلمية، فكان من أشهر هؤلاء أبو العباس بن الصغيرة من أهل المرية، وقد عينه الخليفة يوسف أميناً لمكتبته العلمية (٢٧١). أما عصر مملكة غرناطة ٦٣٥ - ٨٩٧ هـ، فقد اتخذت هذه المملكة العربية الأخيرة في الأندلس مذهب الإمام مالك أساساً لكل أمورها (٢٧٢). ولا شك كان للمذهب المالكي دوره الفعال في عملية تنظيم هذه الدولة، وكان لرجال المذهب سلطان قوي في الجانب الفكري والسياسي (٢٧٣).

стр. 342

وكان أبرز علماء المذهب المالكي، الفقيه أبا سعيد فرج بن لب (٧٠١ - ٧٨٢ هـ) وكان من أشهر أساتذة المدرسة النصرية ومن تلاميذه: إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي (توفي عام ٧٩٠ هـ) صاحب كتاب (أصول الفقه)، ومحمد بن سراج (توفي عام ٨٤٨ هـ) وعرف بفتاويه المتعددة، وأبو عبد الله محمد بن علي الفخار الإلبيري، والفقيه محمد بن محمد الأنصاري السرقسطي (توفي عام ٨٦١ هـ) وكانت له شهرة واسعة، وقد شارك السلطان النصري في جنازته لما كان يتمتع به من سمعة وشهرة (٢٧٤). وقد أفتى هذا الفقيه السرقسطي: بأن الإسبان لا يحق لهم من حيث المبدأ بيع أراضي المسلمين التي انتزعوها منهم، لأنهم في الأساس ليسوا أصحابها، وإنما هي أرض إسلامية، ولكن أوضاع المسلمين الذين هم تحت رحمة الإسبان (وهم المدجنون) هي أوضاع خاصة، لذا جاز لهم شراء تلك الأراضي تلبية لحاجاتهم المعيشية (٢٧٥). وشهد المجتمع النصري حركة زهد قوية في أوساط العامة والخاصة، فكثر الزهاد والمتصوفون. فبالإضافة إلى أوضاع هذه الدولة الخاصة، ساعد على ازدهار حركة الزهد قدوم مهاجرين من الهند وسمرقند وتبريز وخراسان فاستقروا في الأندلس وساهموا في إبراز تيار الزهد، وقد زارهم ابن بطوطة خلال رحلته الأندلسية (٧٥١ - ٧٥٢ هـ) (٢٧٦). ويشير ابن الخطيب إلى وجود رباطات المتصوفين في حي البيازين بغرناطة بإشراف أبي أحمد جعفر الخزاعي الذي كان يجمع المصلين كل ليلة لقراءة القرآن، وعقد حلقات الذكر، وسماع أشعار المتصوفة ولا سيما أشعار الحلاج (٢٧٧). واشتهرت الزاهدة عائشة بنت عبد الله الأندلسي، التي أمضت حياتها داخل حجرة صغيرة، منصرفة لعبادتها، حتى اتهمت بالجنون (٢٧٨). وترك أبو عبد الله محمد بن المحروق أحد زعماء مدينة غرناطة الطيبات واعتزل في رباط ابن المحروق، وفي رباط العقاب المشهور على سفح جبل مشرف على غرناطة قضى الزاهد ابن سبعين والششتري قسماً من حياتهما (٢٧٩). ومن أقطاب التصوف في مملكة غرناطة، أبو الحسن علي بن فرحون القرشي

стр. 343

القرطبي (توفي عام ٧٥١ هـ) (٢٨٠) وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الأنصاري المرسي (توفي عام ٧٥١ هـ أيضاً) وله كتاب (زهرة الأكمام) في قصة يوسف، وأبو عبد الله محمد الأنصاري المالقي (٦٤٩ - ٧٥٤ هـ) وله كتاب (بغية السالك في أشرف المسالك) في مراتب الصوفية وطرائق المريدين (٢٨١). ومن خلال ما زودتنا به الروايات نفهم أن المراكز الفكرية ودور التعليم المهمة كانت موجودة في المدن الرئيسية كغرناطة ومالقة والمرية ووادي آش، وكانت الكتاتيب منتشرة في القرى والأرياف، وأعظم مدرسة بنيت في هذا العهد المدرسة اليوسفية بغرناطة عام ٧٥٠ هـ/١٣٤٩ م بناها السلطان يوسف الأول، كما عرفت باسم المدرسة العلمية والمدرسة النصرية. بدأت أولاً تدرس العلوم الدينية، ثم أصبحت تهتم بأكثر أنواع المعرفة والفكر، وقصدها الطلبة من سائر مناطق مملكة غرناطة، ونالت شهرة واسعة حتى أوفد عليها طلاب العلم من عدوة المغرب، بالإضافة إلى هذا كله وجد المؤدبون الخاصون لأولاد السلاطين (٢٨٣). وكتب على باب المدرسة بعض الأبيات: يا طالب العلم هذا بابه فتحا ... فادخل تشاهد سناه لاح شمس ضحى واشكر مجيدك من حل ومرتحل ... إذ قرب الله من مرماك ما نزحا وشرفت حضرة الإسلام مدرسة ... بها سبيل الهدى والعلم قد وضحا أعمال يوسف مولانا ونيته ... قد طرزت صحفاً ميزانها رجحا (٢٨٤) وكانت المدرسة النصرية تعرض لائحة من الكتب مع أسماء الأساتذة الذين يقومون بتدريسها: فالقرآن الكريم يحتل الصدارة، ثم يأتي بعده كتاب الموطأ للإمام مالك. وبعد ذلك ظهر كتاب (تحفة الحكماء في نقاط العقود والأحكام) للقاضي أبي بكر بن عاصم الغرناطي. واهتمت مدرسة غرناطة بتعليم اللغة والأدب، فاعتمدت كتاب سيبويه وكتاب الأغاني وآثار الجاحظ ومقامات الهمذاني والحريري، كما اعتمدت شعر العرب فكان ديوان الحماسة وديوان المتنبي من الكتب المفضلة. ولا نعرف بالتحديد عدد السنوات التي كان يقضيها الطلاب في هذه المدرسة قبل تخرجهم، إنما المتفوقون منهم

стр. 344

كانوا يحصلون على إجازة خطية يمنحون بموجبها حق تدريس مادة معينة أو كتاب معروف (٢٨٥). وشهدت مملكة غرناطة نهضة علمية كان من روادها محمد بن الرقاح المرسي الذي اشتهر بالهندسة والرياضيات، ومارس الطب أيضاً، وتوفي عام ٧١٥ هـ. ونبغ أبو يحيى بن رضوان الوادي آشي وتوفي سنة ٧٥٧ هـ، ووضع قصيدة في علم الفلك بعنوان (المنظوم من علم النجوم) ووضع رسالة في الاسطرلاب (٢٨٦). ومن أشهر أطباء هذا العصر محمد بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن السراج فكان طبيب السلطان محمد الثاني الخاص، وكان يداوي الفقراء مجاناً ويوزع أمواله على المحتاجين. وكذلك الطبيب يحيى بن هذيل التجيبي حكيم غرناطة وفيلسوفها (توفي عام ٧٥٣ هـ) وكان استاذاً لابن الخطيب (٢٨٧). وكان محمد الشقوري طبيب دار الإمارة أيام السلطان يوسف الأول وله كتاب (تحفة المتوسل وراحة المتأمل). وفي المرية لمع اسم الطبيب والشاعر والمؤرخ أحمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري (توفي عام ٧٧٠ هـ) وله كتاب عن الوباء الذي عصف بالأندلس عام ٧٤٩ هـ/١٣٤٨ م بعنوان (تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد) (٢٨٨). ولا ننسى في هذا المجال لسان الدين ابن الخطيب، الذي سنذكره فيما بعد، وكان أيضاً من الأطباء المشهورين وله عدة كتب طبية منها: (رسالة تكوين الجنين) و (مقنعة السائل في المرض الهائل) يصف فيه أعراض الوباء الكبير (٢٨٩). ومن الابتكارات الطبية التي توصل إليها أطباء العصر النصري، منها: ما توصل الطبيب المالقي الحسن بن محمد بن الحسن القيسي حيث قدم دواء ضد سموم الحيات إلى السلطان يوسف الأول (٢٩٠). واستعان الغرناطيون بحشائش معينة توضع فوق المكان الملتهب فتشفيه وبخاصة مرض النقرس. كما استعملوا الضماد في مداواة عرق النسا. ويؤكد ابن الخطيب في كتابه (مقنعة السائل) أن مرض الطاعون ينتقل بالعدوى ويختفي في ثياب المريض، محاولاً بذلك الإشارة إلى

стр. 345

وجود الجراثيم مما لم يكن معروفاً في ذلك الوقت (٢٩١). ووضع الطبيبان ابن خاتمة وابن الخطيب جملة من الإرشادات والنصائح الطبية، من أجل إبعاد سكان مملكة غرناطة من خطر الوباء الكبير أو الطاعون الأسود. وتوجت مملكة غرناطة جهودها الطبية ببناء المستشفى (البيمارستان) في مدينة غرناطة على أيام السلطان محمد الخامس، وبناء دار للعجزة ومأوى للعميان في عصر السلطان محمد الأول (٢٩٢). ونالت الحركة اللغوية تقدماً كبيراً في ظل مملكة غرناطة وكان من أشهر روادها: أبو بكر محمد بن إدريس القضاعي (توفي عام ٧٠٧ هـ) وله كتاب (الختام المفضوض عن خلاصة علم العروض)، والعالم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم النحوي (٦٢٦ - ٧٠٨ هـ)، وكان عالماً بالقرآن والحديث، وكانت له حظوة عند السلطان أبي عبيد الله محمد بن الأحمر، وله كتاب (صلة الصلة). ومن علماء اللغة كذلك، أبو عبد الله محمد بن علي الفخار الذي كان شيخ النحاة الأندلسيين في عصره، وعليه درس ابن الخطيب وابن زمرك وتوفي بغرناطة عام ٧٥٤ هـ (٢٩٣). وابن مالك الأندلسي (٦٤٠ - ٦٨٦ هـ) صاحب الألفية المشهورة، من أهل جيان، الذي رحل إلى المشرق تاركاً الأندلس المضطربة (٢٩٤). ونالت الدراسات التاريخية حظوة كبيرة في عهد هذه المملكة، ومن الشخصيات المشهورة في حقل التاريخ أبو جعفر أحمد بن علي بن خاتمة الأنصاري (توفي عام ٧٧٠ هـ) وله كتاب (مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية). وكذلك القاضي المشهور أبو الحسن علي بن عبد الله النباهي (٧١٣ - بعد عام ٧٩٣ هـ) وكان من خصوم ابن الخطيب ومن الساعين إلى هلاكه، وله كتاب (تاريخ قضاة الأندلس) وكتاب (نزهة البصائر والأبصار) في تاريخ الدولة النصرية (٢٩٥). وأما كتب لسان الدين ابن الخطيب (٧١٣ - ٧٧٦ هـ) التاريخية فهي أكثر من أن تُعد، ويأتي في مقدمتها (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) وكتاب (الإحاطة في أخبار غرناطة) وكتاب (أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام) وكتاب (نفاضة الجراب) وكتاب (كناسة الدكان) وغيرها كثير.

стр. 346

أما الحركة الأدبية في مجال الشعر والنثر فقد ازدادت في ظل مملكة بني الأحمر وكان روادها لسان الدين ابن الخطيب وابن زمرك، واستمر الإزدهار مرافقاً للوجود العربي حتى سقوط غرناطة، فكأن القلم والسيف تعاهدا على الجهاد ومواصلة الطريق حتى النفس الأخير (٢٩٦). والأعلام من الأدباء الذين أوصلوا الحركة الأدبية إلى هذا التفوق في عهد مملكة غرناطة هما: ١ - لسان الدين ابن الخطيب (توفي عام ٧٧٦ هـ)، الذي ترك لنا قصائد شعرية في أغراض متنوعة ولا سيما في المدح والسياسة، وله موشحات مشهورة، ومن أهمها: جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس ومن خلال مناصبه السياسية التي تقلدها في دولة بني الأحمر، وكان قريباً من الأحداث ومشاركاً فيها، فجاءت كتبه التاريخية مصادر أساسية لكل ما يتعلق بتلك المرحلة من الوجود العربي من الأندلس، وله رسائل مشهورة منها السلطانية ومنها الفلسفية ومنها الإخوانيات (٢٩٧). ٢ - أبو عبد الله محمد بن يوسف الصريحي المعروف بابن زمرك (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ) تلميذ ابن الخطيب، والساعي إلى قتل أستاذه عام ٧٧٦ هـ وقد ترك لنا ابن زمرك مجموعة قصائد في المدح والوصف والغزل، كما برع في الموشحات (٢٩٨). ومن الشخصيات الأدبية التي عاصرت ابن الخطيب أبو سعيد فرج بن لب (توفي عام ٧٨٢ هـ)، وكان شاعراً يتسم شعره بالرقة والسهولة (٢٩٩). ويختتم رواد الحركة الأدبية الأمير إسماعيل بن يوسف بن محمد بن الأحمر (توفي عام ٨٠٧ هـ) صاحب كتاب (نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان) وفيه تناول سير الكتاب والشعراء المشهورين في القرن الثامن للهجرة، كما له كتاب (نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان) وفيه يتحدث عن شعر الملوك من بني الأحمر وبني مرين وبني حفص وبني عبد الواد، وكذلك عن شعر وزراء الأندلس وقضاتها (٣٠٠).

стр. 347

الفَصْلُ الثَّانِي النظم السياسية العربية في الأندلس أهم النظم السياسية التي سنتناول دراستها في الأندلس هي: ١ - نظام الخلافة. ٢ - نظام الحجابة والوزارة. ٣ - نظام الإدارة. ٤ - نظام الشرطة. ١ - نظام الخلافة: فتحت الأندلس عام (٩٢ - ٩٥ هـ) على عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ) فأصبحت ولاية تابعة للخلافة الأموية في بلاد الشام، ولما سقطت الخلافة الأموية بالمشرق عام ١٣٢ هـ حاول والي الأندلس يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) أن يكون أميراً مستقلاً لا يتبع أحداً بعد سقوط خلافة الأمويين. إلا أن وصول عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بالداخل، غير الأمور وجعل الأندلس إمارة أموية بدأ فيها عهد جديد يسمى عصر الإمارة الأندلسية ١٣٨ - ٣١٦ هـ، وهي إمارة وراثية حكمتها الأسرة الأموية (أسرة عبد الرحمن الداخل) وتولاها الإبن عن والده، أو الأخ عن أخيه، أو الحفيد عن جده كما هو معروف، وعاصرت هذه الإمارة دول إسلامية ذات نظام خلافي، وهي الدولة العباسية ١٣٢ - ٦٥٦ هـ، ودولة الأدارسة ١٧٢ - ٢٩٦ هـ ودول الخوارج وهي دولة بني مدرار في سجلماسة ١٤٠ - ٢٩٦ هـ ودولة بني رستم في تاهرت ١٤٤ - ٢٩٦ هـ والدولة الفاطمية في المغرب ٢٩٦ - ٣٦٢ هـ.

стр. 348

فالدولة العباسية يحكمها خليفة من سلالة العباس عم الرسول ﷺ وهو الخليفة الشرعي الذي يعترف بخلافته عموم المسلمين، قياساً إلى وحدة الخلافة الإسلامية من الناحية النظرية، وبقيت الإمارة الأموية في الأندلس تقدر وحدة الخلافة الإسلامية، إلى أن قامت الدولة الفاطمية من منطقة المغرب عام ٢٩٦ هـ. وعلى الرغم من أن دول الخوارج ودولة الأدارسة تسمي حاكمها الإمام أولاً، وعلى الرغم من أن بعض أئمة الخوارج من سجلماسة أعلنوا ولاءهم للخلافة العباسية، ثانياً (١). فإن الإمارة الأموية في الأندلس لم تخرج من التقليد حتى قامت الخلافة الفاطمية في المغرب، التي أسقطت دول الخوارج ودولة الأدارسة ودولة الأغالبة (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) فأصبحت هذه الخلافة وجهاً لوجه مع الإمارة الأموية في الأندلس لا يفصلهما إلا المضيق، ودخلت هاتان الدولتان في صراعات مريرة، من أشهر مظاهرها إعلان الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ من قبل الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) الذي لقب من هذا العام ولقب الذين جاء من بعده وإلى عام ٤٢٢ هـ بلقب الخليفة الأندلسي - وبذلك كسرت قاعدة وحدة الخلافة الإسلامية، وأصبحت للخلافة ثلاثة نظم من العالم الإسلامي، وهي: الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأندلسية، وبرر الفقهاء تعدد الخلفاء إذا كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك، واعترفوا بشرعية خليفتين للمسلمين في آن واحد بشرط أن يكون بينهما مسافة كبيرة ومسافة شاسعة لمنع الاصطدام والفتن بين المسلمين (٢). من الناحية التاريخية الواقعية كانت الإمارة الأموية في الأندلس، إمارة وراثية مستقلة سياسياً عن خلافة المشرق العباسية، ولها علاقات ودية مع دول الخوارج. إلا أنه من الناحية الروحية فإن الإمارة الأموية في الأندلس لم تعترف بالخلافة العباسية، إلا فترة وجيزة، تراوحت بين عدة أشهر، وعدة سنوات من حكم عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) ثم قطعت الخطبة للخليفة العباسي (٣). ويلاحظ أن أمراء بني أمية الذين حكموا الأندلس قبل الناصر، وإن كانوا قد قطعوا

стр. 349

الدعاء لبني العباس، الا أنهم لم يلقبوا أنفسهم بلقب خليفة واكتفوا بلقب الأمير أو بني الخلائف أو الإمام (٤). وهناك روايات تذكر أن عبد الرحمن الداخل لم يخطب للعباسيين طيلة حياته، ولم يخطب الأمراء من بعده كذلك لبني العباس (٥). ويبدو لنا أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يخطب لبني العباس، ولكن في الوقت نفسه، نراه هو والأمراء الذين تولوا الأندلس من بعده لم يلقبوا بلقب خليفة المسلمين، احتراماً للخليفة الشرعي حامي الحرمين الشريفين، وهو الخليفة العباسي (٦). هذا هو الأصل النظري للخلافة الإسلامية، غير أن مجريات الأمور وتغيرات الظروف حتمت كسر هذا الأصل، فقامت الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ وذلك للأسباب الآتية: ١ - قيام الدولة الفاطمية في شمال أفريقية عام ٢٩٦ هـ، وهي ذات أطماع مكشوفة تجاه الأندلس. ٢ - ضعف الخلافة العباسية في المشرق أيام الخليفة المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ) واستبداد القواد الأتراك بها وعبثهم في شؤون الخلافة. ٣ - الاستجابة لرغبة الأندلسيين في أن يكون أميرهم خليفة للمسلمين، وبخاصة بعد قضائه على أهم حركات التمرد، فأصبح الأمير بحاجة إلى رفع مكانة الأمير السياسية والدينية (٧). هكذا لقب الناصر نفسه، " الناصر لدين الله أمير المؤمنين " وأصدر منشوراً يتضمن ذلك (٨). وهكذا تحولت الأندلس من إمارة إلى خلافة، واستمر لقب خليفة في ذرية عبد الرحمن الناصر من بعده حتى سقوط الدولة الأموية في الأندلس عام ٤٢٢ هـ (٩).

стр. 350

ونظام الخلافة في الأندلس يقوم على أساس التوريث أيضاً، ويستند إلى السياسة أولاً ثم إلى الدين ثانياً، عكس الخلافة الراشدة التي قامت على الشورى والانتخاب. وفي الوقت الذي نجد فيه الخليفة العباسي (يحكم بتفويض من الله) كما قال الخليفة المنصور: " إنما أنا سلطان الله في أرضه "، وإن الخليفة الفاطمي يرى نفسه إماماً معصوماً من الخطأ، ولا يسأل عما يفعل، نرى الخليفة الأندلسي يقدم نفسه للناس بصفة، إنسان عادي يخطئ ويصيب، والناس أحرار في نقده، كما فعل قاضي قرطبة المنذر بن سعيد البلوطي (١٠). الذي أخذ ينتقد الخليفة الناصر على الأموال الطائلة التي صرفها في بناء مدينة الزهراء، وهو جالس في مسجد الزهراء، وكان رد فعل الخليفة الأندلسي أنه أقسم أن لا يصلي وراء هذا القاضي، ورفض اقتراح عزله عن الخطبة والقضاء (١١). من هذا نرى أن نشأة الخلافة الأندلسية تخالف نشأة الخلافة في الممالك الإسلامية الأخرى، فهي عبارة عن عقد بين الحاكم والمحكوم، في حين أن الخلافة العباسية تقوم على أساس الميراث عن العباس عم الرسول ﷺ ، والخلافة الفاطمية تقوم على الحق الطبيعي الموروث الذي يأتي عن طريق فاطمة الزهراء (١٢). استمرت الخلافة الأموية في الأندلس تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، إلى أن جاء الحاجب المنصور وأولاده من بعده، فانتزعوا منها السلطة الزمنية اعتباراً من عام ٣٦٦ هـ، فاستبدوا بالأمر وأصبح حال الخلافة الأندلسية كحال الخلافة العباسية أيام سيطرة البويهيين (٣٣٤ - ٤٤٧ هـ) وسيطرة السلاجقة (٤٤٧ - ٥٩٠ هـ)، وكحال الخلافة الفاطمية بعد سيطرة الوزراء عليها بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر عام ٤٧٨ هـ. ومعروف تاريخياً أن فترة الحجابة انتهت عام ٣٩٩ هـ، وبدأت فتنة الخلافة الأندلسية وتسمى الفتنة المبيرة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، التي كانت مليئة بالفتن والاضطرابات، وتصارعت فيها عناصر البربر والصقالبة وأهل قرطبة، وحكمها عدة خلفاء ضعفاء يتجاوز عددهم ١٤ خليفة حكم بعضهم أكثر من مرة (١٣). وفي سنة ٤٢٢ هـ سقطت الدولة الأموية بعد عزل آخر خلفائها هشام الثالث المعتد

стр. 351

بالله، وإجلاء من تبقى من المروانية عن قرطبة، وأعلن الوزير أبو الحزم بن جهور إلغاء الخلافة وأصبح الأمر شورى فظهرت حكومة الجماعة في قرطبة (١٤)، ثم قامت دويلات الطوائف في سائر أنحاء الأندلس. لا ينكر أن معظم ملوك الطوائف كانوا في قرارة أنفسهم يتطلعون إلى الخلافة، فقد كان كل واحد منهم يود أن يصل إليها (١٥)، وأن تتجمع له الصفات المعنوية التي كان يتمتع بها الخلفاء الأمويون، إلا أنه لم يجرأ أحدهم على ذلك، ولو أنهم تلقبوا بألقاب الخلفاء. فنرى مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية ينصب (أبا عبد الله بن عبد الله بن الوليد ويعرف بالمعيطي وهو من بني أمية) (١٦). شبه خليفة، وسماه بأمير المؤمنين المستنصر بالله (١٧). كما قام الحاجب إسماعيل بن عباد بإرسال الرسل إلى جميع أنحاء الأندلس يطلب الدخول في طاعة الخليفة المزعوم (هشام المؤيد) الذي اختلفت الروايات في مصيره. وقد استجاب لذلك الكثير من ملوك الطوائف أمثال: مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، وعبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وأبي الحزم جهور صاحب قرطبة، وبني ذي النون ملوك طليطلة (١٨). ولعل هذه الظاهرة التي سمتها بعض المراجع بـ (وهم الخلافة) يقصد بها وجود خليفة يتمتع ظاهرياً بنوع من القوة والنفوذ وذلك إرضاء لعامة أهل الأندلس الذين ما زالوا يذكرون الأوقات الطيبة عن الخلافة الأموية، هذا إلى جانب المظاهر الروحانية والدينية التي تحيط بالخلافة. فقد كان للخليفة وحده حق الإمامة والزعامة الدينية، لذلك لم يكن من السهل على أكثر أمراء الطوائف أن يحتلوا مكان الخليفة، لأنهم كانوا مجرد حكام صغار لا ينحدرون من سلالات معروفة تتناسب مع وقار الخلافة وهيبتها (١٩). وقد وجهت انتقادات لاذعة لأمراء الطوائف الذين اتخذوا ألقاب الخلفاء استكمالاً لمظاهر السلطان والعظمة (٢٠)، وقد أشار إلى ذلك الشاعر (أبو علي الحسن بن رشيق) بقوله:

стр. 352

مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء مقتدر فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد (٢١) انتهى عصر الطوائف، بدخول الأندلس ضمن أملاك الدولة المرابطية فأصبحت الأندلس ولاية مرابطية يحكمها أمراء مرابطيون تابعون لحكام المرابطين في مراكش، إلا أنه يلاحظ أن الدولة المرابطية أعلنت ولاءها المبكر للخلافة العباسية، وبالذات اعتباراً من عام ٤٥٠ هـ، وأرسل حكام المرابطين السفارات إلى بغداد لهذا الغرض وأشهرها سفارة العالم أبي بكر عبد الله بن محمد المعافري وولده القاضي أبي بكر (٤٨٥ - ٤٩٣ هـ). كما اتخذ المرابطون اللون الأسود شعاراً لهم، ومن المعروف أن هذا اللون هو شعار العباسيين، وضربوا على نقودهم لقب الخليفة العباسي، ولقب حاكم المرابطين إسمه باسم أمير المسلمين (٢٢). ثم خضعت الأندلس لدولة الموحدين، وحكمها ولاة تابعون لحكام الموحدين في المغرب. ورأى الموحدون أنهم أحق الناس بالخلافة، ولأنهم دون غيرهم الموحدون المؤمنون، فأقاموا لأنفسهم خلافة شرعية خاصة، ولقبوا أنفسهم بأمراء المؤمنين، وعززوا ذلك بانتمائهم إلى بيت رسول الله عن طريق الأدارسة، واتخذوا اللون الأخضر شعاراً لهم (٢٣). وكان من أهداف الخلفاء الموحدين النزوح نحو المشرق وفرض خلافتهم على مشرق العالم الإسلامي، ومعنى ذلك أن الموحدين لا يعترفون بالخلافة العباسية (٢٤). ولما ثار محمد بن هود على الموحدين عام ٦٢٥ هـ وأقام إمارة مستقلة له، لقب نفسه بأمير المسلمين مقلداً بذلك أمراء المرابطين، فقطع الخطبة للموحدين وخطب للخليفة العباسي، ونشر الرايات السود (٢٥). وفي عام ٦٣١ هـ وصل إلى الأندلس أبو علي حسن بن علي الكردي المقب بالكمال قادماً من بغداد رسولاً من قبل الخليفة

стр. 353

العباسي المستنصر بالله (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ)، حاملاً كتاب تقليد ابن هود ولاية الأندلس، ولقبه المتوكل أمير المسلمين، والراية السوداء، والخلع والهدايا (٢٦). كذلك لما ثار أبو جميل زيان على الموحدين عام ٦٢٦ هـ، دعى للخليفة العباسي المستنصر بالله أيضاً (٢٧). ومملكة غرناطة التي حكمتها الأسرة النصرية بالوراثة، فقد أعلن أمراء هذه الأسرة ولاءهم للخلافة العباسية حيناً ولملوك بلاد عدوة المغرب حيناً آخر، ولقب أمراؤهم بلقب السلطان وأمير المسلمين، مع العلم أن ألقاباً أخرى غلبت على بعضهم كالمخلوع والزُغل والزغيبي. وعرف بعض سلاطينهم بالقوة، ووقع البعض الآخر تحت سيطرة الوزراء (٢٨). ٢ - نظام الحجابة والوزراء: أ - الحجابة: الحاجب منصب إداري مشرقي، مهمته إدخال الناس على الخليفة حسب مقامهم وأهمية أعمالهم (٢٩). ولكن هذا المنصب في الأندلس الذي أوجده الأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) وقلده أخلص رجاله، من أمثال: يوسف بن بخت وعبد الواحد ابن مغيث الرومي وغيرهم (٣٠)، هو بمثابة رئيس الوزراء الذي يعتبر حلقة الوصل بين الأمير الأموي وبين وزرائه (٣١). واعتمدت الإمارة الأموية على أسر معينة فولت رؤساءها الحجابة مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة ابن شُهيد وغيرهما. ففي عهد الأمير هشام ١٧٢ - ١٨٠ هـ تولى الحجابة أبو أمية عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان حاجب الأمير الحكم بن هشام ١٨٠ - ٢٠٦ هـ أخاه أبا عبدة عبد العزيز (٣٢). ويخبرنا ابن عذاري بأن حجاب الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) هما عيسى بن شهيد وابن أبي عبدة (٣٣).

стр. 354

وتولى عيسى بن الحسن بن أبي عبدة الحجابة للأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) بعد وفاة الحاجب عيسى بن شُهيد. ووصفت لنا بعض الروايات بساطة هذا الحاجب وسلامة نيته (٣٤). وشغل أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن الغمر بن أبي عبدة حاجب الأمير محمد في عهد والده الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ). ويبدو لنا أن هذا المنصب الإداري (حاجب أولاد الأمراء) لا يعطي صلاحيات الحاجب نفسها الذي يكون بمثابة رئيس الوزراء. وربما يعني الوزير الخاص للأمير الولد في عهد والده. وقد استغنى الأمير عبد الله عن منصب الحجابة آخر أيامه مكتفياً بوصيفه بدر بن أحمد الصقلبي الذي كان ينظم أموره (٣٥). وكان بدر مولى الأمير الناصر من أشهر حجاب هذا الأمير (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ)، واشتهر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي بتولي هذه الخطة على أيام الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) (٣٦). وبعد وفاة الحكم عام ٣٦٦ هـ سيطر الحاجب المنصور على مقاليد الأمور وعرفت هذه الفترة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ بفترة الحجابة تولى أمرها الحاجب المنصور وأولاده من بعده وقد أحاط الحاجب المنصور نفسه بهالة من الأبهة والفخامة حتى إن الوزراء وغيرهم كانوا يقبلون يديه، كما أنه حجر على الخليفة هشام وساواه في المراتب (٣٧). ولما سقطت الخلافة الأندلسية، وقامت على أنقاضها دويلات الطوائف، اتخذ بعضهم لقب الحاجب مثل سابور الفارسي، وهو أول المستقلين في منطقة بطليوس. وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، وأحمد بن قاسم أمير البونت (٣٨). وعندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية، لم نر في نظم المرابطين من حمل إسم الحاجب، وكذلك الحال بالنسبة لدولة الموحدين. إلا أن الوزير أحياناً في دولة الموحدين يقوم مقام الحاجب، أي إختصاصه هنا رئيس تشريفات، فهو الذي يحجب الخليفة عن الخاصة والعامة ويأذن للوفود بالدخول عليه مع تقديم كل فرد بذكر إسمه

стр. 355

ونسبه وبلده (٣٩). ولكن وجد حجاب للمهدي بن تومرت وللخلفاء الموحدين الآخرين، ولكن الذي يبدو أن هؤلاء لم يكونوا بمثابة رئيس وزراء، بل عملهم يقتصر على خدمة الخليفة الموحدي ومرافقته في حله وترحاله (٤٠). ووجد لقب الحاجب في مملكة غرناطة أي بمعنى رئيس الوزراء، وكان له نفوذ كبير (٤١). وكان الحاجب يوجه الهيئة الحاكمة ويتولى رئاسة القصر الملكي، والسلطان محمد الرابع هو أول من أوجد هذا المنصب عام ٧٢٩ هـ/عندما عين أبا النعيم رضوان حاجباً له وسلمه إدارة المملكة السياسية والعسكرية (٤٢). ب - الوزارة: وجد نظام الوزارة في الأندلس منذ قيام الإمارة الأموية. وكانت وزارة متعددة المناصب، لها رئيس وزارة يسمى الحاجب، وهو حلقة اتصال بين الوزراء والأمير. وهذا التعدد في عدد الوزراء لا نجده في المشرق، حيث كانت السلطة مركزةً في يد وزير واحد، وقلما وجد وزيران. أما في الأندلس فلكل ناحية من نواحي الإدارة العامة لها وزير يختص بها، وهناك بيت خاص لانعقاد مجلس الوزراء في قصر الإمارة (٤٣). وبعد أن توطدت الأمور للأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ)، إستوزر عدة أشخاص من رجاله الأكفاء منهم: أبو عبده حسان بن مالك وابنه عبد الغافر؛ وشهيد بن عيسى بن شُهيد، وثعلبة بن عبيد الجذامي وغيرهم (٤٤). وعَدّل الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) نظام الوزراء، فقسمها إلى عدة وزارات مختلفة، وألزم وزراءه الحضور يومياً إلى بيت الوزارة الذي خصصه لهم في قصر الإمارة، وذلك من أجل مشاورتهم في جميع أمور الدولة (٤٥). ومن أشهر وزراء هذا الأمير حسن بن عبد الغافر
следующие страницы →