← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بالله، وإجلاء من تبقى من المروانية عن قرطبة، وأعلن الوزير أبو الحزم بن جهور إلغاء الخلافة وأصبح الأمر شورى فظهرت حكومة الجماعة في قرطبة (١٤)، ثم قامت دويلات الطوائف في سائر أنحاء الأندلس. لا ينكر أن معظم ملوك الطوائف كانوا في قرارة أنفسهم يتطلعون إلى الخلافة، فقد كان كل واحد منهم يود أن يصل إليها (١٥)، وأن تتجمع له الصفات المعنوية التي كان يتمتع بها الخلفاء الأمويون، إلا أنه لم يجرأ أحدهم على ذلك، ولو أنهم تلقبوا بألقاب الخلفاء. فنرى مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية ينصب (أبا عبد الله بن عبد الله بن الوليد ويعرف بالمعيطي وهو من بني أمية) (١٦). شبه خليفة، وسماه بأمير المؤمنين المستنصر بالله (١٧). كما قام الحاجب إسماعيل بن عباد بإرسال الرسل إلى جميع أنحاء الأندلس يطلب الدخول في طاعة الخليفة المزعوم (هشام المؤيد) الذي اختلفت الروايات في مصيره. وقد استجاب لذلك الكثير من ملوك الطوائف أمثال: مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، وعبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وأبي الحزم جهور صاحب قرطبة، وبني ذي النون ملوك طليطلة (١٨). ولعل هذه الظاهرة التي سمتها بعض المراجع بـ (وهم الخلافة) يقصد بها وجود خليفة يتمتع ظاهرياً بنوع من القوة والنفوذ وذلك إرضاء لعامة أهل الأندلس الذين ما زالوا يذكرون الأوقات الطيبة عن الخلافة الأموية، هذا إلى جانب المظاهر الروحانية والدينية التي تحيط بالخلافة. فقد كان للخليفة وحده حق الإمامة والزعامة الدينية، لذلك لم يكن من السهل على أكثر أمراء الطوائف أن يحتلوا مكان الخليفة، لأنهم كانوا مجرد حكام صغار لا ينحدرون من سلالات معروفة تتناسب مع وقار الخلافة وهيبتها (١٩). وقد وجهت انتقادات لاذعة لأمراء الطوائف الذين اتخذوا ألقاب الخلفاء استكمالاً لمظاهر السلطان والعظمة (٢٠)، وقد أشار إلى ذلك الشاعر (أبو علي الحسن بن رشيق) بقوله:

стр. 352

مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء مقتدر فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد (٢١) انتهى عصر الطوائف، بدخول الأندلس ضمن أملاك الدولة المرابطية فأصبحت الأندلس ولاية مرابطية يحكمها أمراء مرابطيون تابعون لحكام المرابطين في مراكش، إلا أنه يلاحظ أن الدولة المرابطية أعلنت ولاءها المبكر للخلافة العباسية، وبالذات اعتباراً من عام ٤٥٠ هـ، وأرسل حكام المرابطين السفارات إلى بغداد لهذا الغرض وأشهرها سفارة العالم أبي بكر عبد الله بن محمد المعافري وولده القاضي أبي بكر (٤٨٥ - ٤٩٣ هـ). كما اتخذ المرابطون اللون الأسود شعاراً لهم، ومن المعروف أن هذا اللون هو شعار العباسيين، وضربوا على نقودهم لقب الخليفة العباسي، ولقب حاكم المرابطين إسمه باسم أمير المسلمين (٢٢). ثم خضعت الأندلس لدولة الموحدين، وحكمها ولاة تابعون لحكام الموحدين في المغرب. ورأى الموحدون أنهم أحق الناس بالخلافة، ولأنهم دون غيرهم الموحدون المؤمنون، فأقاموا لأنفسهم خلافة شرعية خاصة، ولقبوا أنفسهم بأمراء المؤمنين، وعززوا ذلك بانتمائهم إلى بيت رسول الله عن طريق الأدارسة، واتخذوا اللون الأخضر شعاراً لهم (٢٣). وكان من أهداف الخلفاء الموحدين النزوح نحو المشرق وفرض خلافتهم على مشرق العالم الإسلامي، ومعنى ذلك أن الموحدين لا يعترفون بالخلافة العباسية (٢٤). ولما ثار محمد بن هود على الموحدين عام ٦٢٥ هـ وأقام إمارة مستقلة له، لقب نفسه بأمير المسلمين مقلداً بذلك أمراء المرابطين، فقطع الخطبة للموحدين وخطب للخليفة العباسي، ونشر الرايات السود (٢٥). وفي عام ٦٣١ هـ وصل إلى الأندلس أبو علي حسن بن علي الكردي المقب بالكمال قادماً من بغداد رسولاً من قبل الخليفة

стр. 353

العباسي المستنصر بالله (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ)، حاملاً كتاب تقليد ابن هود ولاية الأندلس، ولقبه المتوكل أمير المسلمين، والراية السوداء، والخلع والهدايا (٢٦). كذلك لما ثار أبو جميل زيان على الموحدين عام ٦٢٦ هـ، دعى للخليفة العباسي المستنصر بالله أيضاً (٢٧). ومملكة غرناطة التي حكمتها الأسرة النصرية بالوراثة، فقد أعلن أمراء هذه الأسرة ولاءهم للخلافة العباسية حيناً ولملوك بلاد عدوة المغرب حيناً آخر، ولقب أمراؤهم بلقب السلطان وأمير المسلمين، مع العلم أن ألقاباً أخرى غلبت على بعضهم كالمخلوع والزُغل والزغيبي. وعرف بعض سلاطينهم بالقوة، ووقع البعض الآخر تحت سيطرة الوزراء (٢٨). ٢ - نظام الحجابة والوزراء: أ - الحجابة: الحاجب منصب إداري مشرقي، مهمته إدخال الناس على الخليفة حسب مقامهم وأهمية أعمالهم (٢٩). ولكن هذا المنصب في الأندلس الذي أوجده الأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ) وقلده أخلص رجاله، من أمثال: يوسف بن بخت وعبد الواحد ابن مغيث الرومي وغيرهم (٣٠)، هو بمثابة رئيس الوزراء الذي يعتبر حلقة الوصل بين الأمير الأموي وبين وزرائه (٣١). واعتمدت الإمارة الأموية على أسر معينة فولت رؤساءها الحجابة مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة ابن شُهيد وغيرهما. ففي عهد الأمير هشام ١٧٢ - ١٨٠ هـ تولى الحجابة أبو أمية عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان حاجب الأمير الحكم بن هشام ١٨٠ - ٢٠٦ هـ أخاه أبا عبدة عبد العزيز (٣٢). ويخبرنا ابن عذاري بأن حجاب الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) هما عيسى بن شهيد وابن أبي عبدة (٣٣).

стр. 354

وتولى عيسى بن الحسن بن أبي عبدة الحجابة للأمير محمد (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) بعد وفاة الحاجب عيسى بن شُهيد. ووصفت لنا بعض الروايات بساطة هذا الحاجب وسلامة نيته (٣٤). وشغل أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن الغمر بن أبي عبدة حاجب الأمير محمد في عهد والده الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ). ويبدو لنا أن هذا المنصب الإداري (حاجب أولاد الأمراء) لا يعطي صلاحيات الحاجب نفسها الذي يكون بمثابة رئيس الوزراء. وربما يعني الوزير الخاص للأمير الولد في عهد والده. وقد استغنى الأمير عبد الله عن منصب الحجابة آخر أيامه مكتفياً بوصيفه بدر بن أحمد الصقلبي الذي كان ينظم أموره (٣٥). وكان بدر مولى الأمير الناصر من أشهر حجاب هذا الأمير (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ)، واشتهر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي بتولي هذه الخطة على أيام الخليفة الحكم (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) (٣٦). وبعد وفاة الحكم عام ٣٦٦ هـ سيطر الحاجب المنصور على مقاليد الأمور وعرفت هذه الفترة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ بفترة الحجابة تولى أمرها الحاجب المنصور وأولاده من بعده وقد أحاط الحاجب المنصور نفسه بهالة من الأبهة والفخامة حتى إن الوزراء وغيرهم كانوا يقبلون يديه، كما أنه حجر على الخليفة هشام وساواه في المراتب (٣٧). ولما سقطت الخلافة الأندلسية، وقامت على أنقاضها دويلات الطوائف، اتخذ بعضهم لقب الحاجب مثل سابور الفارسي، وهو أول المستقلين في منطقة بطليوس. وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، وأحمد بن قاسم أمير البونت (٣٨). وعندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية، لم نر في نظم المرابطين من حمل إسم الحاجب، وكذلك الحال بالنسبة لدولة الموحدين. إلا أن الوزير أحياناً في دولة الموحدين يقوم مقام الحاجب، أي إختصاصه هنا رئيس تشريفات، فهو الذي يحجب الخليفة عن الخاصة والعامة ويأذن للوفود بالدخول عليه مع تقديم كل فرد بذكر إسمه

стр. 355

ونسبه وبلده (٣٩). ولكن وجد حجاب للمهدي بن تومرت وللخلفاء الموحدين الآخرين، ولكن الذي يبدو أن هؤلاء لم يكونوا بمثابة رئيس وزراء، بل عملهم يقتصر على خدمة الخليفة الموحدي ومرافقته في حله وترحاله (٤٠). ووجد لقب الحاجب في مملكة غرناطة أي بمعنى رئيس الوزراء، وكان له نفوذ كبير (٤١). وكان الحاجب يوجه الهيئة الحاكمة ويتولى رئاسة القصر الملكي، والسلطان محمد الرابع هو أول من أوجد هذا المنصب عام ٧٢٩ هـ/عندما عين أبا النعيم رضوان حاجباً له وسلمه إدارة المملكة السياسية والعسكرية (٤٢). ب - الوزارة: وجد نظام الوزارة في الأندلس منذ قيام الإمارة الأموية. وكانت وزارة متعددة المناصب، لها رئيس وزارة يسمى الحاجب، وهو حلقة اتصال بين الوزراء والأمير. وهذا التعدد في عدد الوزراء لا نجده في المشرق، حيث كانت السلطة مركزةً في يد وزير واحد، وقلما وجد وزيران. أما في الأندلس فلكل ناحية من نواحي الإدارة العامة لها وزير يختص بها، وهناك بيت خاص لانعقاد مجلس الوزراء في قصر الإمارة (٤٣). وبعد أن توطدت الأمور للأمير عبد الرحمن الداخل (١٣٨ - ١٧٢ هـ)، إستوزر عدة أشخاص من رجاله الأكفاء منهم: أبو عبده حسان بن مالك وابنه عبد الغافر؛ وشهيد بن عيسى بن شُهيد، وثعلبة بن عبيد الجذامي وغيرهم (٤٤). وعَدّل الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) نظام الوزراء، فقسمها إلى عدة وزارات مختلفة، وألزم وزراءه الحضور يومياً إلى بيت الوزارة الذي خصصه لهم في قصر الإمارة، وذلك من أجل مشاورتهم في جميع أمور الدولة (٤٥). ومن أشهر وزراء هذا الأمير حسن بن عبد الغافر

стр. 356

ابن أبي عبدة (٤٦). وأقر الأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ حاجب أبيه عيسى ابن شُهيد ومعظم الوزراء الذين كانوا يتولون خدمة أبيه (٤٧). كما أن الأمير محمد وضع نظاماً جديداً للوزارة يمتاز فيه الوزراء بنوع من التعظيم، وقدم الوزراء الشاميين على الوزراء البلديين وأعلاهم في الجلوس على كراسيهم ببيت الوزارة (٤٨). وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) ازداد عدد الوزراء، واحتلت أسرة أبي عبدة مكانة في هذا العصر حيث تولى خمسة أفراد منها الوزارة في آن واحد (٤٩). واستمر الأمير عبد الله على سياسة والده الأمير محمد في تقديم الوزراء الشاميين على الوزراء البلديين. فقد اجتمع في عهده وزير شامي وهو موسى بن حُدير، ووزير بلدي وهو عيسى بن أحمد بن محمد أبي عبدة. وأراد عيسى التقدم على صاحبه معتزاً بمكانة أبيه الوزير القائد أبي العباس صاحب الفضل في إنقاذ الإمارة من الضياع، لكن الأمير عبد الله آثر أن يظل الأمر كما رسمه أبوه للوزارة، أي قرر أن يظل بنو حدير متقدمين على بني أبي عبدة (٥٠). وفي عهد الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) استمرت أسرة أبي عبدة تتولى المناصب الوزارية وقد اعتمد عليها الناصر اعتماداً كبيراً في الشؤون الإدارية والحربية (٥١). وفي عهد هذا الخليفة أطلق لقب (ذو الوزارتين) على بعض الوزراء والحجاب في الأندلس، فقد أطلقه الناصر على وزيره أحمد بن عبد الملك بن شُهيد عام ٣٢٧ هـ (٥٢)، وهو لقب تشريفي مثل لقب (ذو السيفين) الذي منحه الحكم لقائده غالب بن عبد الرحمن، بعد أن قلده سيفين عقب انتصاره على بقايا الأدارسة عام ٣٦٤ هـ (٥٣).

стр. 357

وفي فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ قلت أهمية الوزير، مما فرض عليه من الخضوع للحاجب وتقبيل يديه، وبذلك ضعفت شخصية الوزير، ومما يدل على ذلك أن زيري ابن عطية زعيم قبيلة مغراوة الزناتية في المغرب احتقر لقب وزير الذي أنعم عليه به الحاجب المنصور، بعد مساعدته في إخماد حركة الحسن بن كنون (٥٤). ولما سقطت الخلافة الأندلسية وقام عصر الطوائف. انحطت مرتبة الوزير وصار هذا المنصب يمنح للطبقة الوسطى من الموظفين والكتاب وشيوخ القرى. كذلك زاد استعمال الألقاب التشريفية المزدوجة مثل: ذو الوزارتين وذو الرياستين، وذو المجدين وذو السيادتين (٥٥). ولكن مع هذا وجد وزراء مشهورون في هذه الفترة أمثال أبي بكر بن عمار وزير المعتمد بن عباد، والوزير ابن الحضرمي وزير المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس، والوزير ابن الحديدي وزير المأمون بن ذنون صاحب طليطلة. وغيرهم كثير (٥٦). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، واحتل الوزير في عهدهم مكاناً مرموقاً، وكان الشخص المقرب من السلطان، وكان يستشيره في كل الأمور (٥٧). ووجد في دولة المرابطين نوعان من الوزراء: ١ - وزراء عسكريون، وهم من قرابة السلطان، ومن قبائل لمتونة وصنهاجة. ٢ - وزراء كتاب وهم من الفقهاء. ومن الوزراء الأندلسيين الذين اعتمد عليهم السلطان المرابطي علي بن يوسف، الوزير الفقيه مالك بن وهيب الإشبيلي، وهو الذي أشار على هذا السلطان بقتل محمد ابن تومرت لما استفحل أمره (٥٨). واشتهر كذلك الوزير أبو بكر بن باجة العالم المشهور (٥٩). وفي عهد الموحدين، اعتمدوا نظام الوزارة بجانب مشيخة الموحدين وعرفوا بإسم

стр. 358

العشرة أو أهل الجماعة (٦٠). وكان منصب الوزير من المناصب المهمة، وقد شغله عدد من أبناء الخلفاء وإخوتهم ولذا سموا بالسادة أو الأسياد، وهؤلاء الوزراء الأسياد يتخذون غالباً وزراء يعاونوهم (٦١). ومن الوزراء أصحاب الأصول الأندلسية الذين وزروا للخلفاء الموحدين، أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع وزير الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ)، وكان والده إبراهيم بن جامع من مدينة شريش الأندلسية وكان من أعوان ابن تومرت، وأصبح لأبي العلاء مكانة مرموقة في البلاط الموحدي (٦٢). وكذلك الوزير أبو بكر محمد بن عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر الأيادي (توفي عام ٥٩٥ هـ) الذي كان وزيراً للخليفة يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ)، وكان دائم التردد بين المغرب والأندلس (٦٣). وكان وزير الموحدين أحياناً يقوم بمهمة الإشراف على الأندلس وتفقد أحوالها، وبعضهم شارك في معارك الجهاد الأندلسية التي خاضتها القوات الموحدية والأندلسية ضد الممالك الإسبانية، واستشهدوا فيها (٦٤). ونرى كذلك أن بعض حكام مدن الأندلس الموحدين يُعين لهم وزير يساعده في إدارة الولاية (٦٥). أما نظام الوزارة في عهد مملكة غرناطة، فكان له مكانة عالية، وكان الوزير دائماً ينوب عن السلطان، وهو الذي يهيمن على شؤون الدولة المدنية والعسكرية، ولذا كثيراً ما كان الوزير الغرناطي يلقب بألقاب تدل على قوة نفوذه مثل: لقب الرئيس وعماد الدولة، وذي الوزارتين وغير ذلك (٦٦). وتقلد منصب الوزارة في مملكة غرناطة أشخاص من علية القوم، وأشخاص عاديون، وأحياناً من أرقاء الإسبان (٦٧).

стр. 359

وكان لوزراء بني الأحمر أدوار سياسية مهمة من خلال المهمات التي أوكلت إلى بعضهم، فالوزير ابن الخطيب ذهب سفيراً إلى فاس، ثم أرسل مرة أخرى إلى عدوة المغرب كي يطلب عون المرينيين لصد الخطر الإسباني. والوزير ابن زمرك قام بتسع رحلات إلى بلاد الإسبان من أجل عقد معاهدات صلح، وبعض الوزراء قاد بعض الحملات العسكرية أمثال الوزير أبي النعيم رضوان (٦٨). واكتفى بعض سلاطين غرناطة بوزير واحد، بينما نجد في عهد السلاطين الآخرين عدة وزراء، ووصل عددهم إلى خمسة وزراء، واشتهرت بعض العائلات بتولي أبنائها مناصب الوزارة مثل عائلة آل الأمين وبني عبد البر وبني سراج وغيرهم (٦٩). ٣ - النظام الإداري (ولاية الأقاليم): ترددت الأندلس، في ارتباطها الإداري، بين ولاية الشمال الأفريقي والإشراف المباشر لمركز الخلافة. وعندما تكون الأندلس تابعة لولاية الشمال الأفريقي يقوم والي القيروان بتعيين ولاة الأندلس، مثل الحر بن عبد الرحمن الثقفي (توفي عام ١٠٠ هـ)، وعنبسة بن سحيم الكلبي (توفي عام ١٠٧ هـ). ثم اتبعت الأندلس مركز الخلافة الأموية في دمشق أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) من أجل الإسراع في الإنجاز والإشراف المباشر، فعين السمح بن مالك والياً عليها (توفي عام ١٠٢ هـ) (٧٠). لكنها عادت ولاية تابعة لأفريقية في ولاية عنبسة (استشهد عام ١٠٧ هـ)، ومن جاء بعده (٧١). وهكذا ترددت تبعية الأندلس بين الإشراف المباشر للخلافة عليها، وبوساطة ولاية الشمال الأفريقي، حسب مقتضيات الأمور (٧٢). لكن قد تفرض ظروف الأندلس أحياناً تعيين والٍ بسرعة، فيتفق أهل الأندلس على شخص معين يولونه أمر الأندلس، حتى يأتي غيره، ويؤيد الخليفة أو والي أفريقية هذا. كما حدث بعد مقتل عبد العزيز بن موسى، إذ عين أهل الأندلس الوالي أيوب بن حبيب اللخمي (رجب - ذو الحجة ٩٧ هـ). كذلك الحال عند استشهاد السمح (عام ١٠٢ هـ).

стр. 360

وفي هذه الحال يكتب بالأمر إلى والي الشمال الأفريقي لإقراره أو تعيين غيره (٧٣). وكانت الأندلس، أغلب فترة الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ) تابعة لولاية أفريقية، وكانت مدينة أشبيلية قاعدة الولاية، ثم انتقلت إلى مدينة قرطبة ذات الموقع المتوسط بين الساحل والداخل (٧٤). استفاد عرب الأندلس من النظام الإداري الذي وجدوه بالأندلس، فعدلوا به بعض الشيء، في عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ)، بحسب ما اقتبسوه من النظم الإدارية المشرقية، ومال أهل الأندلس في التنظيم الإداري نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تسهيلاً لتوفير الأمن وتنظيم الأمور المالية (٧٥). ويبدو أن النظام الإداري للأندلس لم تتضح معالمه إلا في أواخر عصر الولاة، وذلك عندما قسم الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) الأندلس إلى خمس ولايات وهي: ولاية الأندلس (ولاية باطقة) وتقع بين نهر وادي يانة والبحر المتوسط، وأشهر مدنها قرطبة، وقرمونة، إشبيلية، ومالقة، والبيرة، وجيان، وإستجة. وولاية طليطلة (ولاية قرطاجنة القديمة) وتمتد بين جبال قرطبة حتى نهر دويرة، وأشهر مدنها: طليطلة ومرسية ولورقة وشاطبة ودانية وبلنسية ووادي الحجارة وقونقة. وولاية ماردة (ولاية جليقية القديمة - لوجدانيا) وتمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً، وأشهر مدنها: ماردة وباجة وأشبونة وإسترقة وسمورة وشلمنقة. وولاية سرقسطة (ولاية كانتبرية القديمة) وتمتد من ساحل البحر المتوسط عند طركونة وبرشلونة إلى جبال البرنية وبلاد البشكنس، وأشهر مدنها: سرقسطة وطركونة وبرشلونة ولاردة وطرطوشة ووشقة. وولاية أربونة (ولاية الثغر) في الأراضي الفرنسية وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر مدنها: أربونة وقرقشونة ونيم وماجلونة (٧٦). نلاحظ من كل هذا أن الوالي الكبير في قرطبة مسؤول عن الولاة الخمسة لهذا التنظيم الإداري، وكل والٍ فرعي مسؤول عن ولايته، لأن كل ولاية تتبعها مجموعة مدن وهي الكور، وكل كورة يتبعها عدة أقاليم (قرى كبيرة)، وكل إقليم يتبعه عدة أجزاء

стр. 361

(أرياف) (٧٧). وقد أورد لنا العذري الكثير من أسماء الأقاليم والأجزاء التابعة لكورة بلنسية ولكورة سرقسطة، وذكر لنا أقاليم البيرة وأجزاءها، وكدلك أقاليم إشبيلية، وأقاليم قرطبة (٧٨). في عصر الإمارة (١٣٨ - ٣١٦ هـ)، أصبحت الأندلس إمارة مستقلة قاعدتها قرطبة، وتولى أمرها الداخل وذريته من بعده، كما هو معروف. ويبدو لنا خلال هذه الفترة أن النظام الإداري في الأندلس بقي على حاله السابق، واعتمد الداخل والأمراء من بعده في إدارة الثغور والولايات والكور على جماعة مختارة من الأعوان المخلصين، ومن أفراد البيت الحاكم، مع الاعتماد على أسر اشتهرت في الأندلس، مثل أسرة أبي عبدة، وأسرة بني شُهيد وأسرة مغيث الرومي وغيرهم. فمثلاً أعطى عبد الرحمن الداخل ولاية إشبيلية إلى حسان بن مالك (أبو عبدة)، وقضى هذا الوالي على حركات التمرد هناك، وضبط أحوال الولاية، وأصبح لهذه الأسرة (أسرة أبي عبدة) نفوذ كبير في هذه الولاية (٧٩). وخلال عصر الإمارة هذا استجدت عدة ظواهر فيما يتعلق بالنظام الإداري: ١ - الظاهرة الأولى: فقدت الأندلس ولاية أربونة (ولاية الثغر)، حيث استرجعتها فرنسا، كما زحفت عبر جبال البرتات وسيطرت على مدينة برشلونة عام ١٨٥ هـ/٨٠١ م، وجعلت هذه المدينة قاعدة لولاية فرنسية تسمى بالثغر القوطي أو المارك الإسباني ويتألف من مدن جيرونة وسولسونة وبرشلونة وأربونة وغيرها. وبذلك أصبحت هذه الولاية الفرنسية سداً حاجزاً بين المسلمين في الأندلس وبلاد فرنسا، وحاولت إمارة الأندلس استرجاع هذه المناطق فلم تلق نجاحاً كبيراً، ما عدا حملات عسكرية جهادية تكتفي بالنصر أحياناً على الأعداء دون استرجاع المدن (٨٠).

стр. 362

٢ - الظاهرة الثانية: في أواخر عصر الولاة، وبداية عصر الإمارة بدأت الفلول الإسبانية تجمع نفسها، فأقامت لها إمارات صغيرة في الشمال الإسباني مستغلة سوء الأحوال في الأندلس، فظهر المارك الإسباني، وقامت إمارة النافار، وإمارة أشتوريش (إمارة ليون) (٨١). فظهرت إمارات حدودية أندلسية مقابلة لهذه الإمارات الإسبانية، تسمى بالثغور الأندلسية، وهذه الثغور ثلاثة هي: ١ - الثغر الأعلى: ويشمل في الجغرافية الأندلسية ولاية سرقسطة وأعمالها. وتعتبر مدينة سرقسطة قاعدة لهذا الثغر، ويواجه هذا الثغر المارك الإسباني وإمارة النافار. ٢ - الثغر الأوسط: يشمل ولاية طليطلة، وكانت قاعدته الأولى مدينة سالم ثم أصبحت مدينة طليطلة، ويواجه هذا الثغر إمارة ليون بالدرجة الأولى. ٣ - الثغر الأدنى: ويشمل المنطقة الواقعة بين نهر دويرة ونهر التاجة، ومن أشهر مدن هذا الثغر مدينة قورية ومدينة قلمرية، وكانت مدينة قورية عموماً قاعدة لهذا الثغر. وأصبح مدلول مصطلح الثغور في الجغرافية الأندلسية يعني هذه الثغور الثلاثة (٨٢). ومن سكنها يطلق عليه لقب ثغري (٨٣). وتأتي أهمية هذه الثغور من كونها أصبحت المراكز المهمة التي تنطلق منها الجيوش الأندلسية لمجاهدة الإمارات الإسبانية التي ظهرت في الشمال والتي أخذت تسترجع المدن الأندلسية تباعاً. كما أصبحت هذه الثغور مركزاً مهماً لحركات التمرد ضد حكومة الإمارة في قرطبة، وقد أحرجت مركزها في كثير من الأحيان.

стр. 363

٣ - الظاهرة الثالثة: فتح الجزائر الشرقية عام ٢٩٠ هـ/٩٠٣ م بقيادة عصام الخولاني وذلك في عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ). وأصبحت هذه الجزائر تابعة إدارياً إلى الأندلس وعين عصام الخولاني أول عامل أندلسي عليها (٨٤). ويبدو لنا أن النظام الإداري أصيب بالإرتباك خلال عصر الأمير عبد الله، نظراً لقيام حركات التمرد في سائر أنحاء الأندلس، ولم يبق لحكومة الإمارة في قرطبة سلطان حقيقي إلا في منطقة العاصمة وأحوازها (٨٥). وقد بذل هذا الأمير قصارى جهده من أجل إعادة سلطان قرطبة على الولايات، وكذلك فعل الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣١٦ هـ) قبل أن يعلن الخلافة الأندلسية، وقد بدأ عصره بقمع هذه الفتن وسار بنفسه يعاونه خيرة قوّاده في إخماد حركات التمرد، وقد أفلح في ذلك (٨٦). ولعل القضاء على حركات التمرد هذه من الأسباب التي دفعت هذا الأمير إلى إعلان الخلافة (٨٧). ويبدو خلال عصر الخلافة (٣١٦ - ٤٢٢ هـ) أن النظام الإداري هو استمرار لهذا النظام منذ عصر الإمارة، ولكن الشيء الجديد الذي استحدث خلال عصر الخلافة، هو إيجاد إمارة الثغور إيجاداً مستقلاً، وأعطيت إمارة الثغر الأعلى أهمية كبيرة (٨٨). وبعد الهزيمة المنكرة التي لحقت بالخليفة الناصر وجيشه أمام جيوش مملكة ليون الإسبانية عام ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م في معركة الخندق (٨٩)، اهتم الناصر بأمور الثغور الأندلسية واستمر في إعطاء إدارتها إلى الأسر المتنفذة فيها وهي أسرة بني تُجيب وأسرة بني ذي النون وبني الطويل وبني رزين، وكان يغدق عليهم الصلات والهدايا، وكان يزودهم كل عام بالعدد والسلاح من أجل الاستمرار في مدافعة ممالك الإسبان (٩٠).

стр. 364

وفي عام ٣٣٥ هـ/٩٤٦ م عني الناصر بتجديد مدينة سالم وهي أقصى مدن الأندلس الشمالية الغربية على حدود مملكة ليون، فحصّنها وزودها بالعتاد والرجال، وكانت قد خربت من جرّاء غزوات الإسبان المتكررة (٩١). وسار عبد الرحمن الناصر على خطى جده الداخل في الاسترابة من القبائل العربية، وأقصى زعماءها عن مناصب النفوذ والإدارة، فعهد الخليفة الناصر المناصب المهمة إلى الموالي والصقالبة (٩٢)، ولكن في عهد ولده الخليفة الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) اعتمد على خيرة الرجال في الجيش والإدارة، سواء من العرب أو البربر، ويأتي في مقدمتهم الحاجب المنصور والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. وكان القائد غالب بن عبد الرحمن الناصري والي مدينة سالم من رجالات الحكم المهمين، وهو الذي قلده الخليفة الحكم سيفين مذهبين من ذخائر سيوفه وسماه (ذا السيفين) (٩٣). واعتمد الحاجب المنصور على نظام إداري متين مما مكنه من مواصلة الجهاد المستمر للممالك الإسبانية والانتصار عليها دائماً، ولذا وصف بمواصلة الحزم والحذر، ودائم السهر، لمراقبة أحوال البلاد (٩٤). واضطرب النظام الإداري على ضوء اضطراب الأندلس السياسي خلال عصر الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، كما هو معروف، وأصبح ولاة المدن في حل من تبعيتهم لقرطبة عاصمة الخلافة، واستقل كل والٍ وحاكم في منطقته وبذلك قام عصر الطوائف. وفي هذا العصر لم يتوفر في الأندلس نظام إداري موحد، بل إن كل مملكة من ممالك الطوائف لها نظامها الإداري، فهناك الأمير المقيم في قاعدة الإمارة، ولديه مجموعة من العمال أو الولاة الذين يعينهم لإدارة المدن والحصون التابعة لإمارته، ومن أجل ضمان السيطرة العسكرية على جميع أنحاء الإمارة الطائفية، نظراً لحرج هذه الإمارات بعضها أمام بعض، وأمام الممالك الإسبانية في الشمال (٩٥). لذا نرى أن ملوك الطوائف يعهدون إدارة المدن والحصون المهمة إلى إخوانهم وأبنائهم وإلى أعوانهم المخلصين. ولكن حب الزعامة أولاً وبعد العامل عن مراقبة سيده

стр. 365

ثانياً، وضحت لنا ظاهرة تمرد العمال على أسيادهم في عصر الطوائف، كما هو الحال في مملكة غرناطة ومملكة إشبيلية ومملكة سرقسطة ومملكة بطليوس وغيرها (٩٦). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية تتبع مراكش في عدوة المغرب، وعين لها قائد أعلى وهو الحاكم العام أو أمير الأندلس، وللمدن قادة آخرون خاضعون للقائد العام، ومهمة هؤلاء الإشراف على النواحي العسكرية والإدارية بالدرجة الأولى. وكانت الأندلس أيام المرابطين مقسمة إلى ست ولايات هي: غرناطة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وسرقسطة (سقطت عام ٥١٢ هـ قبل انتهاء العصر المرابطي). وكانت مدينة قرطبة عاصمة الإمارة المرابطية ثم انتقلت في أوائل عهد علي بن يوسف إلى غرناطة، وفي أواخر عهده أعاد العاصمة إلى قرطبة مرة أخرى (٩٧). وكانت مناصب الولاية المحلية في الأندلس، وقفاً على الأمراء والقادة المرابطين، ولا سيما أقرباء الحكام، وكان في مقدمة هؤلاء الأمير سير بن أبي بكر اللمتوني والي إشبيلية، ومحمد بن الحاج والي بلنسية وسرقسطة والأمير أبو محمد مزدلي والي قرطبة، والأمير وأنور بن بكر والي الجزائر الشرقية (٩٨). وكان اختيار الوالي يقوم على أساس مكانته وعدالته وعلمه، وإذا أظهر شيئاً من التقصير يعزل أو ينقل إلى مكان آخر. وكان التأكيد والتوصية بحسن السيرة والرفق بالناس أمراً أساسياً، سواء بالنسبة لحاكم الدولة المرابطية أم للولاة والحكام المحليين (٩٩). وأصبحت الأندلس ولاية موحدية، وكانت قاعدة الحكومة الموحدية في الأندلس مدينة إشبيلية، لأنها كانت أول قاعدة أندلسية نادت بطاعة الموحدين، ولأنها أول مدينة سيطر عليها الموحدون. إلا أن عبد المؤمن بن علي في أواخر أيامه أمر ولده أبا يعقوب يوسف والي إشبيلية، أن ينتقل إلى قرطبة ويتخذها قاعدة الحكم الموحدي في الأندلس لأنها تقع في وسط الأندلس. وبعد فترة قصيرة رجعت إشبيلية قاعدة للحكم طيلة العهد الموحدي (١٠٠). وإذا كانت نظم الحكم المرابطية للأندلس يغلب عليها الطابع العسكري،

стр. 366

فإن النظم الموحدية كانت أميل إلى الطابع المدني. وكانت ولاية الأندلس في العهد الموحدي تنقسم إلى عدة ولايات وهي: ولاية الغرب وتشمل شلب ويابره وباجة وماردة وبطليوس. وولاية إشبيلية وتشمل شريش وشذونة وقرمونة وإستجة وقرطبة وجيان، وولاية غرناطة وتشمل وادي آش والمنكب والمرية ومالقة والجزيرة الخضراء. وولاية بلنسية وتشمل قسطلونة وشاطبة ودانية والجزائر الشرقية. وولاية مرسية وتشتمل على لقنت ولورقة وأريولة (١٠١). وكان يتولى حكم هذه الولايات عادة أبناء الخليفة الموحدي وإخوته أو أقرباؤه وأصهاره. وكان يتولى منصب الحاكم العام للأندلس على الأغلب واحد من أبناء الخليفة أو إخوته، وكان أول من تولاها من أبناء الخليفة السيد أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وذلك في عام ٥٥١ هـ. وكان لكل ولاية أندلسية حكومتها المحلية التي تضم إلى جانب الوالي الموحدي، الوزير والكاتب وصاحب الجباية عدا المناصب الدينية (١٠٢). ومملكة غرناطة الواقعة في الطرف الجنوبي من الأندلس، شملت ثلاث ولايات كبيرة ولاية غرناطة في الوسط وفيها العاصمة غرناطة، وولاية المرية في المشرق، وولاية مالقة في الجنوب والغرب (١٠٣). ومجموع أقاليم هذه المملكة كما يخبرنا ابن الخطيب ثلاثة وثلاثون إقليماً (١٠٤). وكانت هذه الأقاليم خاضعة لسلطة العمال والولاة الذين يختارهم السلطان النصري من ثقات رجاله، فيتخذ الولاة من قصبة المدينة (قلعتها) مقراً لولايتهم. ولكن بعض الولاة كانوا بحكم نفوذهم وقوتهم يفرضون أنفسهم على الأقاليم ويتوارثون حكمها فيقرهم السلطان على مقاطعاتهم بعد أن يظهروا الطاعة ويؤدوا الأموال (١٠٥)، ولعب الكثير من حكام الأقاليم دوراً كبيراً في تقرير مصير الحكم خلال هذا العصر، كما حصل خلال حكم السلطان محمد الثاني الفقيه (٦٧٢ - ٧٠١ هـ) مثلاً (١٠٦).

стр. 367

٤ - نظام الشرطة: بدأت ولاية الشرطة في الأندلس منذ عصر الأمير عبد الرحمن الداخل، (١٣٨ - ١٧٢ هـ) بعدما شعر بخطر اليمانية عليه بعد الانتصار في معركة المسارة، وذلك عندما منعهم من نهب قصور قرطبة (١٠٧). وأسند إدارتها إلى عبد الرحمن بن نعيم، ومن بعده للحصين بن الدجن العقيلي (١٠٨). وأول من تولى قيادة الشرطة من أسرة أبي عبدة هو عبد الغافر بن أبي عبدة، حيث تولاها للأمير هشام (١٧٢ - ١٨٠ هـ) (١٠٩). والأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) هو الذي ميز ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة، فأفردها وقرر لواليها ثلاثين ديناراً في الشهر، ولوالي المدينة مائة دينار (١١٠). ويبدو أن صاحب المدينة كان يشرف على الخدمات العامة في العاصمة، إضافة إلى صلاحيات ولاية الشرطة العليا، ويستخدم سلطة جهاز الشرطة أيضاً في التحقيقات المدنية (١١١). وقسمت ولاية الشرطة إلى قسمين: ولاية الشرطة العليا (الكبرى) وجعل لصاحبها الحكم على أهل المراتب السلطانية والضرب على أيديهم في الظلامات، وعلى أيدي أقربائهم من أهل الجاه. وجعل لصاحبها كرسياً بباب دار الإمارة، وفي خدمته عدة رجال ينفذون أوامره. وولاية الشرطة الصغرى. وجعل لصاحبها الحكم على عامة الناس (١١٢). وأخبرتنا بعض الروايات، أنه في عام ٣١٧ هـ/٩٣٠ م استحدث منصب ولاية الشرطة الوسطى التي أعطيت إلى سعيد بن سعيد ابن حدير (١١٣). وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) تولى ولاية الشرطة العليا (صاحب المدينة) أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وكذلك أبو عثمان عبيد الله بن محمد الغمر بن أبي عبدة (١١٤). وفي بداية عهد الأمير عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ -

стр. 368

٣٥٠ هـ) حصرت ولاية الشرطة العليا في أولاد الوزير القائد أبي العباس أحمد بن محمد، فتولاها أولاده الثلاثة: عباس وعبد الله وعيسى، وتولاها كذلك حفيده أحمد ابن عيسى (١١٥). ونجد في أحداث القرن الرابع الهجري أن صاحب المدينة كان مستقلاً عن صاحب الشرطة، ونستدل على ذلك بما قاله ابن حيان في أحداث عام ٣٦١ هـ: " نظر الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان مع صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فيما عهد إليه الخليفة المستنصر بالله " (١١٦). واستمر كذلك أيام الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) الأنواع الثلاثة للشرطة، العليا والوسطى والصغرى (١١٧). وأعطيت لصاحب الشرطة صلاحيات واسعة في الأندلس، تصل أحياناً إلى تنفيذ حكم الإعدام دون الرجوع إلى الحاكم (الخليفة) (١١٨). وقد أشار ابن عبدون لهذه الخطة وسمى صاحبها الحاكم، وذكر لنا الصفات الجليلة التي يجب أن تتوفر فيه (١١٩). ويبدو أن هذه الصفات كانت نظرية، فوجد عملياً من تولى أمر الشرطة من وصف بالتأخر في عقله وعلمه أمثال أمية بن أحمد بن حمزة القرشي الأموي (توفي عام ٣٩٣ هـ) (١٢٠)، ومحمد بن يحيى بن قاسم القيسي (توفي عام ٤١١ هـ)، وحسن بن محمد بن ذكوان (توفي عام ٤٥١ هـ) (١٢١). ووجدت لدينا روايات تشير إلى أن صاحب الشرطة قد كلف بأعمال خارج اختصاصه، فمثلاً نرى صاحب الشرطة أحمد بن نصر شارك مع غيره في تشييد محراب المسجد الجامع على عهد الخليفة الحكم المستنصر (١٢٢). كما كلفه الخليفة المستنصر - بعد أن أعطاه ولاية السوق، بتوسيع المحجة العظمى بسوق قرطبة لضيقها وهدم

стр. 369

الحوانيت من أجل التوسيع، وكذلك كلفه بنقل دار البرد من غربي قرطبة إلى دار الزوامل التي بالمصارة من طرف قرطبة. وكلف أيضاً بقضاء كورة جيان (١٢٣). وشارك أصحاب الشرطة أيضاً في عصر الحكم المستنصر في عمليات الجهاد حيث خرجوا عام ٣٦٤ هـ مع جيش الصائفة (١٢٤). وكان صاحب الشرطة أحياناً هو قائد الجيش في بعض الولايات الأندلسية، حيث يكلفه الخليفة في بعض المهام، كما هو حال صاحب الشرطة العليا وقائد بلنسية وطرطوشة هشام بن محمد بن عثمان (١٢٥). وفي عام ٣٦١ هـ أعطى الخليفة الحكم الشرطة الوسطى لمحمد بن أبي عامر وجعله أيضاً قاضي القضاة (١٢٦). وكان الخليفة الحكم يعهد لصاحب الشرطة والسوق بأعمال البر كتوزيع الأموال على الفقراء والمساكين (١٢٧). ومارس صاحب الشرطة بعض المهام الدبلوماسية، ففي عام ٣٦٠ هـ كلف الخليفة الحكم صاحب الشرطة هشام بن محمد بن عثمان وقائد طرطوشة وبلنسية أن يصحب الوفود الإسبانية الوافدة إلى العاصمة، وربما كان ذلك لقرب منطقة عمله من الممالك الإسبانية (١٢٨). وتخبرنا بعض النصوص أن وظيفة صاحب الشرطة وصاحب المدينة كانت تجمع في وظيفة واحدة أحياناً في عهد الخليفة هشام المؤيد، حيث جمعت لمحمد بن أبي عامر (١٢٩)، الذي عم في زمنه الأمن في مدينة قرطبة (١٣٠). وتولى خطة الشرطة بعض العلماء والفقهاء في فترة الحجابة أمثال سعيد بن أحمد بن حدير الذي تولى الشرطة في بداية عهد هشام المؤيد (١٣١). والأديب أحمد بن أبان المتوفى عام (٣٨٢ هـ) (١٣٢)، وغيرهم.

стр. 370

ونرى من خلال تراجم أصحاب الشرطة في عصر الحكم المستنصر والحاجب المنصور، أن صاحب الشرطة قام بأكثر من عمل إداري ودبلوماسي وعمراني وعسكري إلى جانب عمله الرئيسي (١٣٣)، وذكرت بعض المصادر التاريخية (١٣٤)، بتلقب ابن حيان المؤرخ بصاحب الشرطة، ويبدو أن هذا اللقب كان لقباً فخرياً أو تشريفياً ليس إلا (١٣٥). وفي عهد الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، تعرض صاحب الشرطة للعزل والقتل نظراً لتعاقب الخلفاء في هذه الفترة، والذي كان كل خليفة جديد يعمل على تعيين صاحب شرطة من رجاله وعزل السابق وربما يقتله، حيث صلب الخليفة محمد بن هشام حاكم المدينة عبد الله بن عمر عندما سيطر على قرطبة عام ٣٩٩ هـ (١٣٦). وفي أيام الخليفة محمد المهدي تولى الفقيه أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن حزم الحكم بالجانب الغربي من قرطبة (١٣٧). ولعل هذه الرواية تدل على أن خلفاء الفتنة ربما قسموا قرطبة إلى مناطق وعينوا على كل منطقة منها صاحب شرطة، أو أن كثرة الحوادث في الجانب الغربي كانت مدعاة لهذا التعيين، أو ربما لأن الجانب الغربي هو الذي تقع فيه بيوت الأغنياء فهي بحاجة إلى حماية (١٣٨). وذكر لنا ابن بشكوال في ترجمته لمحمد بن قاسم بن محمد الأموي (الجالطي) أنه تقلد أحكام الشرطة للخليفة هشام بن الحكم، وكان محموداً في عمله، وقتله البربر يوم دخولهم قرطبة عام ٤٠٣ هـ (١٣٩)، وكذلك قتلوا صاحب الشرطة الآخر العالم عبد الله بن حسين (ابن الغربالي) (١٤٠). وممن ولي الشرطة في عهد الفتنة وذكرهم ابن بشكوال دون أن نستطيع تحديد وقت عملهم في هذه الخطة: محمد بن يونس (توفي عام ٤١٨ هـ) (١٤١)، ومحمد بن

стр. 371

يحيى (ابن الخفارية) توفي عام ٤١١ هـ (١٤٢). وأحمد بن الحسين (١٤٣)، ومحمد بن محمد ابن إبراهيم القبسي (١٤٤). وفي عصر الطوائف اتسمت خطّة الشرطة بالاستقرار، واعتمد كل أمير من أمراء الطوائف على صاحب شرطة، واختاروه من البيوتات الأندلسية المعروفة (١٤٥). ففي مملكة غرناطة في عهد أسرة بني زيري شغل هذه الوظيفة بربر صنهاجة، وأيضاً اليهود. وفي قرطبة عهد أبو الوليد بن جهور إلى الفقيه حسن بن محمد بن ذكوان (توفي عام ٤٥١ هـ) أحكام الشرطة والسوق ثم رفع إلى قاضي الجماعة (١٤٦). وتولى أيضاً في هذا العهد الفقيه عبد الرحمن بن مخلد أحكام الشرطة والسوق حتى وفاته عام ٤٣٧ هـ (١٤٧). وتولاها أيضاً في عهد الجهاورة مضافة إلى خطة السوق الوزير أبو بكر محمد بن الليث ابن حريش، والذي استمر يمارس هذه الوظيفة في عهد الطوائف بعد سقوط إمارة الجهاورة، حيث نراه يمارس أعماله في عام ٤٥٧ هـ وعرضت عليه مجموعة قضايا في مدينة قرطبة، وعندما تختلف عليه الأمور يشاور الفقهاء والقضاة وغيرهم لحل الإشكال (١٤٨). وفي مملكة بني عباد تولى أحكام الشرطة الفقيه محمد بن مكي (توفي عام ٤٧٤ هـ) وجمعت له مع السوق والأحباس وأمانة الجامع (١٤٩). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، وتزودنا الروايات بأن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن مخلد تولى الأحكام بقرطبة مدة طويلة وتوفي سنة ٥١٥ هـ (١٥٠). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار رسالة ابن عبدون (توفي عام ٥٢٠ هـ) في الحسبة، وهو من الذين خدموا في بلاط علي بن يوسف، والتي تشير إلى منع طوائف الحشم والعبيد التابعين لولاة

стр. 372

الأمر من التلثم -وهو شعار المرابطين- وأن لا يتلثم إلا صنهاجي أو لمتوني أو لمطي، فهذا يدل على مراقبة المرابطين لأحوال الرعية، وربما كلف بالأمر صاحب الشرطة أو صاحب السوق (١٥١). وكان منصب صاحب الشرطة من المناصب الإدارية المهمة في الدولة الموحدية، وتبدو أهميته خاصة عند اضطراب الأمور، وكان يشغل هذا المنصب رجال من ذوي المكانة الرفيعة في الدولة ومن كابر الوزراء. ويبدو لنا من الرسالة التي وجهها عبد المؤمن بن علي عام ٥٤٣ هـ إلى الأعيان والمشيخة في الأندلس، والتي تنحصر في خمسة أمور هي: وجوب التزام الدقة في تطبيق الأحكام الشرعية، ووجوب الكف عن أخذ أية مغارم أو مكوس لا تبيحها الشريعة، ولا يجوز الحكم في مواد الحدود بالإعدام أو تنفيذه قبل الرجوع إلى الخليفة، ويجب تحريم الخمور ومطاردتها في سائر أنحاء الدولة، ويجب حماية أموال الدولة وعدم التصرف بها بدون حق (١٥٢)، يتبين لنا من هذا كله الإشارة إلى بعض اختصاصات صاحب الشرطة والمدينة والسوق وتحديدها، على الرغم من عدم ورود اسمهم. وقد سار خلفاء الموحدين على هذا النهج فيما بعد كما فعل الخليفة يوسف بإصدار رسالة مشابهة في عام ٥٦١ هـ موجهة إلى أخيه والي قرطبة (١٥٣). وفي مملكة غرناطة، أعطيت صلاحيات واسعة للقاضي. وكان يعاونه في تصريف القضايا الثانوية قاض مساعد يعرف بصاحب الأحكام، ولعله هو صاحب الشرطة (١٥٤). ويعاونه أيضاً صاحب السوق المسؤول عن أمور السوق بصورة عامة، كما أنه مسؤول عن تطبيق فروض الدين، وملاحقة المنكرات (١٥٥). ومن أبرز رجال الحسبة والشرطة في مملكة غرناطة القاضي أبو بكر محمد بن فتح الأنصاري الإشبيلي (توفي عام ٦٩٨ هـ) (١٥٦). وكان صاحب الشرطة يعرف في مملكة غرناطة باسم متولي الشرطة، وصاحب المدينة وصاحب الليل. وكان يساعده حراس يجوبون الشوارع ويراقبون

стр. 373

الطرقات، وقد أطلق عليهم إسم الدرابين الذين كانوا يحملون السلاح وتصحبهم الكلاب (١٥٧). النظم العسكرية: وندرس فيها الجيش والبحرية: ١ - الجيش: عندما بدأ طارق بن زياد بتنفيذ خطة فتح الأندلس، عام ٩١ هـ/٧١٠ م أرسل حملة استطلاعية بقيادة أبي زرعة طريف بن مالك المعافري، وكانت هذه القوة الاستطلاعية تتألف من أربعمائة راجل ومئة فارس (١٥٨). وفي رجب من عام ٩٢ هـ/٧١١ هـ عبر القائد طارق بن زياد على رأس جيش من العرب والبربر قوامه سبعة آلاف رجل، ثم أنجدهم موسى بن نصير بخمسة آلاف مقاتل من العرب والبربر، وضمت الحملة أيضاً سبعمئة رجل من السودان (١٥٩). وفي رمضان عام ٩٣ هـ/٧١٢ م عبر موسى بن نصير إلى الأندلس يرافقه جيش عربي قوامه ثمانية عشر ألف رجل، معظم هؤلاء من القبائل اليمانية، وبقية العشائر العربية الأخرى التي كانت موجودة في القيروان، وضمت الحملة أعداداً كبيرة من رجال قريش البارزين، إضافة إلى الإداريين ورجال الدين (١٦٠). ومعنى هذا أن الجيش الإسلامي الذي قام بعملية فتح الأندلس يتألف من العرب والبربر وقليل من السودانيين. فتحت جنوب ووسط الأندلس خلال الأعوام ٩٢ - ٩٤ هـ/٧١١ - ٧١٣ م، ودارت معارك عنيفة كمعركة وادي البرباط والمعارك الجانبية التي تم بها فتح قرطبة أو إشبيلية وغيرها من مدن الجنوب والوسط (١٦١)، أما الشمال الإسباني فتم فتحه في فترة لا تتجاوز ثمانية أشهر من عام ٩٥ هـ وإذا استعرضنا النصوص المتوفرة لدينا فيما يخص سير

стр. 374

الجيش في الشمال الإسباني يتبين لنا أن معظمه قد فتح صلحاً، وأن معاقله الحصينة فتحت أبوابها للمسلمين دون مقاومة، ما عدا بعض المدن الواقعة على البحر قاومت الفتح، وارتضوا دفع الجزية وعاشوا بسلام في ظل الحكم العربي، عكس ما رأيناه في جنوبي الأندلس حيث بذل الفاتحون طاقات كبيرة في فتح مدنه، حيث بقي موسى بن نصير أكثر من عام يفتح أو يعيد فتح المدن في جنوبي الأندلس قبل أن يلتقي مع قائده طارق بن زياد قرب طليطلة (١٦٢). كما أن أراضي الشمال الإسباني والتي حددت بالأراضي الواقعة شمالي نهر الوادي الكبير (١٦٣)، فقد فتحت صلحاً ورضي أهلها بدفع الجزية والعيش بسلام في ظل حكم العرب كما بيّنا، أما الأراضي الجنوبية فتعتبر أرض عنوة، أي فتحت بالحرب، فوزعت على المحاربين وأعطيت لهم سجلات بتمليكها (١٦٤). أما فيما يخص سكن المسلمين في أراضي الشمال الإسباني، أرض الصلح، فقد أشار المقري بقوله: " وكان العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين " (١٦٥)، ويعني هذا أنهم استقروا خاصة في المناطق التي تعد غير مأهولة بالسكان، وزاولوا فيها الزراعة، ويبدو أنهم كانوا يؤدون العشر إلى الدولة (١٦٦). ومنذ بداية عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ تدخل الجيش في أمر إدارة الأندلس، عندما قام قادة الجند بقتل والي الأندلس عبد العزيز بن موسى عام ٩٧ هـ، وولوا مكانه أيوب ابن حبيب اللخمي (١٦٧). الذي لم ينعم بالولاية طويلاً، فاستبدل بالحر بن عبد الرحمن الثقفي (٩٧ - ١٠٠ هـ) الذي وصل إلى قرطبة ومعه أربعمئة رجل، وأول عمل قام به إصلاح الجيش ومطاردة المعتدين من الجند واتبع معهم سياسة شديدة الوطأة (١٦٨). ويبدو أن عملية اصطحاب الأتباع كلما يأتي والٍ إلى الأندلس، مع اهتمامه في إصلاح شؤون الجيش أصبحت خطة ثابتة خلال عصر الولاة، لأن بقاء المسلمين في الأندلس

стр. 375

كان متوقفاً على قوة الجيش ومدى مقارعته للأعداء من الإسبان في الشمال، أو المتمردين في داخل الولاية. وبذلك أصبح الاهتمام بالجيش -وهو جيش غير نظامي قائم على إمداد القبائل العربية والبربرية حكومة الوالي بالرجال عند الجهاد- وتنظيم رجاله من أولى الأعمال المهمة التي يقوم بها والي الأندلس، فنرى مثلاً اهتمام عبد الرحمن الغافقي في ولايته الثانية بالجيش، وعني بإصلاحه وتنظيمه، وأنشأ فرقاً قوية مختارة من فرسان البربر بإشراف نخبة من ضباط العرب (١٦٩). وهذا ما مكنه من قيادة الجيش عبر الأراضي الفرنسية فكانت موقعة بلاط الشهداء المعروفة عام ١١٤ هـ. ومن الأمور الأخرى التي يمكن ملاحظتها خلال عصر الولاة، أن الولاة الذين حكموا الأندلس بعد معركة بلاط الشهداء عام ١١٤ هـ، يصطحبون معهم جيشاً منتخباً من جند أفريقيا لتعزيز حكمهم أولاً، ولإخماد حركات التمرد في الشمال الإسباني ثانياً. والظاهرة الأخرى التي برزت في عصر الولاة، هو قيام الكور المجندة، وهي الأماكن التي وزع فيها الجيش الشامي (جيش بلج بن بشر القشيري)، بعد أن لعب الوالي بلج دوراً كبيراً في أحداث ولاية الأندلس المعروفة، وفي عهد الوالي أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي (١٢٥ - ١٢٧ هـ) فرق الجند الشامي في الكور مقابل أن يؤدوا خدمة عسكرية (١٧٠)، وقد حرص الوالي أبو الخطار في هذا التوزيع على أن تكون الكور التي ينزلون بها مشابهة إلى حد كبير للأماكن التي جاءوا منها من المشرق، ولعل ذلك محاولة من هذا الوالي لبعثرة طاقاتهم بعد أن رأى خطرهم يكمن في وجودهم بمنطقة واحدة (١٧١). فأنزل أهل حمص في مدينة إشبيلية، وأهل دمشق أنزلهم غرناطة، وأهل الأردن أنزلهم مالقة، وأهل مصر أنزلهم مرسية (تدمير)، وأهل قنسرين أنزلهم جيان، وفرض على كل قبيلة أن تجبي غلة تلك الناحية التي نزلت فيها، وتأخذ عطاءها منها والزيادة لبيت المال (١٧٢). وتعهدت حكومة الولاية بعدم التدخل في شؤونهم أو شؤون الإقليم (١٧٣). وما يلاحظ كذلك في عصر الولاة، أن قادة جيوش الثغور زجوا أنفسهم في

стр. 376

الخلافات الداخلية، بدل أن يصرفوا طاقاتهم لصد خطر الأعداء. فنرى عبد الرحمن بن علقمة عامل أربونة أقصى ثغور الأندلس يشارك بجيشه ضد جيش بلج القشيري والتقى الجيشان في موقع (أقوة بر طوره) من إقليم ولبه، واستطاع عبد الرحمن بن علقمة من إصابة بلج مما أدى إلى موته في اليوم التالي، ولكن خسر عبد الرحمن العدد الكبير من جيشه (١٧٤)، فخسرت بذلك قاعدة أربونة خيرة المجاهدين (١٧٥). رجع والي أربونة إلى قاعدته في عهد الوالي أبي الخطار، إلا أن عامل أربونة تمرد مرة ثانية على الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) مما أدى إلى مقتله، ففقدت قاعدة أربونة واليها الشجاع، وأصبحت عرضة لهجمات القوات الفرنسية التي استرجعتها عام ١٤١ هـ (١٧٦). أما الجيش في عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، فبدأ الأمير الأول الداخل بإنشاء جيش يعتمد عليه في تثبيت حكمه وحشد له المتطوعة والمرتزقة من سائر الطوائف، وبلغت قواته نحو مائة ألف مقاتل، هذا عدا الحرس الخاص الذي يتكون من الموالي والبربر والرقيق الصقالبة، وقد بلغت قواته نحو أربعين ألف (١٧٧). وبدأ الداخل ينظر بعين الريبة إلى الجند العربي فأسقط ألويتهم بعد أن قامت ضده ثورات عربية أشهرها التي قادها العلاء بن مغيث (١٧٨). واعتمد الداخل بالدرجة الأولى على البربر بناءً على مشورة أحد أقربائه، وأحسن استقبال من وفد إليه من بربر العدوة الذين انخرطوا في جيش الداخل. فكانوا يده الحديدية التي يضرب بها أعداءه (١٧٩)، كما استعان بعنصر الصقالبة الذين كانوا يشترون بالمال ويدربون على أعمال الفروسية والقتال وعلى الطاعة العمياء للدولة والإخلاص لها (١٨٠).

стр. 377

وإذا كان الأمير هشام ١٧٢ - ١٨٠ هـ قد اهتم بالجيش، وهيأه لمعارك الجهاد، إلا أنه في الوقت نفسه رتب في ديوان الجند أرزاقاً لأسر الشهداء، كما افتدى أسرى المسلمين ولم يبق في عهده منهم أحد في قبضة العدو (١٨١). ولكن نرى الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) يستكثر الموالي والحشم في الجيش، وأنشأ الحرس الخاص، وفي عهده أكثر من جلب الصقالبة، وكان هؤلاء الصقالبة على الأغلب من الرقيق والخصيان الذين يؤتى بهم من بلاد الفرنج وحوض نهر الدانوب وغيرها، وكان يؤتى بهم أطفالاً من الجنسين ويربون تربية إسلامية، ثم يدربون على أعمال الفروسية والإدارة، وتولوا مناصب مهمة، وبلغ عددهم في عهد الحكم زهاء خمسة آلاف (١٨٢). وكان للحكم فرقة من الحرس الخاصة معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام، وقد أبلوا في الدفاع عنه يوم الربض أحسن البلاء. وكانت للحكم ألفا فرس من الجياد الصافنات مرتبطة على شاطئ النهر تجاه القصر، ويشرف عليها جماعة من العرفاء الجيدين (١٨٣). ومعنى هذا أن الأمير الحكم أسس فرقاً من الجيش النظامي وخاصة بعد فشل ثورة الربض عام ٢٠٢ هـ التي قام بها الفقهاء ضده، والتي كادت تطيح بعرشه، فكوّن لنفسه فرقة من الحرس الخاص عرفوا باسم الصقالبة، وسموا أيضاً الخرس لعجمة ألسنتهم (١٨٤). واستمر أمراء الأندلس من إكثار الموالي والصقالبة وجعلهم حرساً خاصاً لهم، فقد اصطفى الأمير عبد الرحمن الأوسط مثلاً خمسة آلاف مملوك، ثلاثة آلاف فارس يرابطون إزاء باب القصر فوق الرصيف، وألفا رجل على أبواب القصر المختلفة (١٨٥). واهتم الأمير محمد بتقوية الجيش وذلك نتيجة الظروف الصعبة التي مرت بها الأندلس في عهده، وتلقي الأرقام عن عدد الفرسان الذين يحشدون في مختلف الكور والمدن لغزوات الصوائف، ضوءاً على مدى قوة الجيش الأندلسي في عهده، فكورة غرناطة (٢٩٠٠)، وجيان (٢٢٠٠)، وقبره (١٨٠٠)، وباغه (٩٠٠)، موتاكرنا (٢٦٩) والجزيرة (٢٩٠) وأستجة (١٢٠٠)، وقرمونة (١٨٥)، وشذونة (٦٧٩٠)، ورية (٢٦٠٧)، وشريش (٣٤٢) وفحص البلوط (٤٠٠)، ومورور (١٤٠٣)، وتدمير (٢٠٠)، أما قرطبة

стр. 378

العاصمة فكانت تختار الرقم قياساً لقدراتها، ويحشد أبناؤها بطريق التطوع خلافاً لأهل النواحي الأخرى. وكانت هذه الفرق تسمى بفرق الفرسان المستنفرين الذين يجري استنفارهم أوقات الصوائف، أو كلما بدرت من العدو حركة اعتداء على أهل الثغور، ويضاف إلى هذه الفرق حشود المتطوعين في سبيل الله. وبذلك ندرك مدى حجم جيش الأندلس خلال هذه الفترة، والذي كان هذا الأمير دائماً يقود الجيش إلى أرض العدو ويمكث فيها أكثر من ستة أشهر (١٨٦). ويلاحظ في عصر الإمارة أنها اعتمدت على قادة عسكريين مشهورين ينتمون إلى أسر أندلسية معروفة، فكان لهم دور كبير في قمع الفتن الداخلية أولاً، ولهم الدور نفسه في محاربة الممالك الإسبانية ثانياً. فمثلاً أسرة ابن أبي عبدة، اشتهر رجالها في إخماد حركات التمرد وبخاصة في عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) التي عجت الأندلس بحركات المتمردين، فتصدّى رجالها لهذه الحركات التي كان من أشهرها حركة عمر بن حفصون وإبراهيم بن حجاج، واشتهر في هذه الأسرة أبو العباس أحمد بن محمد أبي عبدة الوزير وأولاده عباس وعيسى. فقد اعتمد هذا القائد بالدرجة الأولى على نخبة مختارة من رجاله يبلغ عددهم ثلاثمئة فارس يعتمد عليهم في حروبه، من مجموع جيشه الذي استكثر فيه الرجال وشجعان أهل الثغور، وابتاع العبيد حتى بلغ عدد جيشه خمسة آلاف فارس عدا المشاة (١٨٧). كما اشتهرت هذه الأسرة في مجاهدة الممالك الإسبانية، وأحرز أفرادها النصر في كثير من المعارك (١٨٨)، واستشهد بعض رجالها في معارك الجهاد أمثال الوزير أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة (١٨٩). كما كان لها دور بارز في صد هجوم النورمان على الأندلس عام ٢٤٥ هـ في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) (١٩٠). وأسرة مغيث الرومي أيضاً اشتهرت بحروب الجهاد ضد الممالك الإسبانية واشتهر

стр. 379

من رجالها القائد عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وبخاصة في عهد الأمير الحكم والأمير عبد الرحمن، وأخيه القائد عبد الملك (١٩١). كما اعتمدت حكومة الإمارة على أسر عربية ومولدة وبخاصة في مناطق الثغور، وكلفتها مهمة مجاهدة الممالك الإسبانية القريبة من أراضيها، أمثال أسرة بني تُجيب العربية وأسرة بني الطويل وبني عمروس وأسرة بني قسي المولدة في منطقة الثغر الأعلى، وأسرة بني سالم البربرية وأسرة بني ذي النون البربرية في منطقة الثغر الأوسط. وعلى الرغم من وجود علاقات متشابكة بين هذه الأسر أولاً وبينها وبين حكومة قرطبة وصفت أحياناً بالعداء، إلا أن هذه الأسر وبخاصة في عصر الإمارة كان لها دور مشرف في مجاهدة الممالك الإسبانية المجاورة لها أحياناً بمفردها، وأحياناً بالإشتراك مع قوات قرطبة الزاحفة إلى الشمال (١٩٢). ومما يلاحظ أيضاً في عصر الإمارة أن الأمير الأندلسي أحياناً يخرج بنفسه إلى الشمال الإسباني في حملات الصوائف من أجل تأديب الممالك الإسبانية، أو رد اعتدائها على الأراضي الأندلسية، وأحياناً أيضاً يرسل ولي عهده في قيادة الجيش مع صحبة خيرة قواته. فمثلاً الأمير الناصر خرج عام ٣١١ هـ إلى بلاد النافار وسميت هذه الغزوة بغزوة بنبلونة، ورجع إلى قرطبة بعد أربعة أشهر، بعد أن دمر أهم مدن وحصون النافار (١٩٣). والأمير عبد الرحمن الأوسط سار بنفسه عام ٢٢٥ هـ إلى مملكة ليون وافتتح الكثير من حصونها (١٩٤). وفي عام ٢٣٥ هـ أرسل الأمير عبد الرحمن الأوسط إبنه المنذر إلى مملكة ليون أيضاً، وأحرز النصر هناك (١٩٥)، وهناك عشرات الأمثلة لهذا الأمر. وبقيت هذه المظاهر العامة نفسها، مستمرة في عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ. وقد بدأ الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) اهتمامه بالجيش الذي أصبح عماد الدولة وسياج الملك، فسهر على إصلاح الجيش الذي أضناه الكفاح ضد حركات التمرد وضد الممالك الإسبانية، وحشد له الجند من سائر أنحاء الأندلس والمغرب، واستكثر من

стр. 380

الأسلحة والذخائر. وقد صقلت الحروب والغزوات المستمرة كفاءة الجيش ودرّبته، وأمدته بطائفة من أمهر القادة وأشدهم بأساً في الحروب، وكان إقدام الخليفة على تولي قيادة الجيش بنفسه مجدداً لعهد الحماسة الحربية والانتصارات الباهرة (١٩٦). واستمر الخليفة الناصر يعتمد على الصقالبة في جيشه وبوّأهم مكانة مرموقة في الجيش والقصر. وكان لهذه السياسة التي أسرف الناصر في اتباعها، أسوأ الأثر في نفوس الزعماء العرب، وفي انحلال قوى الجيش المعنوية. وهذه الأمور من الأسباب التي أدت إلى هزيمة الناصر في معركة الخندق عام ٣٢٧ هـ/٩٣٩ م التي خاضها ضد مملكة ليون. والتي نجا منها وقليل من أتباعه بأعجوبة (١٩٧). وبعد هذه المعركة لم يخرج الناصر إلى محاربة الأعداء، واكتفى بتزويد الأسر المتنفذة في منطقة الثغر الأعلى والثغر الأوسط بالمال والعتاد والرجال لكي يقوموا بواجب الجهاد سنوياً ضد الممالك الإسبانية المجاورة (١٩٨). واستمر الخليفة الحكم المستنصر ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ يعتمد على الصقالبة، وأعطاهم قيادة الجيش وأهم المناصب. وكان في الوقت نفسه يراقب تحركات الممالك الإسبانية بدقة، على الرغم من ميل هذه الممالك إلى المهادنة والسلم مع حكومة قرطبة (١٩٩). ومع هذا كان الخليفة الحكم يقود أحياناً الجيوش بنفسه إلى الشمال الإسباني، كما حصل في عام ٣٥٢ هـ، وأحياناً يعهد قيادة الجيش إلى القائد غالب بن عبد الرحمن، وحيناً آخر يكلف قادة أسرة بني تجيب العربية أمراء سرقسطة بهذه المهمة (٢٠٠). وفي فترة الحجابة ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ وعندما سيطر الحاجب المنصور على الأمور، قام بتنظيم الجيش، فأنشأ فرقاً جديدة من البربر وبخاصة من زناتة وصنهاجة، ومن الجند الإسبان من ليون والنافار وقشتالة، وبذل لهم الأموال السخية، واجتذب قلوبهم بماله وعدله. وغير الحاجب المنصور أنظمة الجيش القديمة، فقدم رجال البربر، وأخر زعماء العرب وأقصاهم من مناصبهم، وفرق جند القبيلة الواحدة في صفوف مختلفة، وكانوا

стр. 381

من قبل ينتظمون في صف واحد. وإذا كان الخليفة الناصر قد بدأ بسحق القبائل العربية وإضعاف قوتها، فإن الحاجب المنصور كمّل المهمة نهائياً (٢٠١). كما أنه عمل على تصفية الصقالبة، وخصومه الآخرين، ولما توفي عام ٣٩٢ هـ كان عدد الفرسان المرتزقة عنده، والذين حارب بهم عشرة آلاف وخمسمائة، وفرسان الثغور مقارب من هذا العدد أيضاً (٢٠٢). واشتهر الحاجب المنصور بغزواته المتكررة إلى الشمال الإسباني، وزودتنا الروايات بالكثير من أسماء هذه الغزوات التي اعتمد فيها على قوة جيشه المرتزق، والتي لم يهزم في أحدها (٢٠٣). وكان عدد الجيش المرابط يتضاعف وقت الصوائف بما ينضم إليه من صفوف المتطوعة، وقد بلغ عدد الفرسان في بعض الصوائف ستة وأربعين ألفاً، وكان عدد المشاة يتضاعف كذلك، وقد يبلغ المائة ألف أو يزيد. وكان المنصور يقتني الخيول لاستخدامها في الجهاد، ومطايا الركوب، ودواب الأحمال، وقد بلغت وحدها أربعة آلاف جمل خصصت لحمل الأمتعة والأثقال. وأما عن عدة الحرب، فقد كان المنصور يحتفظ بكميات عظيمة من الخيام والسهام والدروع، وعدد من المجانيق وغيرها من آلات الحصار (٢٠٤). ومما يؤثر عن علاقة المنصور بجيشه، أنه كان لقوة ذاكرته، يعرف كثيراً من جنده بالإسم، أو يعرف على الأقل كثيراً مما امتاز منهم خلال المعارك بالشجاعة، ويدعوهم إلى مائدته باستمرار عقب كل انتصار (٢٠٥). خلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، وقع الصراع بين جند الأندلس الذين انقسموا إلى فريقين متصارعين، الأندلسيون في جانب، والبربر في جانب آخر. وقد لحق البربر خلال هذه الفترة أذى كبير، إلا أنهم استعادوا قواتهم ودخلوا قرطبة وسيطروا عليها عام ٤٠٣ هـ. وهناك ظاهرة أخرى في هذه الفترة هي استعانة بعض خلفاء هذه الفترة بالجند المرتزقة من نصارى الشمال الإسباني، الذين لعبوا دوراً كبيراً في أحداث هذه الفترة (٢٠٦).

стр. 382

ثم قام عصر الطوائف، وتحولت فيه الأندلس إلى دويلات متنازعة. فهناك دويلات الأندلسيين، ومن أشهرها بنو عباد في إشبيلية وبنو جهور في قرطبة وبنو هود في سرقسطة، وبنو صمادح في المرية والعامريون في بلنسية والمرية، ودويلات الصقالبة، إمارة مجاهد العامري في دانية، وإمارة خيران وزهير في المرية ومرسية ونبيل في طرطوشة، وهناك دويلات البربر، وهم بنو زيري في غرناطة، وبنو برزال في قرمونة، وبنو يفرن في رندة وبنو الأفطس في بطليوس، وبنو ذي النون في طليطلة (٢٠٧). امتازت هذه الدويلات بأن كل مجموعة منها اعتمدت على عناصر عسكرية من بني جلدتها. ومن ثم دخلت في حروب داخلية، لأن كل أمير يريد أن يوسع ملكه ويمد سلطانه على حساب جيرانه من أمراء الطوائف سواء بالقوة أو بالحيل السياسية. وهناك ظاهرة أخرى نراها في هذا العصر هي استعانة أكثر أمراء الطوائف بالممالك الإسبانية التي كانت ترسل لهم فرق المرتزقة لكي تعين بعضهم على البعض الآخر، ليس من أجل تحقيق هدف سامي، بل من أجل العمل على تمزيق وحدة الصف العربي في بلد الأندلس وقد نجحوا (٢٠٨). وكلنا يعرف الخدمات التي كان يقدمها الكمبيادور الفارس القشتالي لبلاط سرقسطة حتى استأسد على بعض ملوك الطوائف وسيطر على بلنسية وعاث فيها فساداً وما جاورها من الممالك (٢٠٩). وتوجت الأحداث هذا العصر بسقوط طليطلة عام ٤٧٨ هـ بأيدي قوات الفونسو السادس ملك قشتالة الإسباني، واتخذها عاصمة لدولته، حينها أدرك أمراء الطوائف خطر التوسع الإسباني، فاستنجدوا بالإخوة المرابطين فكانت معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ، حيث بدأ دور الجهاد المشترك بين دولة المرابطين وملوك الطوائف ضد الممالك الإسبانية (٤٧٩ - ٤٨٣ هـ) حيث قامت معركتان مهمتان هما معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ ومعركة حصن الييط عام ٤٨١ هـ (٢١٠). ثم أصبحت الأندلس ولاية مرابطية بعد عزل أمراء الطوائف من قبل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين المرابطي. وقد اعتمدت الدولة المرابطية على الجيش في تأسيس كيانها أولاً، وفي الجهاد المشترك مع أمراء الطوائف ضد الممالك الإسبانية ثانياً، وفي خلع ملوك الطوائف والإنفراد في مجاهدة الإسبان ثالثاً. ولما كان الجهاد أساس وجود

стр. 383

القوات المرابطية بالأندلس، فقد رابط في الأندلس سبعة عشر ألف فارس مرابطي، سبعة آلاف بإشبيلية وقواعد الغرب، وألف فارس بقرطبة، وألف فارس كذلك بغرناطة، وأربعة آلاف فارس في الشرق، والأربعة آلاف الباقية موزعة على مختلف القواعد والثغور لرد هجمات الممالك الإسبانية. وكان الفارس المرابطي في الأندلس يتقاضى خمسة دنانير في الشهر، غير نفقته الخاصة وعلف فرسه، ومن أظهر منهم شجاعة وتفوق عهد إليه بولاية موضع ينتفع بفوائده (٢١١). أما جند أهل الأندلس في الجيش المرابطي داخل الأندلس، فعبارة عن وحدات خاصة، تحمل أعلام المدن التي تنتمي إليها، مثل أشبيلية وقرطبة وغرناطة ومالقة وبلنسية ومرسية وغيرها. إلا أن القوات الأندلسية لم يكن لها شأن كبير في الجيش المرابطي الذي كان يعتمد على نفسه وقيادته بصورة خاصة (٢١٢). وكان عماد الجيش المرابطي الفرسان الذين بلغوا في عهد يوسف بن تاشفين نحو مئة ألف فارس من مختلف القبائل، هذا غير المشاة من الرماة وغيرهم. وأنشأ يوسف حرسه السود الخاص من عبيد الصحراء من غانة ويتألف من نحو ألفي مقاتل، دربوا أحسن تدريب حتى غدوا قوة ضاربة، وأبلوا بلاءً حسناً في معركة الزلاقة، وأنشأ يوسف بن تاشفين قوة كبيرة خاصة من فرسان زناتة ولمطة وجزولة عرفت باسم الحشم، كما أنشأ فرقة خاصة لحرسه من الإسبان، ومعظمهم من المعاهدين الذين اعتنقوا الإسلام، وقد نمت هذه الفرقة في عهد ولده علي، حتى غدت فرقة كبيرة في الجيش المرابطي، ويقودها فارس قشتالي يسمى الربرتير، واشتركت هذه الفرقة (تسمى أيضاً الجند الروم) مع الجيش المرابطي في معارك عديدة (٢١٣). وفي معارك الجهاد التي خاضتها القوات المرابطية ضد الممالك الإسبانية اشتركت معها عناصر من عرب بني هلال -الذين جاؤوا إلى إفريقية بالأصل لتدمير مملكة بني مناد الصنهاجية مدفوعة من قبل الدولة الفاطمية، إلا أن هذه القبائل وظفت من قبل المرابطين والموحدين في معارك الجهاد- (٢١٤) وقد استشهد الكثير منهم وبخاصة في

стр. 384

معركة إقليش عام ٥٠١ هـ التي انتصر فيها الجيش المرابطي ضد مملكة ليون الإسبانية (٢١٥). وعندما تقوم القوات المرابطية بواجب الجهاد في سبيل الله في الأندلس ينضم إليها صفوف المتطوعة من العلماء ومن عامة الناس، وكان لهؤلاء المتطوعة دور كبير في بعض المعارك (٢١٦). كانت قيادة الجيش المرابطي في الأندلس تعهد إلى خيرة قادة المرابطين، والذين كان معظمهم من أفراد البيت المرابطي، وقد اشتهروا في معارك الجهاد الأندلسية، واستشهد بعضهم. وفي الوقت نفسه يقوم أمير المسلمين المرابطي أو ولي عهده بتفقد القطعات المرابطية في الأندلس ويصلح من أحوالها، وأحياناً يقودها بنفسه في بعض معارك الجهاد. ونظراً لكل هذه الأمور فقد فقدت دولة المرابطين خيرة رجالها الشجعان في بلد الأندلس أثناء قيامها بواجب الجهاد، وهذا من جملة الأسباب التي أدت إلى ضعف أمر هذه الدولة مبكراً (٢١٧). وبعد سقوط دولة المرابطين، وقيام دولة الموحدين، أصبحت الأندلس ولاية موحدية، وورث الموحدون مهمة مجاهدة الممالك الإسبانية ببلد الأندلس. ولذا نرى أن دولة الموحدين تعتمد على قبائل مصمودة أولاً في إعداد الجيش، ومن ثم استعانت بقبائل بني هلال ثانياً والتي استخدموها في معارك الجهاد بالأندلس (٢١٨). وكذلك كانت القوات الأندلسية تؤلف بالجيش الموحدي بالأندلس جناحاً هاماً، وتشترك في سائر الغزوات التي قادتها الجيوش الموحدية ضد الممالك الإسبانية، وكانت هذه القوات الأندلسية تشتهر بشجاعتها وتفانيها في معارك الجهاد في سبيل الله من أجل الدفاع عن بلدها الأندلس، وكانت تقاتل في طليعة الجيوش الموحدية لخبرتها في قتال الإسبان، وكثيراً ما تكون سبباً في إحراز النصر، ونرى كذلك أن القادة الموحدين يستمعون باستمرار إلى مشورة القادة الأندلسيين العسكرية (٢١٩). واستعان الموحدون بفرق عسكرية من المرتزقة الإسبان، وكان من أشهر قادتها

стр. 385

علي بن الربرتير (٢٢٠). وكان الخلفاء الموحدون يعبرون باستمرار إلى الأندلس لتفقد أحوالها العسكرية، وقد بنوا قواعد عسكرية جديدة فيها مثل مدينة الفتح في منطقة جبل طارق، وقاد بعضهم الحملات الجهادية أو عهد بقيادتها إلى أحد أولاده، وكان أفراد البيت الموحدي هم قادة الجيش الموحدي المرابط في الأندلس. فقد رأينا قيادة الخليفة المنصور الموحدي لمعركة الأرك عام ٥٩١ هـ الذي انتصر فيها على مملكة قشتالة (٢٢١). واشترك الخليفة الموحدي الناصر في معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ ضد مملكة قشتالة، فاندحر المسلمون فيها كما هو معروف (٢٢٢). ولم تصمد مملكة غرناطة هذه الفترة الطويلة أمام هجمات الإسبان، لو لم يكن لها جيش منظم قوي أولاً، تسانده جموع المتطوعة في سبيل الله التي ترى أن بقاءها مقتصر على حملها للسلاح ثانياً. وقوة هذا الجيش النصري تعتمد على: جودة التحصينات النصرية في مملكة غرناطة التي تتألف من الأبراج والحصون والقلاع وبخاصة أبراج الطلائع وهي أبراج للمراقبة (٢٢٣). كان السلطان النصري قائداً للجيش أو يعهد بقيادته إلى أفراد الأسرة الحاكمة، أو أشهر رجالات الدولة، وقد عني السلاطين بهذا الجيش الذي يتوقف عليه بقاء المملكة، وأنشأوا له ديواناً يرعى مصالحه (٢٢٤). وبجانب الجيش النصري توجد مشيخة الغزاة: وتتألف من المجاهدين المغاربة الذين أرسلتهم الدولة المرينية إلى مملكة غرناطة لمساعدتها في حروب الجهاد، ولها رئيس من بني مرين يسمى بشيخ الغزاة، وكان لهذه المشيخة دور مشرّفٌ في معارك الجهاد بالأندلس (٢٢٥)، ومع هذا زجوا أنفسهم في الخلافات الداخلية مع سلاطين بني الأحمر (٢٢٦). وفي أواخر العصر النصري وبعد اشتداد الضغط الإسباني على مملكة

стр. 386

غرناطة عمد رؤساء الجند إلى إنشاء فرق صغيرة لها تنظيمها الخاص وهي شبه مستقلة عن الجيش النظامي، تباغت معسكرات العدو وتلحق به الدمار (٢٢٧). وفي أواخر العهد النصري أيضاً ظهر سلاح البارود في مملكة غرناطة، وعند الإسبان، فكانت المدن تختزن منه كميات كبيرة، كما دخلت المدفعية ميادين الحرب في مجال الدفاع عن المدن (٢٢٨). التعبئة العسكرية في الأندلس: فتح المسلمون الأندلس (٩٢ - ٩٥ هـ) وأفادوا من وديان أنهارها الممتدة على هيئة خطوط مستعرضة بين الشرق والغرب، وجعلوا منها خطوطاً دفاعية لحماية دولتهم من أخطار الدول الإسبانية. فاتخذوا من وادي نهر الأبرو خطاً دفاعياً أول وسموه بالثغر الأعلى، كما اتخذوا من وادي نهر التاجة خطاً دفاعياً ثانياً وسموه بالثغر الأوسط والأدنى (٢٢٩). وقد كان الثغر الأعلى أسبق الثغور الأندلسية في الظهور، وبخاصة بعد انتهاء موسى بن نصير وطارق بن زياد من إتمام فتح الشمال الإسباني، فظهر الثغر الأعلى مجاوراً لأرض العدو وهي بلاد فرنسا، وامتد هذا الثغر في عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ) إلى مدينة أربونة التي تعتبر أقصى ثغر بالأندلس (٢٣٠). أما الثغران الأوسط والأدنى فقد ظهر بعد قيام الممالك الإسبانية من الركن الشمال الغربي من إسبانيا وبداية توسعها على حساب أراضي الأندلس وبخاصة عند بداية عصر الإمارة. وبذلك بدأ الصراع المستمر بين المسلمين والإسبان ولهذا اعتبرت الأندلس في نظر المسلمين ثغراً للدولة الإسلامية وأرضاً للجهاد والمرابطة، ولقد فرض هذا الوضع عليها أن تجند أبناءها منذ الصغر ليكونوا على أهبة الاستعداد (٢٣١). ولما لم يكن في الأندلس بادئ الأمر جيش نظامي قائم بذاته فقد كانت القبائل العربية والبربرية التي سكنت الأندلس تمد الدولة بالجيوش اللازمة للجهاد. وقد استمر هذا النظام العسكري إلى أيام الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ)، فقد رأى هذا الأمير أن يؤسس فرقاً من الجيش النظامي وبخاصة بعد فشل حركة الربض عام ٢٠٢ هـ التي قام بها الفقهاء، والتي كادت تطيح بعرشه، فكون

стр. 387

لنفسه فرقة من الحرس الخاص عرفوا باسم الصقالبة، وسموا أيضاً الخرس لعجمة ألسنتهم (٢٣٢). إن معظم الحملات العسكرية التي خرجت من قرطبة إلى الشمال الإسباني كان لها نظام خاص في التجمع والسير. فكان النفير العام يعلن في جميع أنحاء البلاد للخروج إلى الجهاد، فيتوافد الجنود من مختلف ولايات الأندلس متجهين إلى العاصمة. وفي منطقة في شرقي قرطبة كان يعسكر هذا الحشد الكبير في مكان متسع يسمى (ساحة العرض أو ساحة الحشد أو فحص السرادق) (٢٣٣). وبعد أن يكتمل شمل الجنود يخرج إليهم الأمير الأموي من قصره وسط الهتاف والتكبير فيعسكر مع جنده ويستعرض أسلحتهم المختلفة، ويعين قائد الحملة. وقبل الرحيل كان الأمير أو الخليفة وجنوده يقيمون صلاة عامة في المسجد الجامع بقرطبة، يتبعها الدعاء بالنصر، ثم يخرج الجيش براياته وأعلامه إلى الجهة المرسومة له. وخلال سيره ينضم إليه قواد وأمراء الثغور الأندلسية وعمال المدن بجيوشهم وأتباعهم، ثم يتقدم الجميع لملاقاة العدو (٢٣٤). ولما كانت المنطقة التي يسير فيها الجيش من مناطق الثغور إلى الممالك الإسبانية، منطقة جبلية وعرة، فكان من العادة أن يتقدم الجيش فرقة استطلاعية لمعرفة أخبار العدو ومعرفة المسالك والممرات الصحيحة بين الجبال الوعرة؛ ويختار لهذه المهمة الرجال الموثوق بأمانتهم وإخلاصهم لتهيئة المسالك الصالحة لسير الجيش وسط هذه الجبال الوعرة - وقد صادف خلال سير العمليات العسكرية إلى الشمال الإسباني، أن الجيش الأندلسي في إحدى حملاته ضل الطريق فأصابه كبير عناء، ومات عدد كبير من أفراده وذلك في عام ١٧٨ هـ (٢٣٥). ويبدو ومن سير العمليات العسكرية أن المسلمين في الأندلس أثناء لقائهم العدو - وعلى عادة المسلمين في حروب الجهاد. يرددون شعارات إسلامية معينة تحفزهم على الاستبسال في الجهاد. فتذكر بعض الروايات أن مسلمي الأندلس كانوا يرددون شعار (يا محمد) ﷺ بينما الإسبان يرددون شعار (ياسنتياجو) (٢٣٦)، وكانوا يتصايحون ويولولون

стр. 388

ليضعفوا قلوب المسلمين (٢٣٧). وسنتياجو هذا هو القديس يعقوب أحد أتباع السيد المسيح ﵇، الذي اخترع الإسبان وجوده في أقصى شمال غربي إسبانيا لتعزيز مقاومتهم ضد المسلمين، وقامت حول هذا المزار مدينة نمت بسرعة هي مدينة شنت ياقب المقدسة (٢٣٨)، وغدا هذا المزار من أشهر المزارات الإسبانية. وعندما يفكر الإسباني في سنتياجو فإن قلبه ينبض بالعزة الوطنية وتتملكه الحماسة الدينية (٢٣٩). وقد أقسم أكثر من ملك أو قائد إسباني بأنه رأى سنتياجو رأي العين قبل المعركة أو خلالها ممتطياً جواداً أبيض وملوحاً بسيف براق، ثم يأخذ في معاونتهم على قتال المسلمين في المعركة حتى يكتب لهم النصر، ولهذا أطلقوا عليه إسم قاتل المسلمين (٢٤٠). وقد زودتنا الروايات بمعلومات جيدة عن تعبئة الجيش الأندلسي عند لقاء العدو، حيث يتقدم الرجالة بدروعهم ورماحهم الطوال، وخلفهم الرماة المهرة، ثم تليهم الخيالة. كما وصفت هذه الروايات التعبئة العسكرية التي يتمسك بها كل قسم من أقسام هذا الجيش، وأشارت إلى وجود مبارزات فردية قبل وقوع المعركة (٢٤١). وقد وضحت صور التعبئة العسكرية الأندلسية عندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية وولاية موحدية. كان ترتيب المعركة عند المرابطين يقوم على نظام خماسي، فيتقدم الجيش الجند المشاة ووحدات الفرسان الخفيفة وحملة القسي والرماة، ويرتبون في الجناحين. ويتكون القلب من وحدات الفرسان الثقيلة، وهي التي تحسم المعركة عموماً، وكانت قوات المؤخرة يقودها أمير المسلمين -إذا كان مصاحباً للجيش- أو قائده المكلف، وتتألف من صفوة الجند وقوى الحرس الخاصة، وكان لكل قسم من القوات المقاتلة قائده الخاص (٢٤٢). وقد طبق هذا النظام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة. فقسم الجيش إلى مقدمة وعليها المعتمد بن عباد، وميمنة وعليها المتوكل بن الأفطس، وميسرة وعليها أهل شرقي الأندلس ومؤخرة وعليها سائر أهل الأندلس. أما المرابطون فجعلهم في كمائن متفرقة تخرج من كل جهة عند اللقاء (٢٤٣). وقد قضى الليل

стр. 389

كله يرتب الصفوف ويعد العدة لكل احتمال حتى أنه غير مواضع قواته دون أن يشعر به أحد (٢٤٤). وعندما تقدمت طلائع الإسبان بقيادة البرهانس وهاجمت القوات الأندلسية من أجل القضاء عليها لكي تتفرغ لمهاجمة الجيش المرابطي والقضاء عليه (٢٤٥). إلا أن يوسف بن تاشفين أنقذ الجيش الأندلسي بإمداده بقوات مرابطية بقيادة داود بن عائشة، وأردفها بأخرى بقيادة سير بن أبي بكر (٢٤٦)، وعمل يوسف بن تاشفين على تطويل المعركة من أجل إجبار الإسبان على ترك مواقعهم. وبالفعل تركت الجيوش الإسبانية مواقعها وتتبعت قوات أهل الأندلس، فباغت أمير المرابطين معسكر الإسبان من الخلف واستولى عليه وأضرم فيه النار، فاضطرت القوات الإسبانية إلى التراجع لإنقاذ معسكرها. وما كاد جيش أهل الأندلس يعلم بذلك حتى انقلب من الفرار إلى الهجوم وأطبق على الإسبان من الخلف، فأصبحوا بين القوات الأندلسية والقوات المرابطية (٢٤٧). وأردف بطل المعركة هذه الخطة، بخطط عسكرية أخرى ألقت الرعب في صفوف الإسبان، فقد نظم يوسف بن تاشفين فرق من المشاة السودان المسلحين بالسهام ودرق اللمط (٢٤٨)، والذين طعنوا خيول الإسبان بسهامهم فجمحت بركابها وولت الأدبار، كما تتبع بعضهم الفونسو السادس وطعنه في إحدى ركبتيه (٢٤٩). كما استعمل يوسف بن تاشفين الجمال التي أرعبت خيول الإسبان، واستعمل الطبول التي كان لها دويّ مرعب تهتز له الأرض، وترتعد له فرائص الفرسان (٢٥٠). ومعنى هذا أنه طبق معظم الخطط العسكرية المرابطية في هذه المعركة التي أحرز بها المسلمون النصر المبين على مملكة قشتالة عام ٤٧٩ هـ. واهتمت الدولة الموحدية بالجيش وأوكلت شؤونه إلى ديوانين، الأول يسمى ديوان العسكر ويشرف على كل ما يتعلق بشؤون الجيش، والثاني ديوان التمييز، وهو جهاز تطهير الخصوم والمتخاذلين وإبعادهم من الجيش. وكان الخليفة الموحدي عندما يعتزم الجهاد يقوم بزيارة قبر مهدي الموحدين، وقبور آبائه في منطقة تينملل، يستمد من هذه

стр. 390

الزيارة البركة والتشجيع (٢٥١). واعتمدت الجيوش الموحدية خطة المربع في التعبئة العسكرية وخلاصتها: تصنع دارة مربعة في بسيط المعركة، يقف من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالي المملوءة بالحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة رابعاً. وفي وسط المربعة ترابط قوى الفرسان. وكانت صفوف الفرسان تخصص لها أمكنة معينة في جميع جوانب المربع، وتفتح لها مخاريج سريعة تستطيع أن تنطلق منها ثم تعود إلى أماكنها الداخلية دون أن تخل بنظام المشاة. وعند المعركة يقوم بالهجوم الأول قوات المتطوعة المجاهدة، تؤازرها القوات الخفيفة، فإذا استطاع العدو أن يرد هؤلاء، وأن يتقدم حتى مواقف الجنود النظامية، وقف حملة الحراب أمامه كالسد الحديدي الذي لا يخترق، واستقبله الرماة من حملة القسي والنبال بسيل من الحجارة والسهام. وإذا استطاع العدو أن يخترق الصف الأول وهم حملة الحراب استقبله حملة السيوف والدروع، ويبادر الفرسان إلى معاونتهم. وإذا استطاع العدو بعد كل ما تقدم، أن يتغلب على القلب والجناحين، فعندئذ يقوم الجيش الموحدي بالضربة الأخيرة، وتتقدم قوات الضلع الرابع من المربع وهي الاحتياطي المكون من صفوة الجند ولا سيما الحرس الخاص ويقودها الخليفة بنفسه، وهذه القوة الاحتياطية (الساقة) كثيراً ما تحرز النصر للقوات الموحدية، وكانت هذه القوة كثيراً ما تمتنع داخل نطاق من السلاسل الحديدية، تبرز من خلالها الحراب الطويلة، فتتصدى للعدو في حالة الاقتراب منها (٢٥٢). وعندما يعبئ الخليفة الموحدي جيشه للقتال تنصب له قبة حمراء يرفع فوقها العلم الموحدي الأبيض، وتحاط بالسلاسل الحديدية الضخمة، وعادة تضرب هذه القبة في مؤخرة الجيش، ويحف بها الحرس الخاص الذين يحملون الرماح الطويلة. وكان الخليفة الموحدي متى ما رأى قواته خلال المعركة في حاجة إلى العون يقود الساقة (المؤخرة) بنفسه ويشد أزر قواته، ويعاونها بذلك على إحراز النصر. وقد تقع الكارثة فيهلك الخليفة كما حدث لأبي يعقوب يوسف في نكبة شنترين، أو يلجأ إلى الفرار، كما حدث للناصر في موقعة العقاب (٢٥٣). واستعملت الطبول في الجيش الموحدي، وكانت تضرب عند الرحيل وعند بدء
следующие страницы →