← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

غرناطة عمد رؤساء الجند إلى إنشاء فرق صغيرة لها تنظيمها الخاص وهي شبه مستقلة عن الجيش النظامي، تباغت معسكرات العدو وتلحق به الدمار (٢٢٧). وفي أواخر العهد النصري أيضاً ظهر سلاح البارود في مملكة غرناطة، وعند الإسبان، فكانت المدن تختزن منه كميات كبيرة، كما دخلت المدفعية ميادين الحرب في مجال الدفاع عن المدن (٢٢٨). التعبئة العسكرية في الأندلس: فتح المسلمون الأندلس (٩٢ - ٩٥ هـ) وأفادوا من وديان أنهارها الممتدة على هيئة خطوط مستعرضة بين الشرق والغرب، وجعلوا منها خطوطاً دفاعية لحماية دولتهم من أخطار الدول الإسبانية. فاتخذوا من وادي نهر الأبرو خطاً دفاعياً أول وسموه بالثغر الأعلى، كما اتخذوا من وادي نهر التاجة خطاً دفاعياً ثانياً وسموه بالثغر الأوسط والأدنى (٢٢٩). وقد كان الثغر الأعلى أسبق الثغور الأندلسية في الظهور، وبخاصة بعد انتهاء موسى بن نصير وطارق بن زياد من إتمام فتح الشمال الإسباني، فظهر الثغر الأعلى مجاوراً لأرض العدو وهي بلاد فرنسا، وامتد هذا الثغر في عصر الولاة (٩٥ - ١٣٨ هـ) إلى مدينة أربونة التي تعتبر أقصى ثغر بالأندلس (٢٣٠). أما الثغران الأوسط والأدنى فقد ظهر بعد قيام الممالك الإسبانية من الركن الشمال الغربي من إسبانيا وبداية توسعها على حساب أراضي الأندلس وبخاصة عند بداية عصر الإمارة. وبذلك بدأ الصراع المستمر بين المسلمين والإسبان ولهذا اعتبرت الأندلس في نظر المسلمين ثغراً للدولة الإسلامية وأرضاً للجهاد والمرابطة، ولقد فرض هذا الوضع عليها أن تجند أبناءها منذ الصغر ليكونوا على أهبة الاستعداد (٢٣١). ولما لم يكن في الأندلس بادئ الأمر جيش نظامي قائم بذاته فقد كانت القبائل العربية والبربرية التي سكنت الأندلس تمد الدولة بالجيوش اللازمة للجهاد. وقد استمر هذا النظام العسكري إلى أيام الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ)، فقد رأى هذا الأمير أن يؤسس فرقاً من الجيش النظامي وبخاصة بعد فشل حركة الربض عام ٢٠٢ هـ التي قام بها الفقهاء، والتي كادت تطيح بعرشه، فكون

стр. 387

لنفسه فرقة من الحرس الخاص عرفوا باسم الصقالبة، وسموا أيضاً الخرس لعجمة ألسنتهم (٢٣٢). إن معظم الحملات العسكرية التي خرجت من قرطبة إلى الشمال الإسباني كان لها نظام خاص في التجمع والسير. فكان النفير العام يعلن في جميع أنحاء البلاد للخروج إلى الجهاد، فيتوافد الجنود من مختلف ولايات الأندلس متجهين إلى العاصمة. وفي منطقة في شرقي قرطبة كان يعسكر هذا الحشد الكبير في مكان متسع يسمى (ساحة العرض أو ساحة الحشد أو فحص السرادق) (٢٣٣). وبعد أن يكتمل شمل الجنود يخرج إليهم الأمير الأموي من قصره وسط الهتاف والتكبير فيعسكر مع جنده ويستعرض أسلحتهم المختلفة، ويعين قائد الحملة. وقبل الرحيل كان الأمير أو الخليفة وجنوده يقيمون صلاة عامة في المسجد الجامع بقرطبة، يتبعها الدعاء بالنصر، ثم يخرج الجيش براياته وأعلامه إلى الجهة المرسومة له. وخلال سيره ينضم إليه قواد وأمراء الثغور الأندلسية وعمال المدن بجيوشهم وأتباعهم، ثم يتقدم الجميع لملاقاة العدو (٢٣٤). ولما كانت المنطقة التي يسير فيها الجيش من مناطق الثغور إلى الممالك الإسبانية، منطقة جبلية وعرة، فكان من العادة أن يتقدم الجيش فرقة استطلاعية لمعرفة أخبار العدو ومعرفة المسالك والممرات الصحيحة بين الجبال الوعرة؛ ويختار لهذه المهمة الرجال الموثوق بأمانتهم وإخلاصهم لتهيئة المسالك الصالحة لسير الجيش وسط هذه الجبال الوعرة - وقد صادف خلال سير العمليات العسكرية إلى الشمال الإسباني، أن الجيش الأندلسي في إحدى حملاته ضل الطريق فأصابه كبير عناء، ومات عدد كبير من أفراده وذلك في عام ١٧٨ هـ (٢٣٥). ويبدو ومن سير العمليات العسكرية أن المسلمين في الأندلس أثناء لقائهم العدو - وعلى عادة المسلمين في حروب الجهاد. يرددون شعارات إسلامية معينة تحفزهم على الاستبسال في الجهاد. فتذكر بعض الروايات أن مسلمي الأندلس كانوا يرددون شعار (يا محمد) ﷺ بينما الإسبان يرددون شعار (ياسنتياجو) (٢٣٦)، وكانوا يتصايحون ويولولون

стр. 388

ليضعفوا قلوب المسلمين (٢٣٧). وسنتياجو هذا هو القديس يعقوب أحد أتباع السيد المسيح ﵇، الذي اخترع الإسبان وجوده في أقصى شمال غربي إسبانيا لتعزيز مقاومتهم ضد المسلمين، وقامت حول هذا المزار مدينة نمت بسرعة هي مدينة شنت ياقب المقدسة (٢٣٨)، وغدا هذا المزار من أشهر المزارات الإسبانية. وعندما يفكر الإسباني في سنتياجو فإن قلبه ينبض بالعزة الوطنية وتتملكه الحماسة الدينية (٢٣٩). وقد أقسم أكثر من ملك أو قائد إسباني بأنه رأى سنتياجو رأي العين قبل المعركة أو خلالها ممتطياً جواداً أبيض وملوحاً بسيف براق، ثم يأخذ في معاونتهم على قتال المسلمين في المعركة حتى يكتب لهم النصر، ولهذا أطلقوا عليه إسم قاتل المسلمين (٢٤٠). وقد زودتنا الروايات بمعلومات جيدة عن تعبئة الجيش الأندلسي عند لقاء العدو، حيث يتقدم الرجالة بدروعهم ورماحهم الطوال، وخلفهم الرماة المهرة، ثم تليهم الخيالة. كما وصفت هذه الروايات التعبئة العسكرية التي يتمسك بها كل قسم من أقسام هذا الجيش، وأشارت إلى وجود مبارزات فردية قبل وقوع المعركة (٢٤١). وقد وضحت صور التعبئة العسكرية الأندلسية عندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية وولاية موحدية. كان ترتيب المعركة عند المرابطين يقوم على نظام خماسي، فيتقدم الجيش الجند المشاة ووحدات الفرسان الخفيفة وحملة القسي والرماة، ويرتبون في الجناحين. ويتكون القلب من وحدات الفرسان الثقيلة، وهي التي تحسم المعركة عموماً، وكانت قوات المؤخرة يقودها أمير المسلمين -إذا كان مصاحباً للجيش- أو قائده المكلف، وتتألف من صفوة الجند وقوى الحرس الخاصة، وكان لكل قسم من القوات المقاتلة قائده الخاص (٢٤٢). وقد طبق هذا النظام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة. فقسم الجيش إلى مقدمة وعليها المعتمد بن عباد، وميمنة وعليها المتوكل بن الأفطس، وميسرة وعليها أهل شرقي الأندلس ومؤخرة وعليها سائر أهل الأندلس. أما المرابطون فجعلهم في كمائن متفرقة تخرج من كل جهة عند اللقاء (٢٤٣). وقد قضى الليل

стр. 389

كله يرتب الصفوف ويعد العدة لكل احتمال حتى أنه غير مواضع قواته دون أن يشعر به أحد (٢٤٤). وعندما تقدمت طلائع الإسبان بقيادة البرهانس وهاجمت القوات الأندلسية من أجل القضاء عليها لكي تتفرغ لمهاجمة الجيش المرابطي والقضاء عليه (٢٤٥). إلا أن يوسف بن تاشفين أنقذ الجيش الأندلسي بإمداده بقوات مرابطية بقيادة داود بن عائشة، وأردفها بأخرى بقيادة سير بن أبي بكر (٢٤٦)، وعمل يوسف بن تاشفين على تطويل المعركة من أجل إجبار الإسبان على ترك مواقعهم. وبالفعل تركت الجيوش الإسبانية مواقعها وتتبعت قوات أهل الأندلس، فباغت أمير المرابطين معسكر الإسبان من الخلف واستولى عليه وأضرم فيه النار، فاضطرت القوات الإسبانية إلى التراجع لإنقاذ معسكرها. وما كاد جيش أهل الأندلس يعلم بذلك حتى انقلب من الفرار إلى الهجوم وأطبق على الإسبان من الخلف، فأصبحوا بين القوات الأندلسية والقوات المرابطية (٢٤٧). وأردف بطل المعركة هذه الخطة، بخطط عسكرية أخرى ألقت الرعب في صفوف الإسبان، فقد نظم يوسف بن تاشفين فرق من المشاة السودان المسلحين بالسهام ودرق اللمط (٢٤٨)، والذين طعنوا خيول الإسبان بسهامهم فجمحت بركابها وولت الأدبار، كما تتبع بعضهم الفونسو السادس وطعنه في إحدى ركبتيه (٢٤٩). كما استعمل يوسف بن تاشفين الجمال التي أرعبت خيول الإسبان، واستعمل الطبول التي كان لها دويّ مرعب تهتز له الأرض، وترتعد له فرائص الفرسان (٢٥٠). ومعنى هذا أنه طبق معظم الخطط العسكرية المرابطية في هذه المعركة التي أحرز بها المسلمون النصر المبين على مملكة قشتالة عام ٤٧٩ هـ. واهتمت الدولة الموحدية بالجيش وأوكلت شؤونه إلى ديوانين، الأول يسمى ديوان العسكر ويشرف على كل ما يتعلق بشؤون الجيش، والثاني ديوان التمييز، وهو جهاز تطهير الخصوم والمتخاذلين وإبعادهم من الجيش. وكان الخليفة الموحدي عندما يعتزم الجهاد يقوم بزيارة قبر مهدي الموحدين، وقبور آبائه في منطقة تينملل، يستمد من هذه

стр. 390

الزيارة البركة والتشجيع (٢٥١). واعتمدت الجيوش الموحدية خطة المربع في التعبئة العسكرية وخلاصتها: تصنع دارة مربعة في بسيط المعركة، يقف من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالي المملوءة بالحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة رابعاً. وفي وسط المربعة ترابط قوى الفرسان. وكانت صفوف الفرسان تخصص لها أمكنة معينة في جميع جوانب المربع، وتفتح لها مخاريج سريعة تستطيع أن تنطلق منها ثم تعود إلى أماكنها الداخلية دون أن تخل بنظام المشاة. وعند المعركة يقوم بالهجوم الأول قوات المتطوعة المجاهدة، تؤازرها القوات الخفيفة، فإذا استطاع العدو أن يرد هؤلاء، وأن يتقدم حتى مواقف الجنود النظامية، وقف حملة الحراب أمامه كالسد الحديدي الذي لا يخترق، واستقبله الرماة من حملة القسي والنبال بسيل من الحجارة والسهام. وإذا استطاع العدو أن يخترق الصف الأول وهم حملة الحراب استقبله حملة السيوف والدروع، ويبادر الفرسان إلى معاونتهم. وإذا استطاع العدو بعد كل ما تقدم، أن يتغلب على القلب والجناحين، فعندئذ يقوم الجيش الموحدي بالضربة الأخيرة، وتتقدم قوات الضلع الرابع من المربع وهي الاحتياطي المكون من صفوة الجند ولا سيما الحرس الخاص ويقودها الخليفة بنفسه، وهذه القوة الاحتياطية (الساقة) كثيراً ما تحرز النصر للقوات الموحدية، وكانت هذه القوة كثيراً ما تمتنع داخل نطاق من السلاسل الحديدية، تبرز من خلالها الحراب الطويلة، فتتصدى للعدو في حالة الاقتراب منها (٢٥٢). وعندما يعبئ الخليفة الموحدي جيشه للقتال تنصب له قبة حمراء يرفع فوقها العلم الموحدي الأبيض، وتحاط بالسلاسل الحديدية الضخمة، وعادة تضرب هذه القبة في مؤخرة الجيش، ويحف بها الحرس الخاص الذين يحملون الرماح الطويلة. وكان الخليفة الموحدي متى ما رأى قواته خلال المعركة في حاجة إلى العون يقود الساقة (المؤخرة) بنفسه ويشد أزر قواته، ويعاونها بذلك على إحراز النصر. وقد تقع الكارثة فيهلك الخليفة كما حدث لأبي يعقوب يوسف في نكبة شنترين، أو يلجأ إلى الفرار، كما حدث للناصر في موقعة العقاب (٢٥٣). واستعملت الطبول في الجيش الموحدي، وكانت تضرب عند الرحيل وعند بدء

стр. 391

المعركة (٢٥٤). واعتمد الجيش الموحدي على نظام التطوع أيضاً، وتسمى جموعهم بالمطوعة (٢٥٥). وأهم ما تمتاز به الجيوش الموحدية تفوقها في فن الحصار، ومقدرتها على اقتحام المدن المنيعة، ورأينا لهم أمثلة بارزة في حوادث حصار وهران والمهدية بالمغرب، وحصار طرش وحصن القصر (قصر أبي دانس) وشلب بالأندلس. ومما يلفت النظر أن الموحدين لم يقتصروا على استعمال الآلات القديمة في الحصار، بل استعملوا آلات جديدة قاذفة، تقذف الحجارة والكرات الحديدية الملتهبة. فنراهم في حصار لبلة بالأندلس استخدموا آلات تقذف الحديد والحجارة على القوات الإسبانية، وكان يصحبها دوي كالرعد (٢٥٦). وفي مملكة غرناطة، يتألف الجيش النصري من أقسام أو مجاميع. وكل مجموعة تتألف من خمسة آلاف محارب لها أمير، ولها راية كبيرة تميزها، والمجموعة تقسم إلى خمس وحدات، وكل وحدة تتألف من ألف محارب لها قائد، ولها علم أصغر حجماً من الراية. ثم إن كل وحدة تقسم بدورها إلى خمس فرق، وقوام كل فرقة مئتا محارب يقودها نقيب يحمل لواء الفرقة. والفرقة تقسم إلى خمسة أقسام صغيرة، كل قسم يتألف من أربعين رجلاً، وعلى رأس كل قسم عريف يحمل بنداً مميزاً. والقسم يتفرع إلى مجموعات أو زمر تتألف من ثمانية جنود يرأسها نظير، ويربط في رأس رمحه قطعة قماش تسمى العقدة، والتحرك العسكري لهذه الأقسام يجري وفق أوامر تصل من الأعلى إلى الأدنى (٢٥٧). ويلتحق بالجيش مجموعة الأدلاء الذين كانوا في الغالب من سكان المناطق الحدودية ذوي الخبرة بمسالك البلاد. كما كان سلاطين غرناطة يبثون العيون داخل الممالك الإسبانية لمعرفة أخبارها وبخاصة العسكرية؛ ويمنحون عيونهم هؤلاء المكافآت ويعفونهم من الضرائب لأنهم في الغالب ما يكونون من التجار اليهود والإسبان (٢٥٨). وقد زودتنا بعض الروايات بملابس وأسلحة الجيش النصري وفرسان مشيخة الغزاة (٢٥٩).

стр. 392

وكانت خطة الهجوم التي تعتمدها القوات النصرية هي الغارات السريعة في عمق أرض العدو مع تجنب اللقاء بالجيش النظامي. وفي المعارك النظامية حافظ الفرسان المغاربة على الأساليب التقليدية، فاعتمدوا طريقة الكر والفر والدوران حول العدو ومباغتة نقاط الضعف فيه (٢٦٠). البحرية: لما كان مضيق جبل طارق فاصلاً بين عدوة المغرب وبلاد الأندلس، فإن الحملات الاستطلاعية الأولى التي قادها أبو زرعة طريف بن مالك، وحملات الفتح التي قادها طارق بن زياد وموسى بن نصير، ومن ثم تعاقب الجيوش من وإلى الأندلس، فإن كل هذه الأمور تحتاج إلى أساطيل كبيرة لنقل المجاهدين وخيولهم وعتادهم، ولم يقتصر الأمر في أداء هذه المهمة على مراكب يوليان حاكم سبتة (٢٦١)، ولا على مراكب تجار الروم التي كانت تختلف إلى الأندلس (٢٦٢). بل كان الاعتماد الأول وقبل كل شيء على الأساطيل العربية التي كانت تحت إمرة موسى بن نصير على طول الساحل المغربي (٢٦٣). وقد قدمت دراسات مطولة حول هذا الأمر وحول إحراق طارق بن زياد للسفن، وكل أبدى رأيه (٢٦٤). وعندما أكمل المسلمون فتح الأندلس (٩٢ - ٩٥ هـ) وبدأ عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ أطلت جيوش المسلمين على سواحل أندلسية طويلة، تشرف على البحر المحيط (الأطلسي) وخليج بسكاي، وعلى البحر المتوسط، مما يجعلها عرضة لأي هجوم بحري أوروبي معادي. ولذا اعتمد المسلمون على دور الصناعة القديمة التي وجدوها في طرطوشة وطركونة ودانية وإشبيلية والجزيرة الخضراء، كما استفادوا من خدمات الخشب والحديد اللازمة لبناء السفن، فكان ذلك ولا زال موجوداً في الأندلس (٢٦٥). ولدينا خبر يشير إلى توفر وجود السفن أو صناعتها في الأندلس بعد فتحها، مفاده أن

стр. 393

عياش بن شراحيل " دخل الأندلس وقدم بالسفن منها إلى إفريقية سنة مئة " (٢٦٦). وعندما أراد بلج بن بشر القشيري العبور إلى الأندلس، ورفض واليها ذلك صنع بلج قوارب ركبها أتباعه، فهاجموا دار الصناعة بالجزيرة الخضراء، وأخذوا ما فيها من المراكب والسلاح فرجعوا بها إليه، وبعد ذلك استخدمها في عملية العبور إلى الأندلس، كما هو معروف (٢٦٧). وخلال عصر الولاة، عندما قررت جيوش الفرنجة استرجاع مدينة أربونة عام ١٢٠ هـ، وكان عاملها عبد الرحمن بن علقمة القائد المشهور، فلما وصلت هذه الأنباء إلى والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي أرسل جيشاً بحرياً لنجدتها بقيادة عامر بن الليث (٢٦٨). وقدم هذا الجيش عن طريق البحر نظراً لوجود قبائل البشكنس والقبائل الجبلية الأخرى على طول جبال البرتات والتي تكون حائلاً أو خطراً على الجيش الأندلسي الذاهب إلى فرنسا (٢٦٩). فلما عرف جيش الفرنجة بقدوم هذا الجيش هاجموه بغتة وقتلوا القائد وانهزم بعض المسلمين إلى أربونة، والبعض الآخر ركبوا سفنهم وقد تعقبتهم بعض مراكب الفرنجة وأصابوا الكثير منهم (٢٧٠). وعلى الرغم من أن الأسطول الأندلسي لم يكن قوياً في هذا العصر، حيث ظهر الاهتمام به في عصر الإمارة، فمن المؤكد أن مدن برشلونة وطركونة البحرية قد ساهمت في إرسال سفن النجدة لفك حصار أربونة، هذا إذا علمنا أن مثل هذه المدن كان يكمن عندها المسلمون عند " طلب الفرصة في الغزو " (٢٧١). وأدرك الوالي يوسف الفهري (١٢٩ - ١٣٨ هـ) خطورة وضع المسلمين في أربونة المحاصرة من قبل الجيوش الفرنسية، فأرسل جيشاً بقيادة ابنه عبد الرحمن لضبط المدينة وما يليها (٢٧٢). فلم يوفق هذا الجيش في مهمته وذلك بسبب المقاومة الشديدة التي أبدتها القبائل الإسبانية على طول جبال البرتات (٢٧٣)، ويبدو أن المسلمين لم يستخدموا

стр. 394

البحر هذه المرة، لأن الفرنسيين سيطروا على مدينة ماجلون التي تعتبر مرسى أميناً للسفن الإسلامية القادمة من إسبانيا (٢٧٤)، وبعدها سقطت أربونة بيد الفرنسيين عام ١٤١ هـ، كما هو معروف. وفي عصر الإمارة، ١٣٨ - ٣١٦ هـ، اهتم الداخل بثغر الجزيرة الخضراء وعهد إدارتها إلى الرماحس بن عبد الرحمن (والي شرطة مروان بن محمد)، واشتهر أفراد هذا البيت بقيادة الأسطول الأندلسي على عهد الأمويين (٢٧٥). كما اعتمد الأمويون بالأندلس على اليمنيين القضاعيين في الأمور البحرية في باديء الأمر، وأنزلوهم في المناطق الساحلية الشرقية وعهدوا إليهم حراسة ما يليهم من البحر وحفظ السواحل، وقد سمي هذا الإقليم بـ (أرش اليمن أي أعطيتهم من الأرض) وكانت بجانة أهم قاعدة لهم في هذا الإقليم (٢٧٦)، ولذا لقب أهلها بالبحريين (٢٧٧). وكان بيت بني الأسود من البيوت البحرية المشهورة في مدينة بجانة، وقد ظهر اسم خشخاش ووالده سعيد بن أسود ضمن قادة الأساطيل التي قاتلت النورمان في عهد الأمير محمد الأول، وسوف نذكرهم فيما بعد. وازداد النشاط البحري في عهد الأمير هشام الأول (١٧٢ - ١٨٠ هـ) على الساحل الشرقي للأندلس، وكان قوام هذا النشاط حملات بحرية قام بها جماعات من البحارة والمجاهدين، هاجموا فيها بعض الثغور والجزر القريبة (٢٧٨). وقد زاد هذا النشاط أيضاً في عهد الأمير الحكم (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) حيث ذكرت بعض الروايات؛ بأن الحكم الأول وجه حملتين إلى الجزائر الشرقية عام ١٨٢ هـ وعام ٢٠٠ هـ (٢٧٩)، مع نشاط بحري. هاجم جزر كورسيكا وسردينية وإيطاليا في عام ١٩٠ هـ، وعام ١٩١ هـ، وعام ١٩٣ هـ (٢٨٠). وفي عام ٢٠٥ هـ خرج أسطول أندلسي من ثغر طركونة وسار صوب جزيرة سردينية، فتصدى له أسطول فرنسي، فتغلب عليه الأسطول الأندلسي وأغرق ثمانية مراكب منه وأحرقوا مراكب أخرى (٢٨١). ولما فتح الأغالبة جزيرة صقلية عام

стр. 395

٢١٢ هـ، بدأت الأساطيل البيزنطية تهاجم القوات الإسلامية فيها، ففي عام ٢١٤ هـ وجه الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ)، حملة بحرية خرجت من ميناء طرطوشة إلى صقلية لتعزيز الحامية الإسلامية فيها (٢٨٢). وفي عام ٢٢١ هـ خرج أسطول أندلسي من ثغر طركونة والجزائر الشرقية، وهاجم مرسيلية وما حولها وأثخن فيها، فكانت هذه الحملة مقدمة لحملات أخرى متعاقبة أفلحت في إقامة مراكز عربية في جنوب فرنسا وشمالي إيطاليا (٢٨٣). ويبدو لنا أن الجزائر الشرقية (البليار) عقدت عهداً مع حكومة الإمارة، على الأقل فيما يتعلق بشؤون البحر، ودليلنا على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الأوسط سير أسطولاً من ثلثمائة مركب عام ٢٣٤ هـ إلى أهل الجزائر الشرقية لنقضهم العهد، وإضرارهم بمن يمر بهم من مراكب المسلمين (٢٨٤). ويبدو أنها كانت حملة تأديبية وليست فتحاً منظماً بدليل قدوم رسالة من أهل الجزائر إلى الأمير في عام ٢٣٥ هـ يستعطفون فيها الأمير ويطلبون السماح، فاستجاب لهم (٢٨٥). مع كل هذا، فإن البحرية الأندلسية كانت لا تزال محدودة في إمكانياتها ووسائلها، فلم تكن لديها القواعد والمحارس والسفن الكافية لحماية جميع سواحلها ولا سيما الغربية منها، ولهذا عجزت عن حمايتها عندما هاجمتها أساطيل النورمان عام ٢٢٩ هـ وعاثت فساداً في السواحل الغربية، وفي مدينة إشبيلية (٢٨٦). ولما كان الأسطول الأندلسي مرابطاً على الساحل الشرقي، فقد اعتمدت حكومة الإمارة في صد خطر النورمان على جيوشها البرية، واستعانت بقوات من الثغر الأعلى المدربة على حرب العصابات (٢٨٧). وكان لهذا الهجوم النورماني أثر كبير على الأندلس، حيث أدى إلى الاهتمام بالسواحل الغربية للأندلس وبناء التحصينات فيها، حيث بني سور إشبيلية (٢٨٨)، كما

стр. 396

أنشأوا الرباطات على السواحل وأصبحت مركزاً للجهاد (٢٨٩)، وكانت النتيجة المهمة هي إنشاء دار صناعة إشبيلية، وإنشاء المراكب، وزودها بالآلات وقوارير النفط، ووسع على رجال البحر المدربين (٢٩٠). وفي عهد الأمير محمد الأول (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) عاد النورمان مرة أخرى وهاجموا ساحل الأندلس في (٦٢) مركباً عام ٢٤٥ هـ، فوجدوا هذه السواحل قد حرست بالسفن الحربية، وحاولوا اختراق نهر إشبيلية فلم يفلحوا، ثم واصلوا سيرهم إلى الجزيرة الخضراء وأحرقوا مسجد الرايات فيها، ثم عاثوا فساداً في الساحل الإفريقي، ثم توجهوا صوب الساحل الشرقي للأندلس، فاشتبكوا مع القوات الأندلسية في عدة معارك بحرية وبرية، ثم ساروا إلى بلاد فرنسا، وأمضوا فصل الشتاء هناك، ثم رجعوا إلى الجنوب بمحاذاة الساحل الشرقي للأندلس (٢٩١). وأثناء رجوع سفن النورمان هذه هاجمتها الأساطيل الأندلسية عند مدينة شذونة، وأسرت مركبين من مراكبهم (٢٩٢)، وأحرقت مركبين آخرين، واستشهد جماعة من المسلمين (٢٩٣). ثم سارت مراكب النورمان شمالاً وهاجمت بنبلونة عاصمة النافار وأسرت ملكها غرسية بن ونقة، والذي افتدى نفسه بالمال (٢٩٤). ثم ظهر النورمان مرة ثانية في عهد هذا الأمير عام ٢٤٧ هـ قرب شواطئ الأندلس، لكنهم وجدوا هذه السواحل قد حرست بالسفن الحربية، كما أن أمواج البحر دمرت لهم ١٤ مركباً ولم يظفروا بشيء ورجعوا إلى بلادهم (٢٩٥). وفي عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) قام جماعة من المجاهدين الأندلسيين يقدرون بحوالي عشرين شخصاً في عام ٢٧٦ هـ، ونزلوا الساحل الفرنسي، ولجأوا إلى غابة كثيفة، ثم سيطروا على المناطق المجاورة واستقروا بها، ودعوا إخوانهم من الثغور البحرية للقدوم إليهم، وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومات المغرب

стр. 397

والأندلس (٢٩٦). وعلى مر الزمن أنشأوا لهم سلسلة من المعاقل والحصون أشهرها قلعة فراكسنتيوم الواقعة شمالي مدينة طولون (٢٩٧)، والتي يسميها الجغرافيون المسلمون باسم دويلة جبل القلال (٢٩٨). واستمرت هذه الدويلة إلى عام ٣٦٥ هـ، وسيطرت على مناطق مهمة من فرنسا وسويسرة وشمالي إيطاليا (٢٩٩). وفي عهد هذا الأمير سير قوة بحرية عام ٢٩٠ هـ إلى جزيرة ميورقة بقيادة عصام الخولاني، الخبير بشؤون هذه الجزيرة، فحاصرها أياماً وفتحها، وبذلك أصبحت هذه الجزائر ولاية جديدة تابعة للأندلس وتولى أمرها عصام الخولاني ٢٩٠ - ٣٠٠ هـ (٣٠٠). وفي عصر الخلافة ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ، نرى أن الإمبراطور البيزنطي بالتعاون مع هوجو ملك إيطاليا وبروفانس، حاولوا استرجاع قلعة جبل القلال عام ٣٣١ هـ، فهاجموها براً وبحراً، إلا أن الاضطرابات الداخلية في مملكة إيطاليا أجبرت هوجو على الانسحاب ومهادنة المسلمين فيها (٣٠١). ويفهم من رواية العذري أن أسطولاً أندلسياً كبيراً بقيادة محمد بن رماحس ومعه غالب بن عبد الرحمن وسهل بن أسيد خرج من ثغر المرية وغزا سواحل إفرنجة في عام ٣٣١ هـ، إلا أن عاصفة هوجاء قذفت به بعيداً عن تلك السواحل (٣٠٢). ويعتقد أن هذه العمليات البحرية التي قام بها الأسطول الأندلسي، كانت تهدف إلى معاونة قاعدة جبل القلال (٣٠٣). وقد جرت مراسلات وسفارات طويلة بين حكومة الناصر بالأندلس وبين أوتو الأكبر إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة حول أمر هذه القاعدة. على أية حال فإن أمر هذه السفارة استمر إلى سنة ٣٤٤ هـ، لحصول مشكلة دبلوماسية (٣٠٤).

стр. 398

وبين الخليفة الناصر للسفير الأوروبي بأن حكومته ليست لها أية علاقة ولا أية سلطة على جبل القلال، وأنها لا تتحمل تبعة أعمالها. وبذلك أعطت خلافة قرطبة للسلطات الألمانية مطلق الحرية في اختيار السبل المناسبة لعلاج هذه المشكلة (٣٠٥). وفي عهد الخليفة الناصر تولى عبد الله بن عصام الخولاني حكم الجزائر الشرقية ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ (٣٠٦). ويبدو أن هناك عمالاً تولوا إمارة الجزائر الشرقية خلال هذه الفترة، ومن أشهرهم، رشيق مولى الناصر (مات غريقاً عام ٣٤٣ هـ)، وكذلك جعفر بن عثمان المصحفي الذي تولى أمر الجزائر عام ٣٣٣ هـ (٣٠٧). وأمر الخليفة الناصر عام ٣٤٤ هـ بتأسيس مدينة المرية لتكون القاعدة البحرية المهمة في شرق الأندلس، وأصبحت هي وبجانة بابي الشرق كما يقول ياقوت (٣٠٨). ونظم الخليفة الناصر شؤون البحرية فأنشأ عدداً كبيراً من دور الصناعة في مدن الأندلس: المرية - طرطوشة - الجزيرة الخضراء - مالقة وشلب وغيرها (٣٠٩). ونجح الأسطول الأندلسي في عصر الخلافة بإحباط محاولات المهدي الفاطمي ودعم حركة عمر بن حفصون عام ٣٠١ هـ، ثم تمكن الأسطول الأموي من الاستيلاء على مدينة مليلة سنة ٣١٤ هـ ومدينة سبتة عام ٣١٩ هـ، وكذلك مدينة طنجة. وكرر هذا الأسطوال هجومه البحري على بلاد عدوة المغرب عدة مرات في عام ٣٣٣ هـ وفي عام ٣٤٥ هـ (٣١٠). وفي عهد الخليفة الحكم ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ فقد أكد على ناحيتين: الأولى الاحتفاظ بسيطرة الأندلس على مضيق جبل طارق، والثانية صد الخطر النورماندي. وعندما تمرد الحسن بن كنون (من بقايا الأدارسة) عام ٣٦١ هـ ضد الخليفة الحكم سير إليه الجيوش بقيادة وزيره محمد بن القاسم بن طلمس، ثم لحقت به الأساطيل الأندلسية بقيادة قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس. وفي البداية أحرزت القوات

стр. 399

الأندلسية النصر، إلا أن الهزيمة لحقت بها عام ٣٦٢ هـ وقتل الوزير القائد محمد بن القاسم، فاستاء الحكم لذلك فأرسل قوات الثغور إلى المغرب بقيادة الوزير القائد غالب ابن عبد الرحمن، عام ٣٦٢ هـ، ثم كتب إلى قائد أسطوله المرابط في طنجة عبد الرحمن ابن رماحس ومعاونيه سعد وقيصر، وغيرهم من القواد الدخول تحت إمرة القائد غالب. وعندما أبحر غالب بجيوشه من الجزيرة الخضراء هبت عاصفة شديدة فرجع إلى ساحل الجزيرة وبعد أيام تحسن الجو فعبر القائد بالأسطول إلى عدوة المغرب، وفي الوقت نفسه اتجه قائد البحر ابن رماحس بأسطوله من طنجة إلى أصيلا كي يتعاون مع الأسطول الأندلسي المرابط هناك، ولكي يكون قريباً من القائد الأعلى غالب، وقد امتدح الخليفة الحكم هذه الخطة. وبتعاون الجيوش المشتركة فشلت حركة الحسن بن كنون عام ٣٦٣ هـ، واستمرت الأندلس تفرض سيطرتها على مضيق جبل طارق (٣١١). وفي عهد الحكم المستنصر هاجم النورمان الأندلس عام ٣٥٥ هـ، فعاثوا فساداً في منطقة قصر أبي دانس، ودارت معارك بحرية بين الطرفين قتل فيها الكثير. وبعدها تمكن أسطول إشبيلية من اللحاق بالأسطول النورماندي عند مصب وادي شلب فحطم معظمه، واسترد أسرى المسلمين (٣١٢). أما الغارات النورماندية الأخرى في عام ٣٦٠ هـ وعام ٣٦١ هـ فيبدو أنها لم تستطع النزول إلى الشواطئ الأندلسية بفضل يقظة الأسطول الأندلسي الذي استطاع أن يبدد شملها بسهولة (٣١٣). وفي سنة ٣٦٤ هـ استرد الفرنجة حصن فراكسنتيوم (جبل القلال) (٣١٤). أما الجزائر الشرقية فتولى أمرها الموفق مولى الخليفة الناصر ٣٥٠ - ٣٥٩ هـ وجاء من بعده كوثر مولى الخليفة الحكم (٣٥٩ - ٣٨٩ هـ) ثم مقاتل مولى الحاجب المنصور ٣٨٩ - ٤٠٣ هـ (٣١٥). اهتم الحاجب المنصور بالأسطول، واستخدمه في تثبيت الحكم الأموي الأندلسي في عدوة المغرب، فبواسطة هذا الأسطول نقل القوات الأندلسية إلى المغرب والتي قضت على حركة الحسن بن كنون عام ٣٧٥ هـ، وعلى حركة الزعيم المغربي زيري بن

стр. 400

عطية عام ٣٨٩ هـ. وكانت مدينة سبتة هي القاعدة البحرية الرئيسية للعمليات الحربية الأندلسية في المغرب، فقد اهتم المنصور بتحصينها وتزويدها بالرجال والسلاح (٣١٦). واستخدم الحاجب المنصور بعض وحدات الأسطول في حملاته على ساحل قطلونية عام ٣٧٤ هـ، وفي نقل المشاة من جنوده في المحيط الأطلسي في حملته على جليقية عام ٣٨٧ هـ وهي الحملة التي دمرت مدينة شنت ياقب (٣١٧). وفي عام ٣٨٧ هـ أنشأ المنصور أسطولاً كبيراً في الموضع المعروف بقصر أبي دانس وحمل الأقوات والأسلحة إليه وجهزه بالبحارة المشهورين (٣١٨). وبعد أن تخلص المنصور من قادة البحر المشهورين عبد الرحمن بن رماحس، وغالب بن عبد الرحمن، لم يتول إمرة البحر من بعدهم ممن يملك كفاءتهم، فبدأ الأسطول الأندلسي بالأفول (٣١٩). وجاء عصر الطوائف، وتقاسم ملوكه ورثة الأسطول الأندلسي واقتصر النشاط البحري على مراكز المرية ودانية والجزائر الشرقية في الشرق، وإشبيلية في الغرب. استمرت المرية في رعايتها للأسطول سواء في ظل الزعيم الصقلي خيران العامري وأخيه زهير أو في ظل بني صمادح، ولكن هذا الأسطول لم يقم بعمل عسكري بحري كبير كما قام به أسطول دانية والجزائر الشرقية، ما عدا استخدامه للهروب إلى عدوة المغرب من قبل حاكم المرية معز الدولة بن المعتصم بن صمادح عام ٤٨٤ هـ. استهوى البحر الأمير مجاهد العامري (٤٠٠ - ٤٣٦ هـ)، وقرر أن يمد نفوذه البحري وراء هذه الجزائر، وكان نظره يصبو إلى سردينية. فجدد دار الصناعة القديمة. واستكثر السفن والمعدات الحربية. وبدأ مشروعه عام ٤٠٦ هـ، حيث سار بأسطول مؤلف من ١٢٠ مركباً بأحجام مختلفة، وأعطى قيادته لأمير البحر (أبي خروب). وكانت المسافة بين دانية والجزائر الشرقية وبين سردينية تستغرق ثمانية أيام (٣٢٠). وعندما وصل الأسطول الأندلسي لقي مقاومة من أهل الجزيرة، إلا أن القوات الأندلسية استطاعت فتح الجزيرة (٣٢١). وتم ذلك في ربيع الثاني عام ٤٠٦ هـ وبدأ مجاهد بتأسيس مدينة فيها،

стр. 401

وانتقل إليها بأهله وولده وبقي مجاهد وجيشه في سردينية ما يقارب سنة (٣٢٢). وبعدها بدأ مجاهد العامري بمهاجمة سواحل إيطاليا القريبة، فقررت المدن الإيطالية إحباط هذا المشروع وتحالفت مع البابا لتحقيق الأمر. فسارت الأساطيل الإيطالية والأوروبية فحاصرت الجزيرة. ومما أحرج مركز المسلمين فيها تمرد الجند المرتزقة الإسبان في أسطول مجاهد، مع هبوب العواصف العاتية. فحلت الهزيمة المنكرة بالأسطول الأندلسي عام ٤٠٧ هـ وقتل معظم رجاله، وأسر بعضهم ومنهم ولده علي وأمه (جود) الإسبانية، وأخوه وبعض نسائه (٣٢٣)، ففشل هذا المشروع الكبير، وذكرت بعض الروايات أن مجاهداً العامري هاجم سردينية في عام ٤١٠ هـ وعام ٤٤١ هـ وأنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء، وهذه روايات لا سند لها، لأن مجاهد توفي عام (٤٣٦ هـ)، إلا أنها تدل على مقدار الفزع الذي أثاره هذا البحار المغامر في سواحل البحر المتوسط الغربية والشمالية بعد حملة سردينية (٣٢٤). ومن الطريف، أن مجاهد العامري كان يحتفل بجزيرة ميورقة في صيف كل عام بعيد المهرجان (عيد العنصرة) في ٢٤ حزيران، فيقوم الأسطول بعرض ومناورات وألعاب يحضرها مجاهد نفسه وأمراء الجزيرة فيما بعد، وقد امتدح الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة هذا الاحتفال (٣٢٥). في الفترة المبكرة من عهد المرابطين ساهمت الخدمات البحرية التي قدمتها الأندلس وبخاصة إشبيلية إلى يوسف بن تاشفين هي التي مكنته في القضاء على إمارة سقوت البرغواطي صاحب الأسطول القوي. بعد أن تمت سيطرة المرابطين على سبتة وطنجة أفادوا من دور الصناعة القديمة فيها وأصلحوا سفنها (٣٢٦). وقبيل عبور المرابطين إلى الأندلس لنجدتها تنازل المعتمد بن عباد عن ميناء الجزيرة الخضراء إلى يوسف بن تاشفين، وبذلك تحكم المرابطون في مضيق جبل طارق (٣٢٧). وبعد خلع أمراء الطوائف، أصبحت الأندلس ولاية مرابطية، فأفاد المرابطون من إمكانياتها المادية والبشرية والاستراتيجية في تقوية أسطولهم البحري سواء فيما يتعلق بوجود الموانئ والربط ودور الصناعة والمواد الأولية اللازمة لصناعة السفن، أو توظيف قدرات الأسر

стр. 402

الأندلسية التي كان عالمها المفضل البحر مثل أسرة بني ميمون المشهورة (٣٢٨). وعندما ضم يوسف بن تاشفين الأندلس إلى دولته، لم يتعرض بسوء لأمير الجزائر الشرقية (مبشر بن سليمان ٤٨٦ - ٥٠٨ هـ) لأن هذه الإمارة تقف حائلاً أمام هجمات الأساطيل الأوروبية ضد الأندلس. لم تصمد الجزائر الشرقية طويلاً أمام هجمات الحملة الأوروبية البحرية الكبيرة عام ٥٠٨ هـ، وأثناء الحصار توفي أمير الجزائر مبشر، فتولى أمرها أبو الربيع سليمان بن ليون الذي واصل المقاومة، وحاول مغادرة الجزيرة لطلب العون من المرابطين، إلا أنه وقع أسيراً بأيدي الأعداء، فدخلت القوات الأوروبية الجزائر الشرقية عام ٥٠٨ هـ وعاثت فيها فساداً (٣٢٩). إلا أنّ الأسطول المرابطي لم يصل إلى الجزائر الشرقية، إلا بعد سيطرة العدو عليها (٣٣٠)، وكان الأسطول المرابطي بقيادة أمير البحر (ابن تاقرطاس)، فلما علم الإيطاليون وحلفاؤهم باقتراب هذا الأسطول، انسحبوا من الجزيرة مثقلين بالسبي والغنائم، بعد أن أدركوا أنهم سيخوضون معركة غير مأمونة العواقب، وبعدها دخل المرابطون الجزيرة وشرعوا في تعميرها وذلك من عام ٥٠٩ هـ (٣٣١). وبذلك تصبح الجزائر الشرقية ولاية مرابطية يديرها (وانور بن أبي بكر اللمتوني) الذي حكمها إلى سنة ٥٢٠ هـ، ثم حكمها من بعده بنو غانية وأقاموا فيها إمارة مستقلة (٣٣٢). ولما سيطر روجار الأول على صقلية عام ٤٨٥ هـ، أخذ النورمان يشنون هجماتهم البحرية على المهدية قاعدة بني زيري في تونس، فاستنجد الزيريون بأبناء عمومتهم المرابطين، فأرسل إليهم أمير المسلمين علي بن يوسف أسطوله البحري بقيادة أبي عبد الله بن ميمون فهاجم صقلية وفتح بعض المدن فيها وسبى الكثير من نسائها وأطفالها انتقاماً لأبناء جلدته في أفريقية. وكان ملوك النورمان في صقلية يتوجسون خيفة

стр. 403

من الأسطول المرابطي، ولذا نراهم لم يحتلوا المهدية إلا بعد سنة ٥٤٣ هـ أي بعد سقوط دولة المرابطين بقليل (٣٣٣). ورث الموحدون الأندلس من المرابطين، بما في ذلك الأسطول، وقد خضعت الأجزاء الغربية والوسطى للموحدين بسهولة، وبقي شرقي الأندلس يعارض الانضمام إلى المغرب. فقامت فيه إمارات بحرية مستقلة: أولاها إمارة المرية والتي أصبحت قاعدة بحرية لمهاجمة شواطئ إسبانيا الشمالية وإيطاليا وفرنسا، ونظراً لخطورتها هذه سيطرت عليها الأساطيل والجيوش الإسبانية والأوروبية عام ٥٤٢ هـ وأصبحت تحت سيطرة الفونسو السابع (السليطين)، إلا أن الموحدين أعادوا المرية إلى حوزتهم عام ٥٥٢ هـ (٣٣٤). وثانيهما إمارة بني غانية المرابطية التي استقلت في الجزائر الشرقية، وبقيت تقاوم الحكم الموحدي في الأندلس وشمالي إفريقية فترة طويلة كما وضحنا ذلك. ومع هذا فكثيراً ما قامت هذه الإمارة بمهاجمة سواحل قطلونية وجنوبي فرنسا، كما كانت تربطهم بمدن جنوه وبيزا علاقات تجارية طيبة، وفي الوقت نفسه كانوا يهادون الموحدين دفعاً لخطرهم، إلى أن خضعت هذه الجزر لسلطة الموحدين عام ٥٩٩ هـ (٣٣٥). وعزز الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن بن علي (٥٢٤ - ٥٥٨ هـ) سيطرة أسطوله على مضيق جبل طارق من أجل تأمين عبور أساطيله باستمرار بين المغرب والأندلس، فبنى مدينة الفتح على سفح جبل طارق عام ٥٥٥ هـ (٣٣٦). واهتم هذا الخليفة بتدريب شباب المغرب والأندلس على أعمال الفروسية، وتعلم السباحة وخوض المعارك البحرية، وأولى اهتماماً كبيراً بتدريبهم على ركوب السفن وكيفية قيادتها واستخدامها أثناء القتال (٣٣٧). واهتم بالأسطول كذلك الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) وأولاه عنايته، واستخدمه في ضرب أوكار القراصنة في غربي الأندلس أولاً، كما شاركت أساطيله في معارك الجهاد ضد مملكة البرتغال الإسبانية وقاد

стр. 404

الأسطول الموحدي غانم بن مردنيش ودمر بعض سفن البرتغاليين وذلك في عام ٥٧٥ هـ. وتبادل الطرفان النصر والهزيمة في حروب البحر، وقد أسر في إحداها غانم وأخوه أبو العلا وأطلقا بفدية كبيرة (٣٣٨). وأراد هذا الخليفة أن يقود الجيوش بنفسه لتأديب مملكة البرتغال فعبر إلى الأندلس وحاصر مدينة لشبونة براً وبحراً، ثم حاصر مدينة شنترين، إلا أنه أصيب بهزيمة منكرة، واستشهد على أثرها عام ٥٨٠ هـ (٣٣٩). ومن أشهر قادة أساطيله أمير البحر أبو العباس الصقلي، وعلي بن الربرتير اللذان قادا أساطيله في معارك الجهاد هذه (٣٤٠). وفي عهد الخليفة يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) بدأ الأسطول البرتغالي بالتعاون مع الأساطيل الصليبية الأخرى الفرنسية والألمانية، بمهاجمة ثغور الأندلس الغربية وبخاصة مدينة شلب فسيطروا عليها عام ٥٨٥ هـ، مما زاد في حراجة أمر الأسطول الموحدي. واستطاع هذا الخليفة الرد على هذا الهجوم الصليبي بأن عبر بقواته إلى الأندلس وهاجم أساطيل البرتغال في غربي الأندلس وانتصر عليها وذلك في عام ٥٨٦ هـ، فاسترد مدينة شلب وقصر أبي دانس (٣٤١). وفي عهد الخليفة الناصر (٥٩٥ - ٦١١ هـ) سيطرت الدولة الموحدية على الجزائر الشرقية عام ٥٩٩ هـ بعد إعداد حملة بحرية كبيرة خرجت من دانية بقيادة ابن عمه أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، والتي أفلحت في هذه المهمة (٣٤٢). كما هاجم الأسطول الموحدي مملكة أرغون وأحرز على أساطيلها النصر وذلك عام ٦٠٧ هـ (٣٤٣). وبعد هزيمة هذا الخليفة في معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ، بدأت المدن الأندلسية تتساقط بأيدي الممالك الإسبانية، وبدأ بعض زعماء الأندلس بالاستقلال أمثال محمد بن يوسف بن هود في مرسية، ومحمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر في أرجونة وغرناطة. وقد اعتمد ابن هود على الأسطول الأندلسي في هذه الفترة، وقد وضحنا كيف سيطر على سبتة ورباط الفتح وسلا في عدوة المغرب بعض الوقت. وبعد اغتيال ابن هود عام ٦٣٥ هـ، بدأت مملكة غرناطة في الظهور على مسرح الأحداث. أما الممالك الإسبانية فقد سيطرت على قرطبة عام ٦٣٣ هـ، وعلى إشبيلية وقادس

стр. 405

عام ٦٤٦ هـ، فصار لهم منفذ إلى مضيق جبل طارق، كما سقطت بلنسية عام ٦٣٦ هـ، وجزيرة ميورقة عام ٦٢٧ هـ وجزيرة يابسة عام ٦٣٣ هـ وجزيرة منورقة عام ٦٨٦ هـ (٣٤٤)، وبقيت مملكة غرناطة فترة من الزمن تجاهد الإسبان إلى أن سقطت. وملكت مملكة غرناطة ساحلاً طويلاً يمتد من المرية إلى مضيق جبل طارق والجزيرة الخضراء، مما جعلها تعتمد على أسطول قوي في مجاهدة الإسبان، كما جاهدتهم في البر. ومن قادة الأسطول الغرناطي المشهورين أسرة بني الرنداحي، وكذلك القائد الوزير أبو الحسن بن كماشة (٣٤٥). وفي أعوام ٧٠٦ هـ، ٧٠٧ هـ، ٧٠٨ هـ عمد السلطان محمد الثالث النصري (٧٠١ - ٧٠٨ هـ) إلى مهاجمة جزر البليار، كما ضربت أساطيله سواحل مملكة أرغون الإسبانية (٣٤٦). وأولت هذه الدولة رجال الأسطول برعايتها وأعطتهم أجوراً عالية (٣٤٧). وحرصت مملكة غرناطة باستمرار على أن يكون مضيق جبل طارق مفتوحاً أمام النجدات المغربية، وبعيداً عن سيطرة الإسبان، كي يضل اتصالها بالعدوة المغربية مستمراً. وقد أضطرت غرناطة إزاء هذا الأمر إلى التنازل للمغرب عن بعض قواعدها الجنوبية المطلة على المضيق مثل جبل طارق والجزيرة الخضراء وطريف، ويتولى المغرب مهمة الدفاع عن هذه القواعد. وقد أدركت الممالك الإسبانية أهمية هذا الأمر فحاولت فرض سيطرتها على المضيق واحتلال قواعده كي تحول دون وصول الإمدادات المغربية إلى الأندلس (٣٤٨). النظم الاجتماعية: خلال وبعد إتمام فتح الأندلس هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إليها، وكان أكثرهم من شمال إفريقية واستقروا في سائر أنحاء الأندلس. وليس من الصحيح أن المسلمين العرب استأثروا بأحسن النواحي في الأندلس (٣٤٩). وإذا وجد بأن بعض مسلمي البربر قد سكنوا بعض النواحي الجبلية، فإن هذا يتناسب مع ما اعتادوا عليه من

стр. 406

الشمال الإفريقي (٣٥٠). مع العلم بأن هناك نواحي سهلة خصبة سكنها مسلمون من البربر (٣٥١)، مع غيرهم من المسلمين مثل كورة فحص البلوط الواقعة شمالي قرطبة ومدينتها غافق، وكورة السهلة وحاضرتها شنتمرية (شنتمرية الشرق)، والتي كان بنو رزين البربر من سكانها (٣٥٢). وسكنها كذلك قبائل هوارة ومديونة البربرية، وتقع هذه الكورة بين سرقسطة وطليطلة والتي وصفت بالخصب (٣٥٣). كما كان من رجالات البربر الداخلين الأندلس في حملة طارق بن زياد ومنهم (رزين البرنسي) كانت له أراضٍ زراعية بجوار قرطبة اشتهرت بزراعة الزيتون، وقد اشتراها عبد الرحمن الداخل من ورثته (٣٥٤). هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هناك أراضٍ في الشمال الإسباني كانت توصف بالخصب ووفرة الخيرات (٣٥٥). وخلاصة القول: أن سكنى المسلمين في الأندلس من عرب وبربر كانت حسب الرغبة قياساً لنوع الحياة السابقة وطبيعة الأرض التي اعتادوا عليها قبل العبور. فقد كانت الأرض الجبلية تناسب البربر لأنهم يرغبون سكنى الجبال والصحاري (٣٥٦). كما يلاحظ أن بعض العرب سكنوا الجبال، وبعض البربر سكنوا السهول. وهذا حسب ما يرغب كل فريق دون إجبار أو إكراه (٣٥٧). وسمي المسلمون الأوائل الذين عبروا مع موسى بطالعة موسى أو البلديين، وأغلبهم من القبائل اليمانية أصحاب الميل إلى التعمير والاستقرار، فقويت الصلات بينهم وبين الأرض وأهلها (٣٥٨). ثم تبعتهم هجرات عربية أخرى بقيادة بلج بن بشر القشيري ودخلت الأندلس عام ١٢٣ هـ بما يقارب عشرة آلاف وعرفوا بطالعة بلج أو الشاميين (٣٥٩). ثم الطالعة الثانية أو المسماة عسكر العافية التي رافقت الوالي أبا الخطار (١٢٥ - ١٢٧ هـ) (٣٦٠). وقد وزع هذا الوالي طالعة بلج على

стр. 407

الكور والتي سميت بالكور المجندة (٣٦١). وإذا عرفنا بأن ولاة الأندلس اهتموا بإدارة البلاد وتنظيمها مع حسن السياسة بالرعية، فلا بد أنهم اهتموا بنشر الإسلام والدعوة له بين الإسبان. ويجد الباحث أخباراً لمثل هذا الأمر في عملية فتح الشمال الإفريقي حيث يرسل الدعاة والفقهاء بجانب الجيش الفاتح لشرح مبادئ الإسلام (٣٦٢). وربما نستدل من ذلك أن حملة طارق بن زياد إلى الأندلس ضمّت عدداً من الفقهاء مهمتهم تفقيه الجند ونشر الإسلام بين سكان المدن المفتوحة بجانب الجهاد في سبيل الله. ولعل الإثني عشر رجلاً من العرب في جيش طارق بن زياد هم الفقهاء (٣٦٣). كما أن جيش موسى الذي عبر به إلى الأندلس بأعداده (١٨ ألف) مقاتل فيهم صحابي واحد وهو المنيذر الإفريقي، وعدد من التابعين (٣٦٤). إن دور هؤلاء الفقهاء من التابعين -ما عدا الحربي- يدور حول تفقيه الناس أمور الإسلام وشرحه بيسر للإسبان الذين بدأوا يعتنقون الإسلام الذي أزال عنهم الحالة السيئة التي كانوا يعيشون بها قبل الفتح. وبجانب هدا الدور بنيت المساجد، فنرى موسى بن نصير يبني أول مسجد في الجزيرة الخضراء عرف بمسجد الرايات (٣٦٥). كما أسس حنش بن عبد الله الضعاني -مهندس المساجد في الأندلس- مساجد مدن البيرة وقرطبة وسرقسطة وغيرها (٣٦٦). ومعروف لدينا في العصر الأول دور المسجد، الذي يتجاوز مراسيم العبادة، إلى دورِه العلمي والثقافي في نشر تعاليم الإسلام قبل ظهور المدارس. كما وردت إشارة إلى المعلمين في عصر الولاة الذين يعلمون الصبيان قراءة القرآن، مما يدل على اهتمام واسع بنشر الإسلام (٣٦٧). وتخبرنا الروايات عن انتشار

стр. 408

الإسلام المبكر في الأندلس وكثر اتباعه، فلما رغب الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) في نقل المسلمين من الأندلس، وشاور بذلك والي الأندلس السمح بن مالك الخولاني، تخلى عن هذه الفكرة عندما عرف بأن المسلمين قد كثروا في الأندلس وأنهم في قوة ومنعة (٣٦٨). كما تشير الروايات إلى أن الوالي عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢١ هـ) كان عندما يؤسر الأعداء يعرض عليهم الإسلام، فأسلم على يديه ألفا رجل (٣٦٩). ونظراً لسماحة تعاليم الإسلام، وعدالة رجاله، أقبل الإسبان على الدخول في الإسلام، وقد رجحنا إسلام يوليان المبكر حاكم سبتة، كما أن الرواية العربية تشير إلى إسلام قسي الزعيم البشكنسي الذي ذهب إلى الشام وأسلم على يدي الوليد بن عبد الملك (٣٧٠). ومهدي بن مسلم، وهو من قدماء قضاة قرطبة، ومن أبناء المسالمة (الإسبان الذين دخلوا الإسلام، وأطلق على أولادهم لقب المولدين) أيام والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي، وكان من أهل العلم والورع (٣٧١). كما كان اختلاط الإسبان بالمسلمين بأساليب مختلفة ساعد على نشر الإسلام بين الإسبان، ومن هذه الأساليب: المصاهرات والتي بدأت مبكرة في عصر الولاة، ولدينا بعض الأمثلة تدل على هذه الظاهرة، فتخبرنا الروايات أنه لما اختلفت سارة القوطية بنت المند بن غيطشة (ملك القوط قبل لذريق) مع عمها أرطباس (٣٧٢)، ذهبت إلى الخليفة هشام بن عبد الملك تشكو ظلامتها من عمها فأنصفها. والظاهر أنها أسلمت ثم تزوجت في الشام من عيسى ابن مزاحم وقدما إلى الأندلس وسكنا مدينة إشبيلية (٣٧٣). وقد أنجبت سارة من عيسى: إبراهيم وإسحاق، ولما توفي عيسى عام ١٣٨ هـ تزوجها عُمير بن سعيد فولدت له حبيب (٣٧٤) كما تزوج والي الأندلس الأول عبد العزيز بن موسى من أيلة ( Egiliona) أرملة لذريق آخر ملوك القوط، وتسميها الرواية العربية أم عاصم (٣٧٥). وبعض الروايات

стр. 409

تجعلها ابنة لذريق، ويفهم من رواية ابن عذاري أنها بقيت على دينها (٣٧٦). ولكن يستبعد أن تبقى أم عاصم غير مسلمة، والأكثر قبولاً -إذا كان أمر هذا الزواج موثوقاً- أن زواجه بأرملة لذريق قد تم بعد إسلامها (٣٧٧). كما أشارت الروايات إلى أن أحد قواد الوالي وهو زياد بن نابغة التميمي تزوج إحدى بنات أمراء الإسبان أيضاً (٣٧٨). وربما حصل لكثير من رجالات الأندلس في هذا العصر أمثال هذه المصاهرات، إذا عرفنا أن فاتحي الأندلس دخلوها رجالاً دون نساء على العموم. وحين بدأ عصر الإمارة عام ١٣٨ هـ كان الإسلام قد تثبتت أركانه بعد أن دخل الإسبان فيه، كما رأوا من سماحة الإسلام وحسن خلق أهله، ومن بقي على دينه (العجم أو المستعربون من النصارى) ارتضى حكم المسلمين، وقد أشاد الكثير من الباحثين الغربيين بسياسة الفتح العربي لإسبانيا وآثارها الاجتماعية التي حطمت سلطة الأشراف والطبقات العليا، وحسنت أحوال الطبقات الفقيرة (٣٧٩). ومعنى هذا أن المجتمع الأندلسي في عصر الولاة أصبح يتألف من العرب (البلديون والشاميون) والبربر، والمسالمة المولدون والموالي (وهم موالي بني أمية من العرب والبربر وغيرهم) العجم أو المستعربون واليهود (٣٨٠). وقد عاشت جميع هذه الفئات تحت ظل راية الإسلام وتجمعها سماحة العرب في الحكم والنظم ببلد الأندلس، وساهمت في تطور نظمه الاجتماعية. ومن الملاحظ أن الهجرات العربية إلى الأندلس انتهت بنهاية عصر الولاة، فلم يفد منهم إلى الأندلس بعد ذلك إلا أفراد أو بيوت أو جماعات قليلة. أما البربر فقد كان تيار هجرتهم متصلاً، بحكم الجوار أولاً، وبحكم الجاذبية الخاصة التي كانت للأندلس على بربر الشمال الإفريقي ثانياً، ولأسباب سياسية وعسكرية ثالثاً (٣٨١).

стр. 410

أما عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، فقد حدثت فيه تطورات اجتماعية مهمة، ففترة التأسيس ١٣٨ - ١٧٢ هـ (عصر الداخل) وفترة التوطيد ١٧٢ - ٢٠٦ هـ (عصر هشام والحكم)، تميزت بعدة ظواهر اجتماعية منها: كسر شوكة الأرستقراطية العربية، التي بدأ بها الأمير الداخل، وأحل محلها وحدة اجتماعية تشمل عصبية القبائل، وقد استخدم أمراء هذه الفترة الموالي بكثرة، واستعانوا بأقوام أعجمية في الجيش وبخاصة الصقالبة الذين أكثر منهم الأمير الحكم كما وضحنا. وفي هذه الفترة أيضاً برزت فئة المولدين وأصبح لها كيانها ومكانتها في المجتمع الأندلسي. ولا شك أن وجود مثل هذه الفئة قد زاد من الأكثرية الملمة بالأندلس، وصبغ الحياة الإسبانية بصبغة أكثر إسلامية وعروبة (٣٨٢). ولكن في الوقت نفسه زاد تمرد المولدين في هذه الفترة مما أحرج مركز الإمارة وكلفها الكثير، فتمردوا في مدينة ماردة عام - ١٩٠ هـ وفي مدينة طليطلة عام ١٨١ هـ، أي إنهم تمركزوا في مناطق الثغور لمناعتها العسكرية، وقد اجتمعت هذه الحركات على التخلص من حكم قرطبة مع إجماعها على كره العرب (٣٨٣)، كتيار شعوبي. ومن مظاهر هذا العصر ظهور شخصية المرأة في مجال الفن، وهذا بداية التأثير الحجازي على الأندلس. فقد استقدم الداخل بعض الجواري المدنيات وأسس لهن بالقصر داراً عرفت بدار المدنيات، لأن أغلبهن كن في المدينة التي اشتهرت بفنون الموسيقى والغناء. وكان من هؤلاء المغنيات المدنيات: فضل وعلم والعجفاء. كما كانت الجارية قلم وأصلها إسبانية من سبي البشكنس، ولكنها أُدبت في المدينة، لها دور مميز في هذه الفترة وعملت في دار المغنيات مع صواحبها (٣٨٤). ويأتي بعدهما الثنائي الغنائي الحجازي (علون وزرقون) في عهد الأمير الحكم (٣٨٥). وشهدت الأندلس في هذه الفترة بداية الترف الاجتماعي المتمثل في بناء المنيات (قصور ريفية) خارج قرطبة كقصر الرصافة الذي بناه الداخل على سفح جبل قرطبة، وكذلك القصر الذي بناه ابنه عبد الله في مدينة بلنسية وأطلق عليه إسم الرصافة أيضاً (٣٨٦). وقد حرص الداخل على جعل قرطبة صورة من دمشق في منازلها البيضاء

стр. 411

ذات الأحواش الداخلية المزينة بالأزهار والورد ونافورات المياه، واشتهر الداخل بأنه كان يرسل بعض رجاله إلى المشرق لجلب أشجار الفاكهة من بلاد الشام (٣٨٧). وقد أدى هذا الاستقرار الاجتماعي إلى أن يفتح المجتمع الأندلسي عيونه على بواكير الحضارة المشرقية (٣٨٨). وفي فترة الازدهار ٢٠٦ - ٢٧٣ هـ، تقدمت الأندلس في مجال الرقي الاجتماعي والحضاري، وقد ساعد على هذا رغبة أمراء هذه الفترة في الإصلاح والانفتاح أولاً، كما ساعد عليه كذلك ازدهار اقتصاديات الأندلس ثانياً. وقد أدى هذا الازدهار الاقتصادي إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في حياة الأمراء وأقرانهم من أثرياء المجتمع الأندلسي على الأقل. ويتمثل هذا الترف في فتح أبواب الأندلس لتجارة العراق، فدخلته البضائع العراقية كالملابس وأدوات الزينة، وتذكر لنا بعض الروايات أن الأمير عبد الرحمن الأوسط اشترى من أحد التجار عقداً كان للسيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد بمبلغ عشرة آلاف دينار، وأهداه إلى زوجته (٣٨٩). وبالإضافة إلى مظاهر العيش الواسع للأمراء وكبار رجال الدولة الذي وفرته الأموال التي حصل عليها أفراد المجتمع الأندلسي، وانعكس هذا على شراء الجواري المشرقيات الحاذقات بالأدب وفنون الغناء كجواري الأمير عبد الرحمن الأوسط اللواتي جلبهن من بغداد (٣٩٠). وانعكس أيضاً على بناء عدة منى (جمع منية) وهي عبارة عن قصر ريفي في ضواحي المدينة ضمن حدائق غناء (٣٩١). كما جاءت هجرة زرياب إلى الأندلس عام ٢٠٦ هـ فأحدث في مجتمعها تغييراً كبيراً بما أدخله من عادات جديدة، وبما أشاعه من تقاليد راقية، وبما بعثه في المجتمع الأندلسي من روح التأنق والتجمل، بالإضافة إلى إشاعة الموسيقى والغناء وتأسيس أول مدرسة أندلسية لهذين الفنين (٣٩٢).

стр. 412

ولقد كان من نتائج وفود زرياب وانتشار مستحدثاته الاجتماعية والفنية أن شاع في المجتمع الأندلسي حب الترف والتأنق والأخذ بمتع الحياة، كما شاع كذلك الشغف بالموسيقى والتعلق بالغناء، والتورط أحياناً في اللهو والمجون. وقد ساعد على ذلك تحرر بعض الأمراء في هذه الفترة، مع وفرة الأموال، وانتشار الكروم والترخص في عصر الأنبذة وشربها، ثم كثرة القيان من مشرقيات وإسبانيات، مع وفرة الغلمان وخاصة من الصقالبة (٣٩٣). ومما لا شك فيه أن هذا الأمر قد أدى إلى نوع من التحلل الاجتماعي وبعض الشرور التي أصابت الإمارة في هذه الفترة. نتيجة الانفتاح الفكري والاجتماعي الأندلسي على المشرق في هذه الفترة، هبت التيارات المشرقية إلى الأندلس وأثرت في عقلية شعبها. ونرى هناك ظاهرة إقبال الإسبان في هذه الفترة على تعلم اللغة العربية وآدابها وتقليد عرب الأندلس في عاداتهم من مأكل وملبس وأمور اجتماعية أخرى. إزاء هذا الأمر كان لبعض رجال الدين الإسبان موقفٌ مُعادٍ لهذا التيار، أطنبت الروايات الغربية في ذكرها. هذا الموقف تصفه هذه الروايات بظاهرة الاستشهاد أو الانتحار الديني، وانحصرت أهداف هذه الظاهرة التي قامت منذ عام ٢٣٥ هـ وإلى عام ٢٤٤ هـ في محورين: الأول - محاولة إعادة بعض من أسلم حديثاً إلى دينه القديم من جديد، والثاني: الطعن بالإسلام ومبادئه وشتم رسول الله علناً في المساجد والساحات العامة. وقد عالجت حكومة قرطبة هذه الظاهرة بحكمة وحنكة فزال خطرها بعد حين (٣٩٤). وفي فترة الحرب الأهلية ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ، ساد المجتمع الأندلسي نوع من الاضطراب بسبب اشتعال نواحي الأندلس بحركات التمرد والتي قاد معظمها المولدون -الذين يحملون عناصر الكره للعرب باستمرار، وكان زعيمهم عمر بن حفصون- وغيرهم، والذين تعاونوا مع الممالك الإسبانية من أجل إسقاط الحكم العربي بالأندلس، فظهرت في المجتمع الأندلسي خلال هذه الفترة ظاهرة الزهد، وتزعمها بعض العلماء والفقهاء وحتى بعض أفراد البيت الأموي أمثال الزاهد أحمد بن معاوية الملقب بالقط، فرابطوا في الثغور احتجاجاً على روح التحلل والفساد التي سادت

стр. 413

المجتمع الأندلسي (٣٩٥). كما أن حالة الفوضى التي عمت بلد الأندلس خلال هذه الفترة دفعت بعض النفوس إلى طلب الطمأنينة والبحث عن الأُنس في مجلس غناء أو حلقة سماع أو جماعة ندمان، هروباً من الحالة المتردية التي يعيشها المجتمع الأندلسي (٣٩٦). بالإضافة إلى أن حالة التحضر الاجتماعي بقيت مستمرة في المجتمع الأندلسي خلال هذه الفترة، حتى في حالة اضطراب الحالة السياسية. وكان من المظاهر الاجتماعية لهذه الفترة تمزق المجتمع الأندلسي وانفصام عرى الوحدة بين أبنائه فنرى تكتل العرب في جهة، والإسبان تكتلوا أيضاً وكذلك البربر والمولدون، فبرزت فيهم زعامات تؤيد الفرقة وتذكي نار العنصرية (٣٩٧). إلا أن هذا الأمر حسم في عصر الخلافة ٣٠٠ - ٤٢٢ هـ فقد استطاع عبد الرحمن الناصر أن يعيد إلى العرب في الأندلس وحدتهم، فقضى على كل الزعامات، وبرزت بصورة واضحة ظاهرة القومية الأندلسية. فإذن الظاهرة الاجتماعية الأولى التي يمكن ملاحظتها هي وحدة المجتمع العربي في الأندلس، ومن ثم انصراف سكانه إلى العمل بجد ونشاط، فتكاثرت الأموال سواء للدولة أو للأفراد. مما أدى إلى أن يتأنق الأندلسيون حكاماً وشعباً في البناء. فبنى الناصر مدينة الزهراء ومدينة المرية وغيرها، وقد أطنبت الروايات التاريخية في وصف هذه المدن (٣٩٨). كما وصلت العاصمة قرطبة في هذه الفترة إلى أوج جمالها وأناقتها فازدحمت بالقصور والحدائق الغناء والنافورات الكثيرة والحمامات الوفيرة وغيرها (٣٩٩). ومما يشير إلى الرخاء الاقتصادي في عصر الخلافة، تلك الهدايا الثمينة التي قدمها الوزراء إلى الناصر والحكم المستنصر، فهدية الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد عام ٣٢٧ هـ إلى الخليفة الناصر وهدية الحاجب جعفر المصحفي إلى الخليفة الحكم المستنصر، تعتبران من أشهر الحوادث الاجتماعية في هذا العصر، وتدلان على رفاء المجتمع الأندلسي أيضاً (٤٠٠)، على الرغم من وضوح ظاهرة الاستغلال في جمعها.

стр. 414

ويلاحظ في فترة الخلافة أيضاً علاقات المصاهرة مع الإسبان ويروى أن الخليفة الناصر كان حفيد سيدة نافارية، وكان هو نفسه ابن جارية إسبانية تسمى مزنة (٤٠١). وأطرف ما في الأمر أن طوطة ( Toda) الملكة الوصية على عرش النافار (توفيت عام ٣٤٩ هـ) كانت عمة الناصر من جهة الأمومة كما تذكر بعض الروايات اللاتينية (٤٠٢). والخليفة الحكم المستنصر تزوج من امرأة نافارية وهي صبح (أم الخليفة هشام المؤيد)، وهي التي ساعدت الحاجب المنصور على تمكنه من السلطة من الأندلس (٤٠٣). كما كانت هناك علاقات مصاهرة بين أسرة بني قسي المولدة حكام الثغر الأعلى وبين حكام النافار في الشمال الإسباني (٤٠٤). وبطبيعة الحال فإن الأمر ينعكس على عامة الشعب، وبخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار حالة الجهاد المستمرة في هذه الفترة مع الممالك الإسبانية فيقع الكثير من الأسرى بيد المسلمين. وفي فترة الحجابة تزوج الحاجب المنصور من تريسا إبنة برمودة الثاني ملك ليون (٤٠٥). ومن ثم تزوج من إبنة شانجة الثاني بن غرسية ملك النافار والمسماة عبدة، وكانت من خيرة نسائه ديناً وجمالاً وكان ولده عبد الرحمن (شنجول) لقب على هذا الأساس تصغيراً لإسم جده لأمه شانجة (٤٠٦). وحفل عصر الحجابة بالمنشآت العمرانية كمدينة الزاهرة ذات القصور المنيفة والحدائق الغناء. ومن ثم ابتنى إلى جانبها مدينة جميلة ذات قصر وحدائق رائعة وكان يرتادها للنزهة وسماها العامرية، كما اشتهر ببناء القناطر وغيرها (٤٠٧). كما عرف عصره بمجالس الأنس والراحة، وكان للحاجب المنصور مثل هذه المجالس، وكان يشاركه وزرائه في رحلات أنس في نهر الوادي الكبير (٤٠٨). ووصف

стр. 415

بمعاقرة الخمر، ولازمته هذه الصفة طوال حياته (٤٠٩). وربما نميل إلى أنها من التهم التي ألصقت به. وبسبب حملات الجهاد الكثيرة التي قادها الحاجب المنصور والتي تكلل معظمها بالنصر، فقد امتلأت الأندلس في عصره بالغنائم والسبي من بنات الإسبان، فأقبل الناس على الزواج من الإسبانيات تاركين بنات الأحرار، فكان الرجل صاحب البنت يغالي في تجهيز بنته من أجل الإقبال على الزواج منها (٤١٠). وهكذا عادت إلى المجتمع الأندلسي في فترة الحجابة بعض الأمراض الاجتماعية التي كان قد برئ منها في عصر الخلافة. فقد أدى استخدام الحاجب المنصور للمرتزقة من البربر والصقالبة ومسيحيي الإسبان، إلى نوع من الانفصال بين الشعب والجيش، وأحياناً إلى وجود الكراهية بينهما. كما أن سلوك الحاجب المنصور في الوصول إلى السلطة، قد أدى إلى تفشي روح الطمع، وشيوع التطلع إلى الغلبة، هذا بالإضافة إلى مجالس اللهو والشرب التي ولع بها الحاجب المنصور مع ظهوره بمظهر المتعصب للدين والحامي لمبادئه (٤١١). وازداد تفكك المجتمع الأندلسي خلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، وساد الاضطراب والقلق عامة الناس بسبب الصراعات السياسية المريرة، واختلف الناس في مشاربهم من أجل التخلص من هذا الوضع المضطرب، فمنهم من غرق في الملذات أمثال محمد بن هشام بن عبد الجبار الذي وصف بالخلاعة والمجون (٤١٢). ومنهم من يميل إلى العزلة، ومنهم من جارى الأحداث ودخل في معترك الفتنة وذاق خيرها وشرها (٤١٣). ثم سقطت الخلافة الأندلسية عام ٤٢٢ هـ وقام بالأندلس عصر الطوائف فاهتز المجتمع الأندلسي المتعدد الأجناس والذي يتألف من العرب والبربر والصقالبة والمستعربين وغيرهم. فمع انتشار القلق الاجتماعي وشيوع الاضطراب والعنف، تشكلت التكتلات العرقية فأصبحت الوسيلة الوحيدة للحصول على الأمن، فقامت

стр. 416

إمارات الطوائف المعروفة. وامتاز هذا العصر بالحروب المستمرة بين أمراء الطوائف، وحتى بين الإمارات ذات الأصل الواحد (٤١٤). وكان الجشع الفردي والحرص على الكسب وإيثار المصلحة الشخصية عوامل تطغى أحياناً على جميع الاعتبارات الأخرى في هذه الفترة، وأحياناً داخل الإمارة نفسها (٤١٥). وأفرز هذا الوضع السياسي للأندلس، وجود طبقة الخاصة التي كبرت وتنوعت في كل بلاط من بلاطات أمراء الطوائف، وهناك الطبقة العامة. وتخلل هذا العصر وجود طبقة واعية أدركت مصير الأندلس وما وصل إليه من تفكك، فجابت بلاد الأندلس تدعو إلى الوحدة ولمّ الشمل ومن أبرز زعماء هذه الطبقة ابن حزم وأبو الوليد الباجي (٤١٦). وقد قاسى الشعب الأندلسي في ظل حكم أمراء الطوائف الأمرّين. فبجانب الفتن الداخلية، قاسى الشعب من جشع ملوك الطوائف الذين جعلوا من إماراتهم ضياعاً خاصة وجعلوا رعاياهم عبيداً، ينهبون أموالهم، وثمار كدهم، إرضاءً لشهواتهم في إنشاء القصور الباذخة، واقتناء الجواري والعبيد، والانهماك في حياة الترف، هذا بالإضافة إلى دفع الإتاوات إلى ملوك الإسبان والارتماء في أحضانهم من أجل البقاء والمحافظة على كرسي مهزوز، فأصيب الشعب بخيبة أمل مريرة (٤١٧)، وساد التمزق النفسي في المجتمع الأندلسي وعلت أصوات الرحيل عن الأندلس، وبخاصة بعد سيطرة النورمان على مدينة بربشتر عام ٤٥٦ هـ، وسيطرة ألفونسو السادس على طليطلة عام ٤٧٨ هـ (٤١٨). وبرزت في هذا العصر عصابات الأشرار التي قادها الكمبيادور وغيره والتي عاثت في بلد الأندلس فساداً، كما ظهرت مجموعة من الشخصيات القلقة المغامرة التي قدمت خدماتها لأي أمير تلقى عنده العون والتأييد، أمثال شخصية الشاعر ابن عمار وزير المعتمد بن عباد، وبعض الفقهاء الذين أوقع عليهم بعض المؤرخين مسؤولية تضييع الأندلس (٤١٩). وكان أكثر ملوك الطوائف يتسمون بضعف الإيمان والعقيدة، والاستهتار بأحكام

стр. 417

الدين، وهو ما سجله عليهم ابن حزم في كتاباته، وكانت قصورهم المترفة الأنيقة تزدان بمجالس الشعر والأدب، وتحفل في الوقت نفسه بمجالس الأنس والطرب، والنساء والغلمان والخمر (٤٢٠)، وهذه أمور شغلت حيزاً كبيراً في آداب هذا العصر وشعره. وكانت مجتمعات الطوائف المرهقة المنحلة تتأثر بهذه الروح الإباحية، وتميل إلى اقتناء المتعة المادية واللذة الحسية بمختلف ضروبها، وكان هذا الانحلال الشامل يجتاح يومئذ سائر طبقات المجتمع الأندلسي (٤٢١). ومع كل هذا فقد احتلت المرأة الأندلسية مكانة محترمة في عصر الطوائف، وألف فيها الأندلسيون الكتب مثل كتاب (طوق الحمامة في الألفة والأُلاّف) لابن حزم (٤٢٢). كما نالت نصيبها الوافر من العلوم والفنون والآداب (٤٢٣)، كولادة بنت الخليفة المستكفي مثلاً (٤٢٤). وتمتعت الأندلس منذ انضوائها تحت سيادة المرابطين باستقرار سياسي وهدوء إجتماعي، فتحررت في ظل هذا العهد من كثير من المكوس والمغارم الظالمة التي فرضها ملوك الطوائف لإرضاء جشع ملوك الإسبان من جانب، وللإنفاق على قصورهم المترفة التي شهدت أنواع البذخ والإسراف (٤٢٥). وقد شعر عامة الشعب الأندلسي في هذا العهد بنوع من التحسن المادي في حياته لأنهم انصرفوا إلى الأعمال السلمية، وإلى تحصيل أقواتهم في هدوء وسلام بينما حمل المرابطون مسؤولية الجهاد بالدرجة الأولى، وبذلك عم الرخاء والعيش الرغيد بلد الأندلس في عهد يوسف وإبنه علي (٤٢٦). وليس من السهل بمكان تصور المكانة الاجتماعية للمرأة الأندلسية في العصر المرابطي، إذ أن الروايات التي أشارت لهذا الموضوع اهتمت فقط بمنزلة المرأة الصنهاجية والتي تمتعت بنصيب كبير من الحرية سمح لها بالتدخل في مناحي الحياة

стр. 418

المختلفة (٤٢٧). وليس في هذه الروايات ما يوضح مقدار انعكاس ذلك على المرأة الأندلسية، فانتقال التقاليد والقيم الاجتماعية لا يتم بصورة سريعة، وإنما يتطلب وقتاً طويلاً لتقبل تلك الأمور واستساغتها (٤٢٨). ولكن يمكننا أن نستنتج من هذه الروايات منزلة المرأة وقيمتها الاجتماعية في الأندلس خلال هذه الفترة، فالقصائد المدبجة بمدحهن أو رثائهن تشير بلا شك إلى ما يكنه الرجل إتجاههن من ود واحترام، وتدل على ما كان لهن من سلطة واسعة في الحياة الإدارية (٤٢٩). ثم نحس بارتفاع صوتها الأدبي وحريتها في التعبير عن مشاعرها بصراحة في مجالس تعقدها مع شعراء العصر كالمجالس الني ذكرتها المصادر للشاعرة (نزهون الكلاعية) مع الشاعر الأعمى المخزومي (٤٣٠). وكان الأندلسيون يحترمون المرأة ويقدرونها، سواء كانت زوجة أو جارية. فنستدل من تشددهم في بيع الجواري - بحيث يتطلب شرائهن حضور كاتب العقود وتبيان الأسباب المقنعة التي تطلب الجارية من أجلها بكل دقة (٤٣١)، على مدى تقديرهم للمرأة، وقد قوى المرابطون في الأندلس الشعور باحترام المرأة ربة الدار ومحاربة الكثير من وسائل اللهو والمجون التي سادت في عصر الطوائف، وذلك طبقاً لما يقتضيه المثل الأعلى البربري الذي ظل متعلقاً بنظام إجتماعي أولي يقوم على الأمومة أولاً، وتشدد المرابطون في تطبيق مبادئ الإسلام ثانياً (٤٣٢). كما أن بعض الأحداث السياسية دفعت يوسف بن تاشفين أن يتبع سياسة مشددة ضد اليهود في الأندلس، وبخاصة يهود اليسانه (٤٣٣)، ولكن هذا لم يمنع من استخدام اليهود في أعمال الكتابة في الأندلس. فتشير بعض المصادر إلى أن والي غرناطة المرابطي (أبو عمر ينالة اللمتوني) كان له كاتب يهودي (٤٣٤). كما وجدت طائفة من اليهود في المغرب تزاول أعمالها نهاراً في المدن المغربية، وقد حرم عليهم أمير

стр. 419

المسلمين علي بن يوسف المبيت فيها ليلاً، وذلك كإجراء وقائي من خطر اليهود (٤٣٥). كما شهدت منطقة المغرب العربي في ظل المرابطين وفود طائفة جديدة من النصارى المعاهدين الذين غُرِّبوا من الأندلس عام ٥٢٠ هـ، وذلك نتيجة تعاون هؤلاء مع ألفونسو الأول المحارب ملك أرغون أثناء حملته المدمرة على الأندلس ٥١٩ هـ، وقد أفتى قاضي الجماعة أبو الوليد محمد بن رشد بتغريبهم ونفيهم إلى المغرب (٤٣٦). ولا ينكر أن هذا التغريب لم يشمل جميع المعاهدين، كما أن أمراء المرابطين حرصوا على حسن الرعاية لهؤلاء سواء في الأندلس أو المغرب. فقد حصل أن معاهدي غرناطة رفعوا عريضة إلى علي بن يوسف ضد عاملها المرابطي (أبو عمر حفيد يوسف بن تاشفين) يحتجون فيها على سوء سيرته معهم، فاستدعاه علي إلى مراكش وأحاله إلى جلسة تحقيقية انتهت بالحكم عليه بالسجن (٤٣٧). إزاء هذه الأحداث، أشارت بعض المراجع إلى أن أهل الذمة عاشوا مضطهدين في دولة المرابطين (٤٣٨). ولكن الأمر لا يعدو، وكما بيناه أعلاه، إلا احتياطات ضرورية للأمن، إضافة إلى أنّ اليهود والمسيحيين عملوا في جباية الأموال في ظل دولة المرابطين (٤٣٩). ثم مال المرابطون إلى ألوان الترف بعد اختلاطهم بالأندلسيين واطلاعهم على أساليب الحياة في المدن الأندلسية، وبخاصة وأن عهد الطوائف عرف صوراً كثيرة من المجون والخلاعة (٤٤٠)، مما جعلهم يتأثرون بحياة الرفاهية والمتعة التي كان يحياها أبناء الأندلس (٤٤١). وقد استنكر محمد بن تومرت هذه الأحوال على المرابطين وحاربها بشتى الوسائل (٤٤٢). ولما كان اللثام شعار المرابطين، فقد اتخذ بعض العامة وبخاصة في الأندلس اللثام

стр. 420

زياً لهم تطاولاً على الناس وترفعاً (٤٤٣)، ومن هنا حتم ابن عبدون بأن اللثام لا بد أن يكون خاصاً بالصنهاجي أو اللمتوني أو اللمطي بالأندلس (٤٤٤). وخلال الحكم المرابطي للأندلس تلوح لنا ظاهرة اجتماعية جديرة بالإشارة وهي ظاهرة المدجنين، أي الأندلسيين الذين بقوا في مدنهم تحت سيطرة الممالك الإسبانية. هذه الممالك التي بدأت تسيطر على أهم قواعد الأندلس اعتباراً من عام ٤٧٨ هـ حيث سيطر ألفونسو السادس على مدينة طليطلة واتخذها عاصمة لمملكته. وتلا هذا التاريخ سيطرة الإسبان على قواعد أندلسية خلال الحكم المرابطي. وقد تعرض هؤلاء المدجنون إلى الاضطهاد والتنصير والإفناء بعد انتصار المرابطين في معركة الزلاقة عام ٤٧٩ هـ. وبمرور الزمن تعرضت هذه الجماعات إلى الانحلال والانقراض بتوالي الأجيال، وانقطاع الصلة بمواطن العروبة والإسلام، فأخذوا يفقدون الكثير من أخلاقهم وتقاليدهم ولغتهم. ومع ذلك فقد ظلت بقايا قليلة منهم، رغم الإرهاب، محتفظة بعروبتها حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي (٤٤٥). وانضوت الأندلس تحت الحكم الموحدي القائم على الدين أيضاً، فسادت حياة الجهاد والخشونة على البلاد في البداية، وكرس خلفاء الموحدين جهودهم في إشاعة الأمن والاستقرار في ولاياتهم. ولما بلغ الخليفة عبد المؤمن عودة بعض الناس إلى مجالس الغناء والطرب أصدر مرسوماً عام ٥٥٦ هـ إلى ولاته بمطاردة هؤلاء وإزالة المنكرات (٤٤٦). وسار على نهجه ولده أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) فنعمت الأندلس في عهده بالاستقرار والهدوء، ووصف هذا الخليفة بالتدين ورغبته في الجهاد (٤٤٧)، وتوفي متأثراً بجراحه كما هو معروف. وفي عهد الخليفة المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) جاهر بالمذهب الظاهري وجعله المذهب الرسمي. وطارد علم الفروع، وحارب المذهب المالكي وعمل على إزالته من المغرب والأندلس (٤٤٨). وهذا الأمر رغم كونه عقائدياً، إلا أن له صفة إجتماعية تتعلق بمعتقدات الناس اليومية. كما نشط هذا الخليفة بمطاردة مظاهر الفساد والفجور حتى أنه منع صنع الثياب

стр. 421

الحريرية (٤٤٩). وقد نال هذا الخليفة إعجاب عامة الناس وأنزلوه منزلة الأولياء وحاكوا حوله الأساطير، التي تعبر عن خيال العامة التي ازداد تعلقها بهذا الخليفة (٤٥٠). وبعد موت هذا الخليفة أخذت دولة الموحدين بالأفول، ولا سيما بعد معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ. وتولى بعد الناصر ملوك ضعفاء لعبت بهم الأهواء وتجاسرت عليهم العامة، فأوجدت هذه الحالة نوعاً من القلق والتمزق النفسي في بلد الأندلس، فأكثر الشعراء من الشكوى، الشكوى من الدهر ومن الظلم ومن الفقر ومن الفساد (٤٥١). هذا بالإضافة إلى ميل ولاة الأمر إلى شراء الجواري وتعليمهن الغناء، فقد كان لدى (أبو علي بن يبقى) والي مالقة جارية علمها الغناء فطلبها منه أبو العلاء المأمون فلم يستجب لطلبه، فلما تولي المأمون الخلافة عام ٦٢٦ هـ أحضر إليه أبا علي وضرب عنقه في إشبيلية (٤٥٢). وكان للمرأة مكانة مرموقة بالأندلس في عصر الموحدين، وهو استمرار للعصر السابق، ونستدل من آراء ابن رشد فيلسوف الموحدين علو المكانة التي وصلت إليها المرأة. فإبن رشد يرى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع وإنما هو اختلاف في الكم، أي أن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكن النساء أضعف من الرجال في الأعمال. فطالب بإفساح المجال للنساء بالعمل وإعطائهن حرية التفكير (٤٥٣). ولعل هذه النظرة هي التي شجعت الشعراء على رثاء زوجاتهم دون أي خجل، وخير مثال رثاء ابن جبير زوجته أم المجد بديوان شعر كامل (٤٥٤). وفي عصر الموحدين يلمع إسم الشاعرة حفصة الركونية، وأخريات غيرها (٤٥٥)، كن يقلن غزلاً صريحاً دون حرج أو خوف من عرف إجتماعي (٤٥٦). وتزوج الخلفاء الموحدون من سبايا الإسبان، واعتباراً من عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، ولهذا كان بعض أولاده وأولاد أولاده من هؤلاء الإسبانيات (٤٥٧). وتميز هذا

стр. 422

العصر أيضاً بإسلام بعض أمراء الإسبان، وبخاصة من مملكة قشتالة، حيث لجأ إلى الموحدين وأعلن إسلامه وتسمى باسم (أبو زكريا) وأصبح قائداً في الجيش الموحدي. ووجد بالمقابل أن أحد أمراء الموحدين اعتنق المسيحية (٤٥٨). واضطهد خلفاء الموحدين يهود الأندلس، وخيرهم عبد المؤمن بن علي بين الموت أو الهجرة إلى الشمال الإسباني أو الإسلام. فأسلم منهم طائفة ولحقت أخرى بدار الحرب (الشمال الإسباني)، وشمل الأمر المسيحيين كذلك (٤٥٩). وهذا يدل على سياسة متعصبة تنافي سماحة تعاليم الإسلام وموقفه من أهل الذمة. كما أجبر الخليفة أبو يوسف يعقوب (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) يهود المغرب على التحلي بزي خاص، يميزهم عن غيرهم (٤٦٠). ومن الطبيعي أن ينسحب هذا الأمر على ولاية الأندلس الموحدية. وعلى كل حال فإن النصارى في الأندلس كانوا أكثر حرية من اليهود، فلم يميزوا بلباس معين، كما أن الشعب الأندلسي يحس تجاههم بروابط عريقة لا يمكن أن يقارن بموقفه من اليهود (٤٦١). وفي عصر مملكة غرناطة، فإن العناصر السكانية في المجتمع النصري تتألف من العرب والبربر وبعض الجاليات الإسلامية التي وصلت الأندلس قادمة من الهند وخراسان وإيران وسكنت ضواحي غرناطة (٤٦٢). وهذه العناصر تشكل طائفة المسلمين بالمملكة. وسادت في هذه المملكة موجة الاعتزاز بالعروبة وبالانتماء إلى قبائلها وخصائصها (٤٦٣). وحظي المسيحيون برعاية هذه المملكة وحمت الكثير من سكان الشمال الإسباني الذين لجأوا إليها واعتنق قسمٌ منهم الإسلام. كما سهلت هذه المملكة للمسيحيين الإسبان حرية التجارة (٤٦٤). وبالإضافة إلى هؤلاء وجد الأسرى الذين كثر وجودهم في مملكة غرناطة بسبب حروب الجهاد. وقسم من هؤلاء الأسرى اعتنق الإسلام فعرف هؤلاء بالمرتدين، وقد لاقوا الأمرين بعد سيطرة الإسبان على مدن هذه الدولة (٤٦٥).

стр. 423

ووجدت طائفة في مملكة غرناطة تسمى (الفكاكين) ومهمتها تسهيل تبادل الأسرى بين مملكة غرناطة والممالك الإسبانية، وقد عرف الفكاكون بالاستقامة والصدق وتمتعوا بثقة الطرفين، ونالوا أجوراً عالية بدل أتعابهم (٤٦٦). وفي الوقت الذي استقبل فيه السلطان محمد الخامس عام ٧٦٦ هـ ثلاث مائة عائلة يهودية هربت من اضطهاد القشتاليين، مع لجوء يهود البليار وقطلونية إلى مملكة بني الأحمر، إلا أن بعض سلاطين بني الأحمر أجبروا اليهود على وضع شارة تميزهم عن المسلمين، ومنعوا من ركوب الجياد (٤٦٧)، ولقي هؤلاء اليهود الاضطهاد عندما سقطت مملكة غرناطة بيد الإسبان. وكانت للمرأة مركز جيد في مجتمع غرناطة، وقد عرف هذا المجتمع عدداً منهن اشتهرن في ميادين الأدب والعلم والسياسة، ومثال على ذلك: مريم أم إسماعيل التي كانت محظية لدى يوسف الأول، وكان لها الدور البارز في خلع محمد الخامس. وتزعمت الصراع على السلطة عائشة الحرة زوجة أبي الحسن علي بن الأحمر وخليلته ثريا، وهذا ما دفع بملك بني الأحمر إلى الهاوية. ومن النساء اللواتي اشتهرن في اللغة والأدب حمدونة بنت زياد وحفصة بنت الحاج الركونية، وأم الحسن بنت أبي جعفر الطنجالي التي لمع إسمها في حقلي الطب والأدب (٤٦٨). وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي في هذه المملكة فقد ظهرت فيها مجالس اللهو والترف حيث الشراب والرقص والغناء. ومعنى هذا أن المجتمع الغرناطي لم ينس حياة المرح حتى في أيام المحن، ولم تغمره الكآبة إلا عندما دق الإسبان أبواب غرناطة (٤٦٩). وكان الطاعون الأسود الذي انطلق من آسيا الوسطى عام ٧٣٥ هـ ووصل إلى أوروبا ماراً ببلاد إيطاليا وفرنسا ومنها إلى إسكندنافيا في عام ٧٤٨ هـ، وصلت رياحه إلى البليار وبرشلونة وبلنسية والمرية في عام ٧٤٩ هـ، ثم انتقل إلى مالقة، فحصد آلاف الناس من سكان مملكة غرناطة، وبخاصة مدن غرناطة وبلش ومالقة. كما عرف المجتمع النصري

стр. 424

الاهتمام بالصحة العامة، واشتهر المارستان في غرناطة والذي بني في عهد السلطان محمد الخامس، وكان هذا البناء مؤلفاً من جناحين واحد للرجال وآخر للنساء وكل جناح يتألف من طبقتين. بينهما بهو كبير في وسطه بركة ماء تصب فيها النافورات (٤٧٠). كما كانت رياضة الصيد وسباق الخيل ورمي الجريد من أهم أعمال التسلية في المجتمع النصري، ولعلها تمارين عسكرية مبسطة يتدرب عليها أفراد المجتمع الذي تتطلب ظروفه اليقظة والحذر والبسالة على الدوام (٤٧١). النظم القضائية: تعتبر خطة القضاء بالأندلس من أعظم الخطط عند الخاصة والعامة وذلك لتعلقها بأمور الدين، مع احترام ولاة الأمر فيها لهذه الخطة وتطبيقها على أنفسهم وحاشيتهم إذا اقتضى الأمر ذلك (٤٧٢). وخلال عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ كانت الأندلس في فترة قلقة تعتمد الجهاد في سبيل الله في الشمال الإسباني أو وراء جبال البرتات، بالإضافة إلى بعض الصراعات الداخلية. ومعنى هذا أن صفة الجندية كانت غالبة على أهلها. ولهذا سمي القاضي في هذه الفترة بقاضي الجند (٤٧٣). وهذا تقليد قضائي موجود في شمال إفريقية خلال هذه الفترة (٤٧٤). وأشهر قضاة الجند المسلمين في الأندلس خلال عصر الولاة ثلاثة هم: القاضي مهدي بن أسلم، وهو من أبناء المسالمة، والقاضي عنترة بن فلاح والقاضي يحيى بن زيد التجيبي (٤٧٥). ومن خلال تراجم هؤلاء القضاة يتبين لنا ما يلي: ١ - إن بعضهم، القاضي يحيى بن زيد، على رواية إنه تولى قضاء الأندلس بأمر من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) (٤٧٦). وفي رواية أخرى إن والي

стр. 425

إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي إلى الأندلس الوالي أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي (١٢٥ - ١٢٨ هـ) ووجه معه يحيى بن يزيد التجيبي قاضياً (٤٧٧). ٢ - والي الأندلس هو الذي يعين قاضي الجند، كما هو حال القاضي مهدي بن أسلم الذي ولاه هذا المنصب والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢١ هـ) (٤٧٨). ٣ - وصف جميع هؤلاء القضاة بالورع والتقوى، مع تميزهم بالتحري عن الحق، وإرجاعه إلى أهله، مع براعتهم في البلاغة والخطابة (٤٧٩). ٤ - كان هؤلاء القضاة يتقبلون النقد من الناس، ويصلحون أمورهم على ضوء هذا النقد، لأن القاضي يجب أن يكون صافي السريرة كورعه وتقواه في الظاهر، كما حصل للقاضي عنترة بن فلاح (٤٨٠). ٥ - وجد تقليد قضائي أندلسي خلال هذه الفترة بكتابة عهد تولية القاضي من قبل الوالي، ووجد أيضاً من باب إكرام القاضي أن القاضي نفسه كتب عهد التولية لنفسه كما حصل للقاضي مهدي بن أسلم (٤٨١). ومن خلال هذا العهد نرى: أ - التلطف مع الخصوم والاستماع لكل ما يقولون، وهذا تقليد إسلامي منذ فجر الإسلام. ب - تعقد مجالس القضاء في المسجد. ج - وردت في العهد وظائف تابعة لمنصب القضاء وهي: ١ - وظيفة الفتيا والمشورة وأعوان القاضي (المعينون). ٢ - الشهود والمزكون (الذين يزكون حجج الخصوم). ٣ - الاستعانة بالقاضي إبراهيم بن حرب. ولا توجد لدينا معلومات عن هذا القاضي (٤٨٢)، لكن يبدو لنا أن هذا القاضي كان قاضي الجماعة في قرطبة، وأن مهدي
следующие страницы →