← История

История · id 29723

تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (500 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحريرية (٤٤٩). وقد نال هذا الخليفة إعجاب عامة الناس وأنزلوه منزلة الأولياء وحاكوا حوله الأساطير، التي تعبر عن خيال العامة التي ازداد تعلقها بهذا الخليفة (٤٥٠). وبعد موت هذا الخليفة أخذت دولة الموحدين بالأفول، ولا سيما بعد معركة العقاب عام ٦٠٩ هـ. وتولى بعد الناصر ملوك ضعفاء لعبت بهم الأهواء وتجاسرت عليهم العامة، فأوجدت هذه الحالة نوعاً من القلق والتمزق النفسي في بلد الأندلس، فأكثر الشعراء من الشكوى، الشكوى من الدهر ومن الظلم ومن الفقر ومن الفساد (٤٥١). هذا بالإضافة إلى ميل ولاة الأمر إلى شراء الجواري وتعليمهن الغناء، فقد كان لدى (أبو علي بن يبقى) والي مالقة جارية علمها الغناء فطلبها منه أبو العلاء المأمون فلم يستجب لطلبه، فلما تولي المأمون الخلافة عام ٦٢٦ هـ أحضر إليه أبا علي وضرب عنقه في إشبيلية (٤٥٢). وكان للمرأة مكانة مرموقة بالأندلس في عصر الموحدين، وهو استمرار للعصر السابق، ونستدل من آراء ابن رشد فيلسوف الموحدين علو المكانة التي وصلت إليها المرأة. فإبن رشد يرى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع وإنما هو اختلاف في الكم، أي أن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكن النساء أضعف من الرجال في الأعمال. فطالب بإفساح المجال للنساء بالعمل وإعطائهن حرية التفكير (٤٥٣). ولعل هذه النظرة هي التي شجعت الشعراء على رثاء زوجاتهم دون أي خجل، وخير مثال رثاء ابن جبير زوجته أم المجد بديوان شعر كامل (٤٥٤). وفي عصر الموحدين يلمع إسم الشاعرة حفصة الركونية، وأخريات غيرها (٤٥٥)، كن يقلن غزلاً صريحاً دون حرج أو خوف من عرف إجتماعي (٤٥٦). وتزوج الخلفاء الموحدون من سبايا الإسبان، واعتباراً من عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، ولهذا كان بعض أولاده وأولاد أولاده من هؤلاء الإسبانيات (٤٥٧). وتميز هذا

стр. 422

العصر أيضاً بإسلام بعض أمراء الإسبان، وبخاصة من مملكة قشتالة، حيث لجأ إلى الموحدين وأعلن إسلامه وتسمى باسم (أبو زكريا) وأصبح قائداً في الجيش الموحدي. ووجد بالمقابل أن أحد أمراء الموحدين اعتنق المسيحية (٤٥٨). واضطهد خلفاء الموحدين يهود الأندلس، وخيرهم عبد المؤمن بن علي بين الموت أو الهجرة إلى الشمال الإسباني أو الإسلام. فأسلم منهم طائفة ولحقت أخرى بدار الحرب (الشمال الإسباني)، وشمل الأمر المسيحيين كذلك (٤٥٩). وهذا يدل على سياسة متعصبة تنافي سماحة تعاليم الإسلام وموقفه من أهل الذمة. كما أجبر الخليفة أبو يوسف يعقوب (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) يهود المغرب على التحلي بزي خاص، يميزهم عن غيرهم (٤٦٠). ومن الطبيعي أن ينسحب هذا الأمر على ولاية الأندلس الموحدية. وعلى كل حال فإن النصارى في الأندلس كانوا أكثر حرية من اليهود، فلم يميزوا بلباس معين، كما أن الشعب الأندلسي يحس تجاههم بروابط عريقة لا يمكن أن يقارن بموقفه من اليهود (٤٦١). وفي عصر مملكة غرناطة، فإن العناصر السكانية في المجتمع النصري تتألف من العرب والبربر وبعض الجاليات الإسلامية التي وصلت الأندلس قادمة من الهند وخراسان وإيران وسكنت ضواحي غرناطة (٤٦٢). وهذه العناصر تشكل طائفة المسلمين بالمملكة. وسادت في هذه المملكة موجة الاعتزاز بالعروبة وبالانتماء إلى قبائلها وخصائصها (٤٦٣). وحظي المسيحيون برعاية هذه المملكة وحمت الكثير من سكان الشمال الإسباني الذين لجأوا إليها واعتنق قسمٌ منهم الإسلام. كما سهلت هذه المملكة للمسيحيين الإسبان حرية التجارة (٤٦٤). وبالإضافة إلى هؤلاء وجد الأسرى الذين كثر وجودهم في مملكة غرناطة بسبب حروب الجهاد. وقسم من هؤلاء الأسرى اعتنق الإسلام فعرف هؤلاء بالمرتدين، وقد لاقوا الأمرين بعد سيطرة الإسبان على مدن هذه الدولة (٤٦٥).

стр. 423

ووجدت طائفة في مملكة غرناطة تسمى (الفكاكين) ومهمتها تسهيل تبادل الأسرى بين مملكة غرناطة والممالك الإسبانية، وقد عرف الفكاكون بالاستقامة والصدق وتمتعوا بثقة الطرفين، ونالوا أجوراً عالية بدل أتعابهم (٤٦٦). وفي الوقت الذي استقبل فيه السلطان محمد الخامس عام ٧٦٦ هـ ثلاث مائة عائلة يهودية هربت من اضطهاد القشتاليين، مع لجوء يهود البليار وقطلونية إلى مملكة بني الأحمر، إلا أن بعض سلاطين بني الأحمر أجبروا اليهود على وضع شارة تميزهم عن المسلمين، ومنعوا من ركوب الجياد (٤٦٧)، ولقي هؤلاء اليهود الاضطهاد عندما سقطت مملكة غرناطة بيد الإسبان. وكانت للمرأة مركز جيد في مجتمع غرناطة، وقد عرف هذا المجتمع عدداً منهن اشتهرن في ميادين الأدب والعلم والسياسة، ومثال على ذلك: مريم أم إسماعيل التي كانت محظية لدى يوسف الأول، وكان لها الدور البارز في خلع محمد الخامس. وتزعمت الصراع على السلطة عائشة الحرة زوجة أبي الحسن علي بن الأحمر وخليلته ثريا، وهذا ما دفع بملك بني الأحمر إلى الهاوية. ومن النساء اللواتي اشتهرن في اللغة والأدب حمدونة بنت زياد وحفصة بنت الحاج الركونية، وأم الحسن بنت أبي جعفر الطنجالي التي لمع إسمها في حقلي الطب والأدب (٤٦٨). وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي في هذه المملكة فقد ظهرت فيها مجالس اللهو والترف حيث الشراب والرقص والغناء. ومعنى هذا أن المجتمع الغرناطي لم ينس حياة المرح حتى في أيام المحن، ولم تغمره الكآبة إلا عندما دق الإسبان أبواب غرناطة (٤٦٩). وكان الطاعون الأسود الذي انطلق من آسيا الوسطى عام ٧٣٥ هـ ووصل إلى أوروبا ماراً ببلاد إيطاليا وفرنسا ومنها إلى إسكندنافيا في عام ٧٤٨ هـ، وصلت رياحه إلى البليار وبرشلونة وبلنسية والمرية في عام ٧٤٩ هـ، ثم انتقل إلى مالقة، فحصد آلاف الناس من سكان مملكة غرناطة، وبخاصة مدن غرناطة وبلش ومالقة. كما عرف المجتمع النصري

стр. 424

الاهتمام بالصحة العامة، واشتهر المارستان في غرناطة والذي بني في عهد السلطان محمد الخامس، وكان هذا البناء مؤلفاً من جناحين واحد للرجال وآخر للنساء وكل جناح يتألف من طبقتين. بينهما بهو كبير في وسطه بركة ماء تصب فيها النافورات (٤٧٠). كما كانت رياضة الصيد وسباق الخيل ورمي الجريد من أهم أعمال التسلية في المجتمع النصري، ولعلها تمارين عسكرية مبسطة يتدرب عليها أفراد المجتمع الذي تتطلب ظروفه اليقظة والحذر والبسالة على الدوام (٤٧١). النظم القضائية: تعتبر خطة القضاء بالأندلس من أعظم الخطط عند الخاصة والعامة وذلك لتعلقها بأمور الدين، مع احترام ولاة الأمر فيها لهذه الخطة وتطبيقها على أنفسهم وحاشيتهم إذا اقتضى الأمر ذلك (٤٧٢). وخلال عصر الولاة ٩٥ - ١٣٨ هـ كانت الأندلس في فترة قلقة تعتمد الجهاد في سبيل الله في الشمال الإسباني أو وراء جبال البرتات، بالإضافة إلى بعض الصراعات الداخلية. ومعنى هذا أن صفة الجندية كانت غالبة على أهلها. ولهذا سمي القاضي في هذه الفترة بقاضي الجند (٤٧٣). وهذا تقليد قضائي موجود في شمال إفريقية خلال هذه الفترة (٤٧٤). وأشهر قضاة الجند المسلمين في الأندلس خلال عصر الولاة ثلاثة هم: القاضي مهدي بن أسلم، وهو من أبناء المسالمة، والقاضي عنترة بن فلاح والقاضي يحيى بن زيد التجيبي (٤٧٥). ومن خلال تراجم هؤلاء القضاة يتبين لنا ما يلي: ١ - إن بعضهم، القاضي يحيى بن زيد، على رواية إنه تولى قضاء الأندلس بأمر من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) (٤٧٦). وفي رواية أخرى إن والي

стр. 425

إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي إلى الأندلس الوالي أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي (١٢٥ - ١٢٨ هـ) ووجه معه يحيى بن يزيد التجيبي قاضياً (٤٧٧). ٢ - والي الأندلس هو الذي يعين قاضي الجند، كما هو حال القاضي مهدي بن أسلم الذي ولاه هذا المنصب والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي (١١٦ - ١٢١ هـ) (٤٧٨). ٣ - وصف جميع هؤلاء القضاة بالورع والتقوى، مع تميزهم بالتحري عن الحق، وإرجاعه إلى أهله، مع براعتهم في البلاغة والخطابة (٤٧٩). ٤ - كان هؤلاء القضاة يتقبلون النقد من الناس، ويصلحون أمورهم على ضوء هذا النقد، لأن القاضي يجب أن يكون صافي السريرة كورعه وتقواه في الظاهر، كما حصل للقاضي عنترة بن فلاح (٤٨٠). ٥ - وجد تقليد قضائي أندلسي خلال هذه الفترة بكتابة عهد تولية القاضي من قبل الوالي، ووجد أيضاً من باب إكرام القاضي أن القاضي نفسه كتب عهد التولية لنفسه كما حصل للقاضي مهدي بن أسلم (٤٨١). ومن خلال هذا العهد نرى: أ - التلطف مع الخصوم والاستماع لكل ما يقولون، وهذا تقليد إسلامي منذ فجر الإسلام. ب - تعقد مجالس القضاء في المسجد. ج - وردت في العهد وظائف تابعة لمنصب القضاء وهي: ١ - وظيفة الفتيا والمشورة وأعوان القاضي (المعينون). ٢ - الشهود والمزكون (الذين يزكون حجج الخصوم). ٣ - الاستعانة بالقاضي إبراهيم بن حرب. ولا توجد لدينا معلومات عن هذا القاضي (٤٨٢)، لكن يبدو لنا أن هذا القاضي كان قاضي الجماعة في قرطبة، وأن مهدي

стр. 426

ابن أسلم والقضاة الآخرين كانوا قضاة الجند الذين يفصلون في أمر الجند في العاصمة أو عندما يخرجوا معهم في معارك الجهاد، ودليلنا على ذلك، أنه على الرغم من وضوح منصب قاضي الجماعة بقرطبة في عصر الإمارة (٤٨٣)، لكن بقي منصب قاضي الجند بقرطبة وتولاه محمد بن بشير (توفي عام ١٩٨ هـ) (٤٨٤). ٦ - واحترم الحكم العربي في الأندلس خلال هذه الفترة أهل الذمة من اليهود والمسيحيين، وجعل لهم الحرية الكاملة في اختيار قضائهم وفض المنازعات التي تقع بينهم بموجب قوانينهم الخاصة ولا تتدخل الدولة في أمورهم، ولهذا وجد اسم قاضي العجم أو القومس. وفي الحالات التي يقع فيها الخصام بين مسلم وذمي يقوم القاضي المسلم بفض المنازعات، ولذا يجلس هذا القاضي في رحبة المسجد لكي يتمكن أهل الذمة الوصول إليه بيسر (٤٨٥). وفي عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ، استقرت الدولة العربية في الأندلس وبدأت نظمها تظهر أكثر وضوحاً مما كانت عليه في عصر الولاة. ولذا نرى في هذا العصر الاهتمام بنظم القضاء، وقد سار عبد الرحمن الداخل وأولادهُ وأحفادهُ الذين حكموا الأندلس من بعده على اختيار القضاة الجيدين الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم. ولهذا نرى من خلال كتب التاريخ التي تترجم حياة كل أمير أموي تشير إلى أهم قضاته (٤٨٦)، ونرى من خلال الكتب الأندلسية التي اهتمت بالقضاء أنها تروي حياة القاضي مشيرة إلى اسم الأمير الذي ولاه القضاء (٤٨٧). ولنظام القضاء في هذا العصر عدة مميزات أهمها: ١ - قاضي العاصمة قرطبة يسمى قاضي القضاة أو قاضي الجماعة وكانت سلطته لا تتجاوز حدود الإقليم أو المدينة نفسها. وكان للمدن والأقاليم الأندلسية الأخرى قضاة لا علاقة لهم بقاضي الجماعة، ولكن أحياناً كان الأمير يستشير قاضي الجماعة في تعيين

стр. 427

قضاة الأقاليم، وأحياناً يقوم بمهمة التحقيق مع قضاة الإقليم عندما يكلفه الأمير بذلك (٤٨٨). وقاضي الجماعة يقيم في العاصمة، وبقي منصب قاضي الجند الذي يرافق الجيوش في حلها وترحالها، وربما جمع المنصبان في شخص واحد كالقاضي يحيى بن زيد التجيبي فإنه كان قاضي الجماعة وقاضي العسكر لخروجه مع الأمير في الغزوات (٤٨٩). ٢ - ومن خلال دراسة نظام القضاء في عصر الإمارة، نرى إحجام عدد كبير من الفقهاء والعلماء على تولي خطة القضاء، وقد تذرعوا بحجج كثيرة للتخلص من تولي هذا المنصب، فمنهم من هرب بعد إجباره على تولي القضاء، ومنهم من تعرض للخطر بسبب امتناعه، لأن هذا الامتناع كان يغضب الأمير الأموي، الذي يوشك أن يفتك بهذا الرجل، ومنهم من مد عنقه لضربه بالسيف تحدياً لسلطة الأمير وامتناعاً عن قبول هذا المنصب. وأكثر الأحيان يخضع الأمير الأموي لرغبة الممتنع، ولكن يترجاه أن يشير عليه بمن يصلح أن يتولى هذا الأمر (٤٩٠). ٣ - من المعروف أن للقاضي راتباً حددته له الدولة من بيت المال (٤٩١)، ولكن نرى في الأندلس أن بعض القضاة أمثال محمد بن إسحاق بن السليم كان يصيد السمك في نهر قرطبة ويقتات من ثمنها ولا يؤخذ رزقاً من الدولة (٤٩٢). ووجد من قضاة الأندلس من امتنع عن أخذ الأجور عن يوم العطل والجمع، وعن الأيام التي لم ينظر فيها للقضاء بسبب انشغاله بأمور أخرى أمثال القاضي سليمان بن أسود الغافقي، وعمر بن شراحيل المعافري وغيرهم، ومنهم من بقي على حاله لم يغيره المنصب أمثال القاضي محمد بن سلمة الذي بقي يسكن داراً للإيجار (٤٩٣). ٤ - وجد في نظام القضاء الأندلسي خلال عصر الإمارة، نظام المناوبة على منصب

стр. 428

قاضي الجماعة بقرطبة، فيعطى عاماً لقاضي، وعاماً لقاضي آخر، وقد تناوب على هذا المنصب القاضي معاوية بن صالح الحضرمي والقاضي عمر بن شراحيل المعافري، وإذا نسي الأمير (وبخاصة في عصر الداخل) عملية المناوبة يذكره القاضي صاحب الدور بهذا الأمر (٤٩٤). ٥ - وعهد إلى القاضي بجانب منصبه الرسمي أعمالاً أخرى، فالأمير عبد الرحمن الداخل كلف القاضي معاوية بن صالح الحضرمي بأن يذهب إلى بلاد الشام لجلب أخته أم الأصبغ، وهو الذي جلب للأندلس بعض تحف أهل الشام منها الرمان والذي عرف فيما بعد بالرمان السفري (٤٩٥). وبجانب القضاء تولى هذا القاضي أيضاً الصلاة في المسجد الجامع وكذلك الخروج في الجيش للجهاد في سبيل الله، حيث خرج هذا القاضي مع الأمير الداخل في غزوة سرقسطة التي حارب بها ابن الأعرابي. والقاضي الفرج بن كنانة الذي خرج مع القائد عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى الشمال الإسباني يمارس الجهاد ورابط هناك (٤٩٦). ٦ - ونرى من خلال دراستنا لنظام القضاء الأندلسي في عصر الإمارة، تميز القضاة بصفة الورع والتقوى والصلابة التي تصل أحياناً إلى تحدي الأمير وحاشيته. فنرى مثلاً القاضي نصر بن طريف اليحصبي يقف بصلابة أمام الأمير عبد الرحمن الداخل حول قضية حبيب القرشي (٤٩٧). وكذلك القاضي المصعب بن عمران قاضي الأمير الحكم الذي حكم عدلاً في قضية ضيعة أحد أهالي جيان متحدياً الأمير وقريبه العباس بن عبد الملك الذي اغتصب هذه الضيعة (٤٩٨). وكذلك القاضي محمد بن بشير المعافري الذي تولى القضاء للأمير الحكم على شروط منها: أن أحكامه تطبق على الجميع من الأمير إلى حارس السوق. وبالفعل نفذ أحكامه على الأمير الحكم حول رحى القنطرة، ورفض كذلك شهادة الأمير الحكم في قضية سعيد الخير بن الأمير عبد الرحمن الداخل (عم

стр. 429

الأمير الحكم) (٤٩٩). وكان الموقف الصلب الذي وقفه القاضي سليمان بن الأسود الغافقي في وجه الأمير محمد والي ماردة، في عهد أبيه الأمير عبد الرحمن، في قضية الجارية التي تعود لليهودي، هذا الموقف هو الذي دفع الأمير محمد عندما تولى الحكم أن يعين هذا القاضي، قاضياً للجماعة بقرطبة (٥٠٠). ٧ - كان قضاة الأندلس، وبالذات قاضي الجماعة، إذا أشكل عليهم أمرٌ قضائي أو فقهي، استعانوا برأي زملائهم قضاة المشرق، وهذا يدل بوضوح على الصلات الفكرية المتصلة التي تتجاوز الخلافات السياسية. فنرى القاضي يحيى بن معمر قاضي الأمير عبد الرحمن الداخل إذا أشكل عليه أمرٌ كتب به إلى القاضي أصبغ بن الفرج وزملائه في مصر. وكذلك القاضي محمد بن بشير المعافري قاضي الأمير الحكم إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى القاضي عبد الرحمن بن القاسم. هذا بالإضافة إلى رحلة بعضهم إلى المشرق بنفسه كرحلة القاضي عامر بن معاوية قاضي الأمير المنذر (٥٠١). ٨ - من المعروف لدينا، أن علماء الأندلس عموماً كانوا يشدون الرحال إلى المشرق للتزود بالعلوم ومن ثم الرجوع إلى الأندلس لينشروها في ربوع بلادهم. ولكن وجد لدينا ومن خلال دراسة نظام القضاء في عصر الإمارة، ونظراً للمكانة الجليلة التي وصل إليها قاضي الجماعة في قرطبة، أن علماء من المشرق رحلوا على الأندلس، وأخذوا منه العلم، أمثال القاضي معاوية بن صالح الحضرمي الذي رحل إليه زيد بن الحباب من الكوفة فسمع منه بالأندلس حديثاً كثيراً (٥٠٢). ٩ - وجد خلال دراستنا للقضاء في هذا العصر تهاون بعض القضاة في أحكامهم مما دفع الأمراء إلى عزلهم والاستغناء عن خدماتهم، وهذا التهاون تراوح بين الاستعجال في الأحكام مثل القاضي معاذ بن عثمان الشعباني (٥٠٣)، أو التهاون في إقامة حد شرعي، كتهاون القاضي محمد بن زياد اللخمي في سفك دم ابن أخ عجب حظية

стр. 430

الأمير الحكم الذي اتهم بالزندقة (٥٠٤). ١٠ - ويبدو كذلك، أن نظام القضاء في الأندلس واعتباراً من عصر الإمارة كان مكتمل الجوانب، فهناك مجلس الشورى أو المشاورة الذي يجمعه الأمير في أمر جلل، ويشمل قاضي الجماعة وفقهاء الأندلس وسمي هذا المجلس بالأندلس بـ (مجلس النشمة)، هذا المجلس هو الذي نظر في قضية ابن أخ عجب المارة الذكر (٥٠٥). وكان كذلك للقاضي أعوان يسمون بـ (أعوان القاضي) وهم الذين يستدعون الخصوم إلى مجلس القضاء في المسجد الجامع (٥٠٦). وهم الذين يسمون أيضاً بـ (القَوَمة)، وهناك الأمناء الذين يعتمد عليهم القاضي وهم الذين يشرفون على التركات والودائع (٥٠٧). كما كان للقاضي كاتب، كما وجد السجن لمعاقبة المخالفين. وهناك صاحب الوثائق الذي يقدم وثائق الدعاوى لكي ينظر فيها القاضي (٥٠٨). وفي عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ، استمرت هذه القواعد العامة للقضاء ثابتة الأركان، تنمو وتزدهر تحت رعاية خلفاء قدروا أهمية القضاء فاختاروا لهذا المنصب أفقه الناس وأكثرهم علماً وتديناً. فنرى القاضي الصلب الذي لا يخشى في الحق لومة لائم أمثال المنذر بن سعيد البلوطي الذي تعرض للناصر علناً وانتقده على إسرافه في بناء مدينة الزهراء، وكان رد فعل الناصر أنه أقسم أن لا يصلي وراءه في مسجد الزهراء. وكان يذهب إلى قرطبة ويصلي في مسجدها (٥٠٩). ونجد كذلك الصلاحيات الواسعة التي أعطيت للقاضي، فكان الناصر إذا خرج من العاصمة استخلف على قصره القاضي أسلم ابن عبد العزيز، بالإضافة إلى تكليف القاضي بمهمات أخرى مثل السفارات إلى كبار الأمراء، والإشراف على الثغور، وقيادة الجيوش إلى الشمال الإسباني أمثال القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى، والقاضي الحسن بن عبد الله الجذامي (٥١٠).

стр. 431

من المميزات المهمة التي ظهرت في النظام القضائي خلال عصر الخلافة هي: ١ - أسرف بعض القضاة أمثال القاضي أسلم بن عبد العزيز في ضرب الجناة والمخالفين بالسياط (٥١١)، ويبدو أن هذه الظاهرة أصبحت مكروهة لدى القضاة الآخرين، فلهذا نرى القاضي أحمد بن بقي بن مخلد والقاضي محمد بن يبقى بن زُرب، لم يضربا أحداً بالسياط، إلا من استحق ذلك من الفسقة والمارقين (٥١٢). ٢ - تولى القاضي مهمات جديدة خلال هذه الفترة، وهي مطاردة المذاهب الفلسفية بالأندلس، وبخاصة مطاردة أتباع مدرسة ابن مسرة الفلسفية المشهورة، فتولى هذه المهمة القاضي محمد بن يبقى بن زرب بمطاردة أتباع هذه المدرسة، ومقارعتها فكرياً كذلك بوضع كتاب يرد فيه على آراء ابن مسرة (٥١٣). كما تولى بعض قضاة قرطبة محاربة الملاهي ومجالس الطرب، ويأمر أتباعه بكسر أدواتهم (٥١٤). ٣ - في عصر الخلافة وبالذات في فترة الحجابة، سمي قاضي الجماعة بقرطبة بقاضي القضاة وأول من تسمى به القاضي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان، وهو الذي شارك المنصور في معظم غزواته، وأفرد له بيتاً خاصاً داخل القصر لكي يكون قريباً من الحاجب المنصور حتى يشاوره في معظم الأمور (٥١٥). ٤ - ضمت إلى قاضي القضاة مناصب أخرى مهمة كمنصب الوزارة الذي أضيف إلى ابن ذكوان (٥١٦)، وصاحب المظالم (ولاية المظالم) التي أعطيت إلى القاضي أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن فطيس، مع خطة الوزارة أيضاً والصلاة (٥١٧)، وهي صلاحيات واسعة جداً كما نرى. وخلال فترة الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ نرى أن نظام القضاء أصابه الخلل الذي عم سائر نظم الأندلس، ومن المميزات الجديدة التي ظهرت في هذه الفترة:

стр. 432

١ - انتهاك حرمة القضاء، وإهانة القاضي الذي أصبح أضحوكة وألعوبة بيد الغوغاء، كما حصل للقاضي يحيى بن وافد اللخمي الذي تخلص من الصلب بأعجوبة، إلا أنه سجن ومات في سجنه عام ٤٠٤ هـ (٥١٨). ٢ - تعطيل خطة القضاء أكثر من ثلاث سنوات خلال هذه الفترة وبالذات في عهد حكم سليمان بن الحكم (المستعين ٤٠٣ - ٤٠٧ هـ) وقد أعادها بنو حمود مرة أخرى وعهدوا بها إلى القاضي عبد الرحمن بن بشر (٥١٩). ولما سقطت الخلافة الأندلسية عام ٤٢٢ هـ كان للقضاة نصيب وافر من تركتها، فأبو الحزم بن جهور قاضي الجماعة في قرطبة أسس دولة الجهاورة فيها (٥٢٠). والقاضي إسماعيل بن عباد قاضي إشبيلية، أسس بها إمارته فقامت إمارة بني عباد فيها (٥٢١). والقاضي محمد بن الحسن الجذامي النباهي الوزير القاضي في إمارة بلقين بن باديس في غرناطة ومالقة، حيث تولى خطة القضاء والوزارة في جميع كورة رية (٥٢٢) ونرى خلال عصر الطوائف عدة مظاهر فيما يتعلق بالقضاء: ١ - جرف تيار الفتنة بعض القضاة، وركضوا وراء أهوائهم فأيدوا الفرقة والانقسام، وكانوا أكبر عضد لأمراء الطوائف في تبرير طغيانهم وظلمهم وتزكية تصرفاتهم (٥٢٣). ٢ - تزعم صالح العلماء وخيرة القضاة الدعوة إلى توحيد الأندلس في أيام الطوائف، مدفوعين للقيام بهذا العمل سواءً حسبة لله تعالى، أو بتكليف من بعض أمراء الأندلس ويأتي في مقدمة هؤلاء القضاة الصالحين: القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٥٢٤). وشاركه في هذه المهمة ابن حزم الأندلسي من خلال نقده اللاذع لملوك الطوائف، وكذلك ابن حيان (٥٢٥).

стр. 433

٣ - تزعم بعض القضاة ثورة بعض المدن الأندلسية ضد حكامها الخاضعين لملوك الإسبان. وتأتي في مقدمة هذه المدن، مدينة بلنسية التي ثار أهلها على حاكمها القادر ابن ذي النون بقيادة قاضيها أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحاف المعافري، فقتلوه عام ٤٨٥ هـ، وتولى أمرها هذا القاضي (٥٢٦). حاصر الكمبيادور بلنسية على أثر هذه الثورة واستمر حصاره لها من عام ٤٨٥ هـ إلى عام ٤٨٧ هـ فدخلها غاضباً، وأهان أهلها، وأحرق علمائها، وأول من وقع عليه الحرق قاضيها ابن جحاف المعافري وذلك في عام ٤٨٨ هـ (٥٢٧). ٤ - ساهم الفقهاء والعلماء والقضاة في تهيئة الأمور لعبور المرابطين إلى الأندلس خلال عصر الطوائف. سواء أولئك الفقهاء الذين عبروا إلى عدوة المغرب يطلبون العون من أمير المرابطين، أم أولئك القضاة الذين أرسلهم بعض أمراء الطوائف إلى المغرب وهم: قاضي بطليوس أبو إسحاق بن مقنا، وقاضي غرناطة القليعي، وقاضي إشبيلية أبو بكر بن أدهم، إلى يوسف بن تاشفين للاتفاق معه على خطة العبور إلى الأندلس (٥٢٨). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، واعتمدت الدولة المرابطية الدين في جميع أحكامها واعتمدت كثيراً على العلماء والفقهاء. ومن مميزات قضاء الأندلس خلال هذه الفترة: ١ - اشتراك القضاة في حروب الجهاد ضد الممالك الإسبانية التي دخلت حرباً ضروساً ضد المرابطين في الأندلس. فلما انهزمت القوات المرابطية أمام قوات ألفونسو الأول المحارب ملك أرغون عام ٥١٤ هـ في معركة قتندة، استشهد كثير من المسلمين في هذه المعركة ومن بينهم العديد من العلماء والفقهاء منهم القاضي أبو على الصدفي (٤٥٢ - ٥١٤ هـ) والقاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن الفراء قاضي المرية (٥٢٩). وممن حضر هذه المعركة أيضاً القاضي الإشبيلي أبو بكر بن العربي (٥٣٠).

стр. 434

٢ - مشاركة القضاة في هذا العصر في أحداثه السياسية المهمة، وأفتوا بأمور خطيرة أقرتها دولة المرابطين. يتمثل هذا بدور قاضي الجماعة بقرطبة أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد الذي عبر إلى الأندلس وقابل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وشرح له أحوال الأندلس، وما أصابها من حملة ألفونسو المحارب المدمرة عام ٥١٩ هـ بسبب استدعاء المعاهدين له، فأفتى بتغريبهم وإجلائهم من أوطانهم عقاباً لهم على هذا التآمر (٥٣١). أخذ علي بن يوسف بهذه الفتوى، وصدر عهده إلى جميع بلاد الأندلس بتغريب المعاهدين إلى عدوة المغرب، فنفيت منهم جموع غفيرة في رمضان عام ٥٢١ هـ (٥٣٢). ٣ - في عام ٥٠٣ هـ صدرت أوامر علي بن يوسف بحرق كتب الغزالي وبخاصة كتاب إحياء علوم الدين، فتم إحراقها في المغرب والأندلس، واستمرت دولة المرابطين في سياستها هذه إلى آخر عهدها، حيث وجهت رسالة في عام ٥٣٨ هـ من قبل تاشفين ابن علي إلى أهل بلنسية، يحدد فيها مناط الفتيا ومصدر الأحكام وهو مذهب مالك، ومحاربة البدع وكتبها وبخاصة كتب الغزالي (٥٣٣). وقد استند الفقهاء في تبرير ذلك إلى احتواء كتاب الإحياء على علم الكلام والفلسفة. وهذا الأمر يدل على أن الدولة كانت خاضعة لسلطة الفقهاء، ويدل أيضاً على أن المذهب المالكي كانت له السيطرة على الجميع (٥٣٤). وربما كان ذلك بسبب ما وجد في كتاب الإحياء من هجوم على طبقة العلماء والفقهاء الذين يتخذون من العلم والدين مطية لتحقيق أطماع دنيوية من ثراء وجاه. وقد عارض بعض قضاة الأندلس عملية الإحراق هذه، ويأتي في مقدمتهم قاضي المرية أبو الحسن البرجي (٥٣٥). ٤ - كلفت الدولة المرابطية بعض قضاة الأندلس بمهمات سياسية ودبلوماسية كبيرة. فقد أرسل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين عبدَ الله بن محمد العربي المعافري

стр. 435

وولده محمد الملقب أبو بكر قاضي إشبيلية في سفارة إلى بغداد (٤٨٥ - ٤٩٣ هـ) من أجل إحضار تفويض الخلافة العباسية بصحة ولاية يوسف بن تاشفين، ووجوب طاعته، وإحضار فتوى من الإمام الغزالي بهذا المعنى (٥٣٦). وقد أفلحت هذه السفارة في مهمتها (٥٣٧). ٥ - تزعم الفقهاء والقضاة ثورة أهل الأندلس على المرابطين في السنوات الأخيرة من الحكم المرابطي بالأندلس. وكان من الزعماء الفقيه محمد بن المنذر الذي سيطر على مدينة باجة (٥٣٨). وكذلك القاضي حمدين بن محمد بن حمدين التغلبي الذي سيطر على قرطبة ولقبوه أمير المسلمين المنصور بالله (٥٣٩). وتزعم قاضي غرناطة الثورة ضد المرابطين وهو (أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى) (٥٤٠). وفي مدينة مالقة ثار قاضيها (أبو الحكم بن حسون) على المرابطين ودعا لنفسه وحاصر المرابطين في المدينة حتى أخرجهم منها (٥٤١). وكذلك ثار في جيان قاضيها يوسف بن عبد الرحمن بن جزي وأنشأ بها حكومة مستقلة (٥٤٢). وفي بلنسية تجمع الثوار تحت زعامة قاضيها أبي عبد الملك مروان بن عبد العزيز الذي قبل الأمر مكرهاً (٥٤٣). ومن الملاحظ أن أكثر ثوار الأندلس ضد المرابطين هم من الفقهاء والقضاة وأعلام الأدب، وهذا يعود إلى المركز والنفوذ الذي تمتعوا به في ظل دولة المرابطين حتى تركزت فيهم عناصر الزعامة المحلية، فلما بدأ سلطان المرابطين بالأفول قام هؤلاء الفقهاء والقضاة بزعامة مدنهم من أجل استرداد سلطانهم القومي. إلا أن معظم هذه الثورات تم القضاء عليها إما بواسطة القوات المرابطية المتواجدة في ولاية الأندلس، أو بانضواء قادتها تحت لواء الدولة الموحدية الجديدة (٥٤٤).

стр. 436

ثم أصبحت الأندلس ولاية موحدية، وتميز النظام القضائي فيها بعدة مميزات وأهمها: ١ - يقوم الخليفة الموحدي بتعيين قضاة الجماعة في سائر المدن الكبرى، دون تدخل ولاة هذه المدن. وشمل هذا الإجراء الأندلس التي يعين لها قضاة من أبنائها، إلا أن الدولة الموحدية أحياناً تولي القضاء ببعض المدن الأندلسية بعض المشهورين من قضاة المغرب، ومثال على ذلك أن أبا عبد الله محمد بن يخلفتين التلمساني ولي قضاء مرسية ثم قضاء قرطبة، وأن ابن جبل الهمداني من أهل وهران ولي قضاء إشبيلية عام ٥٩٢ هـ (٥٤٥). وفي الوقت نفسه كان الخليفة الموحدي يختار لقضاء الجماعة بمراكش بعض القضاة البارزين من أهل الأندلس أمثال أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن بقي بن مخلد قاضي القضاة بالمغرب وهو من أهل قرطبة، وغيره (٥٤٦). وهذا يعود إلى تفوق القضاة الأندلسيين في الفقه المالكي، وفي ممارسة الأحكام وتطبيقها (٥٤٧). ٢ - عانت الأندلس خلال حكم الموحدين من خطر الممالك الإسبانية، ودارت رحى الحرب بين الطرفين على أراضيها، وقد شارك الكثير من قضاة الأندلس خلال هذه الفترة في معارك الجهاد أمثال القاضي محمد بن حسن صاحب الصلاة الذي استشهد في وقعة العقاب عام ٦٠٩ هـ، وكذلك القاضي إبراهيم بن أحمد الأنصاري الذي استشهد في جزيرة ميورقة عام ٦٢٧ هـ عندما هاجمتها الأساطيل الأوروبية والإسبانية، والقاضي أبو الربيع سليمان بن موسى الحميري الكلاعي الذي استشهد عام ٦٣٤ هـ في معركة أنيشة قرب بلنسية (٥٤٨). ٣ - في هذه الفترة التي شهدت ثورات ابن هود وابن غانية على الموحدين. فإن هؤلاء الأمراء اهتموا بالقضاء وولوه خيرة القضاة في مناطق نفوذهم. فالأمير محمد بن يوسف بن هود عهد بقضاء مالقة إلى القاضي محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن النباهي، وكذلك ولّى قضاء قرطبة للقاضي ربيع بن عبد الرحمن الأشعري (٥٤٩) أما الأمير

стр. 437

إسحق بن محمد بن غانية أمير ميورقة، فعهد بقضاء الجزيرة إلى إبراهيم بن أحمد الأنصاري الشهيد (٥٥٠). ٤ - أعطيت صلاحيات واسعة لبعض القضاة بالأندلس، فأضيفت إلى أعمالهم أيضاً النظر في الحسبة والنظر في أمر الشرطة وغيرها من الأعمال. ومن القضاة الذين تولوا مثل هذه الأمور القاضي عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي الملقب بابن الفرس (٥٢٤ - ٥٩٧ هـ) (٥٥١). وفي عصر مملكة غرناطة كان يطلق على رئيس القضاة اسم قاضي الجماعة وقاضي الحضرة وقاضي غرناطة. ويليه مرتبة قضاة مالقة والمرية ووادي أش ورندة وبسطة وسواها من المدن الكبرى في المملكة، ولقاضي الجماعة سلطة على سائر القضاة فيشرف على أعمالهم ويرشدهم، ويراقب سلوكهم، ويتأكد من صحة الأحكام التي تصدر عنهم. إلا أن تلك السلطة كانت مبدئية لأن السلطان النصري كان يصدر مرسوماً يعرف باسم (ظهير ملكي) يعين بموجبه قضاة الأقاليم دون الرجوع إلى قاضي الجماعة (٥٥٢). ومن أشهر قضاة الجماعة بغرناطة في هذه الفترة القاضي يحيى بن عبد الرحمن الأشعري (توفي عام ٦٣٩ هـ)، والقاضي أبو بكر محمد الأشبرون، الذي تولى أيضاً السوق والشرطة (توفي عام ٦٧١ هـ) (٥٥٣). ومن أشهر قضاة المملكة والذين تولوا القضاء في مدينة مالقة القاضي الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي، وكان صلباً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان لا يقبل شهادة من يأكل الحرام (٥٥٤). وشارك القضاة في معارك الجهاد التي خاضتها مملكة غرناطة ضد الممالك الإسبانية التي كانت تهدف إلى ابتلاع هذه المملكة. ففي عهد السلطان محمد الرابع (٧٢٥ - ٧٣٣ هـ) تولى منصب قاضي الجماعة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحيى الأشعري المالقي والذي استشهد في عهد السلطان يوسف الأول (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) في معركة طريف (٥٥٥).

стр. 438

وقام قاضي الجماعة في مملكة غرناطة بمهام دبلوماسية، فالسلطان محمد الخامس أرسل القاضي أبا البركات الحاج إلى بلاط فاس في مهمة سياسية. وعندما كانت المملكة في آخر أيامها انتقل قاضي الجماعة ابن الأزرق إلى مصر ليطلب النجدة من المماليك في عهد السلطان قايتباي، وكذلك بعثة القاضي أبي بكر يحيى بن مسعود المحاربي إلى المغرب (٥٥٦). النظم الاقتصادية: عندما تم لقاء موسى بن نصير وطارق بن زياد عام ٩٤ هـ/٧١٣ م، وسارا سوية صوب طليطلة ينتظران انتهاء فصل الشتاء، من أجل استكمال فتح الشمال الإسباني، ضرب موسى بن نصير أول عملة ذهبية ليدفع منها رواتب جنده. ومعروف أن ضرب العملة كان من حق الخليفة نفسه، لكن الذي يبدو أن موسى قد خول بهذا الأمر من قبل الخليفة، سواء في أفريقية أو في الأندلس. وقد كان المسلمون يتعاملون خلال عام ٩٢ وإلى عام ٩٤ هـ بإسبانيا بالعملة الإفريقية التي ضربها موسى في عام ٩٠ هـ. وقد رسمت هذه الدنانير الأندلسية الجديدة على هيئة العملة الإفريقية وكانت لاتينية عربية، ففي ناحية منها كتب (محمد رسول الله) يحيط به نص لاتيني على هيئة دائرة، وفي الناحية الأخرى نجمة ذات ثمان أذرع حولها كتابات لاتينية، ويلي ذلك تاريخ سكها وهو عام ٩٧ هـ، وكذلك ضرب موسى عملة برونزية صغيرة لاتينية الكتابة (٥٥٧). ولعلنا لا نميل إلى وجود الكتابة اللاتينية على النقود لأن الدولة الأموية عربت نقودها زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (٦٥ - ٨٦ هـ) (٥٥٨). وقد وضحت لنا بعض الدراسات، بأن موسى ضرب أول النقود الإسلامية في الأندلس، وكانت نسخاً لشكل نقود البلاد القديمة سواء من ناحية النوعية أو من ناحية الكتابة عليها بأحرف لاتينية والاحتفاظ بالرسوم التي كانت عليها قبلاً. والشيء الجديد فيها استبدال التعابير المسيحية بأخرى إسلامية ووضع التاريخ الهجري عليها (٥٥٩). وإذا استثنينا وجود والٍ للأندلس، وقاضٍ إلى جانبه يسمى قاضي الجند، نجد

стр. 439

بعض الوظائف التي يمكن أن نعتبرها وظائف مالية، مثل: صاحب أزمة الأرض والخراج، وصاحب الغنائم (٥٦٠). إلا إننا لم نعثر على إشارة تدل على إرسال أموال من هذا البلد الغني سواء إلى والي إفريقية أو إلى خليفة دمشق (٥٦١). ما عدا الغنائم التي أخذها موسى وطارق عند رجوعهما إلى الشام. فالغالب أن عامل الأندلس كان ينفق أموال الأندلس على الجند والحملات العسكرية والمرافق العامة (٥٦٢). جاء في نص الرسالة التشريفية: " وأما سائر النصارى الذين كانوا في المعاقل المنيعة، والجبال الشامخة، فأقرهم موسى بن نصير على أموالهم ودينهم بأداء الجزية، وهم الذين بقوا على ما حيز من أموالهم بأرض الشمال، لأنهم صالحوا على جزاء منها مع أداء الجزية ... " (٥٦٣). كما جاء في النص أيضاً: " ... وإنه لما هزم لذريق لم يقف المسلمون بعد ذلك ببلد إلا أذعنوا إلى الصلح. ولذلك بقي الروم فيها على أرضهم وأموالهم يبيعون ويباع منهم " (٥٦٤). كما يذكر لنا المقري بعد وصول موسى إلى الشمال الإسباني فيقول: " ... وأطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية " (٥٦٥). ومعنى هذا أن أراضي الشمال الإسباني التي ذكرتها هذه المصادر، والتي حددت بالأراضي الواقعة شمالي نهر الوادي الكبير (٥٦٦)، قد فتحت صلحاً ورضي أهلها بدفع الجزية والعيش بسلام في ظل الحكم العربي الإسلامي. أما الأراضي الجنوبية، أي التي تقع جنوبي نهر الوادي الكبير، فتعتبر أرض عنوة أي فتحت بقوة السيف فوزعت على المحاربين وأعطيت لهم سجلات بتمليكها (٥٦٧). وقد خمس السمح هذه الأرض، أي مسحها وقرر عليها الخراج بنسبة الخمس (٥٦٨). وكانت مصادر الأموال: الغنائم عن طريق الجهاد، والجزية التي يدفعها أهل الذمة

стр. 440

بواسطة القومس (٥٦٩)، والموارد التي يدفعها أهل البلاد بموجب معاهدات الصلح، وموارد الزراعة من قبل الفاتحين العرب بأراضيهم التي تملكوها وسكنوها، كما كان المزارعون القوط الذين يشتغلون بزرع الأرض، يدفعون للمالك أو للقبيلة المالكة ثلثي أو ثلاثة أخماس المحصول. فكان من أثر ذلك أن تحسنت أحوال المزارعين، كما أدى في الوقت نفسه إلى تقسيم الملكية وتمزيق الملكيات الكبيرة، كذلك تحسنت حال العبيد لأن المسلمين كانوا يعاملونهم بأفضل مما كان القوط يعاملونهم (٥٧٠)، هذا بالإضافة إلى موارد الزكاة التي يدفعها أغنياء المسلمين بالأندلس. فتح المسلمون أرض الأندلس بأشكال مختلفة، فبعضها فتح عنوة (أرض الجنوب) وبعضها وجده المسلمون خالياً فاستوطنوه، وبعضها نزل أهله على الصلح فاحتفظوا بأراضيهم وجرى التعامل بينهم وبين الفاتحين بموجب شروط معاهدة معقودة بين الطرفين. وهذه الشروط بصورة عامة شملت أمرين: الأول أن يدفع هؤلاء جزية على رؤوسهم، والثاني خراجاً على أراضيهم، وكان على الأغلب جزءاً من غلة الأرض يعادل الثلث أحياناً والربع حيناً آخر حسب طيب الأرض وغلتها (٥٧١). وما عدا ذلك، فإن جميع الأراضي الأخرى التي وقعت بيد المسلمين سواء منها المفتوحة عنوة، أو الخالية التي هرب منها أصحابها من النبلاء ورجال الكنيسة. فتقاسمه الفاتحون على أساس نزول كل قوم فيما طاب له من الأرض (٥٧٢). أما حق بيت المال في هذه الأراضي، فلم يحاول موسى بن نصير أن يقتطعه من الأراضي كلٌ حسب طريقة فتحها، أي أن يعامل قسماً منها كفيء، ويعامل القسم الآخر كغنيمة، بل عاملها كلها معاملة الغنيمة، ولم يحاول موسى أن يأخذ من الأراضي والسبي إلا الخمس، وبعد أن أخذ من خمس السبي ما اختاره لحمله إلى دمشق وترك بقيته (أي السبي) على أرض الخمس كي يثلث مال المسلمين، وعرف هؤلاء باسم الأخماس وأطلق على أبنائها بنو الأخماس (أولاد الأخماس) (٥٧٣). ونظراً لضيق الوقت وسرعة استدعاء موسى إلى الشام بقيت بعض الأراضي دون تخميس، وقد تعلل

стр. 441

الفاتحون برغبتهم بالعودة إلى المشرق، فأرضاهم الخليفة الوليد بإقرارهم على ما بأيديهم من الأراضي، معتبراً هذه الأراضي ثغراً، وتوجد دلائل على قيامه بإقطاع أراضي لغيرهم تشجيعاً على الإقامة في الأندلس (٥٧٤). وفي عهد الوالي السمح بن مالك الخولاني الذي كلف بإكمال التخميس وتمييز أرض العنوة عن أرض الصلح ليصح التخميس. ومن هذا نستدل بأن الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) كان يرى أن بعض أراضي الأخماس كانت في أيدي الفاتحين، كما أن بعض أراضي الخراج - أي أراضي الصلح، اختلطت بغيرها وربما اشتراها الفاتحون من أصحابها فانقلبت من أرض خراجية تدفع نسبة عالية من الضرائب (مثالثة أو مرابعة) إلى أرض عشرية، وقد منع عمر بن عبد العزيز هذا العمل في المشرق، وربما أراد أن يطبقه في المغرب. وفي كلا الحالتين ما يعرض مصالح النازلين في الأندلس، فأعلنوا عن رغبتهم بالرجوع إلى المشرق، فأقرهم عمر على ما بأيديهم وعلى ما سجله لهم الوليد وموسى وأمر واليه السمح بأن يقر القرى بأيدي أصحابها. وأن يقطع الجند المرافقين له (عددهم ما يقارب ٥٠٠ رجل) من أراضي الأخماس (٥٧٥). وهذه الطريقة في تقسيم أراضي الأندلس جعلت بعض الفقهاء يعتبرون أن أرض الأندلس لم تقسم تقسيماً شرعياً، ونجد هذا الرأي عند ابن حزم القرطبي وغيره، وبلغ من شيوع فكرة اللاشرعية من تملك أرض الأندلس أن أحد الباحثين في الفلاحة علل خصب أراضي تدمير (مرسية) وطيب ثمرها لأن أهلها صالحوا موسى فلم يملك منها شيء إلا عن حق (٥٧٦)، ومعنى هذا أن كثيرين كانوا يرون أن تقسيم أرض الأندلس تحكمت فيه الغلبة وليس الشرع، ومن الطبيعي أن يحصل النزاع حول ملكيتها، وأن تحاول الأطراف المختلفة من عناصر وقبائل الفاتحين أن تقتطع أكبر قسم منها، وبهذا كانت قضية توزيع الأراضي عاملاً في كل نزاع بين فاتحي الأندلس (٥٧٧). عرفت الأندلس بالغنى وخصبة الأرض ووفرة الموارد الاقتصادية حتى وصفت بجنة

стр. 442

الخلد حيث قال الشاعر ابن خفاجة: يا أهل أندلس! لله دركم ... ماء وظل وأنهار وأشجار ما جنة الخلد إلا في دياركم ... ولو تخيرت هذي كنت أختار (٥٧٨) ولهذا نرى بلج وجماعته الشاميين رغبوا ببلاد الأندلس عندما دخلوها واستطيبوا مواردها، فأحدثوا الفتن المعروفة والتي ذهب بلج ضحيتها، فوزع الوالي الجديد أبو الخطار أتباع بلج على الكور فأنزلهم على ثلث أموال أهل الذمة مقابل أن يؤدوا الخدمة العسكرية، فسميت هذه الكور بالكور المجندة (٥٧٩). وكان من أغراض التقسيم الإداري في الأندلس، ضبط الضرائب، ويعني ذلك أن الأقليم يعتبر وحدة مالية في نظر الدولة، وكل إقليم يضم عدداً من القرى. فهناك قرى تدفع العشور، وهي قرى الحبوب والزراعات، وقرى تؤدي جبايات تحدد بحسب طبيعة إنتاجها وهي نواحي الثمار والأشجار والزيتون والغابات. وأحسن مثال لذلك أقاليم سرقسطة عند العذري (٥٨٠)، حيث يتضح منها بأنها تحديدات زراعية تعنى بالري والأنهار والعيون وما تسقيه. والتقسيم الزراعي في أساسه مالي، لأن الذين يرسمونه ينظرون إلى ما يغله كل قسم وما يؤديه من جباية (٥٨١). وقد عمل الوالي يوسف الفهري ١٢٩ - ١٣٨ هـ على تعديل نظام الضرائب فاقتضى ثلث الدخل من كل ولاية، ولكنه أمر بمراجعة السجلات القديمة، واستبعاد الأموات منها، وكانت الضرائب ما تزال تجبى طبقاً للإحصاء القديم، فكان في ذلك إرهاق للسكان، فقرر يوسف أن تجبى الضرائب من الأحياء فقط، وأسقطها عمن توفوا، واكتسب بذلك عطف كثير من الإسبان المسيحيين بصورة خاصة (٥٨٢). كما كانت بعض الدلائل تشير إلى غنى بعض ولاة الأندلس وكبار زعمائها، فكان الصميل بن حاتم يمتلك داراً كبيرة وتقع خلف هذا الدار عقدة الزيتون المشهورة التي تضم مائة ألف شجرة، وكانت أمواله كثيرة (٥٨٣). وهناك قناة عامر المنسوبة إلى عامر بن

стр. 443

عدي من أشراف بني عبد الدار بالأندلس وتقع غربي قرطبة (٥٨٤). وكان لبني غافق قرية كاملة بشرق إشبيلية وهي مرنيانة (مرجانة الغافقيين) (٥٨٥). وهناك الضياع الواسعة التي تضم القصور الكبيرة والتي تسمى بالبلاط مثل: بلاط مغيث الرومي وبلاط الحر (٥٨٦). وكان أبو عثمان شيخ موالي بني أمية يمتلك إقطاعاً كبيراً بقرية طُرش من كورة قرطبة (٥٨٧). وهناك أملاك أرطباس الواسعة التي وزع بعضها على زعماء الأندلس أمثال الصميل (عقدة الزيتون بالمدور) وأبي عثمان (طُرش) وعبد الله بن خالد (الفنتين قرب لوشة). وأبي عبدة (حسان بن مالك) غربي الأندلس (منطقة إشبيلية) (٥٨٨). وفي عصر الإمارة ١٣٨ - ٣١٦ هـ حرص أمراء الأندلس على تنمية المواد الزراعية، وذلك بالاهتمام ببعض الثمار والبذور. فنرى الأمير الداخل يحرص على جعل قرطبة صورة من دمشق في منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية المزينة بالأزهار والورد ونافورات المياه. واشتهر الأمير الداخل بأنه كان يرسل بعض رجاله إلى المشرق لجلب أشجار الفاكهة من بلاد الشام، فنسمع عن أحد رجاله المدعو سفر بن عبيد الكلابي والذي تنسب إليه أسماء بعض الفواكه التي غرسها في جنانه بكوره رية وأثمرت مثل التين السفري والرمان السفري، ثم اهتم بها الأمير الداخل وغرسها في منيته، وانتشرت بذلك زراعتها في سائر أنحاء الأندلس (٥٨٩). وبلغ من اهتمام الأندلسيين بالزراعة أنه عندما حل المذهب المالكي بالأندلس محل مذهب الأوزاعي -هذا المذهب الجديد لا يقر زراعة الأشجار بالمساجد عكس مذهب الأوزاعي- بقي أهل الأندلس مقلدين مذهب الأوزاعي في مجال الزراعة (٥٩٠). عدا هذه الإشارات تعوزنا المعلومات الدالة بدقة على مدى التقدم الزراعي في الأندلس حتى عهد عبد الرحمن الأوسط. إنما تكثر لدينا الشواهد نسبياً عن قيام

стр. 444

نشاط تجاري واسع النطاق، وعن ازدياد في الثروة وعن تضاعف في واردات الدولة زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط دون فرض ضرائب جديدة (٥٩١). حيث فتح هذا الأمير أبواب الأندلس للتجار المشارقة والبضائع المشرقية كالملابس وأدوات الزينة التي سرعان ما انتشرت بين أفراد المجتمع الأندلسي (٥٩٢). وبما أن الزراعة في هذه الفترة كانت أهم منبع للثروة، ونظراً لاستحالة قيام نشاط تجاري واسع في تلك الأيام دون الاعتماد على زراعة مزدهرة، لذلك يمكن القول: بأن الزراعة في الأندلس استمرت في الازدهار منذ بداية عهد الإمارة، وأنها وصلت إلى مرحلة متقدمة خلال فترة الازدهار. كما أنه يستنتج من بعض الأعمال التي قام بها عبد الرحمن الأوسط، أن الصناعة كانت متقدمة إلى الحد الذي تم فيه إنشاء دارٍ خاصة للطراز تصنع فيها ملابس خاصة لرجال الدولة (٥٩٣). وبدا على أهل الأندلس الاهتمام بالأسطول، وازداد هذا الاهتمام في عصر الإمارة وبخاصة بعد هجوم النورمان على الأندلس، فكان من نتيجة قيام هذا الأسطول أنه شارك بصورة فعالة في معارك الجهاد ضد الممالك الإسبانية، وقام بفتح بعض المناطق الجديدة (البليار). وتركزت فعاليات الأسطول الأندلسي في سواحل البحر المتوسط حتى أنه ساعد الأسطول الأغلبي في إتمام فتح صقلية، أما النشاط التجاري للأندلس في عصر الإمارة فكان مقتصراً على العموم مع العالم الإسلامي، لأن الغارات البحرية الأندلسية المتبادلة مع الشواطئ الإيطالية والفرنسية كانت تسود هذه الفترة. ومعنى هذا كان مركز النشاط التجاري الأندلسي يشمل جزءًا من الشاطئ الشرقي للأندلس وهو الجزء الممتد من قرطاجنة شمالاً إلى الجزيرة الخضراء جنوباً. وهذا الجزء يقابل الشاطئ الأفريقي الممتد من سبتة غرباً إلى بجاية شرقاً (٥٩٤). وقامت على هذا الساحل الشرقي الأندلسي موانئ مهمة تقوم فيها دور الصناعة مثل دانية ولقنت (٥٩٥)، والمرية مركز جماعة البحريين الذين امتهنوا التجارة أولاً ومهاجمة السواحل الأوروبية ثانياً (٥٩٦). وكان الأندلسيون يحملون إلى بلاد المغرب منتجاتهم

стр. 445

الصناعية الراقية بالإضافة إلى منتجاتهم الزراعية التي لا توجد بالمغرب، وكذلك ما يرد من الأندلس إلى المشرق كان يصرف عموماً في الأسواق الأفريقية، ويحمل من ثم إلى هناك، كما هو حال بضاعة العبيد البيض (الصقالبة) الذين يشير إليهم ابن حوقل بقوله: " وجميع من على وجه الأرض من الصقالبة الخصيان فمن جلب الأندلس " (٥٩٧). أما أهم الأشياء التي كانت تأتي من المغرب إلى الأندلس هي الحبوب والفستق (من مدينة قفصة) وكذلك العبيد السود يؤتى بهم إلى الأندلس وإلى سائر بلاد الإسلام، لأن سوق تجمعهم كان في مدينة زويلة أقصى جنوب ليبيا (٥٩٨). وكانت حركة النقل التجارية ناشطة جداً بين الأندلس وشواطئ المغرب، وبصورة خاصة شواطئ المغرب الأوسط والأقصى الممتدة من بجاية حتى سبتة لأنها مقابلة للمراسي الأندلسية. وكانت دول الخوارج في المغرب تُنظم حركة التجارة مع الأندلس خلال هذه الفترة، وبالذات الدولة الرستمية في الجزائر، والدولة المدرارية في سجلماسة (٥٩٩). ونظراً لهذا النشاط التجاري وجدت جاليات أندلسية أقامت في مدن المغرب الساحلية إما بصورة مؤقتة، كما هو الحال في مدينة أصيلة، حيث كانت تقام سوق جامعة ثلاث مرات في السنة: في عاشوراء والعيدين، أو بصورة دائمة ويختلطون مع سكان المغرب وكانوا يلتمسون حمايتهم مقابل حصة معينة من الأرباح أو كمية من المال، كما هو الحال في مدينة مليلة (٦٠٠). وكثيراً ما تقوم الجاليات الأندلسية ببناء مدن جديدة بالاشتراك مع غيرها حيناً كما هو الحال في مدينة أصيلة، أو وحدها حيناً آخر كما هو الحال في مدن تنس (بين وهران والجزائر، التي أنشأها أهل البيرة وتدمير عام ٢٦٢ هـ ومدينة وهران التي أنشأها الأندلسيون البحريون عام ٢٩٠ هـ (٦٠١). ويلاحظ أن غالبية المراكز الأندلسية، أقيمت على شواطئ المغرب الأوسط، وهو أمر يعود إلى قرب سواحله من الأندلس، وإلى الحماية التي وفرتها لهم الدولة الرستمية

стр. 446

بسبب علاقتها الودية مع الإمارة الأموية بالأندلس (٦٠٢). أدى النشاط الاقتصادي الذي ذكرناه إلى بروز مظاهر الترف والرفاه في المجتمع الأندلسي، فانعكس ذلك على ازدياد الواردات التي وصلت إلى مليون دينار أحياناً فظهرت مظاهر الترف في بلاطات الأمراء وقصور الطبقة العليا، متمثلاً في بناء القصور (المنية) وفي اقتناء الجواري والعبيد البيض (الصقالبة)، وفي منح الهدايا والهبات للشعراء والمغنين، فمثلاً كان المغني المشرقي زرياب يقبض مخصصات شهرية قدرها مائتا دينار، كما أن كلاً من أبنائه الأربعة كان يأخذ عشرين دينار شهرياً، وقد تسلم زرياب في إحدى المناسبات هدية قدرها ثلاثة آلاف دينار (٦٠٣). وانعكس هذا الرخاء أيضاً في الأعمال العمرانية التي قام بها الأمراء، المتمثلة في بناء المساجد الجديدة أو توسيع المساجد القديمة، وفي بناء الأسوار، وفي بناء مدن الثغور وغيرها. كما أحدث النشاط الاقتصادي تطوراً إدارياً وعسكرياً في الأندلس، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أسس دار السكة ونتيجة لذلك تضاعف عدد النقود المتداولة وبخاصة ذات القيم المتوسطة والدنيا، ويلاحظ من بقايا النقود الباقية تحسن مفاجئ ابتداء من عام ٢٢٩ هـ في إتقان الضرب (٦٠٤). وانعكس هذا الأمر أيضاً على وزراء الدولة وكبار رجالها سواء من حيث طبقاتهم أو من حيث أرزاقهم، حيث وصل راتب الوزير إلى ٣٥٠ دينار شهرياً (٦٠٥). وكان من نتائج التطور الاقتصادي توسع مدينة قرطبة التي غصت بسكانها، حتى أخذ الناس يبنون خارجها وتجاوزوا على المقابر، مما جعل قاضي قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط إلى إصدار حكم يثبت فيه حدود مقبرة الربض (٦٠٦). واضطر الأمير الأوسط لمواجهة المشاكل الناجمة عن هذا التضخم إلى إسناد مهمة مراقبة الموازين والمكاييل والمبيعات إلى المحتسب، والخدمات العامة تركت إلى صاحب المدينة، ومشكلات الأمن عهد بها إلى صاحب الشرطة (٦٠٧).

стр. 447

كما أدت زيادة واردات الدولة بسبب هذا النشاط الاقتصادي إلى الإكثار من شراء العبيد السود والبيض، فأكثر الأمير الحكم من شرائهم وزاد عليه الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى وصل عددهم في حرسه الخاص إلى خمسة آلاف شخص. كما أن عدد أفراد الجيش النظامي زاد لقدرة الأمير على استخدام عنصر جديد هو عنصر المرتزقة الذين يخدمون مقابل رزق معين ويحترفون الخدمة العسكرية (٦٠٨). اعتباراً من عصر الإمارة وما بعده، وجدت ظاهرة جديدة لها علاقة بالاقتصاد الأندلسي، وهي ظاهرة إحراق المزارع من قبل الإسبان عندما يغيرون على الأراضي الإسلامية، أو من قبل المتمردين على حكومة الإمارة والذين زاد أمرهم في فترة الحروب الأهلية. وبالمقابل تقوم جيوش الإمارة بحرق زروع المتمردين عندما تحاصرهم كوسيلة من وسائل إضعاف مقاومتهم وإجبارهم على الطاعة (٦٠٩). ووجدت في عصر الإمارة ظاهرة فرض الضرائب المرهقة على الشعب من قبل بعض الأمراء، مع حصول المجاعات وسنوات القحط في الأندلس، فالأمير الحكم سخطت عليه العامة بسبب ما فرضه هذا الأمير من عشور مرهقة على المواد الغذائية، وكان العامة يجاهرون بذم الأمير والطعن في سيرته، مما مهد قيام حركة الربض المشهورة (٦١٠). ومن عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد أبدى تشدداً في جمع العشور وقد نصحه الوزير عبد الرحمن بن غانم صاحب المدينة بأن يسقط العشور متى عدمت الغلات، لأن العشور تفرض على الغلات إذا وهبها الله، وإذا لم يزرع بذر ولم يستغل زرع وجب إسقاطها، فلم يستمع الأمير لنصحه فعزله، وعين مكانه حمدون بن بسيل وكان ظلوماً فاشتط في جمع العشور فأرهق الشعب وتذمروا فوصل تذمرهم إلى الأمير، وتوالت أيضاً في نفس الوقت أعوام القحط والجدب، فاضطر الأمير أن يسقط عن الشعب جزءاً من العشور حتى يستطيعوا مواجهة أعباء الحياة ومواصلة نشاطهم العمراني، فلهج الناس والشعراء مدحاً للأمير. وكان الأمير محمد بارعاً في الأمور المالية، دقيقاً في مراجعة الدخل والخرج، وقد ساعده ذلك في ضبط شؤون الخزانة

стр. 448

العامة (٦١١). وفي عهده أصيبت الأندلس بالقحط والمجاعة في الأعوام ٢٥١ هـ - ٢٥٥ هـ - ٢٦٠ هـ وكان قحطاً شديداً استمر بضعة أعوام، وكثر بسببه الغلاء والموت، ولكن الأندلس استطاعت أن تصمد للمحنة وأن تتغلب عليها (٦١٢). وفي عهد الأمير عبد الله، عصر الحرب الأهلية، تمردت معظم مدن الأندلس على حكومة قرطبة، وصار الأمير في البداية يكتفي بأي شكل من أشكال الخضوع لحكومة قرطبة حتى ولو كان إسمياً. ولعل أقصى تعبير عن الطاعة طمح له الأمير عبد الله أن يؤدي له أولئك المتمردون بمقاطعاتهم قطيعاً معيناً من العشور (أي كمية من المال يتم الاتفاق عليها) ولهذا اشتهر في عهده ديوان يسمى ديوان القطع (٦١٣). كما أن الحملات الكثيرة والمستمرة التي أرسلها الأمير عبد الله لإخضاع المتمردين أدت إلى نضوب موارد الدولة. وفي عصر الخلافة ٣١٦ - ٤٢٢ هـ، بلغت الأندلس مبلغاً كبيراً من الرخاء، وتضاعفت مواردها من الدخل القومي، فبلغت حصيلة الجباية من المكوس وحدها زهاء مليون دينار في السنة، وبلغت في عهد الخليفة الناصر من الكور والقرى خمسة آلاف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، وبلغت من المستخلص (وهي الأملاك السلطانية) سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار. وعندما مات الناصر عام ٣٥٠ هـ خلف في بيت المال عشرين مليون دينار من الذهب. وفي أيام الحاجب المنصور حققت موارد الدخل زيادة عظيمة، ووصل محصل الجباية وحده إلى أربعة ملايين دينار سوى رسوم المواريث وسوى مال السبي والغنائم، واستمرت هذه الزيادة في عهد ولده الحاجب عبد الملك (٦١٤). فانعكس هذا الرخاء في الأندلس في هذه الفترة على: ١ - بناء المدن الملوكية وصرف الملايين في بنائها، وأشهرها مدينة الزهراء التي بناها الخليفة الناصر، ويبدو لنا كمية الأموال الطائلة التي صرفت على هذه المدينة، إذا عرفنا أن مقدار النفقة السنوية عليها ٣٠٠ ألف دينار طوال عهد الناصر (٣٢٥ هـ بدأ البناء، ومات الناصر عام ٣٥٠ هـ) أي مدى خمسة وعشرين عاماً، هذا عدا ما أنفق عليها في

стр. 449

عهد ولده الحكم (٦١٥). وهذا الإسراف هو الذي حدى بالقاضي منذر بن سعيد البلوطي أن ينتقد الناصر ويتصدى لهذا التبذير (٦١٦). وبناء مدينة الزاهرة في عهد الحاجب المنصور حيث بدأ العمل بها عام ٣٦٨ هـ ولمدة عامين. ثم ابتنى إلى جانبها مدينة جميلة ذات قصر وحدائق للراحة سماها العامرية (٦١٧). ٢ - الاهتمام بالحركة العلمية والإغداق على العلماء وشراء نفائس الكتب بأثمان عالية، وقد اهتم الخليفة الحكم المستنصر بهذا الأمر حيث كان يبعث إلى أكابر العلماء المسلمين من كل قطر بالصلات الجزيلة، للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم، فتراه يرسل إلى أبي الفرج الأصفهاني ألف دينار من الذهب ليحصل على نسخة كتابه الأغاني، قبل أن يحصل عليه أحد في العراق. كما أرسل إليه الأصفهاني كتاباً ألفه في أنساب بني أمية فجدد له الحكم الصلات والهدايا (٦١٨). وفعل الحكم كذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي، إذ بعث إليه بمبلغ كبير ليحصل على النسخة الأولى من شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. وأسبغ الحكم رعايته على اللغوي أبي علي القالي الذي وفد من العراق على أبيه الناصر كما هو معروف. وأهدى إليه أبو عبد الله الخشني بعض كتبه ومنها كتاب قضاة قرطبة (٦١٩). وأهدى إليه مطرف بن عيسى الغساني كتابه المعروف أخبار كورة رية. وكان للحكم طائفة من مهرة الوراقين بسائر البلاد الإسلامية ينقبون له عن الكتب ويحصلون منها على النفيس والنادر. كما كانت له في بلاطه طائفة من البارعين في نسخ الكتب وتحقيقها وتجليدها، وبذل لهم الأموال الكبيرة (٦٢٠). كما شغف الحاجب المنصور في جمع الكتب مقلداً بذلك الخليفة الحكم المستنصر ومن ذلك أن صاعداً البغدادي أهدى إليه كتاب الفصوص فأثابه الحاجب المنصور بخمسة آلاف دينار (٦٢١)، وعين له راتباً شهرياً قدره ثلاثون دينار. ٣ - كما أن هذا الرخاء شجع الأندلس على اتباع سياسة أفريقية جديدة وبخاصة منذ

стр. 450

إعلان الخلافة الأندلسية عام ٣١٦ هـ للتصدي للدولة الفاطمية في شمال أفريقية وأعوانها وبدأت من هذا العصر سياسة أندلسية جديدة للتدخل في إثارة بعض الحركات ضد الفاطميين، إلى جانب السيطرة على بعض مدن الساحل الإفريقي، وإلى إخماد بعض الفتن المغربية أمثال حركة الحسن بن كنون الذي يمثل بقايا الأدارسة. فكان هذا الأمر يتطلب أموال طائلة لإخماد مثل هذه الحركات، إضافة إلى بذل الأموال من أجل استمالة بعض القبائل المغربية (٦٢٢). وشهدت الأندلس خلال عصر الخلافة مجاعات متعددة أصابت الأندلس بالقحط والمجاعات، ففي عهد الخليفة الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ)، حل قحط شديد بالأندلس عام ٣٠٢ - ٣٠٣ هـ فنقصت الأقوات وارتفعت الأسعار وبلغ قفيز القمح في قرطبة بثلاثة دنانير، وبلغت الشدة بالناس مبلغاً عظيماً، وانتشر الوباء مع القحط، وكثر الموت، وهلك كثير من الرؤساء والوجهاء. قام الخليفة الناصر ببذل الأموال وتوزيع المؤن لشعبه وشاركهُ في الأمر كثير من رجالات الدولة، فكان لمجهودهم أثر كبير في التخفيف من آثار هذه المحنة (٦٢٣). وفي عام ٣١٧ هـ حلت مجاعة جديدة بالأندلس نتيجة احتباس المطر، فغلت الأسعار على نحو ما حدث في عام ٣٠٣ هـ، فخرجت كتب الخليفة الناصر إلى جميع العمال على الكور بالأمر بصلاة الاستسقاء، وفي عام ٣٢٤ هـ وقع محل جديد بالأندلس فاحتبس المطر وجفت الزروع، وبذل الناصر الأموال لمعالجة الأزمة وبذلك قال الشاعر: نعم الشفيع إلى الرحمن في المطر ... مستنزل الغيث بالأعذار والنذر (٦٢٤) وعاد المحل والقحط يعصف بالأندلس عام ٣٢٩ هـ فعم الجفاف البلاد. وأصيب النظام الاقتصادي وبخاصة التجاري في قرطبة بهبوط كبير نتيجة الحريق الكبير الذي دمر أسواق قرطبة في عام ٣٢٤ هـ (٦٢٥). وفي عهد الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) وقعت

стр. 451

بالعاصمة الخلافية مجاعة عظيمة، فبذل الحكم للفقراء والمعوزين في سائر أرباض قرطبة والزهراء من الأموال ما يكفل أقواتهم ويسد عوزهم (٦٢٦). وبجانب ثراء الدولة الذي تمثل في البناء والهيئات، نرى ثراء كبار رجالات الدولة، الذي اخترع بعضهم تقديم الهدايا الكبيرة والثمينة إلى خلفاء هذا العصر، في الوقت الذي كان فيه عامة الناس في عوز شديد بسبب احتباس المطر وظهور المجاعات المستمر وبسبب غلاء الأسعار وقلة الأجور للعامل البسيط. فتذكر بعض الروايات أن أجور العمال الذين كانوا يشتغلون في بناء مدينة الزهراء كانت تتراوح بين الدرهم والنصف وثلاثة دراهم تبعاً لمقدرتهم الحرفية، في حين كان راتب أحمد بن عبد الملك بن شهيد وزير الناصر خمسمائة دينار في الشهر، وقد رفعه الخليفة إلى ألف دينار فيما بعد، هذا مع العلم أن الدينار كان يعادل على العموم عشرة دراهم (٦٢٧). وأول من ابتدع تقديم الهدايا إلى الخليفة الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وكان منها خمسمائة ألف مثقال من الذهب، ومائتا أوقية من المسك والعنبر، وثلاثون شقة من الحرير المرقوم بالذهب، ومائة فرس مسرجة، وعشرون بغلاً عالية الركاب، وأربعون وصيفاً، وعشرون جارية، وغيرها، وذلك في عام ٣٢٧ هـ، وهذا مما يدل على مدى ثراء الوزراء ورجالات الدولة الأموية بالأندلس (٦٢٨). كما أهدى الحاجب جعفر بن عثمان بن نصر المصحفي هديته الكبيرة إلى الخليفة الحكم المستنصر مقلداً بها هدية ابن شهيد للخليفة الناصر (٦٢٩). كما كانت بداية حياة الحاجب المنصور الوظيفية الإشراف على عبد الرحمن وهشام أولاد الخليفة الحكم ثم تولى إدارة الخزانة العامة وأمانة دار السكة. فاستغل هذه المناصب المالية، فقدم هديته المشهورة إلى الأميرة صبح زوجة الخليفة الحكم وأم الخليفة هشام الثاني، فبدد أموال الخزينة فاتهمه الخليفة الحكم بالتبذير، فسد الحاجب المنصور هذا العجز بالاستدانة من صديقه الوزير ابن حُدير (٦٣٠). وفي هذا العصر أمر الخليفة الناصر بتنظيم العملة وتثبيتها. فأمر في عام ٣١٦ هـ باتخاذ دار السكة داخل مدينة قرطبة لضرب الدنانير والدراهم، وولى أمرها أحمد بن محمد بن حُدير الذي بذل جهده في الاحتراس من المدلسين وكان لهذا أثره في تثبيت

стр. 452

العملة واستقرار التعامل (٦٣١). ومن هذا التاريخ وما بعد أصبحت ولاية السكة من الوظائف المالية المهمة في الدولة يعهد بإدارتها إلى خالص الرجال (٦٣٢)، إلى جانب ولاية السوق وولاية الخزانة والضياع (٦٣٣). وقد ساعد الاستقرار السياسي عموماً في عصر الخلافة على تنشيط حركة الصناعة والتجارة، وقد اشتهرت موانئ الأندلس الشرقية بموانئها التجارية وبخاصة بعد بناء مدينة المرية قاعدة الأسطول الأندلسي في عام ٣٤٤ هـ، والتي أصبحت مدينة تجارية وصناعية مهمة. وأصبحت مركزاً للحط والإقلاع (٦٣٤). وبدأت الأوضاع الاقتصادية في الاضطراب عندما بدأ عصر الفتنة ٣٩٩ - ٤٢٢ هـ، فمرت بلاد الأندلس في فترة الحروب الأهلية أدت إلى إلغاء الخلافة وقيام عصر الطوائف. عرفت الأندلس بوفرة خصبها وكثرة مواردها الزراعية والتي كانت مناطق الأرياف أهم مصادر هذه الثروة المتمثلة في الزيتون واللوز والرمان والتين والحبوب. وأما المعادن فهي من أهم الثروات الطبيعية التي جاءت بها أرض الأندلس، وبتنوعها تعددت مناطق استخراجها، وبخاصة اشتهرت الأندلس بالرخام والذهب (٦٣٥). كما اشتهرت الصناعات في مختلف أنحاء الأندلس حيث تخصصت كل ناحية في إنتاج صناعة معينة. فعلى سبيل المثال تخصصت مرسية في صناعة الطرز الذهبية والأساور المذهبة والسكاكين والأسلحة، أما المرية ومالقة فقد اشتهرتا بصناعة الخزف والأواني الزجاجية والأقمشة. واشتهرت غرناطة بصناعة البلد وهو ثوب حريري ملون. ومن إشبيلية شاعت صناعة الأقواس والرماح والسهام بالإضافة إلى صناعة السرج المزينة وغيرها (٦٣٦). إن الوصف العام للحياة الاقتصادية في الأندلس كما أورده ابن سعيد ونقله المقري، جاء في مصادر متأخرة عن القرن الخامس الهجري/عصر الطوائف، إلا أن هذا الوصف يطابق أحوال هذا القرن وذلك: ١ - إن النباتات والحيوانات التي وجدت في الأندلس خلال هذه الفترة كانت

стр. 453

معروفة في البلاد منذ أربعة قرون، وذلك أن أحوال المناخ لم تتغير، كما إن البلاد لم تشهد أية ظاهرة طبيعية كبرى، ما عدا سنوات القحط والمجاعة والتي سرعان ما تزول. ٢ - إن المعادن والمنتوجات الصناعية الأخرى المذكورة في هذا المصدر كانت تستغل على نطاق واسع خلال فترة الطوائف وقبلها أي في عهد الإمارة والخلافة الأموية. وبالإضافة إلى ذلك شهد عصر الطوائف تشييد أفخم القصور وأجمل المنشآت، والتي كانت تتطلب استهلاك قسط وفير من الذهب والفضة والمواد الأخرى المستعملة في التزيين والزخرفة (٦٣٧). ومع ذلك فقد اختص عصر الطوائف بازدهار الزراعة حيث شغف ملوك الطوائف بإنشاء الحدائق والبساتين. وقد ظهر في هذا العصر عدة من علماء النبات والزراعة ولا سيما في طليطلة وإشبيلية حيث كانت حدائق بني ذي النون وحدائق بني عباد تشغل مساحات واسعة وتتطلب عناية الخبراء. وكان من أشهر علماء النبات والفلاحة في طليطلة ابن وافد الذي أشرف على حدائق بني ذنون. وكذلك العالم أبو عبد الله بن بصال المشهور بتجاربه العلمية الناجحة من توليد الغراس، ومكافحة الآفات الزراعية، وخلف لنا كتابه المشهور الفلاحة. وعالم إشبيلية الزراعي أبو عمر أحمد بن محمد بن حجاج صاحب كتاب (المقنع)، وكذلك أبو عبد الله محمد بن مالك الطغنري من أهل غرناطة وتلميذ ابن بصال وصاحب كتاب (زهر البستان ونزهة الأذهان) (٦٣٨). وأما عن الصناعات في عصر الطوائف فقد كانت رائجة، ومن أشهرها صناعة الحديد والنحاس والزجاج والنسيج، وكانت صناعة النسيج على الأخص من أهم الصناعات في أيام الطوائف، وكان بمدينة المرية وحدها خمسة آلاف منسج، تنتج أفخم وأجمل أنواع الأقمشة (٦٣٩). وكانت دول الطوائف ذات الثغور مثل إشبيلية والمرية وبلنسية ودانية وسرقسطة تجني من التجارة الخارجية أرباحاً كبيرة (٦٤٠). ومما يدلل على وفرة خيرات الأندلس ونشاط تجارتها خلال هذه الفترة أن أمير دانية والجزائر الشرقية علي بن مجاهد العامري بعث مركباً كبيراً محملاً بالمؤن والأطعمة

стр. 454

عام ٤٤٧ هـ وأرسله إلى الإسكندرية مغيثاً أهل مصر التي كانت تمر بأزمة اقتصادية وهي أيام الشدة العظمى (٦٤١). ولكن في الوقت نفسه في عام ٤٤٨ هـ حصلت مجاعة كبرى في إشبيلية لدرجة اضطر فيها الناس إلى دفن كل ثلاثة أو أربعة أشخاص في قبر واحد، وأن المساجد خلت من المصلين. كما إن قفيز الحنطة (ثلاثين كيلوغراماً) وصلت قيمته في قرطبة في إحدى فترات القحط ثلاثة دنانير (٦٤٢). كان معظم أمراء الطوائف يمثلون أصحاب النفوذ والأموال الكثيرة، وقد أدى استقلالهم في مدنهم إلى زيادة ثرواتهم. فمثلاً كان بنو عباد حكام إشبيلية -قبل توليهم الحكم- يمتلكون ثلث كورة إشبيلية، وإن بني طاهر الذين تولوا حكم مدينة مرسية كانوا يمتلكون نصف المدينة، وأما أبا الحزم بن جهور الذي تولى أمر قرطبة فقد كان من أغنى أهلها وأفحشهم ثراء. وينطبق الأمر كذلك على أمراء بني الأفطس في بطليوس وأمراء بني ذنون في طليطلة، وأمراء بني هود في سرقسطة وغيرهم (٦٤٣). وعندما تسلط هؤلاء الأمراء بدأوا بشتى السبل في زيادة أموالهم وثرواتهم وذلك عن طريق: مصادرة ممتلكات منافسيهم من أغنياء المدينة الكبار بعد اتهامهم بشتى التهم، كما فعل بنو عباد أمراء إشبيلية (٦٤٤). وكذلك عن طريق مصادرة أراضي الملاكين الصغار، وإرهاق كاهل المزارعين بالضرائب العالية، كما فعل مظفر ومبارك العامريان حكام بلنسية بالفلاحين حتى أنهم لبسوا الجلود والحصر وأكلوا الحشيش، وفر أكثر الفلاحين من قراهم (٦٤٥). والأسلوب الآخر الذي اتبعه ملوك الطوائف في جمع الثروة، هو إثقال كاهل الشعب بالضرائب الباهظة أو توسيع رقعة الإمارة بالوسائل العسكرية، فاشتط جامعو الضرائب في ظلم الناس (٦٤٦). وهذه الأموال الطائلة التي جمعها الأمراء لم ينفقوها في سبيل الشعب ورفاهيته بل استغلت في بناء القصور والمنتزهات، والصرف على مجالس الطرب واللهو، وشراء الجواري، فمثلاً أمير السهلة ابن رزين يدفع ثلاثة آلاف دينار ليشتري مغنية حسناء (٦٤٧).

стр. 455

ْبالإضافة إلى دفع الإتاوات إلى ملوك الإسبان من أجل الحفاظ على عروشهم المهزوزة (٦٤٨). وبالرغم من القوة الاقتصادية التي كانت تتمتع بها بلاد الأندلس فإن عدم الاستقرار السياسي الذي تميز به عصر الطوائف كان له أثر سيء على الأوضاع الاقتصادية وذلك في مجالين: ١ - إن التقسيمات السياسية عرقلت التعاون الاقتصادي، كما أن عمق وحدة النزاع السياسي بين دول الطوائف زاد من اضطراب الأوضاع. هذا مع العلم أن كل إمارة استقلت اقتصادياً عن الأخرى ولها وسائلها في جمع الأموال واستغلالها، فمعنى ذلك ظهور التمزق الاقتصادي لبلد الأندلس إلى جانب التمزق السياسي. ٢ - استغل ألفونسو السادس بصورة خاصة الأوضاع السياسية المتدهورة ببلد الأندلس ففرض شروطهُ المالية على أمرائها من أجل الاستحواذ بثمار الأندلس الاقتصادية والعمل على إضعافها وبالتالي بالسيطرة عليها بالتدريج، ولذا رأينا الغرامات الباهظة التي فرضها على أمراء الطوائف (٦٤٩). فمثلاً طلب ألفونسو من الأمير عبد الله بن بلقين عشرين ألف مثقال. كما وعد ابن عمار وزير المعتمد بن عباد بتسليم ألفونسو السادس خمسين ألف مثقال مقابل مساعدته العسكرية ضد الأمير عبد الله حاكم غرناطة (٦٥٠)، كما فرض ألفونسو السادس على ابن ذي النون مبلغ مائة وخمسين ألف مثقال تضاف إليها خمسمائة أوقية من القمح تدفع لعساكره مقابل أن يعيده إلى حكم طليطلة (٦٥١). وأصبحت الأندلس ولاية مرابطية، وكانت نقطة الانطلاق في السياسة المالية المرابطية تتمثل في محاولة تطبيق الكتاب والسنة في ميدان السياسة الجبائية، وهي الاعتماد على موارد الزكاة والأعشار والجزية وأخماس غنائم المشركين. ومع هذا وجد في بيت مال يوسف بن تاشفين بعد وفاته ثلاثة عشر ألف ربع من الورق، وخمسة آلاف وأربعين ربعاً من دنانير الذهب المطبوعة (٦٥٢). ولكن توسع الدولة وازدياد مسؤولياتها

стр. 456

العسكرية دفعت ولاة الأمر إلى فرض الإتاوات على أهل المغرب والأندلس، فنرى يوسف بن تاشفين يفرض أموالاً كثيرة على يهود اليسانة بالأندلس (٦٥٣)، ولجأ علي بن يوسف إلى فرض الإتاوات على مختلف الصنائع والسلع وبخاصة على الصابون والعطور والنحاس والمغازل، كما أنه استخدم المسيحيين الإسبان في تحصيل الجبايات (٦٥٤). ازدهرت الصناعة في بلاد المغرب في ظل المرابطين بعد أن أصبحت الأندلس ولاية تابعة لها، وذلك لأن ولاة الأمر المرابطين استفادوا من خبرات أهل الأندلس في الصناعة (٦٥٥). فزيادة على استعانة ولاة الأمر من المرابطين بصناع ومهرة الأندلس، كانت السفن تسير في قوافل منتظمة تحمل البضائع المختلفة بين المغرب والأندلس. وكان المغرب يمد الأندلس بالغلات وأنواع الطعام المختلفة في العصور السابقة لعهد المرابطين (٦٥٦)، وقد استمر هذا الأمر عندما أصبحت الأندلس ولاية مرابطية. ومن ناحية أخرى، فإن الأندلس كان يصدر إلى المغرب كثيراً من البضائع ومنها الفواكه، وكذلك القطن الجيد المزروع بأرض إشبيلية (٦٥٧)، وكان معدن الزئبق أيضاً ممّا يصدرهُ الأندلس إلى المغرب (٦٥٨)، أما الحصى الملون فإن الأمراء بمراكش كانوا يستوردونه من المرية ليزينوا به بعض أدوات الطعام (٦٥٩). وقد وصف الإدريسي مدينة المرية في عهد المرابطين بازدهار الصناعات الحريرية والمنسوجات الأخرى (٦٦٠). وكانت الأندلس كذلك تصدر الأدوات الخشبية إلى المغرب، وكذلك المنسوجات التي اشتهرت بها مدينة بلنسية (٦٦١). تميز عهد المرابطين سواء في المغرب أو في الأندلس برفاهٍ اقتصادي في ميداني الزراعة والصناعة، إضافة إلى أنهم كانوا يسيطرون على سجلماسة وهي نهاية طريق مهم للقوافل التي تتاجر بذهب بلاد السنغال. وقد استمر فيضان الذهب عبر هذا الطريق بعد

стр. 457

أن انقطع وروده عن طريق المسالك الصحراوية الغربية، وظل الدينار المرابطي الذهبي الذي يزن أربع غرامات ونصف (٦٦٢)، مستخدماً لعدة قرون كأهم عملة ذهبية في المغرب (٦٦٣). وقد عثر على كميات كبيرة من الدنانير المرابطية في شمال البلاد الإسبانية وفي غرب فرنسا، مما يدل على نشاط التجارة بين ممتلكات المرابطين وبين سائر بلاد أروبا (٦٦٤)، وحتى يروى أن هذه العملة وصلت إلى القسطنطينية (٦٦٥). ونظراً لضراوة معارك الجهاد التي خاضتها دولة المرابطين ضد الممالك الإسبانية، فقد كثرت غنائم المرابطين من سلاح وحيوانات وأموال وأسرى. وأدى ذلك إلى نشاط تجارة هذه المواد في أسواق الأندلس والمغرب، ولا سيما تجارة الرقيق بالذات (٦٦٦). وعموماً وصف النظام الاقتصادي في الأندلس والمغرب في ظل المرابطين بالرفاء والاستقرار ورخص الأسعار، إلا أن هذا الأمر تبدل في أواخر عهد المرابطين، عندما اضطربت الأوضاع بظهور حركة المهدي بن تومرت، وبتمرد أهل الأندلس على الحكم المرابطي (٦٦٧). وأصبحت الأندلس ولاية موحدية، واتبعت الحكومة الموحدية في شؤون الجباية، سياسة الالتزام بأحكام الشرع على ما يجيزه من الزكاة والعشر. فقد نوهت رسالة عبد المؤمن التي وجهها إلى الطلبة والمشيخة والأعيان بالأندلس في عام ٥٤٣ هـ إلى المغارم والمكوس والقبالات وتحجير المراسي وغيرها من المظالم، ووجوب القضاء عليها وإجراء العدل في شأنها (٦٦٨). إلا أن هذه الموارد لم تكن كافية لسد متطلبات الدولة الموحدية التي تحملت أمر الجهاد في الأندلس، فاضطرت هذه الدولة إلى البحث عن

стр. 458

وجوه جديدة لجمع الأموال. فقام عبد المؤمن عام ٥٥٤ هـ بمسح بلاد المغرب من برقة إلى السوس الأقصى، وأسقط مقدار الثلث من مساحتها -مقابل الجبال والأنهار والطرقات- وفرض الخراج على الأراضي الصالحة للزرع، وألزم كل قبيلة أن تؤدي قسطها من الزرع والمال (٦٦٩). ومن جهة أخرى، فإن الدولة الموحدية كانت إلى جانب ما يدخل خزائنها من غنائم وأموال المصادرات، إلا أنها لم تحجم عن فرض الضرائب والمكوس على مختلف أنواع المعاملات من البيع والشراء، والصادر والوارد، إضافة إلى ما كانت تستولي عليه من أموال اليهود والمسيحيين الذين بقوا في أراضي الدولة، ولا سيما خلال حركات الاضطهاد والمطاردة (٦٧٠). وكان من الإجراءات المالية الهامة التي قامت بها الخلافة الموحدية مضاعفة وزن الدينار الموحدي، وكان له أثره في تحسين الأمور الاقتصادية وتوفير الثقة في التعامل الاقتصادي (٦٧١). واستمرت العلاقات الاقتصادية بين المغرب والأندلس قائمة، وقد تمثل ذلك في نشاط التبادل التجاري. فقد اشتهرت المرية وقرطبة بأسواقها وتصدر إلى المغرب الأخشاب والحبوب والمصنوعات والكتان. كما حملت المراكب من المغرب إلى الأندلس أنواع الغلات والحبوب والطعام وتعود بالتين والعنب والقطن وزيت الزيتون. أما المنسوجات فكان أهل مراكش يستوردونها من بلنسية، ومما ساعد على النشاط التجاري، قيام المغرب الأقصى بدور الوسيط بين إقليم السودان في الجنوب والأندلس في الشمال، فكان التجار يحملون الذهب والصمغ إلى الأندلس، ثم يعودون بالمحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية إلى بلاد السودان (٦٧٢). ومن مظاهر عناية الموحدين بالزراعة في الأندلس هو تنفيذ أوامر الخليفة عبد المؤمن باستصلاح أراضي جبل طارق، وغرسها بمختلف أنواع الفاكهة كالتين والعنب والتفاح والسفرجل والمشمش وغيرها. كذلك تم استصلاح أراضٍ واسعة في مدينة إشبيلية بناءً على أوامر الخليفة أبي يعقوب يوسف ثم غرسها بأشجار الزيتون، ثم عني

стр. 459

بجلب الماء إليها من الوادي بواسطة قنوات تحت الأرض (٦٧٣). واستمرت الأندلس تنعم بالرخاء والاستقرار الاقتصادي منذ عهد عبد المؤمن إلى أواخر عهد المنصور، شأنها شأن المغرب. فإذا عكر صفو الأمن في بلاد المغرب هجمات القبائل العربية، وهجمات أمراء بني غانية، فإن الأندلس اضطربت سياسياً واقتصادياً بسبب فتن وحركات ابن هود وابن مردنيش وما جرى بينهم من حروب مدمرة أولاً وبسبب هجمات الممالك الإسبانية على المدن الأندلسية التي أسقطت كثيراً من هذه المدن بيد الإسبان بسبب الحصار الاقتصادي وأوشك أهلها على الموت جوعاً ثانياً. فحلت بذلك المحن والنوائب ببلد الأندلس، وقامت الأزمات الاقتصادية وشاع القحط والمجاعة وعم الغلاء (٦٧٤). ومن الجانب الآخر، فإن المعاهدات التجارية التي عقدتها دولة الموحدين مع جمهورية جنوة وبيزا ومع صقلية، سمحت لسفن هذه الدول التردد بأمان في موانئ الأندلس، وبالذات في ميناء المرية، وموانئ المغرب، فنشطت بذلك التجارة بين الطرفين (٦٧٥). ويصعب على الباحث إيجاد دراسة كاملة عن التنظيم المالي في مملكة غرناطة، إلا أنه يمكن تحديد أسس النظم المالية فيها كما يلي: ١ - كان هناك وظيفة المشرف على ممتلكات السلطان الخاصة، وقد أطلق عليه إسم الوكيل. فمحمد بن المحروق كان وكيلاً على ممتلكات السلطان إسماعيل الأول قبل تسلمه منصب الوزارة (٦٧٦). ٢ - أبعد سلاطين غرناطة اليهود والمسيحيين عن وظيفة الجباية، عكس دولة المرابطين وغيرها التي اعتمدت عليهم (٦٧٧). ٣ - كان سلاطين غرناطة يدفعون الأموال الكثيرة إلى ملوك الإسبان فيروى أن السلطان محمد الأول كان يدفع ربع ما في بيت ماله وقيل بأنه كان يدفع نصف ما موجود في بيت المال، وفي عام ٧٠٩ هـ رفع فرديناند الرابع الحصار عن الجزيرة

стр. 460

الخضراء مقابل خمسين ألف قطعة ذهبية دفعها السلطان أبو الجيوش نصر من بيت المال، كما أن ألفونسو العاشر الحكيم فرض على ابن الأحمر مبلغ خمسين ألف قطعة ذهبية أي ما يعادل سدس ما حوته خزينة الدولة النصرية (٦٧٨). ٤ - كانت أهم واردات بيت المال في الدولة النصرية، الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وصدقات المسلمين وهي الزكاة والعشور على الماشية والمحصولات الزراعية، والضرائب على التجارة، أما ضريبة التجارة البحرية والصيد فمقصورة على ميناء مالقة ومربلة (٦٧٩). ومن موارد بيت المال ضريبة المواريث وغنائم الحروب (٦٨٠). ٥ - كانت نقود بني الأحمر في غرناطة من الصنف الممتاز، وكانت نقودهم من أفضل النقود (٦٨١). ومما يذكر في هذا المجال أن فريقاً من مسيحيي أرغون عمدوا أيام ملكهم بطرة الرابع إلى ضرب عملة مزيفة شبيهة بنقود المسلمين وتاجروا بها مدة مع الغرناطيين، إلا أن هذه النقود المزيفة قد اكتشفت (٦٨٢). وكانت دنانيرهم تتألف من الذهب والفضة والنحاس، وكان الدينار الذهبي يساوي عشرة دراهم فضية، وهناك عملة القيراط وهي نصف الدرهم (٦٨٣). ٦ - ازدهرت الزراعة في مملكة غرناطة، وساعد على هذا الازدهار طبيعة الأرض وما حوته الأنهار والوديان والسهول الخصبة واهتموا بقنوات الري. وأهم المحاصيل الزراعية، الكروم الذي يعصرونه في عيد اشتهرت به مملكة غرناطة (٦٨٤)، وكذلك الزيتون والبرتقال والحبوب على أنواعها (٦٨٥). واشتهرت مملكة غرناطة بصناعة الأسلحة كالسيوف والخناجر والدروع والرماح وهذا أمر يتطلبه وضعهم الجهادي ضد الممالك الإسبانية. بالإضافة إلى شهرتهم في
следующие страницы →