Полный текст (304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الذنب
ترجع حقيقة الذنب في اللغة إلى الفعل الذي تستوخم عاقبته كما فسره الراغب في مفرداته.
وشرعاً يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله أو نهيه.
* * *
اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل
وهو أمر نسبي يختلف باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل فليست المخالفة من العالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد كالمخالفة التي لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
* * *
إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث.
وعلى ضوء ذلك نفهم معاني الآيات التي ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافا إلى ضمير خطابه ﷺ .
وهي في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:
الموضع الأول: جاء في سورة غافر وهو قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)).
الموضع الثاني: جاء فِي سورة القتال - سوره محمد - وهو قوله تعالى:
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
стр. 107
الموضع الثالث: جاء في أول سورة الفتح وهو قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)).
* * *
دلالة أمره تعالى لنبيه ﷺ بالصبر
أما الآية الأولى وهي آية سورة غافر فقد جاءت بعد أن بين الله تعالى لرسوله ﷺ أنه تعالى ينصر رسله وعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم ذكر أن اليوم الآخر لا تنفع الظالمين فيه معذرتهم، ووصمهم بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ثم ذكر أنه تعالى آتى موسى الهدى وأورث بني إسرائيل الكتاب وجعله هدى وذكرى لأولي الألباب للتأسي بموسى ﷺ في صبره على أذى قومه.
ثم وجه الخطاب لنبيه محمد ﷺ فقال له (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) الآية.
وهذا السياق مشعر بأن المعاندين من الكفرة المشركين كانوا في موقف مع النبي ﷺ يشعر بالشدة وسوء اللقاء فأخبره الله تعالى بأنه سبحانه ناصر رسله وناصر المؤمنين، وأن هؤلاء المعاندين سيلقون جزاءهم في الدار الآخرة، وذكر له بعد ذلك أنه أنزل على عبده موسى التوراة وجعلها هدى وذكرى لأولى الألباب.
وهذا السياق تضمن أن النبي ﷺ كان في حالة من ضيق الصدر والضجر لما يلقاه من أعداء دعوته المعاندين المستكبرين من إعراض ومعوقات يقيمونها أمام نشر دعوته وتبليغ رسالته، فكان ما سبق آية
стр. 108
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) فيه تنبيه إلى التأسي بما كان لأنبياء الله ورسله، وذكر منهم كليمه موسى ﵊ ووعده إياهم بالنصر.
ففي هذا تسلية للنبي ﷺ وأمر له بالتأسي بإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال له: (فَاصْبِرْ) ثم عقب ذلك بأن وعد الله المتضمن لنصر الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة حق ثابت لا ريب فيه آت لا يتخلف.
ثم أمر الله رسوله ﷺ بالاستغفار لما كان منه من الضجر وضيق الصدر.
ثم عقب الأمر بالاستغفار بطلب التسبيح والتحميد استغراقاً لسائر أوقاته العبر عنها " بالعشي والإبكار " حتى لا يفرغ لحظة من اللحظات يضيق فيها صدره ويضجر لما كان يلقاه وهو دائب على تبليغ رسالته ونشر دعوته وتحمل ما يلقى في سبيلها " فإن من كان لله كان الله له ".
* * *
دلالة أمره ﷺ بالاستغفار في سورة محمد
أما الآية الثانية -وهي آية سورة محمد- فقد جاءت عقب بيان حال المنافقين الذين يستمعون إلى الرسول ﷺ فإذا خرجوا من عنده تجاهلوا ما سهوا، وتغافلوا عنه قالوا مستهزئين: " ماذا قال آنفاً؟ ".
وبعد بيان أن هؤلاء المنافقين طبع الله على قلوبهم وسد منها منافذ الهداية أن تدخل إليها، بين أن المؤمنين المهتدين يزيدهم ما يسمعون منه ﷺ هدى وتقوى.
стр. 109
ثم ذكر عن هؤلاء المنافقين أنَّهم في حالهم هذا لا ينتظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقد جاءتهم أشراطها وعلاماتها فلن تنفعهم ذكراهم.
ثم قال لرسول الله ﷺ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الآية، وهذا السياق مؤذن بأن المنافقين كانوا في نفاقهم معوقين للرسالة مستهزئين بالرسول ﷺ وبما جاء به من الهدى -شأنهم في ذلك شأن المشركين المعاندين المستكبرين الذين ذكروا في آية سورة غافر- وأن المؤمنين هم المستعدون لقبول الهداية، وهم الذين تنفعهم الذكرى إذا ذكروا.
فأمر الله تعالى رسوله ﵊ بعلم ما يعلمه من توحيده وانفراده تعالى بالربوبية، ووجوب تفريده بالعبودبة تيئيس له ﷺ من هؤلاء المنافقين الذين طبع الله على قلوبهم وأمر له بالتطهر من أن يسمع لقولهم أو يصغى إلى استهزائهم وسخريتهم.
ولذلك أمر بالاستغفار لما سمى ذنباً مسنداً إليه باعتبار ما يشغل قلبه الطاهر لو لم ينصرف عنهم وييأس منهم.
وطلب منه الاستغفار للمؤمنين المهتدين الذين يزيدهم الهدى هدى وتقوى تشريكاً معه ﷺ في استغفاره لنفسه تشريفاً لهم وتنويهاً بمقامهم من الإيمان.
* * *
دلالته في آية سورة الفتح
أما الآية الثالثة -وهي آية سورة الفتح- فقد افتتحت بها أعظم نعمة مَنَّ الله تعالى بها على نبيه ﷺ ، تلك النعمة هي البشرى بالفتح المبين، والبشرى بالتطهير الدائم للنبي ﷺ من كل ما كان يعتريه من الضيق والضجر في سبيل تبليغ رسالته لأن هذا الفتح المبين كان أساساً لإتمام النعمة عليه ﷺ ، وهدايته الدائمة إلى الصراط المستقيم، ونصر الله له نصراً
стр. 110
عزيزاً أعزه الله به وأعز به دينه وأعز به أصحابه المؤمنين فكان ذلك أعظم نعمة على رسول الله ﷺ ، إذ بعد فتح مكة -المبشر به- صارت الدعوة الإسلامية ظاهرة غالبة "، وأقبلت وفود العرب إلى رسول الله ﷺ من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجاً، فزال عن رسول الله ﷺ ما كان يضيق به صدره ويضجره من صد وصدود المشركين من دعوته وتحقق له النصر المؤزر والظفر القاهر لأعدائه، وفتح أمام دعوته الطريق فانتشرت في العالم وخفق لواؤها على ربوع المعمور من الأرض.
وبهذا تمت نعمة الله على رسوله وعباده المؤمنين، وتتابع النصر في الجهاد وتبليغ الرسالة، فكان نصراً عزيزاً قوياً غالباً ثم يتحقق مثله لدعوة من دعوات الأنبياء والمرسلين.
* * *
تهنئة وتطلع
وقد فهم الصحابة ﵃ من هذه البشرى قدر ما أنعم الله به على رسوله ﷺ فهنّأَوه على هذا الفتح المبين والتطهير العظيم، وإتمام النعمة وتحقق النصر فقالوا له ﷺ فيما رواه البخاري: " هنيئاً مريئاً فما لنا؟ " فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)).
* * *
стр. 111
التوبة
التوبة لغة
ترجع مادة التوبة ومثلها مادة (الإنابة) وما تصرف منهما في الاستعمال اللغوي إلى الرجوع، يقال: " تاب وناب وأناب إذا رجع ".
* * *
اختلاف التوبة باختلاف التائبين
وعلى ذلك تكون التوبة في الاصطلاح الشرعي مختلفة المعنى باختلاف التائبين، فإن كان التائبون ممن يجوز وقوع الذنوب والمخالفات منهم فمعنى التوبة بالنسبة لهم رجوعهم عما وقع منهم بالندم على فعله والعزم على عدم العودة إليه.
وإن كان التائب ممن لا يجوز أن يقع منه ذنب بمخالفة أمر أو نهي كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالتوبة منه الرجوع عن حالة في مقام العبودية إلى حالة أرفع منها.
وعلى هذا الأساس تُنَزَّل معاني الآيات التي أسندت فيها التوبة إخباراً عن النبي ﷺ .
* * *
١ - بينا في باب العصمة أن الاتفاق واقع بين سائر الطوائف على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من وقوع الذنوب منهم بعد النبوة عمداً صغائر وكبائر.
٢ - اختلف الناس في جواز وقوع الذنوب منهم عليهم الصلاة والسلام بعد النبوة سهواً أو نسياناً.
стр. 112
ومذهب جمهور أهل السنة أن هذا لاحق بالقسم الأول لا يجوز عليهم وقوعه منهم.
٣ - ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز وقوع الذنوب منهم عمداً قبل النبوة وهي جائزة منهم سهواً أو نسياناً قبلها.
وجمهور العلماء على جواز وقوع الذنوب منهم قبل النبوة عمداً أو نسياناً وهذا في الذنوب التي لا تخدش المروءة ولا تلحق بصاحبها ذلاً أو مهانة أو نقصاً.
على أساس هذا البيان رجحنا مذهب جمهور أهل السنة من أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام في مقدمتهم سيدنا محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين والمرسلين- معصومون من وقوع الذنب منهم عمداً أو نسياناً بعد النبوة باتفاق، وقبلها ترجيحاً.
ثم ذكرنا فصلاً مسهباً في اجتهاد النبي ﷺ بينا فيه حقه ﵊ في الاجتهاد وأنه مأذون له فيه من الله تعالى فيما لم ينزل عليه به وحي.
وهذا الإذن يقتضي جواز اجتهاد النبي ﷺ في كل حادثة تعرض له أو للمسلمين، ولم ينزل عليه فيها وحي أن يبذل جهده وتفكيره فيما يحقق صالح الإسلام والمسلمين.
وعلى هذا جرى رسول الله ﷺ في حياته الكريمة ينزل عليه الوحى
فيتبع أمر ربه بما جاءه به، وتعرض الحادثة من حوادث المجتمع الإسلامي ويتأخر الوحي قليلاً أو كثيراً وتتطلب المصلحة الكشف عن حكم هذه الحادثة فيجتهد النبي ﷺ فيها، ويخبر بالحكم الذي أداه إليه فيها اجتهاده.
стр. 113
وقد يكون هذا الاجتهاد صواباً فيقره الله تعالى عليه فيصبح وحياً، وقد يكون هذا الاجتهاد خطأ فينزل علية الوحي بتصويب ما أخطأ فيه ﵊ فيثبت الحكم بالوحي، ويصدق في كلا الحالين أنه ﷺ اتبع ما يوحى إليه من ربه، وما نطق عن الهوى.
* * *
стр. 114
آيات عتاب المصطفى ﷺ -
بينا -فيما سبق- أن العتاب لرسول الله ﷺ في آيات القرآن -التي غلب على ظني أنها موضع عتاب له ﵊ لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية، وقد بينت حقيقة هذه الأنواع والمقصود منها.
وآتي الآن إلى تفصيلها، وعرض الآيات التي تمثل كل نوع منها كل على حدة آملاً من الله تعالى التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد وحسن الأدب في بيان المراد.
النوع الأول
من أنواع عتاب الرسول ﷺ هو ما سميناه (عتاب التوجيه) -كما سبق أن أوضحنا ذلك- وهو يشمل حالين من أحوال رسول الله ﷺ في دعوته إلى الله.
* * *
الحال الأول من عتاب التوجيه
الحال الأول: حينما فجأه الوحي بالرسالة والأمر بتبليغها إلى الخلق في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)). وهي أول آية نزلت بالإنذار العام، وقد وجد رسول الله ﷺ نفسه وحيداً في هذا الشأن، وليس معه أحد على مثل ما طلب منه فاستعظم على نفسه إخراج الناس مما هم فيه من كفر وضلال إلى الهدى والنور، فضاق صدره الشريف الطاهر ذرعاً، وتهيب أن يواجه الناس بالتبليغ خشية أن يكذبوه، ويردوا عليه رسالته، فصمت، ولم يسارع إلى أمر الله بالإنذار، فإن ما كلف به من
стр. 115
مواجهة الناس بأن يعبدوا الله إلهاً واحداً ويتركوا ما ألفوه هم وآباؤهم من عبادة الآلهة المتعددة لأمر جلل في معيارهم الفكري، وعرفهم الجاهلي تنخلع له قلوبهم، يهبون لرده عن بكرة أبيهم ذوداً عن كيانهم، وإبقاء على معتقدهم القديم.
فليس من اليسير إذن مواجهتهم حالاً بما يكرهون، إذ الإقدام على ذلك -دون تريث وأعمال فكر في أنجع السبل التي تكفل ولو في ظاهر الحال حسن استجابتهم- قد يكون سبباً لصدودهم عنه وعدم قبولهم منه وذلك معناه الاستهداف لسهامه، والتعرض لغضبهم، والوقوع في نقمتهم.
في ظل هذا الموقف تريث رسول الله ﷺ في إبلاغ قومه، وصمت، ولعله في ذلك كان يتلمس أفضل السبل التي يمكنه بها إبلاغ ما أمره الله به إليهم بسبيل تكون أقرب إلى الاستجابة فنزل عليه جبريل ﵇ فأمره أن يسرع إلى تبليغ أمر ربه، وإلا تعرض لعذابه، روى الإمام البخاري -في كتاب " خلق أفعال العباد "-. عن أبي الأحوص عن أبيه قال: " أتيت النبي ﷺ ، فصعد في النظر وصوب، قلت: إلى م تدعو؟ وعم تنهى؟ قال: " لا شيء إلا الله والرحم " قال: " أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعاً، ورأيت أن الناس سيكذبونني فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك ".
стр. 116
قال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وأصله في السنن، وصححه ابن حبان والحاكم ".
وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " رب إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ".
وأخرج ابن راهويه في مسنده - كما ذكره الآلوسى في روح المعاني من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعاً، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت ".
قال القرطبي في تفسيره: ": قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً، وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية " أي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
قال السيوطي: " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي ﵁ قال:
стр. 117
" لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله ﷺ فقال: " يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني مهما أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم ْتفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ".
وروى البيهقي في الدلائل عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن الله
تعالى لما أمر نبيه ﷺ بأن يعلم الناس نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان
به كبر عليه ذلك وخاف التكذيب، وأنْ يتناول، فنزل عليه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني " فأنزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)
стр. 118
وزاد الآلوسي -في روح المعاني- إسناده إلى ابن حبان في تفسيره.
قال السيوطي: " وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد " قال: لما نزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) قال رسول الله ﷺ : " يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع على الناس " فنزلت (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
كان نزول هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) باعثاً قوياً في تجديد عزيمة رسول الله ﷺ وتقوية إرادته على تبليغ رسالته، ودافعاً قوياً على الامتثال مهما لاقى في سبيل ذلك من شدائد وأزمات لما في الأمر من وجوب التبليغ ولما في خطاب الآية من الشدة عليه.
* * *
من تَلَطُّف الله برسوله ﷺ في الخطاب
وقد علم الله تعالى ذلك من رسوله ﷺ فتلطف به لتخفيف ما وقع على قلبه الرحيم الطاهر من شدة الخطاب فأنزل عليه بعد ذلك قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ليلفت نظره إلى أنه هو في رسالته قوة قاهرة لا تغلبها قوة ولكنه قد جعل له سببلاً من الأسباب الظاهرة التي تخفف عنه ﷺ شدائد الخطاب، وتبعث في قلبه الطمأنينة فقال له: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).
стр. 119
الحال الأولى
فإن الأمر بإنذار عشيرته الأقربين -وهو أمر بالإنذار الخاص بعد تقدم درس التربية بخطاب ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . .) الآية له حكمته الخاصة، وهو أن يأنس الرسول ﷺ بطبيعته البشرية إلى أنه سيجد بجانبه من يقف معه إيماناً أو حمية فيزيده ذلك إسراعاً في امتثال أمر الله تعالى إلى التبليغ، ولذلك جاء في حديث علي ﵁ الذي قدمنا صدره ومن خرجه- أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعا علياً فقال له: " اصنع لي صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واجعل لنا عساً من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلّغ ما أُمرت به " قال علي: ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول النبي ﷺ بضعة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: " كلوا بسم الله " فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال: " اسق القوم يا علي " فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد النبي ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي ﷺ . فلما كان الغد قال: " يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق
стр. 120
القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي " ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلم النبي ﷺ فقال: " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. . ".
وحديث علي هذا مروي مجزأ بطرق ليس فيها طعن فقوله " ضقت بها ذرعاً " موجود في حديث أبي الأحوص، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وفي مرسل الحسن السابقة، وقصة صنع الطعام ومبادرة أبي لهب لرسول الله ﷺ بما يكره موجودة في حديث البراء عند ابن مردويه.
وقصة اجتماع القوم لدعوتهم إلى الله تعالى موجودة في صحيح البخاري، وجمع ناس من أهله ﷺ في مسند الإمام أحمد.
واعتبر الحافظ ابن كثير -في البداية والنهاية- أن في طريق ابن أبي حاتم شاهداً لحديث علي الذي سقناه آنفاً ثم قال فيها أيضاً: " وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي، وربيعة ابن
стр. 121
ناجذ عن علي أيضاً نحو ما تقدم أو كالشاهد له.
وذكر الحافظ ابن حجر -في الفتح- قطعتين من حديث علي هذا وأسند إخراجه إلى ابن إسحاق والطبري والبيهقي في الدلائل ولم يذكر فيه طعناً، وأشار إلى أن حديث علي هذا هو عند ابن أبي حاتم من وجه آخر " وذكر في إحدى القطعتين ما بين الروايتين من اختلاف في عدد من حضر الطعام الذي دعا رسول الله ﷺ إليه القوم من عشيرته لما نزلت الآية.
* * *
الحال الثانية
بعد أن أنذر رسول الله ﷺ عشيرته الأقربين في اجتماعه بهم وبلغهم أنه جاءهم بخير الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى أمره أن يدعوهم إليه فبدره أبو لهب بما بدره به من الإعراض عن الهداية وعدم قبول الإيمان وقام القوم، وتفرقوا عنه، وبلغ هذا الموقف ملأ قريش وطواغيتهم فاشتدت عداوة قريش لرسول الله ﷺ ، واشتد إيذاؤهم له ولأصحابه، فاشتدت عزيمة رسول الله ﷺ وتعالت في مواجهة التحدي، ومضى قدماً في تبليغ رسالته والدعوة إليها لا يبالي من قريش غضبهم أو سخطهم إذا أسمعهم ما أنزل إليه في شأن آلهتهم، وتسفيه أحلامهم فكان أبو طالب يحرسه ويرسل معه -إذا خرج- بعض بني هاشم ليحرسوه فأنزل الله تعالى عليه قوله عز شأنه (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فترك رسول الله ﷺ الحرس.
стр. 122
حراسة فتيان بني هاشم لرسول الله ﷺ -
روى ابن كثير عن ابن مردويه والطبراني، وأخرج السيوطي عنهما أيضاً وعن أبي الشيخ وأبي نعيم في الدلائل وابن عساكر وكذلك الآلوسي في تفسيره عمن تقدم ما عدا الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه كعادته فقال رسول الله ﷺ : " إن الله قد عصمني من الجن والإنس ".
وروى ابن كثير والسيوطي في تفسيريهما عن ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فذهب ليبعث معه فقال: " يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة إلى من تبعث ".
ومعنى الآية يقتضي أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التي كانت تعترض رسول الله ﷺ وهو يدعو قومه ويبلغهم ما أنزل إليه من ربه، وفيه عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم فكانوا ينفرون منه لذلك.
стр. 123
فحوى الخطاب بهذه الآية
وأسلوبها بما فيه من قوة وتحذير يقتضى أنَّهَا واردة على أمر اقتضاه حفزاً لعزيمة رسول الله ﷺ وتقوية لإرادته على التبليغ رغم ما فيه مما ينفرهم فكأنه قيل له: بلغ ما أنزل إليك من ربك غير مبال بهم ولا خائفاً شيئا من قبلهم أو من غيرهم فقد تكفل الله بعصمتك منهم ومنعهم من أن يقتلوك أو يكفوك عن أداء رسالة ربك فأنت الظاهر عليهم ولك العقبى.
* * *
العباس أحد حراس رسول الله ﷺ -
روى ابن كثير عن ابن مردويه، والسيوطي في الدر عنه وعن الطبراني عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه فلما نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ترك رسول الله ﷺ الحرس ".
والعباس في حراسته هذه لرسول الله ﷺ هو -بلا شك- أحد فتيان بني هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله ﷺ .
وذهاب الحافظ لبن حجر -في الفتح- إلى أن ملازمة العباس لرسول الله ﷺ إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه - رحمه الله تعالى - عما تلهمه الآية ويقتضيه حال الدعوة في مستهلها من حاجة الرسول ﷺ إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه.
واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد في الأخبار من أن رسول الله ﷺ حرس في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي رجوعه من خيبر وفي وادي القرى وفي عمرة القضية وفي حنين،: هذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن
стр. 124
وقعة حنين غير مسلم من وجهين:
* * *
(ملازمة العباس لرسول الله ﷺ
الوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول ﷺ ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله ﷺ من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس فإنه يدل على رسول الله ﷺ بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب.
* * *
(قدوم البراء وكعب ابن مالك على رسول الله ﷺ
ومن أمثلة ذلك ما روى ابن سيد الناس في عيون الأثر، وابن كثير في البداية والنهاية من أن البراء بن معرور، وكعب بن مالك الأنصاريين ﵄ قدما مكة عام بيعة العقبة الكبرى - وكانا قد أسلما في المدينة على يد مصعب ابن عمير ﵁ فذهبا يسألان أهل مكة عن رسول الله ﷺ ولم يكونا يعرفانه ولا سبق لهما أن رأياه فأخبرهما رجل من أهل مكة بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب في المسجد، قال البراء: " خرجنا في حجاج قومنا من المشركين. . حتى قدمنا مكة. . فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلاً من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفانه؟ قلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال:
стр. 125
قلنا: نعم -وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجراً- قال: فإذا دخلت المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال: فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: " هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، قال: " كعب بن مالك " فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ " الشاعر؟ " قال: نعم ".
* * *
(حضور العباس بيعة العقبة الكبرى)
ومما يؤيد ملازمة العباس لرسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة أيضاً -وهي بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله ﷺ من أعدائه- أن العباس لم يترك رسول الله ﵊ وحده حتى في هجوع الليل، وسكون الأرواح فيه فقد حضر العباس مع رسول الله ﷺ بيعة العقبة الكبرى التي تمت بين رسول الله ﷺ وبين الأنصار بعد أن مضى ثلث الليل كما جاءت الروايات بذلك، فقد كان العباس بن عبد الطلب أول متكلم في اجتماع الأنصار برسول الله ﷺ في تلك الليلة فقال: " يا معشر
الخزرج. . إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده. . فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما عملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. . "
стр. 126
(أسباب حراسته ﷺ بمكة)
فحراسات رسول الله ﷺ بمكة من قبل أهله وعشيرته كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية محمد ﷺ وهو منهم في الذروة لرد اعتداء قريش عنه ومنع طغيانها عليه.
* * *
(أسباب حراسته ﷺ بالمدينة)
الوجه الثاني: إن حراسته ﷺ بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله ﷺ في المدينة نراها إما في أول مقدمه المدينة كما في حديث عائشة رضى الله عنها عند البخاري أنها قالت: " أرق النبي ﷺ ذات ليلة فقال: " ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة " إذ سمعنا صوت السلاح قال؟ " من هذا؟ " قال سعد: يا رسول الله جئت أحرسك، فنام النبي ﷺ حتى سمعنا غطيطه " وهو في مسلم عنها بلفظ " سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: " فذكره.
وهو عند الترمذي عنها أيضاً قالت: " كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال لهم: " يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ".
* * *
(حراسة أبي أيوب رسول الله ﷺ ليلة بنائه بصفية)
أو أن تكون أسباب حراسته ﷺ أموراً داخلية. خاصة به كما في حراسة أبي أيوب ﵁ لرسول الله ﷺ ليلة بنائه ﵊ بصفية وهو عائد من خيبر فقد بَيَّنَ أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله ﷺ حين
стр. 127
سأله رسول الله ﷺ عن حراسته له فقال أبو أيوب: " خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك " فقال رسول الله ﷺ : " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ".
أو أن تكون وقائع حربية كما في حراسته ﷺ في بدر وأحد والخندق وحنين وغيرها من المشاهد الحربية.
* * *
(مشروعية حراسة ولي الأمر)
وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله ﷺ كان يعلم قطعاً في هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم ولكنه طلبها أو أقرها تشريعاً لأمته وحماية لكيان الجيش من التفرق وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر نفسه: " وإنما عانى النبي ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل وأيضاً فالتوكل لا ينافي تعاطى الأسباب لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن. . وقد قال ﵊: " اعقلها وتوكل ". . قال: وقال القرطبي: ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أنه ليس في إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد ".
أما حديث عاثشة السابق فاختلاف ألفاظ الروايات فيه تشير إلى أنها حدثت أولاً كل أمر سمعته من غيرها كما في حديث الترمذي - وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية وهو محتمل احتمالا قوياً أن يكون في مكة
стр. 128
فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما " لا يخفى ليس بنص في المقصود كما قال الألوسي في تفسيره.
وهي ﵂ تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته وكانت فيه مع رسول الله ﷺ بدليل رواية الإمام أحمد " وهي إلى جنبه ".
* * *
(وثوق الرسول ﷺ بعصمة الله له)
ومما يؤيد القول بمكيتها ما كان يجابه الرسول ﷺ به المشركين من شديد القول ومؤلم الزجر والإنذار، وبروزه وتعرفه لهم في ساعات استطارة الشر واستعار الغضب غير هائب ولا خائف منهم ذلاً ولا غلبة، فقد قال ﷺ لابنته زينب ﵂ لما بكت عليه حين رأت إطباق المشركين على أذاه وتطاولهم عليه في مجمع من الناس بمكة في موسم حج من مواسمها فجاءته مذعورة تحمل إليه ماء وقد بدا نحرها من شدة الخوف عليه - مطمئناً إياها: " يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلاً " وفي عيون الأثر وسيرة ابن هشام " يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك ".
فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه ﷺ كان على يقين من عصمة الله تعالى له من جميع ما يكيدون ويدبرون.
* * *
ظهور القول بمكية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
وأيضاً فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما في أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ والتحريض عليه والتوعد على التقصير فيه يتنافى مع ما كان عليه
стр. 129
رسول الله ﷺ في المدينة من عزة ومنعة مكنته من الوفور على التبليغ ونشر الدعوة بقوة ونقلها إلى خارج المدينة التي هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها. بل كيف يتأتى القول أن تترك عليه آية العصمة من الناس في المدينة وهو للعصمة أحوج في مطلع الرسالة منه إليها في آخرها وسورة " المائدة من آخر القرآن تنزيلاً ... ".
وتأييده ﷺ في المدينة بالمؤمنين ظاهر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فلا معنى لإخباره -على القول بمدنية آية العصمة من الناس- بعصمته من الناس وقد عرفه قبلاً أنه مؤيد بنصره وبالمؤمنين.
وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله - في بعث أبي طالب حراساً مع رسول الله ﷺ - بأن " هذه الآية مدنية وهذا الحديث يقتضي أنها مكية " غير مسلم لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلاً سوى ما يظهر من أنها موجودة في نظم التلاوة في سورة مدنية.
ووجود الآية في سورة مدنية لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيراً من الآيات المكية وضعت توقيفاً منه ﷺ في سور مدنية وكثيرًا من الآيات المدنية وضعت توقيفاً في سور مكية.
стр. 130
وبهذا أيضاً يرد على القرطبي فيما ذهب إليه من أن حديث ابن عباس ﵄ -الذي سبق أن سقناه- يقتضي مكية هذه الآية والسورة مدنية بإجماع. فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.
ودعوى أبي حبان في البحر أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنه في قصة اليهود والنصارى - في مسلمة أيضاً لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها في المعنى متسقة في الربط والتناسب لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات إذ كثيراً ما تكون الآية مكية لكنها مناسبة لمعاني آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفاً من رسول الله ﷺ .
وبهذا البيان الذي صور حالة الرسول ﷺ في مطلع رسالته وموقف أعدائه المشركين منه ومن دعوته وانتصابهم لإيذائه وإيذاء أصحابه وإقامة العوائق أمامه في دعوته وما كان يضيق به صدره الشريف -بما ينزل عليه من آيات تعيب المشركين وتسفه أحلامهم، وأحلام آبائهم وتعيب آلهتهم- من أمره بتبليغ رسالته مهما يكن فيها من شدة على المشركين يفهم ما جاء في آيات وصفت ضيق صدره ﷺ بما أنزل إليه من ربه ونهيه عن هذا الضيق وهي التي أطلقنا عليها آيات عتاب التوجيه.
стр. 131
القسم الأول من عتاب التوجيه
بينا -فيما سبق- أن المقصود من الحالة الأولى من حالتي عتاب التوجيه لسيدنا رسول الله ﷺ هي إشعاره ﷺ -بتحميله أمانة القيام بتبليغ رسالته، وتقوية عزيمته في تبليغ ما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم مهما بلغ ما فيها من شدة الإنذار والزجر والتهديد وعيب الشرك ومعتنقيه، ومن مات عليه.
وبالنظر في آيات القرآن الكريم ومطابقتها لوقائع سير الرسالة وتبليغها -مع عدم الجزم بترتيب نزول الآيات- رأينا أن نقف في هذا الترتيب مع وقائع التبليغ التي وردت بها الأحاديث الثابتة في بيان اختلاف مواطن التبليغ، ونشر الدعوة.
فكانت الآيات التي تعبر عن ضيق صدر النبي ﷺ في مطلع الرسالة ومباديها، هي المقصودة بالحديث عن توضيح هذه الحالة، وما جاء فيها من عتاب.
وأبين موضع يمثل هذ الحالة -في نظرنا- صدر سورة الأعراف: وهو قوله تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)).
فالكتاب في أسلوب الآية الكريمة هو القرآن الكريم، لأن المخاطب هو المنزل إليه الكتاب، وهو سيدنا رسول الله ﷺ خاتم النبيين والمرسلين.
стр. 132
فالكتاب بنص الآية هو القرآن الكريم، وعلى ذلك أجمع المفسرون وتفريع النهي عن أن يحرج صدر رسول الله ﷺ بهذا المنزل إليه هو موضع إفادة عتاب التوجيه للرسول ﷺ في الآية الكريمة.
* * *
(الحرج لغة)
والحرج في اللغة هو الضيق الشديد الذي لا يوجد معه في الصدر منفسح، مأخوذ من قولهم " حرجة للشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة " قال أبو زيد: " سميت بذلك لالتفافها وضيق المسلك فيها ".
قال الزجاج في معاني القرآن: " الحرج في اللغة أضيق الضيق " وقال ابن الأثير -في النهاية-: " الحرج في الأصل الضيق ".
وقد اختلف المفسرون في المراد بالحرج في الآية الكريمة، فذهب كثير منهم إلى أن المراد بالحرج في الآية الكريمة معناه اللغوي: وهو الضيق الشديد.
стр. 133
وذهب غيرهم إلى أن الحرج في الآية معناه الشك. وهذا معنى مجازي للحرج. ثم بيّن القائلون بأن الحرج معناه الشك -لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه- وجهتهم بيد أن عباراتهم اختلفت في المشكوك فيه فقال فريق: " لا تشك في أنه منزل من الله ". وقال فريق: " لا تشك في لزوم الإنذار به ". وقال آخرون: " لا تشك في عدم القدرة على القيام بأدائه وتبليغه ".
ولا وجه للصيرورة إلى المعنى المجازي في الآية مع إمكان المعنى اللغوي الحقيقي فيها، إذ الأخذ بالمعنى الحقيقى للكلمة هو الأصل ولا يعدل عنه إلا لقرينة مانعة من الأخذ به، فما بالك والمعنى في هذه الآية يحتم الأخذ بالحقيقة، لأن الرسول ﷺ معصوم من الشك على أي من الوجهين المذكورين في أن القرآن من عند الله أو في عدم لزوم الإنذار به.
ولعل هذا هو مراد أبي حيان في البحر من قوله -بعد أن أورد القول بتفسير الحرج بالشك-: " وهو تفسير قلق " وهو بلا ريب أحرى بهذا الوصف وأكثر منه.
стр. 134
وليس معنى هذا امتناع أن يراد معنى مجازي للحرج يليق بمقام الآية كتفسير من فسر الحرج بالخوف من التكذيب، لأن هذا الخوف مع متعلقاته لازم من لوازم ضيق الصدر الطبعي ولا تمنع منه العصمة.
وليس في روايات ترتيب السور، ولا في أسباب النزول ما يقطع بوقت نزول سورة الأعراف في مكة، والمعهود أن السورة ولا سيما الطول من القرآن لا تنزل آياتها دفعة واحدة، ولم يقل ذلك إلا في الأنعام، فالاحتمال قائم على أن مطلع سورة الأعراف -ومنه الآية التي هي موضع البحث هنا- من أوائل ما نزل من القرآن الكريم بعد الآيات التي قطعت الروايات الصحيحة بأنها أول ما نزل من القرآن العظيم كآيات أوائل سورة " اقرأ " وأوائل سورة " المدثر ".
والنظر في الآية التي معنا يفيد -بما احتف به من قرائن كثيرة وما جاء من روايات قدمنا ذكرها وتحقيق ما فيها من ضيق صدر رسول الله ﷺ في مطلع هذا البحث - أن هذه الآية مما نزل في أوائل الأمر بالإنذار العام- أي في الوقت الذي كان يعتري رسول الله ﷺ فيه ضيق صدره من تبليغ ما أنزل إليه، لأن النهي عن الحرج في الآية يقتضي أن يكون وارداً على سبب اقتضاه.
والذي دلت عليه الروايات التي يمكن أن تكون تفسيراً هذه الآية هو أن رسول الله ﷺ لما أعلم أنه رسول الله إلى الناس وأن عليه أن يبلّغ رسالة الله إلى خلقه منذراً بها، وداعياً إليها، وهادياً إلى أحكامها وشرائعها ضاق بها ذرعاً، وتهيب مواجهة الناس بما أنزل إليه فصمت ولم يسرع إلى التبليغ، فنزل عليه جبريل ﷺ ، وأخبره أنه إن لم يبلغ أمر ربه عرّض نفسه لعذابه.
стр. 135
وسبق أن أوردنا من الأدلة على هذا ما فيه الكفاية.
وليس بدعاً أن يخاف رسول الله ﷺ قومه، وإعراضهم عن دعوة الحق التي بعثه الله بما، وفيهم من المكر والخديعة ما وصفهم الله تعالى به بقوله (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) وقد كان من الرسل من أولى العزم قبله من كان يخاف تكذيب قومه لشدة ما كان يتوقعه منهم من تكذيب وأذى، كما حكى الله تعالى ذلك عن سيدنا موسى ﵊ بقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).
* * *
(الغرض من النهي عن الحرج من الإنذار بالقرآن)
فالنهي عن الحرج في آية الأعراف هذه بيان لما يجب أن يكون عليه رسول الله ﷺ من المسارعة في تبليغ ما أنزل الله إليه مهما بلغ ما فيه من تنفير الكافرين وتباعدهم عنه، وما فيه من شدة عليهم لما اشتمل عليه من تسفيه أحلامهم الضالة عن هدى الله تعالى، وعيب آلهتهم وانتقاص آبائهم بما ارتكبوه من جريمة الشرك والإعراض عن توحيد الله.
كما أن النهي هنا يتضمن أمراً برفع الحرج من الصدر لأنه إذا لم يحرج صدره منهم استطاع تبليغهم ما أراده الله منه.
وتهيُّبه ﷺ منهم مخالف لهذا الإيجاب، فلذلك نهاه الله تعالى نهياً متضمناً لسرعة الإقدام على التبليغ، والتذرُّع بالصبر والاحتمال لما يلقى من شدة الكافرين.
стр. 136
هذا جرْيٌ على تعلق قوله تعالى (لِتُنْذِرَ بِهِ) بالفعل المنهي عنه في قوله (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ).
وجملة المعنى على هذا هو أن الله تعالى ينهى رسول الله ﷺ أن يضيق صدره بالقرآن ليتحقق ما أنزل من أجله وهو الإنذار للمعاندين - الجاحدين والذكرى للمؤمنين الذي يستتبع بصد الكافرين وصدودهم عَنه تننفيرهم وابتعادهم عنه وترغيب المؤمنين وتذكيرهم بنعم الله عليهم ليستديموا موجبات الإيمان والشكر والثبات على الحق.
وفيه وجه آخر: وهو تعليق قوله (لِتُنْذِرَ بِهِ) بقوله (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وجاءت جملة النهي (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) متوسطة بين السبب وهو " الإنذار " به والمسبب وهو " المنزل إليه " تقريراً لما قبله (وهو الإنزال إليه المقتضى عدم ضيق صدره منه)، وتمهيداً لما بعده وهو (لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
وجملة المعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى يخبر رسوله ﷺ بأنه أنزل إليه الكتاب لينذر به، وهذا مقتض للإلزام بالإنذار به فكأنه قيل لرسول الله ﷺ : كتاب أنزل إليك لتنذر به فأنت بمقتضى رسالتك المعنونة بإنزال الكتاب إليك ملزم بالإنذار به مهما بلغت آياته من الشدة في تنفير الكافرين عنك.
стр. 137
(من جميل التلطف في الخطاب برسول الله ﷺ
ولما كان في هذا الخطاب شيء من الشدة على رسول الله ﷺ تلطف الله به وجعل إلى جانب الإنذار للمعاندين الجاحدين من الكافرين ذكرى للمؤمنين المستجيبين، فقال تعالى: (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فكأن إنزال الكتاب اشتمل على أمرين عظيمين:
الأمر الأول: دفع رسول الله ﷺ بقوة إلى إنذار الكافرين بما ينزل إليه من الآيات.
والثاني تسليته ﷺ في مقام إقدامه على التبليغ بأن الكتاب المنزل إليه ذكرى للمؤمنين يذكرهم بفضل الله وإنعامه وإحسانه إليهم بما هداهم إلى الإيمان.
أما أن هذا العتاب من قبيل (عتاب التوجيه) فلأنه قصد به نقله ﵊ من حالة التهيب والتأني في التبليغ إلى حالة الدفع والإقدام على تبليغ ما أنزل إليه تقوية لعزيمته وحفزاً لإرادته على التحمل فكأن الله ْتعالى يقول لرسوله ﷺ ليكن لك من قوة الإرادة وصلابة العزيمة ما يجعلك لا تبالي بهؤلاء المشركين وإيذائهم وسفاهتهم، وما يجعلك فسيح الصدر لا يضيق صدرك بما يضربونه لك من أمثال ولا بما يقولون من تكذيبك وصد عن سبيل دعوتك، وما عليك إلا أن تنذرهم بطشتنا وبأسنا لعلهم يثوبون فيزدجروا مرتدعين عن ضلالهم وكذلك لتنذر به المؤمنين الذين فتح الله قلوبهم للهداية وقبول الإيمان.
* * *
(ثانية آيات العتاب التوجيهي)
وثانية آيات العتاب التوجيهي لسيدنا رسول الله ﷺ بحسب ما وصل إليه بحثي -هي قوله تعالى- في سورة هود - (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا
стр. 138
أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) فقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد أن بيّن الله تعالى حال الإنسان الذي تبطره النعمة ويضجره سلبها، بأنه إذا نزعت منه نعمة -من صحة وأمن ومال وجاه وولد وغيرها مما كان يتمتع بها- بسبب كفره بها وعدم شكره الله عليها، فإنه ييأس من روح الله تعالى، ويقطع رجاءه منه، لعتوه في كفره، وأنه إن ذاق نعماء بعد ضراء مسته نسي ما كان فيه من شدة وبؤس، فبطر وأشر بما أنعم الله عليه، فهو بذلك فخور على الناس منشغل به عن أن يقوم بحقه.
ولم ينج من هذه الصفات السيئة إلا الصابرون على الضراء متى حلت بهم إيماناً بالله واحتساباً لثوابه واستسلاماً لقضائه العاملون الصالحات فهؤلاء هم المبشرون بمغفرة من الله لذنوبهم وأجر كبير، وسيد هؤلاء سيدنا محمد ﷺ فقد كان المثل الأعلى في الصبر الجميل والصفح العظيم.
فإقامة الوصف - (صبروا) - في المستثى -وهو صلة الموصول مقام الموصوف وأصله (آمنوا) بدلاً من صبروا- ترغيب لرسول الله ﷺ في استدامة ما هو عليه من التذرع بجميل الصبر وقوة الاحتمال في سبيل تبليغ رسالته ونشر دعوته.
فكان ما سبق قوله تعالى (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) الآية إعداداً وتهيئة لقبول ما جاء فيها بصدر رحب وقوة لا تقادر للنهض بتبليغ جميع ما أنزل الله إليه، ولذلك " صدرت بالفاء تفريعاً على ما سبق من الرد عليه، والاستهزاء به، تنبيهاً على سببية ذلك " في الإشفاق عليه وتحذيره
стр. 139
مما يلحقه، بما تضمنه الاستثناء الذي يقضي بمطالبة الرسول ﷺ أن يكون صبره فوق كل صبر كما يشير إلى ذلك وضع " صبروا " مكان " آمنوا ".
* * *
ما يدل عليه التعبير بـ (لعل) في هذه الآية
كما صدرت بـ (لعل) الدالة على الإشفاق المتضمن لمحبة المشفِق -بكسر الفاء- للمشفَق عليه وتحذيره مما يلحقه من الرد عليه والاستهزاء به والإعراض عن دعوته، تلطفاً برسول الله ﷺ في (أنه بلغ من حاله في بذل الجهد في تبليغهم مثل حال من يرجون منه أن ييأس منهم فيترك بعض ما يوحى إليه) مما فيه تسفيه لأحلامهم، وسب لآلهتهم وعيب لآبائهم.
وهذه الآية تجري في شوط آية الأعراف -التي قدمنا الحديث فيها- من جهة أن فيها ذكراً لضيق صدر رسول الله ﷺ ضيقاً بلغ من شدته أن يكون في حالة من يتوقع منه أعداؤه أن يترك بعض ما أنزل إليه لشدة ما بذل من جهد في الأداء دون أن يثمر فيهم.
وقد استروح ناصر الدين ابن المنير في انتصافه على الكشاف بآية هود هذه على تفسير الحرج بالضيق في آية الأعراف.
كما استروح إليه الألوسي -في روح المعاني فقال- بعد أن فسر الحرج بالضيق: " ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. . .) الآية ".
стр. 140
وهذا المعنى العام يجمع بين هاتين الآيتين آية سورة الأعراف وآية سورة هود هذه.
وهذا يقتضي مكية آية سورة هود هذه خلافاً لمن زعم أنها مدنية مخالفاً بذلك رأي الجمهور، وهو الذي يتمشى مع مبنى هذه السورة كلها في أنها من قبيل إرشاد الله تعالى نبيه ﷺ إلى كيفية الدعوة من مفتتح السورة إلى مختتمها كما صرح بذلك صاحب الكشف فيما نقله عنه الألوسي فِي روح المعاني.
وقد بينا ما اختصت به آية سورة الأعراف من تعليل النهي عن ضيق الصدر بالإنذار والتذكير، أما هنا في آية سورة هود هذه فنرى ضيق الصدر معللاً بأن المشركين أرادوا من رسول الله ﷺ أن يتطلع إلى زخارف الدنيا ليجذب بها قلوب المدعوين إلى الله، فكانوا يقولون لولا أنزل عليه كتر ينفق منه على دعوته ويجتذب به القلوب ويستغني به هو وأصحابه في كسب الأنصار، ويشتري به النفوس، ويستهوي به القلوب.
فإلم يكن معه كنز فليكن معه ملك يشهد برسالته وصدقه في دعوته.
وقد جاءهم الرد من الله تعالى على هذا التعنت، والعناد والمكابرة بالباطل ببيان مهمة الرسول ﷺ ، وأنه في دعوته ورسالته ما هو إلا نذير الكافرين يخوفهم بطش الله تعالى وانتقامه، ويلفت نظرهم إلى ما وقع على أمثالهم من الأمم السابقة الذين أخذهم الله بذنوبهم فلم يترك لهم من باقية.
стр. 141
وهذا الرد شبيه بالرد عليهم فيما تعنتوا به من مقترحات عنادية وطلب آيات لمحض التعنت والعناد، كما جاء في سورة الإسراء -بعد أن حكى الله تعالى ما طلبوه متعنتين- لقوله تعالى: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).
ثم بيّن لهم أن ما اقترحوه من آيات لم يقصدوا به الإيمان ولو قصدوه لكان في آية واحدة منه غنية عن جميع الآيات المقترحة وقد نزل عليهم القرآن، وتحداهم به، وقال الله تعالى في شأنهم: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) وإن إجابة هذه المقترحات ليس من شأن الرسول ﷺ ولا من مهمته وإنما هي من شأن الله تعالى الوكيل على النفوس، الحفيظ عليها، المحصي لأعمالها لمجازاتها في يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت.
ومن هنا جاء ختم هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) حاملاً رفع مسئولية إدخالهم في الهداية عن رسول الله ﷺ وتهديداً قوياً، ووعيداً شديداً للكافرين الجاحدين لتوحيد الله الخارجين عن طاعة رسول الله ﷺ .
* * *
(موطن العتاب في هذه الآية الكريمة)
فموطن العتاب في آية هود هو التشابه الذي بينها وبين آية سورة الأعراف كما بيناه مفصلاً فيما سبق ودليله في أسلوب الآية الكريمة التفريع بالفاء الداخلة على " لعل " التي أريد منها التلطف بالنبي ﷺ والإشفاق
стр. 142
عليه وتحريك عزيمته وتهييج مشاعره على الثبات أمام ما يلقاه من فوادح الإيذاء والتقول المفترى والتعنت بالمقترحات الباطلة التي رد عليها بما أنزله الله عليه لبيان مهمته بقوله (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) وقوله (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ).
وأما أن هذا العتاب من قبيل عتاب التوجيه فهذا ظاهر حيث لم يعقب بما يشعر بلوم أو مؤاخذة وإنما هو محض إرشاد وتوجيه وتبيان لمعالم الطريق التي ينبغي لرسول الله ﷺ سلوكها في تبليغ رسالته.
* * *
(الآية الثالثة)
ومن نحو آية سورة هود قوله تعالى -في سورة الحجر- (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)) في أنها تصف النبي ﷺ بضيق الصدر مما يقولون.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن أعداء رسول الله ﷺ ، وأعداء دعوته المستهزئين المتربصين برسالته الدوائر بعد أن أمره الله تعالى بالصدع بأمر الدعوة، وأن يعرض عن المشركين.
وعقب آية أمره بالصدع بالدعوة بتبشيره ﷺ بأنه تعالى قد أزال من طريقه أولئك المستهزئين الماكرين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، فكفاه إياهم، ففسح بذلك أمره، ورفع من سبيله ما كان يراه عسراً فلا يضيق
стр. 143
صدرك أيها الرسول بما يقولون من هجْر القول والتكذيب والاستهزاء والسخرية بك، وبدعوتك التي أرسلك الله بها لتخرجهم من ظلمات جهالة الشرك، والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد، ولا يشغل قلبك أمرهم، فيدخل عليه هماً أو غماً، ويقتطع شيئاً من وقتك فاصرف قلبك من ذلك، وتوجه إلى الله تعالى بكثرة التسبيح له والسجود لجلاله يكفك ويكشف عنك كل ما يعترض سبيلك من معوقات، ويرفع عنك كل ما تجده من ضيق وحزن لمجرد ما تسمع من مقالات كاذبة تصدر عن أعدائك المشركين.
وتختلف هذه الآية الكريمة عن الآيتين السابقين في أن ضيق الصدر فيها جاء معللاً " بما يقولون " وبيّن في آية سورة هود بعض قولهم، كما بيّن في سور أخرى، وجعل التعليل في آية سورة الأعراف بالإنذار بالكتاب المنزل عليه، والتذكير به.
وما يقولون محتمل أن يكون من قبيل قولهم في آية سورة هود، وما جاء في مثيلاتها في السور الأخرى.
والإبهام هنا -بعدم ذكر ما يقولون- مخفف لوطأة الخطاب، بل يجعل فيه تلطفاً برسول الله ﷺ يقتصر على التذكير بما كان فِي صدر رسول الله ﷺ ، وإنه يراد لهذا الضيق أن يزول فلا يبقى له أثر في صدره الشريف بدليل التفريع بعده في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)).
стр. 144
(موطن العتاب فيها)
وموطن العتاب في هذه الآية الكريمة أنَّهَا كآية سورة هود وآية سورة الأعراف ذكر فيها ضيق صدر رسول الله ﷺ بقول المشركين المستهزئين، وتكذيبهم إياه، وتطلبهم منه -في آية سورة هود- أن يتجه إلى زخارف الدنيا ليكون له منها ما يجتذب به القلوب ويشتري العقول.
وأما كونه من قبيل عتاب التوجيه فلأنه عقب بطلب التسبيح والتقديس والاستغراق في الفكر في جلال الله تعالى وعظمته ليذهب عنه ما يجد من ضيق الصدر، ولم يعقب بما يدل -من قريب أو بعيد- على ملامة -وحاشاه منها- أو مؤاخذة.
* * *
(عتاب الدفع وتقوية العزيمة)
ومما يلحق بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول (عتاب الدفع وتقوية العزيمة) - ما ورد عن آيات فيها النهي عن الحزن، وعن ضيق الصدر بسبب مكر الماكرين من المشركين.
وذلك في آيتين:
الأولى: في آخر سورة النحل - وهي مكية إلا أن هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) والتي قبلها والتي بعدها، فإنها كما تقول روايات أسباب النزول نزلت في قصة استشهاد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ في غزوة أُحد.
стр. 145
وقد ضعَّف علماء الحديث ما جاء في قصص السيرة وأسباب النزول من أن رسول الله ﷺ أراد التمثيل بأحد من المشركين الذين مثلوا بسيدنا حمزة ﵁ إذا ما ظفر بهم يوماً.
والثانية: قوله تعالى -في سورة النمل- (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وهذه مع وحدة الأسباب والألفاظ التي تجعلها في وحدة مع آية سورة النحل جاءت في سياق إنكار المشركين للبعث، وتوعد الله تعالى إياهم بأنه سيوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم ممن كانوا على مثل قولهم في إنكار البعث والشرك بالله تعالى والمكابرة.
ولذلك سبقها قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)).
وهاتان الآيتان إنما ألحقتا بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول- لما فيهما من النهي عن الحزن وضيق الصدر تقوية لعزيمة رسول الله ﷺ : تثبيتاً لإقدامه في تبليغ رسالته دون أن يعتريه ما يكون سبباً في تعويق الدعوة إلى ْالله تعالى ونشرها بين الكافة والخاصة.
следующие страницы →