← Акыда

Акыда · id 29736

آيات عتاب المصطفى في ضوء العصمة والإجتهاد

عويد المطرفي

Полный текст (304 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا الرد شبيه بالرد عليهم فيما تعنتوا به من مقترحات عنادية وطلب آيات لمحض التعنت والعناد، كما جاء في سورة الإسراء -بعد أن حكى الله تعالى ما طلبوه متعنتين- لقوله تعالى: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا). ثم بيّن لهم أن ما اقترحوه من آيات لم يقصدوا به الإيمان ولو قصدوه لكان في آية واحدة منه غنية عن جميع الآيات المقترحة وقد نزل عليهم القرآن، وتحداهم به، وقال الله تعالى في شأنهم: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) وإن إجابة هذه المقترحات ليس من شأن الرسول ﷺ ولا من مهمته وإنما هي من شأن الله تعالى الوكيل على النفوس، الحفيظ عليها، المحصي لأعمالها لمجازاتها في يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت. ومن هنا جاء ختم هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) حاملاً رفع مسئولية إدخالهم في الهداية عن رسول الله ﷺ وتهديداً قوياً، ووعيداً شديداً للكافرين الجاحدين لتوحيد الله الخارجين عن طاعة رسول الله ﷺ . * * * (موطن العتاب في هذه الآية الكريمة) فموطن العتاب في آية هود هو التشابه الذي بينها وبين آية سورة الأعراف كما بيناه مفصلاً فيما سبق ودليله في أسلوب الآية الكريمة التفريع بالفاء الداخلة على " لعل " التي أريد منها التلطف بالنبي ﷺ والإشفاق

стр. 142

عليه وتحريك عزيمته وتهييج مشاعره على الثبات أمام ما يلقاه من فوادح الإيذاء والتقول المفترى والتعنت بالمقترحات الباطلة التي رد عليها بما أنزله الله عليه لبيان مهمته بقوله (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) وقوله (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ). وأما أن هذا العتاب من قبيل عتاب التوجيه فهذا ظاهر حيث لم يعقب بما يشعر بلوم أو مؤاخذة وإنما هو محض إرشاد وتوجيه وتبيان لمعالم الطريق التي ينبغي لرسول الله ﷺ سلوكها في تبليغ رسالته. * * * (الآية الثالثة) ومن نحو آية سورة هود قوله تعالى -في سورة الحجر- (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)) في أنها تصف النبي ﷺ بضيق الصدر مما يقولون. وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن أعداء رسول الله ﷺ ، وأعداء دعوته المستهزئين المتربصين برسالته الدوائر بعد أن أمره الله تعالى بالصدع بأمر الدعوة، وأن يعرض عن المشركين. وعقب آية أمره بالصدع بالدعوة بتبشيره ﷺ بأنه تعالى قد أزال من طريقه أولئك المستهزئين الماكرين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، فكفاه إياهم، ففسح بذلك أمره، ورفع من سبيله ما كان يراه عسراً فلا يضيق

стр. 143

صدرك أيها الرسول بما يقولون من هجْر القول والتكذيب والاستهزاء والسخرية بك، وبدعوتك التي أرسلك الله بها لتخرجهم من ظلمات جهالة الشرك، والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد، ولا يشغل قلبك أمرهم، فيدخل عليه هماً أو غماً، ويقتطع شيئاً من وقتك فاصرف قلبك من ذلك، وتوجه إلى الله تعالى بكثرة التسبيح له والسجود لجلاله يكفك ويكشف عنك كل ما يعترض سبيلك من معوقات، ويرفع عنك كل ما تجده من ضيق وحزن لمجرد ما تسمع من مقالات كاذبة تصدر عن أعدائك المشركين. وتختلف هذه الآية الكريمة عن الآيتين السابقين في أن ضيق الصدر فيها جاء معللاً " بما يقولون " وبيّن في آية سورة هود بعض قولهم، كما بيّن في سور أخرى، وجعل التعليل في آية سورة الأعراف بالإنذار بالكتاب المنزل عليه، والتذكير به. وما يقولون محتمل أن يكون من قبيل قولهم في آية سورة هود، وما جاء في مثيلاتها في السور الأخرى. والإبهام هنا -بعدم ذكر ما يقولون- مخفف لوطأة الخطاب، بل يجعل فيه تلطفاً برسول الله ﷺ يقتصر على التذكير بما كان فِي صدر رسول الله ﷺ ، وإنه يراد لهذا الضيق أن يزول فلا يبقى له أثر في صدره الشريف بدليل التفريع بعده في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)).

стр. 144

(موطن العتاب فيها) وموطن العتاب في هذه الآية الكريمة أنَّهَا كآية سورة هود وآية سورة الأعراف ذكر فيها ضيق صدر رسول الله ﷺ بقول المشركين المستهزئين، وتكذيبهم إياه، وتطلبهم منه -في آية سورة هود- أن يتجه إلى زخارف الدنيا ليكون له منها ما يجتذب به القلوب ويشتري العقول. وأما كونه من قبيل عتاب التوجيه فلأنه عقب بطلب التسبيح والتقديس والاستغراق في الفكر في جلال الله تعالى وعظمته ليذهب عنه ما يجد من ضيق الصدر، ولم يعقب بما يدل -من قريب أو بعيد- على ملامة -وحاشاه منها- أو مؤاخذة. * * * (عتاب الدفع وتقوية العزيمة) ومما يلحق بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول (عتاب الدفع وتقوية العزيمة) - ما ورد عن آيات فيها النهي عن الحزن، وعن ضيق الصدر بسبب مكر الماكرين من المشركين. وذلك في آيتين: الأولى: في آخر سورة النحل - وهي مكية إلا أن هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) والتي قبلها والتي بعدها، فإنها كما تقول روايات أسباب النزول نزلت في قصة استشهاد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ في غزوة أُحد.

стр. 145

وقد ضعَّف علماء الحديث ما جاء في قصص السيرة وأسباب النزول من أن رسول الله ﷺ أراد التمثيل بأحد من المشركين الذين مثلوا بسيدنا حمزة ﵁ إذا ما ظفر بهم يوماً. والثانية: قوله تعالى -في سورة النمل- (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وهذه مع وحدة الأسباب والألفاظ التي تجعلها في وحدة مع آية سورة النحل جاءت في سياق إنكار المشركين للبعث، وتوعد الله تعالى إياهم بأنه سيوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم ممن كانوا على مثل قولهم في إنكار البعث والشرك بالله تعالى والمكابرة. ولذلك سبقها قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)). وهاتان الآيتان إنما ألحقتا بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول- لما فيهما من النهي عن الحزن وضيق الصدر تقوية لعزيمة رسول الله ﷺ : تثبيتاً لإقدامه في تبليغ رسالته دون أن يعتريه ما يكون سبباً في تعويق الدعوة إلى ْالله تعالى ونشرها بين الكافة والخاصة.

стр. 146

القسم الثاني من عتاب التوجيه وهو الذي سميناه عتاب الإقصار والكف عن بعض ما يبذله رسول الله ﷺ من المكابدة في التبليغ إبقاء عليه أن يبخع نفسه الشريفة ويقتلها. كان ما نزل من الآيات في عتاب الدفع وتقوية العزيمة لرسول الله ﷺ مشاعل من النور وقوة في دفع رسول الله ﷺ في تبليغ دعوته، وعدم المبالاة بما يلقى في سبيلها من تكذيب، وإيذاء وبلاء، كان يتخطاه رسول الله ﷺ بقوة عزيمته، وصارم إرادته، لا يبالي بما يكون، ولا بما يناله من آثار ذلك، ولا يوئسه منهم إعراضهم وصدفهم عن قبول دعوته، وصدودهم عن الاستماع إلى ما ينزل إليه من آيات ربه، بل كان دؤوباً صادق العزم، قوي الإرادة حتى بلغ من شدة حرصه عليهم ما كفه الله تعالى عن بعضه وأمره بالتخفيف منه قليلاً ليكون دائماً على أهبة التبليغ، ونشر الدعوة، فلا يؤخره صد منهم عن سبيل الله، ولا إعراض عنه. وكان ذلك جهداً فوق طاقته ﷺ ولكنه مهد السبيل لسير الدعوة، وتبليغها رغم ما كان فيه من إجهاد لطاقة رسول الله ﷺ ، فتلطف الله به وأنزل عليه آيات للإقصار والكف عن المبالغة في الجهد حتى لا يصيبه ﷺ من المشاق والمتاعب، والنصب ما يعوق الرسالة عن سيرها، فكان ذلك ما قصدناه من عتاب الإقصار والكف. * * * (آيات عتاب الإقصار) وقد تمثل هذا القسم في ثلاث آيات من القرآن الكريم حسب ما وصلنا إليه في البحث.

стр. 147

الآية الأولى -في أول سوره الكهف- هي قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)). الآية الثانية في -أول سورة الشعراء- هى قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)). الآية الثالثة -في سورة فاطر- هى قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)). أما الآية الأولى -آية سورة الكهف- فوردت في سياق آيات بينت أن الحمد لله الذي أنزل الكتاب المستقيم الذي لا التواء في نظمه، ولا تهافت في معانيه وأحكامه، ولا اختلاف في حقائقه قيماً بمصالح العباد الدينية والدنيوية، وافياً بها، مصدقاً لما قبله من الكتب شاهداً بصحتها. * * * (تضمُّن القرآن وجوه الخير) أنزله على عبده ورسوله سيدنا محمد ﷺ ، فهو يوجهه به لما فيه خيره وخير دعوته، والمدعوين إليها، مرة بدفعه وشد عزيمته في سبيل التبليغ، وأخرى بإقصاره فيه للوقوف به عندما أمره به من تبيين أسباب الهداية، وفائدتها في العاجلة والآجلة، وترك ما وراء ذلك لله تعالى الذي يحاسب كل نفس بما كسبت.

стр. 148

ثم بينت هذه الآيات الكريمة أن الغرض من إنزال الكتاب هو إنذار الكافرين، وتحذيرهم من عذاب شديد ينزل بهم من عند الله تعالى إن لم يؤمنوا بوحدانيته ويتبعوا رسوله محمداً ﷺ ، وتبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بما أعده الله تعالى لهم من أجر حسن في الآخرة، وديمومة لهذا الأجر العظيم. ثم تعود الآيات الكريمة لتذكر نوعاً خاصاً ممن عمهم الإنذار السابق من " مستحقي البأس الشديد إيذاناً بفظاعة، وشناعة كفرهم بالله " في تقولهم عليه تعالى بما ليس لهم ولا لآبائهم علم به في افترائهم على أن لله ولداً سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. وهنا يوجه الخطاب لسيدنا رسول الله ﷺ فيقول (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦). تفريعاً على ما سبق من إنزال الكتاب إليه، وجعله منذراً، ومبشراً به، وهذه مهمة أداء لا مهمة إرهاق وأحزان، وتوجيهاً له ﷺ إلى أن هولاء الكفار عطلوا عقولهم بكفرهم، وحجبوها عن أن تعرف خالقها حقه من وجوب الإيمان به والإتباع لرسوله ﷺ يستحقون أن يؤبه بهم، ولا أن يحزن عليهم ويؤسف. * * * (التلطف والإشفاق برسول الله ﷺ في توجيه الخطاب إليه) لذلك خوطب رسول الله ﷺ بـ " لعل " لما فيها من الإشفاق على المخاطب، والتلطف به للعود به إلى ما ينبغي له من الوقوف عنده في التبليغ، وجاء الخبر بعدها " باخع نفسك " لبيان ما وصل إليه رسول الله ﷺ من جهد في تبليغ قومه، وحرصه على هدايتهم، لأن بخع النفس معناه

стр. 149

في اللغة قتلها وإهلاكها غماً أو إضعافها فهو لشدة حرصه على إيمانهم، وإشفاقه عليهم، وصل إلى حال من يقتل نفسه وجداً عليهم أو يضعفها بما يبذل من جهد فوق طاقته طلباً أن يتحقق له ما يريد من هدايتهم ودخولهم في حظيرة الإيمان. وفي التعبير -في الآية الكريمة- بقوله " على آثارهم " مزيد بيان لملاحقته ﷺ لهم، وسعيه في دعوتهم، وهم عنه معرضون وإكمال للصورة التي رسمها قوله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ). أما قول (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) فبيان لسبب البخع، إذ أن عدم إيمانهم بما جاءهم به هو الذي زادهم بُعداً عنه، وزاده حرصاً عليهم، وأحزنه وأثار الأسف في نفسه خوفاً عليهم انتقام الله تعالى. * * * (موطن العتاب في الآية) وموطن العتاب في هذه الآية الكريمة في استعمال أداة الإشفاق وهي " لعل " فيما وصل إليه حال رسول الله ﷺ من شدة حرصه ومبالغته في دعوتهم تطلباً لإيمانهم حتى كاد يهلك نفسه أسفاً على عدم إيمانهم بالله واتباع رسوله. وهذا الإشفاق نظير قوله -في سورة هود- (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).

стр. 150

وأما أنه من عتاب التوجيه -في قسمه الثاني- فلأنه أريد به إقصاره وكفه ﷺ عن بعض ما يبذله مما هو فوق طاقته من الجهد في قوم لا يلوح فيهم رجاء. * * * (ثانية عتاب الإقصار) أما الآية الثانية من آيات كتاب التوجيه الإقصاري لكف رسول الله ﷺ عن بعض جهده في تبليغ دعوته إبقاء عليه ورحمة به فهي قوله تعالى -في أول سورة الشعراء- (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وهذه الآية نظيرة لآية سورة الكهف السابقة فهي في لفظها وأسلوبها مماثلة لها. وكما وردت آية سورة الكهف في سياق خاص أبرز التمهيد للعتاب في الآية هناك، كذلك هنا جاءت الآية في مفتتح سورة الشعراء إثر آية واحدة هي قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) وهذه الآية تحمل في طياتها من السياق المضمر ما يحمله سياق آية سورة الكهف في التمهيد لإبراز العتاب في صورته التي جاء بها. وذلك أن قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) معناه في مضمونه الذي انطوى عليه أننا أنزلنا عليك الكتاب -وهو القرآن الحكيم- كتاباً مبيناً فاصلاً بين الحق والباطل، وفارقاً بين الخير والشر، وقد أعَرض عنه هؤلاء المشركون فلم يتدبروا آياته، ولم يتعرفوا منازل أحكامه، واستمرؤا العكوف على الشرك والضلال، وحرصت أنت على إيمانهم حرصاً بلغت فيه مبلغ من يشفق عليه، ويرحم أن يبذل نفسه هذا البذل الذي يبخعها

стр. 151

ويهلكها ويضعفها، وذلك تعويق للرسالة لا تبليغ لها. وقوله تعالى ((لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) إشفاق من الله تعالى على نبيه ﷺ ، له قوة التعليل الضمني في بلوغ رسول الله ﷺ من الجهد ما هو فوق طاقته، وتبليغ الرسالة يقتضى أن يقصر من هذا الجهد ويكف عن بعضه حتى يقوم بواجب تبليغ رسالته على الوجه الأكمل دون أن يلحقه ما يضر بصحته. وقوله (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) مفعول لأجله معمول لـ (باخع)، والمعنى: لعلك في هذا الجهد الشديد قاتل نفسك حرصاً على إيمانهم لعدم وجود هذا الإيمان منهم رغم ما تبذل من كل جهد وطاقة. * * * (موضع العتاب من هذه الآية) وموطن العتاب فيها هو موطنه في نظيرتها آية سورة الكهف باستعمال أداة الإشفاق " لعل " وصيغة باخع نفسك والتعليل بعدم إيمانهم رغم ما يبذل من حرص على إيمانهم. وأما كونه عتاب توجيه فلأنه لم يعقب بتنبيه على شىء يجب تركه وإن لم يترك وقع ما يخاف منه، كما لم يعقب بتحذير وإنما أريد به نقله من حالة بذله غاية الجهد إلى التوسط فيما يبذله من ذلك وقوفاً مع ما أمر به. ويزيد هذا القسم من العتاب أنه عتاب إقصار وكف عن بعض ما يبذل من جهد في التبليغ على خلاف سابقه -عتاب الدفع- في أن المطلوب فيه كان قوة العزيمة، وبذل كل الجهد في تبليغ الرسالة مع عدم المبالاه بما يلقى من الأذى والبلاء في سبيل تبليغ رسالته.

стр. 152

الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار أما الموضع الثالث من العتاب التوجيهي لإقصار وكف بعض جهد رسول الله ﷺ في التبليغ إبقاء على نفسه وطاقته فجاء في آية من سورة فاطر وهو قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ). والمتأمل في هذه الجملة يجدها جاءت في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)). في سياق سبقت فيه بنداء عام إلى جميع الناس يذكرهم ربهم ﵎ فيه بنعمه عليهم وأجل هذه النعم خلقه تعالى لهم إبداعاً من العدم وتوليهم برحمته ورزقهم من السماء والأرض، وكان من حق هذا الإله المنعم المتفضل بالإحسان ألا يتخذ إله غيره، ولكن هؤلاء الكافرين عدلوا عنه إلى غيره، وانصرفوا عن عبادته إلى آلهة أصنام وأوثان عبدوها من دونه وكذبوا رسله، فحاكاهم هؤلاء المشركون الذين كذبوا رسول الله محمداً ﷺ ، وسخروا من دعوته، واغتروا بما في أيديهم من زخرف الدنيا ومتاعها مما حملهم عليه الشيطان لعداوته لكل إنسان كما أخبر الله تعالى في قوله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) ثم توعدهم بشديد العذاب إن ظلوا على كفرهم

стр. 153

وشركهم وإنكارهم فضل الله عليهم وإحسانه إليهم، وعقب ذلك بوعد منه تعالى للمؤمنين العاملين الصالحات فأبان أن لهم جزاء إيمانهم وصالح عملهم مغفرة وأجراً كبيراً. ثم جاءت الآية موضع البحث (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) الآية، والاستفهام في هذا إنكاري ينطوي على تنديد وتقريع لأولئك المشركين الذين اتبعوا ما زين لهم الشيطان من سوء عملهم فرأوه عملاً حسناً وهم لا يعقلون أن مرد الهدى والضلال إلى الله تعالى (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بعدله لسوء استعداد المكلف وخبث فطرته (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بفضله ورحمته وتوفيقه لما جبله عليه الخير والاستعداد لتقبل الحق والإيمان به. ولما كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على إيمان قومه من أولئك المشركين إرادة استنقاذهم من عذاب الله تعالي، وخلودهم في دار الجحيم بالغ ﷺ في ذلك الجهد، وبذل ما هو فوق طاقته ليهديهم، فأراد الله تعالى من نبيه الكريم ﷺ أن يقصر من هذا الجهد، ويكف عن بعضه إبقاء على نفسه وقوته حتى يستطيع أداء رسالته وتبليغها في حدود مهمته التي أخبر الله عنها بقوله تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) وقوله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) فقال له ناهياً مشفقاً رحيماً به (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

стр. 154

ومعنى ذلك: أنك أيها الرسول تعلم علم اليقين أن الهداية والضلال بيد الله تعالى ومشيئته فهو الذي يخلق الضلال في قلب الضال فلا تجد الهداية منفذاً إليه، وهو الذي يخلق الهداية في قلب المؤمن فينشرح لها صدره وينفسح لها قلبه فتتطابق أعمال جوارحه مع أعمال قلبه ليكون حقيقاً بوعد الله الذي قال فيه في سياق الآية المتقدم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ). * * * (موضع العتاب منها) أما موضع العتاب في هذه الآية ففي النهي عن إذهاب نفسه ﷺ على عدم إيمانهم متحسراً آسفاً حزيناً حتى كاد يبخع نفسه كما في آية سورة الكهف، وآية سورة الشعراء المتقدمتين. * * * (محصلة هذا النوع من العتاب التلطف به) وأما أنه عتاب إقصار وكف يراد بهما التوجيه فلأنه لم يعقب بشيء ويطلب من رسول الله ﷺ تحصيله ولا بشىء من التحذير وإنما يراد له ﵊ الانكفاف عن بعض ما يبذله من جهد في دعوته لقوم لا يلوح فيهم رجاء.

стр. 155

النوع الثاني عتاب التنبيه أما النوع الثاني من العتاب الإلهي لسيدنا محمد ﷺ فهو ما أطلقنا عليه (عتاب التنبيه) لأنه يختلف عن عتاب التوجيه في أن عتاب التنبيه يقصد به تنبيه المعاتب إلى عدم العود إلى الذي عوتب عليه لأنه لو لم ينبه لتكرر منه ذلك الأمر، وقد يؤدي به حال التكرار وعدم التنبيه عليه إلى ما هو فوقه. * * * (الغرض من هذا النوع) أما عتاب التوجيه فيقصد به نقل المعاتب من حالة كان عليها إلى حالة أخرى، يراد له المصير إليها. وفي حق رسول الله ﷺ كانت الحالة الأولى في طريق تبليغ الدعوة التهيب وضيق الذرع، فأريد نقله منها إلى حالة الدفع وقوة العزيمة في تبليغ الرسالة، أو نقله من حالة الدفع وشدة الحرص على هدايتهم إلى حالة الاعتدال والإقصار، والكف عن بعض ما يبلغه من جهد فوق طاقته تخفيفاً على نفسه الطاهرة مما يتحمله من شدة المشاق في تبليغ الرسالة مما قد يؤدي به -لو استمر فيه- إلى الإضرار بنفسه فيعوق الاستمرار في تبليغ الرسالة الخاتمة. * * * (حصر آيات هذا النوع من العتاب) والآيات التي تدخل تحت هذا النوع الضابط -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هي الآيات التالية:

стр. 156

١ - قوله تعالى: -في سورة براءة- (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)). ٢ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضاً- (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)). ٣ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضاً- (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)). ٤ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضاً- (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)). ٥ - قوله تعالى: -في سورة الكهف- (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)).

стр. 157

وكما هو نهجنا فيما تناولناه من الآيات الكريمة بالبحث -أن ننظر للآية في سياقها من السورة التي هي فيها ليكون ذلك السياق مفتاحاً لفهم الآية وكشف المراد بها- نعرض آيات هذا النوع من العتاب. * * * (أولى آيات هذا النوع من العتاب) وأولى هذا النوع قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)). والحديث عن هذه الآية يستدعي التقدمة لها بعرض ما يدل عليه سياقها ليتضح المراد بها خطاباً لسيدنا محمد رسول الله ﷺ . وقد بدأ سباق هذه الآية بنداء المؤمنين بأشرف أوصافهم وهو (الإيمان) الذي يبعث الطمأنينة والرجاء في نفوسهم، ويدفعهم إلى تقبل ما يأتي بعده من شدة في الخطاب تذكيراً لهم بمكانهم من الإيمان، ولفتاً لأنظارهم لما يوجه إليهم من خطاب يذكرون فيه بمقتضيات الإيمان -وأهمها المسارعة إلى الجهاد لإعلاء كلمة الله بصيغة الاستفهام الإنكاري مرتين في آية واحدة " مشوباً الثاني منهما بنوع من التعجب "- بأن ما اعتراهم من تثاقلهم إلى الأرض حين دعاهم رسول الله ﷺ إلى النفر للجهاد في سبيل الله -في غزوة تبوك وفي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه وهي أشق غزوة وأقساها وقتاً واستعداداً- إخلاد منهم إلى الأرض ورضى بما عليها من زخرف زائل، وتقديم لراحة الحياة الدنيا الفانية، وطلب للذتها الناقصة مما لا يرضاه عاقل بديلاً، من الآخرة لأن ذلك نزول

стр. 158

بأنفسهم من عز الإيمان وعلاه، وتضييع لما أعده الله للمؤمنين المجاهدين من عظيم الثواب القيم. ويشتد الخطاب عليهم بسبب تثاقلهم إلى الأرض عن الخروج للجهاد في سبيل الله إلى أن يكون تهديداً بأنَّهم إلا ينفروا مع رسول الله ﷺ يعذبهم الله عذاباً أليماً موجعاً، وذلك بسبب تركهم النفر مع رسول الله ﷺ ، ويستبدل بهم قوماً غيرهم يطيعون الله ورسوله، فينفرون إذا استنفروا، ويجيبون إذا دعوا، ثم لا يكونوا أمثالهم. * * * (تهديد المتقاعسين عن الخروج إلى غزوة تبوك) ولما كان عدم النفر تقاعساً عن نصرة رسول الله ﷺ -وقد رد الله عليهم بأن أبى اعتذارهم بما احتف بهم من شدة الحر وقلة الزاد، وندرة المركب، ونضج الثمر، وبُعد السفر - بيّن السياق القرآني أنه تعالى لا حاجة به إليهم لأنه هو الغني عنهم، وهم الفقراء إليه، كما لا حاجة لدينه ولا لرسوله ﷺ بهم أيضاً. فهم إن تخلفوا اليوم عن نصرة رسول الله ﷺ بعدم الإستجابة للنفر في غزوة تبوك إذ استنفرهم رسول الله ﷺ فقد نصر الله دينه ونصر رسوله ﷺ إذ كان وحده من أول بعثته إلى هجرته التي ظهر فيها آثار نصر الله له بإنزال السكينة عليه هو وصاحبه وليس معهما أحد، وهما متبوعان مطلوبان، إذ رأى حزن صاحبه وخوفه عليه، إذ كان الطلب قد وصل إلى مكان لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآهما فقال لصاحبه يثبته ويطمئنه (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) فهذا نصر مؤزر لم يكونوا فيه، ولا كان أحد فيه معه سوى صاحبه، إذ أيده الله بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفررا السفلى إذ خيبهم، وخذلهم بنصره لرسوله وتأييده له وذلك إعلاء لكلمة الله والله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأمور في مواضعها.

стр. 159

وهذا كله بيان إجمالي لمعنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)). ويقفي السياق القرآني على ذلك بالأمر بالنفر العام الذي يوجب الجهاد في سبيل الله على كل فرد من أفراد المسلمين إذ لا يعذر فيه أحد بشيخوخة، ولا فقر، ولا مرض فقال الله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)) فكأنه فتح لباب التوبة لهم، وترغيب لمراجعة قوة الإيمان، وصدق العزيمة في متابعة رسول الله ﷺ في جهاده، وتحملهم المشاق ورضائهم بما ينالهم من متاعب الدنيا إيمانا بالله وطاعة لرسوله ﷺ وجهاداً في سبيله، وإعلاماً لهم بما ينتظرهم من جهد ومشقة في هذه الغزوة التي خالف فيها رسول الله ﷺ عادته الشريفة، إذ كان إذا أراد أن يغزو قوماً وَرَّى عنهم، ولم يصرح، ولكنه في هذه الغزوة بيّن وجهته، وأعلن قصده

стр. 160

لما يعلمه من بركاتها، وما فيها من مشاق ومتاعب تستدعي أكمل الاستعداد، وأخذ الأهبة لسفر بعيد ومشقات قاسية، إذ ختمت بها غزوات رسول الله ﷺ ، وبها أخرج أمته من ضيق مجال الدعوة في داخل الجزيرة العربية إلى عموم مجالاتها في أقطار الأرض. * * * (إظهار نوايا المنافقين للتحذير منهم) ولما كان المنافقون مندسين في مجتمع المؤمنين بما يظهرونه من شعائر الإسلام، وكانوا على عزيمة ألا يخرجوا مع رسول الله ﷺ في هذه الغزرة جبناً وخوراً وفرقاً من ملاقاة العدو -وهذا على خلاف ما كان عليه خلص المؤمنين رغم تثاقلهم إلى الأرض، لما احتف بهم من الشدة، ولكنهم كانوا قد راجعوا أنفسهم، وصمموا عزائمهم على الخروج مع رسول الله ﷺ مهما لاقوا من الشدة والأزمات- بيّن الله حال المنافقين بأنهم إنما يريدرن الدنيا وغنائمها وأنهم أوهن من أن يتحملوا مشقات الجهاد وأسفاره، فلو كان ما دعوا إليه عرضاً من أعراض الدنيا ينالونه من قريب، وغنيمة حاضرة يحصلون عليها دون مشقة في سفر قريب، وموضع سهل لاتبعوا الرسول ﷺ وهم مضمرون للتخلف عنه، ولكنهم لا يتخلفون عن عرض من أعراض الدنيا وغنائمها فقال الله تعالى فيهم يفضحهم ويكشف سترهم (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)).

стр. 161

وقد أكد ذلك إخباراً بالغيب ومعجزة لرسول الله ﷺ بأنهم سيحلفون لو استطاعوا لخرجوا معه وهم بهذا الحلف يهلكون أنفسهم، كاذبين مفترين. ولقد كان المنافقون على عزيمة استئذان رسول الله ﷺ في التخلف والقعود بأعذار زائفة وهم مضمرون للقعود سواء أذن لهم أم لم يأذن لهم فيه فقد قالوا: " استأذنوا رسول الله ﷺ فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا ". وكان رسول الله ﷺ على يقين من العلم بأن المنافقين المندسين في مجتمعه مفسدون جبناء يرتعدون فرقاً من ملاقاة العدو، يحاولون أن يخذلوا الجيش الإسلامي، ويفسدوا أمره بإحداث الفتن والقلاقل والاضطرابات والتخويف فأسرع رسول الله ﷺ بالإذن لهم بالقعود دون أن يتلبث بهم حتى ينكشف سترهم وينفضح أمرهم، ويظهر الصادق من الكاذب. ولما كانت هذه الغزوة من أعظم غزوات الإسلام عدداً وعدة، ونهاية خاتمة لغزوات رسول الله ﷺ بنفسه أراد الله تعالى أن يجعلها امتحاناً يكشف به أمر المنافقين ويفضح خبايا ضمائرهم ليتميز الصادق من الكاذب، ويخلص المجتمع الإسلامي من الجبناء الرعاديد ولا يبقى فيه إلا ْكل شجاع صنديد، قال لرسوله ﷺ (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)).

стр. 162

ومعناه: لم أسرعت بالإذن لهم، ولم تتأن بهم وتتلبث لينكشف حالهم بقعودهم عن الخروج معك دون إذن منك فتعلم أنت وأصحابك الصادقين من الكاذبين منهم. * * * (موضع العتاب من الآية) فالعتاب - إنما كان على المسارعة بالإذن لهم بالقعود لا على نفس الإذن لهم بالتخلف والقعود خلافاً لما توهمه عبارات بعض المفسرين، أخذاً بظاهر أسلوب الآية الذي وجه فيه الإنكار للإذن مباشرة، لأن الإذن لهم بالقعود إنما كان عن اجتهاد من رسول الله ﷺ ، قررت الآيات الآتية صوابه بمقتضى ما يأتي من الوجوه التي سنذكرها في معاني هذه الآيات. وقد حمل استفتاح هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) القائلين بأن في الآية عتاباً لرسول الله ﷺ على الجري بأن الآية تقتضي أن رسول الله ﷺ خالف ما هو أولى بالحزم في حق هؤلاء المنافقين ". وظاهر عبارات كثير من المفسرين أن العتاب كان على نفس الإذن لهم بالقعود، وهذا الظاهر ليس بمسلم، لأن العتاب إنما كان على الإسراع لهم بالإذن بالقعود عن الخروج إلى غزاة تبوك، وعدم التلبث والتأني بهم حتى ينكشف أمرهم، ويظهر نفاقهم لكل أحد لينقطع ما بأيديهم من سبب يضللون به المؤمنين أنهم منهم وما هم منهم في شىء، فنفس الإذن لهم بالقعود عنه صواب في موضعه، لأن الآيات التالية لهذه الآية بينت أنَّهم لو خرجوا معه ﷺ لأحدثوا الفتن في الجيش الإسلامي بيد أن المسارعة

стр. 163

بإجابتهم إلى الأذن بالقعود حين طلبوه نجم عنه ألا يعلم الصادق في عذره من الكاذب فيه، فكان ذلك موطناً للعتاب في الآية الكريمة. وهذا الذي قررناه من أن العتاب كان على المسارعة بالإذن لهم لا على نفس الإذن هو ما ذهب إليه المحققون من المفسرين، وقد صرح به الزمخشري في الكشاف فقال: " ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالأذن " حتى يتبين لك " من صدق في عذره ممن كذب فيه ". وقال أبو السعود: ". . كلمة (حتى) سواء كانت بمعنى اللام أو بمعى إلى لا يمكن تعلقها بقوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ) لاستلزامه أن يكون إذنه ﵊ لهم معللاً أو مغياً بالتبين والعلم ويكون توجيه الاستفهام إليه من تلك الحيثية، وذلك بين الفساد بل بما يدل عليه ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا تأنيت حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم " ونهج صاحب تفسر المنار نهجهما فقال: " .. كان مقتضى الحزم أن تتلبث في الإذن أو تمسك عنه اختباراً لهم ". * * * (بيان وجه الصواب في الإذن لهم بالقعود) أما بيان الآيات التالية لهذه الآية الكريمة من أن الأذن لهم بالقعود عن الخروج إلى غزوة تبوك صواب في موضعه لما يترتب على خروج المنافقين من الإفساد في الجيش، وإحداث الفتن بين المجاهدين وتثبيط عزائمهم فقد

стр. 164

تمثل فيما يلي: (نفي الإيمان عن المستأذنين) أولاً - في أن الله تعالى نفى الإيمان بالله واليوم الآخر عن المستأذنين في التخلف والقعود عن الجهاد في سبيك الله بأموالهم وأنفسهم ووصمهم بارتياب القلوب، وأنهم متحيرون في أمرهم يوافقون المسلمين فيما يسهل عليهم من العبادات تغطية لما في قلوبهم من نفاق، ويلتمسون لأنفسهم الأعذار مما فيه مشقة عليهم أو إنفاق لأموالهم، قال تعالى (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)). * * * (ظهور عداوة المنافقين توجب منعهم من الخروج مع جيش المؤمنين) ومن كان كذلك فلا يؤتمن على السير مع عباد الله المجاهدين في سبيله ولا يمكن السماح له بالخروج مع جيش المسلمين لأنه عدو لله تعالى ولدينه ولرسوله ﷺ . ثانياً - قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)). * * * (وجوه صواب إذن رسول الله ﷺ للمنافقين بالقعود عن الخروج معه) وهذه الآية الكريمة دليل على أن نفس إذن رسول الله ﷺ لهم بالقعود صواب من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى سجل عليهم ما كانوا يتسترون عليه من عدم عزيمتهم على الخروج بأنهم لم يعدوا العدة لهذا الخروج، وهو خروج لازم بمقتضى تصريح رسول الله ﷺ بالغزوة، ذلك التصريح الذي يصور مشقات

стр. 165

السفر، وشدائد الرحلة مما يتطلب أهبة واستعداداً كبيراً. الوجه الثاني: قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ) وكَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ معناه عدم إرادته لخروجهم مع المؤمنين لئلا يفسدوا عليهم حالهم في تصميمهم على الجهاد في سبيل الله، وترحيبهم بالاستشهاد أملاً في رضا الله تعالى، ونشراً لدينه، ونصراً لرسوله ﷺ . الوجه الثالث: قوله (فَثَبَّطَهُمْ) وهذا تصوير لعدم إرادة الله خروجهم بعدم أخذهم الأهبة والاستعداد للخروج فقذف في قلوبهم الوهن والتكاسل دون إعداد العدة للخروج، ثم ختم ذلك بقوله (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا القول من رسول الله ﷺ بالإذن لهم بالقعود، فكأنه قول الله تعالى، وهو مؤكد في المعنى لقوله (فَثَبَّطَهُمْ). * * * (خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي) ثالثاً - قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)). وهذه الآيات كسابقتها تظهر أن الإذن لهؤلاء المنافقين بالقعود كان صحيحاً من وجوه أيضاً:

стр. 166

الوجه الأول: قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وهذه جملة شرطية صريحة في بيان ما انطوت عليه أنفسهم من العمل المفسد للمجتمع الإسلامي، وإيقاع الخبال فيه، والفتن التي تذهب بقوة الجيش وتوهن عزائمه. والتعبير بقوله (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) المقتضي لوجود أصل الخبال في جمهرة المسلمين إنما يقصد إلى بعض ضعفاء الإيمان الذين يسمعون إلى قول المنافقين، ويتأثرون به في ضعف عزائمهم، ورعب قلوبهم، وخوفهم من ملاقاة العدو، وهم المقصودون بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ). الوجه الثاني: قوله (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ومعنى هذا أن الله تعالى يصف هؤلاء المنافقين بأنهم سراع الحركة والتوثب بين جماعات المسلمين لإلقاء الأكاذيب والمفتريات تخذيلاً لهم، وفتنة لأنفسهم لصرفهم عن معالي أمور الجهاد، ثم أكد هذا الأمر بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي أن هذه المجتمعات الكبيرة المتعددة الأفراد والطوائف، المتعرضة لأشق ما يتعرض له المجاهدون لا تخلو عن ضعاف النفوس الذين يفرقرن بمجرد سماع الإشاعات والأكاذيب، فإذا سمعوا من المنافقين أكاذيبهم فى افتراءاتهم تخاذلوا عن جهادهم ومواقفتهم للعدو في صفوف المؤمنين. ثم ختم الله تعالى بما يسجل أظلم الظلم على هؤلاء المنافقين، وقد تضمن ذلك وعيداً شديداً لهم على ما أضمروا في أنفسهم من إحداث الفتن بين المؤمنين، والإبهام في الوعيد أشد من التصريح به.

стр. 167

الوجه الثالث: قوله (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)). وهذا بيان لما جبل عليه هؤلاء المنافقون من إحداث الفتن، وإشاعة المخاوف بين المجتمع الإسلامى، فذكر الله تعالى أن هذا ديدنهم وعادتهم من قبل، ففد أحدثوا قبل ذلك عظائم الفتن في المجتمع الإسلامى، كالذي كان منهم في غزوة بني المصطلق وأمثالها، ولكن الله تعالى أوبقهم في موبقاتهم، وأوقعهم فيما دبروه لإفساد مجتمع المؤمنين. وهذا هو المراد بقوله (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ) أي نصر الله رسوله ﷺ وأصحابه من خلص المؤمنين، وكان المنافقون أكره الناس لهذا النصر، وأبغضهم لا يرون بين المؤمنين من توافق وألفة ومحبة وإخاء. الوجه الرابع: قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)).وهذا تسجيل عليهم بأنهم مردوا على الكذب، ومرنوا على الفتن، ولما أخبروا بأن الرسول ﷺ متوجه إلى تبوك لغزو الروم وفي الروم جمال لنسائهم، وثروات في بلادهم لعلها تطمعهم فِي الخروج مع رسول الله ﷺ كما هي عادتهم في حب الدنيا - تعللوا في ترك الخروج مع رسول الله ﷺ بما ليس لهم فيه عذر. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ابن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لجد بن قيس: " يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ " قال جد: أتأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله ﷺ - وهو معرض عنه -

стр. 168

" قد أذنت لك " فأنزل الله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي. . . . . . .) الآية ونحوه عند الطبري من طريق أخرى. فرد الله تعالى على هذا المنافق وأمثاله بأنهم سقطوا في الفتنة بما مرنوا عليه من الكذب والبهتان، ثم أوعدهم بأشد العذاب فقال: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) تسجيلاً للكفر عليهم وتكذيباً لما يتظاهرون به من شعائر الإسلام. وفي قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) دليل على أنَّهم منغمسون فيها وفي صنوف عذابها لا يغيبون عنها، ولا هم منه بمخرجين. * * * (جفوة التعبير دليل ضعف في التفكير) وقد أساء الزمخشري الأدب في التعبير عن بيان العتاب -في زعمه- فقال إن قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ).: " كناية عن الجناية لأن العفو رادف لها ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت ". وقد استغواه في هذا التعبير السيئ سلفه الجبائى الذي يرى أن إذن رسول الله ﷺ للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك " كان قبيحاً ووقع صغيرًا " فالزمخشري مقلد في سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاويُّ الزمخشري في جفوة التعبير في هذا الموضع من تفسيره.

стр. 169

وقد علق أبو حيان - رحمه الله تعالى - في البحر على هذا المسلك من التفكير والتعبير فقال: " وكلام الزمخشري في تفسر قوله (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) مما يجب إطراحه فضلاً عن أن يذكر فيرد عليه ". قال الآلوسي: " وكم لهذه السقطة في الكشاف من نظائر ". * * * (تلطف في التعبير لا عتاباً له) ومن العلماء من لم ير في هذه الآية عتاباً، وإنما هي -عندهم- من باب التلطف في الكلام، والدعاء للمخاطب الجاري على الأسلوب العربي في مخاطبة الكرام، ومراسلة الأحباء والأصدقاء على نحو قولهم: " عفا الله عنك هلا أعطيتني كذا، وأصلحك الله، ووفقك الله كان الأمر كذا وكذا. . " فابن الأنباري يقول: " لم يخاطب رسول الله ﷺ بذلك لجرم أجرمه، ولكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: " عفا الله عنك " كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريماً: " عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك هلا زرتني؟ ". وممن قال بذلك أيضاً القاضي عياض في الشفا، والقسطلاني في المواهب ونقلا فيهما عن الداودي، ومكي والقشيري ونفطويه، ونسبه القرطبي إلى مكي والمهدوي والنحاس، ونقله الزرقاني عن

стр. 170

ابن المنير. فالقشيري قال: " وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب " وقال نفطويه فيما أورده عنه أبي حيان في البحر: " ذهب ناس إلى أن النبي ﷺ معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك بل كان له أن يفعل وألا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ". لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال الله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) لأنه كان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرماً وتفضلاً منه ﷺ ، فأبان الله تعالى أنه لو لم يأذن هم لأقاموا للنفاق الذي في قلوبهم وأنَّهم كاذبون في إظهار الطاعة والمشاورة، فـ (عَفَا اللهُ عَنْكَ) عنده افتتاح كلام أعلمه به أنه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن وليس هو عفواً عن ذنب إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم كما قال ﷺ : " عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق، وما وجبتا قط " ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك. قال أبو حيان -بعد أن أورد كلام نفطويه-: " ووافقه عليه قوم فقالوا: ذِكْرُ العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العرب بأن تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره، يقصدون بذلك الدعاء

стр. 171

له فيقولون: أصلح الله الأمير كان كذا وكذا، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ومعناه الدعاء ". * * * (إجراء الخطاب على وجهه خير من تأويله) والذي يظهر من أسلوب هذه الآية الكريمة أن ذكر العفو في افتتاحها وإن لم يكن عن تقدم ذنب إلا أنه يحتمل أنه كان عن خطأ في الاجتهاد فات رسول الله ﷺ أن يبذل فيه جهده وهو الإسراع لهم بالإذن بالقعود والتخلف وجعل اجتهاده في خروجهم معه وما يتسبب عليه من إفساد وبلبلة وفتنة وتثبيط للجيش بإشاعات كاذبة ماكرة. فقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) معقباً بالاستفهام الإنكاري يبعده عن إرادة الدعاء به ومجرد التلطف لأن الاستفهام الإنكاري يقتضي منكراً والمنكر هنا إسراع رسول الله ﷺ بالإذن لهم -وهو لازم للإذن مدخول أداة الإنكار- دون أن يتلبث بهم ليتبين له ولأصحابه المؤمنين حقيقة حال المستأذنين من الصدق أو الكذب. وما ذكروه من أمثلة جرت على لسان بعض الأدباء واللغويين ليس فيه شيء من قبيل الآية لأنَّهم لم يذكروا مثالاً عقب باستفهام إنكاري. * * * (موضع العتاب في هذه الآية) فالآية عتاب متلطف برسول الله ﷺ إذ سبق بالأخبار بالعفو، وهذا يكفى في بيان ما فيها من التلطف والحفاوة برسول الله ﷺ ويجعلها من قبيل عتاب التنبيه، إذ لم تعقب بشىء يحذر في المستقبل، أو يخاف وقوعه.

стр. 172

(ثانية آيات هذا النوع من العتاب) وثانية آيات هذا النوع من العتاب: -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هى قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)). وقد وردت هذه الآية الكريمة إثر أن بيّن الله تعالى حال المنافقين مع المؤمنين، وكشف الستر عنهم فإن أولئك المنافقين لم يكتفوا بما هم غارقون فيه من بخل بما أوجبه الله عليهم في أموالهم أو ندبهم إليه فيها، ولم يخجلهم شحهم بمال الله تعالى، بل تعدوا ذلك كله إلى إيذاء المؤمنين المتصدقين أغنياء وفقراء استجابة لدعوة رسول الله ﷺ لهم بقوله: " تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً " فلمزوهم بما هم برآء منه وعابوهم على ما يبذلونه في سبيل الله تطوعاً، فتوعدهم الله تعالى بالسخرية منهم في الدنيا بأن " جعلهم سخرية للمؤمنين، والناس أجمعين بفضيحته لهم في هذه السورة " الفاضحة لأحوالهم، الحافرة عما في قلوبهم من دغل، وتوعدهم بالعذاب الأليم الذي سينزله بهم فِي الدنيا والآخرة. قال ابن كثير في تفسيره: " هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصاراً للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذاباً أليماً لأن الجزاء من جنس العمل ".

стр. 173

وقد أفزعهم هذا الوعيد الشديد، وعلموا أن رسول الله ﷺ قد أخبر بحالهم ولمزهم للمتصدقين من المؤمنين فجاءوا إليه يعتذرون، ويطلبون أن يستعفر لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية التي هي موضع البحث هنا. وهي في سياقها -الموحي بأنها تسجيل لكفر المنافقين، وبيان لفسقهم- كشف لحال المنافقين، وإعلان لخاتمتهم الخائبة، وإيعاز لرسول الله ﷺ بأن لا جدوى من الاستغفار لهم، ولو كثر منه ذلك لهم، فلن ينفعهم، ولن يتقبل في حقهم فيما لو استغفر لهم، وسبب ذلك كفرهم بالله ورسوله وفسقهم عن جادة الإيمان. فالآية إخبار للرسول ﷺ بحكم الله في المنافقين ليصرف النظر عنهم، وتوجيه للمؤمنين لئلا يبقى لهم تعلق بهم، وإبعاداً لأولئك المنافقين عن صفوف المؤمنين. وضمير الجمع الغائب في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) عائد على اللامزين الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يستغفر لهم بعد أن فضحهم الله وتوعدهم بقوله (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهذا هو قول ابن عباس والحسن ﵄ من أنا المنافقين اللامزين حين نزل قوله تعالى: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سألوا رسول الله ﷺ أن يستغفر لهم فنزلت هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية.

стр. 174

فلما كان مجيئهم إلى رسول الله ﷺ ، وطلبهم إليه الاستغفار لهم بعد ذلك ليس عن رغبة منهم في الإيمان، ولا ندماً على ما دنسوا به أنفسهم من أوضار النفاق، والهزء بالمؤمنين، وإنما هو استمرار منهم فيما هم فيه غارقون من النفاق، وإيغال في أوحاله، ومحاولة لخديعة رسول الله ﷺ ، وتضليل للمؤمنين عما تكنه قلوبهم من كفر بالله ورسوله، وفسوق عن الهدى، أخبر الله تعالى رسوله ﷺ بحالهم كشفاً لما كانوا يتسترون عليه من النفاق، وربأ به ﷺ عن أن يستغفر لمن ليس بأهل للاستغفار وكشف الله تعالى حالهم للناس أجمعين، فقطع بذلك من نفوس المؤمنين رجاء الخير لهم حتى لا ينخدعوا بما يموهون به عليهم. والذي دفع البحث إلى ضم هذه الآية إليه مع أن لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله ﷺ كما هو ظاهر من سياقها ولحاقها - ما وجد من روايات حديثية بأسانيد صحيحة من روايات الشيخين وغيرهما تذكر أن رسول الله ﷺ استغفر لابن أبي فهماً منه ﷺ من الآية التخيير بين الاستغفار وعدمه للمنافقين، وأن العدد المذكور فيها للتحديد لا للتكثير والمبالغة بدليل قوله ﷺ كما تقول رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر - عندما أراد عمر منعه من الصلاة على ابن أبي بقوله: " يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه "، وفي رواية أخرى عند البخاري أيضاً عن ابن عمر أيضاً أن عمر قال: " تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم "، قال رسول الله ﷺ : " إنما خيرني الله أو أخبرني "

стр. 175

فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم " فقال: " سأزيده سبعين ". وحديث ابن عمر الذي أوردنا المطلوب منه وما جرى مجراه من سائر الروايات التي تنسب إلى رسول الله ﷺ فهم التخيير من الآية الكريمة وأن العدد فيها للتحديد قد توقف في قبوله بعض الأكابر من الأئمة والنظار من أهل العلم كالقاضي أبي بكر الباقلاني الذي قال: " هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها "، وإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي والداودي أحد شراح صحيح البخاري. * * * (نفي التخيير عن دلالة هذه الآية) وحجتهم في التوقف عن قبوله أن فهم التخيير في الآية يتنافى مع ما جرت عليه أساليب اللغة من أن هذا الأسلوب يجري مجرى الإخبار المقتضي للتسوية بين الاستغفار وعدمه في عدم حصول أية فائدة للمنافقين بدليل قوله في الآية (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) والإشارة تعني التعليل للإخبار المفهوم من التسوية في الآية فكأن عدم الغفران لهم -وهو الخبر المقصود من الآية- معلل بكفرهم وعدم توفيقهم إلى الحق وموتهم على الفسق والخروج عن جادة الإيمان. * * * (إفادة العدد سبعة) والمعروف أيضاً أن الأعداد -ولا سيما عدد سبعة وعدد سبعين- إنما تذكر لإفادة التكثير والمبالغة لا لإفادة التحديد الذي لو زيد عليه تغير المقصود.

стр. 176

قال ابن الأثير في النهاية: " وقد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة فِى القرآن والحديث والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) وكقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ). وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها ". وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: ". . . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً. . بل المراد بهذا هو المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة غاية المبالغ ". فنسبة فهم التخيير من الآية الكريمة للنبي ﷺ وأن العدد فيها للتحديد لا للتكثير مستبعدة جداً بل هي إلى المحال أقرب لأن رسول الله ﷺ هو أفصح من نطق بالضاد، وهو أعرف الناس بالبيان القرآني وأساليبه لأنه القيم على فهمه وإفهامه كما أريد من معانيه وحقائقه ولا يمكن أن يفهم

стр. 177

جميع البلغاء من أهل العناية بالبيان القرآني التسرية في الآية وينسب إلى رسول الله ﷺ ما يخالف ذلك من فهم التخيير، وتحديد العدد ويقول: " إنما خيرني الله، وسأزيد على السبعين ". ويزيد في بيان وجه توقف بعض النظار من أهل العلم عن قبول حديث عبد الله بن عمر ما ذكره صاحب تفسير المنار من أن " حديث معارضة عمر بطريقيه " مشكل ومضطرب من وجوه: ١ - جعل الصلاة على ابن أبي سبباً لنزول آية النهي وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر وغزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها. ٢ - قول عمر للنبي ﷺ وقد نهاك ربك أن تصلي عليه " يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي - وقوله بعده فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. . .). الخ، صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه. ٣ - قوله أنه ﷺ قال إن الله تعالى خيّره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من " أو " فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو

стр. 178

غيره أصح من فهم رسول الله ﷺ لخطاب الله له ولذلك أنكر بعضهم صحته. ٤ - التعارض بين رواية " فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت له " ورواية " وسأزيد على السبعين ". ٥ - التعارض بين إعطائه ﷺ قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه ﷺ لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه. ٦ - إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم. ثم أورد صاحب تفسير المنار كلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بالآيات رروايات الأحاديث فيها وعلق عليه فقال: " أقول حاصل ما لخصه الحافظ من أقوال العلماء في هذه المسألة وهو من أوسع حفاظ الملة إطلاعاً أنه لا يمكن الجمع بين القرآن والحديث فيها على وجه مقبول إلا إذا فرضنا أن آية النهي عن الصلاة عليهم قد نزلت بعد الصلاة على ابن أبي وهو وإن كان خلاف ظاهر السياق لا مانع منه عقلاً، ولكن يبعد جداً أن تكون آية الاستغفار للمنافقين قد نزل صدرها أولاً ثم نزل باقيها متراخياً بعد سنة أو أكثر أي بعد الصلاة على ابن أبي، وكذا تأويل قول

стр. 179

عمر: " وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين " بأنه يعني بالصلاة الاستغفار، وإذا سلمنا نزول صدر آية من سياق طويل كآية براءة في سنة، ونزول باقيها في سنة أخرى على بعده، فماذا نقول في آية سورة المنافقين، وقد نزلت قبل آية براءة بأربع سنين في غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس من الهجرة، وهى أصرح في التسرية بين الاستغفار وعدمه؟. الحق أن هذا الحديث معارض للآيتين فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البخاري. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، والفروع أكثر من الأصول فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن أحفظ حفاظهم. ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحاً، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن اطمئن قلبه لما ذكررا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن، والتماس عذر لرواة الحديث بنحو مما ذكرناه في تعارض أحاديث الدجال ". أ. هـ

стр. 180

(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر) على أن هذا الحديث وهو من رواية ابن عمر ﵄ يعارضه بعض المعارضة حديث من رواية ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ في نفس الموضوع أورده البخاري في صحيحه عقيب حديث ابن عمر هذا من غير فاصل بينهما، وفيه أن النبي ﷺ قال: " لو أعلم أني إن زدت على السبعين، يغفر له لزدت عليها ". وهذا دليل قاطع على أن رسول الله ﷺ لم يحمل العدد على التحديد بخلاف ما جاء في حديث ابن عمر، ويؤكد هذا أن حديث ابن عباس رواه عن عمر وهو الذي وقف أمام الرسول ﷺ وحاوره في الصلاة على ابن أبي والاستغفار له، فلو كانت الآية للتخيير - والعدد للتحديد ما وقف عمر هذا الموقف من رسول الله ﷺ ، وعمر من أساطين العربية الذين يحتج بقولهم فيها وفِي فهم أساليبها. ونبه الآلوسي -ككثير من العلماء- في روح المعاني على هذا التعارض بين الروايات فقال: " والأخبار فيما كان منه ﵊ مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض ". وقد فسر الطبري -وهو شيخ المفسرين وإمامهم- الآية على عدم التخيير، وأن المقصود بها الإخبار بعدم المغفرة فقال: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة أو لا تدع لهم بها، وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) يقول إن تسأل لهم
следующие страницы →