Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد.
فهل هذا المعنى ينطق على اجتهادات الرسول ﷺ ؟
والجواب عن هذا السؤال يتطلب الرجوع إلى النظر في الحوادث والوقائع التي ثبت فيها اجتهاد للنبي ﷺ .
وهذه الوقائع مرجعها إلى بذل الجهد الخاص منه ﷺ فيما تقتضيه المصلحة في دائرة النصوص العامة.
* * *
الفرق بين اجتهاد النبي ﷺ واجتهاد علماء أمته
والفرق بين اجتهاد النبي ﷺ ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاد علماء الأمة يعتمد على:
١ - النظر في النصوص من جهة الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، والإبهام والتفسير، والإجمال والتفصيل، والناسخ والمنسوخ، والظاهر وغير الظاهر، والحقيقة والمجاز. . . الخ.
٢ - وجود أصل منصوص عليه، فيه علة جامعة غير معارضة، وهذه العلة موجودة في محل غير منصوص عليه، فيحمل غير المنصوص عليه، على المنصوص عليه في حكمه الشرعي بهذه العلة الجامعة، وهو المعروف عندهم بالقياس.
أما الإجماع -وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي في أمر من الأمور- فهو أصل لإدراك الأحكام في اجتهادات علماء الأمة يعتمد على دليل قد يظهر، وقد يخفى.
أما اجتهاد الرسول ﷺ فلا يحتاج إلى النظر في النصوص من الجهات التي احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له ﷺ من جميع هذه
стр. 72
الجهات وغيرها.
وأما ما يظهر -في بعض اجتهاداته- ﷺ أنه من قبيل القياس فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته ﷺ المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر في النصوص.
* * *
стр. 73
اجتهاد النبي ﷺ -
اختار الله سيدنا محمداً ﷺ رسولاً إلى خلقه ختم به الرسالات الإلهية، وكلفه تبليغ شرعه إلى عباده، وعهد إليه بتبيين ما نزل إلى الناس من ربهم فهو ﷺ المبلغ عن الله تعالى وإليه -في حياته المباركة- يتوجه المسلمون طالبين معرفة حكم ما ينوبهم من أمر سواء كان أمراً يتعلق بالعبادات وكيفياتها، أم كان مما يعرض لهم في حياتهم اليومية من مسالك ينظمون بها مصالحهم، وتعاملهم، فيما بينهم وبين غيرهم، أم فيما يحتكمون إليه ﷺ فيما قد ينشأ بين بعضهم من منازعات، فهو ﷺ المرجع لهم في الأمر كله بعد الله تعالى، وعنه تؤخذ جميع الأحكام والشرائع، إذ هو وحده مصدر العلم بأحكام الله تعالى ومقاصد الشريعة ومصالح العباد.
وكانت الوقائع والحوادث بين الناس تتوالى، وكانت الأحكام تنزل على حسب الحاجة، والمصالح والحكمة الإلهية، فهل كانت الأحكام التي تنزل على رسول الله ﷺ بطريق الوحي رداً علي سؤال سئله رسول الله ﷺ أو تأسيساً لحكم من أحكام الشريعة سادة للحاجة الوقتية التي يتطلبها جو الوقائع؟ أو كان الرسول ﷺ يرى أن يجيب سائلاً عن سؤاله أو يخير بحكم اجتهاداً منه ﷺ ؟
من هنا يبرز سؤال هو: هل كان يجوز للرسول ﷺ وهو الذي يتلقى الوحي من الله تعالى - أن يجتهد فيما لم ينزل عليه به وحي أو ليس له ذلك؟.
اختلف العلماء في جواب هذا السؤال اختلافاً منتشراً. .
стр. 74
فقالت طائفة: لا يجوز للرسول ﷺ أن يحكم بالاجتهاد أي أن الله تعالى لم يأذن لرسوله ﷺ في الاجتهاد في بيان أحكام الحوادث التي ينزل عليه فيها وحي ولا تعبده الله به.
وهذا القول منسوب إلى بعض الشافعية، وإلى بعض الحنابلة ومنهم أبو حفص العكبري، وإلى الأشاعرة، وأكثر المعتزلة.
وفي نسبة القول بمنع اجتهاد الرسول ﷺ مطلقاً إلى عموم الأشاعرة نظر، وذلك أنا نجد في كتب الأصوليين، والمتكلمين منهم ما هو صريح في إثبات القول بجواز الاجتهاد للرسول ﷺ والدليل على ذلك ما جاء في منهاج البيضاوي وشروحه، وما جاء في جمع الجوامع لابن السبكي وشروحه وحواشيه، وما جاء في كشف الأسرار والتحرير وشرحه، والمسامرة بشرح المسايرة، وشرح العقائد للسعد وغيرها من كتب الأشاعرة الأصولية والعقيدية.
стр. 75
وهؤلاء كلهم أشاعرة، وقد أثبتوا جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ ووقوعه منه ودللوا على ذلك في كتبهم، فالظاهر أن نسبة المنع للأشاعرة محمولة على بعضهم.
كما أن في نسبة القول بمنع الرسول ﷺ من الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع إلى أبي حفص العكبري نوعاً من التجوز إذ أنه قد اختار هو وشيخه ابن بطة -فيما نقله عنهما ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة- أنه " كان يجوز لنبينا صلوات الله وسلامه عليه الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع ".
قال في المسودة -لآل تيمية-: " قال شيخنا: قال ابن بطة: فيما كتب به إلى ابن شاقلا في جوابات مسائل، وقال: والدليل على أن سنته وأوامره ﷺ قد كان فيها بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره أنه عوتب على بعضها ولو أٌُمِر بها لما عوتب عليها، فمن ذلك: حكمه فِي أسارى بدر وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) فلو كان وحياً لم يشاورهم فيه ".
стр. 76
أدلة المانعين لاجتهاد الرسول ﷺ -
وقد استدل القائلون بعدم جواز الاجتهاد للرسول ﷺ في بيان أحكام الحوادث التي لم ينزل عليه بها وحي بأدلة نقلية، وأخرى عقلية.
أما الأدلة النقلية فهي:
١ - قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)).
ووجه الاستدلال به هو أن الله تعالى أخبر أن رسول الله ﷺ لا ينطق إلا عن وحي، والحكم الصادر عن اجتهاد لا يكون وحياً -لاحتمال الخطأ فيه- فيكون داخلاً تحت النفي.
ورد بأن الآيتين الكريمتين رد وإبطال لما كان يزعمه الكفار من أن محمداً ﷺ كان يفتري القرآن من عند نفسه، وقد حكى الله تعالى قولهم ذلك بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) وليس عاماً في كل ما ينطق به الرسول ﷺ والتخصيص واقع قطعاً بما ينطق به النبي ﷺ في غير الأحكام الشرعية فالعموم باطل.
وعلى فرض أنه عام في جميع ما ينطق به الرسول ﷺ فليس فيه إثبات لدعواهم أيضاً، لأن اجتهاد الرسول ﷺ وما يستند إليه كله وحي وليس
стр. 77
نطقاً عن الهوى، وإنما هو اتباع للوحي المأذون له فيه بالاجتهاد.
٢ - واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
ووجه الاستدلال به أن هذه الآية الكريمة نفت عن رسول الله ﷺ أن يكون له حق تبديل ما يلقى إليه من ربه، ونصت على أنه ﷺ لا يتبع إلا ما يوحى إليه " وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد " إذ الاجتهاد ليس وحياً، فالأخذ به تبديل لأحكام الله تعالى، واتباع لما لم يوح إليه ".
ورد هذا بأن الآية الكريمة رد على قول الكافرين لرسول الله ﷺ
-على سبيل التعجيز له فيما حكاه الله تعالى عنهم وكما هو ظاهر منه سياق هذه الآية- (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) فهى ليست في منع الاجتهاد بل في بيان أن ما طلبوه ليس من شأن الرسول ﷺ إجابته، لأنه إن أريد بالتبديل تغيير نظام القرآن الكريم بوضع آية رحمة مكان آية عذاب أو العكس أو إسقاط عيب الآلهة، وذم عبادتها منه -كما أراده المتعنتون من المشركين- فهذا إفساد لنظام القرآن الكريم، وهو كفر معصموم منه الرسول ﷺ قطعاً.
стр. 78
وإن أريد بالتبديل النسخ فهذا لا يكون باجتهاد الرسول ﷺ ، وإنما هو من الله تعالى و " الاجتهاد ليس تبديلاً بل هو اتباع للوحي.
وأيضاً ليس في قوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) دليل لهم في نفى عمله ﷺ بالاجتهاد، لأن الإذن له ﷺ بالاجتهاد داخل تحت ما يوحى إليه.
٣ - ومما استدلوا به قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، ووجه الاستدلال به أنه صريح في نهي الرسول ﷺ أن يقفو ويتبع ما ليس له به علم، والاجتهاد، يعتمد على يقين الوحى فهو لذلك قفو، واتباع لما ليس له به علم، وهذا خلاف منطوق الآية الكريمة.
ورد هذا بأن اجتهاد الرسول ﷺ مأذون له فيه وما أذن له فيه
لا يكون قفوا ولا اتباعاً لما ليس له به علم.
واستدلوا لما ذهبوا إليه عقلاً فقالوا:
١ - أن الاجتهاد عمل بالظن، والنبي ﷺ قادر على تحصيل اليقين من الوحى في الأحكام، ومن كان قادراً على اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن.
стр. 79
ورد هذا بأن الادعاء أن الرسول ﷺ قادر على تحصيل اليقين بالوحي ممنوع لأنه ﷺ ، لا يستطع أن يتحكم في الوحي " باستدعائه " -الذي يكون به اليقين- متى شاء.
٢ - لو كان الرسول ﷺ عاملاً بالاجتهاد لما أخَّر جواباً احتاج الناس إليه، ولما انتظر الوحي، لكنه انتظر الوحي في بعض الوقائع، كما في الظهار، واللعان فدل على أن ليس له ﷺ الاجتهاد.
ورد هذا بعدم تسليم أن النبي ﷺ أخَّر جواباً سئل عنه.
والاستدلال على هذا بدعوى تأخير الجواب في مسألتي اللعان والظهار مردود بما ثبت أنه ﵊ أجاب على الفور في مسألة الظهار فقال لخولة بنت ثعلبة " ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء ". وفي رواية " ما أعلمك إلا قد حرمت عليه ".
وقال في مسألة اللعان لهلال بن أمية - كما في الصحيح: " البينة أو حد في ظهرك " فنزل القرآن الكريم بحكمي اللعان والظهار فكان حكم الظهار ناسخاً لحكم الاجتهاد النبوي الشريف في قوله ﷺ : " ما أراك إلا قد حرمت عَليه ولم أومر في شأنك بشيء ".
стр. 80
وكان حكم اللعان مخصصاً لعموم آية حد قذف المحصن الذي جاء في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) بمن عدا رمي الزوج لزوجته الذي شَرع له اللعان.
قال ابن قدامة في المغني: " أنه لا لعان بين غير الزوجين. . وذلك لأن الله تعالى قال (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ثم خص الزوجات من عموم هذه الآية بقوله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) ففيما عداهن يبقى على قضية العموم ".
ودعوى أن الرسول ﷺ قال لخولة ما قال " تقريراً لما كان عليه أمر الجاهلية دعوى باطلة لا يليق أن تذكر في اجتهاد رسول الله ﷺ .
على أنه لو ثبت -جدلاً- أنه ﵊ أخر الجواب في بعض ما شئل عنه لكان تأخيره من باب الترقب للوحي وجزئيات يرى ﷺ باجتهاده - أن تأخير الاجتهاد فيها لا يفوت مصلحة كما في مسألتي الظهار واللعان لو صح أنه أخر الجواب فيهما.
وقال جمهور العلماء: يجوز للرسول ﷺ أن يحكم باجتهاده فيما لم يوح إليه فيه، بمعنى أن الله تعالى قد أذن للرسول ﷺ في بيان بعض الأحكام
стр. 81
الشرعية والأمور الدينية وغيرها من المصالح التي لم ينزل عليه بها وحي.
بيد أن جمهور الحنفية قيدوا هذا الجواز بانتظار الوحي ما لم يخش فوت الحادثة على غير الوجه الشرعي فإن خاف الفوت فله الاجتهاد فيها وقال الإمام أبو يوسف من الحنفية بقول الجمهور دون اشتراط القيد المذكور في قول الحنفية.
والإطلاق في جواز الاجتهاد للرسول عليه الصلاة: السلام بمعنى الإذن له في بيان حكم بعض الحوادث -التي لم يوح إليه فيها شَيء- باجتهاده ﷺ هو مذهب عامة الأصوليين والفقهاء الإمام مالك والشافعي وأحمد ْوأتباعهم - رحمهم الله تعالى - ومذهب جمهور أهل الحديث.
стр. 82
أدلة الجمهور على جواز اجتهاد الرسول ﷺ -
وقد استدل الجمهور لجواز عمل الرسول ﷺ بالاجتهاد في الأحكام الشرعية والأمور الدينية والحروب بالكتاب والسنة والمعقول.
أما أدلتهم من الكتاب فنورد منها ما يلى:
١ - قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ووجه الاستدلال به أن المشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد إذ لا مشاورة فيما نزل به الوحي.
ولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه ﷺ موافقاً للمصلحة وهذا هو الاجتهاد المطلوب.
وقول من قال إن الآية واردة في الحرب لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له ﷺ بها إذ الحروب جهاد في سبيل الله وهي أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضي جواز الاجتهاد في غيرها إذ لا فارق.
٢ - قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)). ووجه الاستدلال بهذه الآية
стр. 83
الكريمة في موضعين: -
أولاً - أن الله تعالى أمر فيها بطاعته وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه على الرسول ﷺ .
وطاعة الرسول ﵊ إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحي أو عن اجتهاد وإلا لم يكن لتخصيص الأمر بطاعة الرسول ﷺ بعد الأمر بطاعة الله فائدة في الذكر.
قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى - تعليقاً على هذه الآية الكريمة في كتابه أعلام الموقعين: " أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاماً بأن طاعة الرسول ﷺ تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه ".
وقال صاحب تفسير المنار في عرضه لهذه الآية الكريمة: ". . . إن إعادة كلمة (أطيعوا) تدل على تغاير الطاعتين كأن تجعل الأولى طاعة ما نزل الله من القرآن، والثانية طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاد ".
стр. 84
وتخصيص طاعة الرسول ﷺ فيما يأمر به باجتهاده لا يتم إلا بضميمة طاعته ﷺ فيما أوحى إليه وحياً غير متلو إلى قوله " كأن تجعل طاعة مما نزل من القرآن. . الخ " ليكون شاملاً لجميع أنواع الوحي المتلو وغير المتلو.
ثانياً - أن الله تعالى أمر في هذه الآية الكريمة المتنازعين في شيء بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول ﷺ سراء أكان متلواً -وهو القرآن الكريم- أم غير متلو وهو وحي السنة المطهرة.
والرد إلى الرسول يقتضي أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل في الوحي وإلا لزم التكرار، والذي لا يدخل في الوحي وتجب طاعة الرسول ﷺ فيه هو ما أمر به باجتهاده. وهو الاجتهاد المطلوب.
٣ - قوله تعالى (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول ﷺ وبين أولي الأمر -وهم العلماء- في الاستنباط فلو لم يكن الاجتهاد جائزاً للرسول ﷺ لثبت لغيره من مجتهدي أمته فضيلة ليست له وهذا ممنوع.
٤ - قوله تعالى (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) ووجه الاستدلال به من ناحيتين:
стр. 85
الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول ﷺ بالخيار في الحكم بينهم فإن شاء حكم وإن شاء أعرض ولم يحكم أي أن الأمر مفوض إليه ﷺ فإن رأى -باجتهاده- مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم.
الثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه ﷺ على تحري الصواب فيما يحكم به وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول ﷺ لأنه لا يحكم إلا بالقسط.
٥ - قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ووجه الاستدلال به أن الآية الكريمة أمر عام بالاعتبار لأهل البصائر، والنبي ﷺ أعظم الناس بصيرة وأصوبهم رأياً وأحسنهم استنباطاً فكان داخلاً في العموم ومأموراً بالتأمل والاعتبار.
والاعتبار -عند الأصوليين- هو النظر في علة الحكم المنصوص عليه وتعديتها إلى غير المنصوص عليه للتسوية بينهما في الحكم بمقتضى هذه العلة، قال الفخر الرازي: قال المفسرون " الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها "، وهذا النظر هو الاجتهاد.
стр. 86
أدلتهم من السنة
وأما ما استدلوا به من السنة المطهرة فوقائع من اجتهاداته ﷺ وهي كثيرة جداً ذكر أمثلة منها.
فمن اجتهاداته ﷺ ما صدر على صورة القياس ومن هذا النوع:
١ - ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: " نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم قال: " فاقضوا الذي له، فإن الله أحق بالوفاء.
ووجه الاستدلال بالحديث أنه " ﷺ اعتبر دين الله بدين العباد وذلك بيان بطريق القياس " أي أنه ﷺ أجابها عما سألت " وضرب لها المثل ليكون أوضح وأوقع في نفسها، وأقرب إلى سرعة فهمها ".
٢ - ومن هذا النوع أيضاً إجابته ﷺ عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم فظن أنه فعل أمراً عظيماً. قال عمر بن الخطاب ﵁: " هششت يوماً فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت:
стр. 87
صنعت اليوم أمراً عظيماً فقبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ : " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ " قلت: " لا بأس بذلك " فقال رسول الله: " ففيم؟ ".
" أي ففيم تسأل " قال الخطابي: " فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته "، " فقد اعتبر النبي ﷺ فيه مقدمة الجماع وهى القبلة بمقدمة الشرب وهي المضمضمة في عدم فساد الصوم، وهو قياس ظاهر بل عدم الفساد في القبلة أظهر لأنها تهيج الشهوة ولا تسكنها والتمضمض يسكن شيئاً من العطش ".
وفي القول بأن " المضمضمة مقدمة الشرب " بعض التجاوز والأحسن في القياس أن يقال القبلة قيست على المضمضة في عدم الأثر على الصوم.
стр. 88
ومن اجتهاداته ﷺ ما كان النظر فيه إلى مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح العباد، ومن هذا النوع اجتهاداته ﷺ في غزوة بدر الكبرى.
٣ - أولاً: قبل المعركة.
(أ) نزوله ﷺ بالجيش في مكان رأى فيه - باجتهاده مصلحة حربية اقتضت عنده عليه صلاة والسلام النزول بالجيش فيه.
(ب) قبوله ﷺ رأي الحباب بن المنذر أن هذا المكان ليس منزل رأي وحرب ومكيدة.
وذلك بعد أن سأل الحباب رسول الله ﷺ عن منزله الذي هو فيه بقوله: " يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " قال: " يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فامض بالناس حى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون "، فقال رسول الله ﷺ : " لقد أشرت بالرأي ".
стр. 89
٤ - ثانياً: بعد المعركة.
وبعد انتهاء المعركة وإقامته ﷺ بعرصتها ثلاث ليال كما هي عادته ﵊ حين يظهر على القوم، انصرف رسول الله ﷺ وأصحابه مؤيدين منصورين قافلين إلى المدينة المنورة حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له -سير- إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، وشاور رسول الله ﷺ أصحابه في الأسرى فقال: " ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " فقال أبو بكر: " يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا
стр. 90
لنا عضداً "، فقال رسول الله ﷺ : " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " فقال عمر بن الخطاب: " أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وهؤلاء صناديدهم وقادتهم " فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئاً. . ثم خرج عليهم فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وأن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). ثم قال رسول الله ﷺ : " اليوم أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق ".
стр. 91
ووجه الاستدلال من الحديث على اجتهاد الرسول ﷺ في موضعين:
الموضع الأول: مشاورته أصحابه في شأن الأسرى والمشاورة لا تكون إلا فيما لم ينزل فيه وحي.
الموضع الثاني: حكمه ﷺ بعد استطلاع آراء أصحابه بأخذ الفداء.
والذي يدل على أن هذا الحكم باجتهاد منه ﷺ نزول قوله تعالى:
(لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) متضمناً الإخبار بمنع العذاب عنهم لسبق الكتاب بحل الغنائم -ومنها الفداء- هم ولو كان ما أخذوه من الفداء بوحي من الله تعالى ما نزل ذلك.
على أنه لو نزل وحي -كما في حديث الترمذي وغيره- بإخبار النبي ﷺ بأنَّهم مخيرون بين أخذ الفداء ويقتل منهم مثلهم من قابل أو يقتل الأسرى ويسلم المسلمون - لا يعارض الاجتهاد لأن الاجتهاد حينئذ يكون في اختيار أحد الرأيين المخير بينهما وهو أخذ الفداء أو قتل الأسرى.
٥ - ومن اجتهاده ﷺ سوقه الهدْي في حجة الوداع ورغبته أن لو لم يكن ساقه ليرفع المشقة عن أصحابه حين علم ما حل بهم من مشقة الاستمرار على الإحرام حتى انتهاء مناسك الحج. روى البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ".
стр. 92
ووجه الاستدلال منه على اجتهاده ﷺ في موضعين:
الموضع الأول: سوقه الهدي وهو قربة من القرب وأقل درجات القربة:
الندب فهو حكم شرعى فعله باجتهاده إذ لم يعلم له نص يدل على طلبه.
الموضع الثاني: رغبته ﷺ حين علم ما حل بأصحابه من مشقة استمرارهم على الإحرام حتى انتهائهم من مناسك الحج أن لو لم يكن ساقه فيتمتع ليقتدي به أصحابه لتزول عنهم المشقة.
٦ - ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبحوا قال: " قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم " وذلك في رمضان.
ووجه الاستدلال منه على اجتهاده ﷺ أنه " توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم " كما هي واجبة عليه ﷺ " لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ﷺ وبين أمته في العبادة " كما قال ابن بطال ما لم يدل دليل على الخصوصية فأداه اجتهاده عليه
стр. 93
الصلاة والسلام بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها.
٧ - ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: " بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار " ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: " إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما ".
ووجه الاستدلال منه أنه ﷺ أمرهم أولاً بحرق الرجلين الكافرين ثم عدل عن الأمر بحرقهما إلى الأمر بقتلهما معللاً عدوله عن حرقهما بأن النار لا يعذب بها إلا الله ولو كان ما أمر به أولاً عن وحي لما رجع عنه، ومما يدل على أن أمره الأول كان باجتهاد منه. ما جاء في رواية أخرى بلفظ " ثم رأيت أنه لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا الله ".
وقد استدل به الحافظ ابن حجر على " جواز الحكم بالشيء اجتهاداً ثم الرجوع عنه ".
وقد جمع بعض الأفاضل من العلماء اجتهادات الرسول ﷺ في مؤلف خاص بها، فذكر من اجتهاداته ﷺ ما ينوف على ثلاثين موضعاً.
стр. 94
أظهر أدلتهم العقلية
ما قدمنا من الأدلة النقلية هي خلاصة ما يجب الاعتماد عليه في إثبات اجتهاد الرسول ﷺ لأنها وقائع ثبتت بطرق صحيحة متصلة كثيرة لا يمكن العدول عنها وتركها من أجل تخرصات وتخيلات عقلية لا يسندها دليل ثابت، ومع ذلك أورد الجمهور أدلة عقلية لإثبات اجتهاد الرسول ﷺ من أظهرها ما يلى:
١ - أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، وزيادة المشقة سبب لزيادة
الثواب لقوله ﷺ لعائشة في عمرتها فيما يرويه الدارقطني والحاكم:
" أن لك من الأجر على قدر نصبك ونففتك " فلو لم يكن الرسول ﵊ عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به للزم اختصاص أمته بفضيلة ليست له ﷺ في هذا الشأن. وهو ممنوع فكذلك القول بعدم جواز اجتهاده ممنوع.
٢ - أن النبي ﷺ على علم تام بمعاني النصوص وملاحظة إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لسلامة نظره وبعده عن الخطأ، والإقرار عليه، وهذا يرجح إثبات الحكم في الفرع ضرورة فلو لم يقض به لكان تاركاً لما ظنه حكم الله تعالى على بصيرة منه وهو حرام بالإجماع.
стр. 95
واعترض على هذا بأن عمل الرسول ﷺ بالاجتهاد لا يكون إلا عند عدم معرفة الحكم بالوحي. وهذا الشرط لا يتبين في حقه ﷺ فلا مشروط.
ويجاب عنه بأن هذا الشرط يمكن تبينه بالقرائن والأمارات التي تدل على الاجتهاد، كما يمكن تبينه بجواز الخطأ في الحكم بالاجتهاد بخلاف ما كان عن وحي فلا يحتاج إلى قرائن وأمارات ولا يمكن وقوع الخصأ فيه.
وقالت طائفة: يجوز له ﷺ الاجتهاد فيما يتعلق بالحروب دون غيرها من الأحكام الشرعية.
ولا شك أن المراد بالحروب هنا الجهاد في سبيل الله تعالى وهو أمر ديني قطعاً لأن الرسول ﷺ لم يجاهد الكافرين لطلب شيء من الدنيا وإنما قاتلهم في سبيل الله وإعلاء لدينه فاستثناؤه من الأحكام الشرعية مما لا يظهر له وجه إلا على رأي من يقول: " أن الحروب قائم أمرها على الفورية فلا تحتمل التأخير لا يترتب على التأخير من مفاسد يجب دفعها بالاجتهاد ". وهذا لا يخرجها عن كونها أمراً شرعياً.
стр. 96
وقد اتفقت جميع الطوائف على جواز الاجتهاد له ﷺ في أمور الدنيا، ونص على هذا الاتفاق النووي في شرح صحيح مسلم، وذكره الشوكاني في إرشاد الفحول بلفظ الإجماع عن سليم الرازي وابن حزم.
стр. 97
أدلة القائلين بجواز الاجتهاد له ﷺ في الحروب فقط
واستدل هؤلاء بما وقع في كثير من الروايات في عمله بالاجتهاد في الحروب كما في إنزاله الجيش في غزوة بدر الكبرى في مكان قبل المعركة وتحوله منه إلى مكان آخر بإشارة الحباب بن المنذر، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وأذنه للمتخلفين عنه في غزوة تبوك وغيرها من وقائع اجتهاده ﷺ في الحروب.
واستدلوا أيضاً بأن أمر الحروب قائم على الفور لدفع ما يتوقع من مفسدة لا تحتمل الانتظار بخلاف الأحكام الشرعية فيمكن الانتظار فيها ما لم يخش الفوت كما هو مذهب الحنفية في تجويز الاجتهاد له ﷺ .
стр. 98
الباب الثالث
ويشتمل على:
١ - بيان معنى العتاب وحقيقته.
٢ - بيان معنى الذنب. وتحليل الآيات القرآنية الكريمة التي ورد فيها ذكر الذنب مضافاً إلى ضمير خطاب رسول الله ﷺ .
٣ - بيان معنى التوبة واختلافها باختلاف التائبين.
٤ - بيان أنواع العتاب في الآيات التي وقع فيها البحث.
* * * *
стр. 99
معنى العتاب
نظر المعنيون بدراسة البيان العربي وآدابه إلى مناهج التعبير وأساليب التخاطب التي ينقل بها المتكلم ما يروم التحدث به إلى غيره، فوجدوا أن هناك دوافع ومحرضات تحمل المتكلم على إظهار ما لديه من معان في نظم من القول تختلف أساليبه وفنونه بحسب اختلاف الموضوع الذي يراد فهمه وإفهامه طبقاً لمقتضى الحال، فليس مقام أداء الحقائق العلمية كأداء المعاني الأدبية، وليس أداء الحقائق التعبدية كأداء حقائق الترغيب والترهيب، وليس القول في المعاتبة كالقول في التغضب والهجران وهكذا في سائر مقامات الكلام إذ لكل مقام مقال كما يقول أرباب البلاغة.
* * *
تباين أسلوب الآيات المكية والمدنية في تربية الله للنبي ﷺ -
وقد عالج القرآن الكريم مقامات الكلام وأساليبه بحسب موضوعاتها فنرى اختلاف الأساليب المكية التي جاءت لإثبات العقيدة والبرهنة عليها ومجادلة المخالفين لها -في الأعم الأغلب- عن أساليبه في السور المدنية التي جاءت -في أكثر أحوالها ومناسباتها- لبيان الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية، والصفات الخلقية، وأحوال المجتمع السياسية، وأصول الحكم وغير ذلك.
ففي السور المكية نلمح شدة الأسلوب وقوة الأسر في العبارات وقصر الفقر والآيات، ونزولها على نحو من الاتساق النظمي ليكون مدخلاً لها إلى القلوب.
ونرى في السور المدنية هدوءاً في التعبير، وتفصيلاً في بيان الأحكام والشرائع.
стр. 100
ومن ثم نرى هذا الاختلاف في أسلوب آيات التربية الإلهية للنبي ﷺ ، فهي في الآيات المكية تحمل في طياتها قوة صارمة وتوجيهاً بليغاً، وذلك لحفز عزيمة النبي ﷺ ، وتقوية إرادته أمام مصادمة العناد الكافر ومجادلة الشرك والوثنية.
وفي الآيات المدنية تأتي آيات التربية للنبي ﷺ وادعة هادئة موجهة كأنما هي سلاسل من العطف، والحنو الدافع إلى الامتثال.
وعلى هذا الأساس نجد أن آيات التربية والعتاب للنبي ﷺ وما يجري مجراها مما جاء للنضح عن النبي ﷺ والدفاع عنه تجري في هذا المجرى فنجد مثلاً في سورة الحاقة وهي مكية قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)). وفي سورة الإسراء وهي مكية أيضاً نجد قوله تعالى: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥). ونجد في مفتتح سورة عبس هذا اللون التربوي بأجلى صورة.
بينما نجد في سورة التوبة -وهي مدنية- قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وفي مفتتح سورة التحريم -وهي مدنية أيضاً- نجد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١).
стр. 101
فافتتاح الآية بهذا الاستفهام المتلطف في التقرير وختمها بقوله (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) غاية في التلطف بالنبي ﷺ .
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن أسلوب الآيات التربوية يجري في نسق الآيات المكية بما فيها من القوه والشدة، ونجد أسلوب آيات التربية والعتاب يجري في نسق السور المدنية بما فيها من لين الجانب ووداعة الأسلوب والتوجيه.
* * *
ما يلمح من شدة العتاب فيراد به تربية المجتمع
وما قد يلمح من شدة في بعض آيات العتاب المدنية مثل قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)). فإنما القصد فيه إلى نوع من تربية المجتمع الإسلامى في أشخاص أصحاب النبي ﷺ لتكون أسساً للتربية العامة في جميع مراحل الحياة، ولهذا عدل عن توجيه الكلام بطريق الإفراد في أول الكلام في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ... ) الذي أخرج مخرج الغيبة مع أن المقصود به هو النبي ﷺ إلى الجمع في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) الذي قصد به تربية جماعة المؤمنين.
ولما كان موضوع رسالتنا البحث في آيات عتاب النبي ﷺ كان من اللازم أن نبين المعاني التي استعمل فيها العتاب ونستطرد إلى بيان معنى الذنب كذلك، ثم نبين معنى التوبة مما أسند للنبي ﷺ في بعض الآيات لينصرف الكلام بعد ذلك إلى الحديث عن آيات العتاب التي وقفنا عليها
стр. 102
في سور القرآن الكريم.
* * *
العتاب في اللغة
ونبدأ بالعتاب فنقول: مادة (عتب) في اللغة تستعمل لمعان كثيرة منها: أن العتاب مخاطبة الإدلال والإشفاق. قال الخليل: " وحقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموحدة ".
وقد بسط الأزهري في التهذيب عبارة الخليل فقال: ". . والعتاب مخاطبة الإدلال وكلام المدلين أخِلاءَهم طالبين حسن مراجعتهم ومذاكرة بعضهم بعضاً ما كرهوه مما كسبهم الموحدة ".
وهذا المعنى هو أنسب معاني العتاب وأمسها بموضوعنا.
وعلى ضوئه نفهم أن عتاب الله تعالى لنبيه ﷺ معناه: تذكيره ﷺ في تلطف وإشفاق- لما يقع من الخطأ في اجتهاده توصلاً إلى تصحيح هذا الخطأ الذي يعود به الرسول ﷺ إلى موافقة مراد الله تعالى، وتحقيق المطلوب منه ﵊ فينال كامل الرضا.
* * *
منهجي في التعرف على آيات العتاب
بعد أن وفقني الله تعالى لاختيار آيات عتاب النبي ﷺ موضوعاً لبحثي عدت إلى القرآن الكريم أتلوه وأتتبع آياته وأقف عند كلماته، أقضي في تلاوته -والحمد لله- ساعات طويلة ليل نهار منفرداً بنفسي منعماً الفكر فيما يوجه فيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ محاولاً أن أستخلص آيات عتابه ﵊ من غيرها.
стр. 103
فلما غلب على ظني مواطن العتاب في آيات، وأصبحت ماثلة في ذهني عدت ثانية أعمل الفكر في ترتيبها وأبحث عن نهج يمكنني أن أضبط به أنواع العتاب فيها مستهدياً الله تعالى في أن يكون هذا النهج منسجماً مع المقصود من آيات عتاب سيد الخلق سيدنا رسول الله ﷺ ، فوجدت -بحسب ما وصل إليه علمي- أن العتاب في هذه الآيات لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية هي:
أنواع عتاب الله تعالى لنبيه ﵊:
١ - النوع الأول: -
عتاب التوجيه:
القسم الأول من هذه الأنواع هو ما أطلقنا عليه (عتاب التوجيه) وهو ما يقصد به توجيه الرسول ﷺ -في مطلع الرسالة والدعوة إليها- إلى ما يراد منه في تبليغ ما أنزله الله عليه من آيات رسالته وتبليغ ذلك إلى الأمة مهما لاقى في سبيل ذلك من إعنات وعناد وعقبات وإيذاء، ووقوفه بعزيمة صارمة وقوة إرادة ماضية أمام طغيان الشرك وعناد المشركين وشدة تمسكهم بما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من وثنية ملحدة وكفر عنيد، فلا يبالي بما يلقاه منهم من تكذيب ورد لرسالته، وسخرية به واستهزاء بما يلقيه إليهم من آيات الله حتى يخرجهم من ظلمات هذه الجهالة البليدة إلى نور المعرفة والعلم فيعرفوا الحق ويتقلبوه ويهتدوا بهديه.
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين فرعيين:
стр. 104
أولهما: عتاب الدفع وتقوية العزيمة لينهض الرسول ﷺ بأبلغ الطاقة البشرية في تبليغ الرسالة ونشر الدعوة وألا يبالي بشيء يقف معوقاً لرسالته وتبليغ دعوته.
ثانيهما: عتاب الإقصار والمقصود منه تخفيف اندفاع النبي ﷺ في التبليغ عما يشق على نفسه من الجهد، وبذل فوق ما يستطع من طاقته البشرية حتى كاد يبخع نفسه ويضعف قوته لعظم ما كان يكابد مما كاد -لو استمر فيه- أن يؤخر نشر الدعوة.
وهذا القسم كالثمرة للقسم الأول لأن ما جاء في قوة الدفع والإغراء وشدة الخطاب جعل رسول الله ﷺ يندفع بقوة إلى تبليغ ما أنزل عليه ربه من آيات تخاطب الكفار وتجبه المشركين تجبيها يغمزهم من جميع جوانبهم العقدية والعقلية والاجتماعية حتى كان ﷺ يبلغ في ذلك كل مبلغ مما كاد يمس نهوضه بتبليغ رسالته ونشر دعوته كما عبر عنه القرآن الكريم فيما سنسوقه من آيات.
فجاء هذا للرجوع به ﷺ إلى الطريق الوسط السوي الذي يؤدي به إلى تبليغ رسالته تبليغاً بيناً دون أن يلحقه في ذلك إرهاق ربما أخر من سير الرسالة وقوفاً " مع ما أمر به مما هو تسبب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ".
стр. 105
٢ - النوع الثاني:
عتاب التنبيه:
القسم الثاني من أقسام العتاب الرئيسية ما سميناه (عتاب التنبيه) والمقصود منه تنبيه الرسول ﷺ إلى ما يحتمل وقوعه منه لو لم ينبه إلى ذلك لوقع مثل ذلك الفعل منه مرة أخرى.
٣ - النوع الثالث:
عتاب التحذير:
النوع الثالث من أنواع العتاب الرئيسبة هو ما سميناه (عتاب التحذير) والمقصود منه تحذير رسول الله ﷺ من عاقبة أمر وقع فيه خطأ في اجتهاد يترتب عليه لو لم يحذر منه - ضرر في التشريع والأحكام وسير الأمة على مقتضى رسالة رسول الله ﷺ ودعوته التي جاء بها من عند الله تعالى.
* * *
стр. 106
الذنب
ترجع حقيقة الذنب في اللغة إلى الفعل الذي تستوخم عاقبته كما فسره الراغب في مفرداته.
وشرعاً يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله أو نهيه.
* * *
اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل
وهو أمر نسبي يختلف باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل فليست المخالفة من العالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد كالمخالفة التي لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد كالمخالفة الواقعة بالنسيان.
* * *
إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم
ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث.
وعلى ضوء ذلك نفهم معاني الآيات التي ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافا إلى ضمير خطابه ﷺ .
وهي في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:
الموضع الأول: جاء في سورة غافر وهو قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)).
الموضع الثاني: جاء فِي سورة القتال - سوره محمد - وهو قوله تعالى:
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
стр. 107
الموضع الثالث: جاء في أول سورة الفتح وهو قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)).
* * *
دلالة أمره تعالى لنبيه ﷺ بالصبر
أما الآية الأولى وهي آية سورة غافر فقد جاءت بعد أن بين الله تعالى لرسوله ﷺ أنه تعالى ينصر رسله وعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم ذكر أن اليوم الآخر لا تنفع الظالمين فيه معذرتهم، ووصمهم بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ثم ذكر أنه تعالى آتى موسى الهدى وأورث بني إسرائيل الكتاب وجعله هدى وذكرى لأولي الألباب للتأسي بموسى ﷺ في صبره على أذى قومه.
ثم وجه الخطاب لنبيه محمد ﷺ فقال له (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) الآية.
وهذا السياق مشعر بأن المعاندين من الكفرة المشركين كانوا في موقف مع النبي ﷺ يشعر بالشدة وسوء اللقاء فأخبره الله تعالى بأنه سبحانه ناصر رسله وناصر المؤمنين، وأن هؤلاء المعاندين سيلقون جزاءهم في الدار الآخرة، وذكر له بعد ذلك أنه أنزل على عبده موسى التوراة وجعلها هدى وذكرى لأولى الألباب.
وهذا السياق تضمن أن النبي ﷺ كان في حالة من ضيق الصدر والضجر لما يلقاه من أعداء دعوته المعاندين المستكبرين من إعراض ومعوقات يقيمونها أمام نشر دعوته وتبليغ رسالته، فكان ما سبق آية
стр. 108
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) فيه تنبيه إلى التأسي بما كان لأنبياء الله ورسله، وذكر منهم كليمه موسى ﵊ ووعده إياهم بالنصر.
ففي هذا تسلية للنبي ﷺ وأمر له بالتأسي بإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال له: (فَاصْبِرْ) ثم عقب ذلك بأن وعد الله المتضمن لنصر الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة حق ثابت لا ريب فيه آت لا يتخلف.
ثم أمر الله رسوله ﷺ بالاستغفار لما كان منه من الضجر وضيق الصدر.
ثم عقب الأمر بالاستغفار بطلب التسبيح والتحميد استغراقاً لسائر أوقاته العبر عنها " بالعشي والإبكار " حتى لا يفرغ لحظة من اللحظات يضيق فيها صدره ويضجر لما كان يلقاه وهو دائب على تبليغ رسالته ونشر دعوته وتحمل ما يلقى في سبيلها " فإن من كان لله كان الله له ".
* * *
دلالة أمره ﷺ بالاستغفار في سورة محمد
أما الآية الثانية -وهي آية سورة محمد- فقد جاءت عقب بيان حال المنافقين الذين يستمعون إلى الرسول ﷺ فإذا خرجوا من عنده تجاهلوا ما سهوا، وتغافلوا عنه قالوا مستهزئين: " ماذا قال آنفاً؟ ".
وبعد بيان أن هؤلاء المنافقين طبع الله على قلوبهم وسد منها منافذ الهداية أن تدخل إليها، بين أن المؤمنين المهتدين يزيدهم ما يسمعون منه ﷺ هدى وتقوى.
стр. 109
ثم ذكر عن هؤلاء المنافقين أنَّهم في حالهم هذا لا ينتظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقد جاءتهم أشراطها وعلاماتها فلن تنفعهم ذكراهم.
ثم قال لرسول الله ﷺ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الآية، وهذا السياق مؤذن بأن المنافقين كانوا في نفاقهم معوقين للرسالة مستهزئين بالرسول ﷺ وبما جاء به من الهدى -شأنهم في ذلك شأن المشركين المعاندين المستكبرين الذين ذكروا في آية سورة غافر- وأن المؤمنين هم المستعدون لقبول الهداية، وهم الذين تنفعهم الذكرى إذا ذكروا.
فأمر الله تعالى رسوله ﵊ بعلم ما يعلمه من توحيده وانفراده تعالى بالربوبية، ووجوب تفريده بالعبودبة تيئيس له ﷺ من هؤلاء المنافقين الذين طبع الله على قلوبهم وأمر له بالتطهر من أن يسمع لقولهم أو يصغى إلى استهزائهم وسخريتهم.
ولذلك أمر بالاستغفار لما سمى ذنباً مسنداً إليه باعتبار ما يشغل قلبه الطاهر لو لم ينصرف عنهم وييأس منهم.
وطلب منه الاستغفار للمؤمنين المهتدين الذين يزيدهم الهدى هدى وتقوى تشريكاً معه ﷺ في استغفاره لنفسه تشريفاً لهم وتنويهاً بمقامهم من الإيمان.
* * *
دلالته في آية سورة الفتح
أما الآية الثالثة -وهي آية سورة الفتح- فقد افتتحت بها أعظم نعمة مَنَّ الله تعالى بها على نبيه ﷺ ، تلك النعمة هي البشرى بالفتح المبين، والبشرى بالتطهير الدائم للنبي ﷺ من كل ما كان يعتريه من الضيق والضجر في سبيل تبليغ رسالته لأن هذا الفتح المبين كان أساساً لإتمام النعمة عليه ﷺ ، وهدايته الدائمة إلى الصراط المستقيم، ونصر الله له نصراً
стр. 110
عزيزاً أعزه الله به وأعز به دينه وأعز به أصحابه المؤمنين فكان ذلك أعظم نعمة على رسول الله ﷺ ، إذ بعد فتح مكة -المبشر به- صارت الدعوة الإسلامية ظاهرة غالبة "، وأقبلت وفود العرب إلى رسول الله ﷺ من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجاً، فزال عن رسول الله ﷺ ما كان يضيق به صدره ويضجره من صد وصدود المشركين من دعوته وتحقق له النصر المؤزر والظفر القاهر لأعدائه، وفتح أمام دعوته الطريق فانتشرت في العالم وخفق لواؤها على ربوع المعمور من الأرض.
وبهذا تمت نعمة الله على رسوله وعباده المؤمنين، وتتابع النصر في الجهاد وتبليغ الرسالة، فكان نصراً عزيزاً قوياً غالباً ثم يتحقق مثله لدعوة من دعوات الأنبياء والمرسلين.
* * *
تهنئة وتطلع
وقد فهم الصحابة ﵃ من هذه البشرى قدر ما أنعم الله به على رسوله ﷺ فهنّأَوه على هذا الفتح المبين والتطهير العظيم، وإتمام النعمة وتحقق النصر فقالوا له ﷺ فيما رواه البخاري: " هنيئاً مريئاً فما لنا؟ " فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)).
* * *
следующие страницы →