Полный текст (304 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قال ابن الأثير في النهاية: " وقد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة فِى القرآن والحديث والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) وكقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها ".
وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: ". . . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً. . بل المراد بهذا هو المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة غاية المبالغ ".
فنسبة فهم التخيير من الآية الكريمة للنبي ﷺ وأن العدد فيها للتحديد لا للتكثير مستبعدة جداً بل هي إلى المحال أقرب لأن رسول الله ﷺ هو أفصح من نطق بالضاد، وهو أعرف الناس بالبيان القرآني وأساليبه لأنه القيم على فهمه وإفهامه كما أريد من معانيه وحقائقه ولا يمكن أن يفهم
стр. 177
جميع البلغاء من أهل العناية بالبيان القرآني التسرية في الآية وينسب إلى رسول الله ﷺ ما يخالف ذلك من فهم التخيير، وتحديد العدد ويقول: " إنما خيرني الله، وسأزيد على السبعين ".
ويزيد في بيان وجه توقف بعض النظار من أهل العلم عن قبول حديث عبد الله بن عمر ما ذكره صاحب تفسير المنار من أن " حديث معارضة عمر بطريقيه " مشكل ومضطرب من وجوه:
١ - جعل الصلاة على ابن أبي سبباً لنزول آية النهي وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر وغزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها.
٢ - قول عمر للنبي ﷺ وقد نهاك ربك أن تصلي عليه " يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي - وقوله بعده فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. . .). الخ، صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه.
٣ - قوله أنه ﷺ قال إن الله تعالى خيّره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من " أو " فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو
стр. 178
غيره أصح من فهم رسول الله ﷺ لخطاب الله له ولذلك أنكر بعضهم صحته.
٤ - التعارض بين رواية " فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت له " ورواية " وسأزيد على السبعين ".
٥ - التعارض بين إعطائه ﷺ قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه ﷺ لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه.
٦ - إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم.
ثم أورد صاحب تفسير المنار كلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بالآيات رروايات الأحاديث فيها وعلق عليه فقال: " أقول حاصل ما لخصه الحافظ من أقوال العلماء في هذه المسألة وهو من أوسع حفاظ الملة إطلاعاً أنه لا يمكن الجمع بين القرآن والحديث فيها على وجه مقبول إلا إذا فرضنا أن آية النهي عن الصلاة عليهم قد نزلت بعد الصلاة على ابن أبي وهو وإن كان خلاف ظاهر السياق لا مانع منه عقلاً، ولكن يبعد جداً أن تكون آية الاستغفار للمنافقين قد نزل صدرها أولاً ثم نزل باقيها متراخياً بعد سنة أو أكثر أي بعد الصلاة على ابن أبي، وكذا تأويل قول
стр. 179
عمر: " وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين " بأنه يعني بالصلاة الاستغفار، وإذا سلمنا نزول صدر آية من سياق طويل كآية براءة في سنة، ونزول باقيها في سنة أخرى على بعده، فماذا نقول في آية سورة المنافقين، وقد نزلت قبل آية براءة بأربع سنين في غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس من الهجرة، وهى أصرح في التسرية بين الاستغفار وعدمه؟.
الحق أن هذا الحديث معارض للآيتين فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البخاري. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، والفروع أكثر من الأصول فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن أحفظ حفاظهم. ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحاً، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن اطمئن قلبه لما ذكررا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن، والتماس عذر لرواة الحديث بنحو مما ذكرناه في تعارض أحاديث الدجال ". أ. هـ
стр. 180
(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر)
على أن هذا الحديث وهو من رواية ابن عمر ﵄ يعارضه بعض المعارضة حديث من رواية ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ في نفس الموضوع أورده البخاري في صحيحه عقيب حديث ابن عمر هذا من غير فاصل بينهما، وفيه أن النبي ﷺ قال: " لو أعلم أني إن زدت على السبعين، يغفر له لزدت عليها ".
وهذا دليل قاطع على أن رسول الله ﷺ لم يحمل العدد على التحديد بخلاف ما جاء في حديث ابن عمر، ويؤكد هذا أن حديث ابن عباس رواه عن عمر وهو الذي وقف أمام الرسول ﷺ وحاوره في الصلاة على ابن أبي والاستغفار له، فلو كانت الآية للتخيير - والعدد للتحديد ما وقف عمر هذا الموقف من رسول الله ﷺ ، وعمر من أساطين العربية الذين يحتج بقولهم فيها وفِي فهم أساليبها.
ونبه الآلوسي -ككثير من العلماء- في روح المعاني على هذا التعارض بين الروايات فقال: " والأخبار فيما كان منه ﵊ مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض ".
وقد فسر الطبري -وهو شيخ المفسرين وإمامهم- الآية على عدم التخيير، وأن المقصود بها الإخبار بعدم المغفرة فقال: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة أو لا تدع لهم بها، وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) يقول إن تسأل لهم
стр. 181
أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها، وترك فضحهم بها، فلن يستر الله عليهم ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رؤرس الأشهاد يوم القيامة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) يقول جل ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله ﷺ (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به، والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله ﷺ ". أ. هـ
ثم قال بعد ذلك -على خلاف عادته فيما يتصل بالروايات التي يستأنس بها من أقوال السلف- " وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل "، أو " وبنحو هذا القول كان يقول. . " ويعدد القائلين بقوله قال: " ويروي " وساق أخباراً وآثاراً مسندة ومرسلة لا تتصل بما فسر الآية به، وهذا يدل على عدم ارتضائه هذه الروايات تفسيراً للآية.
وقد غلط الزمخشري ومن تابعه من المفسرين -بعد أن فهم الآية على وجهها الصحيح- فأقر فهماً فاسداً مدخولاً فقال: " فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار كيف: قد تلاه بقوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ) الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى
стр. 182
قال: قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين؟ قلت: لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه ".
* * *
(الرد على الزمخشري)
وقد رد عليه أبو حيان في البحر هذا الفهم السقيم فقال: " وفي هذا السؤال والجواب غض من منصب النبوة وسوء أدب على الأنبياء ونسبته إليه مما لا يليق بهم، وإذا كان ﷺ يقول: " لم يكن لنبي خائنة الأعين " أو كما قال وهي الإشارة فكيف يكون له النطق بشيء على سبيل التخييل حاشا منصب الأنبياء عن ذلك ولكن هذا الرجل مسرح الألفاظ في حق الأنبياء بما لا يليق بحالهم ".
ومما يتصل بهذا البحث في قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية، البحث في قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)).
وذلك أن المراد بها المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ للجهاد الذين أشير إليهم بقوله: تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ
стр. 183
وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)).
وهذا كما قال الإمام الطبري في تفسيره: " ولا تصل يا محمَد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبداً ".
وهذا السياق يقتضي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المنافقين لم يعينوا ولم يذكر فيهم ابن أبي غير أن بعض الروايات التي وردت في بعض الصحاح بأسانيد صحيحة جعلت سبب نزولها تهيؤ رسول الله ﷺ للصلاة عليه حين طلب ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي منه ذلك، وكان ابنه عبد الله من صالحي الصحابة ﵃، أو حين طلب عبد الله بن أبي نفسه ذلك من رسول الله ﷺ حين عاده رسول الله ﷺ في مرض موته بطلب من ابنه أن يمن عليه فيعطيه قميصه ليكفن فيه ويصلى عليه.
* * *
(التماس وجه القول لصلاة رسول الله ﷺ على عبد الله ابن أبي)
ويمكن تخريج هذه الروايات على حملها على أن عبد الله بن أبي أحد من نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه في ضمن العموم الذي يدل عليه قوله (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) وعند ذلك يمكن حمل تهيؤ رسول الله ﷺ للصلاة عليه أو الصلاة عليه فعلاً والقيام على قبره على ما ظهر منه في مرض موته مما يمكن أن يؤخذ منه أنه راجع الإسلام، وتاب من النفاق،
стр. 184
فقد أخرج الطبري عن قتادة قال: " أرسل عبد الله بن أبي ابن سلول وهو مريض إلى النبي ﷺ فلما دخل عليه قال له النبي ﷺ : " أهلكك حب يهود " قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره فأنزل الله تعالى ذكره (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) ونقله الحافظ ابن حجر في الفتح عنه وعن عبد الرزاق عن معمر من طريق سعيد كلاهما عن قتادة " وقال " وهذا مرسل مع ثقة رجاله ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي ﷺ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فأمنن عليَّ فكفني في قميصك وصلِّ عليَّ ففعل ". فلعل رسول الله ﷺ تهيأ للصلاة عليه أو صلى عليه فعلاً أخذاً بظاهر حاله. وقد استحسن الحافظ ابن حجر هذا فقال: " ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. . وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة.
* * *
стр. 185
(النهي عن الاستغفار للمشركين)
ومما يدخل في هذا النوع من العتاب قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)).
قبل أن ندخل في الحديث عن هذه الآية الكريمة بياناً لما فيها من بحثنا نرى أنه ورد في أسلوبها جملة " ما كان للنبي " وهذا الأسلوب المكون من " كان " المنفية بـ " ما " الآتي بعدها لام الجحود تأكيداً لتقوية النفى فيها قد ورد في القرآن الكريم، وكلام العرب على وجهين، كما قال المفسرون وأهل المعاني:
الوجه الأول: النفي كما هو ظاهر أسلوبها كقوله تعالى (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) وقوله (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، وهذا هو الأصل في معنى هذا الأسلوب، لأن توكيد فعل الكون بلام الجحود هو " أبلغ لفظ يستعمل في النفي " ومعناه انصباب النفى على ما قبل اللام وما بعدها نفياً مطلقاً " يشمل جميع الحالات المعنوية التي يتضمنها الكلام ".
стр. 186
(نفي التهيؤ للفعل أبلغ من نفي الفعل)
ويفيد هذا التركيب معنى زائداً على نفى مجرد الفعل وهو نفي التهيؤ للفعل المنفي عنه وإرادته والصلاحية له، بمعنى أن النفي عنه ما في الجملة من معنى منفي عنه أيضاً إرادة ذلك الفعل والتهيؤ والاستعداد والصلاحية له كما أوضح ذلك أبو حيان في البحر، وابن هشام في المغني، وصاحب النحو الوافي وغيرهم.
ولا شك أن " نفي التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل، لأن نفي الفعل لا يستلزم نفي إرادته، ونفي التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفي الفعل، فلذلك كان النفي مع لام الجحود أبلغ.
وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة: ما كان من شَأن النبي ﷺ من حيث هو نبي، وما كان شأن المؤمنين من حيث هم مؤمنون أن يدعوا للمشركين بالمغفرة، ولا أن يطلبوا من الله لهم الرحمة (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) لأن النبوة تنافي العطف على الشرك، والإيمان من حيث هو إيمان يمنع المؤمنين من ذلك، ولو دعتهم رقة القرابة وشفقة الرحم، ووشائج الدم إلى العطف والحنو عليهم، وحب المغفرة لهم.
فالآية على هذا الوجه لا تدل على وقوع الاستغفار بل تدل على نفيه، فهي تبرئة وتنزيه للنبي ﷺ والمؤمنين عن أن يقع منه أو منهم ذلك حسبما يدل عليه هذا الأسلوب.
стр. 187
وتذييل الآية الكريمة بقوله (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) تعليل لنفى الاستغفار للمشركين، وبيان لسبب عدم صدوره من النبي ﷺ والمؤمنين، لأنَّهم يعلمون أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به فلا يسألون " ربهم ما قد علموا أنه لا يفعله ".
ويؤيد هذا الفهم قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . . .).
ولا يعكر على هذا الفهم ما ورد من استغفار إبراهيم لأبيه في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ) لأن استغفاره له كان قبل التبين، فلما تبين له أنه من أصحاب الجحيم أمسك عنه لأنه ليس من شأن النبي أن يستغفر للمشركين الذين هم من أصحاب الجحيم.
وتبين أصحاب الجحيم يكون إما بموتهم على شركهم وكفرهم بالله وإما بنزول الوحي فيهم يدمغهم بأنهم من أصحاب النار خالدين فيها كما نزل في أبي لهب وغيره، أو بإخباره تعالى بأنهم طبع على قلوبهم.
.
стр. 188
أما الوجه الثاني من وجهي استعمال هذا الأسلوب في القرآن الكريم فهو متضمن لمعنى النهي كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).
وقد جعل منه بعض العلماء آية بحثنا هذا وأمثالها من نحو قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى).
وعلى هذا الوجه يكون معناها: النهي عن الاستغفار للمشركين، أي: لا تستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لكم أنهم من أصحاب الجحيم.
فالآية على هذا الوجه واردة على أمر اقتضاها، وهي من آيات العتاب.
والذي دعا هؤلاء العلماء إلى حمل هذه الآية الكريمة على هذا الوجه -دون الوجه الأول، وبه كانت من آيات العتاب- ورود أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم تذكر أن سبب نزولها عرض رسول الله ﷺ الإيمان على عمه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه إذ دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية المغيرة فقال: " أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبد الله
стр. 189
ابن أبي أمية: " أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: " على ملة عبد المطلب ". وأبى أن يقول لا إله إلا الله. قال: قال رسول الله ﷺ " والله لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك " فأنزل الله (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).
فهل يدل قول النبي ﷺ : " لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك " على وقوع الاستغفار منه لأبي طالب فعلا؟ أو يدل على وعد منه بالاستغفار له فنزلت الآية نهياً عن الاستغفار أو الوعد به؟.
فالآية على هذا مكية نزلت عند موت أبي طالب كما يدل عليه أصل استعمال الفاء في التعقيب والترتيب بغير مهملة، ولهذا لا وجه للقول " بتقدم السبب وتأخير النزول " إلى أواخر العهد بالمدينة حملاً للفاء على السببية كما ذهب إلبه بعض من أهل العلم، لما بينا من أصل استعمال الفاء، ولأن الرابط بين السبب والمسبب أمر عقلي لا يمكن أن يتأخر المسبب فيه عن السبب زمناً طويلاً كما يقولون، وقد يكون الربط عادياً فيتخلف المسبب عن السبب.
فعلى حمل معنى الآية على الوجه الأول من معنيي هذا الأسلوب- وهو النفى والتبرئة والتنزيه لرسول الله ﷺ أن يكون وقع منه استغفار لأبي طالب- فلا عتاب فيها لسيدنا رسول الله ﷺ ، ويكون قوله " لأستغفرن
стр. 190
لك ما لم أنْهَ عنك "، " تطييباً لنفس أبي طالب لعله يدخل الرجاء إلى قلبه فيتوب، ويراجع الإيمان في آخر عهده بالدنيا قبل المعاينة، أو هو من قبل الدعاء له بالهداية كما ورد عنه ﷺ أنه دعا لكفار أحد فقال: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " وقد أوضحت الرواية الأخرى -وهي قوله ﷺ " اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون "- أن الدعاء بالمغفرة هنا أريد به الدعاء بالهداية لهم ليؤمنوا. وهذا لا يعاتب عليه رسول الله ﷺ فكان أن نزلت الآية عند مناسبتها في ذلك الوقت قطعاً لرجاء رسول الله ﷺ في إيمانه وزجراً لبعض المؤمنين الذين وقع منهم الاستغفار لذوي قرباهم من المشركين، وقد تبين له ﷺ بصريح قوله أنه باقٍ على كفره، وهذا معنى قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).
أما حمل معنى الآية على الوجه الثاني من معنيي هذا التركيب -وهو الذي يدل على تضمنها للنهي- فالعتاب وارد على احتمال وقوع الاستغفار من النبي ﷺ لعمه وفاء بوعده " لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك " أو على مجرد الوعد بذلك كما يدل عليه تذييل الآية الكريمة، لأن من مات على الكفر لا يستغفر له، ولا يوعد بالاستغفار له.
* * *
(موقع العتاب من هذه الآية)
وموقع العتاب في هذا جاء على شدة رجاء وإلحاح رسول الله ﷺ على إيمان أبي طالب مع تمسكه بملة الأشياخ وقوله لرسول الله ﷺ " لولا
стр. 191
أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع. لأقررت بها عينك ".
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية نزلت في نهي المؤمنين عن استغفارهم لآبائهم المشركين، واستدلوا لذلك بما رواه الترمذي وحسنه والإمام أحمد في مسنده -ونقله ابن كثير في تفسيره في المسند، ولم يعقب عليه بشيء- عن علي ﵁ قال: " سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).
فهذا الحديث صريح في أن هذه الآية نزلت لنهي المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين، وإنما ذكر النبي ﷺ في صدر الآية باعتباره ﷺ المتلقي للوحي المبين لأحكامه.
* * *
(إيجاب تعليق عموم الأعمال على مشيئة الله)
ومما ينتظم في هذا النوع من العتاب قوله تعالى (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)).
стр. 192
وقد نزلت هاتان الآيتان في قصة تقول: إن النبي ﷺ قد سئل من بعض شياطين قريش بإيعاز من أحبار اليهود بالمدينة عن ثلاثة أشياء: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وعن الروح ما هو؟ فقال هم رسول الله ﷺ " أخبركم غداً بما سألتم عنه " ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي أياماً قيل إنها أربعون يوماً، وقيل إنها خمسة عشر يوماً، وقيل إنها ثلاثة أيام.
وهذا الأخير هو الأقرب إلى المعقول، فحزن رسول الله ﷺ لإبطاء الوحي عليه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.
" فأتاه جبرائيل فقال: اشتد عليك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).
قال بعض المفسرين: في الآيتين عتاب لرسول الله ﷺ على ترك الاستثناء أي لتركه قول " إن شاء الله ".
стр. 193
وعبر بعضهم عن العتاب بالتأديب، ولفظ العتاب أحسن وأليق بموضعه، وقد أبدع الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في التعبير عن هذا فقال: " هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله ﷺ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ".
وكيفما يكن الأمر من العتاب أو التأديب أو التعليم والإرشاد، فإن النظر في الآيتين يكون أولاً في تركيبهما، وموضع الاستثناء من الآية الأولى وبأي ألفاظها يرتبط، وثانياً في بيان ما فيها من عتاب ووجهه، وثالثاً في بيان كون هذا العتاب من عتاب التنبيه وهو النوع الثاني من أنواع العتاب فيما ذهبنا إليه من تنويع.
وقد اختلف في تعلق الاستثناء في الآية الثانية وارتباطه بالآية الأولى.
فقيل إن الاستثناء مرتبط بالنهي لا بقوله " إني فاعل ذلك " لأن تعلقه بقوله " إني فاعل " يجعل المعنى: إني فاعل كذا إلا أن تمنعني مشيئة الله من الفعل.
وهذا المعنى لا مدخل له في النهي، والنهي هو المقصود في الآية لورردها من أجله.
وارتباط الاستثناء بالنهي محتمل لوجهين:
стр. 194
الوجه الأول: يصير المعنى به: " ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقول بأن يأذن لك فيه ".
وهذا معنى صحيح في ذاته ولكنه غير مراد هنا، لأن المراد هنا النهي عن القول إلا مرتبطاً بقوله " إن شاء الله " وهو الوجه الثاني في الاحتمال، إذ المراد في هذا الوجه الثاني: ولا تقولن قولاً تعد فيه أحداً بوعد أو تعزم على فعل شيء في المستقبل إلا أن تربط وعدك أو عزمك على الفعل بقولك " إن شاء الله ".
هذا ملخص كلام الزمخشري في المراد بتركيب الآيتين، وقد أوضح الوجه المراد هنا فيهما الناصر ابن المنير في انتصافه على الكشاف فقال: " .. إنما الغرض النهي عن هذا القول إلا مقروناً بقول المشيئة " أي بقول " إن شاء الله ".
وعبارة القاسمي -في تفسيره- أوضح هنا في بيان المراد من عبارة ابن المنير حيث قال: " ولا تقولن لما عزمت عليه من فعل إني فاعل ذلك غداً إلا قائلاً معه: إن شاء الله ".
وقد نهي ﵊ عن أن يقول قولاً إلا مقرناً بقوله (إن شاء الله " تعليماً له ﷺ وتشريعاً لأمته كلها في مستقبل حياتها حتى يتحقق كل قائل لقول أو فاعل لفعل يفعله في مستقبل الأيام بأن قوله أو فعله
стр. 195
لا يقع إلا بمشيئة الله تعالى على حد قوله (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ).
فالآيتان على هذا تعليم لرسول الله ﷺ -ولأمته عامة- لما ينبغي له التزامه حين يسأل عن أمر، يعلمه ألا يعد بالجواب أحداً وألا يقول بأنه سيفعل كذا غداً " إلا أن يصله بمشيئة الله تعالى لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته " ابتعاداً عما يظن بذلك من لزوم التحكم على الله تعالى وتبرؤا مما يشعر أنه قام بالفعل بإرادته ".
قال ابن كثير في اعتراض هاتين الآيتين وسط قصة أصحاب الكهف " واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقاً لا تعليقاً ".
وهذا هو الأوجه بمعنى الآيتين الكريمتين، لأنه رد للمشيئة إلى الله تعالى وحده، وإبعاد للمسلم عن الكذب فيما لو لم يتمكن من الوفاء بوعده أو القيام بما عزم عليه من فعل لعارض من عوارض الدنيا اعترضه أو لموت أصابه، لأنه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا).
стр. 196
وإذا بدر منه قول ناسياً الاستثناء فيه فليذكر ربه ليتذكر ما فاته من ذكر المشيئة تداركاً لنسيانه إياها امتثالاً لما أمره ربه به في ذلك.
وختمت الآية الثانية بإرشاده ﷺ إلى أن يرجو ربه أن يمنحه من الآيات البينات والدلائل الواضحات الدالة على صحة نبوته ﵊، وصدقه فيها ما عساه أن يكون أظهر مما سألوه عنه وأكثر خيراً ومنفعة فقال (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).
والظاهر من قوله ﷺ " أخبركم غداً " أنه وكل الأمر إلى الوحي فأعطى لنفسه فرصة الانتظار إلى الغد اعتماداً على ما في قلبه الطاهر من اطمئنان بالجواب منه تعالى، وليس استقلالاً منه بالتفكير والإخبار، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل هذه الأمور، ولعل العتاب حينئذ كان من أجل التقييد بالغد.
ويظهر مما قلناه أن الآيتين فيهما تلطف في عتاب سيدنا رسول الله ﷺ على تركه الاستثناء في قوله " أخبركم غداً ".
ولا شك أن في هذا العتاب من لطف الإرشاد والتعليم لسيدنا رسول الله ﷺ ما يجعله مثلاً في الأسوة به لاقتداء أمته ﷺ به في ربط قولها وفعلها بمشيئة الله تعالى.
* * *
(وجه كون الخطاب بهذه الآية عتاباً)
وأما وجه كون هذا العتاب من سبيل عتاب التنبيه فلأنه إرشاد لسيدنا رسول الله ﷺ لم يقترن بشيء من شدة الخطاب أو التحذير مما يخشى وقوعه لو لم ينبه وهو توجيه لأمته ﷺ أن ترتبط في قولها وفعلها بمشيئة الله وأن تنهج من بعده ﷺ هذا النهج الذي يجعلها خير أمة أخرجت للناس.
стр. 197
النوع الثالث عتاب التحذير
أما النوع الثالث من أنواع العتاب لسيدنا رسول الله ﷺ فهو ما أطلقنا عليه عتاب التحذير.
ويقصد به التخويف من عاقبة فعل يتوقع ضرره في أسلوب يحمل شيئاً من الشدة يختلف باختلاف مواقف العتاب دون أن يذكر في النص شىء من عقوبة أو وعيد.
ويشترك عتاب التحذير مع عتاب التنبيه في أن كلا منهما فيه تخويف من عاقبة مثل هذا الفعل لو تكرر، وينفرد عتاب التحذير عن عتاب التنبيه في أن أسلوب عتاب التحذير لا يخلو من شدة تُقرِّبُه من الإنذار.
* * *
(آيات عتاب التحذير)
والآيات التي تدخل تحت هذا الضابط بحسب ما وصل إليه بحثنا هي الآيات التالية:
١ - قوله تعالى من سورة النساء (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)).
٢ - قوله تعالى من سورة الأنعام (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ
стр. 198
وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)).
٣ - وقوله تعالى من سورة الأنعام أيضاً (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)).
٤ - وقوله تعالى من سورة الكهف (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)).
٥ - وقوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)).
٦ - وقوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
стр. 199
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)).
٧ - قوله تعالى من سورة التحريم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)).
٨ - قوله تعالى من سورة عبس (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)).
* * *
(تفصيل القول في الموضع الأول من هذه الآيات)
أما الموضع الأول من هذا النوع من العتاب فهو قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)).
وقد جاءت هذه الآيات الثلاث -في سياقها من سورة النساء- إثر تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ
стр. 200
وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)) ليواصلوا الجهاد، وملاحقة الكافرين الذين ناصبوهم العداء كسراً لشوكة الكفر والكافرين، وخضداً لقوة أعداء الإسلام والمسلمين الذين يحاولون القضاء على الدين الإسلامى وإهلاك أهله المنتمين إليه المخلصين في الدعوة إلى سبيله إعلاء لشأنه وترسيخاً لأركانه.
ولتذكيرهم بألا يجعلوا من آلامهم الجسمية التي أصابتهم في جهادهم لأعداء الله ورسوله مانعاً من ابتغاء الكافرين ومطاردتهم، فإن أعداءهم أصيبوا بمثل ما أصيبوا به من الآلام وأوجاع الجراح والقتل، ومع ذلك فهم يصبرون على آلامهم، وينازلون المسلمين للقضاء عليهم، وعلى دينهم، فلا ينبغى لكم أيها المؤمنون أن تكونوا أقل صبراً من أعدائكم ولا أن تضعفوا عن مواقفتهم وملاحقتهم وأنتم تزيدون عليهم برفعة الإيمان والرجاء من الله نصره وتأييده وإظهار دينه وهو ما لا يرجوه أعداؤكم لأن الله مولاكم ولا مولى لهم.
ولتحذير المؤمنين ألا يضعفوا عن ملاحقة أعدائهم وألا يغفلوا عن الاستعداد لهم كسراً لشوكتهم في كل آن.
* * *
(الأمر بالتزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس)
وقد جاء صدر الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث -موضع البحث- بعثاً لرسول الله ﷺ على التزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس أعداء كانوا أم أصدقاء، كفاراً أم مؤمنين -كما هو ديدنه ﷺ في جميع الأحوال والأوقات والملابسات ومع جميع الناس من حيث هم ناس دون نظر إلى ما هم عليه من عقيدة ليكون ذلك نهجاً واجب السلوك على أمته من بعده في مقام انتصارها على أعدائها والظهور عليهم والتمكن منهم ألا يجانبوا الحق
стр. 201
والعدل في معاملتهم لأن العداوة لا تبيح مجانبة الحق والعدل، ولأن الكفر لا يبيح معاملة الكافر بما لم يعاملنا به، فلا يعتدى عليهم في مال أو عرض بغير حق ثابث وعدل قائم القواعد ولا يمثل بهم.
وجاء قوله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) مقرراً لقاعدة عامة هامة، وهي أن الله تعالى قد جعل الحكم بين جميع الناس قائماً على الحق والعدل سواء كان الناس كفاراً أم مؤمنين، أصدقاء أم أعداء، لا يُحَابي قريباً لقرابته ولا صديقاً لصداقته ولا يتحيف على عدو لعداوته، بل الناس بجميع أجناسهم وألوانهم وأديانهم وأحوالهم أمام الحكم بالحق والعدل سواء.
وهذا رد إلى ما تقدم في هذه السورة الكريمة من الأمر بالحكم بين الناس بالعدل في قوله (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) فهو من باب التأكيد المعنوي، فقوله هنا في هذه الآية -موضع البحث- (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) في مقابلة قوله في تلك (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
ولعل هذا هو وجه من جعل ربط هذه الآيات الثلاث بالآية المتقدمة الآمرة بالحكم بين الناس بالعدل.
والذي أراه الله إياه اختلف فيه العلماء فقال فريق: هو ما يراه ﷺ بالرأي والاجتهاد، وقال فريق آخر هو ما ينزل عليه به
стр. 202
الوحي.
وأياً ما كان فمرجع ما أراه الله إياه سواء أكان عن رأي واجتهاد منه ﷺ أم عن وحي منزل فإن مرجعه إلى الوحي إذ لو كان ما أراه الله رأياً واجتهاداً فإما أن يصوب إن كان خطأ وإما أن يقر إن كان صواباً فرجع في صورتيه إلى الوحي.
وخطابه ﷺ في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) يشعر بأنه ﷺ هجس في نفسه الشريفة شىء أو حدث نفسه بشيء أخذاً بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر، ولا يلزم هذا النهي وقوع المنهي عنه.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اللام في قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) لام التعليل بمعنى أنه ﷺ نهي عن مخاصمة البرآء لأجل الخائنين.
ومن المفسرين من ذهب إلى أنها بمعنى " عن " أي أنه ﷺ نهي عن أن يكون مخاصماً عن الخائنين.
стр. 203
وفي كلا الحالين ينتهي المعنى إلى أمر واحد، وهو أنه ﷺ نهي عن أن يكون خصيماً للبرآء لأجل الخائنين.
وعطف هذه الجملة، وهى قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) -وهي جملة إنشائية لفظاً ومعنى- على الجملة التي قبلها من هذه الآية -وهي خبرية لفظاً ومعنى- إنما صح لكون المعطوف عليه ليس هو الجملة الخبرية، وإنما هو " ما ينسحب عليه النظم الكريم " من تضمن أمر محذوف تقديره: فاحكم بين الناس به ولا تكن للخائنين خصيماً.
ثم عطف على جملة النهي الأولى وهي (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) جملة النهي الثانية وهي (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) من باب عطف الأثر على المؤثر، والمسبب على السبب لأن الجدل عن الخائنين أثر من آثار الكون خصيماً للبرآء لأجل الخائنين وهو -أي الجدل- مسبب عن الكون خصيماً للبرآء.
* * *
(ما يدل عليه توسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين)
وتوسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين لمحو بها عسى أن يكون هجس في نفس النبي ﷺ من شيء أخذاً بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر.
والنهي وإن كان لا يدل على وقوع المنهي عنه من المنهي إلا أنه لا ينفي أن يكون قد دار في النفس من متضمن النهي شيء فجاء الأمر بالاستغفار ليمحو ذلك الأثر.
стр. 204
(تصوير حال المختانين أنفسهم)
وفي قوله (الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) تصوير بالغ لحال أولئك المختانين، فإن خيانتهم ومعصيتهم قد بلغت مبلغاً من الشناعة والفظاعة تجاوزت فيه الذين خانوهم وغدروا بهم إلى حد أنهم من شدة خيانتهم قد انعكست الخيانة عليهم فخانوا أنفسهم وظلموها وأوردوها موارد الهلاك والعذاب الشديد من الله تعالى.
وفي التعبير بالاختيان عن الخيانة إشعار بالتدسس النفسي وشدة إخفاء معالم الخيانة التي كانوا عليها إظهاراً للنفاق الذي في أنفسهم.
وجاء قوله (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) بياناً لقاعدة عامة -جرياً على سنة القرآن الكريم- من أنه إذا تحدث القرآن الكريم عن موضوع في وعد أو وعيد أو تحذير أو زجر عن حادث وقع من فرد أو طائفة فإنه يختم آيات ذلك الموضوع بقاعدة عامة لتكون تشريعاً أبدياً للأمة يحميها من الوقوع فيما وقع فيه أصحاب ذلك الحادث.
وفِي التعبير بصيغتي المبالغة (خَوَّانًا أَثِيمًا) بيان لمدى ما وصل إليه أولئك المختانون أنفسهم من خبث في الخيانة، وأنها ثابتة في طبائعهم، مستقرة في نفوسهم، فقد خانوا الله بمعصيته وخانوا الناس بالاعتداء على حقوقهم التي ائتمنوهم عليها، وخانوا أنفسهم بظلمها وإيرادها موارد العذاب، وخانوا الرسول ﷺ بالكذب عليه وإخفاء الحقيقة عنه طمعاً منهم في حمله على تبرئتهم بتظاهرهم بالصلاح في الإسلام وبما زكى به بعضهم بعضاً.
стр. 205
(وصفهم بسوء ما بيتوا للتحذير من الاغترار بمثل ما تجمعوا عليه)
فكشف الله خيانتهم، ووصمهم بسوء ما بيتوا فقال (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)).
وقوله تعالى -في خطاب رسول الله ﷺ (ولا تجادل) نهي للتحذير وليس عن أمر واقع لأن الرسول ﷺ لا يجادل عن خائن، ويعصمه الله تعالى عن أن يدلسوا عليه الحقيقة.
والتحذير إنما كان لما احتف بالحادثة من تجمع المنافقين المتظاهرين بالصلاح في الإسلام وشهادتهم ببراءة صاحبهم والطعن على من ألقيت عليه الدِّرْع وهو زيد بن السمين اليهودي أو غيره ممن ذكرت الروايات، وقصدهم خدع رسول الله ﷺ بإكثارهم الطعن على من ألقيت عليه الدرع ولا سيما إذا كان هو اليهودي، ولذلك جاء الخطاب لهؤلاء المنافقين تبكيتاً لهم وتقريعاً على ما فعلوه من الخيانة وشهادة الزور والطعن على البراء فقال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)).
وهو خطاب يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله ﷺ على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله ﷺ في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.
стр. 206
(التمويه بالجدل الكاذب في الدنيا لا ينجي من عذاب الآخرة)
ولما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعاً لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله ﷺ ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكراً مقرعاً (فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.
ثم قال لهم (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي من يكون كفيلاً لهم يوم القيامة ينجيهم من عذاب الله حيث لا خداع ولا خيانة.
* * *
(فتح باب التوبة للتائبين)
ثم فتح الله تعالى للتائبين باب التوبة رحمة منه وتفضلاً على عباده فقرر قاعدة عامة يدخل فيها كل تائب مستغفر فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)).
ثم بيّن أن من يكسب إثماً ومعصية من خيانة أو خداع عن الحق فإنما كسبه لها راجع علي نفسه يضرها ولا يضر غيرها فقال: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)) وفي هذه الفاصلة تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله ﷺ في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.
стр. 207
ثم أخبر تعالى عن القائمين بالباطل والخيانة في هذه الحادثة بأنهم إذ كسبوا الإثم ورموا به البريء فقد احتملوا جريمة البهتان والإثم المبين فقال تعالى (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)).
* * *
(قطع أطماع المنافقين في حجب الحقيقة عن رسول الله ﷺ
ثم عقب الله تعالى هذه الآيات بما امتن به على رسوله ﷺ من عصمته أن ينالوا بخداعهم ومكرهم منه شيئاً أو يضروه بشيء مما هموا به من الضلال والإفساد فقطع بذلك -إلى الأبد- أطماع الذين يظنون أن في استطاعتهم حجب الحقيقة عن رسول الله ﷺ كما يحجبونها عن غيره من الناس، كما عقب ذلك بمنة أخرى وهي إظهار فضل الله عليه وتعليمه ما لم يكن يعلم، وكان ذلك من عظيم فضل الله على رسوله وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)).
قال السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار: " وهذه الآية ناطقة بأنه ﷺ لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى ".
стр. 208
ثم نقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده في تعقيب هذه الآيات قوله: " كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول ﷺ عن الحق، وقد أراد الله تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه ﷺ أن يبين فضله ونعمته عليه، قال الأستاذ: ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روي قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي ﷺ عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهم بذلك، وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع ولذلك تفضل الله على نبيه ﷺ ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بِالهمِّ بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه ". أ. هـ.
وهذا إيجاز لما فصلناه فيما سبق من تفسير الآيات.
والذي نفاه الأستاذ محمد عبده من عدم صحة تفسير الآيات بقصة طعمة يقصد به ما أورده جمهور المفسرين والمحدثين من قصة ذكروها في أسباب النزول تنسب إلى رجل من بني أبرق يقال له بشر واشتهر بطعمة وهو متهم بالنفاق وكان يقول الشعر يهجو به المسلمين وينسبه إلى بعض شعراء العرب، وجملة القصة -في إيجاز كما أوردها الترمذي.
стр. 209
والطبري وغيرهما- أن هذا الرجل نقب مشربة لرفاعة بن زيد وسرق منها أدرعاً له وطعاماً فذهب قتادة ابن أخي رفاعة إلى النبي ﷺ يشكو إليه بني أبيرق، ويخبره بما وقع من السرقة. قالت الرواية " فقال له رسول الله ﷺ : " سأنظر في ذلك " فلما أحس بنو أبيرق بأن الأمر وصل إلى رسول الله ﷺ قالوا له: " يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينه ولا ثبت قالت الرواية: " فقال رسول الله ﷺ لقتادة بن النعمان: " عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه " ولم يلبث أن نزل القرآن بهذه الآيات.
وقد علق الترمذي على هذه القصة بعد أن أوردها بقوله: " هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني وذكر أن سائر رواياتها الأخرى مرسلة ".
стр. 210
ولعل الأستاذ محمد عبده في نفيه لتفسير الآيات بهذه القصة نظر إلى إرسال أسانيدها فيما عدا رواية محمد بن سلمة الحراني وهو ثقة.
* * *
(موضع العتاب في هذه الآية)
وموطن العتاب في هذه الآيات في توجيه النهي إلى رسول الله ﷺ أولاً: ألا يكون خصيماً للبرآء لأجل الخائنين.
وهذا الأسلوب وإن كان لم يستلزم وقوع المنهي عنه من رسول الله ﷺ إلا أنه قد يشعر بحديث هجس في نفس الرسول ﷺ قبل أن يبين الله له جلية الأمر فيهم - أخذاً بظاهر الحال من الذين تجمعوا وشهدوا عنده ﷺ ببراءة هذا الرجل، مع ما في أسلوب الآية من شدة في الخطاب وتصوير هذه الشدة بألفاظ تؤكد هذه الشدة مما يشعر لأول وهلة وقبل التأمل أنه قد وقع من النبي ﷺ ما يبرر هذا النهي بهذا الأسلوب.
وثانياً: نهيه ﷺ عن المجادلة عن الخائنين التي هي أثر من آثار ما تضمنه النهي في الجملة الأولى مع ما فيها -كالنهي الأول- من شدة في الأسلوب والألفاظ.
أما أنه من عتاب التحذير فلاشتماله -في موضعيه- على شدة الأسلوب الذي خرج مخرج التحذير مما يخشى في ظاهر الحال أثر وقوعه لو تكرر.
* * *
стр. 211
(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)
وثانية آيات هذا النوع من العتاب قوله تعالى -من سورة الأنعام-: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥).
وهذه الآية تدخل في ظاهر أمرها ومجمل موضوعها تحت عتاب التوجيه لأنها عتاب على شدة حرص رسول الله ﷺ على إيمان قومه الذي بلغ فيه مبلغاً ليس وراءه مطلب لحرص حريص، فهي بحسب هذا الظاهر من قبيل (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
غير أنَّهَا لما اشتملت على تحذير وشيء من الشدة في الخطاب بلغ مبلغ التيئيس من إيمانهم الذي أشعر بأن الرسول ﷺ لم يترك طريقاً من طرائق جذبهم إلى الإيمان إلا وقد سلكه معهم، حتى كأنه ﷺ رغب في أن لا يأتيه الله بشيء ينفرهم منه وأن ينزل عليه ما يقربهم منه فمن هنا كانت أنسب بوضعها في عتاب التحذير.
ْوقد جاءت هذه الآية إثر بيان الله تعالى مبلغ ما وصل إليه حزنه ﷺ على عدم إيمان قومه وأنه بلغ في هذا الحزن مبلغاً جعله كالمتطلع إلى أن يأتيه الله تعالى في وحيه بما يقربهم منه ويرغبهم في الاستجابة إليه بتحقيق ما اقترحوا من آيات.
стр. 212
فقدم الله تعالى إلى رسوله الكريم التعزية والتسلية على حزنه البالغ الذي لم يبق في نفس النبي ﷺ أثراً في الأمل فيهم والرجاء في إيمانهم فقال له (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)).
وهاتان الآيتان تضمنتا أموراً:
أولاً - إخبار الله تعالى لنبيه ﷺ أنه علم ما يحزنه علماً أكده بحرف التحقيق الذي يفيد أن هذا العلم محقق ثابت وبدخول اللام على خبر إن المؤكدة، وإبهام ما يحزنه في الإتيان بصلة الموصول مبهمة غير مفسرة (يقولون).
* * *
(تسلية رسول الله ﷺ عما يلقاه من أذى المشركين)
ثانياً - إخباره رسوله بأن تكذيب هؤلاء المشركين لم يكن قط موجهاً لذاته الشريفة ﷺ بقوله (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وفِى هذا تلطف برسول الله ﷺ وتلميح إلا ما كان عليه ﷺ من الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ورفيع الشمائل التي يعترف بها هؤلاء المشركون رغم ما يكنونه لدعوته من عداء فهذا تنزيه لذاته ﷺ وتبرئة لساحته أن يتوجه إليها الكذب.
стр. 213
وقد روى الترمذي والحاكم والطبري عن علي ﵁: " أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به " فأنزل الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).
ثالثاً - بيان أن سبب عناد هؤلاء المشركين وتعنتهم بطلب الآيات من رسول الله ﷺ إنما هو جحدهم آيات الله، وهذا كأنه موجه إلى الله فكأن الله تعالى قال له: إن هذا التكذيب موجه إليَّ في آياتي ولم يوجه إليك في دعوتك وصدق رسالتك.
ثم سلك الله تعالى بنبيه ﷺ مسلكاًْ آخر في التلطف والتعزية ليستل من قلبه الطاهر كل أثر للحزن على عدم إيمان هؤلاء المشركين وهو مسلك التأسي بإخوانه الأنبياء والمرسلين وبيان أن ذلك العناد والتعنت من الكفرة والمشركين سبيل الأمم قبله وقبل أمته، وأن التذرع بالصبر والاحتمال سبيل حملة رسالات الله تعالى فقال له (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)). وهو بأسلوب التأكيد المفتتح بلام القسم وحرف التحقيق ليبين له أن شأن الرسل من جميع من تقدمك منهم أن يكذبوا وشأن الأمم عامة أن تقابل رسالات الله بالكفر والجحود وإيذاء حملة رسالات الله الذين يدعونهم إلى الجنة وهم لا يريدون إلا النار إلا من عصم الله، وأن عاقبة هذا الصبر والاحتمال على التكذيب والجحود هي تنزل
стр. 214
نصر الله تعالى على أنبيائه ورسله وأخذ الظالمين الجاحدين بانتقامه وبطشه الشديد.
وفي إبهام الفاعل في قوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) والتصريح بالمكذَّبين -بفتح الذال المشددة- من الرسل إعظام لرسل الله ورسالاته وتحقير لمن كذبهم وجحد آيات الله التي جاءوا بها لهدايتهم.
وقد بيّن الله أن هذا سنة من سننه التي لا تتبدل ولا تتغير وأن نصره آتٍ لا يتخلف فقال (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) وكلمات الله هي الآيات التي أنزلها على رسله ووعدهم النصر فيها كقوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)). وقوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)). وهذا سنة من سنن الله تعالى في خلقه.
ثم أخبر الله رسوله ﷺ بأسلوب التأكيد الموثق بأن هذا مما أخبره الله به فقال له (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ).
فلما بلغت التسلية لرسول الله ﷺ مبلغها -وكان ما طبع عليه رسول الله ﷺ من الرأفة والرحمة وحب إيمان قومه وحرصه الشديد عليهم أن يجنبهم انتقام الله وبأس عذابه- وجه الله تعالى الخطاب إلى رسوله عليه
стр. 215
الصلاة والسلام في نوع من الحسم ليفصم عرى هذا الحرص ويقطع رجاء رسوله في هؤلاء المتعنتين وبيانه: أنه لا أمل في إيمانهم لأن الإيمان إنما يتعلق بمشيئة الله تعالى وإرادته ولو شاء الله هدايتهم لهداهم أجمعين - فقال (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)). أي أنك قد استنفدت كل طرائق موجبات دلائل الإيمان وآتيتهم من الآيات ما فية الغنية عن طلب المزيد وتحقق لهم أنك صادق فيما جئتهم به من عند ربك ومع ذلك لم يؤمنوا مكابرة وإعناتاً واستهزاء ولم يبق إلا أن تأتيهم بالمستحيلات وما ليس فِي استطاعتك الإتيان به فقد شق عليك إعراضهم وعظم عليك صدودهم عن الإيمان وبلغ بك الحرص على إيمانهم إلى أن لو استطعت أن تدخل سرباً في الأرض أو ترقى سلماً في السماء فتأتيهم بما اقترحوا من الآيات توصلاً إلى إيمانهم وتطلعاً إلى نجاتهم من عذاب الله بدخولهم حظيرة الإيمان لفعلت ذلك.
ولكنهم بما طبعوا عليه من سوء الاستعداد لقبول الإيمان لن يؤمنوا ولو فعلت معهم ما تستطيع وما لا تستطيع، فتخفف من الحزن عليهم إذ لو شاء الله هدايتهم واستقامتهم على الدين لوفقهم لذلك بلطفه ورحمته ولكنه لم يشأ لهم ذلك بعدله وسابق علمه بحالهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تكن في رجائك إيمانهم -بعد ما تضافرت لك البراهين على عتوهم وإصرارهم على الكفر- ممن يغفل عن واقعهم ويطمع في إيمانهم لأن هذا شأن الجاهلين الذين ينساقون مع عواطف الرحمة والشفقة فيطمعون في غير مطمع، وهذا ليس من شأنك ولا مما يتعلق برسالتك.
следующие страницы →