Полный текст (304 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)
وثانية آيات هذا النوع من العتاب قوله تعالى -من سورة الأنعام-: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥).
وهذه الآية تدخل في ظاهر أمرها ومجمل موضوعها تحت عتاب التوجيه لأنها عتاب على شدة حرص رسول الله ﷺ على إيمان قومه الذي بلغ فيه مبلغاً ليس وراءه مطلب لحرص حريص، فهي بحسب هذا الظاهر من قبيل (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).
غير أنَّهَا لما اشتملت على تحذير وشيء من الشدة في الخطاب بلغ مبلغ التيئيس من إيمانهم الذي أشعر بأن الرسول ﷺ لم يترك طريقاً من طرائق جذبهم إلى الإيمان إلا وقد سلكه معهم، حتى كأنه ﷺ رغب في أن لا يأتيه الله بشيء ينفرهم منه وأن ينزل عليه ما يقربهم منه فمن هنا كانت أنسب بوضعها في عتاب التحذير.
ْوقد جاءت هذه الآية إثر بيان الله تعالى مبلغ ما وصل إليه حزنه ﷺ على عدم إيمان قومه وأنه بلغ في هذا الحزن مبلغاً جعله كالمتطلع إلى أن يأتيه الله تعالى في وحيه بما يقربهم منه ويرغبهم في الاستجابة إليه بتحقيق ما اقترحوا من آيات.
стр. 212
فقدم الله تعالى إلى رسوله الكريم التعزية والتسلية على حزنه البالغ الذي لم يبق في نفس النبي ﷺ أثراً في الأمل فيهم والرجاء في إيمانهم فقال له (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)).
وهاتان الآيتان تضمنتا أموراً:
أولاً - إخبار الله تعالى لنبيه ﷺ أنه علم ما يحزنه علماً أكده بحرف التحقيق الذي يفيد أن هذا العلم محقق ثابت وبدخول اللام على خبر إن المؤكدة، وإبهام ما يحزنه في الإتيان بصلة الموصول مبهمة غير مفسرة (يقولون).
* * *
(تسلية رسول الله ﷺ عما يلقاه من أذى المشركين)
ثانياً - إخباره رسوله بأن تكذيب هؤلاء المشركين لم يكن قط موجهاً لذاته الشريفة ﷺ بقوله (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وفِى هذا تلطف برسول الله ﷺ وتلميح إلا ما كان عليه ﷺ من الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ورفيع الشمائل التي يعترف بها هؤلاء المشركون رغم ما يكنونه لدعوته من عداء فهذا تنزيه لذاته ﷺ وتبرئة لساحته أن يتوجه إليها الكذب.
стр. 213
وقد روى الترمذي والحاكم والطبري عن علي ﵁: " أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به " فأنزل الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).
ثالثاً - بيان أن سبب عناد هؤلاء المشركين وتعنتهم بطلب الآيات من رسول الله ﷺ إنما هو جحدهم آيات الله، وهذا كأنه موجه إلى الله فكأن الله تعالى قال له: إن هذا التكذيب موجه إليَّ في آياتي ولم يوجه إليك في دعوتك وصدق رسالتك.
ثم سلك الله تعالى بنبيه ﷺ مسلكاًْ آخر في التلطف والتعزية ليستل من قلبه الطاهر كل أثر للحزن على عدم إيمان هؤلاء المشركين وهو مسلك التأسي بإخوانه الأنبياء والمرسلين وبيان أن ذلك العناد والتعنت من الكفرة والمشركين سبيل الأمم قبله وقبل أمته، وأن التذرع بالصبر والاحتمال سبيل حملة رسالات الله تعالى فقال له (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)). وهو بأسلوب التأكيد المفتتح بلام القسم وحرف التحقيق ليبين له أن شأن الرسل من جميع من تقدمك منهم أن يكذبوا وشأن الأمم عامة أن تقابل رسالات الله بالكفر والجحود وإيذاء حملة رسالات الله الذين يدعونهم إلى الجنة وهم لا يريدون إلا النار إلا من عصم الله، وأن عاقبة هذا الصبر والاحتمال على التكذيب والجحود هي تنزل
стр. 214
نصر الله تعالى على أنبيائه ورسله وأخذ الظالمين الجاحدين بانتقامه وبطشه الشديد.
وفي إبهام الفاعل في قوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) والتصريح بالمكذَّبين -بفتح الذال المشددة- من الرسل إعظام لرسل الله ورسالاته وتحقير لمن كذبهم وجحد آيات الله التي جاءوا بها لهدايتهم.
وقد بيّن الله أن هذا سنة من سننه التي لا تتبدل ولا تتغير وأن نصره آتٍ لا يتخلف فقال (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) وكلمات الله هي الآيات التي أنزلها على رسله ووعدهم النصر فيها كقوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)). وقوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)). وهذا سنة من سنن الله تعالى في خلقه.
ثم أخبر الله رسوله ﷺ بأسلوب التأكيد الموثق بأن هذا مما أخبره الله به فقال له (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ).
فلما بلغت التسلية لرسول الله ﷺ مبلغها -وكان ما طبع عليه رسول الله ﷺ من الرأفة والرحمة وحب إيمان قومه وحرصه الشديد عليهم أن يجنبهم انتقام الله وبأس عذابه- وجه الله تعالى الخطاب إلى رسوله عليه
стр. 215
الصلاة والسلام في نوع من الحسم ليفصم عرى هذا الحرص ويقطع رجاء رسوله في هؤلاء المتعنتين وبيانه: أنه لا أمل في إيمانهم لأن الإيمان إنما يتعلق بمشيئة الله تعالى وإرادته ولو شاء الله هدايتهم لهداهم أجمعين - فقال (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)). أي أنك قد استنفدت كل طرائق موجبات دلائل الإيمان وآتيتهم من الآيات ما فية الغنية عن طلب المزيد وتحقق لهم أنك صادق فيما جئتهم به من عند ربك ومع ذلك لم يؤمنوا مكابرة وإعناتاً واستهزاء ولم يبق إلا أن تأتيهم بالمستحيلات وما ليس فِي استطاعتك الإتيان به فقد شق عليك إعراضهم وعظم عليك صدودهم عن الإيمان وبلغ بك الحرص على إيمانهم إلى أن لو استطعت أن تدخل سرباً في الأرض أو ترقى سلماً في السماء فتأتيهم بما اقترحوا من الآيات توصلاً إلى إيمانهم وتطلعاً إلى نجاتهم من عذاب الله بدخولهم حظيرة الإيمان لفعلت ذلك.
ولكنهم بما طبعوا عليه من سوء الاستعداد لقبول الإيمان لن يؤمنوا ولو فعلت معهم ما تستطيع وما لا تستطيع، فتخفف من الحزن عليهم إذ لو شاء الله هدايتهم واستقامتهم على الدين لوفقهم لذلك بلطفه ورحمته ولكنه لم يشأ لهم ذلك بعدله وسابق علمه بحالهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تكن في رجائك إيمانهم -بعد ما تضافرت لك البراهين على عتوهم وإصرارهم على الكفر- ممن يغفل عن واقعهم ويطمع في إيمانهم لأن هذا شأن الجاهلين الذين ينساقون مع عواطف الرحمة والشفقة فيطمعون في غير مطمع، وهذا ليس من شأنك ولا مما يتعلق برسالتك.
стр. 216
ثم عقب هذه الآية (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ. . .) الآية بما هو كالبيان لها فقال (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)). أي أنك في حرصك الشديد على إيمانهم لا تستطيع منعهم عن هذا الإعراض الذي أحزنك ولا أن تحصل على آية تجذبهم إلى الإيمان بدعوتك لأن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمعون ما يلقى عليهم سماع تدبر وانتفاع وهؤلاء المعرضون عن الإيمان بما جئتهم به وإن كانوا في ظاهر الحال في صور الأحياء إلا أنهم بمنزلة الموتى " فآيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك ".
وقد سبق أن أشرنا إلى وجه العتاب في هذه الآية، وبينا أنها من عتاب التحذير باعتبار أن فيها شيئاً من شدة الأسلوب وصرامته وإن كانت فيما عوتب عليه النبي من من شدة حرصه على إيمانهم أقرب إلى عتاب التوجيه منها إلا عتاب التحذير.
* * *
(الرد على المستهينين بالفقراء من المؤمنين)
ومما يدخل في هذا النوع من العتاب أيضاً قوله تعالى في سورة الأنعام (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)).
стр. 217
وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق بيّن الله تعالى فيه مهمة الرسل، وأنها تبشير عباد الله المؤمنين بالخير، وإنذار الكافرين بالله النقمات والعقوبات الدنيوية والأخروية، وأن الناس أمام مهمة الرسل إما مؤمن موعود بالأمن والأجر العظيم، وإما مكذبون بآيات الله ينالهم العذاب الشديد بكفرهم بالله وما جاءتهم به الرسل من الله تعالى، وفسوقهم عن أوامر الله وخروجهم عن طاعته وارتكاب محارمه.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن مقترحاهم المتعنتة إنما كانت على سبيل العناد والصلف والاستهزاء والمكابرة، بيّن لرسوله ﷺ مهمته إزاء هذه الآيات، وأنه لا يستطيعها ولا يملكها، شأنه في ذلك شأن إخوانه الرسل من قبله، ومثل لذلك بثلاثة أمور نفاها عن رسول الله ﷺ ليخبر بها هؤلاء الجاحدين وهى:
أولاً - أن خزائن الله تعالى التي يطلبون الثراء منها ليست عنده ولا في ملكه ولا في استطاعته.
ِثانياً - أنه نفى علم الغيب عنه فهو لا يعلم منه إلا ما أطلعه الله عليه.
ثالثاً - أنه لا يقول لهم إنه ليس بشراً، ولا يدعي الملكية فيقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما شرفه الله بالوحي إليه وأنعم به عليه فهو متبع لما أوحي إليه ولا يخرج عنه.
ثم بيّن أنَّهم إن اتبعوا هدايته كانوا مبصرين للحق، وإن تولوا وأعرضوا كانوا عمياً عن الحق وهدايته، ووبخهم على عدم تفكرهم ونظرهم فيما جاءهم به من الآيات فقال (أَفلَا تَتفَكَّرُونَ).
стр. 218
ثم بيّن أن الإنذار بالقرآن وبما جاء به رسول الله ﷺ إنما يفيد الذين يُقرّون بالبعث ويخافون أن يحشروا إلى ربهم وهؤلاء هم المؤمنون، ولا يضرهم فقرهم ولا ضعف منزلتهم في الدنيا، لأنهم سموا بأنفسهم فآمنوا واهتدوا وانقطعوا إلى الله تعالى متبتلين في محاريب دعائه غدوة وعشية لا يريدون بذلك إلا وجهه ولا يتطلعون إلى شيء من الدنيا وزخارفها، وهذا هو قول الله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ثم قال تعالى: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).
أي أن هؤلاء الصفوة لم يُحمِّلوك شيئاً من أمرهم فلا أنت ترزقهم ولا أنت تحصي عليهم أعمالهم فتجازيهم عليها وإنما أمرهم إلى الله.
فهؤلاء الصفوة لم يطلبوا من رسول الله ﷺ شيئاً يشق عليه وهم أخلص الناس في مودته وأسعدهم بعلو دعوته وهو بهم رءوف رحيم.
(وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي أن هؤلاء الصفوة لا يتحملون شيئاً من أمرك وتصرفاتك ونشر دعوتك، وتبليغ رسالتك، لأنهم متبعون لأمرك وهديك.
ثم فرع على ذلك تأكيداً لتأسي الأمة به ﷺ ووجوب إتباعها له ووقوفها عند أمره فقال (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) أي إن فعلت ذلك اقتدت بك أمتك وتابعتك عليه، وهو ظلم أنت أبعد الناس عنه، ولتكن قدوة أمتك بك أن تكون على منهجك وحالك فلا يطرد الضعفاء والمساكين من المؤمنين من أجل تقريب الكبراء المترفين من غير المؤمنين
стр. 219
طمعاً في إيمانهم، لأن شأن الإيمان مرتبط بالقلوب لا بالمظاهر والثراء والترف وزخرف الدنيا.
* * *
(ما فتن به المستكبرون عن قبول الإيمان)
ثم بيّن الله تعالى أن هؤلاء الكفرة المستكبرين فتنوا في أنفسهم بالإعراض عن النظر في آيات الله تعالى ومعجزات رسوله ﷺ وقبول هديه، وأن مثل هذا الإفتتان وقع لهم بافتتانهم بإيمان هؤلاء الصفوة من ضعفاء المؤمنين حسداً لهم وتحقيراً لشأنَّهم لما يرون عليهم من سمات الفقر والضعف، ونيلهم المنزلة العظمى بإيمانهم وقبول هدى الله وانقطاعهم له بالدعاء والتضرع آناء الليل والنهار لا يبتغون بذلك شيئاً من رغائب الدنيا وزخارفها وإنما يريدون وجه الله تعالى.
وهذا كناية عن كمال الإخلاص والعبودية لله تعالى، فالمشبه به في قوله (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) فتنة رؤوس الكفر بإعراضهم عن النظر في آيات الله وبراهينه ودلائله على توحيده واستقامة هديه، والمشبه فتنتهم بإيمان هؤلاء الصفوة الذين أثنى الله عليهم أعظم الثناء، ولم يكن لهم من الدنيا شيء، وإنما هم منقطعون إلى الله تعالى بدعائه والتضرع له والتعبد لذاته المقدسة.
ثم أظهر الله تعالى مدار فتنتهم بهم وأنَّهم حقروهم عن أن تكون لهم هذه المنزلة العظمى عند رسول الله ﷺ من التقريب والاحتفاء بهم فقالوا: (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) أي أهؤلاء الفقراء الذين لا يملكون من الدنيا شيئاً وليس لهم ثراء مثل ثرائنا ولا هم مستطيعون أن يترفوا بالنعم ويتمتعوا بنعم الدنيا كما نترف ونتمتع، فالاستفهام إنكاري مشعر بالاستهزاء والتحقير.
стр. 220
ثم رد الله تعالى عليهم باطلهم بأسلوب استفهامي يتلاقى في الإنكار والتوبيخ مع أسلوب استفهامهم في الإنكار والتحقير. فقال تعالى: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)؟.
* * *
(ما يكون به علو المنزلة عند الله ورسوله)
ومعناه: أن علو المنزلة عند الله تعالى والتقرب من رسول الله ﷺ وأخذ الصدارة في مجالس الإيمان ليس بكثرة عرض الدنيا ولا بمظاهر الترف والزخرف ورغائب الشهوات، وإنما هو بما وقر في القلب من قوة الإيمان واستدامة الشكر لله تعالى، وأنتم محرومون من هذا بسوء استعدادكم وإعراضكم عن هدى الله تعالى، ولكن هؤلاء الضعفاء هم صفوة الله من خلقه، وهم أهل الشكر الذين علم الله أن قلوبهم عامرة بحبه وذكره فخصهم بما خصهم به من علو المنزلة عنده تعالى وعند رسوله ﷺ .
ثم زاد الله تعالى في حفاوته بهؤلاء الصفوة فأمر رسوله ﵊ أن يكون بهم حفياً وأن يقربهم منه وأن يبدأهم بالتحية تلطفاً بهم أو أن يبلغهم تحية الله لهم، وهذا معنى قوله تعالى (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
ثم بيّن أن هذا من غمرات رحمة الله الشاملة التي كتبها على نفسه لعباده المؤمنين، ثم فتح باب التوبة لسائر الخلق مبيناً شأنه تعالى مع التائبين
стр. 221
وأنه غفور رحيم لما يبدر منهم من الذنوب والآثام إذا رجعوا نادمين تائبين إليه مما اقترفوا من أسواء ارتكبوها بجهالتهم لجلال الله تعالى وعظمته فقال تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
* * *
(موضع العتاب من هذه الآية)
والعتاب في هذه الآية موضع البحث على هذا التفسير الذي نهجناه في فهم الآية إنما هو في أسلوب الآية:
أولاً - بتسليط النهي على الطرد، والطرد إبعاد مشعر بالنفرة.
وثانياً - توجيه الخطاب في جواب النهي في قوله (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مباشرة إلى النبي ﷺ بالكون من الظالمين إن وقع منه ذلك -وحاشاه أن يقع منه- ﷺ فيه شدة تتناسب مع صدر الآية في توجيه النهي إلى الطرد فكانت الآية بصدرها وفاصلتها مشعرة بالشدة التي تحمل العتاب.
وكأن الله تعالى يحذر نبيه ﷺ أن يقع منه ذلك لئلا يكون منهحاً لأمته من بعده بتقريب أهل الدنيا وإبعاد صفوة الله الذين انقطعوا إلى الله تعالى تضرعاً وتعبداً لا يبتغون إلا وجهه وذلك على الضد من مقاصد هدايات الله.
ومن هنا كان العتاب فيها من عتاب التحذير.
وقد ذكر المفسرون والذين يُعنَون بأسباب نزول الآيات الكريمة روايات مذكورة في بعض الصحاح تشعر بأن قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). . .) الآية إنما نزلت بسبب أن
стр. 222
المشركين طلبوا من النبي ﷺ إبعاد فقراء المؤمنين عن مجلسه وإخلاص مجلسه لهم لعل ذلك يكون أطوع إلى قبول هدايته والإيمان به فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله أن يقع وحدَّث نفسه.
وهذا مشعر بأن النبي ﷺ هَمَّ بإبعاد هؤلاء الفقراء عن مجلسه فنزلت الآية الكريمة تنهاه وتعاتبه على ما هَمَّ به.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: " كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .).
وهذا أصح ما رُوي في سبب نزولها، وعند الحاكم في مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضاً من طريق سفيان ولم يذكر فيه ما جاء في رواية مسلم من قول سعد " فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدَّث نفسه فنزلت الآية "، وإنما الذي جاء في حديث الحاكم أن سعداً قال: " نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول الله ﷺ وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا فنزلت (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ).
стр. 223
ولا يخلو هذا من الإشعار الذي أشعر به حديث مسلم في كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح في الإشعار من حديث الحاكم.
ولعل حديث الحاكم دخله شىء من الاختصار، أو أن حديث مسلم روي بالمعنى فدخله شىء من التفصيل.
وحديث سعد -عند مسلم- صريح في أن العتاب في الآية وقع على ما حدَّث به النبي ﷺ نفسه إن كان قد حدَّث نفسه بما قال سعد. والله اًعلم.
بيد أن حديث النفس أمر داخلي في النفس الإنسانية محجوب عن غير صاحبه، لا يطّلع عليه أحد من الخلق سوى من حدّث نفسه بما حدّثها به إن كان قد حدّثها فعلاً.
وهذا النظر يجعلنا نطمئن تماماً إلى ترجيح القول بأن رواية مسلم لحديث سعد هذا قد رويت بالمعنى، فدخلها تفصيل أخرجها من نسقها الصحيح الذي قاله سعد، إذ ما كان لسعد ولا لغيره من الناس كائناً من كان أن يطلع على ما دار بخلد رسول الله ﷺ آنذاك، ولا أن يتجرّأ بالقول عليه، وهو لم يخبر عن نفسه بشيء في هذا إن كان قد حدث من المشركين ما عُدَّ سبباً لنزول هذه الآية الكريمة.
وأيضاً لم يرد لرسول الله ﷺ في سياق قول سعد في هذا الحديث قول ولا تقرير حتى يمكن أن يستأنس بشيء منه لما زُعم في ما نسب لسعد من قول في هذه الرواية.
стр. 224
وظاهر حال رسول الله ﷺ في إخلاصه التام في الدعوة إلى عبادة الله وحده، وحبه للمؤمنين، وتفرغه الكامل للجلوس معهم، وانقطاعه لتعليمهم، وتفقيههم في الدين مما هو معلوم عنه بالاستفاضة يرد كل ما زُعم في هذا الشأن.
وسياق قول سعد الذي رواه الحاكم -كما مر آنفاً- هو اللائق بحال رسول الله ﷺ مع المؤمنين، لأنه ﷺ ما كان يلقي بالاً لما كان يتعنت به المشركون من أقوال وأعمال ومطالب يأملون بها إبعاد المؤمنين بها عنه.
ويؤيد قولي هذا، ويعززه ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناده عن علي أبي أبي طالب ﵁ أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ حالاً، وأتمهم به معرفة وأخبرهم به تصرفاً في دعوته، وجميع شؤون حياته حيث قال علي ﵁: " خرج عِبْدَانٌ إلى رسول الله ﷺ -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله ردَّهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: " ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا " وأبى أن يردهم، وقال:
" هم عتقاء الله ".
ورواه -أيضاً- الترمذي في جامعه بإسناده من طريق رِبْعي بن حِراشٍ -أيضاً- بتفصيل أتم وأوضح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
стр. 225
" لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقهٌ في الدين، وإنما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا. قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ : " يا معشر قريش لتنْتهُنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف علي الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان ".
وهذا الحديث بسياقيه صريح في عدم رضى رسول الله ﷺ بقولهم ذلك، وردٌّ وصد، ورفض صريح لطلبهم وبيان لغضبه ﷺ عليهم، وعلى من آزرهم بالقول منهم، وتهديد ووعيد شديدين لهم جميعاً، مما يدل على أن ما صدر منه من تهديد ووعيد وتوعد لهم في الحديبية قد صدر منه ﷺ مثله قبل ذلك حين صدر منهم شبيه بطلبهم ذلك في سابق أيامهم يوم أن كان بمكة، لأن حال رسول الله ﷺ حال واحدة في جميع ما يُعترض به على دعوته إلى إخلاص العبادة لله وحده في أول أمره، وآخره لا يتغير.
وقد أمره الله بإبلاغ ما أنزل إليه، وأنه يعصمه من الناس، ويمنعهم من قتله واستئصاله فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
стр. 226
وأمره بجهاد الكافرين بالقرآن جهاداً كبيراً، والتشديد عليهم به حتى يؤمنوا بالله وحده. قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).
وقد ضمن الله له حفظه منهم، ووعده بأن يكفيه منهم. قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)). وقال (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)).
وكل هذا تثبيت من الله لرسول الله ﷺ ، ووعد له بالحفظ والعصمة من أعدائه مما يدل بحق ويقين على أن حال رسول الله ﷺ من أعدائه حال واحدة لا تتغير بتغير أعدائه، ولا بتغير أنواعهم، وأصنافهم، وقوة مواقفهم منه، فالله هو الحافظ له، وناصره على أعدائه ومؤيد دينه ما بقيت السماوات والأرض مؤيداً بالطائفة المنصورة التي أخبر رسول الله ﷺ عنها بأنَّهَا ستبقى على الحق ظاهرة حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من خالفهم.
ومما يكمل قصة الصفوة الواردة في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. .) الآية ما جاء في سورة
стр. 227
الكهف في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)).
فالقصة واحدة تتعلق بطلب فجار الكفرة من المشركين إبعاد الصفوة الفقراء من المؤمنين عن مجلس رسول الله ﷺ ، ليستأثررا به استكباراً وعلواً واحتقاراً لضعفاء المؤمنين.
* * *
(الربط بين آية سورة الأنعام وآية سورة الكهف الناهيتين عن طرد الذين يدعون ربهم)
فآية الأنعام كانت بدءاً للقصة بالنهي عن طرد الصفوة وإبعادهم عن مجلسه ﷺ ، وآية الكهف كانت ختاماً للقصة بازدياد حفاوة الله تعالى وحفاوة رسوله ﷺ بالصفوة الضعفاء من المؤمنين، أن يحبس رسول الله ﷺ نفسه معهم حتى يشبعوا رغباتهم من حديثه والأخذ عن منهجه في التربية والسلوك.
* * *
(اختصاص الله بعلم الغيب وانفراده بالحكم في خلقه)
وقد رردت هذه الآية الكريمة في موضعها من سورة الكهف بين آيتين من آيات هذه السورة تأمر الآية السابقة لها - وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) - رسول الله ﷺ بتلاوة مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّه في هذا الكتاب تلاوة تبليغ وتعبد واستمساك به، واتباع له وإعلان له على الدنيا كلها دون حذر ولا مبالاة بأحد من الناس، لأن هذا الكتاب هو آخر كتاب ينزله الله على بشر، فلا مبدل لكلماته ولا مغير لشيء منها
стр. 228
ولن يتبع الحق أهواءهم في قولهم (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) إذ كلمات هذا الكتاب هي السبيل والملجأ لهداية البشر أجمعين.
وفي قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) إخبار لرسول الله ﷺ أنه لو ترك -وحاشاه من ذلك- كلمات هذا الكتاب فلن يجد غيره من الكلمات هادياً ومرشداً يلجأ إليه " في البيان والإرشاد "، إذ لا بيان لمصالح العباد كبيان الله تعالى العليم الخبير، ولا إرشاد لهم كإرشاده تعالى وهدايته وهو الرءوف الرحيم بهم.
وهذا الذي قاله في هذه الآية (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) الآية، هو مضمون ما ختمت به آخر آية من آيات قصة أهل الكهف وهي قوله تعالى: (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)).
المفيد لاختصاص الله تعالى بعلم غيب السماوات والأرض الذي يدخل فيه علم ما جرى لأهل الكهف، وترك التماري في أمرهم لأنه مما اختص الله تعالى بعلمه، وانفراده بالحكم في خلقه فلا يشركه في ذلك أحد من خلقه.
وهذا فيه إفراد لله تعالى بإحاطة علمه وإفراده بوحدة الحكم بين عباده.
وهذا هو ما تضمنه الكتاب الكريم المنزل على خاتم النبيين الذي أمره الله فيه بتلاوته تبليغاً واتباعاً له وتعبداً واستمساكاً به، وعدم تركه لأنه
стр. 229
لا يوجد كتاب غيره يجمع ما جمع من الهدى والنور والخير.
ومن هنا كان آخر كتاب ينزل من السماء لا مبدل لكلماته ولا مغير لمحكماته.
ولما كان أمر رسول الله ﷺ بتلاوه الكتاب الذي أوحى إليه، والاستمساك به الذي لا مبدل لكلماته مقتضياً للحفاوة بالمؤمنين به ولا سيما الذين تبتلوا في محاريب الإيمان منقطعين إلى الله تعالى يبتغون وجهه لا يريدون شيئاً من زينة الحياة الدنيا وزخارفها ومقتضياً لإبعاد الظالمين المستغرقين في الدنيا وزخارفها المحقرين لصفوة المؤمنين، وهذه الحفاوة بهؤلاء الصفوة من عباد الله المخلصين تتمثل في أن يصبر النبي ﷺ نفسه على الجلوس معهم وفي إعراضه عن الظالمين المستكبرين من المستغرقين في الدنيا وزينتها.
وقد جاء الأمر بطريق الاستئناف المشعر بأن هؤلاء الصفوة أحقاء بالقرب والتقريب فقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، أمراً لرسول الله ﷺ أن يحبس نفسه ويقصرها على مجالستهم وتعليمهم إعلاء لمنزلتهم عند الله تعالى ولمكانتهم من الإيمان بالرسالة وإخلاص العبودية لله تعالى ابتغاء وجهه لا يريدون زينة الحياة الدنيا ولا يحبون أن يكونوا من أهلها.
وقد أكّد الله تعالى ذلك بنهيه ﷺ أن تتجاوز عيناه النظر إلى أولئك الصفوة من المؤمنين طلباً لإسلام الكبراء من العظماء والأعيان والأغنياء من أئمة الكفر ورؤوس الباطل طمعاً في إيمانهم وإيمان أتباعهم ومن يسيرون في ركبهم وظلهم من عامة الناس الذين يتبعون كل ناعق لا يريدون من الحياة
стр. 230
إلا ملء بطونهم وتحقيق رغائبهم الدنيوية لضعف عقولهم عن إدراك الهدى في رسالة الله وعن النظر في آياته ودلائله وبراهينه التي تنهى عن المتابعة دون تعقل أو تدبر.
وهذا كناية عن تقدير فضل أولئك الصفوة من المؤمنين، وحبهم وإيثارهم في نفس رسول الله ﷺ على غيرهم من أهل الدنيا المستغرقين في زخارفها وترفها تطلعاً إلى أن يكونوا جنداً للرسالة ليتبعهم غيرهم من أتباعهم الذين يقلدونهم ويأخذون بأقوالهم، فالمراد بإرادة زينة الحياة الدنيا إرادة " أهلها وأشرافها " -كما قال ابن زيد فيما نقله عنه الطبري- ليكونوا ذرائع لإيمان غيرهم ممن يتبعهم من عامة الناس.
* * *
(تيئيس رسول الله ﷺ من رجاء إيمان المستكبرين)
وفي قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً) دمغ للظالمين الجاحدين لآيات الله تعالى بأن الغفلة مستولية على قلوبهم فلا يفيقون من سكرتها ولا يصحون من رقدتها لينظروا في آيات الله ودلائله لأن الله تعالى ختم بالغفلة على قلوبهم وعقولهم فكان أمرهم إلى التبار والضياع.
وهذا يتضمن تيئيس رسول الله ﷺ من رجاء إيمانهم، وفيه تعريض بأن هؤلاء المستكبرين لا تنفع فيهم دعوة إلى الله تعالى ولا إقامة حجة أو برهان على صدق رسالة رسول الله ﷺ عندهم، وفيه إشارة إلى أن أمر هؤلاء الصفوة من عباد الله المؤمنين في ثبات وعلو وارتفاع على عكس أمر أولئك الغافلين.
стр. 231
(تهديدهم بالعذاب الشديد)
ثم عقب آية (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، بتهديد موجع ووعيد شديد يبين أن هؤلاء الجاحدين واقفون على شفا نار جهنم بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والجحود والاستهزاء بصفوة المؤمنين والسخرية بهم. فقال تعالى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).
ثم أتبع الله تعالى ذلك التهديد بالإخبار عما أعده للظالمين من سوء العذاب في أسلوب تنخلع له القلوب، وتذهب منه العقول وتجف من هوله الجلود. قال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)).
* * *
(وجه العتاب في الآية)
ووجه العتاب في هذه الآية الكريمة أولاً في أمر رسول الله ﷺ بحبس نفسه مع الصفوة من المؤمنين، وثانياً ما في قوله (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من المبالغة التي تفيد في ظاهرها إلزام رسول الله ﷺ أن يغض بصره عن كل من عداهم كما يشعر به منطوق النهي ومتعلقه.
وما في قوله (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من إفادته بظاهره أن مجاوزة نظر رسول الله ﷺ للصفوة الفقراء من المؤمنين إلى غيرهم إرادة لزينة الحياة الدنيا.
ثم عقب ذلك بما هو كالمقابل لطرد الصفوة عن مجلس رسول الله ﷺ وعدم حبس نفسه عليهم بما هو سمة الفجرة من الكفار الذين طلبوا من رسول الله ﷺ ذلك فنهاه الله عن إطاعتهم ووصفهم بغفلة قلوبهم عن ذكر الله واتباعهم للهوى والشهوات حتى كان أمرهم صائراً إلى البوار والهلاك
стр. 232
في قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
وأما أنَّهَا من عتاب التحذير فلأن ما فيها من شدة النهي يتضمن تحذير النبي ﷺ أن يكون منه ما لم يكن خشية أن يقع ما هو أكثر منه.
وفي هذا التحذير عناية برسول الله ﷺ في توجيه رسالته وإظهار منهجه في تبليغها ولبيان أن رفعة الشأن عند الله ونيل شرف القرب من رسول الله ﷺ إنما ينالهما الناس باستجابتهم لله تعالى بإخلاص العبادة له وبإتباع رسوله ﷺ ، وليس بما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من مال وجاه وسلطان.
ولما كان رسول الله من أسوة لأمته في الدعوة إلى الحق كان ذلك تحذيراً للأمة وإقامة لوجهها على المنهج الذي مضى عليه رسول الله ﷺ بتعليم الله وتوفيقه وتسديده.
* * *
(النهي عن استبقاء الأسرى)
ومن آيات هذا النوع من العتاب أيضاً قوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)).
стр. 233
وقد جاءت هاتان الآيتان في سياقهما من سورة الأنفال بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﷺ بتحريض المؤمنين على القتال وحثهم على الاستبسال، والصبر فيه تقوية لعزائمهم على خوض المعركة والثبات في ميدانها لمواقفة المشركين والانتصار عليهم، وبشَّرهم أن العشرين الصابرين منهم يغلبون مائتين من أعدائهم، وأن مائة منهم يغلبون ألفاً من الذين كفروا، وذلك لأن المؤمنين يقاتلون متوكلين على الله تعالى طالبين نصره ورضاه، هدفهم إعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة شريعته بين جميع البشر، فهدفهم من القتال واضح، أما الكافرون فيقاتلون المؤمنين تعالياً وإفساداً فى الأرض وطمساً لمعالم الحق والهدى فيها، فلذلك فإنهم لا يفقهون للقتال غاية في معرفة الحق والاهتداء إليه، ولا يعرفون له هدفاً في إصلاح الحياة وإقامتها على الإحسان والعدل، لأنَّهم يقاتلون لرغائبهم الشخصية وإشباع شهواتهم من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وهذا هدف لا يقوم على دعائم ثابتة، وسرعان ما تعصف به رياح الحق، ولذا وصفهم الله تعالى (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) وهذا وصف لهم بالغباء والجهالة وتقديم شهوات الحياة الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.
ولما لم يكن جميع المؤمنين في الصبر واحتمال فوادح الكفاح والنضال على غرار أولئك المتقدمين من أهل بدر -وهم الرعيل الأول الذين لم يلحق بهم أحد ممن جاء بعدهم في أجر ولا فضل- أعلمهم الله تعالى أنه خفف عنهم فجعل على الواحد منهم مقابلة اثنين من الكافرين، وأنه تعالى مع الصابرين.
стр. 234
ولما كان الأمر بالتحريض على القتال، وبيان قدرة المؤمنين على غلبة عدوهم في مقابلة المؤمنين لأكثر من عددهم مقتضياً ألا يبقوا على عدو جاء ساحة القتال. قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية.
أما بحث تركيب (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) فقد استوفيناه عند الحديث على قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) من سورة التوبة.
وإجمال ذلك أن هذا التركيب المؤلف من (ما) النافية الداخلة على (كان) المقرون خبرها بلام الجحود يحتمل معنيين:
الأول: التبرئة والتنزيه، وعدم الوقوع.
الثاني: النهي الضمني عن أن يقع متعلق الخبر.
ومعنى الآية على الوجه الأول: أن الله يبرئ نبيه ﷺ وينزه ساحته عن أن يكون له قصد في أخذ الأسرى وإنهاء المعركة قبل الإثخان في الأرض.
ويجوز -على الوجه الثاني- أن يكون المراد نهيه ﷺ عن أن يكون له أسرى قبل الإثخان في الأرض والمبالغة في إضعاف قوة العدو، وإن كان النهي لا يستلزم وقوع المنهي عنه من المخاطب لجواز أن يكون وقوع المنهى عنه كان ممن له صلة تبعية بالمخاطب، ويؤيد هذا " أن في التنكير -أي تنكير نبي في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) - إبهاماً في كون النفي لم يتوجه عليه معيناً تلطفاً به ﷺ وإشارة إلى أن هذا سنة من سنن الله تعالى مع
стр. 235
أنبيائه وبياناً لأنه لم يكن ﷺ متوجه القصد إلى أن يكون له أسرى قبل الإثخان في العدو، وإكثار القتل والجراح فيه.
* * *
(توجيه وجه الخطاب بالآية الكريمة)
وعلى ذلك يكون الخطاب -في ظاهره- موجهاً لرسول الله ﷺ مع هذا التلطف الذي يبرئ ساحته ﵊ مما يوجب العتاب، ويكون الخطاب في حقيقته موجهاً إلى الذين أسرعوا في إنهاء المعركة وأخذ الغنائم والأسرى بمجرد ظهرر طلائع النصر، ولم يصبروا حتى يكثروا القتل والجراح في العدو كسراً لشوكته وتوهيناً لقوته ولا سيما أن هذه هي المعركة الأولى في الإسلام وقد نصر الله تعالى فيها نبيه ﷺ وأصحابه مع قلة عددهم وضعف عدتهم في مقابل كثرة عدد العدو وقوة عدته.
وقد امتن الله تعالى عليهم بهذا النصر بقوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).
* * *
(تنزيه رسول الله ﷺ عن إرادة شيء من الدنيا)
وقد نزه الله تعالى نبيه ﷺ عن إرادة شيء من الدنيا بنقل توجيه الخطاب من رسول الله ﷺ في هذه الآية الكريمة إلى أصحابه في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يدر بخلده أن ينهي المعركة قبل الإثخان في العدو ليأخذ الأسرى ويغنم أصحابه المغانم ويؤكده ما رواه ابن إسحاق في سيرته قال: " ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " قال: أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك
стр. 236
فكان الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال ".
وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم ينكر على سعد بن معاذ ما رأى في وجهه من كراهية ما يصنع القوم فاستفسره عن ذلك فقال له: " كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ " فقال سعد: أجل يا رسول الله، وعلل سعد ذلك بأن هذه أول وقعة في الإسلام نصر الله فيها المسلمين على أعدائهم من المشركين فكان الإثخان في القتل أحب إليه من استبقاء الرجال.
* * *
(موضع العتاب من الآية)
وفيه دلالة على أن المعاتب عليه عدم الإثخان في القتل والإسراع إلى الغنيمة لا أخذ الفداء لأن سعداً أبان عن رأيه قبل الاستشارة في أخذ الفداء.
وقد جاء في الروايات الأخرى أن العذاب لو نزل ما نجا منه غير سعد وعمر رضى الله عنهما.
* * *
(المعاتبون بالآية)
وهذا كالصريح في أن أخذ الفداء من الأسرى لا عتاب عليه، وقد بيّن الله تعالى هذا بقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فإنه تعالى لعظيم فضله وبالغ رحمه منع عذابه العظيم عن المؤمنين المجاهدين يوم بدر الذي استحقوه بما مالت إليه أنفسهم من الإسراع في جمع الغنائم والاشتغال بها وترك الإثخان في القتل وحس المشركين حين ظهروا عليهم في أول وقعة تلتقي فيها الفئة المؤمنة من صفوة أصحاب
стр. 237
رسول الله ﷺ على قلة في العدد وضعف في العدة بجحافل الشرك ورءوس الطغيان الذين يفوقونهم أضعافاً عدداً وعدة.
وهذه الآية الكريمة (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) -كما هو ظاهر منها- لا تمنع الأسر وأخذ الفداء نهائياً ولكنها تقرر أنهما لا يكونان إلا بعد الإثخان في الأرض بظهور المسلمين على أعدائهم، وهى لا تتنافى مع آية سورة محمد -كما يقول الفخر الرازي- لأنه لا زيادة في حكم آية سورة محمد (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) - على حكم هذه الآية لأن كلتا الآيتين متوافقتان " فإن كلتيهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعد أخذ الفداء فلا نسخ إذن كما يزعم بعضهم.
ولكن بعض الصحابة ﵃ حين اشتغلوا بجمع الغنائم قدموا عرض الدنيا على الآخرة فخالفوا ما أراده الله تعالى لهم من عظيم الظهور وقوة الشوكة وشدة الرهبة في قلوب أعدائهم فيما لو سددوا إليهم الضربة القاصمة استئصالاً لشأفة الكفر والكافرين، إرهاباً لقلوب أعداء الله ورسوله وإظهاراً لقوة المؤمنين وتمكنهم من القضاء على أعدائهم في أول لقاء لهم معهم.
стр. 238
(إشارة إلى اختلاف العلماء في بيان الإبهام بالمراد بالكتاب الذي سبق)
أما الكتاب المذكور في قوله تعالى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فقد أدى إبهامه إلى اختلاف العلماء فيه على أقوال كثيرة أوصلها الشوكاني -في فتح القدير- إلى ستة أقوال، لعل أرجحها وأقربها إلى العقول وأولاها بالقبول هو: ألا يعذب الله أحداً إلا بعد أن يقدم إليه أمراً أو نهياً فيخالف ما قدمه الله إليه.
وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وعن مجاهد رحمه الله تعالى.
ثم بيّن الله تعالى ما كان مسطوراً في غيبه من إحلال الغنيمة وتطييبها لعباده المؤمنين من هذه الأمة -وهذا كان من خصائص النبي ﷺ على الأنبياء كما ورد في الحديث الصحيح فيما رواه الإمامان البخاري ومسلم من قوله ﷺ " وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " فقال تعالى: تطيباً لنفوس أؤلئك المجاهدين (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)).
стр. 239
وهذا يدل على أن أخذ الغنائم وأكلها كان حلالاً طيباً لا شبهة فيه ولا عتاب عليه وإنما كان العتاب على الإسراع في إنهاء الوقعة قبل الإثخان في العدو وكسر شوكته وإضعاف قوته وهو نظير ما ذكرناه في قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) في أن الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كان صواباً بالأوجه التي ذكرناها وإنما كان العتاب على الإسراع بالإذن لهم دون التلبث الذي يكشف عن حقيقة المنافقين ليعرفهم الناس ويفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد.
وتذكر بعض روايات الأحاديث وأسباب النزول أن هذه الآيات نزلت بعد مشاورة رسول الله ﷺ أصحابه في أمر أسرى بدر واختيار رسول الله ﷺ لرأي أبي بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله ويهتدي بهداه.
ومن أصح هذه الروايات ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ فيما يرويه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال ابن عباس: " فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: لا، والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه وتمكنني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ﷺ -
стр. 240
ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : " أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة " شجرة قريبة من نبي الله ﷺ ، وأنزل الله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إلى قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فأحل الله الغنيمة لهم ".
وحديث مسلم هذا ظاهر في سياقه أن النبي ﷺ بدأ أصحابه بمشاورتهم في شأن الأسرى فأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم للأسباب التي ذكرها أيضاً، فهوى رسول الله ﷺ ما رأى أبو بكر ولم يهو ما رأى عمر.
وهو أيضاً صريح في أن النبي ﷺ بكى هو وأبو بكر من أجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه فِي أخذ الفداء.
وصريح أيضاً في أن بكاء النبي ﷺ وصاحبه أبي بكر إنما كان شفقة منه لأجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه لأخذهم الفداء.
* * *
(قرار الصحابة بأخذ الفداء)
ومن ثم فالحديث لا يفيد أصلاً أن النبي ﷺ أشار بأخذ الفداء وإنما شاور أصحابه فأشارت الكثرة منهم بأخذ الفداء وهم الذين عوتبوا بقول الله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) فلما خرج إليهم بعد
стр. 241
المشاورة قال لهم " أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ".
وهذا ما يدل عليه حديث مسلم دلالة قاطعة فالنبي ﷺ لم يكن مختاراً لأخذ الفداء وإنما كان مشاوراً لأصحابه.
وهذه المشاورة مأمور بها النبي ﷺ كما يدل على ذلك صريح حديث جبريل الذي رواد الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم -قال الحافظ ابن حجر وقد عزاه إلى من ذكرنا: (بإسناد صحيح) - عن علي ﵁ قال: " جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خيِّر أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاماً مقبلاً مثلهم قالوا: الفداء ويقتل منا ".
وفي طبقات ابن سعد وعيون الأثر من مرسل عبيدة لهذا الحديث أن النبي ﷺ -حين أخبره جبريل بذلك- " نادى في أصحابه فجاءوا أو من جاء منهم فقال: " هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم ويستشهد قابل منكم بعدتهم " فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابل منا الجنة سبعون. . . ففادوهم.
стр. 242
وكما يدل عليه ما أورده السيوطي في الدر من إخراج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة ﵁ قال: " نزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ يوم بدر فقال: إن ربك يخيرك إن شئت تقتل هؤلاء الأسارى وإن شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم. فاستشار أصحابه فقالوا: ْنفاديهم فنتقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء ".
ومن هذا يظهر جلياً أن النبي ﷺ لم يختر أخذ الفداء ولا حبَّذه.
" وأن حديث مسلم لم يتعرض قط لتخيير جبريل، وإنما ذكر أن النبي ﷺ بدأ بمشاورة أصحابه في شأن الأسرى.
وأحاديث جبريل -في التخيير في أسرى بدر- جعلت المشاورة بعد الإخبار بالتخيير، ولم يذكر فيها مشاورة النبي ﷺ لأصحابه التي ذكرها حديث مسلم وجاء فيها أنه ﷺ هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قاله عمر.
وكذلك ليس في أحاديث التخيير في قتل الأسرى إشارة قط إلى بكاء النبي ﷺ وصاحبه وتعليل ذلك بعرض العذاب للذين أخذوا الفداء.
وهذا الاختلاف بين حديث مسلم في مشاورة رسول الله ﷺ لأصحابه في أمر أسرى بدر وبين أحاديث جبريل في أمر رسول الله ﷺ بتخيير أصحابه في هؤلاء الأسرى يجعل المرء بين واحد من ثلاثة احتمالات: فإما أن يحتمل حديث مسلم اختصار ما جاء من التخيير في أحاديت جبريل -عند من ذكرنا- اكتفاء بالمشاورة، وإما أن النبي ﷺ -
стр. 243
لم يذكر تخيير جبريل لأصحابه واكتفى بمشاورتهم تأنيْساً لهم بما يشمل جانبي التخيير لأن المشاورة لا تخرج عنهما، إذ هي لا تنتهى إلا بأحدهما القتل أو الفداء.
ْوإما أن رسول الله ﷺ بدأهم بالمشاورة فلما اختلفوا فيما يفعلون بالأسرى دخل رسول الله ﷺ منزله فجاءه جبريل بالأمر بالتخيير.
* * *
(لا عتاب على الفداء ولا على أخذ الغنيمة)
ومما قدمنا يظهر أن أخذ الفداء لا عتاب عليه لرسول الله ﷺ بدليل أحاديث تخيير جبريل في أمر الأسرى، إذ لو كان أخذ الفداء موضع مؤاخذة ما جاء جبريل بالتخيير بينه وبين القتل، لأنه لا يخيّر بين جائز مطلق وبين مؤاخذ عليه، ولما صح التفريع على الآيتين بالأمر بالأكل مما غنموه حلالاً طيباً بقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) لأن الفداء ليس من الغنيمة، إذ الغنيمة هى ما يؤخذ من المحاربين بالقوة والقهر فالذي أخذوه في قوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)).
هو الغنائم التي شغلوا بجمعها عن الإثخان في القتل الذي كان الأولى والأجدر بهم أن يفعلوه.
والذي أحل الله لهم وأمروا بالأكل منه حلالاً طيباً هو الغنيمة بدليل قوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فلا ذكر للفداء في المؤاخذة في الآية الكريمة حتى يجعل محلاً للعتاب، ويؤيد هذا ما رواه البخاري من أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: " لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني
стр. 244
ْفي هؤلاء النتني لتركتهم له ".
وهذا يدل على أن لا عتاب على أخذ الفداء لعزم رسول الله ﷺ على ترك الأسرى وإطلاقهم بدون فداء فيمالو كان المطعم بن عدي حياً وكلم رسول الله ﷺ فيهم.
ويؤيده أيضاً أنه سبق أن فادى رسول الله ﷺ ابن كيسان مولى هشام ابن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش الأسدي ﵁ حين أرسله رسول الله ﷺ -ومعه ثمانية من المهاجرين- إلى وادي نخلة بين مكة والطائف لرصد عير لقريش -وذلك قبل غزوة بدر الكبرى بأكثر من شهرين- فالتقوا بهم (في آخر يوم من رجب) من السنة الثانية من الهجرة فغنموا العير واقتادوا معهم الأسيرين إلى المدينة فوقف رسول الله ﷺ العير والأسيرين وقال أهل الكفر:
استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وأكثروا في ذلك فرد الله عليهم قولهم فأنزل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ
стр. 245
سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)).
فقبض رسول الله من العير والأسيرين وأخذ الغنيمة وهي (أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله ﷺ في الإسلام) ولم يعاتب الله تعالى أحداً على شىء من ذلك.
وممن قال إن أخذ الفداء من أسرى بدر لا عتاب عليه لسبق أخذه في سرية عبد الله بن جحش ولم يعاتبوا عليه -القاضي عياض ونقله- في الشفاء - عن القاضي بكر بن العلاء.
وعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول الله ﷺ في فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه وأخذ الغنيمة فيما سبق هذه الغزوة أولاً، ولأن اختيار أخذ الفداء يوم بدر من الصحابة ﵃ كما في أحاديث تخيير جبريل.
стр. 246
(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)
وما في هذه الآيات -موضع البحث- من عتاب موجه لمن تعجلوا أخذ الغنيمة واشتغلوا بجمعها وليس على مجرد أخذها، وإنما لكون الاشتغال بجمعها كان سبباً في ترك الإثخان في العدو الذي قد يعطيه اشتغال المجاهدين من المسلمين بجمع عرض الدنيا فرصة التجمع ولم الشمل واستعادة الهجوم على المسلمين مرة ثانية فيضيع النصر من أيديهم ويبغتوا بما لم يحسبوا له حساباً.
والذي دعانا لضم هذه الآية إلى آيات العتاب مع أنه لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله ﷺ كما أوضحناه فيما سبق ما درج عليه المفسرون وغيرهم من ذكرها مثالاً للعتاب لرسول الله ﷺ وما ورد من روايات وأسباب للنزول يؤيدون بها ما يقولون وقد بينا -فيما سبق- وجهة نظرنا في أقوى وأصح ما استدلوا به.
* * *
(وجه القول بأن في الآية عتاباً)
على أن بعض الأئمة -من الذين يرون أن في الآية عتاباً أخذا بظاهر رواية مسلم- رجحوا مسلك النبي ﷺ ، واستدلوا له بأدلة قوية، ومن هؤلاء العلامة ابن قيم الجوزية -في كتابه زاد المعاد- إذ يقول: " وقد تكلم الناس في أي الرأيين أصوب، فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ولتشبيه النبي ﷺ له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أؤلئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولاً لموافقة الله له
стр. 247
آخراً حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخراً وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة قالوا: وأما بكاء النبي ﷺ فإنما كان رحمة لنزول العذاب بمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ".
وقال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: " وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه، وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة ".
وهؤلاء المختلفون إنما نظروا لحديث مسلم ولم ينظروا لحديث تخيير جبريل وهو ليس دون حديث مسلم في الصحة كما سبق أن ذكرنا حكم الحافظ ابن حجر عليه بالصحة عند الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وحديث تخيير جبريل ينفى نفياً قاطعاً ما جاء في حديث مسلم من البدء بمشاورة الصحابة قبل إخبارهم بالتخيير، وأن النبي ﷺ هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر.
وهذا إنما يعني ميل النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر لغلبة الرحمة عليه ﷺ ويمنع قتل الأسرى لو أراده الصحابة، بل في بعض الروايات ما يدل على أكثر من ذلك في حق ما كان يسمع به النبي ﷺ في الأسارى من المن عليهم
стр. 248
وعدم قتل أحد منهم كما في حديث البخاري الذي قدمناه في قصة المطعم ابن عدي الذي يدل على أن النبي ﷺ ما كان في نفسه عزيمة أخذ الفداء.
* * *
(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله ﷺ -)
ومن آيات هذا النوع من العتاب أيضاً قوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧)).
وهذه الآية في قصتها من أظهر آيات العتاب وأشدها وروداً فيما يتعلق بشخص سيدنا رسول الله ﷺ .
وقد وردت هذه الآية الكريمة بعد أن ذكر الله تعالى -في قوله عز شأنه- (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)) أنه ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات خيرة وراء خيرة الله ورسوله ﷺ له، وما على المؤمن والمؤمنة إلا الرضا والتسليم لحكم الله تعالى فيه وحكم رسوله ﷺ ، وهذا كما قال تعالى في سورة النساء (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
стр. 249
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)).
وقوله تعالى في سورة النور (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لأن (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إذ أنه بعث هادياً وأسوة لهم ومن كان أحق بأنفسهم منهم فله -بلا شك- كامل التصرف والحكم فيهم بما قضى الله تعالى، وما عليهم إلا الانقياد له والامتثال لأمره لما فيه من ضمان السعادة لهم لأن أمره من أمر الله تعالى، وقضاءه من قضائه، ولذلك جعل قضاء الله ورسوله -في هذه الآية الكريمة- أمراً واحداً فمن لم يرض بذلك فقد عصى الله ورسوله وخرج عن سبيل الهدى والرشاد.
فكان قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية توطئة وتمهيد لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له وامتثاله والعمل به وتقبله بنفس راضية وقلب مطمئن وتسليم كامل.
روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: " خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسباً، وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية كلها
стр. 250
وروى نحوه عن مجاهد ونحوه عن قتادة.
وقال السيوطي في لباب النقول: " أخرج الطبراني -بسند صحيح- عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب -وهو يريدها لزيد- فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ. . .) الآية فرضيت وسلمت ".
ومن ثم زوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش الأسدية القرشية -بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب- هاشمية الرحم قرشية العصبية بزيد ابن حارثة مولاه، وهي في شرفها النسبي لم تر في هذا الزواج كفاءة نسبية ولكنها سلمت ورضيت بزيد بعلاً خضوعاً لأمر رسول الله من اتباعاً لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . . .) الآية، ولم يكن هذا الخضوع بمزيل من نفسها تعاليها بنسبها على زيد بن حارثة، وذلك التعالي بالحسب كان أكبر سبب في جعل حياة البيت بين الزوجين -زيد وزينب- حياة منغصة فقد فيها الود والسكون والتراحم وهي من الحكمة الكبرى في الزواج. فصبر زيد ﵁ قدر ما واتته الطبيعة البشرية، لكن ذلك استمر ولم تنفع فيه وداعة زيد ومسالمته وتلطفه بزوجه فرأى أن لا سبيل إلي الاستمرار في هذه الحياة الزوجية القلقة المنغصة التي تتعالى فيها الزوجة عليه بحسبها ونسبها فتثير بينه وبينها نار المساءة والتنافر والعداء.
следующие страницы →