← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فإن اللبن لبعضها أو من للتبعيض، (مِن بَيْنِ فَرْثٍ) هو ما في الكرش من الثفل ومن للابتداء، (وَدَمٍ لبَنًا خَالِصًا): صافيًا ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث، (سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ) هنيئًا يجري على السهولة في حلوقهم، (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ) متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمراتهما يعني عصيرهما، (تَتَّخِذونَ) استئناف لبيان الإسقاء، (مِنه سَكَرًا) وهو الخمر والآية قبل تحريمه وتذكير الضمير لأنه يرجع إلى المضاف المقدر أعني العصير قيل من ثمرات متعلق بـ تتخذون ومنه تكرير التأكيد، وقيل: تقديره ومن ثمراتهما ثمر تتخذون منه فتتخذون صفة لمبتدأ محذوف، (وَرِزْقًا حَسَنًا) كالخل والدبس، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يستعملون عقولهم قيل: ناسب ذكر العقل ها هنا فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرم السكر صيانة لعقولهم، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) ألهمها وأرشدها، (أَنِ اتَّخِذِي) أي: بأن اتخذي أو أن مفسرة للوحي وتأنيث الضمير لأن المراد منه الجمع، (مِنَ الجبالِ بُيُوتًا) تأوي إليها، (وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ضمير الجمع للناس يعني أرشدنا النحل باتخاذ المسكن لأنفسها من الجبال والأشجار ومما يبنون لها في أي موضع كان أو منهما ومن البيوت فإنه قد يكون بيوت الناس مسكنه، (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) التي تشتهينها، (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) في الجبال والبراري والأودية في ذهابك إلى رعيك وإيابك إلى بيتك، (ذُلُلًا) حال كون السبل مُذَلَّلَة سهلها لك أو اسلكي أنت حال كونك ذُلُلًا منقادة لما أمرتك به، (يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ) هو

стр. 1017

حال كونك ذُلُلًا منقادة لما أمرتك به، (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شرًابٌ) هو العسل، (مخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ) أبيض وأصفر وأحمر وأسود، (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) في الحديث: (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في صنع الله وإحكام أمره، (وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أخسه وهو الهرم وعن علي ﵁ أنه خمس وسبعون سنة ففيه ضعف القوى وسوء الحفظ وقلة العلم، (لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا): ليصير إلى حالة شبيهة بالطفولية في أكثر الأشياء، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بما يصنع، (قَدِيرٌ) على ما يريد. * * *

стр. 1018

(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لله الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) * * * (وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) بسط على واحد وضيق على آخر، (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا): في الرزق، (بِرَادِّي): بمعطي، (رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) أي: مماليكهم، (فَهمْ فيه سَوَاءٌ): فيستوون في الرزق عن ابن عباس ﵁ وغيره يقول الله تعالى: " لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟! " فهو رد وإنكار على المشركين حيث لا يرضون أن يكون حيوانًا مثلهم شريكًا لهم ويقولون مخلوقات الله شركاؤه في

стр. 1019

ألوهيته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، (أَفبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُون) حيث يتخذون معه شركاء والباء لتضمين الجحود معنى الكفر، وقيل: معناه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم فكان ينبغي أن تَرُدوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس ثم جعل عدم ردهم إلى المماليك من جملة جحود النعمة، (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ) أي: من جنسكم، وقيل: المراد خلق حواء من آدم، (أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنينَ وَحَفَدَةً) أولاد الأولاد، أو بني امرأة الرجل أي: الربائب أو الخدم فعلى هذا تكون عطفًا على أزواجًا لا على بنين أو البنات أو الأختان أي: الأصهار والحفد في اللغة الخدمة، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) اللذائذ، (أَفَبِالْبَاطِلِ): الأصنام، (يؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) حيث يضيفونها إلى غيره، (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): لا المطر ولا النبات والثمار، (شَيْئًا) بدل من رزقًا أي: لا قليلاً ولا كثيرًا وإن جعلت رزقًا مصدرًا فمفعوله أي: لا يملك أن يرزق شيئًا، (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) أي: لا يستطيع تلك الآلهة أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلاً، (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمثالَ): لا تشبهوه بخلقه فإن ضرب المثل تشبيه ذات

стр. 1020

بذات أو وصف بوصف وتعالى عن ذلك، (إِنْ الله يَعْلَمُ) خطأ ما تضربون، (وَأَنتم لاَ تَعْلَمُونَ) قيل: معناه لا تضربوا لله المثل فإنه يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، ثم علمهم كيف تضرب فقال: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكاً) لا عبدًا حرًا، (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) هو تمثيل للكافر والمؤمن فالكافر رزقه الله مالًا فلم يقدم فيه خيرًا فهو كالعبد لا يملك شيئًا وإن كان هو متصرفًا فيه، والمؤمن أعطاه الله مالاً فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فِي رضاه سرًّا وجهرا فهو كالحر يتصرف في ماله ولا يسلب عنه أبدًا، أو مَثَّل الصنم بالمملوك العاجز ومثَّل نفسه الأقدس بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً يتصرف فيه كيف يشاء فالتسوية بينهما مع الاشتراك في النوعية ممتنعة فكيف بالقادر الغني المطلق والصنم العاجز على الإطلاق؟! وجمع الضمير في يستوون، لأن معناه هل يستوي الأحرار والعبيد؟! (الحَمْدُ لله) كل الحمد له لأنه وحده مُولي النعم كلها، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون)، أنه وحده مُولي النعم فيعبدون غيره، (وَضَرَبَ اللهُ مَثلاً رَّجُلَيْنِ) أي: جعل رجلين مثلاً، (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ): ولد أخرس، (لاَ يَقْدِرُ عَلَى شيْءٍ) من الصنائع لنقصان جسده وعقله، (وَهُوَ كَلٌّ)

стр. 1021

ثقل، (عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ) حيثما يرسله سيده في أمر، (لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ) لا يَكْفِ مُهمَّ مُرْسِلِهِ، (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ)، فَهِمٌ منطيق ذو رشد ينفع الناس أحسن نفع، (وَهُوَ) في نفسه، (عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ): مسيرة صالحة لا يرجى منه شيء إلا وهو يأتي بأمثل منه فالأول: هو الأصنام لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل ومع ذلك كلفة إلى عابدها تحتاج إلى أن يخدمها، والثاني: هو الله القادر المتكلم النافع الصمد المستغني مطلقًا المحتاج إليه ما عداه، أو مثل للكافر والمؤمن وقد نقل أن الأول في عبد رجل من قريش والثاني في عثمان بن عفان والأبكم الذي هو مولاه ينفق عليه عثمان وهو يكره الإسلام ويأباه. * * * (وَلله غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)

стр. 1022

وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) * * * (وَلله غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) يختص به علم ما غاب عن العباد، (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ) قيام القيامة في السرعة والسهولة، (إِلا كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أو أمرها أقرب منه بأن يكون في أقل من ذاك الزمان وأو للتخيير أو بمعنى بل، (إِنْ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فيقدر على إعادة الخلائق دفعة. (وَاللهُ أَخْرَجَكُم) دليل على كمال قدرته، (مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) حال كونكم، (لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ) أنشأ، (لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ) التي هي سبب معرفتكم الجزئية والكلية، (لَعَلَّكُمْ تشكُرُون) هذه النعم فلا تعبدون غير موليها، (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ) مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة، (فِي جَوِّ السَّمَاءِ) الجو الهواء المتباعد من الأرض، أي: في هواء العلو، (مَا يُمْسِكُهُنَّ) فيه، (إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) والآيات خلق الطير بهيئة يمكن معها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن فيه الطيران وإمساكها في الهواء مع ثقل جثة الطير ولا ينتفع بها إلا كل مؤمن، (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُم

стр. 1023

سَكَنًا): موضعًا تسكنونها كالبيوت الحجرية والمدرية والسكن بمعنى المسكون، أي: ما يسكن إليه بأن خلق الآلات ثم علمكم الترصيف، (وَجَعَلَ لَكم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بيوتًا) هي القباب المتخذة من الأدم والأنطاع، (تَسْتَخِفُّونَهَا) تجدونها خفيفة، (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) ترحالكم في سفركم، (وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ): وقت حضركم أو نزولكم، (وَمِنْ أَصْوَافِهَا): هي للضأن، (وَأَوبارِهَا): هي للإبل، (وَأَشْعَارِهَا) هى للمعز، (أَثَاثاً) من الفرش والأكسية وغيرهما، (وَمتاعًا) ما يتمتعون به، (إلَى حِينٍ) مدة متطاولة أو إلى أجل معلوم، (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً) تستظلون بها من الحر كالأشجار وغيرها، (وَجَعَلَ لَكل مِّنَ الجِبَالِ أَكنانًا) جمع كِنّ وهو ما يستكن به من الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال والحصون، (وَجَعَلَ لَكُلْ سَرَابيلَ) القمصان والثياب، (تقيكُمُ الحَرَّ) والبرد واكتفى بأحد الضدين عن الآخر أو خصه بالذكر، لأن الحجاز بلاد الحر، (وَسَرَابيلَ) لباس الحرب كالدروع، (تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) تمنعكم الطعن والقطع والرمي، (كَذَلِكَ) مثل تمام هذه النعم التي مر ذكرها، (يتمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) لتستعينوا بها على الطاعة، (لَعَلَّكمْ تُسْلِمُون): تنظرون في نعمه فتؤمنون به أو تنقادون لحكمه وعن عطاء إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب هم أصحاب جبال وأوبار وأشعار ألا ترى إلى قوله: " سرابيل

стр. 1024

تقيكم الحر " وما يقي من البرد أعظم لكنهم أصحاب حر، (فَإِنْ تَوَلَّوْا): أعرضوا عن قبول كلامك، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ) لا يضرك إعراضهم، (يعْرِفُونَ) أى: المشركون، (نِعْمَتَ اللهِ) وأن كلها من الله، (ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) بعبادتهم غيره ويقولون: إنَّهَا بشفاعة آلهتنا، (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ): الجاحدون عنادًا وذكر الأكثر؛ لأن بعضهم لنقصان عقلهم لم يعرفوا أنها من الله أو الأكثر بمعنى الجميع، وعن مجاهد أن رسول الله ﷺ قرأ على أعرابي أتاه: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا) قال الأعرابي: نعم " وجعل لكم من جلود الأنعام " إلى آخر النعم فقال: نعم، فلما بلغ " كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " ولى الأعرابي، فأنزل الله " يعرفون نعمة الله " إلى " وأكثرهم الكافرون ". * * * (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)

стр. 1025

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) * * * (وَيَوْمَ نَبْعَثُ) أي: اذكر هول هذا اليوم، (مِن كلِّ أُمَّةٍ شهِيدًا) يعني رسولها يشهد لهم وعليهم، (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار لأنه لا عذر لهم، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ولا هم يسترضون أي: لا يكلفون بإرضاء ربِّهم لأن الآخرة ليست بدار عمل، (وَإذَا رأَى الذِينَ ظَلَمُوا العَذَابَ): عذاب جهنم عطف على " يوم نبعث "، (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ): يمهلون، (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ) أوثانهم التي جعلوها شركاء لله، (قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو)، نعبدهم، (مِنْ دُونِكَ) كأن هذا القول منهم التماس بأن يشاركهم في عذابهم، (فأَلْقَوْا) آلهتهم، (إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) أي: أجابوهم بالتكذيب وقالوا: لسنا شركاء الله وما دعوناكم إلى عبادتنا بل عبدتم أهواءكم وليس ببعيد إنطاق الله الأصنام، (وَأَلْقَوْا): الكفار، (إِلَى اللهِ يَوْمَئِد السَّلَمَ) استلموا لحكمه، (وَضَل) ضاع وبطل، (عنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من شفاعة آلهتهم ونصرتها، (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا): الناس، (عَن سَبِيلِ اللهِ) عن

стр. 1026

دخوله في الإسلام، (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ): بسبب إفسادهم فإنهم ضالون مضلون، (وَيَوْمَ نبْعَثُ) أي: اذكر هذا اليوم وهوله، (فِي كُلِّ أُمَّةٍ شهِيدًا عَلَيْهِم منْ أَنفُسِهِمْ) نبي كل أمة بعث من قومه، (وَجِئْنَا بِكَ): يا محمد، (شهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ): على أمتك، (وَنَزَّلنا) حال بإضمار قد، (عَلَيك الْكِتَابَ تِبْيَانًا): بيانًا بليغًا، (لِّكُلِّ شَيءٍ) يحتاجون إليه من أمور الدين، (وَهُدًى): من الضلال، (وَرَحْمَةً): للجميع، (وبُشْرَى) وبشارة، (للمُسْلِمِينَ) خاصة وحاصله أن الله أمره أن يخوف أمته بيوم شهادته ﵊ على أمته حال كونه مسئولاً عن تبليغ أحكام الله المبينة في القرآن والأمة عن قبولها كما قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) " [الأعراف: ٦]، (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)) [الحجر: ٩٢]. * * * (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ

стр. 1027

إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) * * * (إِنَّ الله يَأمُرُ بِالْعَدْلِ)، بالتوسط في الأمور اعتقادًا وعملاً (وَالإِحْسَانِ): إلى الناس وعن ابن عباس العدل التوحيد، والإحسان الإخلاص فيه، (وَإِيتاءِ ذي القُرْبَى): صلة الرحم، (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ): ما غلظ من المعاصي كالزنا، (وَالْمُنكَرِ) وما تنكره الشريعة، (وَالْبَغْيِ): العدوان على الناس، (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ

стр. 1028

تَذَكَّرُونَ): تتعظون ولله در من قال: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة ولعل إيرادها عقيب قوله: " ونزلنا عليك الكتاب " للتنبيه عديه، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) البيعة التي بايعتم على الإسلام أو كل عهد وميتاق، (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) أي: أيمان البيعة بعد توكيدها بذكر الله أو الأيمان مطلقًا (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا): شاهدًا بتدك البيعة والواو للحال، (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) تهديدًا لمن نقض الأيمان، (وَلَا تَكُونُوا): في نقض الأيمان، (كَالَّتِي نَقَضَتْ): أفسدت، (غَزْلَهَا) مصدر بمعنى المفعول، أي: ما غزلته، (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) أي: نقضت بعد إحكامه وفتله، (أَنْكَاثًا) جمع نكث وهو ما ينكث فتله ثاني مفعولي نقضت بتضمين معنى الجعل أو بأنه بمعنى صيرت، أو مفعول مطلق لـ نقضت وهو مثل لمن نقض عهده بعد توكيده وقد نقل أن في مكة كانت امرأة حمقاء تفعل ذلك، (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ) حال من اسم كان، (دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي: مفسدة ودغلاً، وهو ثاني مفعولي تتخذون، (أَن تَكُونَ) أي: بسبب أن تكون، (أُمَّةٌ): جماعة، (هِيَ أَرْبَى) أكثر عددًا وعُددًا، (مِنْ أُمَّةٍ) من جماعة أخرى كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر وأعز منهم فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون، الأكثرين، (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ) يختبركم الله بكونهم أربى لينظر أنكم متمسكون بحبل الوفاء أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين

стр. 1029

وفقرهم أو ضمير به راجع إلى الأمر بالوفاء، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكمْ يَوْمَ القِيامَةِ مَا كُنتمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ): في الدنيا فيجازي كلٌ بعمله، (وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): متفقة الكلمة والدين، (وَلَكِن يُّضِل مَن يَشَاءُ) عدلاً منه، (وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ): فضلاً منه، (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): يوم القيامة بنقير وقطمير ويجازيكم، (وَلاَ تَتَّخِذوا أَيْمَانَكُمْ) صرح بالنهي بعد النهي مبالغة، (دَخَلاً بَيْنَكمْ): مكرًا وخديعة، (فَتَزِلَّ قَدَمٌ) عن محجة الإسلام، (بَعْدَ ثُبُوتِهَا): عليها، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ): العذاب في الدنيا، (بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ) أي: بسبب صدكم غيركم عنه فإن الكافر إذا رأى المؤمن قد غدر لم يبق له وثوق بالدين فانصد عن الإسلام، أو لأن من نقض البيعة جعل ذلك سنة لغيره، أو يصدودكم عن الوفاء، (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): في الآخرة، (وَلاَ تَشْتَروا): لا تستبدلوا، (بِعَهْدِ اللهِ): بيعة رسوله، (ثَمَنًّا قَلِيلاً): عرضًا يسيرًا من الدنيا، (إِنَّمَا عِندَ اللهِ): من الثواب على الوفاء، (هوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كنتمْ تَعْلَمُونَ) أي: من أهل العلم والتمييز، (مَا عِندَكُمْ): من أمتعة الدنيا، (يَنفَدُ): ينقضي، (وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ): دائم لا ينقطع، (ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا): على الوفاء أو على أذى الكفار، (أَجْرَهم) ثاني مفعولي نجزين فإنه بمعنى نعطين، (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) بجزاء أحسن من أعمالهم، قيل معناه: نجزيهم بما ترجح فعله من أعمالهم وهو الواجب

стр. 1030

والمندوب، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً): نرزقه رزقًا حلالاً وقناعة وحلاوة طاعة وانشراح صدر، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ): ولنعطينهم، (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فإذَا قَرَأتَ القُرْآنَ) أردت قراءته، (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ): سل الله أن يعيذك من وساوسه وهو أمر ندب، (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ): تسلط، (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ): تسلطه، (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ): يحبونه ويطيعونه، (وَالَّذِينَ هُم به): بالله أو بسبب الشيطان، (مُشْرِكُونَ). * * * (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)

стр. 1031

ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) * * * (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ): رفعناها وأنزلنا غيرها لمصالح، (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ): أعلم بمصالح عباده في التبديل والنسخ، (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، أي: قالت الكفرة وهو جواب إذا وما بينهما اعتراض أو حال، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ): جبريل ﵇، (مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ) متلبسًا بالحكمة، (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمنوا) على إيمانهم حين تأملوا وفهموا مصالح النسخ، (وَهُدًى وبشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) معطوفان على محل (لِيُثَبِّتَ) أي: تثبيتًا وهدايةً وبشارةً، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)، كان غلام لبعض بطون قريش، وكان بيَّاعًا فربما كان ﷺ يجلس إليه ويكلمه ولسانه أعجمي لا يعرف من العربي إلا قدر ما يرد الجواب فقال المشركون: هو الذي يعلمه القرآن، وقد نقل أن كاتب وحيه الذي ارتد افترى هذه المقالة، (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ): لغة الرجل

стр. 1032

الذي يُمِيلُون قولَهم عن الاستقامة، (إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا): القرآن، (لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه من لا يعرفه؟! (إِن الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ): إلى الحق فيتفوهون بكلمات هي أضحوكة لمن يسمع (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): في الآخرة، (إِنَّمَا يَفْتَري الكَذِبَ): بالله، (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ): فلا يخافون عقابه، (وأُولَئِكَ): المفترون بهذا الافتراء، (هُمُ الْكَاذِبُونَ): الكاملون في الكذب، فإن الطعن بمثل هذه الخرافات أعظم الكذب، (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ)، (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) على كلمة الكفر استثناء متصل، (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ): لم يتغير عقيدته، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا): طاب به نفسًا، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ اللهِ) جزاءً لمن شرح، (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) عن ابن عباس: إنَّهَا نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون ليرتد فوافقهم مكرهًا وجاء إلى رسول الله ﷺ معتذرًا والإجماع على جواز كلمة الكفر عند الإكراه لكن الأفضل تركه وإن قتل، (ذلِك): الكافر بعد الإيمان أو غضب الله عليهم، (بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

стр. 1033

الْكَافِرِينَ) أي: قومًا كفروا في علم الله وخلقهم على الكفر، (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ): ختم، (اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون الحق، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، (لاَ جَرَمَ): حقًا، (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، إذ اشتروا برأس مالهم العذاب المخلد، (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: ربك لهم لا عليهم وليهم وناصرهم وهم المستضعفون الذين كانوا بمكة ما تيسرت لهم الهجرة مع المهاجرين، (مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا) عذبوا وثم لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك، (ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا) على المشاق للدين، (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) بعد الهجرة والجهاد والصبر، (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر ذنوبهم ويرحمهم فينعم عليهم. * * * (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)

стр. 1034

مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) * * * (يوْمَ) منصوب بـ غفور رحيم أو بتقدير اذكر، (تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) تحتج عن ذاتها وتسعي في خلاصها، (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ)،: جزاء (مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون): بنقص أجورهم، (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً) أي: جعلها مثلاً لمن أنعم الله عليه فكفر بالنعمة فأنزل الله عليه النقمة، (كَانَتْ آمِنَةً) أي: كـ مكة كانت ذات أمن، (مُطْمَئِنَّةً): مستقرة لا يزعج أهلها خوف، (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا): أقواتها، (رَغَدًا): واسعًا، (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ): من نواحيها، (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) قد جرت الإذاقة عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في الشدائد فيقولون ذاق فلان البؤس، واستعار اللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، ثم إن أهل مكة لما استعصوا فدعا ﵇ عليهم بسبع كسبع يوسف أصابتهم حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف، وأما الخوف فمن سطوة سرايا المؤمنين حتى فتح الله على أيديهم، (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ): بسبب صنيعهم، (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ): من نسبهم

стр. 1035

وأصلهم، (فَكَذبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ) من الجوع والخوف والقتل، (وَهُم ظَالِمُونَ) أي: حال التبساهم بالظلم، (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) أمرهم الله بأكل الحلال وشكر النعمة بعد أن هددهم وزجرهم عن الكفر، (حَلالاً طَيِّبًا) مفعول كلوا والظرف حال أو بالعكس، (وَاشْكرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كنتُمْ إِيَّاهُ تَعبدُونَ) إن كنتم تطيعون الله وحده، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عدد عليهم ما حرم الله لا ما حرموا من عند أنفسهم من البحائر والسوائب وغيرهما بعد ما أمرهم بتناول ما أحل لهم وقد مر تفسيره مفصلاً في سورة البقرة، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) وصف ألسنتهم الكذب مبالغة في كذبهم كأن الكذب مجهول وألسنتهم تعرفه وتصفه بكلامهم هذا كقولهم: وجهها يصف الجمال والكذب مفعول تصف وما مصدرية أي: لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب يعني: لا تحللوا ولا تحرموا بمجرد قول ينطق به ألسنتكم من غير حجة، أو نصب الكذب بـ لا تقولوا واللام في لما تصف كاللام في لا تقولوا لما أحل الله لك هذا حرام وقوله هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب أو متعلق بـ تصف على إرادة القول، أي: لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من الأنعام والحرث بالحل والحرمة فيقول هذا حلال وهذا حرام، (لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ) اللام لام العاقبة، (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ): لا ينجون من عذابه،

стр. 1036

(مَتَاعٌ قَلِيلٌ) أي: ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة، (وَلَهُمْ): في الآخرة، (عَذَابٌ أَلِيمٌ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ) في سورة الأنعام وهو: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) [الأنعام: ١٤٦] الآية، (مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ): بالتحريم، (وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فاستحقوا التضييق عليهم وهذا إشارة إلى أن تحريم بعض الأشياء على المؤمنين لمضرة فيه وعناية في شأنهم وأما تحريم بعض الأشياء على اليهود فجزاء نكالهم وتضييق عليهم كما قال تعالى: " فبظلمٍ من الذين هادوا " الآية [النساء: ١٦٠]، (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ) لا عليهم أي: لهم بالنصر والرحمة، (عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي: متلبسين بها أو بسببها، وعن بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل، (ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا)، حالهم، (إِذ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا) من بعد التوبة، (لَغَفُورٌ): كثير المغفرة، (رحِيمٌ): واسع الرحمة لهم فيثيبهم على أعمالهم وجاز أن يكون لغفور رحيم خبر إن الأولي وإن ربك من بعدها تكرير وتأكيد. * * * (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ * * *

стр. 1037

فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) أي: مأمومًا مقصودًا يقصده الناس ليأخذوا منه الخير أو مؤتمًا به مقتدى فُعْلة بمعنى مفعول كرحلة ونخبة، أي: ما يرتحل إليه وما ينتخب أي يختار أو أمة لأنه وحده مؤمن والناس كلهم كفار، أو لكماله واستجماعه فضائل لا توجد إلا في أمة، (قَانِتًا): مطيعًا، (لله حَنِيفًا)، مائلاً عن الباطل، (وَلَمْ يَكُ مِنَ الُمشْرِكِينَ) كما زعم قريش أنَّهم على ملة إبراهيم وهم مشركون، (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) لقلائل نعمه فكيف بالكثير، (اجْتَبَاهُ) للنبوة، (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) عبادة الله وحده، (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) هي كونه حبيب الخلائق

стр. 1038

ومن أولاده الأنبياء، (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ): جمعنا له خير الدارين ومن دعائه ﵇: (وألحقني بالصالحين) (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ): يا محمد، (أَنِ اتَّبِعْ) أي: بأن أو تفسيرية، (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وهذا أدل دليل على عظمته فإن مثل أفضل الخلائق قاطبة مأمور باتباعه، (وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) كما يزعم قومك، (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ) فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ): اليهود، فإن موسى ﵇ أمرهم بتعظيم الجمعة فأبوا إلا شرذمة منهم، وقالوا: نريد يومًا فرغ الله فيه من الخلق وهو السبت فأذن الله لهم في السبت وغلظ وشدد الأمر فيه عليهم فابتلاهم بتحريم صيده فما أطاعوا إلا الشرذمة التي رضوا بيوم الجمعة وعن قتادة اختلفوا فيه أي: استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وقيل: أي: إنما جعل وبال السبت، أي: المسخ على الذين حرموه تارة وحللوه أخرى وهو الاختلاف، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) فيجازي كل فريق بما يستحقه، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ ربِّكَ): دينه، (بِالْحِكْمَةِ): بالقرآن، (وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ): مواعظ القرآن وقيل المراد القول

стр. 1039

اللين بلا تغليظ وتعنيف، (وَجَادِلْهُم بِالتي هِيَ أَحْسَنُ) أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق وحسن خطاب وقيل نسختها آية القتال، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: قد علم الشقي والسعيد وكتب ذلك عنده وفرغ منه فادعهم أنت إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات فإنما عليك البلاغ، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) السورة مكية وهذه الآيات مدنية نزلت حين وقعت وقعة أحدٍ وفعلوا ما فعلوا بحمزة - رضى الله عنه - فحين نظر إليه رسول الله ﷺ قال والله لئن أظفرني لله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فلما نزلت كفَّر عن يمينه، وعن بعضهم أن هذا أمر بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق مطلقًا، (وَلَئِن صَبَرتمْ): عن المجازاة بالمثلة، (لَهُوَ) أي: الصبر، (خَيْرٌ للصَّابِرِينَ) من الانتقام للمنتقمين وعلى ما فسرنا الآية محكمة وعن بعضهم، هذا هو الأمر بالصبر عن القتال والابتداء به فنسخت بسورة براءة وعلى كل تقدير الآية في غاية المناسبة مع قوله: " ادع إلى سبيل ربِّك " الآية، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ): بتوفيقه وعونه، (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) على من خالفك وقيل: على ما فعل بالمؤمنين، (وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) في ضيق صدر من مكرهم فإن الله كافيك وناصرك، (إِنَّ اللهَ

стр. 1040

مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) المحرمات أو الشرك بتأييده ومعونته، (وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في العمل وقيل: بالشفقة على خلقه. اللهم اجعلنا منهم برحمتك الواسعة. * * *

стр. 1041

سورة بني إسرائيل مكية وقيل إلا قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) إلى ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية واثنا عشر ركوعًا * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) * * *

стр. 1042

(سُبْحَانَ) اسم بمعنى التسبيح، أي: أنزهه تنزيهًا من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله تعالى مجد الله نفسه وعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، (الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) محمدٍ ﷺ ، (لَيْلاً) أي: في بعض الليل،

стр. 1043

فإنه مع تنكيره دال على تقليل مدة الإسراء، (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) مسجد مكة أو من مكة لا من المسجد ويطلق على مكة كلها مسجد الحرام، (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا) الذي ببيت المقدس ببدنه الأشرف والأصح، بل الصحيح أن الإسراء في اليقظة بعد البعثة مرة واحدة وإن كان في المنام قبلها، (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) بالثمار والأنهار وببركات الدين والدنيا، (لِنُرِيَهُ) أي: محمدًا، (مِنْ آيَاتِنَا) الكبرى عجائب سماواته وغرائب آياته، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لأقوال العباد مصدقين ومكذبين،

стр. 1044

(البَصِيرُ) فيجزيهم وفق ما يستحقون، (وَآتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) كثيرًا ما يقرن بين ذكر محمد وموسى ﵉ والقرآن والتوراة، فأولاً ذكر شرف سيدنا محمدٍ رسول الله ثم شرع في فضل كليمه موسى، (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا) أن مفسرة، ومن قرأ بالغيبة فأن ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي: لئلا، (مِنْ دُونِي وَكِيلًا): ربًّا تَكِلُون إليه، (ذُرِّيَّةَ) نصب على الاختصاص وعلى قراءة الخطاب جاز نصبه بالنداء، (مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ): نوحًا، (كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) كثير الحمد فيه تذكير لنعمة إنجائهم من الغرق ثم الحث للذرية على الاقتداء به. (وَقَضَيْنَا): أوحينا وحيًا مقضيًّا مقطوعًا، (إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ): التوراة، (لَتُفْسِدُنَّ) جواب قسم محذوف، (فِي الْأَرْضِ) بالمعاصي، (مَرتيْنِ) مخالفة أحكام التوراة، ثم قتل يحيى وزكريا، (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) تستكبرن عن طاعة الله أو تظلمن الناس، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ): عقاب، (أُولَاهُمَا)، أي: أولى الإفسادتين، (بَبَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا) هم جالوت وجنوده، أو ملك الموصل سنجاريب أو بُخْت نَصَّر فأذلهم وقهرهم وقتلهم، (أُولِي): ذوي، (بَأْسٍ): قوة، (شَدِيدٍ فَجَاسُوا): ترددوا لطلبكم، (خِلَالَ): وسط، (الدِّيَارِ) للقتل والغارة والسبي، (وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً) فإنه قضاء مبرم، (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ): الدولة، (عَلَيْهِمْ) بأن سلط داود على جالوت فقتله أو دانيال على جنود بخت نصَّر، (وَأَمْدَدْناكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) حتى عاد أمركم كما كان،

стр. 1045

(وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا): مما كنتم وهو من ينفر مع الرجل من قومه أو جمع نفر، أي: أكثر عددًا مما كنتم، (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا) أي: الإحسان والإساءة كلاهما مختصان بما لا يتعدى النفع والضر إلى غيركم، وقيل: أتى باللام دون على في قوله (وإن أسأتم فلها) للازدواج، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ) عقوبة المرة، (الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا) تقديره بعثناهم ليسوءوا، (وُجُوهَكُمْ) يهينوكم ومن قرأ ليسوءَ فالضمير لله أو للوعد أو للبعث، (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) عطف على ليسوؤا، (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: كما خربوا أولاً بيت المقدس بعثناهم ليخربوا ثانيًا، (وَلِيُتَبِّرُوا): يهلكوا، (مَا عَلَوْا) مفعول يُتَبِّرُوا، أي: ليهلكوا كل شيء غلبوه، (تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم برد الدولة إليكم، (وَإِنْ عُدتُّمْ): إلى المعصية، (عُدنا) إلى العقوبة وعن بعض السلف عادوا فبعث الله عليهم المسلمين، (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) محبسًا، أو بساطًا كما يبسط الحصير، (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي) للحالة أو الطريقة التي، (هِيَ أَقْوَمُ) أسد الحالات، (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ) أي: بأن، (لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ) عطف

стр. 1046

على أنَّ لهم، (الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعتدنا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، أي: يبشرهم بثوابهم وعقاب أعدائهم. * * * (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ

стр. 1047

عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) * * * (وَيَدْعُ الإِنسَانْ بِالشَّرِّ) أي: يسأل الله عند غضبه الشر على نفسه وأولاده وأمواله، (دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) أي: مثل مسألته الخير، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا): يسارع إلى ما لا يعلم خيريته لكن الله تعالى صبور عليهم لا يجيب جميع مسألته لطفًا وإنعامًا، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) تدلان على قدرة خالقهما وحكمته، (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ)، الإضافة بيانية، (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر وعن ابن عباس كان القمر وهو آية الليل يضيء كما تضيء آية النهار وهي الشمس فمحونا آية الليل محوه السواد الذي في القمر، وسئل عن على ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن فمحونا آية الليل فهذه محوه، وروي عن آخرين من السلف ما يدل على ذلك، (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) لتطلبوا في النهار أسباب معاشكم، (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)

стр. 1048

لولا محو آية الليل لكان الليل مثل النهار مضيئًا فما عرفنا عدد السنين ولا جنس الحساب، (وَكُل شَيْءٍ) مما تحتاجون إليه، (فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا): بيناه بحيث لا يلتبس، (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ) أي: ما قضي عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة وشقاوة وكانوا يتيمنون بسنوح الطير ويتشاءمون ببروحها فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، (فِي عُنُقِهِ) أي: لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه، (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) مفعول نخرج، أو حال من مفعوله المحذوف وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة من قرأ يخرج بالياء وفتحه، (يَلْقَاهُ) صفة، (مَنْشُورًا) إما حال من مفعول يلقى أو صفة أخرى أي: يجده منشورًا لكشف غطائه، (اقْرَأ كِتَابَكَ) أي: يقال له ذلك، (كَفَى بِنَفْسِكَ) الباء مزيدة في الفاعل، (اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أي: حاسبًا عليك تمييز يعني كفيت أنت في محاسبة نفسك لا تحتاج

стр. 1049

إلى من يحاسبك وتذكير حسيبًا لأن مثل هذه الأمور يتولاها الرجال كأنه قال: كفى بنفسك اليوم رجلاً حسيبًا، (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ): لا ينجي غيره، (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) لا يضر ضلاله غيره، (وَلَا تَزِرُ): لا تحمل، (وَازِرَةٌ) نفس حاملة، (وِزرَ أُخْرَى) نفس أخرى، بل لا تحمل إلا وزرها، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) يبين لهم ما يجب عليه فلا يُدْخِل أحدًا في النار إلا بعد إرسال الرسل إليه كما قال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا) الآية [الملك: ٨]، فعلى هذا الظاهر أن يقال: إن من نشأ في شاهق جبل ولم يسمع رسولاً فهو معذور وكذا المجنون الدائم المطبق وكذا الأطفال مطلقًا، لكن الشيخ الأشعري ذهب إلى أنَّهم يمتحنون يوم القيامة بأن يأمرهم الله بدخول النار فمن أطاع نجا ودخل الجنة وانكشف علم الله فيه لسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا وانكشف تقدم شقاوته وحكاه عن أهل السنة والجماعة وهو مختار البيهقي ومحققي العلماء والنقاد وعلى هذا أحاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف.

стр. 1050

ولولا التزام الاختصار لذكرنا نبذًا منها مع تحقيق المسألة ردًا وإثباتًا، (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) متنعميها بالفسق والمراد بالأمر الأمر القدري يعني سخرهم الله إلى فعل الفواحش فاستحقوا العقوبة فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قيل معناه كثرنا يقال: أمرت الشيء إذا كثرته وقراءة من قرأ آمرنا يؤيده ومن قرأ أمَّرنا فمعناه جعلناهم أمراء، وقيل: أمرناهم بالطاعة على لسان رسول وفيه بعد؛ لأنه يبقى حينئذٍ تخصيص المترفين غير بين الوجه وكذلك التقييد بزمان إرادة الإهلاك فتدبر، (فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) أي: كلمة العذاب، (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا): استأصلناها، (وَكَمْ) أي: كثيرًا مفعول، (أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ) تمييز لِكَم، (مِن بَعْدِ نُوحٍ) كـ عاد وثمود فإن بين آدم ونوح عشر قرون كلهم على الإسلام، (وَكَفَى بِرَبِّكَ) الباء مزيدة على الفاعل، (بِذُنُوبِ عِبَادِهِ) متعلق بقوله: (خَبِيرًا بَصِيرًا) وهما منصوبان على التمييز أو الحال فإن الذنوب هي أسباب الهلكة وهو تعالى عالم بها فمعاقب عليها، (مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ) أي: همته مقصورة على الدنيا، (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) بدل البعض من له فإن ضميره لمن وهو في معنى الكثرة، (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا) يدخلها، (مَذْمُومًا مَّدْحُورًا) مطرودًا قيل: الآية في المنافقين يغزون مع المسلمين وليس غرضهم إلا الغنائم، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) حقها من السعي وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النواهي، (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأُوْلَئِكَ): الجامعون للشرائط الثلاثة، (كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا): مقبولاً عنده

стр. 1051

مثابًا عليه، (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) أي: كل واحد من الفريقين أعني هؤلاء الذين أرادوا الدنيا وهؤلاء الذين أرادوا الآخرة نمدهم ونزيدهم من عطاء ربك فنرزق المطيع والعاصي وهؤلاء منصوب بتقدير أعني أو بدل من كلًا، (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ممنوعًا في الدنيا عن مؤمن ولا عن كافر، (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في الدنيا فمنهم الغني والفقير والحسن والقبيح والصحيح والمريض وغير ذلك ونصب كيف بـ فضلنا على الحال، (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) أي: التفاوت في الآخرة أكثر وأكبر ونصبها على التميز، (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ) الخطاب لكل أحدٍ أو للرسول والمراد أمته، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَذْمُومًا): من الملائكة والمؤمنين، (مَخْذُولًا) من الله. * * * (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)

стр. 1052

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) * * * (وَقَضَى رَبُّكَ) أمر أمرًا قطعيًّا، (أَلَّا) أي: بألا، (تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فإنه المستحق للعبادة وحده، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وبأن تحسنوا بهما إحسانًا، (إِمَّا) إن شرطية وما زائدة، (يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبرَ أَحَدُهُمَا) فاعل يبلغن، (أَوْ كِلاهُمَا) ومن قرأ يبلغانِّ فأحدهما بدل البعض من الضمير، (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) هو صوت دال على تضجر وهو مبني على الكسر والتنوين والتنكير ومن قرأ بالفتح فَعلى التخفيف يعني إن عاش أحد والديك أو كلاهما حتي يشيب ويكون كلًّا عليك فلا تسمعهما قولاً سيئًا حتى التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا): لا تزجرهما، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، جميلاً بتأدب وتوقير، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) تذلل لهما واخضع جعل للذل جناحًا وأمره بخفضه مبالغة في التواضع لهما، (مِنَ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك عليهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) رحمة مثل رحمتهما عليَّ في حال صغري، وعن حذيفة أنه استأذن رسول الله ﷺ -

стр. 1053

في قتل أبيه وهو في صفِّ المشركين فقال: (دَعْهُ يَلِهِ غَيْرُك)، (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكمْ) من قصد البر والعقوق، (إِن تَكُونوا صَالِحِينَ): قاصدين للصلاح مطعين لله، (فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ) هم التائبون من الذنب الراجعون عن المعصية إلى الطاعة، (غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) من صلة الرحم والبر عليهم وعن علي بن الحسين: أراد به قرابة النبي ﷺ ، (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) بأن تصرف مالك في غير حق، وعن السلف لو أنفقت مُدًّا في غير حقه صرت مبذرًا، ولو أنفقت جميع مالك في الحق لم تكن مبذرًا، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) أصدقاءهم وأتباعهم وأمثالهم في الشرارة، (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، جحودًا منكرًا لأنعم الله فلا تتبعوه ولا تكونوا مثله، (وَإِمَّا تعْرِضَنَّ عَنْهم) وإن أعرضت عمن أمرتك أن تؤتيه من الأقارب وغيرها حياء من ردهم وليس عندك شيء تعطيه حين سألك، (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا) لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطه، (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) يعني: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة فعدهم وعدًا بسهولة ولينٍ مثل أن تقول: إذا جاء رزق الله فسنصلكم

стр. 1054

إن شاء الله كذا فسرها السلف وقيل: القول الميسور الدعاء لهم مثل رزقنا الله وإياكم، (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) لا تمسكهما عند البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، (وَلَا تَبْسُطْهَا) بالخير، (كُلَّ الْبَسْطِ) تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَلُومًا) يلومك الناس ويذمونك إن بخلت، (مَحْسُورًا) نادمًا إن بسطت كل بسط وأيضًا دابة عجزت عن السير ضعفًا تسمى حسيرًا فعلى ما فسرنا من باب اللف والنشر وجاز أن يكونا متعلقين بالإسراف فإن المسرف ملوم عند الله والناس نادم عن فعله، أو بكل من البخل والسرف قيل: نزلت حين وهب رسول الله ﷺ قميصه ولم يجد ما يلبسه للخروج حين أذنوا للصلاة، (إِن ربَّكَ يَبْسُطُ)، يوسع، (الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): يضيق لمن يشاء، (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا): يعلم سرهم وعلنهم فيوسع على من يرى مصلحته في التوسعة له، ويضيق على من يعلم مصلحته في

стр. 1055

، تضييقه، وفي الحديث " إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ". * * * (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) * * * (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فقر وفاقة وكانوا يئدون بناتهم مخاففة الفقر، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا): ذنبًا عظيمًا والخطأ الإثم،
следующие страницы →