← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

التكليف فهو ميت، بين النفختين أربعين سنة، (قَالَ رَبِّ بِمَا أَعوَيْتَني) أي: أقسم بإغوائك إياي، (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ) المعاصي، (في الأَرْضِ)، أو معناه بسبب غوايتك إياي، أقسم لأزينن الخ .. ، (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، أحملنهم علي الغواية، (أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، أي: إلا عبادك الموصوفين بالإخلاص لطاعتك حال كونهم من أولاد آدم. (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) إشارة إلى قول إبليس: لأغوينهم إلا عبادك أي: هذا هو الذي حكمت به وقدرت على عبادي، وهو حق مستقيم، كما قال تعالى: " ولكن حق القول مني " [السجدة: ١٣] الخ .. أو تهديد، كما تقول لخصمك: طريقك على أي لا تفلت مني، أو الإشارة إلى تخلص المخلصين من إغوائه الدال عليه الاستثناء، أي: تخلُّصهُم طريق حق علي أن أراعيه لا انحراف عنه، أو الإخلاص طريق عليَّ من غير اعوجاج يؤدي إلى الوصول إلى كرامتي ولقائي، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: ليس لك حجة وتسلط على أحد منهم، فمن أين لك الاختيار في غوايتهم، (إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ) لكن من اتبعك هو من الغاوين، أو الاستثناء متصل ويكون كالتصديق لقول إبليس، (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُم) أي:

стр. 982

الغاوين، (أَجْمَعِين) تأكيد للضمير، (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) سبعة أطباق، وعن علي - رضى الله عنه - إن أبواب جهنم هكذا، ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: بعضها فوق بعض أو سبعة منازل لكل منزل باب، (لِكُلِّ بَابٍ) طبقة أو منزل، (مِنْهُمْ) من أتباعه، (جُزْءٌ مَقْسُومٌ) أفرز له، ومنهم حال من الجزاء، أو من ضمير الظرف. * * * (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) * * *

стр. 983

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) عن الكفر والفواحش، (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) بساتين وأنهار، (ادْخُلُوهَا) أي: يقال لهم ادخلوها، (بِسَلامٍ) سالمين من الآفات، وقيل مسلمًا عليكم، (آمِنِينَ) من المكاره، (وَنَزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّن غِلٍّ) حسدٍ وحقدٍ، (إِخْوَانًا) في المودة وهو حال، (عَلَى سُرُر متَقَابِلِينَ) متواجهين وهما صفتان أو حالان، وعن علي - رضى الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم - رضى الله عنهم، (لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) تعب، (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) وقد نقل أنه - صلى الله عليه وسدم - خرج على أصحابه، وهم يضحكون فقال أتضحكون وبين أيديكم النار؟!، فنزل جبريل بهذه الآية، " وقال: يقول لك ربُّك يا محمد لم تقنط عبادي؟ "، (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ

стр. 984

ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ذكر لهذه هذه القصة عقيب هذه الآية، لتحقق أن رحمته واسعة وعذابه أليم، (إِذ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا) نسلم عليك (سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) خائفون؛ لأنَّهُم ما أكلوا من طعامه، ودخلوا بغير إذن، (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، وهو إسحاق والأضياف ملائكة في صور البشر، (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) بالولد، (عَلَى أَن) أي: أنه، (مَسَّنيَ الكِبَرُ) والولد في هذه الحال كالمحال، (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) بأي شيء تبشرون، فإن البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء، (قَالُوا بَشَّرناكَ بِالْحَق) بالصدق واليقين، (فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ) من الآيسين، (قَالَ)، إبراهيم لهم: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) أي: لم أستنكر ذلك قنوطًا، بل استبعادًا عاديًّا، من استفهامية إنكارية، فكأنه قال: لا يقنط أحد إلا الضالون، (قَالَ) إبراهيم لهم: (فَمَا خَطْبُكُمْ) شأنكم، (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) وما الذي جئتم به، (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أي: قوم لوط، (إِلَّا آلَ لُوطٍ) استثناء متصل من ضمير المجرمين، أي: إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط منهم، (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) استئناف، وجاز أن يكون استثناءً منقطعًا عن قوم، فإن القوم موصوفون بالإجرام دونهم حينئذ، إنا لمنجوهم جرى مجري خبر لكن ولم يكن

стр. 985

مستأنفًا، (إِلا امْرأَتَهُ) استثناء، من ضمير لمنجوهم، (قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) الباقين مع الكفرة لتهلك معهم، وإنما علق مع أن التعليق من خواص أفعال القلوب لتضمن التقدير معنى العلم، أو لأنه أجرى مجرى قلنا، قال بعضهم: هذا من كلام الله - تعالى - لا من كلام الملائكة، وجاز أن يكون من كلامهم، وإسناد التقدير إلي أنفسهم لا لهم من القرب إلى الله - تعالى. * * * (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) * * *

стр. 986

(فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ قَالَ) لوط لهم: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ منكَرُونَ) لا أعرفكم أو تنكركم نفسي وتنفر منكم مخافة شركم، (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانوا فيهِ يَمْتَرُون) أي: ما جئناك لتعرفنا أو ما جئناك لشرك، بل جئناك بما يسرك وهو ما أوعدت به أعداءك من العذاب، فيشكون فيه ولا يصدقونك، (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ) باليقين من عذابهم، (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) اذهب بهم في الليل، (بِقِطْعٍ) في طائفة، (مِّنَ الليْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهمْ) سر خلفهم لتطلع على حالهم حتى لا يتخلف منهم أحد، (وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكم أَحَدٌ) إلى ما وراءه إذا سمعتم الصيحة بالقوم وذروهم، (وَامضوا حَيثُ تؤْمَرُون) إلى حيث أمركم الله، (وَقَضيْنَا) أوحينا، (إِلَيْهِ) مقضيًّا، (ذَلِكَ الأَمْرَ) مبهم مفسر بقوله: (أَنْ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) ودابرهم آخرهم، أي: يستأصلون عن آخرهم، وهو بدل من ذلك الأمر، (مُّصبِحِينَ) داخلين في الصبح، (وَجَاءَ أَهْل المَدِينَةِ) أي سدوم، قرية قوم لوط، (يَسْتَبْشرُون) يفرحون بأضياف لوط طمعًا في ركوب الفاحشة منهم، (قالَ) لوط، (إِن هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحونِ) بفضيحة ضيفى، (وَاتَّقُوا اللهَ) في تلك الفاحشة، (وَلَا تُخْزُونِ) لا تخجلوني فيهم، من الخزاية وهي الحياء، (قَالوا

стр. 987

أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي: عن ضيافة أحد من العالمين، أو أن تجير منهم أحدًا، (قَالَ هَؤُلاءِ بَناتِي) فتزوجوهن واتركوا أضيافي وعن كثير من السلف أن المراد من البنات نساء القوم، فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، (إِن كُنتُمْ فاعِلِينَ) لا محال قضاء وطركم بمحال المباشرة دون المنكر، (لَعَمْرُكَ) أي: لعمرك قسمي، (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ)، حيرتهم وغوايتهم، (يَعْمَهُونَ) يتحيرون عن ابن عباس - رضى الله عنهما - ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﵊ وما سمعت الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره، وعن بعض المفسرين أن الضمير لقريش والجملة اعتراض، (فأَخَدتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) هي ما جاءتهم من الصوت العاصف حال كونهم داخلين في وقت طلوع الشمس، (فَجَعَلنا عَالِيَهَا) أي: المدينة، (سَافِلَهَا) صارت منقلبة، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً) قبل التقليب أو

стр. 988

معه، أو التقليب للموطنين والحجارة للمسافرين، (مِّن سِجِّيلٍ) من حجر وطين، وقد مر في سورة هود، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) المتفرسين، من توسمتي فلان كذا، إذا عرفت وسم ذلك وَسمَتُهُ فيه، (وَإِنها)، أي: تلك المدينة، (بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) بطريق ثابت يسلكه الناس ولم يندرس آثارهم وهو تنبيه لقريش، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) بالله ورسله فيعرفون أن ذلك انتقام لأوليائه من أعدائه، (وَإِن كَانَ) أي: إنه كان، (أَصْحَابُ الأَيْكَةِ) قوم شعيب، والأيكة الشجر الملتف، (لظَالِمِينَ) بالشرك وقطع الطريق ونقص المكيال والميزان، وكانوا قريبًا من قوم لوط بعدهم في الزمان، ومستأمنين لهم في المكان، (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) بالصيحة وعذاب الرجفة وعذاب يوم الظلة، (وَإِنَّهُمَا) مدينة لوط وأصحاب الأيكة، (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) لبطريق واضح ظاهر. * * * (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)

стр. 989

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) * * * (وَلَقَدْ كذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ) وهو مدينة بين المدينة والشام يسكنها ثمود، (المرْسَلِينَ) أي: صالحًا، ومن كذب نبيًا فقد كذب الرسل بأجمعهم، (وَآتيْنَاهُمْ آياتنا) معجزات، كما في الناقة من غرائب الآيات، (فَكَانوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) ما استدلوا بها علي صدق نبيهم ﵊، (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) من أن تنهدم، أو من عذاب الله، يحسبون أن الجبال تحميهم منه، (فأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبحِينَ) داخلين في الصباح، (فَمَا أَغنَى عَنْهُم) ما دفع عنهم العذاب، (ما كَانوا يَكْسَبُون) من البيوت الوثيقة والزراعة والأموال، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)، خلقًا متلبسًا بالحق (ليجزي الذين أساؤوا بما

стр. 990

عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى) [النجم: ٣١]، (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، (فَاصْفَحِ) يا محمد عن المشركين، (الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) يعني عاملهم معاملة الحليم الصفوح، وهذا قبل القتال، فإنما هذه مكية والأمر بالقتال بعد المهاجرة، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ) الذي خلق كل شيء فقادر على الإعادة، (العَلِيمُ) بجميع الأحوال فيجازى بما علم منهم، (وَلَقَدْ آتيْنَاكَ سَبْعًا) هي السبع الطوال من البقرة إلى الأعراف ثم يونس، نص عليه ابن عباس وغيره ﵃، أو من البقرة إلى براءة على أن الأنفال وبراءة سورة واحدة، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: أوتي النبي ﵊ السبع الطوال، وأعطي موسى ستًّا، فلما ألقى الألواح رفعت ثنتان وبقي أربع، أو المراد فاتحة الكتاب، روي ذلك عن عمر وعلى - رضى الله عنهما -، وفي البخاري قال ﷺ : " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم "، (مِنَ الْمَثَانِي) بيان

стр. 991

للسبع لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر ثنِّيت في تلك السورة؛ أو لأن الفاتحة تثني في كل صلاة فيقرأ في كل ركعة، (وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ) إن أريد به جميع القرآن، فمن عطف الكل على البعض، وإن أريد به الفاتحة كما دل عليه حديث البخاري، فمن عطف أحد الموصوفين على الآخر، وعن بعض السلف القرآن كله مثاني؛ لأن الأنباء والقصص ثُنِّيت فيه، فعلى هذا المراد بالسبع أسباع القرآن، (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) لا تطمح ببصرك طموح راغب متمن، (إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) أصنافًا من الكفار، أي: استغن بما آتاك الله - تعالى - من القرآن عما فى الدنيا من الزهرة الفانية، (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) إن لم يؤمنوا أو عن بعضهم لا تحزن على ما فاتك من مشاركتهم فِي الدنيا، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: ارفق بهم، (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) تقديره أنا النذير لمن لا يؤمن عذابًا مثل ما أنزلنا عليهم، والمقتسمون المتحالفون الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وأذاهم، كما قال - تعالى - في قوم صالح: (تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ)، أي: نقتلهم ليلاً (الذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ) أي: جعلوا كتبهم المنزلة عليهم أجزاء، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أو معناه اقتسموا كتبهم

стр. 992

وجزءوه أجزاءً، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، فعلى هذا من القسمة لا من القسم، والقرآن يطلق على جميع الكتب السماوية، وعن بعضهم هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ ويجزءون القرآن، يقولون: سحر، ويقولون: مفترى، ويقولون: أساطير الأولين، فأنزل الله تعالي بهم خزيًا فماتوا شر ميتة، أو اقتسموا القرآن منهم من قال: سحر، ومنهم من قال: كذب، ومنهم من قال: أساطير الأولين، فعلى هذا الذين جعلوا القرآن عضين بيان للمقتسمين، وهو جمع عضة، وأصلها عِضْوَة، فِعْلَة من عضَّى الشاة، إذا جعلها أعضاء، وعن عكرمة العضة السحر بلسان قريش، (فوَربكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانوا يَعْمَلُونَ) أي: نسأل عن لمية تحالفهم واقتسامهم وجعلهم القرآن عضين، أو عن كل ما فعلوا، يقول: لم فعلتم كذا وكذا، أو سؤال توبيخ لا استعلام، (فَاصْدَعْ) أظهر، (بِمَا تُؤْمَرُ) به من الشرائع، ولا تخفه، وعن مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة، وعن بعضهم ما زال ﷺ مستخفيًا حتى نزلت فخرج هو وأصحابه، (وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ) لا تلتفت إلى أقوالهم، (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) كان عظماء المستهزئين خمسة نفر من كبار قريش، مات كل

стр. 993

واحد منهم في أقرب زمان، (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة أمرهم، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) من أذاك، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ ربكَ)، فاشتغل بتسبيحه وتحميده وتوكل على الله تعالى (وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) المصلين، (وَاعبدْ ربَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ) الموت المتيقن لحاقه. اللهم أمتنا على أحسن الأحوال والأعمال. * * *

стр. 994

سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرونَ آية وستة عشر ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) * * * (أَتَى أَمْرُ اللهِ) أي: القيامة التي هي بمنزلة الواقع في تحققه، أو العذاب الذي وعده نبينا فيمن خالفه، (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) فإنه لا محالة واقع، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)

стр. 995

ما مصدرية أو موصولة بحذف مضاف أي: إن مشاركة ما يشركون رد لما قالت الكفرة لو صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا، (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ) بالوحي، (مِنْ أَمْرِهِ) من أجل أمر الله تعالى، (عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا) أي: بأن اعلموا متعلق بالروح أو بدل منه، (أَنَّهُ) إن الشأن، (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) عقوبتي لمن عبد غيري رجع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) متلبسًا، (بِالْحَقِّ) لتجزى كل نفس بما كسبت، (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) نزه نفسه عن مشاركة غيره فإنه هو الخالق وحده ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق، (خَلَقَ الإِنسَانَ) أي: جنسه، (مِن نطْفَةٍ فإذَا هُوَ) حين استقل، (خَصِيمٌ) يخاصم ربه ويكذب رسله، (مبينٌ) ظاهر الخصومة، (وَالأَنعَامَ) منصوب بما أضمر عامله، (خَلَقَهَا لَكُمْ) أو عطف على الإنسان وخلقها لكم مستأنفة يبين ما خلق لأجله، (فِيهَا دِفْءٌ) ما يدفأ به من البرد، فإن من أشعارها بيوتًا ولباسًا وملاحف، (وَمَنَافِعُ) بالنسل والدر والركوب وغيرها، (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) قدم الظرف للاختصاص كأن الأكل من الصيد والطيور ليس هو المعتدل بل بمنزلة التفكه، (وَلَكُمْ فيهَا جَمَالٌ): زينة، (حِينَ تُرِيحُون) تردّونها بالعشي من مراعيها إلى مراحها، (وَحِينَ تَسْرَحُون) حين تخرجونها إلى المراعي بالغداة وقدم الأول، لأن الزينة إذا أقبلت ملأى البطون ممتلئة الضروع أظهر، (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) أحمالكم، (إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) إن لم تكن الأنعام، (إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ) بكلفة ومشقة، (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ) عطف على الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم،

стр. 996

(وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) عطف على محل لتركبوها أو تقديره ولتتزينوا بها زينة، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: ويخلق لكم ما لم يحط به علمكم، (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أوجب على نفسه بفضله ولطفه بيان مستقيم الطريق أو معناه طريق الحق على الله تعالي يصل إليه لا محالة من يسلكه والمراد بالسبيل الجنس، (وَمِنْهَا) أي: وبعض السبيل، (جَائِرٌ) مائل عن الحق، (وَلَوْ شَاءَ) هدايتكم، (لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) إلى قصد السبيل. * * * (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)

стр. 997

أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) * * * (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) من جانبه أو من السحاب، (مَاءً لكُم مِّنْه شرابٌ) ما تشربونه ومياه العيون والآبار مما أنزل من السماء، (وَمِنهُ شَجَرٌ فيهِ) أى: في الشجر (تُسِيمُونَ) ترعون أنعامكم والمراد من الشجر الجنس الذي ترعاه المواشي، وقيل هو كل نبت من الأرض، (ينبِتُ لَكُم بِهِ) أي: بسبب الماء (الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أي: بعض كلها لأن ما يمكن من الثمار لم ينبت في الأرض كله، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ

стр. 998

يَتَفَكَّرُونَ) على وجوده وكمال قدرته ووحدته، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ) أي: هيأها لمنافعكم حال كون الكل مسخرات تحت قدرة الله تعالى وسلطانه، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فإن من له عقل يفهم أنواع دلالاتها ولا يحتاج إلى إمعان نظر كأحوال النبات (وَمَا ذَرَأَ لَكُم) عطف على الليل، (فِي الأَرْضِ) من الحيوانات والجمادات، (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) أشكاله، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فإن اختلاف أشكالها دال على حكمته وقدرته، (وهُوَ الذِي سَخَّرَ البَحْرَ) جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به، (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) أي: السمك، (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَة) كاللؤلؤ والمرجان، (تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ) المخر شق الماء بصدرها أو صوت جري الفلك بالرياح، (فيه وَلِتَبْتَعوا مِن فَضْلِهِ) سعة رزقه أي: سخر البحر للأكل والاستخراج والتجارة للربح، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمه وإحسانه، (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) جبالاً ثوابت، (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) كراهة أن تميل بكم وتضطرب فإنه لما خلق الأرض كانت تتحرك فقالت

стр. 999

الملائكة: ما هي بمقر أحد فأصبحت الملائكة وقد خلقت الجبال ولم تدر الملائكة مم خلقت، (وَأَنْهَارًا) أي: وجعل فيها أنهارًا لأن في ألقى معنى الجعل، (وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى مقاصدكم، (وَعَلامَاتٍ) كالجبال والتلال والوهاد وغيرها فإنها علامات للطرق، (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) أي: بجنس النجم خصوصًا لقريش خصوصًا يهتدون في البراري والبحار فإن لقريش بذلك علمًا لم يكن مثله لقوم غيرهم فالشكر عليهم أوجب، (أَفَمَن يَخْلُقُ) وهو الله سبحانه، (كَمَن لَا يَخْلُقُ) وهو كل معبود من دون الله تعالى وغلب جانب أولي العلم فجاء بمن أو المراد الأصنام وجعلها من أولي العلم بزعمهم أو للمشاكلة وحق الكلام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق وعكس للتنبيه على أنَّهم جعلوا الله بالإشراك من جنس المخلوقات العجزة شبيهًا بها، (أَفَلاَ تَذَكرُونَ) فتعرفوا فساد ذلك، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) لا تضبطوا عددها لكثرتها فكيف تطيقون القيام بشكرها، (إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رحيمٌ) حيث لا يعاقبكم بتقصير في شكرها ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) من عقائدكم وأعمالكم، (وَالَّذِينَ) أي: والآلهة الذين، (يَدْعُونَ) أي: يعبدونهم، (مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا) فكيف تجوزون شركتهم مع الله الخالق لا سيما، (وَهُمْ يُخْلَقُون) بخلق الله أو بخلقهم الناس بالنحت والتصوير، (أَمْوَاتٌ) أي: هم أموات لا أرواح لهم، (غيرُ أَحْيَاءٍ) في وقت من الأوقات لا يعقب موته حياة فهم أغرق في الموت من النطف أيضًا،

стр. 1000

(وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) لا يعرفون وقت بعثهم فإن الأصنام تبعث فتتبرأ من عبادتها وقيل: ضمير يبعثون إلى عبدتهم يعني هم جهلاء فلا يستحقون الإلهية. * * * (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) * * * (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بعد ذكر حجج وحدانيته أخبر بالنتيجة، (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) لا يتأملون في الحجج وإن كانت واضحات ويستكبرون عن اتباع الرسل بخلاف من يؤمن بالآخرة فإنه طالبٌ الدلائل متبع للحق، (لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فيجازيهم وهو في موضع الرفع بمحذوف أي: حق أن الله تعالى يعلم سرهم وعلانيتهم حقًّا، (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الُمسْتَكْبِرِينَ) لا يثيبهم، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) السائل الحاجُّ يسألون هؤلاء المكذبين، (قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي: بها يدعي نزوله مأخوذ من الكتب المتقدمة ليس بمنزل من الله تعالى، (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هي لام العاقبة فإن قولهم هذا أدَّاهم إلى حمل أوزار ضلالهم كاملة لم يكفر منها شيء بمصيبة أصابتهم في الدنيا لكفرهم، (وَمِنْ أَوْزارِ) أي: ليحملوا أوزار أنفسهم وبعض أوزار، (الذِينَ يُضِلونَهُم) يعني خطيئة إغوائهم لغيرهم، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من مفعول يضلون أو من فاعله، (أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُون) أي: بئس شيئًا يزرونه صنيعهم. * * *

стр. 1001

(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤) * * * (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ) ليهدموا ما أسس الله تعالى من بنيان دينه، (فأَتَى اللهُ) أي: أَمْرُ الله تعالى (بنْيَانَهُم منَ القَوَاعِدِ) أي: من جهة أساطين ما بنوا عليه وخُربت من أصله وأُسّه، (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) وصار سبب هلاكهم، (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) لا يتوقعون وهذا على سبيل

стр. 1002

التمثيل وعن ابن عباس ﵄ أن المراد به نمرود حين بنى الصرح ليصعد إلى السماء فهبت الريح وألقت رأسها في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته وكان طولها خمسة آلاف ذراع، (ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ) يذلهم، (وَيَقُولُ) الله تعالي تقريعًا وتوبيخًا، (أَيْنَ شُرَكَائِيَ) في زعمكم ليدفعوا العذاب عنكم، (الذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ): تحاربون، (فِيهِمْ) في سبيلهم، (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ) هم السادة في الدارين إظهارًا للشماتة وزيادة للإهانة، (إِن الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ) العذاب، (عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ تَتَوَفاهُمُ المَلاِئكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) حال من مفعول تتوفى، (فأَلْقَوُا السَّلَمَ) سالموا وانقادوا عند الموت قائلين: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ) كفر وعدوان، (بَلَى) أي: فقالت الملائكة بلى، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فيجازيكم، (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) أي: كل صنف بابها المعد له، (خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى): منزل، (المُتَكَبِّرِينَ) عن عبادة الله جهنمُ.

стр. 1003

(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ ربُّكُمْ قَالُوا) أنزل، (خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنوا) مكافأة، (فِي هَذِهِ) الحياة، (الدُّنْيَا حَسَنةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) لهم، (وَلَنِعْمَ دَارُ الُمتَّقِينَ) دار الآخرة، (جَنَّاتُ عَدْنٍ) خبر مبتدأ محذوف أو مخصوص بالمدح أو بدل من دار المتقين، (يَدْخلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنهَار لَهمْ فيهَا مَا يَشَاءونَ) كلُّ ما يشتهون يجدون فيها لا في الدنيا، (كَذَلِكَ) مثل هذا الجزاء، (يَجْزِي اللهُ المتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفاهُمُ المَلاِئكَةُ طَيِّبِينَ) طاهرين من الشرك وقيل: فرحين (يَقُولُونَ) أي: الملائكة (سَلامٌ عَلَيْكُم) لا يلحقكم بعد مكروه وقيل: يبلغونهم سلام الله تعالى، (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) المعدة لكم حين تبعثون ويمكن أن يكون المراد دخول أرواحهم الجنة قبل البعث كما في الحديث، (بِمَا كنتمْ تَعْمَلُونَ هَلْ يَنظُرُونَ) أي: هل ينتظر الكفرة، (إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ المَلاِئكَةُ)، لقبض أرواحهم، (أَوْ يَأْتِيَ أَمْر ربِّكَ)، العذاب والهلاك أو القيامة يعني ما لهم إما أن يموتوا حتف أنفهم أو يقتلوا فكأنهم لا ينتظرون إلا فردًا من هذين لكن المؤمنون ينتظرون أنواع رحمة الله تعالى بعد الموت، (كَذَلِكَ) أي: مثل فعلهم من التكذيب، (فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ) بتعذيبهم، (وَلَكِن كَانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون) فاستحقوا به عذاب الله تعالى

стр. 1004

(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي: وبال سيئات عملهم، (وَحَاقَ): أحاط، (بِهِم) جزآء، (مَّا كَانوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ). * * * (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) * * * (وَقَالَ الَّذِينَ أَشركُوا لَوْ شَاءَ اللهُ) أن لا نعبد غيره، (مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شيْءٍ نحْنُ) أي: ما عبدنا نحن، (وَلاَ آباؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شيْء) أي: البحيرة والسائبة وغيرهما ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا ولما مكننا منه وقيل: إنما قالوا استهزاء، (كذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) من الشرك وتحريم الحلال ورد الرسل، (فَهَلْ عَلَى الرسُلِ إِلا البَلاغُ الُمبِينُ) أي: ليس الأمر

стр. 1005

كما زعمتم من عدم الكره كيف وقد أنكرنا عليكم أشد الإنكار بلسان رسلنا وإنما عليهم التبليغ لا الإهداء، (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَّسُولاً أَن اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطاغُوتَ) أي: بعثناهم بذلك الأمر فكيف يتمسكونَ بمشيئته؟! (فَمنهُم منْ هَدَى اللهُ) فلا يشرك ولا يحرم حلاله، (وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ) وجبت، (عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) إذا يوفقهم ولم يهدهم فالله تعالى عنهم غير راض؛ بل أراد شقاوتهم، (فَسيرُوا) يا معشر قريش، (فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقبَة المُكَذِّبِينَ) حتى تعرفوا أنهم في سخط من الله تعالى، (إِن تَحْرصْ) يا محمد، (عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) من أراد الله تعالى إضلاله ولا يغير إرادته القديمة بحرصك على هدايتهم، (وَمَا لَهُم مِّن ناصِرِينَ) ينصرونهم وينجونهم من عذابه عطف على إن الله أي: إن تحرص على هدايتهم فلا فائدة فيه، لأن الله لا يهديهم وليس لهم ناصر فمجموع المعطوف والمعطوف عليه علة للجزاء قائمة مقامه. (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) غلظوا في الحلف، (لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى) يبعثهم، (وَعْدًا)، مصدر مؤكد لنفسه فإن بلي دال على وعد الله تعالى

стр. 1006

بعثهم، (عليهِ) إنجازه لامتناع خلف وعد (حَقًّا) صفة أخرى لوعدًا، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أنَّهم يبعثون، (لِيُبَيِّنَ) أي: يبعثهم ديبين، (لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) الضمير لمن يموت والمختلف فيه هو الحق، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) في إقسامهم لا يبعث الله من يموت، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) أي: احدث، (فَيَكُونُ) فيحدث وهو بيان سهولة الأشياء له حتى يعلم أن البعث لا يتعسر على الله بوجه. * * * (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)

стр. 1007

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لله وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلله يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) * * * (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ) أي: في رضاه وحقه، (مِن بَعْدِ مَا ظُلموا)، عذبوا وأوذوا والمراد المهاجرون إلى الحبشة وغيرها كعثمان بن عفان ﵁ وجعفر بن أبي طالب ﵁ وغيرهما، (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا) تبوئة، (حَسَنَةً) وهى أن مكنهم الله تعالى في البلاد وحكمهم على رقاب العباد فصاروا أمراء حكامًا وللمتقين إمامًا أو مباءة حسنة وهي المدينة، (وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) مما أعطى لهم في الدنيا، (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) قيل الضمير للكفار فإن المؤمنين يعلمون، (الذينَ صَبَرُوا) منصوب أو مرفوع على المدح، (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُونَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا) لا ملائكة رد على من قال: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، (نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أهل الكتاب ليخبروكم أنَّهم بشر لا ملائكة، (إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بالْبَيّنَاتِ وَالزُّبُرِ) كأنه جواب قائل: بم أرسلوا؟ فقال: أرسلناهم بالمعجزات والكتب وقيل صفة رجالاً، وقيل: متعلق بما

стр. 1008

أرسلنا، وقيل: بما تعلمون أو بـ نوحي، (وَأَنزَلنا إِلَيْكَ): يا محمد، (الذِّكْرَ):، القرآن، (لِتبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) يعني لتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيما أنزلنا إليك فيهتدون، (أَفأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا) المكرات، (السَّيِّئَاتِ) كأهل مكة، (أَنْ يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأَرْضَ) كما خسف بقارون، (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) لا يعلمون مجيئه إليهم، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ): في المعايش واشتغالهم بما من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية، أو تقلبهم في الليل والنهار، (فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) الله، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) أي: في حال خوفهم من أخذه لا بغتة أو على تنقص بأن يأخذ شيئًا بعد شيء حتى يستأصلوا، (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) حيث لا يعاجلكم بعقوبته، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ الله) ما موصولة مبهمة، (مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ) بيانه أي: يميل ويدور، (عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ) جمع الشمال باعتبار كل حتى ما خلق الله تعالى، (سُجَّدًا لله) حال من الظلال كل شيء له ظل يسجد ظله لله تعالى ولا يبعد ذلك عن قدرة الله تعالى أو

стр. 1009

سجودها انقيادها لما قدر له من التفيؤ، أو حال من ضمير ظلاله قال كثير من السلف: إذا زالت الشمس سجد كل شىء لله تعالى، (وَهُمْ دَاخِرُونَ): صاغرون حال من ضمير ظلاله لأنه في معنى الجمع وجمعه بالواو والنون للتغليب، أو لأن الدخور والسجود من أوصاف العقلاء واليمين يمين الفلك أي: الجانب الشرقي والشمال الجانب الغربي أو المراد من اليمين والشمائل جانبا كل شيء استعارة من يمين الإنسان وشماله، (وَلله يَسْجُدُ): ينقاد، (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ) والدبيب هي الحركة الجسمانية فجاز أن يكون بيانًا لما في السماوات أيضًا (وَالْمَلائكَةُ) عطف على ما في السماوات عطف خاص على عام فإن في السماوات غير الملائكة من الأرواح، (وَهُمْ لاَ يَسْتكبرُون) عن عبادته، (يَخَافُونَ رَبَّهُم) حال أو بيان أو تأكيد لنفي الاستكبار، (مِن

стр. 1010

فَوْقِهِمْ) أي: حال كون الرب قاهرًا عاليًا لهم، وهو القاهر فوق عباده، أو

стр. 1011

معناه يخافون من فوقهم، أي: أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم، وقيل: أي يخافون والحال أن الملائكة من فوق ما في الأرض من الدواب فمن دونهم أحق بالخوف، (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). * * * (وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لله الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلله الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) * * * (وَقَالَ اللهُ لاَ تَتخِدوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) فإن الاثنينية تنافي الإلهية، (إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِدٌ) فإن الوحدة من لوازم الإلهية، (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد فإياى فارهبون لا غيرى، (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ) أي: الطاعة، (وَاصِبًا) دائمًا فإن طاعة غير الله تنقطع، (أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ) مع أنه ْ

стр. 1012

تعالى خالق الأشياء وحده، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) ما شرطية، أي: أي شيء اتصل بكم من النعم فهو من الله تعالى، (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) إليه لا إلى غيره تتضرعون، (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) وهم الكفار، (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) من النعم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعم واللام لام العاقبة، (فَتَمَتَّعُوا) أمر وتهديد، (فسَوْفَ تَعْلَمُونَ): عاقبة أمركم، (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُون) أي: لأصنامهم التي لا علم لهن فضمير الجمع لما، (نَصيبًا مِّمَّا رَزَقناهُمْ)، كما مر (هَذَا لله بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) [الأنعام: ١٣٦]، (تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ) سؤال توبيخ، (عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) من إثبات الشريك وغيره، (وَيجْعَلُونَ لله البَنَات): يقولون: الملائكة بنات الله تعالى، (سُبْحَانَهُ) تنزيه له من قولهم، (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) أي: البنون والجملة مبتدأ وخبر، أو تقديره يجعلون لهم ما يشتهون، أي: يختارون لأنفسهم البنين، (وَإِذا بُشِّرَ): أخبر، (أَحَدُهُم بِالأُنْثَى) بولادتها، (ظَلَّ) صار، (وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) من الكآبة وهو كناية عن شدة الغم، (وَهُوَ كَظِيمٌ) مملوٌ غمًّا وغيظًا، (يتوَارَى): يستخفي، (مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ) الضمير لما ولفظه مذكر، أي: متفكرًا في أن يتركه، (عَلَى هُونٍ): على ذل، (أَمْ يَدُسُّهُ): يخفيه، (في التُّرَابِ) فإنهم كانوا يدفنون البنات أحياء، (أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) حيث يجعلون لمن تنزه عن الولد أخس الولد عندهم، (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ): صفة النقص،

стр. 1013

وَلله الْمَثَلُ الْأَعْلَى) الكمال المطلق والنزاهة عن صفات الخلائق، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): المتفرد بكمال الغلبة والحكمة التامة. * * * (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لله مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) * * * (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم) بما كسبوا من المعاصي، (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) الضمير للأرض لدلالة الدابة عليها، (مِن دَابَّةٍ) وعن بعض السلف كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم، وعن بعضهم معنى من دابة: من مشرك يدب على

стр. 1014

الأرض فإنه لو أهلك الآباء الكفرة لم تكن الأبناء، (وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى) انقضاء عمرهم المقدر فيتوالدون، (فَاِذَا جَاءَ أَجَلُهم) أي: وقته، (لاَ يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) أي: لا يمهلون لحظة، (وَيَجْعَلُونَ لله مَا يَكْرَهُونَ) أي: ما يكرهون لأنفسهم من البنات والشريك في الرياسة والأموال، (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ) فسر الكذب بقوله: (أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى) كما قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) [فصلت: ٥٥]، (لاَ جَرَمَ) أي: ليس الأمر كما زُعم كسب قولُهم هذا، (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) مقدمون إلى النار من الفرط وهو السابق إلى الماء أو منسيون من أفرطت فلانًا خلفي إذا نسيته ومن قرأ بكسر الراء فهو من الإفراط بالمعاصي، (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا): رسلاً، (إِلَى أُمَمٍ من قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) فأصروا على ما هم عليه ولم يتبعوا رسلنا فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، (فهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ) أي: الشيطان ناصرهم الآن وهم تحت نكاله ومن هو ناصره فالويل عليه، وقيل: المراد من اليوم يوم القيامة، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): في الآخرة، (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ): للناس، (الذِي اخْتَلَفُوا فيهِ): من أمر الآخرة، (وَهُدًى وَرَحْمَةً) معطوفان على

стр. 1015

محل لِتُبَيِّنَ ولا يجوز أن يقال إلا تبيينًا لأنه فعل المخاطب لا المنزل بخلاف الهداية والرحمة، (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) لا لمن هو أصم فيتدبر في دلالته على البعثة المختلف فيها. * * * (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) * * * (وَإِن لَكمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) دلالة على كمال قدرته، (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ): لما كان الأنعام اسم جمع وحد ضميره ومن قال: جمع نَعَم فالضمير للبعض

стр. 1016

فإن اللبن لبعضها أو من للتبعيض، (مِن بَيْنِ فَرْثٍ) هو ما في الكرش من الثفل ومن للابتداء، (وَدَمٍ لبَنًا خَالِصًا): صافيًا ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث، (سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ) هنيئًا يجري على السهولة في حلوقهم، (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ) متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمراتهما يعني عصيرهما، (تَتَّخِذونَ) استئناف لبيان الإسقاء، (مِنه سَكَرًا) وهو الخمر والآية قبل تحريمه وتذكير الضمير لأنه يرجع إلى المضاف المقدر أعني العصير قيل من ثمرات متعلق بـ تتخذون ومنه تكرير التأكيد، وقيل: تقديره ومن ثمراتهما ثمر تتخذون منه فتتخذون صفة لمبتدأ محذوف، (وَرِزْقًا حَسَنًا) كالخل والدبس، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يستعملون عقولهم قيل: ناسب ذكر العقل ها هنا فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرم السكر صيانة لعقولهم، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) ألهمها وأرشدها، (أَنِ اتَّخِذِي) أي: بأن اتخذي أو أن مفسرة للوحي وتأنيث الضمير لأن المراد منه الجمع، (مِنَ الجبالِ بُيُوتًا) تأوي إليها، (وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ضمير الجمع للناس يعني أرشدنا النحل باتخاذ المسكن لأنفسها من الجبال والأشجار ومما يبنون لها في أي موضع كان أو منهما ومن البيوت فإنه قد يكون بيوت الناس مسكنه، (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) التي تشتهينها، (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) في الجبال والبراري والأودية في ذهابك إلى رعيك وإيابك إلى بيتك، (ذُلُلًا) حال كون السبل مُذَلَّلَة سهلها لك أو اسلكي أنت حال كونك ذُلُلًا منقادة لما أمرتك به، (يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ) هو

стр. 1017

حال كونك ذُلُلًا منقادة لما أمرتك به، (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شرًابٌ) هو العسل، (مخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ) أبيض وأصفر وأحمر وأسود، (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) في الحديث: (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في صنع الله وإحكام أمره، (وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أخسه وهو الهرم وعن علي ﵁ أنه خمس وسبعون سنة ففيه ضعف القوى وسوء الحفظ وقلة العلم، (لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا): ليصير إلى حالة شبيهة بالطفولية في أكثر الأشياء، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بما يصنع، (قَدِيرٌ) على ما يريد. * * *

стр. 1018

(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لله الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) * * * (وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) بسط على واحد وضيق على آخر، (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا): في الرزق، (بِرَادِّي): بمعطي، (رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) أي: مماليكهم، (فَهمْ فيه سَوَاءٌ): فيستوون في الرزق عن ابن عباس ﵁ وغيره يقول الله تعالى: " لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟! " فهو رد وإنكار على المشركين حيث لا يرضون أن يكون حيوانًا مثلهم شريكًا لهم ويقولون مخلوقات الله شركاؤه في

стр. 1019

ألوهيته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، (أَفبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُون) حيث يتخذون معه شركاء والباء لتضمين الجحود معنى الكفر، وقيل: معناه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم فكان ينبغي أن تَرُدوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس ثم جعل عدم ردهم إلى المماليك من جملة جحود النعمة، (وَاللهُ جَعَلَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ) أي: من جنسكم، وقيل: المراد خلق حواء من آدم، (أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنينَ وَحَفَدَةً) أولاد الأولاد، أو بني امرأة الرجل أي: الربائب أو الخدم فعلى هذا تكون عطفًا على أزواجًا لا على بنين أو البنات أو الأختان أي: الأصهار والحفد في اللغة الخدمة، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) اللذائذ، (أَفَبِالْبَاطِلِ): الأصنام، (يؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) حيث يضيفونها إلى غيره، (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): لا المطر ولا النبات والثمار، (شَيْئًا) بدل من رزقًا أي: لا قليلاً ولا كثيرًا وإن جعلت رزقًا مصدرًا فمفعوله أي: لا يملك أن يرزق شيئًا، (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) أي: لا يستطيع تلك الآلهة أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلاً، (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمثالَ): لا تشبهوه بخلقه فإن ضرب المثل تشبيه ذات

стр. 1020

بذات أو وصف بوصف وتعالى عن ذلك، (إِنْ الله يَعْلَمُ) خطأ ما تضربون، (وَأَنتم لاَ تَعْلَمُونَ) قيل: معناه لا تضربوا لله المثل فإنه يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، ثم علمهم كيف تضرب فقال: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكاً) لا عبدًا حرًا، (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) هو تمثيل للكافر والمؤمن فالكافر رزقه الله مالًا فلم يقدم فيه خيرًا فهو كالعبد لا يملك شيئًا وإن كان هو متصرفًا فيه، والمؤمن أعطاه الله مالاً فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فِي رضاه سرًّا وجهرا فهو كالحر يتصرف في ماله ولا يسلب عنه أبدًا، أو مَثَّل الصنم بالمملوك العاجز ومثَّل نفسه الأقدس بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً يتصرف فيه كيف يشاء فالتسوية بينهما مع الاشتراك في النوعية ممتنعة فكيف بالقادر الغني المطلق والصنم العاجز على الإطلاق؟! وجمع الضمير في يستوون، لأن معناه هل يستوي الأحرار والعبيد؟! (الحَمْدُ لله) كل الحمد له لأنه وحده مُولي النعم كلها، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون)، أنه وحده مُولي النعم فيعبدون غيره، (وَضَرَبَ اللهُ مَثلاً رَّجُلَيْنِ) أي: جعل رجلين مثلاً، (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ): ولد أخرس، (لاَ يَقْدِرُ عَلَى شيْءٍ) من الصنائع لنقصان جسده وعقله، (وَهُوَ كَلٌّ)
следующие страницы →